الرواية العراقية: رصد الخراب العراقي في أزمان الديكتاتورية والحروب والاحتلال وسلطة الطوائف
The Iraqi Novel: Recording the Destruction of Iraq in Times of Dictatorship, Wars, Occupation, and Sectarian Rule
الملخّص
تميّزت التجربة العراقية عن مثيلاتها في الوطن العربي بسبب طبيعة التطورات السياسية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث منذ نشوء دولته عام 1921 : صراع سياسي دموي، حركات معارضة مسلحة في جبال العراق منذ أربعينيات القرن الماضي، انقلابات عسكرية دموية أدت إلى ديكتاتورية دموية قادت إلى حروب دموية وحصار اقتصادي طويل، ثم احتلال. هذه الظروف كلها أفرزت في ربع القرن الأخير تقسيمًا حادًا بين نمطين من السرد: الأول، مكتوب في ظل الديكتاتورية، وقد تميّز بنصوص لجأت إلى الرمز والأسطورة وتاريخ العراق القديم، في بنية روائية أضافت أشكالاً فنية جديدة إلى السرد العربي، لكنها تحاشت الخوض في محنة العراقي في زمنها.
Abstract
The Iraqi experience differs to other Arab experiences in the region because of the nature of its political and social developments since the creation of the Iraqi state in 1921: bloody political conflict, armed opposition movements in the Iraqi mountains from the 1940s, military coups that led to a tyrannical dictatorship that in turn led to bloody wars, a long economic embargo, then occupation. All these circumstances have, over the last quarter century, produced a sharp divide between two forms of narrative. The first is written in the shadow of dictatorship and is characterized by texts that have resorted to symbolism, myth, and the ancient history of Iraq to construct a novel that added new artistic forms to Arabic prose but avoided delving into Iraq’s contemporary troubles.
- الرواية العراقية
- الاحتلال
- الطوائف
- الديكتاتورية
- الأسطورة.
- الرمز
- Iraqi novel
- Occupation
- Sectarianism
- Dictatorship
- Symbolism
- Myth
تميّزت التجربة العراقية من مثيلاتها في الوطن العربي بسبب طبيعة التطورات السياسية والاجتماعية في
تاريخ العراق الحديث منذ نشوء دولته عام 1921: صراع سياسي دموي، حركات معارضة مسلحة
في جبال العراق منذ أربعينيات القرن الماضي، انقلابات عسكرية دموية أدت إلى ديكتاتورية دموية
قادت إلى حروب دموية وحصار اقتصادي طويل، ثم احتلال. هذه الظروف كلها أفرزت في ربع
القرن الأخير تقسيما حادًا بين نمطين من السرد: الأول، مكتوب في ظل الديكتاتورية، وقد تميّز ب:
نصوص التجأت إلى الرمز والأسطورة وتاريخ العراق القديم، في بنية روائية أضافت أشكالا فنية
جديدة إلى السرد العربي، لكنها تحاشت الخوض في محنة العراقي في زمنها. وقد أشرنا إلى بعضها من
دون تحليله بسبب ضيق المجال؛ نصوص بررت ثقافة الحرب في بنية روائية مجّدت قيم القتل والعنف،
وقد أشرنا في البحث إلى مصادرها التي يستطيع الباحث العودة إليها؛ نصوص تناولت مناحي
الواقع الاجتماعي في زمنها لكنها تحاشت جوهر المعاناة، فالتبس السرد ووقعت الشخصيات في لجة
الغموض؛ نصوص تحاشت بشكل عام الاقتراب من المحرّمات الثلاثة: السياسة والجنس والدين.
الثاني، مكتوب في ظل الحرية في المنفى، وقد تميّز ب: رسم أبعاد الإنسان العراقي الواقع في ظل
الديكتاتورية والحرب رسماًاتّسم بالعمق والوضوح، مصورًا معاناته وعذابه وخوفه ومقاومته
وعناده وخيبته وانكساره؛ مراجعة التاريخ العراقي الحديث من خلال نصوص روائية تبحث فيه،
في محاولة لقراءة تاريخ العنف من خلال بنية العلاقات الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى هذا
الحاضر المأساوي؛ ظهور بنية روائية جديدة من خلال تراكم نصوص السيرة الروائية التي تميزت
بحرارة تجربة كتّابها، الذين خاضوا الحرب في الجبهات وذاقوا مرارة التشرد، والتزموا الصدق
في الكتابة، وهو ما ول د نمطًا روائيًا جديدًا في تاريخ الرواية العراقية والعربية يحتاج إلى دراسات
متخصصة؛ تناول «تيمات» جديدة لم تتطرق إليها الرواية العراقية، كمعاناة المنفى واختلاف الثقافات
ومشكلة الهوية، ومعاناة الجندي في المؤسسة العسكرية العربية بنموذجها العراقي، وتجربة النضال
المسلح، ومعاناة المقاتل في جبال العراق، إذ تنفرد هذه التجربة الطويلة، كنموذج يكاد يكون وحيدًا
في الوطن العربي، بحركة مسلحة قاومت سلطة ديكتاتورية وليس احتلالا، ومعاناة المرأة الطليعية
العراقية التي نشطت في الحركات السياسية، والحفر في بنية المجتمع الأخلاقية، وتعرية زيف القيم
والأعراف والتقاليد؛ هزّ المحرّمات الثلاثة: الجنس والدين والسياسة؛ تنوّع الأساليب والصوغ
الفني المتراوح بين بنية نص تقليدي وبنية نص يخوض في أقصى أشكال التجريب.
غلب التيار الواقعي على كتابة القصة والرواية منذ نشأتهما في عشرينيات القرن الماضي؛ إذ كان الكتّاب
في أغلبيتهم يؤمنون بالفكر الماركسي، ويبرشّ ون في مقالاتهم بأفكار الاشتراكية، منظّرين ومحدّدين
الرؤيا الفكرية التي ستسود لاحقًا. وتميِّز النص الروائي العراقي دون غيره من النصوص العربية - بالمقارَنة،
على سبيل المثال، بتطور الرواية في مصر، حيث ظهرت روايات تاريخية، روايات رومنسية، وروايات اجتماعية
تصوّر الواقع الاجتماعي المصري في زمنها- بارتباطه المباشر بتاريخ العراق وحوادثه السياسية وتحولاته العنيفة،
أكان من خلال تيمة الرواية أم من خلال شخصياتها وطبيعة الحكاية التي ترويها للقارئ. هذا التوجّه تجسَّد من
خلال انهماك روّاد النص القصصي والروائي بالعمل السياسي الميداني المباشر وبالكتابة التبشيرية، وقيامهم بدور
الداعية والمصلح الاجتماعي والناقد في مقالات نشُرت في الصحافة وقتها، تناقش الأدب وطبيعته وعلاقته
بالمجتمع، وهو ما بلور هذا التوجّه ورسّخه ليظل سمة ملازمة للأدب العراقي حتى الآن. هذه السمة وَسمت النص النثري العراقي منذ النشأة؛ فقد تحمّل عبء النهضة، وغلبت عليه في مراحله
المبكرة الصفة التعليمية والدعائية في ميدان الاجتماع والسياسة، وهي الصفة التي ستظهر بشكل أوضح
في فترة ما بين الحربين العالميتين، حين تصاعد النضال الوطني واحتدم من أجل الاستقلال وفك الارتباط
بالاستعمار الإنكليزي. تأخر ظهور الرواية في العراق مقارنةً بالقصة القصيرة والشعر والفنون الأخرى؛ فمنذ صدور رواية جلال
خالد لمحمود أحمد السيد عام 1928 وحتى صدور أول رواية أسست للرواية الفنية العراقية، النخلة
والجيران لغائب طعمة فرمان عام 1966، لم نحصِ سوى ثلاث روايات غير ناضجة فنيًا هي: مجنونان
لعبد الحق فاضل (1939)، والدكتور إبراهيملذي النون أيوب (1939 لذي النون)، و اليد والأرض والماء
أيوب أيضًا.)1948(هنا، يمكن الإشارة إلى قصة فؤاد التكرلي الطويلة الوجه الآخر، التي لها مقوّمات الرواية الفنية القصيرة وكانت
قد صدرت ضمن مجموعته القصصية التي تحمل الاسم نفسه عام.1960
علاقة الرواية بالصراع السياسي الدموي في العراق
قبل ظهور أول رواية عراقية ناضجة فنيًا، كان العراق المضطرب سياسيًا، منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى
استلام العسكر السلطة بانقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 الذي سجّل أول ظهور لميليشيات الأحزاب (المقاومة
الشعبية التابعة للحزب الشيوعي العراقي)، قد دخل صراعًا دمويًا على السلطة السياسية بسلسلة محاولات
انقلابية فاشلة على سلطة عبد الكريم قاسم (1958 – 1963)، تبعتها حمّامات دم وسحل أجساد المتآمرين في
الشوارع، في تقليد بدأته السلطة الوطنية التي تمثّلت في سلطة الضباط الأحرار (الجيش) بمذبحة العائلة الملكية
في قصر الرحاب في تموز/ يوليو 1958 وسحل جثتي الوصي على العرش عبد الإله ورئيس الوزراء نوري
السعيد في شوارع بغداد، ليتوّج العنف في ذروة جديدة أشرس وقعًا ودموية بانقلاب 8 شباط/ فبراير 1963
وظهور ميليشيات حزب البعث (الحرس القومي)، التي نكّلت بالشيوعيين اغتصابًا وقتلا تحت التعذيب،
واغتيالا في الشوارع، ودفنًا وهم أحياء، واحتجازًا في السجون والمعتقلات التي غصّت بهم. والتاريخ الدامي
هذا سيتردد صداه في الرواية العراقية لاحقًا.
ثم جاء انقلاب تشرين الثاني/ نوفمبر 1964 الذي أزاح سلطة البعث، لكن البعث عاد بانقلاب مضاد في 17 تموز/يوليو 1968 ليطوّر سلطة ديكتاتورية تصنّعت الانفتاح على مختلف القوى السياسية، فتحالفت
معها واحدة بعد أخرى لتصفّيها وتنفرد بسلطة تركزت بشخص الديكتاتور صدام حسين، الذي استولى على رئاسة الجمهورية بحفلة تصفية دموية داخل حزبه عام 1979. وراح يعدّ العدّة لحربه الطويلة على إيران
1980(– 1988)، ثم احتل الكويت عام 1990 فأدخل العراقَ في حرب غير متكافئة عام 1991 انتهت بحصار اقتصادي طويل نخر في بنية المجتمع العراقي وخرّبه من الداخل تخريبًا مضافًا إلى تخريبه بالقمع،
لينتهي الأمر بسقوط العراق تحت نير الاحتلال وتسليمه إلى القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها،
حيث أُقحم في دوامة عنف جديدة لا تزال مستمرة حتى الآن، وكان قد سبقها تاريخ دموي من قتل ومقابر جماعية وإعدامات ميدانية على جبهات الحرب وفي الملاعب الرياضية والساحات، واختفاء مئات الآلاف من الشباب إلى الأبد. وقد جعل التاريخ العراقي الدموي خلال الأعوام الثلاثين المنصرمة الإنسان العراقي مشغولا بمحنة النجاة بنفسه من موت ظل يتهدده كل لحظة، أكان على جبهات الحرب أم في المعتقلات والسجون أم بين فكي الجوع في زمن الحصار.
كيف انعكست هذه الظروف على الروائي والرواية حصرًا؟
بعد مخاض طويل وعسير، ول دَت أول رواية عراقية مستكملة شرطها الفني، وذلك بصدور روايةِ النخلة والجيران لغائب طعمة فرمان. وهي رواية متعددة الأصوات، تناولت واقع بغداد أيام الحرب العالمية الثانية من خلال حياة مجموعة من الناس الفقراء في حي شعبي وسط بغداد. ثم تلتها رواية خمسة أصوات للروائي نفسه، الذي تناول فترة الخمسينيات ومخاضها الفكري والسياسي في إبان احتدام الصراع الذي تُوّج بولادة
النظام الجمهوري على يد العسكر، عبر خمسة أصوات في الوسط الثقافي والصحافي. ثم صدرت لفرمان الذي سينفرد بتثبيت أركان الرواية العراقية الفنية، رواية المخاض التي تناولت عراق ما بعد عام 1958 من خلال مغترب يعود إلى بغداد بعد غيابه خمسة أعوام فيجد أنها تبدلت. والحكاية حكاية الكاتب نفسه الذي عاد إلى العراق ولم يمكث سوى عام واحد ليعود إلى موسكو ويبقى فيها حتى وفاته عام 1991، لتأتي بعد ذلك روايته القربان. عُنيت هذه الروايات في معظمها بتصوير الأجواء الشعبية، واستخدمت اللهجة العراقية الدارجة في الحوار.
ومن الجدير بالذكر أن معظمها كُتب في المنفى خلال فترة إقامة كاتبها في موسكو، حيث توافرت له ظروف استقرار نسبي منحته القدرة على تأمل التجربة والكتابة عنها.
1 النخلة والجيران (بيروت.)1966:
2 خمسة أصوات (بيروت.)1967:
3 المخاض (بغداد.)1974:
4 القربان (بغداد.)1975:
في هذه الفترة، صدرت أيضًا روايات لكتّاب شباب ليست ذات أهمية تُذكر باستثناء رواية الوشم لعبد الرحمن
مجيد الربيعي، ورواية القلعة الخامسة لفاضل العزاوي، وهي تحكي قصة موظف بسيط يأتي من كركوك في إجازة، ويجلس في مقهى وسط بغداد يحلم - ريثما يجد قوّادًا - بقضاء ليلة مع عاهرة، لكنه يتعرض للاعتقال
والسجن مع الشيوعيين، ويتحول إلى سياسي، كاشفًا طبيعة حياة السجن ونمط تفكير الشخصية الحزبية في نظرتها القاصرة إلى الحياة. ورغم تواضع الرواية من حيث الصوغ الفني ومحدودية شخوصها وتصنّع لغتها،
فإنها أسست لرواية السيرة التي ستتدفق لاحقًا. فيما كان العراقي مشغولا بالحرب التي أشعلها الديكتاتور مع إيران وبحملة «بعثنة» المجتمع العراقي قسرًا بتوقيع
المواطن المادة رقم 200، التي تحكم عليه بالإعدام سلفًا إذا مارس نشاطًا سياسيًا في حزب غير حزب البعث،
صدرت رواية الرجع البعيد لفؤاد التكرلي، وجاءت مختلفة بنية وصوغًا فنيًا عن نصوص غائب فرمان؛ إذ
إنها عُنيت بالبُعد الداخلي لشخصياتها المنتقاة من بيئة مثقفة مشارِكة في الصراع السياسي الذي احتدم بعنف بين
القوى القومية والقوى الماركسية عقب 14 تموز/ يوليو 1958، معتمدة التحليل النفسي للشخصيات، وملقية الضوء على تمزّقها الداخلي، بالإضافة إلى رصدها مرحلة مهمة من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي المرتبط
بشيوع العنف بشكل سافر. في ظروف القمع والحرب تلك، كان من المستحيل الحديث عن الكتابة الروائية، ناهيك بتخيّل روائي عراقي
يجلس إلى طاولة الكتابة ليتأمل ويكتب؛ فقد عانى كاتب الرواية، أو من كان يحاول كتابتها، ما كان يعانيه
العراقي من تهديد مباشر لكينونته، فأدى ذلك إلى هجرة كبيرة لمبدعي العراق، من ضمنهم الروائيون، علام بأن عددًا كبيرًا ممّن سيكون لهم شأن في كتابة النص الروائي الجديد كان قد هاجر في سبعينيات القرن الماضي
لأسباب مختلفة، ومن أبرز هؤلاء فاضل العزاوي وعالية ممدوح وسلام عبود وهيفاء زنكنه وعارف علوان وبرهان الخطيب. وقد أدت ظروف القمع الشديد قبيل الحرب، في أوج حملة تصفية المعارضين، إلى هجرة عدد آخر مثل زهير الجزائري وسليم مطر وعلي عبد العال ونجم والي. وتبعهم من اضطر إلى الهرب من جبهات القتال، ملتحقًا بالحركات المسلحة في جبال العراق، مثل جنان جاسم حلاوي وشاكر الأنباري وحميد العقابي وسلام إبراهيم (كاتب هذه السطور). مع ضرورة الإشارة إلى أن الكتّاب المذكورين كانوا في أغلبيتهم وقت هجرتهم غير
مكرَّسين كروائيين، فبعضهم لم يكن حينذاك قد نشر نصًا وبعضهم الآخر لم يكن قد أصدر أهم نصوصه. أعقبت هذه الهجرةَ هجرةٌ أخرى شملت عددًا من الروائيين عقب احتلال الكويت وفترة الحصار الاقتصادي،
من أبرزهم فيصل عبد الحسن وهدية حسين وعلي بدر وسنان أنطوان. أدت هذه الظروف إلى ولادة نصَيّن عراقيين: نص مكتوب تحت ظروف القمع (زمن الديكتاتور)، ونص مكتوب
في ظروف الحرية في المنفى. ولكل نص سماته الفكرية والفنية كما فيه الغث والسمين. ووفق هذا التقسيم، من الممكن النظر بموضوعية إلى النص الروائي وطبيعته.
5 الوشم (بيروت.)1972:
6 القلعة الخامسة (دمشق.)1972:
7 الرجع البعيد (بيروت.)1980:
نصٌّ مكتوب تحت ظروف القمع لقد أفرزت ظروف القمع والحرب:
والرعب، على النحو الذي صورته تلك النصوص.
بحث عن الهوية، لكنه لجأ في رواياته اللاحقة إلى الغموض والإبهام.
بوضوح إلى الأسباب السياسية.
تقول شيئًا.
9 بصرياثا (دمشق: دار المدى،.)1996
10 الحافات (بغداد: دار الشؤون الثقافية،.)1989
11 قبل أن يحلق الباشق (بغداد: دار الشؤون الثقافية،.)1990
12 الراووق (بغداد: دار الشؤون الثقافية.)1986
13 من يفتح باب الطلسم (بغداد: دار الرشيد،.)1982
14 من يرث الفردوس (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1989
15 خسوف برهان الكتبي (مدريد: دار ألواح،.)2000
16 بيت على نهر دجلة (دمشق: دار المدى،.)2006
17 صراخ النوارس (بيروت: دار الآداب،.)1997 مأتم، وأد.
19 روايات أحمد خلف هي: الخراب الجميل (1980) وموت الأب (2003) وحامل الهوى.)2005(
– روايات الحرب، وهي روايات مجّدت قيم الحرب والموت والوطنية الزائفة، وأعرضت عن عذابات الإنسان
في محنة تهدد كينونته. وهذا يجده القارئ والمتابع في سلسلة روايات وقصص قادسية صدام، التي هي نصوص لا قيمة فنية لها، إذ ليس في تاريخ الإنسانية حرب تجعل الإنسان سعيدًا بموته وفرحًا بفراق الأحباب وتجرُّع الألم – نص لجأ إلى التاريخ والأسطورة والرمز، منشغلا عن هموم العراقي في محنته زمن الديكتاتور ومتغربًا عن زمنه،
كنصوص محمد خضير في كتابه بصرياثا ومحمود جنداري في الحافات، أو جاعلا من العراق في أول نشوء
دولته الحديثة ميدانًا، كما في قبل أن يحلّق الباشق لعبد الخالق الركابي الذي جعل شخوص روايته في رحلة
وقد تعذّرت الكتابة الواضحة بدرجة متزايدة مع اشتداد وطأة القمع، فكانت حوادثها غامضة وشخوصها أكثر إبهامًا، لا يعرف القارئ ما تريده رغم أنها تبدو مهمومة بالإنسان لكنها لا تفصح عن طبيعة ذلك الهمّ، أو بتعبير
أدق شغلَته بهموم بدت بعيدة عن واقعه، حيث كان يسحق يوميًا في جبهات القتال وفي المعتقلات والسجون
كما في روايتي الركابي الراووق ومن يفتح باب الطلسم، وروايتي لطفية الدليمي من يرث الفردوس
وخسوف برهان الكتبي. نستثني من ذلك روايتي بيت على نهر دجلة وصراخ النوارس لمهدي عيسى الصقر، اللتين تعرضان لتداعيات الحرب على الإنسان والعلاقات الاجتماعية، بطريقة رمزية من دون الإشارة
- نص مبهم لا تفهم منه شيئًا عند قراءته، فبدا مجرد تراكم أفقي للحوادث وإنشاء غامض لا تستطيع قراءته،
كروايات طه حامد الشبيب وروايات أحمد خلف التي هي نصوص تروي حوادث باهتة غامضة لا
8 يستطيع القارئ الرجوع إلى شهادتي الأدبية المنشورة في جريدة الصباحالعراقية في حلقتين، يومي 14 – 2004/2/15، حيث ذكرت
بالأسماء كلّ من كتب نصوصًا من هذا النوع، وكذلك إلى: سلام عبود، ثقافة العنف في العراق (كولونيا: دار الجمل،.)2002
18 روايات طه شبيب هي: الأبجدية الأولى (2004) وقبلها خمس روايات: مقامة الكيروسين، الضفيرة، مواء، الحكاية السادسة،
الروائي تحت حكم الديكتاتور يعاني في لحظة الكتابة سطوة رقيب داخلي يثير فيه الخوف؛ فالكلمة محاسبة، وقد تؤدي إلى حتفه، كما حدث للروائيين محمود جنداري وحسن مطلق، وهو ما أبهت النص وجعله يتناول كل ما هو غير جوهري في التجربة، منشغلا بتفاصيل غير مهمة؛ تاريخ قديم؛ هموم اجتماعية عادية لا محل لها وسط مواجهة الموت اليومي؛ حكاية لا تمت إلى الواقع بصلة، الأمر الذي أثّر في الصوغ الفني، فبدت الرواية واهية البنية، مرتبكة الصوغ، غير ناضجة، وهو ما يستطيع القارئ أو الباحث أن يجده في الكم الهائل من الروايات التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية الرسمية في تلك الفترة، وقد ضاق المجال هنا فتعذّر ذكرها.
نص مكتوب في المنفى في المقابل، نشأت الرواية العراقية وتطورت في المنفى بوتيرة سريعة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، وبلغت ذروتها في بداية الألفية الثالثة، وأضحت من السعة بحيث تحتاج إلى من يتفرغ لمتابعتها؛ إذ من الملاحظ عدم وجود ناقد أو دارس عراقي متخصص يتابع هذه الظاهرة المهمة، وما كتبه بعض النقاد عنها يعَد مرورًا خجولا
أمام الكم الروائي الذي صدر ويصدر. ومن سمات نص المنفى أنه: - انشغل في تقليب محنة العراقي زمن الديكتاتور والحرب؛ إذ وفّرت فسحة الحرية في المنفى كتابة نصوص واضحة وصريحة عن عذاب العراقي وخوفه وهلعه ومقاومته ومعاناته وهو يواجه الموت يوميًا؛ نصوص كان
من المستحيل كتابتها في ظروف العراق حينذاك، كنصوص كلٍّ من شاكر الأنباري في رواياته: الكلمات الساحرات؛ ألواح؛ ليالي الكاكا؛ بلاد سعيدة؛ نجمة البتاوين، وجنان جاسم حلاوي في رواياته: ياكوكتي؛ ليل البلاد؛ دروب وغبار؛ أماكن حارة، وعالية ممدوح في حبات النفتالينوالغلامة، وسلام عبود في أمير الأقحوانوذبابة القيامة، ونجم والي فيالحب في حي الطرب، مكان اسمه كميت، تل اللحم، صورة يوسف،
20 عبد الله إبراهيم، «الرواية العراقية الجديدة: المنفى، الهوية، اليوتوبيا،» غيمان، العدد 8، (صيف 2009)، على الموقع الإلكتروني:
<http://www.ghaiman.net/derasat/issue_08/alrewaya_al3raqia.ht>.
زهير شليبة، «ظاهرة الكتاب العراقيين في الخارج: جيل نوستالجيا وجيل دون أساتذة، 2/2،» الزمان، العددين 1710-1709، -14
15 كانون الثاني؛ فاطمة المحسن، «حدود العالم المفتوح ونوستالجيا الوطن: رواية المنفى العراقية: «السياسي» المبعد يتذكر مكانه،» الحياة، 21 روايات شاكر الأنباري: الكلمات الساحرات (بيروت: دار الكنوز الأدبية،1993)؛ ألواح (دمشق: دار المدى، 1996)؛ ليالي الكاكا
(دمشق: دار المدى، 2002)؛ بلاد سعيدة (دمشق: دار التكوين، 2008 (دمشق: دار المدى)؛ ونجمة البتاوين،.)2010
22 روايات جنان جاسم حلاوي: يا كوكتي (بيروت: دار رياض الرئيس، 1991)؛ ليل البلاد (بيروت: دار الآداب، 2001)؛ دروب
وغبار (بيروت: دار الآداب، 2003)، وأماكن حارة (بيروت: دار الآداب.)2006
23 روايات عالية ممدوح: حبات النفتالين (بيروت: دار الآداب، 2000)؛ الغلامة (لندن: دار الساقي،.)2000
24 روايات سلام عبود: أمير الأقحوان (غوتنبرغ: مركز الحرف العربي، 1996)، و ذبابة القيامة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات
والنشر،.)1999
25 روايات نجم والي: الحرب في حي الطرب (بودابست: دار صحارى، 1993)؛ مكان اسمه كميت (القاهرة: دار شرقيات، 1997)؛
تل اللحم (القاهرة: دار ميريت، 2005)؛ صورة يوسف (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، وملائكة الجنوب (أبو ظبي: دار كليم،
ملائكة الجنوب، وزهير الجزائري في حافة القيامة والخائف والمخيف، وسليم مطر فيامرأة القارورة والتوأم، وفاضل العزاوي فيآخر الملائكة والأسلاف، وحمزة الحسن فيسنوات الحريقوالأعزل، وسنان أنطون في إعجامووحدها شجرة الرمان، ومحمود سعيد في نهايات النهار وقبل الحب.. بعد الحب، وبرهان الخطيب فيالجنان المغلقة وبابل الفيحاء، وسلام إبراهيم في رواياتهرؤيا الغائب؛ الإرسي؛ الحياة لحظة؛ في باطن الجحيم. تناول جُل هذه النصوص العراقي من خلال روايات السِرّيَ الذاتية للكّتاب الذين خاضوا غمار تجربة الاعتقال
والحرب كجنود أو كثوار، أو من خلال العودة إلى تاريخ العراق القريب لمعرفة مسببات ما آل إليه العراق من خراب وتدمير، وسنتناول نماذج منها أيضًا، فكانت سجلا أدبيًا حيًا لتاريخ العراق الحديث، صورت ما
تتحاشاه كتب التاريخ المهتمة بتدوين الأحداث العامة وتداعياتها ومذكرات السياسيين التي تحاول تجميل ما يحدث وتجاهل عذاب الفرد. - أضاف «تيمات» [موضوعات] جديدة إلى النص الروائي العراقي والعربي؛ فلأول مرة تتناول النصوص تجارب الجندي العراقي وعذابه في أثناء خدمته في المؤسسة العسكرية زمن السلم وزمن الحرب، بعد أن كان هذا الموضوع من محرّمات الكتابة في الأوطان العربية إلا من زاوية الدفاع عن الوطن، كما هي حال النص المكتوب
تحت ظروف الديكتاتورية في العراق، أو ما كُتب في أعقاب هزيمة 1967 عن معاناة الجندي العربي وعذابه بسبب خسارته الحرب مع إسرائيل، بينما كشف النص العراقي همجية المؤسسة العسكرية التي قادت العراق إلى الخراب، وهذا ما سنلقي الضوء عليه في قسم البحث التفصيلي الذي سيلي. - تناول محنة المنفى والغربة بعد تشرّد أكثر من خمسة ملايين عراقي موزّعين في بقاع العالم، يعيشون في محيطات ثقافية غريبة عليهم، أدت بالضرورة إلى زعزعة القيم والعادات والتقاليد التي يحملونها من بيئتهم الثقافية،
ومعاناة جيل وُلدَ وكبر في المنفى وله همومه المختلفةِ. صدر كثير من الروايات التي كانت «تيمتها» الجوهرية مأزق المنفى وتداعياته الاجتماعية والنفسية، من أبرزها
26 روايتا زهير الجزائري: حافة القيامة (دمشق: دار المدى، 1996)، والخائف والمخيف (دمشق: دار المدى،.)2003
27 روايتا سليم مطر: امرأة القارورة (بيروت: رياض الريس، 1991)، والتوأم (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2001
28 روايتا فاضل العزاوي: آخر الملائكة (بيروت: رياض الريس، 1992)، والأسلاف (كولونيا: دار الجمل،.)2001
29 روايات حمزة الحسن: سنوات الحريق (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 2000)؛ الأعزل (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2007)؛
عزلة أورستا، (بيروت: دار الكنوز الأدبية،.)2001
30 روايتا سنان أنطوان: إعجام (بيروت: دار الآداب، 2004)، ووحدها شجرة الرمان (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 31 روايتا محمود سعيد: نهايات النهار (القاهرة: دار مكتبة الحياة، 1997)، وقبل الحب.. بعد الحب (دمشق: دار المدى،.)1999
32 روايتا برهان الخطيب: الجنائن المغلقة (استوكهولم: دار بوديوم، 2000)، وبابل الفيحاء (استوكهولم: دار أوراسيا،.)1995
33 روايات سلام إبراهيم: رؤيا الغائب (دمشق: دار المدى، 1996)؛ الإرسي (القاهرة: دار الدار، 2008)؛ الحياة لحظة (القاهرة: الدار
المصرية اللبنانية، 2010)؛ في باطن الجحيم (مجلة الكلمة الأدبية الإلكترونية الشهرية)، العدد.)2011(48
رواية عندما تستيقظ الرائحة لدنى طالب، وأقمار عراقية سوداء في السويد لعلي عبد العال، وموطن
الأسرار لشاكر الأنباري والمحبوبات لعالية ممدوح، وتحت سماء كوبنهاغن لحوراء النداوي، وزنقة
بن بركة لمحمود سعيد. – انعكست عليه وعلى بنيته وبالتالي أسلوبه الحريةُ التي تمتع بها الروائي العراقي، والاحتكاك المباشر بالحضارة
الغربية والاطلاع على أنماطها الثقافية ولغاتها، إذ بات واضحًا بلا غموض يقتل المعنى فيه، ومتنوع الأسلوب
والصوغ الفني المتراوح من بنية نص تقليدي إلى أقصى أشكال التجريب. - متَيّز لا بتجاوز المحرّمات السياسية فحسب، بل بالحفر أيضًا في محرّمات الأعراف والتقاليد والقيم العراقية
الشكلية المبالغ في صرامتها، فجاءت النصوص جريئة وكاشفة عن تكوين الشخصية العراقية المزدوجة بين
ظاهر عنيف شديد التمسك بالقيم وداخل يبيح الكبائر، كما نجد ذلك في الضلع وأصغي إلى رماديلحميد
العقابي، والغلامة والتشهّي لعالية ممدوح، ويا كوكتيلجنان جاسم حلاوي، وأقمار عراقية سوداء في
السويد لعلي عبد العال، وعندما تستيقظ الرائحة لدنى طالب، والإرسيوالحياة لحظة لسلام إبراهيم.
الحرب والعراقي الباحث عن الخلاص في روايات السيرة
في التطبيق العملي، سنتناول في البدء بعض تجارب الكّتاب الذين خاضوا تجربة جبهات الحرب في نصوصهم،
التي جاءت كشكل من أشكال السيرة الذاتية الروائية، أو رواية مستمدة من تجربة كاتبها الحية. وبسبب ضيق
المجال، سأتناول نماذج منها، من دون أن يعني هذا أن النماذج الأخرى أقل أهمية، بل تحتاج إلى بحث منفصل. تشترك النصوص الروائية العراقية المكتوبة عن الحرب في بنية الشخصية الروائية، كما قدّمها جيل الكتّاب الذين
سيقوا إلى الجبهات كجنود ورأوا أهوالها، ثم هربوا ملتحقين سرًا بالحركة المسلحة في جبال العراق، أو هربوا
إلى دول الجوار. فهذه الشخصية مسالمة، تُبتلى بخضم صراعات سياسية دموية، تبدو شبه قدرية، بين السلطة
والمعارضة، السلطة والناس، ثم الحرب التي أشعلتها السلطة مع إيران والكويت، وهي، أي الشخصية الدرامية،
لا تبتغي من الدنيا غير السلامة. والقاسم المشترك هو الشخصية العراقية منظورًا إليها من زاوية حيادية غير
أيديولوجية وهي تجد نفسها في الاحتدام العويص، تسلك سلوك الطريدة الفارّة من موت يلوح أينما حلّت.
وقد تبلور هذا الاستنتاج بعد تراكم كثير من نصوص كتّاب مختلفين مشارِكة في نمط الشخصية الروائية نفسه
فيما هي تسرد لنا تجربتها في المخاض المذكور، وتبدو من خلال تلك التجربة أن مجرد استمرار وجودها المادي يعَد
أعجوبة. وحكاية الشخصيات الروائية التي أشرت إليها هي حكاية كاتبها، الجندي في الجبهة، أو من يوشك أن
34 عندما تستيقظ الرائحة (دمشق: دار المدى،.)2006
35 أقمار عراقية سوداء في السويد (دمشق: دار المدى،.)2003
36 موطن الأسرار (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1999
37 المحبوبات (لندن: دار الساقي،.)2007
38 تحت سماء كوبنهاجن (لندن: دار الساقي،.)2010
39 زنقة بن بركة (بيروت: دار الآداب،.)1997
40 الضلع (بغداد؛ بيروت: دار الجمل،.)2007
41 الغلامة (لندن: دار الساقي،.)2000
42 التشهي (بيروت: دار الآداب،.)2007
يُساق إليها، لكنه دبّر بطريقة أو بأخرى أمر هروبه إلى ما كان يظنه برَّ أمان، أكان إلى معاقل الثوار في الجبل أم إلى
إيران عبر خطوط القتال، إذا لم يقع أسيرًا لدى الحركات المسلحة في جبال العراق. كما أنها تشترك في أن التخييل الروائي ينهض وينبني من تجربة فعلية لكاتبها، فيلملم الواقعة الحقيقية بانتقاء ما
يصلح من عناصرها ويولّفها في وحدات سردية تؤلف جسد النص وتصنع «تيمته.» رواية ليل البلاد، وتصوير جحيم العراق بالكلمات رغم أن الكاتب حاول من خلال السرد بالضمير الثالث وتعمّد حشر اسمه في متن النص أن يعلّق على
الشخصية واحتمال أن يكتب عنها كاتب، مثل جنان جاسم، رواية في المستقبل للإيحاء بحيادية الراوي، فإن وجهة نظر السارد وبنية النص والشخصية وطبيعة مسار الحكاية الروائية والهوامش الكثيرة التي ترسم خريطة
الأمكنة جغرافيًا، واللهجة لغويًا، كل ذلك جعل من النص سردًا لسيرة ذاتية مستعادة لاحقًا لتجربة مبدع نجا
من موت أكيد. ومن هنا تأتي أهمية نصوص جنان جاسم الروائية؛ فما يميّزها هو الصدق في الكتابة، وحرارة
تجربته الدرامية التي خاضها بما تحمله من مخاطر: موت واعتقال وجوع وعذاب وتشوّه، حتى إنه تخيّل ما يصير
إليه لو فشل في عبور دجلة إلى الضفة السورية في أواسط ثمانينيات القرن المنصرم، كما حدث لشخصيته المحورية عبد الله، الذي يسقط في اليأس والخواء إلى حين عودته سرًا إلى البصرة وإلى بيت أهله الذي وجده خرابًا ليمكث
فيه كائنًا مشوَّهًا بوجه أحاله حريق القصف إلى ما يشبه قطعة بلاستيك تجمّدت بعد أن أذابتها النيران في سرداب
تحت بيت الطفولة المهدم، إلى أن دخلت القوات الأمريكية مدينة البصرة في حرب الخليج الثانية، فيخرج ليفزع من هيئته الممسوخة جنود الاحتلال الذين لا يجدون سواه في البصرة الخاوية. بنية النص تقليدية، أي إن الكاتب سعى إلى بناء الحكاية، حكاية العراقي عبد الله، بشكل متدرِّج، لها بداية
واضحة ووسط ونهاية، بفصول الرواية البالغة سبعة وثلاثين فصلا وخاتمة. فنجد عبد الله في الفصل الأول يعود إلى أهله في البصرة بصحبة عاهرة كردية التقطها من ساحة الميدان، وجلبها مدعيًا أنها خطيبته. ونعرف أنه سيق
جنديًا إلى جبهات الحرب بسبب طرده من الكلية لكثرة غيابه. ونجد في الفصل الثاني تفاصيل مراجعته دائرة
التجنيد في البصرة. ونلاحق في الفصل الثالث تفاصيل التحاقه بمركز التدريب، من الحلاقة واستلام الملابس وطريقة الأكل ووصف الأبنية، إلى القاعات والسجن وأوقات التدريب والنزول. وفي الفصل الرابع نطل على عالم سجون الوحدات العسكرية المزدحم بالمتمردين، من هاربين ولوطيين وأشباه مجانين، وما يجري من تفاصيل ضرب وقتل وحالات عشق بين المسجونين، كما حدث في الفصل الخامس حينما يقتل أحدهم زميله بسبب صبي جميل يتنازعان عليه. وهكذا تتدرج حكاية الرواية حتى نهايتها المأساوية بعودة عبد الله المشوَّه وشبه المجنون إلى
البصرة التي استحالت خرابًا، حسب منطق النص. يرسم لنا السارد بالضمير الثالث تفاصيل دقيقة عن بؤس حياة العراقيين المسوقين غصبًا كجنود في مؤسسة تدير
القسوة والقتل، حيث يجري نزع كرامة الجندي بممارسة القسوة بمعناها المطلق الراسخ في المؤسسة العسكرية العراقية، بنظام عقوبات وهرمية مخيفة يجعلان الجندي يشعر بضآلته، وهو ما شعر به عبد الله في دائرة التجنيد قبل سوقه، وفي الوحدة العسكرية حين يُسجن بسبب مخالفة واهية. فيضُرب هؤلاء من أمثاله بقسوة وكأنهم
أعداء، ويقوم ضابط الخفر بسحقهم تمامًا في مشهد مرعب بقسوته:
43 ليل البلاد (بيروت: دار الآداب،.)2002
«فرز عبد الله وأوقفه حذاء الحنفية، جنب المرحاض، ثم فرز جنديًا آخر هو حسين أنجيلا وأوقفه حدّ عبد الله..
صرخ: استرح!.. استراحوا.. استدار وسحب قطعة الخيش التي تستر المرحاض، وأمر: خطوة إلى الأمام.! تقدم عبد الله وحسين خطوة واحدة. أركعا!. ركعا.: ضعا رأسيكما في المرحاض!. تردّدا، سارع أحد شرطة
الانضباط داخلا ليدوس، على التوالي، ببسطاله على ظهريهما حاشرًا جسديهما، دافعًا إياهما صوب الفتحة
العريضة المملوءة خراءً، حيث يتغوّط السجناء على جانبيها أيضًا، جعل عبد الله يتقلص ويتقيأ، فيما الشرطي
يضغط ببسطاله على رأسه المدسوس الآن تمامًا في الفتحة المرحاضية» (ص. 89) جيُرَّد الجندي في المؤسسة العسكرية من بقايا كرامته، ويحوَّل إلى كائن فز ع ينفّذ الأوامر بدقة خوفًا من أنظمة
العقاب الرهيبة، قبل أن يُدفع به إلى الجبهة. في المفصل الثاني من الرواية ينتقل بنا السرد إلى تفاصيل ما يجري في جبهات الحرب من معارك دامية، ملاحقًا حركة عبد الله في الخنادق، ومصوِّرًا بدقة الموتَ والأنين والأجساد المتروكة عقب هدوء المعارك في الخنادق
والعراء: «إن ما روّعه فعلا هو منظر الجثث التي ما انتبه إليها في الظلمة. كانت الأجداث البشرية مرمية بعضها فوق
بعض مقطّعة الأوصال، فضغط قنابل المهداد وشظاياها مزّقها ودمجها فبدت جسامً واحدًا برؤوس وأذرع
مشمورة إلى كل ناحية يشدّها الدم والتراب والطين والملابس الكاكية المخزوقة، والخوذ المخسوفة والمثقوبة،
والرشاشات المكسورة ونصف المطمورة» (ص. 166) تتلاحق الفصول عارضة أدق التفاصيل في حياة جنود الجبهات اليومية وقت اشتداد المعارك وهدوئها، مضمِّنًا
الكثير من بيانات القيادة العسكرية العراقية التي تبث بحماسة عن سير المعارك، مسجلا بالتفصيل أهوال الحرب العراقية-الإيرانية. هذه الفترة المفصلية في تاريخ العراق ساهمت في تشويه الإنسان العراقي، وبدّلت مصائره.
وما مصير عبد الله المأساوي سوى التعبير الفني لهذه «التيمة» التي جسّدها الكاتب في نسيج ليله الطويل. في المفصل الثالث من النص، ينتقل بنا السرد إلى أجواء حركة المعارضة المسلحة اليسارية التي خاضت الكفاح المسلح، جنبًا إلى جنب الحركة القومية الكردية، من خلال وقوع الشخصية المحورية عبد الله أسيرًا لدى الحركة
المسلحة، بعد نقله بسبب إصابته من جبهات القتال إلى شمال العراق، فنطل على تفاصيل حياة رجال الفصائل
المسلحة، موثقًا لتاريخ معارك دامية جرت بين فصائل الثوار أنفسهم كما في عام 1983 بين جماعة جلال طلباني (رئيس الجمهورية الحالي) من جهة وجماعة مسعود البرزاني (رئيس ما يسمّى إقليم كردستان) والشيوعيين من
جهة أخرى. يجد عبد الله نفسه وسط تلك الأهوال تائهًا مطارَدًا بين الثلوج، كحاله في الجبهة عندما يضل طريق
الوحدة العسكرية التي كان فيها، إلى أن يلتقي الشيوعيين في إحدى قرى إيران الحدودية. يصاب في المفصل الختامي خلال قصف جوي استهدف مواقع الثوار، فيتحوّل إلى مسخ. ثم يفشل في عبور دجلة بعد أن تقرر
إرساله إلى موسكو للعلاج، فيتسلل عائدًا إلى البصرة ليعيش شبحًا بين أنقاض بيت طفولته في المدينة الخربة. يتميز أسلوب جنان جاسم الروائي بعنايته الشديدة بالتفاصيل القادرة على احتواء تجربة كبيرة، هي محنة العراقي
المسوق قسرًا إلى حرب لا يدري لماذا أُشعلت، معتمدًا على الوصف والسرد بشكل كبير، فجاء الحوار شحيحًا،
وذلك يعود في الأساس إلى وجهة نظر السارد الملاحق لشخصية محورية واحدة. هذا الأسلوب يناسب عالم الكاتب المعني بشكل أساسي بعلاقة الشخصية بالعالم الخارجي والمكان، وملاحقة
حركتها وفعلها من دون تحليل لعالمها الداخلي، فبدا السرد ورسم المكان والشخصيات أقرب إلى روح فنان
تشكيلي منه إلى عالم نفسي، وهذا من أهم ميّزات أسلوب جنان حلاوي ومن أسرار جماله الآسر. الرواية وثيقة بالغة الأهمية تتناول فترة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر، وقد عُنيت بالحوادث الخارجية
ومصائر الشخصية العراقية المعيارية التي ابتليت بمحنة الحرب والسياسة، وهي رواية ميدانية، إن صح التعبير،
بتكريس سردها ووصفها لتفاصيل المكان والبشر في مفاصلها الثلاثة التي افترضتها: المدينة زمن الحرب،
وجبهة الحرب الميدانية، ورجال العصابات في الجبل. وهي تعري بصدق تجربتها النصوص التي مجّدت قيم
الموت والقتل الصادرة في فترة اندلاعها، وهذه إحدى أهم رسائل الرواية في علاقتها المعقَّدة مع التاريخ. أصغي إلى رمادي، ومحنة العراقي منذ الطفولة يذهب حميد العقابي في نصه الروائي أصغي إلى رمادي، الذي أضاف إليه عنوانًا جانبيًا هو «فصول في السيرة »،
إلى أبعاد جديدة من أبعاد تجربة العراقي الذي يهرب من جبهات الحرب؛ إذ يتأمل تجاربه في الطفولة، النضج،
السَّوق إلى جبهة الحرب، الهروب عبر الثوار في الجبل إلى دول الجوار، حياة معسكرات اللجوء في إيران، ثم حياة
المنفى، فيبدأ النص بسؤال عن معنى الذات ووجودها، إذ يتساءل الكاتب وهو في الطائرة العائدة من دمشق إلى
الدنمارك: هل اكتشفتُ نفسي؟ ما الذي أبغيه؟ حقًا ما الذي يبغيه هذا الكائن الكامن في؟ ما الذي يبغيه الإنسان
في حياته؟ هذه الأسئلة الجوهرية هي مفتاح النص الذي أمسك الكاتب به وهو يشرع في تدوين تجارب حياتية مرّت به
في رحلة عذابه الطويلة التي ابتدأت بطفولة مؤلمة في محلة شعبية بمدينة الكوت، جنوب العراق، وتحت سلطة
أمٍّ قوية متسلطة وأب ضعيف مسكين، ومراهَقة مكبوتة في ظل قيم بيئة شديدة التحفظ، صارمة، ثم خوض
التجربة السياسية بالانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي سرعان ما قمعته السلطة بعد تحالف قصير في
سبعينيات القرن الماضي. سيخسر أخاه الكبير – مهدي- الذي يضيع إلى الأبد في الزنازين. ثم يساق جنديًا إلى
جبهة الحرب مع إيران، وأهوال تجربة سائق دبابة عراقي في معارك شرسة، وهروبه إلى إيران عن طريق شمال
العراق ليدخل تجربة أكثر مرارة في معسكرات اللاجئين الإيرانية الشبيهة بأنظمة السجون، فيذوق المرّ والويل
وسط اللاجئين العراقيين المنسيين في تلك المعسكرات. يحاول الهرب إلى أفغانستان، فيقع في أيدي الحركات
الأفغانية المسلحة المعارضة لسلطة كابُل الشيوعية آنذاك، ويسل م إلى رجال الحدود الإيرانية ليُعاد إلى المعسكر
نفسه بعد فترة سجن، فيظل يحلم ويعمل على الخروج من دوامة إيران المخيفة بالتشبث بمن ينجح في السفر إلى
سورية، فينجح هو الآخر لكنه لا يمكث في سورية سوى ستة أشهر ليسافر بوثيقة مزوّرة إلى الدنمارك. قسّمَ الكاتب الرواية إلى اثني عشر فصلا، لكل فصل منها عنوان وبنية ذات «تيمة» يدور السرد والحوادث
حولها. ففصل «بزون» يتحدث عن علاقة السارد ورؤيته للأب الضعيف الشخصية، الذي يلطم نفسه كلما وقع
في مطب، وما عاناه من زملاء الصف ومعلم الإنكليزي الذي يجعله يجلس تحت مقعد الدرس متسائلا باللغة
الإنكليزية عن مكان وجود القط، ومنتظرًا جواب التلاميذ وضحكهم وهم يشيرون إلى جلوسه القرفصاء
تحت المقعد. وتفاصيل هذه الشخصية، التي ستكون عاملا في بلورة مشاعر حقد وعداء نحو المحيط، سيعاني
بسببها السارد لاحقًا، وستطبع سلوكه كما اكتشف هو نفسه في ما بعد، خلال استعادة تلك التجارب بالسرد؛
ففي الفصول الأخرى، يتأمل ويحاور مقولة بارت عن تواضع المبدع بينما هو لا يرى في الإنسان أول وهله إالّ
44 أصغي إلى رمادي (دمشق: دار الينابيع،.)2002
العيوب قبل الجوانب الأخرى. سيصبح حاد الطباع، يسخر من الآخرين، وكأنه ينتقم من الحيف والسخرية
اللذين ظالّ يلاحقانه منذُ الطفولة بسبب اسم أبيه، بزون، حتى بلغ به التشفّي حدّ أنه لم يحضر جنازته رغم
سماعه خبر الوفاة، بل فضّل البقاء في بغداد حيث كان يدرس في جامعتها. وكذلك الأمر مع بقية الفصول،
عدا عن أن بعض الفصول تدور حول شخصيات أخرى مهمّة لها تجربتها الحياتية ومدلولاتها الرمزية المستقلة
عن الكاتب؛ من ذلك مثلا فصل «شمعة»، القابلة الغريبة الأصل والعارفة أسرار المحلة وما يدور حولها من
أساطير شعبية عن زوارها السريين، وكيفية فقدان إحدى عينيها، وعن مساعداتها للنسوة الفاقدات أزواجهن
في المعتقلات والجبهات، في سرد يمزج الواقعة بموروث الحكاية الشعبية تلك الرحلة التي تقوم بها شمعة
وغورها في الرمل لتولد امرأة أميرة تعيش في باطن الأرض وعودتها كأنها زارت الحلم، ثم تفاصيل اعتقالها
والإفراج عنها وتهكّمها على مدير الأمن الذي ولدتهُ خنزيرًا، ثم لتتحول باختفائها الغامض إلى رمز من رموز
المدينة المنتهَكة التي أجبرت خيرة أبنائها على الهجرة. على مستوى آخر من السرد، يتناول فصل «عادل عرس» تفاصيل شخصية مأساوية تعرف إليها السارد في
معسكر اللاجئين في إيران؛ شخصية حالمة تقرض حياتها في البؤس والحلم بتغيير العالم، تارة بتأليف حزب
سياسي يقتصر عليه وعلى لاجئ آخر في المعسكر، على طريقة ماركس، ثم السخط على العالم والآخرين الذين
أفشلوا المشروع، وتارة أخرى في حلم السفر إلى أوروبا وكتابة رواية عظيمة ستغريّ بدورها العالم، فيحاول الهرب
في إحدى البواخر الراسية في ميناء بندر شاه. يختفي هو وصاحبه ثلاثة أيام، وعندما يخرج يكتشف أن الباخرة لم
تغادر الميناء، فيُلقى القبض عليه ويُسجن ثمانية أشهر قبل إعادته إلى المعسكر نفسه. وبعد نجاحه في الوصول إلى
الدنمارك يزوره الراوي فيحدّثه – عادل - عن روايته التي يعكف على إنجازها، لكنه يموت بالسكتة القلبية في
مدينة ارهوس الدنماركية، والسارد يروي حكايته وهو يقف بباب المستشفى لتسلّم جثمانه. في فصل «الرسام والفرشاة» نتعرف إلى حكاية الرسام العراقي الشاب الذي التحق بالمقاومة الفلسطينية ليعود
بعد مذبحة أيلول الأسود وينتحر بعد معاناة وجودية يجد فيها السارد شجاعة تفوق قيمة الشهيد الذي يفني
ذاته من أجل فكرة طمعًا في الخلود بالنسبة إلى المتدين، وفي المجد بالنسبة إلى المادي. هاتان الشخصيتان هما ظلال
السارد الذي يعترف بعجزه المطلق، إذ يسخر طيف الرسام المنتحر بعد أكثر من عشرين سنة من الراوي، حينما
يجده متزوجًا. بنية النص مبتكرة، إذ حطّم فيها السرد المتدرّج؛ فالحكاية كلها تأتي كقصة متناثرة في الفصول المستقلة «التيمة »
والمبنى، عدا ذلك التنقل الحر بين الأزمنة، كما في الفصل الم تَخيل الأخير المعنون «بلييم» الذي يتخيل فيه الكاتب
شيخوخة الحكيم في عودته المتأخرة إلى مدينة الطفولة، أو في تنقّله المنساب من لحظة الطائرة في مدخل الفصل
الأول «المسبحة»، وهو في طريقه من الدنمارك إلى دمشق، إلى تفاصيل معارك جبهة الحرب العراقية-الإيرانية
التي خاضها كسائق دبابة، إلى الطفولة، وتفاصيل المراهقة والتلصص على بنت جارهم القصّاب التي تُقتل
لاحقًا غسلا للعار. هذه الطلاوة والخفة في التنقل وتحطيم الزمن الفيزيقي جعلتا النص فنيًا يتطابق مع هدفه
كونه نصًا تحليليًا لذات السارد التي كانتها في رحلة استكشاف وهو يراجع الماضي، حيث يجد أن بعض الحوادث
الصغيرة لها عواقب لم تكن متوقَّعة وقت حدوثها، وكان لها الأثر الأكبر في بنية الذات، وذلك عند تأملها في فعل
الكتابة، وهي تسجّل تغييرات النفس حينما تمر من الطفولة إلى المراهقة والنضج، ثم الكهولة. إن كتابة السيرة
لا تقدّم صورة ثابتة لحياة كاتبها؛ فالحوادث التي سردها الراوي تتغير قيمتها وفعلها حينما ينظر إليها في خريف
العمر؛ فالسارد يشعر بالندم بعد أكثر من عشرين عامًا لمشاعر التشفي برحيل أبيه، فيُشعل لروحه شمعة في
صحن السيدة زينب بصحبة زوجته، ويذرف دمعة. لغة الكاتب رشيقة بسيطة وواضحة، وشاعريتها تأتي من غنائية الحالات الإنسانية التي تشكل مادة السرد. وما
يجعل الكتابة حيوية ليس فقط مراعاتها للغة والنحو كشروط حرفية فحسب، بل أيضًا طبيعة انتقاء الحوادث
وزاوية نظر السارد التي تُقنع القارئ بأن ما يسرده من حوادث وتفاصيل تهمّه مثلما تهمّ كاتبها، وهذا ما فعله
حميد العقابي. نجمة البتاوين: توثيق الخراب العراقي بعد الاحتلال أمّا شاكر الأنباري، فيشترك مع جنان حلاوي وحميد العقابي في «التيمة» نفسها وفي رؤية متقاربة، لكن لها
خصوصيتها. في رواية نجمة البتاوينيخوض الأنباري في أجواء بغداد زمن احتدام الحرب الطائفية أعوام 2006 – 2008
وسيادة سلطة الميليشيات، وذلك من خلال اختياره مجموعة شخوص من الوسط الصحافي والثقافي تلتقي في
شقة مستأجَرة في البتاوين، وسط بغداد يدعونها النجمة، وتنغمس في حوار ومعاقرة الخمرة وممارسة الجنس مع
عاهرة تدعى أحلام وتتردّد إلى الشقة بانتظام. والشخصيات هي: الشخصية المحورية زاهر، الصحافي والكاتب
العائد من المنفى عقب الاحتلال، وهو متزوج من سورية أنجبت له طفلا، ويسكن مستأجَرًا في شارع فلسطين؛
وعمران، المهندس الذي أصبح مقاولا متحمسًا للوضع الجديد، وهو متزوج، ولديه عشيقة يستأجر لها شقة
في البياع. إنه صديق زاهر من أيام دراستهما الجامعية. وهناك أيضًا أبو حسن صاحب مكتبة في شارع المتنبي،
وعلي محمد أمين، الشاعر والصحافي الصعلوك الذي حيَ ل زاهر حمَلهُ في تحرير الصفحة الأخيرة من جريدة السلام
لمؤسسها سعيد عبد الكريم الذي عمل معه زاهر في دمشق قبل الاحتلال، وربيع المحمدي، المصحح المتزوج،
الذي عمل إبان الحصار زمن الديكتاتور في ليبيا واليمن، فأمّنَ بيتًا، ولديه ابن في الدنمارك وآخر في أربيل خوفًا
من القتل الطائفي. ثم هناك شخصية سهى، الصحافية العراقية التي تعمل معهم في القسم، والجميع يشتهيها. يمهّد الروائي في الفصل الأول بلحظة اختطاف عمران على أيدي مجموعات مسلحة ومقتل أبي حسن في تفجير
شارع المتنبي الشهير، فيرسم صورة شاملة للوضع في بغداد، ولأحوال المجموعة مرصعة بتأملات في الشر
الناهض من التاريخ الدموي العراقي، ومضاعفات العنف الذي رسخ في نفس زاهر وهو يرى قتلى الحرس
القومي عام 1963 الذين جلبوهم إلى قريته من دون أن يعرف سببًا لموتهم (ص 11)، فيقوم بتأمل الشخصية
العراقية محاولا معرفة أسباب تحولّها إلى شخصية همجية تُقبل على القتل والاختطاف والسلب، عازيًا ذلك إلى
تراكمات الحقد والآثار النفسية لرؤية القتل والإعدامات في حروب الديكتاتور، وفقدان أبسط مستلزمات الحياة
زمن الاحتلال، ولا سيما العمل والخدمات (ص. 12) بين مدخل النص وخاتمته يأخذنا السارد إلى عوالم بغداد وتفاصيل أمكنتها الخربة في زمن النص، واصفًا في
مقاطع طويلة أحوال شارع الرشيد والسعدون والبتاوين، مستعينًا بما كُتب عن بغداد وشوارعها في الكتبِ.
فوفّر هذا التوظيف عمقًا تاريخيًا للأماكن التي يصفها الراوي. والنص في العموم مهموم بوصف الأمكنة
وتفاصيلها الصغيرة، وهي سمة عامة لجهد الكاتب في تجربته الإبداعية.
45 نجمة البتاوين (بغداد: دار المدى،.)2010
ولما كان النص مهمومًا ومكتوبًا من أجل الإحاطة بما يجري في بغداد، وقت القتل على الهوية، وهو ما عملّ
الاحتلال الأمريكي على ترسخيه تمهيدًا لبناء العراق الطائفي الجديد، فقد تكرر الكثير من الأوصاف
والسرد المعني بالخراب، من أوساخ وذباب وتهّدم الجدران، وهو ما جعلها تنأى عن تصوير التفاصيل
النفسية للشخصيات. من التفاصيل المهمّة الكاشفة لطبيعة الرجل العراقي ونظرته إلى المرأة، علاقة زاهر ومحمد وربيع بزميلتهم سهى،
النموذج المتنور للعراقية المقاوِمة لمحاولة تكبيلها؛ صحافية ناجحة ترفض ارتداء الحجاب، وتتعرض لتهديدات
من الميليشيات المتشددة بحيث يخشى زملاؤها الخروج معها في مهامّت عمل. رغم أفكار التنوير التي تلهج
بها المجموعة طوال النص، والموقف من الاحتلال وقوى الظلام، ورغم حديثها عامّ تعانيه المرأة العراقية، فإن الثلاثة يحاولون الإيقاع بها: ربيع، المتزوج والأكبر سنًا، تبلغ شهوته حدود انتهاكها في مخيلته؛ إذ يقوم بممارسة
العادة السرية في مرحاض الصحيفة، وفي أثناء سكره في الغرفة المجاورة لزوجته، وعلي الشاعر لا يختلف عن
ربيع بشيء، أما زاهر فيلعب لعبة أكثر حذقًا؛ إذ يقوم باستدراجها ليضاجعها في مكتب صديقه المقاول عمران، وهذا الحادث يكشف جانبًا آخر من وضع المرأة العراقية المأساوي والشائع، إذ يتبين أن سهى ليست عذراء.
هذه الناحية في النص أجدها مهمة جدًا لأنها تكشف الجانب البشع والمعتم من شخصية الرجل العراقي بما يفسر
طبيعة المجرم والقاتل؛ ففقدان الضمير من أهم الأسباب التي تمك ن القاتل من قتل ضحيته من دون الشعور
بالإثم، وبهذا المعنى زاهر هو أيضًا قاتل بامتياز، فهو لم يشعر بالإثم مطلقًا بعد مضاجعته سهى، بل حرص على عدم التعلق بها، وعلى اعتبارها أداة متعة، وعلى الحؤول دون اختلال نظام حياته كما يفعل القتلة والخاطفون،
الذين لهم حياتهم العائلية الطبيعية، وهذا ما صوّره لنا تقرير عمران عن ظروف خطفه والأمكنة التي حلّ فيها،
حيث حُجِز في بيت فيه أطفال وامرأة تخبز، أي في مكان تجري فيه الحياة على سجيتها. بنى الروائي روايته، كما سبق أن ذكرت، على حبكة تقرير عمران الذي أخبرنا في جملة النص الافتتاحية أن «عمران المهندس اختُطف في الخريف»، ولم يخبر القارئ بتفاصيل التقرير الذي حمله معه وهو في طريقه إلى دمشق
إلا في الفصل الرابع عشر. العلاقة بين شخصيات الرواية بدت باهتة لا عمق فيها؛ فمقدار الألم الذي خلّفه مقتل جليسهم صاحب المكتبة أبي حسن واختطاف عمران كان عاديًا لا فاجعة فيه، وكأن ما جرى قد جرى لغريبين، وهذا شي بأمرين: الأول
هو أن العلاقات التي نشأت في هذا الوضع الشاذ ليست حميمة، وليس فيها صداقة وعمق، وهذا ما أفضى إلى رد الفعل البارد ذاك، والثاني هو فقدان الشخصية المحورية (زاهر) صداقات حميمة كما يصرح في جملة تعربّ عن
خلاصة تجربته، بكون البيوت مثل الصداقات تخرب وتتبدل، وهو مفهوم غير مطلق بل يخص طبيعة السارد وموقفه من الحياة، «فالصداقات مثل البيوت، كلما اكتملت في مكان سرعان ما تخرب، وتبنى في مكان آخر، سلسلة» (ص. 16) لكن، ألا يعربّ ذلك الموقف عن طبيعة الخراب الروحي العميق الذي أصاب العراقي في معمعة الحروب والقتل
طوال نصف قرن، وأصاب العراقي المنفي من خراب داخلي ظهر جليًا ببرودته وأنانيته من خلال سلوكه طوال
رحلة النص؟ إننجمة البتاوينهي من الأعمال المهمّة المكتوبة زمن الاحتلال الأميركي، وتعدّ سجلا تفصيليًا وثّق فظائع فترة
وجيزة من التاريخ العراقي المعاصر تُعتبر من أشد فتراته قسوة.
كم بدت السماء قريبة: الحرب خرّبت كل شيء رغم وفرة النصوص العراقية المكتوبة عن الحرب، فنادرًا ما نقع على نص يحيط بحياة العراقي اليومية وقتها. لقد
خاضت غالبية النصوص في تفاصيل ما يجري على جبهات القتال أو في مدن التماس. تتساوى في ذلك النصوص التي كتبها كتّاب السلطة لتسويق فكرة الحرب وتمجيدها، والنصوص التي كتبها جيل من الكتّاب هرب من
جبهات الحرب إلى الثوار في الجبل، أو إلى دول الجوار. كما تشترك تلك النصوص في الشخصية القصصية، حيث
تكون في أغلبها رجالا يساقون جنودًا إلى الجبهات، فيستبسلون في المعارك، من زاوية كتّاب السلطة، أو يهربون
أو يموتون مقهورين، من زاوية الكتّاب الرافضين للحرب. تأتي الحرب في نص بتول الخضيري لا من جبهات
القتال، ولا من مدن التماس، وليس على لسان رجل بل على لسان امرأة تعيش في العاصمة بغداد، وتراقب بعين محايدة دقيقة جملة التغيرات التي أحدثتها الحرب في نفسها والناس والعلاقات والأشياء، في نص مكثف وشامل صوَّر بعمق وشجن ما كانت عليه الأمور قبل الحرب، وما صارت إليه في أثنائها وبعدها. الحكاية الروائية تأتي على لسان فتاة تسرد سيرتها الذاتية من الطفولة حتى سن النضج. ومن خلال هذه الرحلة، نتعرف إلى حياتها العائلية المضطربة؛ فهي بنت لأب عراقي اقترن في فترة دراسته في إنكلترا بأمها الإنكليزية التي تهاجر لتعيش معه في بيت وسط مزرعة في الزعفرانية بضواحي بغداد، حيث أمضت فترة طفولتها قبل الحرب. يشكل بيت المزرعة القسم الأول من هيكل النص وبنيته المشيدة على ثلاثة أمكنة وثلاثة أزمنة مختلفة ومفصلية. يشغل قسم «الطفولة والمزرعة»، قبل نشوب الحرب، الفصلين الأول والثاني. ومن خلالهما نقع على «تيمة» جوهرية من «تيمات» النص الكثيرة، ألا وهي ذات الطفلة التي تتجاذبها ثقافتان، غربية من جهة الأم، التي تحاول أن تطبعها على العادات الإنكليزية، وشرقية من جهة الأب العراقي الذي يحاول تربيتها على التقاليد العراقية، فيشتد الصراع بينهما، وتكثر المشادات ويتكرر العراك، وتحار الطفلة بين الأب والأم، لكن يظهر ميلها إلى الأب؛ فالسرد يبدأ بضمير المخاطب موجهًا إلى الأب وكأن النص رسالة له، كما أنها تتعلق بالطفلة
خدوجة من أطفال الفلاحين العاملين في المزرعة والساكنين في بيوت من طين على ضفة دجلة، تمضي معها معظم وقتها بعد المدرسة، فنتعرف إلى تفاصيل طفولة لاهية جميلة وسط الحقول، صيد الحشرات، قطف ثمار الأشجار، أغاني طفولة عراقية غنّاها كل طفل في طفولته، حكايات شعبية خرافية تحكيها جدة خدوجة في
حجرات الطين، فيتحول النص في كثير من مفاصله إلى قطعة سردية غنائية عذبة عن طفولة العراقي، تتقاطع في مونتاج محسوب بدقة مع ما يجري في البيت من تفاصيل مضطربة يتجاذبها الأم والأب، ترصد من خلالها تدهور العلاقة بين والديها؛ فالخلافات تبلورت حول كل شيء: الملابس والسلوك وطريقة الأكل وتربية الطفلة، وهو ما أورث العلاقة المزيد من البرود، وجعل الأب ينشغل بالعمل كليًا، فتتفاقم عزلة الأم التي اخذت تميل إلى
صديقيها الإنكليزيين، ديفيد وإميلي، العاملين في شركة نفط في البصرة. ولقد تجلّت بوادر الخراب على مستوى اجتماعي نفسي بثلاثة حوادث مؤثرة ساهمت في غرس الحزن والخيبة في روح الطفلة: إصابة الأب بمرض القلب، واكتشاف الطفلة عند عودتها من المدرسة خيانة أمها مع ديفيد في المخزن عندما أطلت من شباك صغير قرب سقفه، فرأتهما يتضاجعان في مشهد صوّرته بشكل مؤثر (ص 52)، وموت صديقة طفولتها خدوجه
بمرض «البلهارسيا.»
46 كم بدت السماء قريبة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1999
يشكّل القسم الثاني-والتقسيم افتراضي في حقيقة الأمر- الهيكل الوسطي والرئيس للنص، وهو يمتد من
الفصل الثالث (ص 61) إلى الفصل السادس (ص 152). ويبدأ بالمكان الثاني في النص، بيت وسط بغداد في
جانب الرصافة، وفيه تبلغ الراوية سن المراهقة، وتدخل مدرسة رقص الباليه، وتتوطد علاقتها بأبيها الذي
يشركها في عمله كخبير مطيبات، بينما تزداد الأم عزلة وتعمل في شركة الخطوط الجوية اللبنانية، وتبدي
رغبتها بالطلاق، لكن الأب يطلب منها الصبر حتى تكمل ابنتهما الإعدادية في «تيمة» جوهرية تميّز طبيعة
الثقافتين الغربية والشرقية في نظرتهما إلى العائلة؛ فالأولى تضع الذات فوق العلاقة العائلية، والثانية بالعكس
تمامًا. كما أن الحرب مع إيران تبدأ. والنص في هذا القسم سجل حي ودقيق لما جرى خلف جبهات القتال من
إجراءات ومتاعب للناس، مرصودة بعين ذكية حيادية منحت النص نكهة خاصة. الإعلان الأول للحرب،
ارتباك الدارسة في المدارس، عدم النوم على السطوح، التعبئة الإعلامية، تضمين الكثير من البيانات العسكرية
العراقية، أغاني الحرب المذاعة يوميًا وعلى نحو متكرر، مقاطع من اتفاقية الحدود مع إيران (ص 96). في متن
النص وصف أوضاع الناس العامة، سلسلة القوانين الجديدة، إجراءات السلطة في تزييف طبيعة الصراع من
خلال تغيير الخرائط، تزوير الاتفاقات، وضع مناهج دراسية جديدة، محاضرات توجيه سياسي، ثقافة قومية،
وصف صور من المعركة تطل من شاشة التلفزيون، تقنين الغاز، تشجيع الأعراس الجماعية وقت تراجع القوات
العراقية. وقد قامت الكاتبة بعملية مونتاج دقيقة، إذ داخلت أجواء الحرب هذه في السرد بطريقة محسوبة النسب
مع حركة الشخصية المحورية المشغولة بتفاصيل حياتها ووجودها الاجتماعي المأزوم في بيت يزداد اضطرابًا مع
تدهور صحة الأب، انشغال الأم بالعمل وعلاقتها شبه العلنية بديفيد، وحياتها في مدرسة الباليه التي نطل من
خلالها على شخصيات جديدة في النص، معلّمة الرقص التي سيكون لها دور كبير في حياة الراوية، فعن طريقها
ستتعرف إلى النحّات سليم فتقع في أول علاقة حب. وزملاؤها في مدرسة الباليه، أحمد الذي يعمل عصرًا
كسائق تكسي ويمثّل نافذة تطل منها الساردة على أوضاع الناس، وفاروق الراقص، وسارة والبنات التوائم.
تصور الساردة طقوس الرقص في منحى دلالي يعمّق فعل النص من خلال ملاحقة حركة الرقص ومعاناة
الراقص ساعة الأداء مع نص بيان عسكري يصف العمليات العسكرية، كما أنها تداخل بين موت أبيها وإصابة
أمها بسرطان الثدي وبين سير المعارك المحتدمة في الجبهة، فمثلا ينتقل السرد مرتين بين معاناة والدتها وأخبار
المعارك (ص. 127). أمّا مصائر هذه الشخصيات فمأساوية، البنات الراقصات يعملن خياطات في معمل بعد
غلق المدرسة، وأحمد وفاروق يساقان إلى جبهات القتال، أما الساردة فتنقل إلى مدرسة أهلية لتدرس اللغة
الإنكليزية، وتتطور علاقتها بسليم النحّات المثقف إلى علاقة حب عنيفة، تذوق معه تجربتها الجسدية الأولى،
وتجد به نقطة ضوء في عالمها المعتم الكئيب، لكنه هو الآخر يساق إلى جبهات الحرب فينتابه اليأس، شاعرًا بعدم
جدوى الفن والحياة، فيخوض معها حوارًا يخلص فيه إلى أن «هذه الحرب جعلتني أفكر لماذا أنحت. لم أعد
أسأل لماذا نعيش ولماذا نموت. هذا النوع من التساؤلات يرافق سنوات الحرب الأولى فقط. فبعد أن أفقنا من
الصدمة، تبلور اليقين بأنه عجلة من نار لا مفر منها. والآن أجدني أبحث عن خدعتي. هل أستطيع أن أفلت
بنحتي؟»(ص 135). عن طريق هذه الشخصية توظف الراوية النحت وجسد الإنسان كبُعد آخر يضاف إلى
بُعد الرقص في مدلول رمزي شي بقداسة هذا الجسد وأبعاده في الكتلة والحركة والمعروض برخص على شاشة
التلفزيون ممزقًا مطحونًا في برنامج يومي «صور من المعركة». هذه العلاقة مصيرها الخراب أيضًا؛ إذ يحطم في
لقاء أخير مخلوقاته النحتية، ويضاجعها بعنف في الحمام وعلى الطاولة قبل أن ينهار باكيًا. تتوقف الحرب في هذا
القسم، فتقرر السفر مع أمها التي أزالوا في عملية جراحية إحدى ثدييها، بينما يقرر سليم البقاء في العراق. في القسم الثالث القصير تنتقل الراوية إلى مكان جديد مختلف تمامًا، شقة في بناية وسط لندن تشرف على تقاطع
طرق تعيش فيها شبه وحيدة، بعد أن يتفاقم السرطان في جسد أمها ويرقدها في المستشفى. وهنا تبدأ معاناة من
نوع آخر، معاناة وجودية من وحشة الغربة والوجود، تجعلها تتأمل معنى الموت والحياة، وهي ترى أمها تذوي
رويدًا.. رويدًا في الألم، وإلى جوارها يغادر مرضى السرطان الواحد بعد الآخر. فتقترب من فلسفة العبث الذي
كان كامنًا في نفسها منذُ طفولتها وفقدانها خدوجه وأبيها وأمها ومدرستها وحبيبها، ثم وطنها الذي يطل عليه
النص أيضًا في حربه الجديدة بعد احتلال الكويت، وما أعقب ذلك من حرب وحصار من خلال متابعة الراوية
للأخبار في محطات التلفزيون، ولاحقًا من خلال رسائل معلّمة الرقص التي تنقل تفاصيل ما آلت إليه أوضاع
الناس في زمن الحصار، فيدفعها اليأس والقنوط إلى إقامة علاقة جسدية مع أحد الأفارقة (أرنو) الذي تتعرف
إليه في مقهى يلتقي فيه الأجانب. وتحمل منه، لكنها تكتشف أنه متزوج في بلده، لينتهي النص بموت أمها،
وقيامها هي بعملية إجهاض وشحوب علاقتها بمعارفها في العراق؛ إذ تنخرط في رتابة حياة الغرب. إن لشخصيات كم بدت السماء قريبة ميزة خاصة ومختلفة عن غالبية النصوص المكتوبة عن الحرب، فهي تود
العيش في العراق وتستسلم لمصيرها بقدرية، فتذهب إلى الحرب وتبقى إلى نهايتها، متوقّعة القتل في أي لحظة،
وليس في نيتها المقاومة رغم عدم اقتناعها بالحرب، وهذه الشخصية تمثّل الغالبية العظمى من العراقيين الذين
خاضوا الحرب الطويلة مع إيران.
التاريخ العراقي كميدان بحث في الرواية العراقية
نتناول هنا نمطًا آخر من الروايات التي اتخذت من التاريخ العراقي ميدانًا، وهي لا تختلف عن الروايات
المستقاة من السيرة التي عرضنا لبعضها، من حيث تناولها «تيمة» العنف والموت، لكن هذه الروايات حاولت
محاكاة التاريخ العراقي وترتيب سرد روائي فني يحاول الوصول إلى علّة ما يحدث ورسم تلك المعاناة التي يدفع
ثمنها العراقي المسالم الذي تعصف به السياسة والأطماع في أرضه بما تختزنه من ثروات جلبت له البؤس وعدم
الاستقرار، كما جلبت له العنف الذي سرعان ما تحوّل من عنف وقتل في المعتقلات والسجون زمن الديكتاتور
إلى عنف وقتل يومي في الشوارع والبيوت والمقاهي زمن الاحتلال الأميركي وسلطات الطوائف في الأعوام
التسعة الأخيرة. حافة القيامة، وبحث فني في طبيعة الديكتاتورية في العراق حاول زهير الجزائري في نصه حافة القيامة البحث فنيًا في طبيعة الديكتاتورية العراقية المحلية، متوِّجًا بحثه
الأرشيفي عن ماهيتها وكيفية ترسخ سلطتها وآلية تلك السلطة في تسييرها لشأنها الداخلي عبر دراسات موثَّقة
جمعها مؤخرًا في كتابهالمستبد، بنص روائي يتتبّع الكيفية التي بنت فيه سلطتها، من سلطة انقلابات عسكرية
هشة ومتكررة إلى سلطة ديكتاتورية شديدة التركيز، تخضع لفكرة رجل واحد لم يكن عسكريًا، يقرر كل شيء.
وهذه السمة تنفرد فيها التجربة العراقية وما شابهها في المنطقة، وتميّزها كذلك من مثيلاتها في أميركا اللاتينية. نسج الروائي نصه بتمهّل، مبتدئًا بمتابعة الشخصية المحورية وهاب الذي بدا هامشيًا في الفصول الأولى؛ فهو
قروي يأتي إلى المدينة ويسكن مع ابن عمه مجيد، الضابط في القصر الجمهوري، ليتعرف عن طريقه إلى حلقة
47 حافة القيامة (دمشق: دار المدى،.)1996
48 المستبد (بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية،.)2006
العسكريين المتآمرين الذين يوظفونه كقاتل مأجور ينفّذ عمليات اغتيال شخصيات سياسية وعسكرية مناوئة.
وكانت أول عملية له تلك التي نفّذها صبيحة انقلاب عسكري، فيُسجن بعد فشل الانقلاب، ومن داخل
السجن تبدأ رحلته بخدمة العقيد الذي سيهرب لاحقًا ويتمكن من القفز إلى كرسي الرئاسة بالدخول إلى القصر الجمهوري بطلقة دبابة وبعض الرصاصات هذه المرة. خيوط السرد مرتبة على ثلاثة مسارات، يتنقل بينها السارد في فصول قصيرة غير مرقمة: الخيط الأول، وهو الخيط الرئيس والأكثر حظًا في التفاصيل، يجمع العقيد المسيطر على مقاليد السلطة بعد
الانقلاب ومساعده القاتل المحترف وهاب، الذي يتطور من مجرد قاتل وخادم في السجن إلى المساعد الأول للعقيد والمشرف على أجهزة القمع، الشرطة السرية والاستخبارات العسكرية، إضافة إلى تشكيله أجهزته الخاصة، ويعقوب، الشرطي السري الذي يظل على دوره باختلاف السلطات؛ فرغم أنه يدرب وهاب ويساعده في تعميق خبرته وبلورتها، يظل في موقعه كرمز للشرطة السرية، اليد الخفية الحارسة لأنظمة الحكم
الديكتاتورية، وسلطان، الرجل العسكري الغامض الذي نفذَّ الانقلاب بشكل عملي وأتى بالعقيد إلى الحكم،
وقد عرضه النص زاهدًا بالكرسي الأول ومتدلهًا في المباهج والملذات، «علاقته بعشيقته الصغيرة»، والراقصة
بوسي التي تقوم بمساعدة الانقلابيين بدعوة رجال الحكم السابق للسهر في بيتها ليلة تنفيذ الانقلاب. الخيط الثانيللسرد يذهب إلى تفاصيل الضحايا، وهم الطرف الآخر في الصراع، كالسجين صادق اليساري
وحبيب جمانة التي تتحمل ضغوط عائلتها، إخوتها وأزواج أخواتها العسكريين، كي تتخلى عنه لكنها تضعف
مع طول فترة مكوثه في السجن، فتضطر إلى ذلك بعد أن تعمل سكرتيرة للعقيد وزوجة له لاحقًا، وهو الشيخ العاجز جنسيًا، فيستحوذ عليها في المراحل الأخيرة وهاب لتتحول إلى رمز الضمير الجمعي المغتصب. والكاتب
وليد، وهو المثقف الذي يقع في تجاذب بين ضميره وما تريده السلطات، وشخصيات أقل أهمية كإسماعيل وخليل السجينين اليساريين في خلافاتهما حول أساليب النضال وطرق الوصول إلى السلطة، والظروف الطبقية وما إلى ذلك من التفسيرات الماركسية اللفظية التي لم تفعل فعلها في حياة النص وتطوراته، في ترميز إلى شحوب دور المعارضة اليسارية في تلك الظروف الاستثنائية التي أتت بسلطة الديكتاتور، من هزيمة عسكرية وجفاف ومجاعة وبطالة وتمرد عسكري في الجبال، وإضرابات طلابية في الجامعات. الخيط الثالثللسرد يتابع السيد الحائري وأولاده، وهو رمز للتيار الديني الذي لم يغب عن ساحة الصراع
السياسي، بل كان فاعلا في فترة ما قبل الانقلاب العسكري، حسب النص والواقع. الخيوط السردية الثلاثة يتتبّعها الراوي العليم، مستخدمًا الضمير الثالث في سرده المحسوب النسب والأوقات
في تنقّله من خيط إلى خيط. تنعقد خيوط السرد في العلاقة المتبادلة في عملية الصراع السياسي والاجتماعي؛
فالعقيد ووهاب في دأبهما على ترسيخ السلطة وتركيزها يقمعان المعارضة بشقيها اليساري والديني. جمانة، حبيبة صادق السجين اليساري أو زوجته، تصبح عقب الانقلاب زوجة العقيد وسكرتيرته. ويتحول يعقوب، باعتباره رجل أمن وعين السلطة في المدينة، إلى رابط بين كثير من الرموز في النص بعلاقته بالمثقفين وتجمعاتهم في الحانات والأندية الثقافية، وبرجل الدين، باعتباره رمزًا لسلطة شعبية أخلاقية يدخل في صراع مباشر مع بوسي،
الراقصة التي لها موقع خاص في علاقتها بشخصيات السلطة من عسكر ووزراء، ومحاولة اغتيالها التي لم يفصح
عمّن قام بها، والزيارة السرية التي تقوم بها إلى الحائري لتحذّره من المساس بها (ص 95). كما تنعقد العلاقة
بين الطرف الديني والسلطة من خلال الجذب والشد في علاقتهما بعامة الناس، وكذلك في إيمان العقيد الديني
المضطرب والحائر بين السلطة والخوف من الله. في هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والصراع، يتتبّع الراوي
وهاب وهو يتسلق خطوة.. خطوة، وبدقة، ناسجًا خيوطه حول العقيد وأجهزة السلطة من خلال سهره ودأبه
على الحضور والزيارات المفاجئة ليتحول إلى ظل يحوم حول رؤوس المسؤولين وعين وحيدة يرى العقيد الدنيا من خلالها، فيرتب أمور الخصوم واحدًا بعد الآخر في تصفيات دموية طاولت المعارضة اليسارية الضعيفة،
والدينية باغتيال الشيخ الحائري، والتخلص من بوسي الراقصة بعد انتهاء دورها، ثم التخلص من المعارضة
القوية التي تهدده من داخل السلطة متمثَّلة في وزير الدفاع سلطان الذي يلفّق ضده تهمة التآمر هو ومجموعة
كبيرة من شخصيات السلطة، وهو ما يتيح له، مع تفاقم مرض العقيد وخرفه، إلى الانفراد بالسلطة بتنحية
العقيد والاستيلاء على جمانة والكرسي، محولّا السلطة إلى طبيعة فريدة تختلف حتى عن أعتى الديكتاتوريات
العسكرية. فالشخص الأول ليس عسكريًا، وإنما هو قروي فاشل دراسيًا، وقاتل مأجور وخادم تمرّس بالشر
وسط المتآمرين، ونزع ضميره رويدًا.. رويدًا، متخلصًا، مع إمعانه في القتل، من أي تأنيب أو إحساس بالذنب. يمهّد الكاتب ثلث النص لعرض الظروف والشخصيات والأوضاع قبيل الانقلاب العسكري، وما يجري
في الخفاء من مؤامرات، دسائس، تسلل لأجهزة الدولة، تصفية لبعض الرؤوس في مواقع السلطة الحساسة، وبين صفوف المعارضة اليسارية، مشهد اغتيال الطالب اليساري خالد على يدي وهاب (ص 63)، كيفية كسر إضرابات الطلبة وتخريب التظاهرات، وانقسام المعارضة اليسارية إلى قسمين، ليبدأ بتقديم بانوراما لليلة الانقلاب (ص. 104)، إذ ينقطع التيار الكهربائي ليتنقل السرد بين السجن والحائري وبين بوسي ومشهد الانقلابيين الساهرين حتى لحظة دخول القصر الجمهوري، ليتركز السرد على العقيد الذي حلم طوال سنين باللحظة هذه. في الثلثين المتبقيين من النص (303 صفحات)، يتابع السارد الكيفية التي تركزت فيها السلطة
بين يدي العقيد أولا، ثم بين يدي وهاب الذي أحكم قبضته على كلّ شيء. المادة الروائية الخام محض سياسية على نحو مباشر، إلا أن الروائي تمك ن من بناء رواية تخلو تمامًا من المباشرة
الفجة، بفضل لغته الغنية والمنتقاة بدقة تناسب الحالة الإنسانية وطبيعة المشهد، أكان وصفيًا أم سرديًا. كما أن
الجملة مكتوبة باقتصاد شديد، أقصد بذلك أنها تخلو من الاستطراد غير الضروري. كما أن تقسيم النص إلى فصول قصيرة مختزلة أكسب النص ميزة سهولة القراءة ومتابعة الحبكات المتلاحقة لشخوص النص. ثم هناك بناء شخصيات النص بأبعادها الإنسانية من دون انحياز، كونها ذوات بشرية تتجاذبها نوازع الخير والشر. فحتى أقسى الشخوص وأكثرهم دموية، وهاب، مبني بشكل حي بلا تعسف ولا نظرة أيديولوجية مسبقة، وهو ما أتاح للقارئ الإحساس بخلجاتها واضطرابها فيما تتأمل الضحية المنشغلة بشأنها، وهي تفشل في أول محاولة اغتيال (ص 61). وكذلك بنية شخصية يعقوب، رجل الشرطة السرية بأبعاده الاجتماعية ولحظاته الإنسانية، مع أنه الشخصية التي تمارس القمع بشكل فعلي. من ذلك، على سبيل المثال، تأملات يعقوب وهو يُطلق السجين
صادق الذي توسطت له جمانة لدى زوجها العقيد، فيأخذه في جولة في أنحاء المدينة، متأملا هذا الكائن الذي أمضى سبعة أعوام سجنًا وذاق صنوف التعذيب والمرض، وخسر زوجته، ليكتشف «أنه لا يحمل له أية كراهية
رغم ما بينهما من حروب، فما فعله ضده كان بحكم المهنة وضرورات السلطة التي هي بالصدفة بين يديه الآن، وبالتأكيد سيفعل هو الآخر الشيء نفسه لو كان في موقعه» (ص 164). كما أن الراوي العليم يغور في العالم الداخلي لشخصيات النص، مصورًا كوابيسها وأحلامها في أثناء النوم، أي لا يكتفي في تأملاتها الشاردة وقت
اليقظة؛ كوابيس رجل الدين الحائري ورؤياه بدخول العالم السفلي المصوغة بلغة روائية لاهثة تناسب جو الكابوس (ص 244)، أو حلم العقيد ورؤيته مقتل الحائري قبل أن يأمر وهاب بتنفيذ الاغتيال (ص 249)، أو
كوابيس العقيد المريض في عزلته في مزرعته، وفي أثناء زياراته لضريح الهادي وقت خلوّه من الزوار (ص. 271)
هذا الاستخدام المكثف يستغل أبعادًا أخرى من أبعاد الوجود ألا وهو عالم اللاوعي، حيث يتشكل الكثير من
أبعاد الشخصية الإنسانية هناك، وما ذكرناه أكسب النص وشخوصه حيوية، وكأننا أمام شخوص لغوية تحوّلت
إلى كائنات من لحم ودم نتعاطف معها بشغف ونحس بمعاناتها، أكانت شريرة أم خريّ. ة رغم أن الكاتب تحاشى تشخيص المكان والزمان في النص، ولا أدري سبب ذلك، إذ كان من الممكن تسمية
الأمكنة بأسمائها من دون أن يؤثر ذلك في حسه الفني، فإن فالتفاصيل توحي بالمكان بوضوح، فطبيعة البيئة
الموصوفة ومفردات الأمكنة والأشياء في النص تكاد تتطابق مع طبيعة العاصمة بغداد وأمكنتها وأشيائها.
وطبيعة شخصية العقيد وسماته ومصيره توحي تمامًا بمصير أحمد حسن البكر، رئيس جمهورية العراق في
الفترة 1979-1968. وشخصية وهاب وسماته ونمط تفكيره، والكيفية التي تسلسل بها واستحوذ على
الحكم توحي بشخصية صدام حسين، رئيس جمهورية العراق في الفترة 2003-1979. وجملة الأوضاع قبل
الانقلاب، الهزيمة العسكرية في حرب 1967 مع إسرائيل، وما أعقبها من اهتزاز السلطات القومية القائمة،
وردود فعل الشارع العربي بصعود مد يساري قوي في العراق، تكللت بانشقاق الحزب الشيوعي العراقي إلى
قيادة مركزية قادت حركة كفاح مسلح فاشلة في أهوار الجنوب، ولجنة مركزية تحالفت مع السلطة لاحقًا، ثم
الإشارة إلى التمرد الكردي في شمال العراق، وموقف السيد الحائري الذي يكاد يوحي أيضًا بموقف التيار
الشيعي ومرجعيته في النجف. وهو ما أعطى النص نكهة التجربة العراقية الفريدة في طبيعة السلطة، وتفسير
الكثير من دموية رجالها الذين ترعرعوا في مدرسة وهاب العريقة بالتنكيل والإرهاب والقتل. عراقيون أجناب، والبحث في طبيعة الصراع الدموي في ريف العراق الحديث تمثّل رواية فيصل عبد الحسن عراقيون أجنابنموذجًا حيًّا يؤكد ما ذهبنا إليه في معرض تحديد سمات كلٍّ من
الرواية المكتوبة في ظروف حكم الديكتاتور والرواية المكتوبة في ظروف الحرية في المنفى؛ فالكاتب سبق له
أن كتب روايات تعبوية زمن الحرب العراقية – الإيرانية، وفازت إحدى رواياته (أقصى الجنوب) بجائزة
رواية الحرب، لكنه حينما اضطر بسبب الحصار الاقتصادي إلى مغادرة العراق والعيش في المغرب، كتب بشكل
مغاير تمامًا. تصلح رواية عراقيون أجناب نموذجًا متقدمًا للرواية العراقية من حيث طبيعة موضوعها وبنيتها وصوغها
الفني؛ ففي ظل افتقار الرواية العراقية إلى عالم القرية، يشك ل صدور عراقيون أجنابولادة ناضجة لرواية
القرية العراقية؛ فهي تصوِّر عالم القرية ونبضها السري، غائرة في تفاصيل بشرها المنسيين، وتشابك علاقاتهم
في بيئة القرية الاجتماعية والدينية، وعلاقتهم بالمدينة والسلطة المركزية، وذلك من خلال بحثها في الحكايات
الشفاهية والمكان الريفي وتجلّيات الإرث الديني في المخيلة الشعبية. يستهل الكاتب سرده بصورة مستلّة من كتاب صادر حديثًا عن الإمام علي بن أبي طالب، كما يذكر الهامش
-وأنا أعتقد أن الصورة المذكورة مستلّة بدورها من كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد - في مقطع صغير
49 عراقيون أجناب (الدار البيضاء: الأحمدية للنشر،.)1999
50 أقصى الجنوب (بغداد: دار الشؤون الثقافية،.)1989
مستقل يرتبط ارتباطًا عضويًا ببنية النص. وسوف نرى تجليات الذات الموصوف شكلها على مدى الرواية
وبشرها وترابها وطقوسها. الصورة تصل إلى القارئ من خلال عيني طفل يتابع تفاصيل صورة للإمام شائعة
في الجنوب لا يكاد يخلو جدار بيت منها، بطلعته المهيبة وسط ولديه، وتحت قدميه يربض أسد عظيم الحجم.
في مفصل تمهيدي لاحق، يصوّر الراوي مشهدًا ميثولوجيًا من طقوس الشيعة حينما يعثرون على طامورة تحت
الأرض تضم رفات أحفاد الإمام بعد أن سجنهم فيها الأمويون حتى الموت اختناقًا. يصف الراوي المشهد
الدرامي والفلاحون يلملمون البقايا، من مسبحة وعمامة وأردية سوداء، وسط نحيبهم ونواحهم ولطمهم،
إلى أن يتحول المكان إلى مزار من مزارات الشيعة المقدسة المنتشرة في أرجاء العراق. هذان المشهدان يمهّدان
فنيًا وفكريًا للدخول في غور بشر تلك القرى المنسية على حافة الهور وفي أعماقه. يعرض النص في فصوله الأولى
جريان الحياة الاجتماعية، والصراع بين القيم وأعراف القرية من ناحية وواقع الإنسان ورغباته ونزواته من
ناحية أخرى، في فترة سابقة لتبلور الصراع السياسي الدموي الذي عصف بالمجتمع العراقي عقب انقلاب
1958، وانعكاسه المخرِّب لعفوية حياة العراقيين عمومًا وجنوب العراق زمن النص ومكانه؛ تلك العفوية
الوديعة وطبيعتها الجميلة رغم قسوتها وتخلّفها وبدائية معتقداتها الدينية الممزوجة بالخرافة، ذلك السلام
الروحي ستفتقده شخوص النص إلى الأبد. يشتغل النص على بُعدين من أبعاد انعكاس الموروث الديني على أرواح الفلاحين: البُعد الأولهو ذلك الذي تثيره روايات المقتل في مجالس العزاء الحسينية المقامة على مدار العام، لوفرة مناسبات
مقاتل الطالبين الموزعة بين فصوله، حتى تبلغ أوجها في ذكرى مقتل الحسين في العاشر من محرم، حيث تقام
طقوس حزن دموية، من اللطم على الصدور العارية حد الإدماء إلى ضرب الظهور العارية بسلاسل من الحديد،
وضرب الرأس المحلوق بالسيف. يصور النص تفاصيل هذه الطقوس التي تقام كل عام في القرية مباشرة عقب
إعادة تمثيل مذبحة كربلاء أمام الجمهور، يضاف إليها سرد الحكاية التاريخية المتداولة من على المنابر الحسينية،
التي تأخذ بدورها مسارات سردية تختلف حسب مخيلة راوي المنبر، ومزاوجتها بما يحدث من مظالم شبيهة في
حاضر القرية زمن النص في سبعينيات القرن العشرين. البُعد الثانييتمثّل في انعكاس الروايات الدينية المتناقلة شفاهًا في مخيلة المرأة الفلاحة، التي تنسج بدورها
حكايات يمتزج فيها الموروث الشيعي بالموروث الخرافي الموغل في القِدم. نجد في الفصل الخامس الجدات
تسرد للأحفاد قبيل النوم حكايات عن أيام النكبات الطبيعية: الجراد الذي هجم ملتهامً كل شيء، والإمام
علي يظهر لنجدة شيعته الجياع،؛ عودة الموتى الصالحين في الأعياد والمواسم، حاملين من دار البقاء الرسائل
والوصايا والبخور والعطور؛ السيد مهنا وسفره الغامض في عمق الأهوار لإيداع تبرعات الشيعة السنوية في
مكان مسحور يسمّونه الحفيظ، فيلج من كوة مجهولة إلى باطن له جغرافيا مختلفة، فيها بحيرات وجبال وكهوف
تؤدي إلى مكان الكنز المخفي إلى حين ظهور المهدي المنتظر ليعينه على النصر على الأعور الدجال (الفصل.)21 من ناحية أخرى، اشتغل النص على موروث خرافي سابق لمرحلة الأديان السماوية، وذلك من خلال بيئة قرية
في الأهوار تدعى الدبن، وسكانها - المعدان - الذين يعتمدون على الصيد وتربية الجاموس، ويُعَدّون في الكثير
من الدراسات بقايا السومريين الذين أقاموا قبل التاريخ في الجوار اليابس ولجأوا إلى عمق الأهوار حفاظًا
على الكينونة وقت تدهور دولتهم التي انقرضت لاحقًا. فالعامل الديني لديهم ضعيف مقارنة بقرى اليابسة،
ويوضح النص ذلك من خلال اختلاف موقع رجل الدين في كلا المكانين؛ فبخلاف موقع مهنا، رجل الدين،
وسلطته الروحية في قرية الجوابر المعتمدة على الزراعة والقريبة من المدن، نجد هزال دور السيد المنتدب من
الحوزة في النجف إلى قرية المعدان، حيث يكاد لا يجد ما يسد به رمقه، وهو ما يجعل الشيخ يقدم له الطعام شفقة
لا واجبًا. ويعرض النص لبقايا طقوس شبه وثنية تمارَس في هذه القرى، منها ما جاء في الفصل 22 عن رحلة الزوجات
العواقر في ثلاثة مشاحيف نحو معبد قديم قائم في أعماق الأهوار، طلبًا للخصوبة في طقوس ذات صلة بطقوس
الخصوبة في حضارة وادي الرافدين القديمة. يطل القارئ على مشهد لا يُنسى، حيث الشابة المأخوذة حت شر
وسط الأدعية والبسملة في شق ضيق حد العنق، ل تُغتصب في العتمة على إيقاع أدعية النسوة المستنجدات بالأئمةِ
الأطهار! (ص. 97). هذا الطقس الوثني، الشديد الاندماج ببيئة النص وبشره، ينجح في توظيف طقس من
طقوس بلاد الرافدين القديمة بطريقة ذات صلة عضوية بالحاضر، عكس الكثير من النصوص التي حاولت
توظيف الموروث نفسه، فسقطت بالتجريد الذهني والتاريخي، فكانت عسيرة القراءة رغم جودة أدائها الفني.
يحيل هذا الطقس إلى طقس مشابه يمارَس في بعض قرى صعيد مصر بترك العاقر في معبد قديم طلبًا للخصوبة،
كما تناولته بعض الروايات المصرية والأفلام. من ناحية أخرى يسجّل النص ويرسم عالم القرية وعلاقته بفترة محدّدة من تاريخ العراق المعاصر؛ فمن بين
فصول الرواية ال 60، تابع السارد تطور شخصية ابن قرية الجوابر المدعو جاسم العطية في 26 فصلا. وجاسم
هذا عاش في المدينة فترة من الزمن ثم عاد منها واعيًا بالصراع السياسي في المدينة، فراح يدعو أبناء قريته إلى
الانخراط في تنظيمات الحزب الشيوعي. لابد من الإشارة إلى أن الكاتب أمسك بمفصل حيوي من تاريخ
الصراع السياسي في العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أدى الشيوعيون دورًا بارزًا فيه، إذ
كانوا طرفًا معارضًا للسلطة الحاكمة. كما كانت شخصية جاسم العطية محورية مك نت الراوي من التحكّم في
فصول النص بالعودة إليه بين حين وآخر في فصل مستقل. وبسبب سماتها الجديدة المتمثّلة في اختلاف مفاهيمها
ومعتقداتها التي تتناقض تمامًا مع معتقدات القرية، ستكون هذه الشخصية نافذة توسع عالم النص من خلال
حركتها بين قرية المعدان وقرية الدبن في عمق الأهوار، وما تكتظ به ذاكرتها من تفاصيل الأيام التي أمضتها
في المدينة بين الرفاق؛ هذه الفترة التي تقدم تبريرًا فنيًا مقْنعًا للجوء قادة الشيوعيين إلى قرى الأهوار أواخر
الستينيات. ويُقتل جاسم العطية دفاعًا عنهم في الفصل الختامي، الأمر الذي يحكم الحبكة؛ فالشخصية المحورية
أصبحت النقطة المركزية في المشروع السردي وبنية النص. ورغم تعاطف الراوي مع جاسم العطية الحالم،
نلمس سخرية دفينة من محاولته زحزحة ذلك الإرث الروحي الهائل، المتجسّد في الطقوس الدينية الممزوجة
بالخرافة، الواشمة للطبيعة البشرية والجغرافية، فينتج كثير من المواقف الكوميدية بسبب التصادم بين القيم
الفكرية والمفاهيم النظرية الناشئة في الغرب المتطور وبيئة النص ومستوى وعي الفلاحين المتخلّف، وهو ما
يضطره إلى العيش في المنفى، في قرية الدبن المجاورة. يتألق النص فكريًا من ناصيته الحيادية التي تُلقي على الصراع والحياة نظرة موضوعية يفتقر إليها كثير من
النصوص الروائية العراقية التي تستقي «تيمتها» من تفسير أيديولوجي. وقد أكسب ذلك الشخصيات
حيوية، وجعلها حيّة؛ ففي الوقت الذي سوف نسخر من محاولات جاسم العطية وأفكاره، سنحبه ونتألم
لعذابه ومقتله. في مقابل هذه الشخصية الديناميكية في النص وفي التاريخ العراقي المعاصر نجد شخصية شرهان قاطع، ابن
القرية نفسها والمنتمي إلى حزب السلطة، حزب البعث: شخصية قومية التوجه ومكروهة وشاحبة في المحيط
الاجتماعي، تفرض نفسها بالقوة، مراوحة بين التهديد والترغيب في محاولتها إجبار الفلاحين على الانتماء إلى الحزب، ويساعد الجيش في حملة ترحيل قسم من سكان القرية بحجة التبعية الإيرانية عقب نجاح الثورة الإيرانية عام.1979 شُيّد هيكل النص على هيئة فصول قصيرة غالبًا، وتطول بحسب منطق الحدث وموضوعة السرد، فبلغ
عددها ال 60 فصلا، تستقي منطقها الحكائي من الحكاية الشفوية المتناسلة في المخيلة الشعبية، المنسوجة من الموروث الديني الشيعي أو من الموروث الخرافي السابق لظهور الأديان السماوية. أما الحوادث الملاحقة لتطورات الواقع الاجتماعي والنفسي والسياسي في الفترة التي تناولها النص، فمبنية وفق رؤية الفلاحين
ومخيّلتهم وتصوّرهم إذ يمنحون أي حدث عابر مبالغةً تناسب مخيلتهم، فاقترب السرد من الحكاية الشفاهية
وموروثها الديني والخرافي. وقد رتّبت الحكايات في هيكل النص بشكل يتناسب مع الخيط السري الرابط
لحبكة النص؛ إذ يبدأ في الفصول الأولى بوصف حياة الفلاحين ومعتقداتهم وطبيعة المكان الذي سوف
تجري الحوادث فيه، فيفرد الراوي فصولا مستقلة لوصف المكان فقط، وكأنه عدسة كاميرا سينمائية تصوّر
للمكان بانوراما جغرافية قبل الدخول في الحوادث. وهذا ما نجده في الفصل الافتتاحي الممهِّد للدخول في
طقوس الشيعة. وفي الفصل 12 الذي يشرح كيف يبني سكان الأهوار جباشاتهم العائمة وسط الماء، كتمهيد لدخول القارئ، مع جاسم العطية الهارب من قريته بسبب أفكاره الشيوعية الغريبة، إلى معتقداتهم وحياتهم الاجتماعية البدائية، حيث لا يوجد جائع بفضل تكافلهم القبلي. وهنا أصل إلى استنتاج مغاير لما توصل إليه الناقد المغربي د. عبد الله سفيان. استخدم الكاتب في السرد الضمير الثالث المناسب لبنية عمل تتناسل فيه الحكاية تناسل حكاياتألف ليلة وليلة؛
فشهرزاد، في سردها المتسلسل تتحدث عن آخرين، وتستخدم ضمائرهم عندما يروون تجربتهم. نجد هذه التقنية في الفصل 21، حيث رحلة السيد مهنا بصحبة أبيه إلى مكان حفظ كنوز الشيعة في عمق الأهوار، فالراوي هنا هو مهنا، رجل الدِّين الذي يرحل بنا عبر كوة جباشه وسط الهور إلى جغرافيا مختلفة، حيث البحيرات والجبال
والكهوف، لنكتشف في نهاية الفصل أن الحكاية مجرد تهويمات ذاكرة طاعن في السن في رحلة مفترضة مع والده إلى ذلك الموقع الخرافي. لا تقبل مثل هذه البنية الروائية سوى لغة بسيطة، لغة تستعير من السرد الشفاهي روحها، ومن موروث السرد
العربي فيألف ليلة وليلة تركيب جملته البسيطة، لكنها ترسم المشهد مجسَّدًا بتفاصيله، وكأن القارئ يلمس
حيوات النص بأصابعه. ففي خضم دراما الحوادث المتلاحقة، يصاب شيخ المعدان بالعنّة إبان زيارته الأولى إلى
البصرة ومحاصرته من قِبل الشرطة في بيت البغاء، حيث كان يمضي ليلته وسط العاهرات اللواتي يتناوبنه لحدود القرف والعنّة، فتصاب زوجاته الثلاث بالحيرة وهن محتدمات في ليل الغريزة (ص. 141)
51 قارن الناقد د. عبد الله سفيان بينعراقيون أجنابووليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر في مقالته المنشورة فيالقدس العربيبتاريخ
2000/8/17 مضخِاّمً في تحليله حدثًا صغيرًا في رواية فيصل عبد الحسن يشترك فيه مع رواية حيدر حيدر، ألا وهو لجوء مجموعة من
الشيوعيين في أواخر الستينيات إلى الأهوار لخوض الكفاح المسلح، وهذا هو محور نص الكاتب السوري المعتمد في كتابة نصه على رواية
عبد الأمير الركابي، الناجي من تجربة اليسار المسلحة في الأهوار، وما رواه اللاجئون منهم إلى سورية، فيَص ل الناقد عبد الله سفيان إلى
استنتاج مفاده أن عراقيون أجنابهي عبارة عن كولاج رتّب من دون خبرة كافية للتخلص من رتابة السرد التقليدي، وقد قاده التضخيم
المذكور، بالإضافة إلى عدم دقة تحليل بنية النص، إلى المقارنة بين نصين مختلفين كليًا بانشغال عالميهما؛ فنص عراقيون أجنابكان مشغولا
بالبشر المهمَّشين المنسيين من شيعة ريف الجنوب العراقي، بينما انشغل نصوليمة لأعشاب البحر بأجواء النخبة اليسارية العراقية المعزولة
التي خاضت آخر معاركها الخاسرة في الأهوار.
سأتوقف هنا بسبب محدودية المساحة المتاحة، لكن لابد من ذكر كثير من المحاور و«التيمات» الجديدة
التي طرحتها نصوص روائية عراقية مهّمة، محور سؤال الهوية العراقية التي تعرضت ولا تزال تتعرض
للتهديد زمن الاحتلال لدى كل من إنعام كجي جي، وعلي بدر، ومحور وضع الإنسان ومعاناته
زمن الحصار، لدى هدية حسين وبتول الخضري. كما أن دراستنا أعرضت عن تناول أعمال مهمّة
أشبعتها الصحافة والمجلات تناولا، كرواية المسرات والأوجاع للراحل فؤاد التكرلي، وروايات
فاضل العزاوي.
52 الحفيدة الأميركية (بيروت: دار النهار،.)2008
53 حارس التبغ (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2008
54 ما بعد الحب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2003
55 غايب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2004
56 المسرات والأوجاع (دمشق: دار المدى،.)1998
57 انظر الهامش.28