Return to Article Details Research Experiment of the Laboratory for Moroccan Studies

التجربة البحثية في مخبر «دراسات مغاربية » البحث على قاعدة تداخل المنهجيات والاختصاصات

Research Experiment of the Laboratory for Moroccan Studies

عبد الحميد هنية

Abdelhamid Hénia

الملخّص

شهادة تُبرز الجوانب العملية لتجربة مخبر «دراسات مغاربية » يقدّمها مدير المخبر في إطلالة على 15 عامًا من العمل المتواصل. وهذا المخبر مؤسسة بحثية متخصصة بالعلوم الاجتماعية والتاريخية تابعة لجامعة تونس، يختلط فيها البحثيّ بالتعليمي وتدرس قضايا المجتمعات المغاربية بأدوات العلوم الاجتماعية و التاريخية وبمقاربات ومنهجيات تكاملية عابرة للتخصصات، متنبهة إلى ضرورة الإفلات من إسار النظرة المركزية الغربية، على الرغم من البعد الكوني الذي تحاول أن تسبغه على بحوثها ونتائجها المعرفية ،وعلى الرغم من كونها نقطة التقاء شبكة من العلاقات البحثية العربية والعالمية .

Abstract

This study presents a testimony highlighting the practical aspects of the experience of the Laboratory for Moroccan Studies from the Laboratory’s Director for 15 years. A research institution devoted to the social sciences and history affiliated to the University of Tunis, the laboratory studies emerging issues within Moroccan society using the tools of the social and historical sciences and complementary inter-disciplinary approaches and methods. The laboratory is also acutely aware of the need to escape the stranglehold of Eurocentric viewpoints, despite the universal dimension that the Laboratory tries to impart to its research and conclusions, and despite its being a node in a nexus of Arab and international research links.

الكلمات المفتاحية:
  • دراسات مغاربية
  • العلوم الاجتماعية
  • العلاقات البحثية
  • تخصصات
Keywords:
  • Moroccan Studies
  • Social Sciences
  • Specialisms
  • Research Links

البحث على قاعدة تداخل المنهجيات والاختصاصات

شهادة تبُرز الجوانب العملية لتجربة مخبر «دراسات مغاربية» يقدّمها مدير المخبر في إطلالة على 15 عامًا

من العمل المتواصل. وهذا المخبر مؤسسة بحثية متخصصة بالعلوم الاجتماعية والتاريخية تابعة لجامعة

تونس، يختلط فيها البحثيّ بالتعليمي وتدرس قضايا المجتمعات المغاربية بأدوات العلوم الاجتماعية

والتاريخية وبمقاربات ومنهجيات تكاملية عابرة للتخصصات، متنبهة إلى ضرورة الإفلات من إسار

النظرة المركزية الغربية، على الرغم من البعد الكوني الذي تحاول أن تسبغه على بحوثها ونتائجها المعرفية،

وعلى الرغم من كونها نقطة التقاء شبكة من العلاقات البحثية العربية والعالمية. تدلف الشهادة إلى بنية المخبر، المؤلفة من الأساتذة الباحثين وطلبة الدراسات العليا، وإلى ما يحكم

وضع برامجه وخططه البحثية من ثقافة العمل الجماعي وآلياته، خاصة إدماج الطلبة في منظومة

المخبر البحثية، وتوفير ما ينبغي من ضروب التفاعل المحلي والعربي والدولي، الأمر الذي يسهم

بقوة في تكوين هؤلاء الطلبة، كما يسهم في إثراء وتعميق ثمار المخبر التي تتخذ هيئة كتب ومقالات

ومحاضرات وملتقيات ومشاركات، وفي صقل اختياراته المنهجية المتداخلة الاختصاصات،

والنقدية، والكونية النزعة التي ترتاد السبل الوعرة وتستهدف التجديد عبر تبيئة المعرفة.

عندما طُلب مني إنجاز ورقة بشأن التجربة البحثية، التي عرفها فريق «دراسات مغاربية» طوال السنوات

الخمس عشرة الماضية، قبلت لأنني رأيت في ذلك فرصة سانحة أراجع فيها مسيرة الفريق على امتداد فترة

وجوده وأفكر فيها. وأعترف أن علاقتي بهذا المخبر ذاتية جدًا، لأنني أنتمي إليه ولأنني من مؤسسيه أيضًا. ويرجع

لي الشرف أن أكون المشرف على أنشطته منذ البدء. لهذا، سأعمل على تقييم تجربته البحثية، محاولا بصورة مباشرة

أو غير مباشرة إبراز المميزات الأساسية لمشروعه المعرفي والعلمي. فهذا العمل هو إذن بمثابة التقييم الذاتي، بكل ما

يحمله من سلبيات الذاتية التي قد تصبح مسيئة له إذا لم أكن يقظًا لخطورة الأمر. ضمانتي الوحيدة في ذلك تتمثل في

وعيي التام، أولا بذاتية عملي هذا، وثانيًا بجسامة المهمة وصعوبتها. وهو يهدف إلى إبراز الجوانب العملية للتجربة

التي أقدم أعضاء الفريق على تحقيقها، وذلك على مستوى البحث الجماعي، والحرفية التي وظفوها لتحقيق ذلك،

والصعوبات التي تخطّوها. تلك هي إجمالاًالوجهة التي اتخذها هذا العمل.

التعريف بالمخبر وأهدافه

لو أردنا أن نعرّف مخبر «دراسات مغاربية» في بضع كلمات، يمكن القول إنه مؤسّسة بحثيّة متخصصة بالعلوم

الاجتماعية والتاريخية، وتابعة لجامعة تونس، ومموَّلة من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في البلاد

التونسية. وهو ينجز برامجَ بحثيّة على شكل مشاريع متخصّصة تنتهي بإعداد أعمال جماعية قصد النشر. وإلى

جانب مهماته البيداغوجية المتنوّعة (من تدريس وتقييم للمذكرات البحثية الأكاديمية المنجزة في إطار شهادة

الماجستير والدكتوراه)، يصدر أعضاء فريقه البحوث والدراسات. ويشكل المخبر نقطة التقاء لشبكة بحثيّة

تجمع بين باحثين في عدد من الأقطار المغاربية والعربية والأوروبية المنتمين إلى إحساسات علمية وجامعية

متنوعة، يحدوهم هدف واحد هو القيام بأعمال أكاديمية جادة ترقى إلى العالمية.

يرجع تأسيس فريق «دراسات مغاربية» رسميًا إلى سنة 1999، عندما أ درج ضمن الوحدات البحثية التي أقرتّها

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في البلاد التونسية. وهو التاريخ الذي ترجع إليه عملية هيكلة البحث

العلمي في البلاد التونسية. وقد أصبح الفريق منذ ذلك التاريخ يتلقى دعامً ماليًا بمقتضى اتفاقية تعاقدية مع

الوزارة حول برامج بحثية حتُدَّد بصورة مسبقة. لكن البداية الأولى لتشكّل الفريق ترجع في واقع الأمر إلى أوائل

التسعينيات من القرن الماضي. من مهمات المخبر دراسة قضايا تُطرح في إطار المجتمعات المغاربية بأدوات العلوم الاجتماعية والتاريخية،

وبمقاربات ومنهجيّات تكامليّة عابرة للتخصّصات. وهو يعمل على تدارسها في شكل برامج بحثية متخصصة.

ولا تقتصر مهمته على إنجاز بحوث تتمحور مواضيعها حول البلاد المغاربية، بل تتعدى ذلك لتشمل خاصة

الطريقة المعتمدة في تناول البحوث عبر برامج بحثية جماعية يشترك في إنجازها باحثون ينتمون إلى تخصصات

مختلفة وإلى إحساسات جامعية متعددة تنتمي إلى بلدان المغرب الكبير أساسًا وبعض البلدان الأوربية في الحوض

الغربي للمتوسط. لا شك أن بلاد المغارب تشكّل الحقل البحثي الأساسي للمخبر، لكن هذا الحقل لا يفرض حدوده على الآفاق

البحثية بالنسبة إلى المنضوين إليه. وبالقدر الذي يعمل فيه الفريق على «أهلنة» (أو «تبيئة») طريقة تناول

مواضيعه، فإنه يعمل جاهدًا أيضًا على إضفاء بُعد كوني على بحوثه وعلى نتائجها المعرفية. والقضية الرئيسة التي

1   يكون التمويل من طرف الوزارة على أساس برامج بحثية تعاقدية لمدة أربع سنوات. في الواقع لا يقتصر المخبر على الميزانية التي

ترصدها له الوزارة، إذ هي في كل الحالات لا تفي بحاجياته. لذا كثيرًا ما يلتجأ إلى المساعدات التي تمنحها جهات أخرى عادة ما تكون

غير حكومية مثل الجمعيات أو المؤسسات المستقلة المحلية والدولية. ومن بين هذه المؤسسات نخص بالذكر مؤسسة «هانس سيدال»

الألمانية ممثلة في فرعها المتخصص بالمنطقة المغاربية، ومقرها تونس. 2   نريد بتعبير «الأهلنة» ترجمة لبراديغم فرنسي « indigénisation ». في واقع الأمر ترددنا كثيرًا قبل اعتماد هذه الترجمة، إذ كان في

الإمكان أن نعتمد أيضا لفظة «التبيئة»، لكن في النهاية وقع اختيارنا على تعبير «الأهلنة». وسوف نتناول في فقرة لاحقة شرح المدلول

الذي نعطيه في مخبر «دراسات مغاربية» لهذا البراديغم بمزيد من الدقة. تناولت دراسات عديدة بالتحليل والنقد هذا البراديغم فيما يتعلق

بأهلنة العلوم الإنسانية، انظر على سبيل المثال كتابات الباحث بمخبر «دراسات مغاربية» عماد المليتي:

Imed Melliti: «Une anthropologie «indigène» est-elle possible? Réflexions sur le statut de l’anthropologie en Tunisie,» Arabic , Vol. LIII, no. 2 (2006) pp. 163-176, et «L’indigénisation des sciences sociales en Tunisie: un malentendu?,» Maghreb et sciences sociales (Revue de l’IRMC, Tunis), pp. 129-140.

تشغل بال باحثي المخبر في هذا المجال هي كيف نفهم مجتمعاتنا، ونحللها تحليلا سليامً من دون أن نكون مقلِّدين لتجارب خارجية، أو معتمدين على قوالب معرفية صيغت في الخارج، وكيف يمكن أن نتخطى المعارف التي

أُنجزت حول مجتمعاتنا وتميزت بطابع الذات المركزية الغربية، أو ما يُع عنه أيضًا بالمركزية الغربية. بعبارات أخرى، لا نريد في مخبر «دراسات مغاربية» بناء معرفة حول مجتمعاتنا كما لو أننا في إحدى الهيئات

البحثية الغربية مثلا. وحتى إن جاءت هذه المعرفة مطابقة لما يُنجز في أوروبا، فهذا لا يعني أننا عالجنا قضايانا

عبر المناهج والطرق المعتمدة في أوروبا، وإنما يعني أننا عالجنا قضايانا من منظور كوني. فالتخلّص من الهيمنة

المعرفية الأثنوثقافية الغربية أساسي في منهجنا وفي تناول قضايا بحوثنا. إهنّا إذا طريقة صارمة في إنجاز البحوث،

وهي تفرض جهدًا إضافيًا للتفكير في الأدوات التحليلية، خاصة المفاهيم والبراديغمات الموظ فة. ولذلك، فهي

تقوم على مراجعة النفس بصورة مطرّدة وعلى النقد المتواصل في جميع المستويات، وإعادة التفكيك للتصنيفات

الوصفية التي يستنبطها الفاعلون، والتصنيفات المعرفية التي يوظ فها الدارسون. ونسلك السلوك نفسه في ما يتعلق باستنباط المواضيع التي نبني حولها المعرفة في مجال العلوم الاجتماعية بصورة عامة. يؤدّي مخبر «دراسات مغاربية» دورًا بحثيًا مبادرًا وفاعلا في منطقة المغرب الكبير بصورة عامة. لكنه لا يقتصر

على كونه مخبرًا للبحوث الأكاديمية، بل يعمل أيضًا على إعادة إنتاج الطاقات ا الخّقة في البحث العلمي، وذلك

بتنشيط ندوات يُدرَّب فيها الباحثون الشبان وطلبة الدكتوراه خاصة على كتابة الأوراق البحثيّة، وبالأخص

رسائل الدكتوراه، ويُعَدّون علميًا وحرفيًا كجيل المستقبل في البحث العلمي. والزيادة التي حصلت في عدد

الباحثين في المخبر منذ تأسيسه إلى يومنا هذا إنما هي في حقيقة الأمر نتاج لتأهيل هؤلاء الباحثين الشبان، الذين تم تكوينهم فوجًا بعد فوج في صُلب المخبر طوال عقدين من الزمن. إن المطمح الأساسي الذي يشغل بال أعضاء الفريق هو كيف يمكن أن يساهم المخبر على المدى الطويل، وبواسطة بحوث تتناول بالدرس المجال المغاربي، في بناء صرح معرفة عالمية في ميدان تخصصه، وكيف يمكن في يوم ما أن يحتل بذلك مكانة مرموقة عالميًا. أما الأهداف الآنية التي يرمي أعضاء الفريق إلى تحقيقها فهي كيف

يصبح المخبر: - الإطار الذي يمارس فيه الفرد فعلا مهنته البحثية في العلوم الاجتماعية والتاريخية على أفضل وجه

وبحِرفية عالية؛ - الإطار الذي تحصل فيه المكافحة البراديغمية بصورة دائمة حتى لا يركن باحثوه إلى الرتابة؛ - الإطار الذي يحصل فيه التبادل المعرفي والتعاون مع هيئات بحثية أخرى، أكان في البلاد المغاربية والعربية أم في بلدان أوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، أي أن يصبح نقطة التقاء لشبكة من العلاقات البحثية؛ - ملتقى للمحاضرات حول القضايا البحثية الأساسية، ومكان إنتاج المعرفة وتجديدها. ويعمل المخبر منذ انطلاقه على تحقيق مجموعة أخرى من الأهداف العامّة المترابطة والمتكاملة، منها، على

وجه التّحديد: - إنشاء معرفة علمية أكاديمية ذات جودة عالية، تتناول بالدرس القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة،

التي من شأنها أن تساهم في إرساء تفهّم أفضل لقضايا المنطقة المغاربية. وتعمل في آن واحد على المساهمة في

المعرفة الكونية في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، انطلاقًا من تناول حالات مشخّصة تبرزها المنطقة

المعنية ببحوث المخبر.

- تناوُل مجتمعات البلاد المغاربية بالدرس، معتمدين في ذلك على مقاربات تأخذ بعين اعتبار الأدوار التي

يؤمّنها الفاعلون المحليون في علاقتهم بالمعطيات العالمية المتغيرة بصورة مطردة. - تشجيع مشاريع تشتغل حولها مجموعات من الباحثين بإشراف منسّقين. ويمكن للمنسق، الذي هو في الأصل

الباعث الحقيقي للمشروع وراعيه، أن يبرز كفاءته في إنجاح المشروع وإيصاله إلى غايته المنشودة، وهو ما يثير بين

الباعثين المنسقين تنافسًا خفيًّا من شأنه أن يحفز الهمم ويدفع بالمشاريع إلى الأمام. - لإنجاز المشاريع، يعمل الفريق على استقطاب باحثين أكفاء من داخل المخبر وخارجه، كي يشتغلوا في إطار

علاقات متبادلة وفي إطار التقاسم والتشارك في الإشكاليات المطروحة، بحيث يحصل بصورة طبيعية الانسجام

في الأعمال المنجزة، ويقع بخاصة تفادي تشتتها. - تنمية ثقافة العمل الجماعي (l’esprit d’équipe)، لدى باحثي المخبر، وهو ما يساعد على أن تكون داخله

كفاءة علمية جماعية قادرة على استنباط محاور بحثية مجددة من شأنها أن تفتح أمام أعضاء المخبر، وخاصة الشبان

منهم، آفاقًا جديدة، وتثري بحوثهم، وتساعد كذلك على جلب تمويلات لمشاريع مستقبلية في شكل موارد

خارجية، أكانت من داخل البلاد التونسية أم من خارجها، لأن موارد المخبر الذاتية غير كافية لدفع الطاقة

البحثية فيه، ولا تفي بطموحات باحثي المخبر المتطلعة إلى ما هو أكبر.

تنظيم العمل داخل المخبر

يضم فريق «دراسات مغاربية» حاليًا 31 أستاذًا باحثًا ينتمون في أغلبهم إلى الجامعات المتمركزة في مدينة تونس

وضواحيها، و 110 طلاب مرسّمين في المخبر إلى غاية سنة 2012، منهم 58 طالبًا في مرحلة الدكتوراه، و 52 في

مرحلة الماجستير. ويشكل مجموع الأساتذة الباحثين المجلس العلمي للمخبر، وهو المجلس الذي يحدد سياسة

المخبر البحثية، ويقرر المحاور البحثية المقترحة بعد مناقشتها جماعيًا وإدخال التعديلات عليها. وينظ م الباحثون

ندوات وحلقات بحثية (سيمينارات) حول المحاور البحثية التي يتم إقرارها. ويتم الاشتغال حول هذه المحاور

في إطار مجموعات مصغّرة وبشكل جماعي، وذلك من أجل مناقشة البحوث المقترحة ونقدها إلى أن ترقى إلى

مرتبة النشر. وإلى جانب مهامتّهم كمدرسين، يقوم الأساتذة الباحثون على مواكبة بحوث الطلبة، وذلك بواسطة

تنظيم ورش بحثية مصغّرة بين حين وآخر. ومن الأمور التي يؤكّدها المجلس العلمي قصد تدعيم مهمة المخبر

حتى يحقق أهدافه البحثية، نذكر: - تمكين المشاريع البحثية من بلوغ أهدافها المنشودة، ونشر نتائج الأعمال الجماعية التي تساهم في خلق المعنى. - ضرورة تنمية ما يمكن الاصطلاح عليه ب «ثقافة المخبر»، أي تنمية ثقافة العمل الجماعي والتآزر بين

أعضاء الفريق. - توفير ظروف التراكم المعرفي على المدى الطويل. - العناية بالطلبة في مرحلة الدكتوراه، وتنظيم لقاءات تكوينية يستفيدون منها. وضع البرامج والخطط البحثية أرسى المخبر منذ تأسيسه برامج بحثية عديدة. ومع مرور الزمن، تعددت المشاريع البحثية فيه مع الخضوع لمبدأ

الم عضيخ عيراشلام هذه طابنتساو.اقبسم الوهح قفّتُي ةّماع جمارب راطإ في ائماد طرخنت انلهأ، اهماجسناو اهعطاقت

تم التشاور في شأنه بشكل جماعي، وفي إطار المجلس العلمي، حول التوجه العام للخطة البحثية في المخبر. وهي

الخطة التي يتم على أساسها التعاقد لمدة أربع سنوات مع الإدارة العامة للبحث العلمي في وزارة الإشراف، إذ

هي الممول الرئيس للمخبر. تمثّل المشاريع البحثية التي يتقدم بها الباحثون المقتدرون منطلق البرامج المعتمدة في المخبر. ودرجة الباحث

المقتدر في مخبر «دراسات مغاربية» هي استحقاق لكل أستاذ-باحث يُرسي مشروع بحث يستقطب أعمال عدد

من الباحثين، ويسهر على إنجازه إلى أن تُنشر تلك الأعمال. ويجري عرض كل مشروع بحثي يتم اقتراحه للنقاش

العام قصد التثبت من مدى ارتباطه بالخطة العامة المقرّرة، وإثرائه إن كانت هنالك حاجة لذلك. ولإنجاز

المشروع، يُشترط التشارك في المضامين والمقاصد المنهجية والمعرفية بين الباحثين الذين يشك لون، بإشراف باعث

المشروع، القاطرة التي ستتعهد البحوث المرتقبة؛ إذ ليس ثمة مركزية مطلقة في كيفية وضع المشاريع وإنجازها.

وعندما يستبطن أعضاء الفريق المشروع يتم استقطاب باحثين آخرين من خارج المخبر قصد إثراء الموضوع

بكفاءات أخرى. وعادة ما يكون هؤلاء الباحثون من داخل البلاد التونسية وخارجها. والغاية القصوى من

هذا الاستقطاب هي تخطّي المحلية التي قد يقع فيها أعضاء المخبر إن هم اشتغلوا حول الموضوع بمفردهم وفي

ما بينهم فقط. ويتعهّد كلّ مشروع أحدُ الباحثين الأكفاء المنتمين إلى الفريق، فهو يحظى بشيء من استقلالية في

التسيير والتنسيق، بتشاور دائم مع المجلس العلمي. لهذا نجد أن لكل محور بحثي برمجته ونسقه في الإنجاز. ثقافة العمل الجماعي تُنجز البرامج البحثية في إطار المخبر بشكل جماعي، وفي إطار عدة ندوات داخلية مصغَّرة تجمع في البداية بين

باحثي المخبر، وذلك لإيجاد ظروف المكافحة حول البراديغمات الموظ فة في إطار المشروع البحثي، ولتبادل الأفكار

حول القضايا المطروحة، وخاصة للتشاور والاتفاق حول التساؤلات المشتركة التي يجب طرحها حتى تكون

الإجابات في الأوراق المنجَزة متجانسة بصورة عامة، وذلك مهما تنوعت المنطلقات البحثية والاختصاصات.

والتكامل هنا شرط أساسي لنجاح الأعمال الجماعية؛ إذ ليست الغاية القصوى أن ننجز أعمالا تتضمن أوراقًا

متجاورة وإنما أن نبني مؤلفات جماعية تحتوي على أوراق متكاملة، وإن انطلقت من حقول بحثية مختلفة ومن

اختصاصات معرفية متنوعة. ولا مكان للأعمال الفردية المنعزلة في إطار فريق يريد أن يرتقي بالمعرفة العلمية. هذه اللقاءات المصغّرة والداخلية، في المراحل الأولى من عملية إنجاز المشاريع، من شأنها أن توجد لدى أعضاء

المخبر ثقافة العمل الجماعي من أجل التعاون لتجاوز العقبات المنهجية والمعرفية. ويتحقق الانسجام في الأعمال

التي ينجزها الفريق عندما يحصل التآلف بين أعضائه وتتدعم ثقافة العمل الجماعي والتآزر، الأمر الذي يؤمّن

تلاقح الأفكار وتقاسمها بين أعضاء الفريق بمستوياتهم العمرية والحرفية المختلفة وبانتماءاتهم الفكرية. ولتحقيق

ذلك، كثيرًا ما ننظم لقاءات مصغّرة في شكل ندوات أو حلقات بحثية (سيمينارات) مغلقة يشارك فيها الباحثون

الشبان، وينضم إليها الطلبة في مرحلة الدكتوراه، فيحصل النقاش في إطار تفاعلات حقيقية للأفكار والمناهج. ونعتقد في المخبر أن العمل الجماعي المتأني والمتفتّح والمتقبّل لكل أشكال النقد ومراجعة النفس يشكّل أداة

ضرورية لبناء الذكاء الجماعي. بذلك يكون جل الأوراق المنجَزة أعمالا فردية ولا شك، لكنه في واقع الأمر

نتاج لهذا الذكاء الجماعي، يحمل بصماته وعلاماته البارزة. ومن دون ثقافة العمل الجماعي والانخراط الطوعي

في المشاركة لبناء هذا الذكاء الجماعي لا تتحقق تلك الغاية. وانعكاس ذلك على نفوس الباحثين، وخاصة منهم

الشبان، إيجابي جدًا؛ إذ يعطيهم الثقة في النفس ويحفزهم على المزيد من الجهد ومراجعة أوراقهم مراجعة متكررة

حتى تبلغ الغاية المنشودة وترقى إلى درجة الإبداع. وإلى جانب الندوات وورش العمل التي يشرف عليها باعثو

المشاريع، يعقد المخبر كذلك ملتقيات دولية تخصّص كل مرة لأحد المشاريع البحثية المقررة ضمن برامجه. ويقع

تشريك كفاءات أخرى من البلاد التونسية ومن البلدان المغاربية والأوروبية. إدماج الطلبة في منظومة المخبر البحثية يولي مخبر «دراسات مغاربية» أهمية كبرى وعناية فائقة لتكوين الباحثين الشبان الذين ينخرطون في إطاره،

وينجزون بحوثهم في دائرته وفي سياق برامجه البحثية. ويعمل الفريق على تشريك الطلبة في مرحلة الدكتوراه

في جميع الاجتماعات البحثية التي ينظمها، قصد التفكير في القضايا المنهجية والمعرفية. ونعتقد في مخبر «دراسات

مغاربية» أن تكوين الباحثين الشبان ومواكبتهم في إنجاز بحوثهم لا يقلان أهمية عن إنجاز المشاريع البحثية.

ونعتبر الجهد الذي يُبذل في هذا الاتجاه أهم استثمار لإنتاج معرفة سليمة وذات قيمة عالية. لهذا، كثيرًا ما نمك ن

الطلبة من المشاركة في إنجاز المشاريع البحثية المقررة في المخبر. وغالبًا ما تحدد مواضيع بحوثهم بالعلاقة مع

هذه المشاريع، بحيث ينجز الطلبة بحوثهم في إطار هذه البرامج وتحت إشراف أكاديمي محدد. ويشترك في

عملية الإشراف هذه بصورة غير مباشرة مجمل الباحثين المنخرطين في المخبر، فتحصل بذلك فائدة مزدوجة؛ إذ

يتمرن الطالب على عملية البحث مستعينًا بالإطار المنهجي والمعرفي الذي يوفّره له جميع أعضاء الفريق المواكبين

لإنجاز المشاريع البحثية، كما يستفيد الفريق من عمل الطالب ونتائج بحوثه وما يوفّره من مادة وثائقية عادة ما

تكون جديدة ومحدّثة. نشرِك الطلبة أيضًا في البرامج المندمجة التي ننجزها بالتعاون مع الباحثين المغاربة والأوروبيين. وتكون البحوث

التي ينجزها الطلبة في إطار هذه البرامج غير معزولة؛ إذ هي ذات مرجعية علمية تستند إليها وتساهم في إثرائها.

ويشارك الطلبة في النقاشات التي تدور في إطار الندوات، فتأتي الأعمال التي ينجزونها ثمرة ما يدور من نقاشات

وتداول للأفكار. وعندما يعرف الباحث الشاب كيف يستفيد منها ويوظفها بطريقته الخاصة، فهو ينجز بحثًا

طريفًا ومفيدًا. بهذه العناية المكثفة بالطلبة في مرحلة الماجستير والدكتوراه، جاءت أغلب بحوثهم متميّزة؛ إذ واكب أساتذة

المخبر بكل اقتدار طلبتهم إلى حد مناقشة أطروحاتهم بنجاح باهر، وهو ما ساعدهم على التفوق. والدليل على

ذلك ما تحظى به من قبول عند النشر، وتتويج في مناظرات الانتداب في سلك التعليم العالي، وفوز عند المنافسة

في الجوائز المحلية، بحيث لا نجد حاليًا أي طالب في المخبر أحرز شهادة الدكتوراه ولم يحصل انتدابه في مجال

اختصاصه. ولتشجيع المتفوقين، يجتهد المخبر في نشر بحوثهم حتى يتم التعريف بها لدى المجموعة العلمية

وتعميم الاستفادة منها؛ فمن المؤسف جدًا أن تقبع مثل هذه الأعمال، على أهميتها، على الرفوف ولا تستفيد منها

الدوائر العلمية في الداخل والخارج. بذلك يكون إنجاز المعرفة في المخبر نتاجًا مشتركًا لعمل الأساتذة الباحثين والباحثين الشبان على حد السواء؛ إذ

تعتبر الأعمال التي ينجزها الطلبة في إطار الدكتوراه ثمرة تلك النزعة التي تطمح إلى التجديد وأصبحت ثقافة

سائدة لدى باحثي مخبر «دراسات مغاربية» عمومًا. لكن هناك عددًا من المعوقات التي تشوب العمل الذي ينجزه المخبر مع الطلبة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه،

وأهمها الصعوبات المادية التي يلقاها هؤلاء الطلبة، إذ ينحدر أغلبهم من أوساط اجتماعية ضعيفة جدًا، يُضاف

إليها ما يفتقدونه طوال فترة إنجاز بحوثهم من شغل يعيلهم أو منحة جامعية تسندهم، خاصةً أنَّ إمكانات

المخبر المادية غير كافية لتعهّد حاجاتهم. لذلك، كثيرًا ما يُضط ر الطالب، بعد أن يكون قد تقدّم أشواطًا في إنجاز

بحثه، إلى التخلي عن مواصلة مشروعه. ومثل هذه الحالات تزايدت، خاصة في السنوات القليلة الأخيرة. الندوات التكوينية لفائدة الطلبة دأب المخبر منذ تأسيسه على تنظيم كثير من الندوات التكوينية بصورة دورية، لفائدة الطلبة في مرحلة الدكتوراه.

وفريق «دراسات مغاربية» رائد في هذا الجانب في إطار الجامعة التونسية وفي اختصاص العلوم الاجتماعية عامة.

ولأعضائه قناعة راسخة بضرورة نقل المعرفة ومناهج البحث العلمي المجدية إلى الباحثين الشبان في إطار هذه

الندوات التكوينية. وحرص الفريق على تشريك طلبة آخرين ينتمون إلى هياكل بحثية أخرى، تونسية وأجنبية

من بلدان مغاربية (الجزائر والمغرب)، وأوروبية أيضًا، يشتغلون في إطار اختصاصات معرفية مختلفة. وكانت

الغاية من تشريك طلبة من خارج المخبر بيداغوجية ومعرفية في آن معًا، وهي أن نمك ن طلبتنا من الاحتكاك

بإحساسات معرفية ومنهجية مختلفة عامّ هو معهود في المخبر، وتمكينهم أيضًا من التحاور مع نظرائهم في هياكل

ذات تقاليد بحثية مختلفة، فتحصل لهم بذلك ظروف المكافحة بين الآراء والمناهج وكذلك إمكانية المقارنة. ويسهر أعضاء الفريق على أن تكون مواضيع الندوات التكوينية ذات منحى منهجي بحت، كأن تتناول مواضيع

من نوع «حقل الباحث»، أو «مدونة الباحث»، أو «مكتبة الباحث»، أو «سياق الباحث»... إلخ؛ فهي مجرد

مداخل ذات بُعد منهجي لخلق ظروف الحوار بين الطلبة أنفسهم، وبين الطلبة والأساتذة المشرفين على الندوات

التكوينية. ونحرص على أن تكون المواضيع المطروحة متقاطعة مع مختلف الاختصاصات. وتتكيف المواضيع

ذات المنحى المنهجي مع ظروف هذه الندوات التي تجمع عددًا من الطلبة الذين ينتمون إلى اختصاصات

متعددة؛ إذ إن القاسم المشترك بينهم يبقى بالضرورة الجانب المنهجي. وتنظ م في إطار هذه الندوات محاضرات

يلقيها أساتذة يقع استدعاؤهم بالمناسبة، وورشة عمل تتسع لمجموعات مصغَّرة من الطلبة يعرضون فيها في

مرحلة أولى بحوثهم الخاصة، والصعوبات التي تعترضهم في إنجازها، ويناقشونها مع نظرائهم من الطلبة

ومع الأساتذة المشرفين على الورشة. وفي مرحلة ثانية يسخّر عمل الورشة لتدريب الطلبة على كيفية الكتابة

الأكاديمية وصوغ المواضيع وبنائها. ومثل هذه الحوارات وما يتبعها من تمرن على الكتابة الأكاديمية بإشراف

الأساتذة من شأنها توفير إمكان تبادل الخبرات وتعديل المسارات في إنجاز البحوث، وتؤمّن خاصة بالنسبة إلى

الطلبة ظروف الطمأنينة لمواصلة العمل في طريق أسلم. إن الإضافة التي توفّرها الندوات التكوينية لطلبة الدكتوراه حقيقية ولا شك؛ فهي تمك نهم من تنسيب بحوثهم

وتدقيقها من خلال اكتساب معرفة متنوعة ومتممة لاختصاصاتهم. لكن مفعولها الأهم يكمن في تقوية كفاءات

الباحثين الشبان في مجال التفكير، وتسليحهم بموارد فكرية إضافية تمك نهم من وضع ممارساتهم البحثية في

سياقات تؤثر فيها بقوة، ككل ممارسة من هذا النوع، فيُمكنهم حينئذ تحديد سياقات ممارساتهم في البحث بعلاقة

مع التقاليد المعرفية والسلالات النظرية والمنهجية الأخرى، وكذلك تنسيب آفاق البراديغمات التي ينخرطون

في سياقها وإمكاناتها، وتعلّم تفكيك التصنيفات والمواضيع التي يبحثون فيها. استقبال الطلبة الأجانب أولى المخبر أهمية كبرى لتبادل زيارات الباحثين، وبالخصوص الشبان منهم، مع شركائنا. وكذلك تمكين طلبة

الدكتوراه من الاطلاع على تجارب أخرى، وإقامة علاقات مع نظرائهم في أوساط جامعية عالمية. لذلك عمل

المخبر على أن يستقبل سنويًا عددًا لا بأس فيه من الطلبة في مرحلة الدكتوراه ممّن ينحدرون من بلدان مغاربية

(ليبيا، والجزائر والمغرب)، وأخرى أوروبية (من إيطاليا وفرنسا بدرجة أولى، ومن إسبانيا وألمانيا بدرجة ثانية.)

وعادة ما تكون بحوث الطلبة الأوروبيين متعلّقة بمنطقتنا. ويشارك هؤلاء الطلبة في أثناء إقامتهم بالمخبر في

جميع أوجه النشاط التي تنظّم في رحابه، علاوة على تمكينهم من التردّد على المكتبات ومراكز الأرشيف، وتسهيل

لقاءاتهم مع الأساتذة والباحثين في مدينة تونس. ونعتبر أن مجيء الطلبة الأجانب إلى مخبر «دراسات مغاربية» علامة على الإشعاع الدولي الذي أصبح يحظى به

لدى الأوساط الجامعية في هذه البلدان المذكورة. وهو أيضًا تجسيم لإرادة انفتاح المخبر على وجهات معرفية

وثقافية خارجية. وكانت الفائدة، التي تنجر لطلبتنا من وجود هؤلاء الأجانب في المخبر، جمّة، فضلا عن

العلاقات التي تنشأ بين أجيال المستقبل؛ إذ يغنم طلبتنا من الاحتكاك بنظرائهم في جامعات أخرى. وقد نمت

هذه العلاقات وتوسعت مع الزمن، فحصلت بذلك عملية التأثر والتأثير، بما انعكس بالضرورة على إنجاز

أعمالهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. المخبر ملتقى شبكة من المبادرات واللقاءات والحوارات يعمل المخبر على أن يكون عمليًا ملتقى شبكة من المبادرات واللقاءات والحوارات من شأنها أن تثمر أفكارًا

ومشاريع بحثية جديدة ومجدّدة. ونحن نبحث عن الطرائق التطبيقية والمناهج المعرفية التكاملية والعابرة

للاختصاصات. ويتناول مخبر «دراسات مغاربية» بالمعالجة والنقد تجارب وخبرات أكاديمية في العلوم الاجتماعية

والإنسانية، تقوم على توصيف هذه المناهج وتفكيكها ونقدها مع اقتراح البدائل. والهاجس الأساسي هو كيفية

تهيئة باحثي مخبر «دراسات مغاربية» للدخول في معتركات براديغمية مع باحثين آخرين ينتمون إلى أوساط

ثقافية أخرى وإلى جامعات ذات قناعات وميول معرفية مغايرة. لتنمية قدرات المخبر، عمل الفريق على تعهد علاقات وطيدة مع عديد من الأوساط الجامعية والعلمية الدولية، قصد

تبادل الخبرات وتقاسم الموارد المتاحة لتنمية العمل المشترك. ولأجل ذلك، كان البحث عن شركاء دوليين ذوي

كفاءة مُعترف بها وسمعة علمية عالية إحدى أولويات أعضاء المخبر. لذلك، تم العمل طوال السنوات الأخيرة على

إرساء عدد كبير من البرامج المندمجة والاتفاقيات الجامعية الثنائية والمتعددة الأطراف مع مؤسسات جامعية وفرق

بحثية في عدد من الجامعات العالمية. كان ذلك مع جامعة الرباط في المغرب، وجامعتي وهران وقسنطينة في الجزائر،

ومع عدد من الجامعات الفرنسية في باريس كالمدرسة العليا للعلوم الاجتماعية، وجامعة السوربون، وليون، وآكس

آن بروفانس، ومع جامعة مدريد في إسبانيا، وجامعة لييج البلجيكية، ومع عدد من الجامعات الإيطالية مثل جامعة

روما «لاسابينزا»، وجامعة كتان، وجامعة مسيّن في صقلية الإيطالية. وعمل المخبر خلال السنوات الأخيرة على

الانفتاح على الكفاءات العلمية في الشرق الأوسط، وبالتحديد في لبنان وقطر (الدوحة.) ومن بين الطرق المعتمَدة أيضًا استضافة عدد من الباحثين الدوليين الذين عُرفوا بكفاءاتهم العلمية، قصد إثراء

النقاش حول أحد البرامج البحثية المطروحة في رحاب المخبر. وبواسطة هذه الشبكة من العلاقات، استطاع

المخبر أن ينظّم مع شركائه عددًا من الندوات العلمية تتمحور كلها حول المشاريع البحثية التي هي مقررة في

البرنامج البحثي للمخبر. وقد حرص أعضاء المخبر، لتحقيق الجدوى في هذه الناحية، على منع أي تشتت في

طاقات الفريق. ومن فوائد هذا الانفتاح على العالم الخارجي تمكين باحثي المخبر من التمرن على قيادة المشاريع

البحثية ذات الامتدادات العالمية، وكذلك تعهد الأعمال الجماعية المنجَزة بالإخراج والتحضير، قصد نشرها. يمكن القول إن مخبر «دراسات مغربية» استطاع بواسطة كل ذلك، وبإمكانات مادية محدودة جدًا، أن ينمّي

بصورة متزايدة مختلف أشكال نشاطه العلمية والبحثية، وذلك على مستوى المشاريع البحثية، وتكوين الباحثين

الشبان في مرحلة الدكتوراه، ونشر الأعمال المنجَزة، بحيث إن الانفتاح على الأوساط العلمية الخارجية، أضفى

على المجهود الذي يبذله أعضاء الفريق جدوى أعمّ.

لقد عمل المخبر على إنجاز برامج بحثية بصورة دينامكية ترفض الجمود والتشبث بما هو معروف؛ فالتفتح على

تجارب بحثية أخرى وإمكانات معرفية جديدة هو ديدن باحثي المخبر. والغاية القصوى التي ينشدها المخبر هي

كيف ينمّي قدرات أعضائه البحثية ويجعلهم على استعداد معرفي ومنهجي يمكّنهم من الدخول في شراكات

بحثية كلمّا سنحت فرص لذلك. ذلك أن تمويل البرامج البحثية يأتي قبل كل شيء من مثل هذه الشراكات،

حيث إن التمويل الذي توفّره وزارة الإشراف لهياكل البحث المخصصة للعلوم الإنسانية والاجتماعية في

البلاد التونسية يبقى محدودًا جدًا، مقارنة بما تحصل عليه الهياكل المماثلة المعتنية بالبحوث في العلوم الصحيحة

والتكنولوجية. ومع ذلك تطالب الوزارة المموّلة بتقارير حول نتائج بحوثنا على مستوى الإنتاج والإنتاجية،

وبالاستدلال على ذلك ببراءات معترف بها دوليًّا. لهذا نواجه من هذه الناحية صعوبات بات من الضروري أن

تجنّد الطاقات لها لإقناع السلطة المعنية بأن هناك فائدة تجنيها مجتمعاتنا من وراء إنجاز بحوث في العلوم الإنسانية

والاجتماعية وتنميتها بصورة متواصلة؛ إذ إن لنتائجها تبعات إيجابية لا يمكن التدليل عليها بواسطة براءات

نقدمها كما هي الحال بالنسبة إلى البحوث التكنولوجية مثلا. فهي تُنتج المعنى الذي يساعد المجتمع بصورة غير

ظاهرة للعيان على فهم نفسه بنفسه. وكما يذكر الباحث الفرنسي جاك بيرك، ليس هنالك مجمعات " متخلّفة "،

وإنما هنالك مجتمعات غير مدروسة بما فيه الكفاية. الإنتاج العلمي والتجارب العملية حتى نعطي فكرة حول الإنتاج العلمي للمخبر خلال الخمس سنوات الأخيرة (2011-2007)، يمكن أن

نقدم بعض المعطيات الرقمية. سجل المخبر بالنسبة إلى هذه المدة إنجاز 34 كتابًا، منها ما هو عمل جماعي، ومنها ما هو إنتاج فردي، و 255

مقالة نشُرت في مجلات علمية محكّمة. صحيح أنه ليس من مهامّتنا تقييم الأعمال التي أنجزها أعضاء الفريق،

لكن في إمكاننا أن نلاحظ غزارتها وانتظامها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أساتذة المخبر هم قبل كل شيء

مدرّسون في إحدى الجامعات التونسية، وغير متفرغين لمهمة البحث. ولباحثي «دراسات مغاربية» حضور

مكثف على الساحة العلمية بإبداعاتها وحواراتها. ويتجسّم ذلك في الجدول الذي يكشف عن نشاط أعضاء

المخبر العلمية (من محاضرات وملتقيات ومشاركات فردية في التظاهرات العلمية التي نظمت خارج المخبر:)

العدد
الإجمالي
2010200920082007السنوات:
الأنشطة العلمية:
642024164محاضرات
226574ملتقيات علمية دولية نظ ّ مها المخبر
13129254235مشاركات أعضاء الفريق في تظاهرات
علمية نُظ ّ مت خارج المخبر
21755546543العدد الإجمالي

العدد الإجمالي 43

يمكن أن نستنتج مدى نجاعة عمل أعضاء المخبر من خلال المعطيات الرقمية السابقة الذكر؛ فهي تبني

كيف أن أنشطة أعضاء المخبر منتظمة ومتواصلة من سنة إلى أُخرى. ونسجل حضورًا كبيرًا لأعضاء الفريق

في التظاهرات العلمية التي تنظّم خارج المخبر وخارج البلاد التونسية في أغلب الحالات. وفي واقع الأمر،

كان المخبر يشجع أعضاء الفريق على المشاركة في الندوات الدولية. وتمثّل هذه المشاركات، إلى جانب كونها

تمكّن باحثينا من الاحتكاك مع إحساسات معرفية وأكاديمية أخرى، فرصًا أخرى لتدعيم إشعاع المخبر في

الأوساط الجامعية الدولية وتوسيع دائرة شبكة علاقاته. ولا يخفى أن كل ذلك من شأنه أن يدعم قدرات المخبر

أكثر فأكثر. ونلمس النجاعة أيضًا في الطريقة المعتمدة في تنظيم اللقاءات مع شركائنا في بلاد المغارب، وفي فرنسا أيضًا.

وعادة ما نُنجز ملتقياتنا بشأن الموضوع نفسه على مرحلتين تفصل بينهما بضعة أشهر، على أساس أن يخصَّص

اللقاء الأول لمناقشة الأوراق في صيغتها المؤقتة، وإن كانت بعض الأوراق تقدم أحيانًا في صيغة شبه جاهزة.

ويجري في هذا اللقاءَ الأول حوار كثيف مثمر، ويتمكن المشاركون بعد ذلك من مراجعة أوراقهم قبل تقديمها

للقاء النهائي. وفي هذا الأخير يقدم المقررون تقاريرهم، وهي عبارة عن قراءات في الأوراق. وينْصَبّ الاهتمام

خلال اللقاء الثاني بكيفية مخصوصة على المناقشة المعتمدة على التقارير التي يعدّها زملاء تُراعى في اختيارهم

مجموعة من المعايير، منها: الإلمام بموضوع الندوة من جهة، والانتماء إلى مجالات معرفية أخرى وعدم المشاركة

في اللقاء الأول، وذلك رغبة في تحقيق نوع من أرضية معرفية مغايرة من جهة ثانية. ومن مهامّت هذه التقارير

تقديم مضامين الأوراق بصورة نقدية، والوقوف على أهميتها، مع عرض مقترحات من شأنها أن تطور البحث

فيها، وهو ما يجعل الحوار في اللقاء الثاني غنيًا وممتعًا. ثم يُطل ب من أصحاب الأوراق إعادة صوغها بصورة

نهائية انطلاقًا من المناقشات والملاحظات التي تمت بلورتها خلال الندوة. وقد تبدو هذه الطريقة معقّدة، غير أنها ذات فائدة عظيمة يُتوخى منها رفع درجة جودة ما ينشر من أعمال من

جهة أولى، وإرساء دعائم العمل الجماعي والقبول بثقافة التقييم من جهة ثانية. ثم إنها تسعى لضمان نوع من

الانسجام في العمل الجماعي المزمع نشره، حيث يصبح العنوان الذي يُسند إليه مطابقًا لكل المداخلات التي

يتضمنها، ويشعر القارئ بأن هناك خيط ا ناظامً لهذه الأعمال مهما اختلفت وتعددت طرق معالجة الإشكاليات

المطروحة ومناهجها، وكذلك مهما اختلفت الحقول البحثية التي انطلق منها الباحثون. بالتدريج يتبلور، بواسطة هذا العمل العلمي الدؤوب وبإرادة جماعية تعمل على تجاوز المعهود وتخطيه، خط

تجديدي في البحوث المنجزة في إطار المخبر. نلمس ذلك عند تناول قضايا التفكير في كيفية صوغ المعارف

واستعمالاتها، أو عند دراسة المواضيع المتصلة بالتشكل التاريخي للهويات الجماعية. ولا شك أن البحوث

التي أنجزها المخبر في القضايا المتصلة بالمعرفة الإسطغرافية (التأريخية) قد أثّرت أيما تأثير في المدرسة التاريخية

التونسية، وحتى المغاربية.

المنهجية المعتمدة في تناول المواضيع

يمكن أن نختزل بكلمات مفاتيح أهم الاختيارات المنهجية التي ميّزت البحوث في مخبر «دراسات مغاربية»،

وهي: تعدد الاختصاصات (pluridisciplinarité) وتداخلها (interdisciplinarité)، والخروج من

«سجون» الإعاقة المعرفية، والنزعة الكونية (universalisme)، والابتعاد عن الطرق المعبّدة، وأخيرًا التجديد

عبر أهلنة/تبيئة (indigénisation) المعرفة، وذلك في تحديد المواضيع والمناهج المعتمَدة.

تعدد الاختصاصات وتداخلها ينتمي أعضاء المخبر إلى اختصاصات معرفية مختلفة. والغاية من ذلك هي توفير ظروف عبور الاختصاصات

وتكاملها. وكان ذلك من ضمن الاستراتيجية البحثية الأساسية التي أقدم عليها مؤسسو فريق «دراسات

مغاربية» منذ البدء. كانت النواة الأولى لهذا الفريق تتألف من أساتذة باحثين ينتمون تقريبًا إلى اختصاص واحد

وهو التاريخ الحديث، وكلهم أنجزوا بحوثهم حول تاريخ البلاد التونسية في الفترة الحديثة وتحت إشراف

أكاديمي يكاد يكون واحدًا. وبعد تجربة عمل جماعي لمدة وجيزة، اقتنع الفريق بضرورة الخروج من القوقعة

والمحلية المفرطة التي وجدوا فيها أنفسهم، فكان الاتجاه نحو الانفتاح على فترات تاريخية أخرى في مرحلة أولى،

ثم على حقول بحثية أوسع واختصاصات مختلفة في مجال العلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع، والأناسة،

والجغرافيا، والفلسفة، والعلوم السياسية، والحقوق، والهندسة المعمارية في مرحلة ثانية. وكانت مشاركة

الباحثين المنحدرين من هذه الاختصاصات إرادية وتحصل عمليًا حسب المواضيع المطروحة للبحث؛ إذ كثيرًا

ما يقع انتقاء الباحث المناسب للموضوع المناسب لسد الثُّغَر. وللعلاقات الشخصية بين الباحثين دور أساسي في

تعزيز الزاد البشري للفريق، حسب الحالات والمواضيع المطروحة للدرس. من البديهي جدًا أن نقول إن المعارف الحديثة هي معارف متقاسمة. ويكفي أن نجتمع بين مختصين بميادين

علمية مختلة ليتم الاقتناع بأن في الإمكان الاشتغال معًا، مع تحقيق تكامل منطقي بين المعارف المستنبطة. لتحقيق

ذلك بصورة ملموسة ومجدية، يجب أن نكون واعين تمام الوعي بإمكانية الاستفادة من حِرَفية كل اختصاص.

والاختلاف بين المداخل المفاهمية وبين حِرَفية التخصصات هو الذي يؤسس لنقاش ثري ومكافحة جريئة بين

الباحثين، فيحصل تلاقح الأفكار وتراشحها بين الجغرافي والمؤرخ وعاملِ الاجتماع والأنتروبولوجي، وعالم

السياسة... إلخ. بهذه الصورة، يوفّر الفريق للمؤرخ على سبيل المثال، بحكم تعدد الاختصاصات فيه، إمكانية

الاستفادة من التقدّم في ميادين علمية أخرى وإثراء النظرة التاريخية. بهذه المكافحة المفاهمية المتواصلة والتراشح

في الأفكار، يأخذ مبدأ تعدد الاختصاصات في عمل الفريق صبغة حقيقية وفعلية ولا شكلية صورية. لا يُطلَب من أي باحث أن يتخلى عن اختصاصه، بل المطلوب هو عكس ذلك تمامًا؛ إذ نحن بحاجة أكيدة

إلى حِرَفيات متعددة. لذلك، المطلوب أن يشتغل كل باحث انطلاقًا من حقله البحثي ومن مجال اختصاصه

لكي يقدم الإضافة. وحتى يحصل ذلك، وخاصة الانسجام بين النتائج والإضافات، يُطل ب من كل الباحثين

بمختلف اختصاصاتهم أن يجيبوا، كل من زاوية نظره، عن التساؤلات المشتركة. وبتعبير آخر، إن كان من

المطلوب والمحبَّذ جدًا أن يكون هنالك اختلاف في الاختصاصات، فمن المفروض أن يكون هنالك ائتلاف

حول البراديغمات (alliance paradigmatique) الموظ فة في المشاريع البحثية، أي ائتلاف حول التساؤلات

والمناهج الموصلة إلى الإجابات المرتقَبة. لهذا يحتاج الفريق إلى تفكير مطوَّل حول هذه التساؤلات وحول

الإشكاليات وكيفية تقاسمها بين أعضائه، وتوحيد طريقة الاشتغال حولها. وقد أوجد الانفتاح على تخصصات

مجاورة طريقة أخرى في الاشتغال داخل مخبر «دراسات مغاربية "، وهي تقطع مع ما هو معهود في إطار الجامعات

التونسية، لأن التقليد السائد في المؤسسات الجامعية في البلاد التونسية يجعل كل اختصاص (تدريسًا وبحثًا)

في العلوم الإنسانية والاجتماعية سجين هيكل إداري (يسمّى «قسامً») لا يجوز اختراقه، بحيث إن كل تجاوز

أو محاولة لاختراق الاختصاصات تقابل بالرفض والإقصاء. ويتجسّم ذلك خاصة عند انتداب الأساتذة في

إطار لجان وضعت هي الأخرى حسب منطق الاختصاص. وكل باحث يحيد بقدر أو بآخر عن الاختصاص

المترشح له مآله الإقصاء والرفض في أغلب الحالات، بحيث إن هنالك نظرة دونية في التقاليد الجامعية التونسية

لمخترقي الاختصاصات.

ولتوفير ظروف التحوّل في هذا المجال بالذات، حرص الفريق على أن تكون المشاريع البحثية المقررة في المخبر

مخترقة لاختصاصات متعددة، وموضوعة بطريقة يمكن أن تؤوي كل الاختصاصات في العلوم الاجتماعية. فالوحدات التي تتألف حول مشروع بحثي معنيّ تشتغل أساسًا حول مجموعة من التساؤلات والبراديغمات

أكثر ممّا تشتغل حول موضوع محدود. وممّا ساعد فريق «دراسات مغاربية» على تحقيق ذلك هو أن قاعدة انتداب

الباحثين في المخابر في البلاد التونسية موكولة إلى أعضاء الفريق. يندرج هذا الانفتاح على الاختصاصات الأخرى في إطار تلك النزعة لدى باحثي مخبر «دراسات مغاربية»، للخروج من «سجن» المحلية. لكن المحلية ليست هي العائق الوحيد الذي يجد الباحث، والمؤرخ بالأخص، نفسه فيه؛ هناك «سجون» معرفية من نوع آخر تحد أيضًا من جدوى عمل الباحث، وتمنعه من فهم الواقع الذي

يريد دراسته فهامً سليامً. والعمل على إخراج الباحث في العلوم الاجتماعية من مثل هذه السجون يشكل إحدى الاستراتيجيات المنهجية في مخبر «دراسات مغاربية.» الخروج من «سجون» الإعاقة المعرفية عمومًا، وبعد خبرة ممتدّة عقدين من الزمن، ترعرعت في رحاب المخبر نزعة علمية جديدة تقطع مع الماضي،

وتعمل على إنشاء معرفة في العلوم الاجتماعية والتاريخية بمعايير جديدة تتميز بمساءلة أجدى وبالنقد ومراجعة النفس، وتعمل على فتح آفاق بحثية أخرى. ويكمن جديد هذه النزعة العلمية في العمل على الخروج من مجموعة من «السجون» كثيرًا ما كبّلت عمل الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية في البلاد التونسية، وفي غيرها من

بقاع العالم. لنأخذ مثال البحوث التاريخية. من المعروف في البلاد التونسية أن التاريخ أصبح منذ القرن 17 علم الدولة الأول، كما هي الحال في بقاع أخرى من العالم شهدت نشوء الدولة بالمعنى الحديث للكلمة. فشكلت الكتابة التاريخية سلطة معرفية تقوم على إقصاء كل من يناهض الدولة وتهميشه واستبعاده. ونصّب المؤرخ نفسه منذ

ذلك التاريخ وصيًا على الدولة القائمة، وكذلك حاميًا ومشرّعًا لها. منذ تلك اللحظة، أصبح المؤرخ في البلاد

التونسية مسخّرًا طاقته لبناء الدولة بقلمه، تمامًا مثلما يبنيها أصحاب النفوذ بالسيف. فكل ما يكتبه يصب، من

حيث لا يشعر، في مصب واحد، ألا وهو بناء الدولة في كل أوضاعها ومراحلها: فهي الدولة المجالية/الترابية بالنسبة إلى الفترة الممتدة خلال القرون 17، و 18، و 19، وهي الدولة الوطنية بالنسبة إلى الفترة اللاحقة. ولم يحصل الوعي بالنسبة إلى المؤرخ، من حيث كونه لا يدرس الدولة كظاهرة اجتماعية وموضوع مستقل بذاته، وإنما يتناولها وكأنه عنصر فاعل فيها، فتبرز شخصية المؤرخ وكأنها تبني الدولة من الداخل. بذلك يصبح المؤرخ «سجين» الدولة. ولم يحصل الخروج من «سجن الدولة» إلا عبر مساءلة عملية بناء الدولة ومقوماتها، وتفادي التفكير فيها بتصنيفات ومقولات الدولة ذاتها.

3   انظر المقال الذي نشره بالفرنسية بيير بورديو وألفيي كريستين وبيار-إتيان ويل تحت عنوان «حول علم الدولة:» Pierre Bourdieu,

Olivier Christin et Pierre-Etienne Will, «Sur la science de l’Etat,» in: Actes de la recherche en sciences sociales, no. 133, (juin 2000), pp. 3-12.

4   انظر المقال الذي نشرتُه بالفرنسية تحت عنوان «عندما تصبح الإسطغرافيا التونسية سجينة الدولة:» Abdelhamid Hénia, “Quand

l’historiographie tunisienne se fait ‘‘prisonnière de l’Etat,» in: Sami Bargawi et Hassan Remaoun, coord., Savoirs historiques au Maghreb: Construction et usages (Tunis: publications du CERES 2006), pp. 111-121, et (Oran: CRASC, 2006), pp. 97-105.

ويمكن القول إن المؤرخ التونسي سجل لأول مرة في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، مع فريق «دراسات مغاربية»، خروجه من «سجن» الدولة. وقد حصل الشيء نفسه بالنسبة إلى ظاهرة الذاكرة التاريخية؛ إذ الخروج من «سجن» الذاكرة يتم هو الآخر بمساءلة الذاكرة من حيث هي بناء اجتماعي وكذلك مساءلة استعمالاتها. النزعة الكونية شكّلت ضرورة تخطّي معضلة المحلية في البحوث المنجَزة، مع العمل على بلوغ الكونية أو العالمية، هاجسًا

منهجيًا لدى الفريق. ويتمّ الخروج من «سجن المحلية» في المناهج والمواضيع المتطرّق إليها من طرف الباحثين

مهما كان مجال اختصاصهم من خلال النزعة الكونية والعالمية، وذلك عبر المقارنة في معالجة القضايا المدروسة، موظفين في ذلك أحدث التقنيات والأدوات المعرفية. وهذا ما جعل الباحث في مخبر «دراسات مغاربية» يشتغل

في إطار قضايا ذات بُعد كوني. ويبرز ذلك عند دراسة ظاهرة نشوء الدولة الحديثة مثلا أو ظاهرة التحقيب أو

عند البحث في قضايا الذاكرة وكيفية إنشائها. وعمومًا، فإن القضايا التي أصبحت تستقطب اهتمام الباحثين في

إطار المخبر هي قضايا تشغل الباحثين في أماكن عدة من العالم لكن منطلقها يبقى دائامًالمجال المحلي (المغاربي.) ورغم الصبغة المحلية لمنطلق البحوث المنجزة، فإن الباحثين يحرصون على أن لا تكون بحوثهم مجرد دراسات مونوغرافية تقليدية، يطغى عليها التوجه المحلي. ولتخطي ذلك، ترعرعت داخل المخبر نزعة علمية تقطع عمومًا مع ما كان سائدًا في الماضي، وتعمل على إنشاء معرفة بمعايير جديدة، وعلى فتح آفاق بحثية أخرى. وقد

تجسّد ذلك في بعض البحوث التي أُنجزت في إطار المخبر. من ذلك مثلا موضوع الحياة الجماعوية. ولدراسة

هذا الموضوع في وقتنا الحاضر بُعد معرفي وحضاري في آن واحد. وفي الوقت الذي تفرض العولمة قانونها،

تكون مسألة الجماعة المحلية والحياة الجماعوية بصورة عامة من أهم المسائل التي يجب طرحها ومحاولة فهمها. وهي ذات علاقة وطيدة ببرنامج المخبر التعاقدي مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الذي يتناول مسألة «التشكل التاريخي للهويات الجماعية». وقد وقعت معالجة الموضوع بطريقة تخلص في نهاية التحليل إلى تمثّل

أنموذج يُفهم به تشكل البناء الجماعوي في سياقات مختلفة، حيث يكون للجماعة الدور الأساسي في انتظام الحياة

اليومية للسكان. هكذا، تم إبراز البناء الجماعوي في شكله المركّب والمتداخل، وهو ما مك ن من تجاوز الصورة القائمة على الثبات والسكونية التي جاءت بها النظرية الانقسامية للواقع الاجتماعي في المدن والأرياف، كما

5   انظر العمل الجماعي «المعارف التاريخية بالمغرب الكبير: البناء والاستعمالات»، المنشور بالفرنسية تحت عنوان:

Bargawi et Remaoun, coord., Savoirs historiques au Maghreb.

انظر أيضًا مقالي «الأسطغرافيا الحديثة في البلاد التونسية وذاكرة الدولة (القرون 19-17)»، والذي نشرته بالفرنسية تحت عنوان:

Abdelhamid Hénia, «Historiographie moderne en Tunisie et mémoire de l’Etat (XVIIe-XIXe siècles),» dans: Abdelhamid, Hénia. Abderrahmane Elmoudden et Abderrahim Benhadda, coord., Ecritures de l’histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie, Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech du 27 au 28 mai 2004 et à Tunis du 1 au 3 octobre 2004, Série colloques et séminaires; no. 138. (Rabat: publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, 2007), pp. 59-80.

6   اهتم عدد من الباحثين في مخير «دراسات مغاربية» بدراسة عدد من المجموعات المحليّة في البلاد التونسية، سواء كانت مجموعات

قبلية، أو واحية، أو قروية. وآخر هذه الدراسات تلك التي أنجزها مصطفى التليلي تحت عنوان: قفصة والقرى الواحية المجاورة حول

الحياة الجماعوية من بداية القرن 18 إلى 1881 (قفصة: منشورات جمعية صيانة مدينة قفصة، 2009). يهدف هذا العمل إلى دراسة

الظاهرة الجماعوية في إطار مديني وقروي واحي خلال الفترة الحديثة. وهو مفيد بسبب الحضور الكبير للحياة الجماعوية لا في قفصة

والواحات المجاورة لها فحسب وإنما في نواحٍ أخرى من البلاد التونسية وحتى خارجها. فكان الخيط الهادئ في هذا العمل يتعلق بالبحث

في كيفية تمكن المجموعة من تنظيم حياتها بصورة متكيفة مع المعطيات البيئية وتضمن لها التماسك الداخلي وتحقق انصهارها في إطار

جيوسياسي مركزي، مع التكيف كذلك مع المتغيرات الخارجية.

تجلت خاصة في عمل لوسيت فالينسي الفلاحون التونسيون، وعمل إرنست غيلنر أولياء جبال الأطلس. واعتماد البُعد المغاربي للبحوث المنجزة التي أنجزها أعضاء المخبر يشكّل في حد ذاته مبادرة أولية لتخطّي

المحلية المفرطة في الدراسات بالجامعة التونسية. وقد عمل أعضاء المخبر منذ البدء على إرساء أسس تعاون

وشراكة مع الزملاء في المغرب الأقصى والجزائر، معتمدين في ذلك على ما توفّره أ طر التعاون المقررة على مستوى

الحكومات في البلدان المغاربية، وهي، والحق يقال، لا ترقى إلى طموحات الباحثين الجامعين في هذه البلدان.

وكانت إمكانيات الشراكة أوفر مع زملائنا في المغرب مما هي عليه مع زملائنا في الجزائر التي بقيت محدودة نوعًا

ما. وكانت لمخبر «دراسات مغاربية» مع فريق بحث «المتوسط والعالم الإسلامي» في كلية الآداب والعلوم

الإنسانية في الرباط مجموعة من برامج البحث المشترك تجسّمت في عقد لقاءات بالتداول في الرباط وتونس

حول المواضيع التالية: - المعرفة التاريخية المغاربية: البناء والاستعمال، - شبكات التواصل ودينامية الانفتاح في المغارب والعالم المتوسطي، - الذاكرة الحضرية: البناء والاستعمالات في بلاد المغارب وخارجه، - الرحلة والغيرية في بلاد المغارب، - انتقال المعارف في المغارب والعالم المتوسطي. وتوِّجت هذه البرامج البحثية بمجموعة من الأعمال التي نشُرت في الرباط وتونس العاصمة. وكتتويج لهذا

المسار الخصب، تم نشر الأعمال التي انبثقت عن هذه اللقاءات. ففي سنة 2007، نشُرت في رحاب كليّة

الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط الأعمال التي تمحورت حول «الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة

والاستغرافيا». ودائامً في إطار المشروع البحثي نفسه المتعلّق بالمعرفة التاريخية في بلاد المغارب، كما نشُرت في

تونس سنة 2010 أعمال الندوة الملتئمة حول " التحقيب في الكتابة التاريخية المغاربية ". ولتدعيم الانفتاح على العالم الخارجي، يتم استدعاء باحثين في العلوم الاجتماعية من مختلف بلاد المغارب

خاصة، ومن البلدان العربية عامة، ومن البلدان الأوروبية أيضًا، وهم ممّن عُرفوا بما أنجزوه من تفكير في التطور

التاريخي لميادينهم العلمية في بلدانهم. وكان الهدف من ذلك هو التعرّف على خصوصية المسارات البحثية

والسلالات النظرية والسياقات المؤسساتية التي أثّرت في تطور العلوم الاجتماعية هنا وهناك. ويحرص أعضاء المخبر على المشاركة في المؤتمرات العالمية الدورية، حيث ينظ مون ورشًا حول مواضيع

البرامج البحثية التي تنجز في المخبر، مشركين في ذلك أكبر عدد ممكن من الباحثين الأجانب الذين يتمّ انتقاؤهم

Lucette Valensi, Fellahs tunisiens, l'économie rurale et la vie des campagnes aux 18e et 19e siècles, (Paris; La  انظر: 7 Haye: Mouton, 1977). Ernest Gellner, Les Saints de l’Atlas, Traduction de Paul Catalen; présentation de Gianni Albergoni (Paris:  انظر: 8 Editions Bouchene, 2003). Hénia, Elmoudden et Benhadda, coord, Ecritures de l’histoire du Maghreb, pp. 177 en français et 86 en arabe.  انظر: 9

Fatma Ben Slimane et Hichem Abdessamad, coord., La Périodisation dans l’écriture de l’histoire du Maghreb:  انظر: 10 Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech du 26 au 29 mai 2005 et à Tunis du 21 au 23 septembre 2005 (Tunis: Arabesques éditions, 2010). 11  من نوع الإكاناس (International Congress for Asian and North African Studies) ICANAS، والوكماس WOCMES

(World Congress for Middle East Studies)

حسب الكفاءة والاختصاص. وهي فرص تتيح لباحثي المخبر إمكانية الاحتكاك مع باحثين ينتمون إلى تقاليد علمية وجامعية مختلفة، وهي أيضًا فرصة لكي نستمع إلى النقد الذي قد يوجّه إلى البحوث التي ننجزها في

رحاب المخبر. وكثيرًا ما تكون ظروف الخوض في مثل هذه التظاهرات الدولية متاحة ومثرية. هذا إضافة إلى

الفائدة التي تعود على باحثي مخبرنا عند التعرف على الإشكاليات والقضايا البحثية المطروحة عالميًا. كل ذلك

من شأنه أن يجعل أعضاء المخبر على دراية بما يحدث في العالم في مجال العلوم الاجتماعية بصورة عامة. الابتعاد عن الطرق المعبّدة عربّ الفريق في دراساته عن إرادة واضحة للابتعاد عن الطرق المعبّدة، وتجنّب القوالب الجاهزة المرتبطة بنظريّات

مسبقة، وخاصة تلك التي تمّ صوغها بعيدًا عن واقع المجتمعات المغاربية والعربية. لذلك تعامل الفريق بحذر

مع المدارس النظرية، موظّفًا عند الاقتضاء مصطلحاتها وآليّات بحثها بمنهج تجريبي وباستقلالية فكرية تامة.

وهو يعيد النظر في كثير من القضايا والتصنيفات المتداولة في دراسات العلوم الاجتماعية والتاريخية. ولم تكن

نظرته إلى كل هذه القضايا معيارية (normative)، بل أخذ في الاعتبار دور الفاعلين في بناء القاعدة، وتشك ل

التصنيفات وإعادة تشكّلها حسب الحاجة ومقتضيات الوقت، وصوغ الهويات والانتماءات... إلخ. وهو

يؤكد ضرورة الانطلاق في البحوث من الواقع الداخلي بعلاقة مع التقلّبات الخارجية، وهذا عين ما ينادي به الفريق من أهلنة/تبيئة للمعرفة، والتجديد المعرفي في المخبر ينطلق أساسًا من هذه الرؤية. التجديد عبر أهلنة/تبيئة المعرفة يحدث التجديد المعرفي بتجربة بحثية تقوم على فكر نقدي، وعلى مراجعة النفس وتوفير ظروف النقلة في مجال المواضيع المعالجة، وكذلك في المناهج المعتمدة. وقد اختار أعضاء المخبر أن تتحقق النقلة على أساس تبيئة (أو أهلنة) المناهج والمواضيع في وقت واحد. والمقصود بالتبيئة/الأهلنة هو أن نجيب عن السؤال التالي: كيف ندرس مجتمعاتنا من دون أن نكون دعاة لأفكار مصوّغة في الخارج؟ إن منطلقنا هو الداخل، أي هواجس المجتمعات التي ننتمي إليها. ونعتقد في مخبر «دراسات مغاربية» أن الباحث

مطالب، أيًا يكن اختصاصه، بأن يكون في تناوله لبحوثه ملتحامً بمتطلبات هذه المجتمعات وما تطرحه من قضايا

وتساؤلات، ومتناغامً معها. من هذه الزاوية يأخذ البحث صبغة نضالية بأتم معنى الكلمة. لكننا نرفض في مخبر «دراسات مغاربية» أن نكون ملتزمين بأي فكرة محدّدة أو بأي اتجاه فكري مع، لأن الالتزام لا يؤدي في نهاية

المطاف سوى إلى الدوغمائية بشكل أو بآخر. من أجل ذلك، يحتاج الفريق إلى نزعة نقدية متواصلة، مع ضرورة الانخراط في الكونية والعالمية. ومنطلق هذه الطريقة في البحث تلك الهيمنة شبه الكاملة للتوجّه الإثني المركزي

الغربي عبر استخدام أدوات فكريّة ومصطلحيّة ومفاهيم ومناهج مهيمنة منذ فترة طويلة. مع العلم بأن كثيرًا من

12   انظر على سبيل المثال مقالي «التصنيفات الزمنية في الإسطغرافيا التونسية حلال العهد الحديث»، الذي نشرته بالفرنسية تحت عنوان:

Abdelhamid Hénia, «Les catégories temporelles de l’historiographie tunisienne à l’époque moderne,» dans: Ben Slimane et Abdessamad, coord., La Périodisation dans l’écriture de l’histoire du Maghreb, pp. 64-84.

13   ركز الفريق أبحاثه طيلة الفترة الممتدة من 2007 إلى 2010 على محور أساسي يتناول «التشكل التاريخي للهويات الجماعية». في هذا

الإطار تم إنجاز برامج بحثية تمثّلت في إقامة ملتقيات دولية، من ذلك نذكر على سبيل المثال:

- الملتقى الدولي حول«الرابط الوطني وتداعيات التفكير فيه في البلدان المغاربية وخارجها »، أيام 22 و 23 و 24 أيلول/سبتمبر 2011

في تونس؛

- والملتقى الدولي حول«الانتماء المحلي جنوب المتوسط وشماله »، أيام 29 و 30 تشرين الأول/أكتوبر 2011 في تونس.

الدارسين من بين المغاربة والعرب استبطن هذا التوجّه الفكري من دون أي نقد له، فجاءت المعرفة التي صاغها

الدارسون الغربيون حول مجتمعاتنا تتميز بالإثنية الثقافية الغربية. وهي لا تكشف واقعنا بصورة سليمة بل تمنعنا

أحيانًا من فهم واقعنا بطريقة مثلى. فهي تُرج ع مثلا كل الحراك داخل المجتمعات العربية إلى عناصر فاعلة أجنبية (أوروبية غربية بطبيعة الحال). أما العناصر الاجتماعية المحلّية، فهي مغيّبة بشكل كيلّ، ولا يُنسَب إليها أي دور

كارلاح اذه في لعاف.تاييرغت نم الوهح ثديح مياف ةوق لوا اله لوح لوا، ةكرح لبا تيقب اّهأنكو. وهي نظرة تعطي الأولوية للعوامل والأسباب الخارجية في تفسير الديناميات الداخلية. فهل ينبغي قبول الفكرة القائلة إن كل مشاريع الحراك الذي عرفها العالم العربي، كظاهرة بناء الدولة والحداثة والعلمانية... إلخ، إنما هي مقرّرة من

الخارج؟ هل يجب أن نفهم أن كل حراك سياسي أو اجتماعي أو ثقافي تعرفه البلاد العربية في ذلك التاريخ مردّه

14   طبعًا لسنا أول من يطرح مثل هذه القضية. سبقت في ذلك مبادرات عديدة شكلت من دون أدنى شك أرضية منهجية ونظرية

لمجهودنا المعرفي. لن نستعرض هنا كل هذه الدراسات، فالإطار لا يسمح ذلك. يمكن أن نكتفي بالتذكير بما خلقته كتابات إدوارد سعيد

من دفع لنقد الاستشراق، وكذلك النقد المضاد الذي أثاره. ونذكر كذلك بالنقاش الحاد الموازي للأول حول ما عرف بما بعد الاستعمار.

ونحيل في هذا المضمار إلى كتابات بيير روبار بادوال (Pierre-Robert Baduel)، وجان فرنسوا بيار (Jean-Françaois Bayart) التي

تناولت بالتحليل والنقد هذه القضايا:

Pierre-Robert Baduel, « Relire Said ? L’Outre-Occident dans l’universalisation des sciences sociales,» in: Alfa. Maghreb et sciences sociales (Paris: Editions Maisonneuve & Larose, (2005) « Le Moment saïdien des postcolonial studies. Entre critique de l’Orientalisme et profession d’Humanisme?,» in: Ruptures postcoloniales: Les Nouveaux leisages de la société française, sous la direction de Nicolas Bancel [et al.]; avec les contributions de Valérie Amigaux [et al.]; en collaboration avec le groupe de recherche Achac, cahiers libres (Paris: La Découverte, 2010). Jean-François Bayart, Les Etudes postcoloniales: Un Carnaval académique, Disputaliuo (Paris: Editions Karthala,

15   في ما يتعلق، على سبيل المثال، بعملية بناء الدولة الحديثة في البلاد العربية والإسلامية بصورة عامة، يبقى السؤال قائامً حول ماهية

هذا البناء وجذوره وآلياته. إذ تبنيّ الكتابات التي تتميز بالذات الأوروبية المركزية أن الدولة الحديثة هي ظاهرة أوروبية بحتة: في أوروبا

ولدت وفيها ترعرعت. وبعد ذلك فقط صُدّرت إلى بقيّة أنحاء العالم غير الأوروبي، تمامًا كما صُدّرت رموز الحداثة بصورة عامة. وتبعًا

لذلك يذهب بعض أصحاب هذه النظرية، وعلى رأسهم الباحث الفرنسي برتران بادي، إلى الجزم بأن استيراد الدولة في هذه المناطق أدّى

إلى وجود بناء سياسي دخيل، وبالتالي فهو «هجين» و«عقيم»، انظر: برتران بادي، الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام،

ترجمة نخلة فريفر، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996). أو بالفرنسية: Les Deux Etats, pouvoir et société Bertrand Badie,

en Occident et en terre d’Islam, l'espace du politique (Paris: Fayard, 1986).

أنظر أيضا لنفس المؤلفالدولة المستوردة: دراسة في أوربة النظام العالمي السياسي، الذي صدر بالفرنسية تحت عنوان:

Bertand Badie, L’Etat importé: Essai sur l’occidentalisation de l’ordre politique, l'espace du politique (Paris: Fayard,

16 تؤكد النظرية الانقسامية في دراستها لمجتمعات شمال أفريقيا على السكونية والبرودة والتجانس. وعرفت هذه النظرية تداولا  واسعًا

على يد الباحثين الأنغلوسكسونيين كما تجلى ذلك في أعمال إرنست غيلنر، الذي طبق نظريته على المغرب في دراسته لقبائل الأطلس الكبير

وسامّهاأولياء الأطلس، وديفيد هارت، الذي طبق نفس النظرية على قبائل بني ورياغل بالريف المغربي. أما الباحثة لوسيت فالينسي، التي

تنتمي إلى المدرسة الفرنسية، فقد وظفت النظرية الانقسامية في دراستها لتاريخ البلاد التونسية عند إنجاز كتابها الفلاحون التونسيون:

الاقتصاد الريفي والحياة في الريف في القر ين 18 و.19 وفي التوجه نفسه وظفت هذه الباحثة في دراساتها حول البلاد المغاربية مفهوم

العتاقة (archaïsme) الذي يؤدي في نهاية التحليل إلى التوجه ذاته.

Sur le modèle segmentaire au Maghreb, voir Jocelyne Dakhlia, Le Divan des rois: Le Politique et le religieux, collection historique (Paris: Aubier, 1998), pp. 292-307; Ernest Gellner, Les Saints de l’Atlas, Traduction de Paul Coatalen; présentation de Gianni Albergoni, intérieurs du Maghreb (Paris: Editions Bouchene, 2003); Lucette Valensi, «Archaïsme de la société maghrébine,» dans: La Pensée, déc., 1968, p. 57-93; et dans C.E.R.M., Sur le féodalisme (Paris: Ed. Sociales, 1969), pp. 223-232 ; Le Maghreb avant la prise d'Alger (1790-1830) (Paris: Flammarion, 1969); Fellahs tunisiens: l’économie rurale et la vie des campagnes aux XVIIIe et XIXe siècles (Paris; La Haye: Mouton, 1977).

بالضرورة إلى إرادة قوى أجنبية؟ إن طرح القضيّة بهذه الصورة يجعلنا نعي ضرورة إعطاء أهمية قصوى لتحسس

مظاهر الحراك في البلاد والمغاربية خاصة، والعربية عامة، من الداخل، وانطلاقًا من العناصر الفاعلة المحليّة، مع

العلم أن هذه العناصر تتحرك بدورها في علاقة تبعيّة متبادلة مع القوى الخارجيّة.

يتعلّق الأمر بالنسبة إلينا إذًا في التخلّص من القوالب الجاهزة، وفي تناول قضايا بحوثنا من وجهة نظر أهلية،

أي انطلاقًا من الداخل، مع ضمان أن نكون مستقلين تمامًا عن مقولات الإثنية الثقافية الغربية التي تمنعنا من

التفكير فعلا وبطريقة سويّة في مجتمعنا. والسؤال هو كيف نتخلص من عبء الإثنية الثقافية؟ كيف الخروج من

فخ المحوريّة الثقافيّة؟

من مميزات أهلنة/تبيئة المعرفة أن يحدد الباحث علاقة إبستيمية بموضوعه تكون غير مقيَّدة بمعارف صيغت

في أطر أخرى خارجة عن الإطار الذي يشتغل فيه، أو خارجة عن الموضوع الذي يشتغل عليه. نتيجة لذلك،

ظهرت هذه الحاجة الملحّة إلى مراجعة طرائق البحث والمقاربات المهيمنة اليوم في هذا الحقل ونقدها، وابتكار

مفاهيم للبحث من زاوية نظر داخلية، سواء كان ذلك على مستوى المواضيع المستنبَطة، أو على مستوى المناهج

والأجهزة المفاهمية. من هنا تنبع أهمّية إنشاء معرفة داخلية متبيئة. والمهم أن هذه المعرفة تتمتّع بالمهنيّة والاستقلاليّة

من خلال السعي إلى إجراء أبحاث رائدة، واعتماد مقاربة نقديّة تثير النّقاش والجدل. ولكي نتخلص من الهيمنة

البراديغمية والمفاهيم الإثنوأوروبية أو الإثنوثقافية الغربية، ينبغي إعادة إنتاج هذه البراديغمات والمفاهيم، وذلك

بعد تفكيكها ونقدها، فإعادة صوغها من داخل واقعنا، آخذين بخصوصية المسارات المحلية لهذا الواقع. لذلك

نجد أنفسنا دائامً بصدد مساءلة الترسانة المفاهمية وتفكيكها، وإعادة صوغ مواضيع بحوثنا بصورة تحمينا من

هذه الهيمنة، وتكون منطلقات بحوثنا من داخل مجتمعاتنا، كأن نسائل التصنيفات التي يعتمدها الفاعلون من

الداخل، وقد نرتقي بهذه التصنيفات إلى مرتبة التصنيفات المعرفية. بذلك نبدأ إنشاءَ معرفة أصيلة نابعة من

أعماق مجتمعاتنا. وهو عين ما نقصده بتبيئة أو أهلنة المعرفة التي ننشد تحقيقها.

وليس المقصود بالتبيئة أو الأهلنة أن ننزوي ونبالغ في ذلك إلى حد الانغلاق الكلي: إذ ربمّا يؤدي الانزواء

والاشتغال في دائرة ضيقة إلى الشعور بالرضا عن النفس وإلى القوقعة فالغرور. وعند ذلك يفقد منهج التبيئة كل

فعاليته ومقاصده ومصداقيته. ومن مخاطر ذلك ما نلاحظه اليوم لدى تيارات بحثية عربية من مطالبة بشرعية

معرفية لا تستند إلا إلى الانتماء المحلي. وهذه المطالبات تبرز في جانب منها في اختزال التبيئة في مسألة اللغة

عبر المناداة ب«تعريب» العلوم الاجتماعية، وهي ما فتئت تنمو منذ ثمانينيات القرن العشرين، مرتبطة بتلقّي

أطروحة إدوارد سعيد حول الاستشراق، ومندرجة في ما يُدعى اليوم «ما بعد الاستعمار.»

لنا فهم مختلف للأهلنة/التبيئة في الميادين العلمية والبحثية عامّ هو متداول لدى بعض الأوساط في حقل علم

الاجتماع في العالم العربي (خاصة لدى الجمعية العربية لعلم الاجتماع). ليست الأهلنة/التبيئة التي ننشدها

مختزَلة بضرورة تعريب المعرفة في العلوم الاجتماعية (وإن كان أعضاء الفريق يحررون أعمالهم باللغة العربية إلى

17   انظر حول هذه القضية دراستي: «دور الأجانب في الديناميكية الاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد التونسية خلال القرنين

17 و 18. مسألة إسطغرافية بحتة»، التي نشرتها في 2012 بالفرنسية تحت عنوان: Le rôle des étrangers dans la dynamique«

sociopolitique de la Tunisie, XVIIe-XVIIIe siècles. Un Problème d’historiographie,» Les Cahiers de la Méditerranée moderne et contemporaine, no. 48 (juin 2012), pp. 213-233.

18   انظر المقالين المذكورين أعلاه (الهامش رقم 2) للباحث عماد المليتي. انظر أيضًا مقال بالفرنسية لعبد القادر زغل، وهو باحث في مخبر

Abdelkader Zghal, «Pour changer la notion de spécificité d’un objet de désir en un objet de recherche دراسات مغاربية:»« sociologique,» dans: Dorra Mahfoudh et Lilia Ben Salem (sous la direction de), Modernité et pratiques sociologiques, Actes du colloque organisé à Hammamet du 18 au 20 mai 1999, sous l’égide de l’Association internationale des sociologues de langue française, (Tunis: Centre de Publication Universitaire, 2000), pp. 97-140.

جانب اللغة الفرنسية)، ولا مقتصرة على ما ينجزه الباحث المحلي الذي يُعتبر الأقدر على إنشاء المعرفة المطلوبة

دون غيره، ولا على ما هو موغل في المحلية على مستوى البراديغمات والمفاهيم الموظفة. من الخطر أن نعتقد أن الباحثين المحليين هم وحدهم قادرون على إنجاز بحوث حول مجتمعاتهم، فيحصل

الابتعاد عن الباحثين الآخرين ولا يجري الاحتكاك بهم ولا الدخول معهم في مكافحة براديغمية ضرورية،

فتصبح بحوث الباحثين المحليين في واد وبحوث الآخرين في واد آخر، ليس فقط على مستوى المواضيع،

بل أيضًا على مستوى المناهج. فتحصل نتيجة ذلك القوقعة والمغالاة في النزعة المحلية. إن النزعة الكونية لا

تحصل إلا بالاشتغال بعلاقة مع ما ينتج من معرفة كونية. فالمهم ليس أن يحتكر المحليون دراسة مجتمعاتهم على

أساس أنهم الأقدر على تناول واقع مجتمعاتهم بالدرس بأقل ما يمكن من الأخطاء، وإنما المهم أن يقع تناول

قضايا مجتمعاتهم من الداخل، ومن الأدوار التي يؤمّنها الفاعلون، وأن تكون التساؤلات والمواضيع المستَنبطة

والأفكار المعتمدة في ذلك نتاج معاناة ومنطلقات داخلية بحتة، وليست مستوردة من الخارج، وذلك مهما كان

الباحث الذي يتناول المواضيع المطروحة للدرس، ومهما كان الحقل البحثي الذي كان يشتغل الباحث في إطاره.

وهذا هو المهم في عملية التبيئة. إن مشروع التبيئة الذي نناضل من أجله في فريق «دراسات مغاربية» لا نخصّ به مجتمعاتنا المغاربية والعربية

فقط، بل هو يطمح إلى أن يكون منهجًا ذا بُعد كوني يعتمده الباحثون لتجاوز سلبيات الهيمنة الإثنوثقافية مهما

كان مصدرها وأينما كانت سببًا في إعاقة المعرفة السليمة في وسط محلي.

لذلك، نصر في عملية إنجاز مشاريعنا البحثية على إشراك باحثين آخرين ينتمون إلى بلدان أخرى ذوي

إحساسات جامعية ومعرفية مختلفة. وعملية إقحام عناصر أخرى في مشاريعنا البحثية تخضع في حقيقة الأمر

للشروط الضمنية التي نعرضها في أوراق العمل التي على أساسها ينخرط الباحث الأجنبي في الاشتغال مع

باحثي فريق «دراسات مغاربية»، بحيث تكون مساهماته بالضرورة منخرطة في إطار الشروط المبيّنة في ورقة

العمل المذكورة، وهي بطبيعة الحال لا تخضع لأجندات أجنبية إثنومركزية أو إثنوثقافية. وحتى إن حصل تجاوز

في ذلك، فالمكافحة بين الباحثين ونقد الأوراق كفيلان بتخطّي مثل هذه العقبة. المنهج النقدي هو إذن الواقي من كل المخاطر التي يمكن أن يقع فيها البحث وتجعله يزيغ عن مساره السليم.

والنقد الذاتي المتواصل في كل مراحل الاشتغال في المخبر هو مبدأ متّفق عليه بصورة جماعية بين أعضائه. ويشمل

هذا المنهج النقدي الساحة الثقافية التي نتحرك في إطارها، محليًا أو مغاربيًا أو عربيًا. وهذا الموقف النقدي الذي

جعلنا منه ثقافة أساسية للفريق، هو الذي يجبرنا في نهاية التحليل على أن نكون دائامً أكثر ارتباط ا بواقعنا، وأن

تكون منطلقات بحوثنا في تناغم مع هواجس مجتمعاتنا وقضاياها الآنية والتوترات التي تفرزها وتخترقها. وبه

أيضًا نهيّئ أنفسنا لتحقيق تبيئة فعلية لمواضيع بحوثنا وللمناهج المعتمدة لذلك.

لم نصل إلى بلورة هذا المنهج إلا بعد المرور بتجارب بحثية ونقاشات ومكافحة للبراديغمات التي استقطبت هذه

النقاشات. ولقد اقتضى من أعضاء المخبر الانتقال من تجربة إلى أخرى، وهو ما تطلب بعض الوقت، كما تطلب

نضج المساءلات والمقاربات التي أفضت إلى القبول بضرورة أن نقوم بأهلنة (أو تبيئة) البحث والغوص في قضايا

مجتمعاتنا، وأن نتخلص من المركّبات التي أوجدتها الإثنومركزية الغربية. فلم تعد القضية مقاومتها بقدر ما هي

ضرورة القيام بمساءلتها وتفكيكها قصد قراءتها بطريقة رصينة تؤمن لنا أن نفيد مما هو مقبول من البحوث الغربية،

وأن نترك جانبًا ما يتسم بالإثنومركزية، لأن القضية ليست رفض ما هو غربي بقدر ما هي مساءلة ما لا يستقيم،

لكونه يخدم أجندات سياسية وإيديولوجية غربية، ولا يساعدنا على بلوغ فهم أفضل لمجتمعاتنا.