الواقع أولًا:شهادة روائية
Reality First: Testimony of the Novel
الملخّص
في داخل كلٍّ منّا روائي يتوق إلى رواية القصص. ومتعة القصّ لدى بعضهم تفوق لذّة الاستماع. كما أن لدى كلٍّ منّا رواية واحدة على الأقل جاهزة للكتابة، هي روايته الشخصية، هذا إذا لم يشأ انتحال قصص الآخرين، مسجِّلًا بذلك انتسابه إلى عالم الرواية؛ عالمٌ سيفرض عليه قواعد هو تقنياته التي لا مفرّ من الانصياع لها، أكانت مرنة أم قاسية. ذلك أنَّ تراث الرواية لا يمكن تجاهله.والرواية تتطلب من التكثيف ما يختزل الزمان الأصلي، وتبديد مسافات من آلاف الكيلومترات، فلا تتقيّد بالدقة في التنقّل بين الأزمنة والأمكنة، إذ إن التحرك من مكان إلى آخر لا يحتاج إلى وسائل مواصلات قديمة أو حديثة، فللرواية وسائلها التي تمكّنها من اجتياز المحيطات ببضع كلمات.
Abstract
Inside every one of us is a narrator who loves to tell stories. For some, the pleasure of storytelling exceeds the pleasure of listening. Equally, each of us has at least one novel ready to write, a personal novel if one is not willing to plagiarize the stories of others, and so record one’s belonging to the world of the novel, a world that imposes its own rules, which are techniques, be they rigid or flexible, compliance with which cannot be avoided. The novelistic tradition cannot be ignored. The novel demands an intensification of that which real time truncates and the dissipation of distances of thousands of miles, and is not confined by accuracy in shifting between times and places, since movement from one place to another does not require a means of transport, ancient or modern. The novel has its own means to cross oceans in a few words.
- الواقع
- شهادة ذاتية
- الرواية
- فواز الحداد
- Novel
- Testimony
- Storytelling
شهادة روائية
في داخل كلٍّ منّا روائي يتوق إلى رواية القصص. ومتعة القصّ لدى بعضهم تفوق لذّة الاستماع. كما أن لدى كلٍّ منّا رواية واحدة على الأقل جاهزة للكتابة، هي روايته الشخصية، هذا إذا لم يشأ انتحال قصص الآخرين، مسجِلّا بذلك انتسابه إلى عالم الرواية؛ عالم سيفرض عليه قواعده وتقنياته التي لا مفرّ من الانصياع لها، أكانت مرنة أم قاسية. ذلك أنَّ تراث الرواية لا يمكن تجاهله. والرواية تتطلب من التكثيف ما يختزل الزمان الأصلي، وتبديد مسافات من آلاف الكيلومترات، فلا تتقيّد بالدقة في التنقّل بين الأزمنة والأمكنة، إذ إن التحرك من مكان إلى آخر لا يحتاج إلى وسائل مواصلات قديمة أو حديثة، فللرواية وسائلها التي تمكّنها من اجتياز المحيطات ببضع كلمات. أنا أيضًا لديّ روايتي الشخصية التي لا أنوي كتابتها، لا بسبب عدم توافر الجرأة أو النزاهة وإنما لأنها، على الأرجح، غير لافتة ولا جذابة، قياسًا بروّاد الغابات والفضاء اللانهائي، والمغامرين في أتون الثورات الحمر والحروب الأهلية. على خلاف ما توقَّعتُ، تسللت أجزاء متفرقة منها إلى أعمالي وأصبحتْ من نسيجها، حتى صرت أزعم أنني موجود في جميع رواياتي بطريقة أو بأخرى، وإنْ ليس على النحو نفسه. لا يسع الروائي أن ينفصل عن كتاباته أو يغيب عن رواياته على الرغم من البون الشاسع الفاصل بينهما. أنا لم أكن واحدًا من شخصيات رواياتي رغم ادعائي ذلك وإيحائي به في بعضها. هناك ما يُنسخ مني، لا يمكن تحديده، ويمتزج بعوالمها، ليس على الرغم مني، ربما لأنني أجد مكانًا فيها من دون أن أقحم نفسي. يكتب الروائي عن العالم والحياة والبشر من خلاله، لا بمعزل عن نفسه. وإذا كان الإنسان ليس واحدًا، فهذا ينطبق على الروائي أكثر ممّا ينطبق على غيره، بانتحال شخصيات الآخرين، والسطو على قصصهم. ولو شئنا التلصص على خصوصياته، فقد نتعثر بإنسان ممزَّق، ذي شخصية هشّة، من فرط تأثّره بما حوله، وهو ما يمنحه مزية لا نقيصة، تجعله قابلا لتخزين انطباعات، ومؤهلا لإثارة تساؤلات وابتكار اقتراحات، وربما أفكار وتهويمات يعزوها بعضهم إلى الإلهام. وبما أنني من الروائيين الفاقدي
الإيمان بهذه النعمة، والناسبين إنجازاتهم إلى التجربة والإحساس والثقافة والتأمل والعناء، لابد لي من أن أناقض كلامي، والاعتراف بأن روايتي الأولى موزاييكمدينة لهذا الذي أتنكّر له: الإلهام. كان المنظر الذي جاءني عفو الخاطر قد رسمَ بدايتها: امرأة تركب عربة خيل، تدخل سوق مدحت باشا، تنزل من العربة، تقف عند مدخل دكان في سوق البزورية، تصوّب نظراتها إلى مجرد ظلّ يتململ في العمق، تتبادل معه بضع كلمات يبعثرها الهواء الراكد، ثم أرى الظلّ يتقدم نحوها مشطورًا بالضوء، والعتمة أسدلت أستارها على رأسه وكتفه. مَن هذه المرأة، أو هذا الظل الذي أصبح رجلا؟! ما الذي قيل؟! إذا كان ما تراءى لي إلهامًا، فقد أظهرتُ امتناني له بكتابة رواية موزاييك، التي لم يتخل عني خلالها. هكذا تشق الرواية طريقها أحيانًا، غامضة مشوقة وداعية إلى التساؤل، تستحث الكاتب بطلاسم وإيماءات، حتى إذا تفككت حظي برواية. مفاجآت الحياة كانت المسامهَة الكبرى في تكويني؛ إذ أتحفتني باكرًا بهذا الذي لا بد منه: السفر والسجن، السياسة والحرب، الثقافة والكتب، الحب والكراهية، الاستقرار وعدم الأمان... ولم تضنّ علي بالخسائر الفادحة والخيبات الكبيرة والطموحات الثقيلة... وهموم لم تكن في حقيقتها سوى منغّصات عابرة. جعبة ستزوّدني بما ظننت أنني سأكتبه مقسّط ا على دفعات، فإذا بي أكتبه مبطنًا من رواية إلى أخرى، فيما الحياة التي سأسعى إلى فهمها بقدر متفاوت من اللامبالاة والسخرية والإيمان والسخط، سيصوغ الواقع أعماقها والخيال انطلاقاتها من البدايات المرتبكة المتعثرة إلى نهايات ليست بنهايات، مفتوحة على تمنيات هي محض مزاعم، مماثلة لما كنّا نتعايش معه ونتعيّش منه، فلم أغامر بوضع خاتمة ما دامت الحياة نفسها عالما مغلقًا يطل على الثبات والسباتً والسكون، ولو بدا على وشك الانفجار.
التاريخ والرواية
في الثلث الأخير من القرن الماضي، اختطت الرواية السورية لنفسها طريقًا، واختارت التاريخ ميدانًا لها. وكان من المستغرب أن يقوم بهذا مجموعة من الروائيين من دون سابق اتفاق بينهم. هذا الإجماع، بحسب تجربتي، لا يُعزى إلى فكرة الحنين إلى الماضي أو التخفّي فيه بغية تجنّب الواقع، بل إلى معرفة كيف وصلت الحال بنا إلى حاضر بلا آفاق. هذا هو الجزء الظاهر من العمل الروائي؛ إذ التاريخ على عكس ما نعتقد لا يتجه صوب الخلف فقط، بل يذهب بنا شتى الاتجاهات، وخصوصًا اتجاه المستقبل. شكّل التاريخ المعاصر عوالم أغلب الروايات المهمّة الصادرة في سورية، وهو تاريخ امتد قرابة قرن كامل، شاملاًالأعوام الأخيرة للحكم العثماني، فالانتداب الفرنسي، والنضال من أجل الاستقلال، فسلسلة الانقلابات العسكرية، إلى الأخير منها، ثم سيطرة الأنظمة الثورية والحركات القومية واليسارية على المشهد السياسي العربي، ثم التراجع الأكبر عن الثورة والبناء الاشتراكي، في إثر سقوط جدار برلين وانحلال الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفياتي. إزاء مثل هذه البانوراما المتبدلة بهذه السرعة والتقلّب والكثافة، يحتاج الكاتب إلى مَعين لا ينضب من المصادر لبناء رواية تستوعب هذا المشهد العريض. ذلك أن العودة إلى التاريخ تشترط توافر مراجع ومستندات ووثائق، تبعث الماضي لا مشهدًا مجرّدًا بل مشهدًا حيويًا. غير أن ما يواجه الكاتب هو ندرة المصادر أو عدم توافرها؛ فالمراجع المتعلقة بالتاريخ العثماني في سورية قليلة، ومثلها الكتب التي تتناول تلك المرحلة في سورية. وعلى الرغم ممّا قام به مؤرخون سوريون وأثمر دراسات ناضجة، فإن جهودهم لم تكف لتغطيتها. وبالنسبة إلى أعوام الانتداب الفرنسي، كان الوضع أفضل، فذاكرة الأشخاص الذين عاشوا تلك المرحلة مدّتنا بالكثير من الوقائع من خلال مشاهداتهم ومذكراتهم. كما
تطرقت الكتب الموضوعة والمترجمة، رغم أنها قليلة، إلى الخفايا السياسية لفترة الخمسينيات والوحدة السورية-المصرية. وفي مرحلة الاستقلال وما تلاها من انقلابات، عتّمت الأنظمة الثورية التقدمية على ما سبقها بدعاوى اتهمت فيها رجالات الاستقلال والعهد الوطني بالرجعية، وضباط الانقلابات السابقة بالمغامرة، فانتسخت من الكتب والأذهان مرحلة صراعات واضطرابات عاصفة ذات دلالة، وبدأ التاريخ الحديث في سورية من دونها. معضلة النقص الفادح في المصادر، وهي معضلة واجهت الروائيين قبل عقود، بدت دعوةً إلى ترميم تاريخ تلك الحقبة بضخ الحياة فيها، وكان الحل في الإقدام على مجازفة اختلط فيها الخيال بالواقع. ومهما يكن من أمر، فقد أُنجزت أعمال روائية استعادت ملامح سورية في القرن الماضي من خلال الأحاديث الشفاهية، والمذكرات المتناثرة، والصور الفوتوغرافية، والخرائط، والذكريات، ومخطوطات لم تُطبع بعدُ، ومن خلال ترسيم الأحياء القديمة مع ملامحها العمرانية التي احمّت من على وجه الأرض. أعمال لم تغب فيها البيئة ولا العادات والتقاليد. وكانت تجربة خالطها الحلم والحدس والتنبؤ والافتراض والحنين والمشاعر الشخصية. لم يكن اهتمام الروائيين بالتاريخ حكائيًا، كما من المبالغة القول إنهم أعادوا كتابته. إن قراءتنا له تفترض، أو تقترح، قراءة ما، ليست أخيرة ولا نهائية. لذا نقول عامّ نكتبه إن له علاقة بالتاريخ. وقد شهدت الرواية السورية انشغالا تختلف درجاته في النظر إليه؛ إذ سيطر على الروائي إحساس بأنه يعيش في وطن بلا مستقبل. ولا يمكن التصدي لهذا المأزق قبل الحفر في الماضي. هناك حسابات ينبغي القيام بها مهما تكن قاسية بالنسبة إلى حاضر متردٍّ. لم تكن المشكلة في محاولة إعادة الاعتبار إلى ماض أُهمل ووُصِم بالجمود، بل كانت في اكتشافه والتعرف إليه؛ فمن لا يهتم بماضيه لا مستقبل له. ليس الهدف كتابة رواية تاريخية، وإنما أخذ العامل التاريخي في الحسبان. تمحورت رواياتي في المرحلة الأولى حول ظهور العسكر وتحولّات المثقف الوطني قبل الاستقلال وبعده، من خلال أحداث مفصلية. كانت محاولات النهوض تتكرر من آن إلى آخر بصورة أكثر ارتجالا ومأساوية وجهلا وتطرفًا ودموية، مصحوبة بالغليان الوطني، وفي ما بعد بالخلافات بين الأحزاب والجيش، ثم داخل الجيش. ففي أعوام ما قبل الاستقلال، وفيما كان الانتداب يترنح، كانت الآمال كبيرة والخيبات أكبر، مع كثير من الأحلام. في رواية موزاييكنشهد بدايات نشوء العسكرتاريا في جيش الشرق، جيش الانتداب الفرنسي، المهد الحقيقي لقائد الانقلاب العسكري الأول حسني الزعيم. ومن تداعيات ذلك انبثق الانقلاب السوري عام 1949، في إثر هزيمة عام 1948 في فلسطين. هذا المنعطف الخط ر في الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال رصدته رواية تياترو بوصفه المفصل المؤسس لما سيليه من تحولّات أتت على الديمقراطية الوليدة، ولن ينجو المجتمع والثقافة والفن من عقابيله. أمّا في المضمار السياسي، فسوف تأخذ الأحزاب المحافظة واليسارية في عين الاعتبار هذه المعجزة الدراماتيكية في التغيير، حتى إنها صارت رتابة في حرق الزمان. وغدت الصورة ساسة يتجيشون وعسكر يتسيسون، ليقف الروائي في بدايات السبعينيات، في رواية صورة الروائي، شاهدًا على ما آلت إليه الأحوال في سورية وانعكاسها أيضًا في الوطن العربي؛ فالانقلاب تداعى إلى انقلابات، وتداعت الهزيمة إلى هزائم وظهور المقاومة الفلسطينية ومحاولات القضاء عليها، ليترافقً ذلك كله مع انتشار القمع في البلدان العربية. وبات تأثير التاريخ الظاهر والخفي جليا في الأفراد والجماعات، أكان هذا التاريخ يدور في الخلفية أم يتربع في واجهة الحوادث. وباتت السياسة تتلاعب بالفن والضمائر، وتذهب بالأخلاق إلى دائرة التنازلات، والعنصر الحاسم في تقرير المصير والمستقبل هو العسكر.
التاريخ كان الوسيلة، وللروائي الحرية في تأويله، والأولوية للعمل الروائي، ولو ارتُكبت فيه بعض الشطحات والمخالفات والتصورات غير الدقيقة، وضُحّي بالصرامة التاريخية على مذبح الرواية. ولهذا تولّت دسائس القصور ومكائد النساء دورًا كبيرًا في سقوط سلطنات وتهاوي عروش في الروايات التاريخية المبكرة. يقدّم الروائي رواية تعتمد على حوادث حقيقية مطعّمة بتفاصيل وشخصيات وحوادث رئيسة وهامشية، يؤلف بينها إلى حد إيهامنا بأنها جرت على هذا النحو تمامًا. يأخذ الروائي من التاريخ مظاهره المادية، ويلتقط من وقائعه الجوهر الذي حرّضه على الذهاب إليه، ولا يتأتى له هذا إال من فرط انخراطه في الحاضر وتأملّه للماضي. وإذا كان التاريخ كتلة تحتوي على الزمان والمكان، جاهزين وملتحمين أحدهما بالآخر، فإن السبر الروائي يزيح الغطاء عن الكامن فيه؛ لا يختبئ وراءه بقدر ما يحفر فيه لكي يتورط في الراهن وفي مستقبل لا يغيب عن النظر، متّخذًا من أحداث التاريخ نواة ينطلق منها خياله وينسج حولها رؤيته، مستعينًا ببصيرته الخاصة، ومستمدًا من حدسه مجازفات في التفسير تصل إلى حد المخاطرة بكشوف هي أشبه بالكشوف الجغرافية والروحية، تمليها رؤيته للتجربة الإنسانية المفتوحة على احتمالات متعدّدة. وقد يتوصل أحيانًا إلى حقائق قد يعجز عنها المؤرخ، وهي مجرد رؤية، خليط من بصيرة وحدس وتوقّعات غامضة، لا يستطيع هو نفسه تفسيرها بدقة. التاريخ بالنسبة إلى الرواية موضوع لصيق بها. ومن حسن الحظ أن الرواية ليست بحكم طبيعتها مخصصة لشيء دون آخر، فمجالها متسع، من تحرّي دقائق النفوس البشرية إلى آفاق العالم الشاسعة، مرورًا بالأزقة الخلفية للمدن. وهذا لا يعني تضييق الرواية ولا تمييعها، بقدر ما يعني قدرتها على اقتحام مناطق شتى، حتى تلك التي تحظرها المجتمعات والقوانين والأعراف. غير أن علاقتها بالتاريخ ستبقى ملتبسة مادام هناك من يسبغ عليها ما هي بغنى عنه. الروائي ليس بديلا من المؤرخ مادام هناك من يكتب التاريخ. الروائي أكثر تواضعًا في التاريخ، وأوسع طموحًا في الرواية. ولا أتصور الكتابة بالتضاد مع التاريخ، أو تزويره، فهو ببسيط العبارة متغلغل في ثنايا النظر الروائي، ويصح القول إن ليس هناك من رواية تركت أثرًا قويًا لم تسترشد به.
الزمان والمكان
شكّلت مدينة دمشق بالنسبة إليّ بؤرة تخييلي خلال المرحلة الأولى من عملي الروائي؛ ففي الرواية الأولى موزاييكانعكست المدينة بمعالمها الكبرى، بشوارعها وحاراتها وأزقتها عام 1939، عشية الحرب العالمية الثانية، والأعوام الأخيرة من الانتداب الفرنسي. كما أنها انعكست في الرواية الثانية تياترو، حيث تجري وقائع الانقلاب الأول عام 1949. وتناولت الرواية الثالثة صورة الروائيبدايات الهدم في أحياء دمشق القديمة أوائل السبعينيات، وتداعي ذاكرة المكان وانهياره على وقع التحديث القسري. في هذه الروايات الثلاث، لم أتخيّل دمشق، بل كانت مكاني الشخصي والواقعي، استعدت ملامحها القديمة من الذكريات والمشاعر، وحصلت على مادة غزيرة ليست في الحسبان. نظن أننا بلا ذكريات، لكن الحاجة والدأب والإحساس، كلّ ذلك يكفي استخراج الماضي من الظلام، لاسيما أنه لا يزال فاعلا في الحاضر. ولقد كان التحريض فعالا، وأستطيع القول: إذا كان إحساس الكاتب بالمكان قويًا، فلن يبخل عليه بتفاصيله الحميمة. في ذلك الوقت، لم تجذبني مقولة اختراع مدن متخيَّلة، ولا استعارة أسماء بديلة للمدن أو للبلاد. بالعكس، توخيت أن تكون موثّقة تبعًا للمرحلة التاريخية التي قاربتها؛ فدمشق 1939 ليست حجارة وآثارًا فقط، بل معالم واقعية، ومكان ينبض بالبشر ويحفل بالحياة والعشق والنزوات والأهواء.
كان اختياري واضحًا، وهو عدم تلط ي المكان وراء أسماء وهمية، مهما يكن العائد الروائي سهلا وجيّدًا. هذا ما أعرفه بحكم التجربة، فالرواية التي تختلق مكانها الخاص أو تبنيه توفر حرية أكبر، وحركة أوسع، فيتبدى في إقصاء المكان الواقعي، بغية إيجاد تركيبة خليط من عدة مدن، فلا تركيز على ملامح مدينة محددة. لكنني تعمّدت أن أكون أمينًا للمدينة التي أعيش فيها، لسبب رئيس هو أن هذه المدينة لم تأخذ نصيبها في عالم الأدب، أكان مديحًا مفرط ا أم تزييفًا لدورها. ولعلَّ للسرد الروائي أن يكون أقدر على تلمّسها من دون إسباغ الرومنسية عليها، أو التعامل معها كأيقونة، مكتفيًا بتحديد الحيز المفترض أن تحتله، بلا مبالغات سقيمة. حاولت أن أُبقي دمشق 1939 ودمشق 1949 ودمشق أوائل السبعينيات كما كانت في تلك الأزمنة، الأمر الذي دفعني إلى رسم خريطة لكل فترة منها. ومن الطبيعي أن تختلف الواحدة عن الأخرى، بمعالمها وملامحها، أو ببعض تفاصيلها الصغيرة، وأحيانًا الكبيرة. وحاولت إعادة تركيبها من منظور القرن الماضي وبما يقارب الأصل. لا يعني المكان في الرواية الديكور، ولا الخلفية المرافقة للحدث الروائي فقط، فهو عدا عن دلالته على حركة الزمان وتجلياتها على الأرض، وما يضفيه من إبهار وما ينفضه من غبار عن الأشكال المثيرة للمدينة، المتزمتة منها والمتهتكة، في روعتها وقبحها، أو بذخها وبؤسها، يساهم بطريقة تموضعه في البناء الروائي، بقول روائي متميز، فيختزل التعبير ويكثّفه، موحيًا بأحاسيس شتّى، من الانطلاق والحلم إلى القسوة والإحباط والإحساس بالاختناق والتوق إلى التغيير، والحنين إلى زمن مضى.... مشاعر يشق حصرها. لا تمنحنا المدن خصوصياتها بسهولة؛ فهي ليست بضاعة معروضة للتفرج ولا للبيع، لا يقتنصها العابر ولا حتى المقيم. تبُرز للسياح مظهرها المخادع، البارد والساخن، والمعسول عادة، والمبذول. لذلك تبدو دمشق مدينة محافظة ومذعورة، وفي الوقت نفسه مدينة منفتحة وودودة. وهذا وليد قرون سابقة عانت فيها الغزوَ والانتهاك. ولقد أتقنت دمشق إخفاء أسرارها، وأصبح المكان يربض وراء أسوار من العزلة والتمويه. تتبدى خصوصية المكان في البيت الدمشقي. وهو، مثل أي مكان آخر، له مفاتيحه: الباب الذي لا يوحي بما خلفه، الدهليز، فالقسم التحتاني من البيت؛ باحة الدار، الليوان، القاعة والصاليا، المطبخ، ثم الدرج المؤدي إلى الفوقاني؛ غرف النوم، الشبابيك المطلة على الحارة، الخص، الفرنكة، ومن ثم السطح. عدا ما يحتويه من دخلجات مثل، الداكونة، بيت المونة، الليوك. لا يمكن الكتابة عن العقود الماضية وما جرى فيها من صراعات، من دون أن تسرق دمشق الحدث الرئيس على المستوى السوري، وأحيانًا على المستوى العربي؛ إذ إنها مثّلت المسرح الصاخب للصراع بين العسكر والأحزاب، القديم والجديد، البرجوازية والاشتراكية... مسرح تحكّم بمشهدي الروائي، ومنه استمد أبعاده وإيقاعه وحيويته. وكان صاخبًا وخاسرًا، باهظ الكلفة لبعضهم، وفريسة مثيرة لبعضهم الآخر، وكلا الاستعراضين كان من سقط متاع مدينة أشرعت أبوابها، وأغلقت روحها، فلم تؤرقها العواصف السياسية، ولا ضجيج الأسلحة، أو تغويها أيديولوجيات زعمت أن لديها الوصفة السحرية الناجعة للتطور والتقدم والاشتراكية والحرية. فدمشق التي أخذ العسكر يحتلونها ويشوهونها ويستثمرونها كمشروع تجاري رابح، انكفأت على نفسها، بعدما اعتادت احتضان الوافدين إليها. لكن، كما المدن العريقة، لا يمكنها إلا أن تغتني بالبشر، وأن تتجدد بالبشر. فرأيتها كما تمنيت، تخلع أرديتها الحذرة والمرتابة، وتخرج من عزلتها مغسولة من آثام الظلام والاجترار. هل هذه نقطة ضعف يعانيها الكُتّاب حيال مدنهم
بالذات، يرونها كما يشاؤون؟ الأمر أعقد من هذا كثيرًا. لا يخترع الكاتب أهواءه ولا أمزجته، الأهواء مثل الأمزجة المبتدعة، تمييع للمشاعر. الهوى ينبغي أن يكون مخلصًا، والرؤية منزّهة عن الصغائر، وكافية لاستفزاز الكاتب كي يكتب رواية، ويتحمّل عناء إضافيًا، بإضافة مهمة أخرى، استخلاص تاريخ مدينة من زمن مضى. لا أنكر أنني أُخذت بجمالياتها، وحاولت أالّ تكون على حساب المعمار الروائي. ومثلما يشيّد المهندسُ الكاتدرائيات ويصمم بيوت المستقبل، ويبني السينمائيُّ في الأستوديو قصورًا قديمة ومحطات فضائية، ويرسم المؤرخُ طرق مواصلات برية وبحرية ومواقع حربية، لا يملك الروائي عند ترميم المكان إلا الضياع في الأزقة والحارات والشوارع والساحات، ليعبر منها إلى الداخل البشري. إن التزمّت لدى المهندس والمؤرخ لا يوازيه التشدّد لدى الروائي والسينمائي، لمتطلبات ليست شخصية أو فنية فقط، وإنما لرؤية إنسانية وأخلاقية أيضًا. ثمة علاقة تبادل بين الكاتب والمكان؛ فبقدر ما يتلمّس الكاتب صميمية المكان ومعالمه من الداخل والخارج، يمنحه هذا المكان سندًا واقعيًا لروايته. وفي المشهد الروائي لا ينجو المكان من الزمان، أكان هذا الزمان محددًا أم غير محدد، فيتدخل في الحدث، ويرسم صورته ويؤطره. كما أن الزمان لا يفلت من المكان، فحتى الأحلام الطافية فوق الزمان تستعير أمكنتها من الواقع. مهما تكن الرواية التي يريد الكاتب كتابتها، فلابد من تلك الرقع المكانية التي تشكّل خريطة عمله، أي، ببساطة شديدة، لابد من إيجاد الفضاء المكاني الذي سيتحرك فوقه البشر، الساحات، الشوارع، المقاهي، الأسواق، الحمامات... من هذا الموقع، كتبت عن مدن حقيقية: بيروت، القاهرة، القدس، باريس... ففي موزاييك، ذهبت إلى باريس العقود الأولى من القرن العشرين، باريس مدينة النور والليل والأرصفة، وعالم الأضواء والنزوات، عبر مقاهي الأدباء وورش عمل (أتولييه) الفنانين، ومسارح الأوديون والليدو والكوميدي فرانسيز. وفي تياترو توقفت مطوَلّا في القاهرة خلال النصف الأول من القرن العشرين، الشوارع تلتهب بالثورة وتعج بتظاهرات «الاستقلال أو الموت الزؤام»؛ مدينة لا يتخلّف عنها الفن والطرب، شارع عماد الدين ومسرح رمسيس والأوبرا وحديقة الأزبكية حتُيي ليالي الأنس بالغناء و«الفرفشة». وفي صورة الروائيتجولت في المشرق والمغرب، وكنت شاهد عيان على المشهد الحزين، المهيب والمفجع لغياب عبد الناصر، وما تلاه من متغيرات سياسية في مصر والأردن والسودان والمغرب. حول روايات المرحلة الأولى، يمكن القول إنني أكتب رواية لها علاقة قوية بالزمان والمكان، من دون أن يستأثرا بها، روايةً تغرف من التاريخ من غير أن تلتحق بصفحاته، لا لأنها لا تضاهيه، بل لأنها تنحو إلى عقد شراكة معه، يمنحها المادة الخام، وتمنحه في المقابل شبهة الحياة، مموهة بوقائع وحوادث مضت، مع صلة بالآن غير باطلة. لا يعيد الروائي كتابة الماضي، ولا يكرس له رواية تُقَ أدواهتُا عنه وتتجاوزه في آن واحد. إن جهده أقل ممّا تتطلبه أمانة التاريخ توثيقًا وحذرًا، وأكثر انتقاءً واجتزاءً. وإذا توهم أنه ينبش فيه لينقذه من الوقائع المهذبة والسري المشذبة، فهو في الحقيقة يذهب إليه ليحمله إلى الحاضر، ويرسله إلى زمان هو زمان الرواية، وخيُ ضعه لمنطق هو منطقها.
مواضيع ومسالك جديدة
أسست روايات المرحلة الأولى لأعمالي الروائية التالية، وفتحت آفاقًا على صعيد الشكل والمضمون. ولم تعُد الإضافات بعدها مجرد تنويعات على ما كتبتُه، بل توجّه نحو مواضيع ومسالك أخرى، وهدفي تلك اللوحة الضخمة التي يكتب الروائي جزءًا منها كل مرة، وأمنيته أن ينجز منها أكبر قدر ممكن قبل أن
يودع الحياة. لم تعد اللوحة غائمة، كانت تتوضح، تغطي سورية والمنطقة العربية، وتذهب بعيدًا إلى قلب العالم. الروايات التالية لم تكن مقطوعة الصلة عامّ سبقها؛ فالهمُّ الاجتماعي والسياسي والفكري مازال نفسه، وإن ازداد اتساعًا. والتاريخ استمر مهيمنًا في روايتي الضغينة والهوى، وانكشف الصراع على سورية في منتصف القرن الماضي على مستويات عدة: سياسية، دينية، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، دبلوماسية، جاسوسية. وفي الصميم منه الصراع العربي-الإسرائيلي. في الرواية هذه، احتوى المشهد الروائي على منظر داخلي محلي ومنظر خارجي دولي، وشخصيات عربية محلية، وأجانب من جنسيات مختلفة، تسير على عدة خطوط مستقلة بعضها عن بعض، تتقاطع على طول الرواية. ليس ثمة من وثائق حقيقية بالمعنى الحرفي للكلمة، أي وثائق نستطيع العودة إليها، غير أن خلفيات الرواية واقعية تمامًا من حيث المناخ السياسي والاجتماعي وجغرافية المكان، فكلّها موثقة. وإذا كانت الشخصيات الرئيسة أدّت أدوارًا واقعية في الأحداث السياسية، فهي تتجاوزها بحيث تمثّل نماذج اللاعبين الأساسيين طوال تلك الفترة. تدور الحوادث بين بيروت ودمشق والقدس، امتدادًا إلى سيناء، دير القديسة كاترين. المشرق العربي في مواجهة الهجمة الغربية بمستوياتها المتعددة، من خلال تركيبة معقّدة، بسبب تعدد الخطوط، وتنوّع الأصوات، وآلية السرد المتوترة. عالم غير مختلق، حقيقي في الصميم، شخصياته ما زالت تنسخ أشباهها حتى الآن. تقصّدتُ في الضغينة والهوىالكتابة عن الغرب، عن هؤلاء الآتين من هناك؛ مبشرون ودبلوماسيون، عملاء مخابرات ومغامرون، منقّبون عن الآثار وجواسيس، ممثلو شركات نفطية ومراسلو صحف، محمَّلون برسالات ومهمات، بتنبؤات ومخططات وأوهام. مثلما هي عن المشرق في الجانب السياسي منه، المتمثّل في رئيس الجمهورية، رؤساء الوزارات، والأحزاب ورجالاتهم، الضباط الكبار. كان لهذه الرواية القدرة والقابلية لأن تكون عملا مثيرًا عن الشرق على النمط الغربي، لكنني اخترت العكس، الغرب بعيون الشرق، فالصراع مازال على حاله، متجسدًا على الصفحة نفسها بلا أوهام. هذا في حين أن رواية الولد الجاهلكانت عن المثقف الذي رافقناه طوال روايات ثلاث، ينتقل من عصر إلى عصر، وها هي الثورة في الأعوام التي استقرت أمورها، باشرت بإلغاء ما سبقها، وتصفية رجالات العهود التي أمست بائدة. وأصبح المثقف، كاتب القصص القصيرة، وجهًا لوجه إزاء سلطة تريده عميلاتًابعًا لها، ومواليًا حتى العظم، بتوظيفه لمهمات خاصة ليست إلا الإيقاع بكل من تشك في معارضته لها، مستغلة موهبته القصصية في التبرير لجرائمها وسياساتها. بعد تينك الروايتين تتابعت روايات ثلاث: مرسال الغرامومشهد عابر والمترجم الخائنفي ما يشبه سلسلة مترابطة، تتناول ما آلت إليه أحوال البلاد من تدهور، وتفضح الفساد المستشري في الدولة والمجتمع، بنظرة انتقادية لا تخفي سخريتها السوداء، ولا تستثني من هجائيتها السليطة عوالم السياسة والمال والفن والثقافة، بأسلوب مباشر واقتحامي، مسمّية الأشياء بأسمائها، مستعرضة دونما تلميح أو مواربة موزاييك الفساد وآلياته وأساليب عمله ومفرزاته، وتفاصيل أخرى لا تقل أهمية، مثل ظاهرة «الكولبة» و«الشبيحة»، تُكتب روائيًا للمرة الأولى، بلا لفّ أو دوران، أو حتى رمز أو استعارة. تكشف عن الواقع عاريًا بكل فجاجته وقسوته. الشخصيات والحوادث المروية تتطابق مع ما نعرفه ونعيشه. تذهب مباشرة إلى المناطق التي كانت محرّمة على السرد لحساسيتها من جهة، ولكونها غير محبذة فنيًا من جهة ثانية، غالبًا ما يتهرب منها الأدب! بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، إلى ما هو أكثر خطورة، وهو الخوض في وحل الواقع،
غير آبهة بالحواجز والممنوعات الشائكة. هذا الخيار السردي بنى منطق الرواية عبر عملية التحكّم في أسلوب السرد، والدقة في التعبير، وتداعي الانتقال من مشهد إلى مشهد، ومن حكاية إلى حكاية، وطريقة القطع والوصل. وسوف أرتد في روايتي عزف منفرد على البيانو إلى المثقف الذي أصبح علمانيًا في مواجهة مع الدولة وأجهزة مخابراتها، والخطر الأصولي في آن واحد. ومن بعدها الذهاب إلى العراق في رواية جنود الله إبان الغزو الأمريكي، ليسترد أب ابنه المجاهد من تنظيم القاعدة. وفي العراق أيضًا تدور حوادث خطوط النار، الرواية الأخيرة، لتطرح العلاقة بين نحن والآخر في أقصى تجلياتها خلال احتدام المعركة ضد الإرهاب. الروايات الأخيرة حرّكتها شواغل فكرية، عدا عن مخاوفي من تفاقم أجهزة الدولة الأمنية، وتعاظم الأصولية والتنظيمات الإرهابية، وتساؤلاتي حول المثقف، الآخر، الإسلام، الجهاد، مع التركيز على الفساد، وكان مبررًا قويًا لتورطي في مواجهة الواقع الراهن. ما حفزني على المضي في هذا الاتجاه هو أنه لا يمكن تجنّب ذلك الموضوع الذي يبدو أزليًا: الفساد، معضلة الحياة الكبرى، وما يطرأ من تحولات على المجتمع، وما يصيب البشر من تفسّخ روحي وأخلاقي. وسواء اندلعت شرارة الرواية من فكرة أو من الواقع، فإن النص يستحضر تقنياته؛ يأتي مع الفكرة أو يتأخر عنها، ويطرح وإيّاها إشكالاتهما على مدار الرواية ومن غير توقف، خاصة إذا وعينا بأنه ينبغي للتقنيات عدم الخضوع لجاذبية الزي الأدبي، أو تسل ط غواية السائد؛ إذ مهما تبلغ الأشكال من ابتكار وج دّة، فلن نكتب تحت تأثيرها سوى رواية من هراء، ومهما تكن الأفكار عظيمة، فلن نكتب تحت حمولتها سوى رواية بليدة. ومن المنطلق نفسه، أقول ليس في وسع الكاتب أن يستعير الأفكار التي سيكتب عنها، إذ هي في الصميم أفكار الآخرين، موجودة في سياقات مختلفة. وإذا خُيّل إليه أنها تشبه ما يرغب في كتابته، فلن يكون مبعثُ إغرائها سوى أنها جاهزة فحسب. لا أحد يكتب عوضًا عن الآخر، وليس لأحد أن يكون بديلا من أحد، مهما تكن النوايا متشابهة، أو حتى متطابقة.
مصادر الكتابة
الرواية لا تنفصل عن الحياة. ويجوز القول إن الواقع هو المصدر المعتمَد في الكتابة، فحتى الرواية التاريخية تحكمها تساؤلات الحاضر وهمومه، ولولا الواقع لما اجتازت روايات الخيال العلمي العصور الآتية. وربما لا تعدو الحياة بالنسبة إلى هؤلاء المستغرقين في لعبة الكتابة كونها تجارب قابلة للاقتناص، أو مادة خامًا غنية ومؤهلة للنقل إلى الورق، بعد إجراء التعديلات عليها. في الحقيقة، لا يتورع الكاتب عن استغلال أي حدث إذا كان صالحًا للاستخدام روائيًا. لكن ثمة أمورًا في الحياة لا يمكن الكتابة عنها، إن لم تُعَش بالفعل، لا لأنها تستحق العيش، بل لأن الإحساس بالرعب والظلم والغبن هو مقياس جدارتها. نمتح نحن الروائيين من مخزوننا الواعي وغير الواعي، وقصص الحياة المبذولة من حولنا، والتي تجد طريقها إلينا، وقد يبدو للآخرين أننا لا نفعل سوى استدراجها إلى صفحات الورق. يعربّ بعض الروائيين عن خشيتهم من تسلط الواقع، ويأنفون من تقليده، فهُم بقوة خيالهم يستعيضون عنه ببدائل متنوعة، ويزعمون أن رواياتهم تبتكر ما يتفوق عليه، وهي بالمقارنة به تمنح الحب طعامً مثيرًا، وتسبغ على الجريمة ألقًا جذابًا، عدا عن أن الفن أثبت أن ما يبتدعه من طموحات وآفاق وفتوحات تتجاوز الواقع الهزيل، ويقدم ما تعجز عنه الحياة، خيرًا كان أو شرًا. ما ينساه الروائيون الذين يؤمنون بالخيال وبقدراته
الخارقة، هو أن الحياة هي المعين الأوحد للرواية، بحكم ما تنطوي عليه من فوضى هائلة، من اختلاف الطبائع والمطامع والمشاعر والإرادات والتطلعات، لا تكف عن توريط البشر بالحب والأخطاء والخطايا والنزاعات والضغائن... وغير ذلك ممّا يستعصي على العقل استيعابه. ولا عجب، فهذه هي الحياة، والبشر يحاولون ترتيبها على نحو أكثر إقناعًا ومعقولية، غير أن الحياة تمتلك وسائلها العابثة، كالمصادفة، وهي أمر يعسر حتى على الخيال توقّعها، وإن كان من اليسير على الروائي اختلاقها، غير أنها لن تكون بهذا الشطط، وغير محيرة، لحدوثها في عالم متخيَّل، في حين يجسد الواقع حضورها المفاجئ، السلبي أو الإيجابي، هنا بمرمى أبصارنا. ألم يقف الروائيون عاجزين أمام جرائم شق عليهم تصورها وتفسيرها، وفهم الدافع لارتكابها؟ لا تتفوق الرواية على الواقع إلا بذهابها إلى الواقع، لا لتحاكيه، بل لتتكهن مصائر البشر في معمعة الزمان، وتستخلص منها معاني العظمة والسفالة، الجنون والحكمة، السقوط والنهوض... إن الإفراط في الخيال تفريط بالإنسان والحياة معًا. الواقع أولا، فإن لم تكن أقدامنا ثابتة على الأرض، فلن نستطيع التحليق بخيالنا عاليًا. ثراء الحياة وبؤسها منحا الروائيين أكثر من ذريعة لاقتفائها والخوض في غمارها، فلم تبخل عليهم بشخصيات وحوادث تخطّت خيالهم الروائي. الموهبة لم تعثر عليهم، أو تتعثّر بهم، الواقع هو الذي قدّمهم إليهم غنيمة باردة. وليس من العبث اليوم الزعم أن الرواية الواقعية ما زالت تهيمن على المشهد الروائي العالمي، ولا تبدو حتى الآن الأشكال والتجارب الروائية التي ظهرت منذ مطلع القرن العشرين، أكثر من محاولات جريئة ساهمت رغم خطورتها في تثبيت دعائم الرواية الواقعية ذاتها. ومن المفارقات والمثير فعلا أن جميع التجارب الروائية الناجحة، التي أثبتت مكانتها في تاريخ الرواية وفعاليتها في مضمار الفن الروائي، أ ضيفت إلى حساب الرواية الواقعية، أكان تيار الوعي أم الرواية التي تبنّت أفكار الفلسفة الوجودية ومفاهيمها وتبنّت التحليل النفسي الفرويدي أم الرواية الجديدة الفرنسية والواقعية السحرية، وحتى ما سُمّي ضد الرواية. هل يستطيع روائي في العالم أن يهمل تلك الذخيرة الفاتنة؟ كل هذا أصبح في رصيد الرواية الواقعية. تمتلك الرواية منجزًا تقنيًا عالميًا، ليس نهائيًا ولا جامدًا؛ منجزًا قابلا للتصرف فيه بحرية. الرواية، أسوة بغيرها من الفنون، لم توضع فيها القواعد إلا لتُخرق، ولقد ألححت دائامً على هذا الرصيد الثمين: الحبكة، الشخصية، الرمز، مستويات السرد، تيار اللاوعي، اللغة.. والأهم، المعمار، الذي يشكل «التيمة» العليا الجامعة ل«تيمات» صغرى قد تبدو شطحاتٍأو استطرادات وتداعيات هائمة على وجهها في الفضاء السردي، إن لم يضبطها البناء الروائي نفسه في معمار هو: المظهر الأعمق للرواية. يعمل الروائي في عالم واقعي يتأمله بإمعان ويقتحمه بالخيال؛ عالم لا يأتيه جاهزًا، وبالأحرى لا يراه منظام ولا منتظامً؛ عالم من آمال وخيبات وخفايا، رحب ومتشعب؛ عالم له تاريخ، يضعه إزاء راهن يرحل بلا هوادة، ومستقبل يأتي أو لا يأتي، يلوح بلا نهاية؛ عالم يحاول ضبطه، يختار يشذب يقصي يختزل، وفقًا لصيغة ما، هذه الصيغة هي رؤيته الخاصة، وهي التي ستشكل روايته. الرواية هي السعي إلى إعادة تشكيل عالم واقعي مبعثر ومشتت، نمنحه تصورًا متسقًا من خلال الخيال. وفي رأيي، تبقى النصيحة المثلى دائامً هي أن يكون الحس النقدي للروائي نفسه رقيبًا مغاليًا على شطحاته الخيالية والمزاجية من مواقف ولغة، والالتزام بالبناء الروائي وإعطائه الأولوية، واعتبار كل ما عداه مساعدًا في تركيبه؛ إذ لا يمكن فهم أي تجربة أو إدهاش، أو قوة لغة أو حتى انسياب أفكار، إلا
ضمن بناء متناسق، ليس المهم تذوقه فحسب، وإنما إدراكه أيضًا. في وقت ما، اعتقدت أنني أكتب رواية تقاعس من سبقوني عن كتابتها، وكأن الكتابة تكليف بمهمات توزع بحسب الأجيال والطوارئ، وكنت مخطئًا: الروايات لا تخضع لعشوائية الظروف القاهرة، كما لا تقبل أن تكون تكليفًا مخطَّطًا له. الأقرب إلى التخمين والفن، أنها حاجة قصوى إلى شيء ما نندفع إلى التعبير عنه. عالم الرواية لا يُعنى بالأجيال ولا يؤخذ بالتصنيفات؛ إذ ليس في هذا العالم سوى روائيين يحملون على عاتقهم رواياتٍ لا تثقل كاهلهم بقدر ما تثقل ضمائرَهم، ودائامً من يوم حساب إلى يوم حساب. تتركز إشكالية الروائي مع عصره، حول كيف يكتبه، ويعربّ عنه، وهو في داخله، ويظن نفسه أنه يستطيع أن يكون خارجه. الرواية عملية تلاؤم بينهما، يستخدم فيها الروائي عُدّة ما برحت تزداد مضاء، ومن الغرور ازدراء بعض الأساليب الروائية بدعوى انتهاء صلاحيتها، أو تطويب شكل روائي على أنه الأفضل والأنجح. لا يستطيع أي شكل روائي، مهما يكن حداثيًا، أن يستوعب الإنسان وإشكاليات الحياة المختلفة. الروائي يجرب، وتجربته غير نهائية، وربما في قصور التجربة نفسها، دعوة إلى التخبط، مصادفة أو عمدًا؛ والرواية نفسها أفق مفتوح، ولا مبرر لإغلاقه. وهي تكثيف لمركزية الإنسان في الكون؛ الإنسان صانع المعجزات العظيمة ومرتكب الحقارات المروعة، وإذ تضعه في صلب التاريخ، تعي مأزقه الخالد، المستحيل دائامً: مأساة التلاشي في عالم يمضي نحو المجهول. الرواية شيء ما أقرب إلى الحياة، نحاول أن نتمثّلها. ويتراءى لنا -على الورق، ومن خلال زمان يتدفق ومكان يتغير، وحبكات فالتة ومشدودة، وشبكةٍ تضل فيها اللغة مهما تبلغ من الدقة، وسرد طويل يقترب نحو النهاية وبلا نهاية، ومعمار نجهد للحؤول دون انهياره فوق رؤوسنا- أننا نرمم الحياة فيما نحن نرمم ذواتنا، ونحاكي عبث الحياة بعبث الرواية. في روايتي الولد الجاهل، تسأل الكاتبة المعروفة، على حين غرة، الكاتب الناشئ: لماذا تكتب؟! بعد تفكير طويل وتردّد أطول، يجيب الكاتب الناشئ خائبًا: لا أدري!! ومثله أتنبأ بأن العمر سيمضي بي من دون أن أعرف بالضبط لماذا أكتب!! إذ تخطر لي عشرات الدوافع، لهذا كانت الكتابة ضرورية لي. على أن الأمر الذي أنا متأكد منه هو أنه ينبغي أن نكتب رواياتنا بشجاعة وإخلاص؛ ففي هذه المنطقة من العالم، لا يحق للروائي أن ييأس.