Return to Article Details The Fields of Sloterdijk: Spaces of Coexistence

مجالات سلوترديك فضاءات

The Fields of Sloterdijk: Spaces of Coexistence

هيئة التحرير

الملخّص

يرى سلوترديك أنه من واجب الفلاسفة المعاصرين أن يفكروا على نحو محفوف بالمخاطر، وأن يدعوا أنفسهم التي تتخطّفها التعقيدات المفرطة المعاصرة ، إلى نبذ عالمنا الإنسانوي والقوموي المعاصر من أجل أفق أرحب، مسكونيّ إيكولوجي وعالمي. وتقيم فلسفة سلوترديك توازنًا بين الأكاديمية الصارمة وإحساس مناهض للأكاديمية .

Abstract

Bubbles: Spheres: الكتاب Peter Sloterdijk: الكاتب Wieland Hoban: المترجم Semiotext (e): الناشر

الكلمات المفتاحية:
  • مجالات
  • بيتر سلوتريك
  • فضاءات
  • الكينونة
Keywords:
  • Sloterdijk
  • Osho
  • Contemporary Philosophy

تاريخ النشر: 2011، الأصل الألماني 1998 عدد الصّفحات: 464 ربمّا كان كتاب بيتر سلوترديك مجالات، الصادر بالألمانية في ثلاثة أجزاء، حت فة هذا المفكّر الألماني، الذي لم تَعدم كتبه الأخرى الشهرة، خاصة كتابهّنقد العقل الكلبي، الذي نشُر بالألمانية عام 1983 (وبالإنكليزية عام 1988 وغدا)، واحدًا من أكثر الأعمال الفلسفية رواجًا في اللغة الألمانية منذ الحرب العالمية الثانية، بل واحدًا من أهم الكتب في القرن العشرين، في حسبان ناقد متابع مثل تيري إيغلتون. ولقد نشُر الجزء الأول من مجالات، وعنوانه فقاعات: علم المجالات الصغرى، في العام 1998، ليتبعه الثاني، كرات: علم المجالات الكبرى، في 1999، ثم الثالث، زبد: علم المجالات المتعددة، في 2004. وصدرت ترجمة الجزء الأول الإنكليزية التي أنجزها فيلاند هوبان (Hoban. W) في أواخر العام الماضي (2011)، على أن يصدر الجزآن الآخران خلال العام المقبل أو العامين المقبلين. إن ما يتناوله هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة هو «فضاءات التعايش»؛ تلك الفضاءات التي تُغْفَل عادةً لشدّة بدهيتها، على الرغم من أنها تنطوي على معلومات حاسمة كفيلة بأن تمضي بنا أشواطًا بعيدة في فهم الإنسان. ويبدأ استكشاف هذه المجالات بالفارق الأساسي بين الثدييات وسواها من الحيوانات. ويستخدم كلّ جزء من هذه الأجزاء فكرة «المجال» بطريقة مختلفة، لكنها طريقة تتكامل مع الطريقتين الأخريين، إذ يُكرَّس الجزء الأول، فقاعات، للمجالات أو الفضاءات الصغرى الأشدّ حميمية:

مثل رحم الأم ونعيمه البيولوجي والطوباوي الذي توفّره علاقة المشيمة-الجنين الكيانية (الأنطولوجية)؛ ذلك النعيم الذي يحاول البشر استعادته من جديد عبر العلم أو الأيديولوجيا أو الدِّين، ومثل العلاقة بين العشاق، والعلاقة بين الذات الإنسانية والإله. أما الجزءان الثاني والثالث، فيعنيان بأنواع أخرى من المجالات أو الأرحام الكبرى: مثل الأمم، والدول، والعالم بوصفه فضاءً كونيًا واحدًا كبيرًا، وتلك الشبكة المعاصرة اللامركزية من المجالات الاجتماعية والثقافية التي انهار فيها مفهوم الكلية المركزية الذاتية البناء- الدِّين، الأسطورة، العلم، التنوير -وبتنا نعيش في خضمّ من المجالات المتشظية إنما المتمادية التي يشبّهها سلوترديك ب «الزبد.» وعلى الرغم ممّا قد يبدو من ألفة بين مجالات سلوترديك هذه وعالم ما بعد الحداثة -إذ يحلل تلك المجالات التي يحاول البشر سكناها، لكنهم لا يلبثون أن يخفقوا نظرًا إلى سرعة تمزّقها وما ينجم عن هذا التمزق من أزمات حيوية- فإن سلوترديك ينتهك ذلك الزعم الما بعد الحداثي الذي أفصح عنه جان فرانسوا ليوتار، ومفاده أننا تخط ينا عصر «السرديات الكبرى»، عصر تلك البنى والأفكار الشمولية الكلية التي فقدت طاقتها التفسيرية أمام تحديقة الذات الما بعد الحديثة المشكِّكة. وكان سلوترديك، في كتابه في القارب ذاته، قد ازدرى «ارتياح» أولئك الذين يعتقدون أنه لم يعد ثمة مجال للسرديات الكبرى. ومع أن على من لا يقرأون الألمانية أن ينتظروا قليلا قبل أن يتاح لهم تقييم كتاب سلوترديك بأجزائه الثلاثة، فإنفقاعاتيسوق المرء إلى أن يتوقّع أالّ تكون ثلاثية سلوترديك سوى سردية كبرى عملاقة، متعدّدة ومتداخلة وغريبة، وتمرين جَسور وبطولي في التاريخ الكوني، من ذلك النوع غير المعتاد، بل المهول، والمنطوي على تحدٍّ عظيم. ولد بيتر سلوترديك في 26 حزيران/ يونيو.1947 وهو فيلسوف، وعالم ثقافي، يدرّس الفلسفة ونظرية الإعلام في جامعة كلسروة للفنّ والتصميم. وكان قد درَس الفلسفة والدراسات الألمانية والتاريخ في جامعتي ميونيخ وهامبورغ. وهو منذ 2002 ضيف شبه دائم على التلفزيون؛ إذ يشارك منذ ذلك الحين في البرنامج التلفزيوني «مَن بيته من زجاج: المربّع الفلسفي»، الذي كرّسته القناة التلفزيونية الألمانية ZDF لمناقشة القضايا المعاصرة الأساسية مناقشة معمّقة. ويمكن القول، في إيجاز فلسفة سلوترديك، إنه يرى من واجب الفلاسفة المعاصرين أن يفكروا على نحو محفوف بالمخاطر، وأن يدعوا أنفسهم «تتخط فها التعقيدات المفرطة المعاصرة»، وأن ينبذوا عالمنا الإنسانوي والقوموي المعاصر من أجل أفق أرحب، مسكونيّ (إيكولوجي) وعالمي. وتقيم فلسفة سلوترديك توازنًا بين الأكاديمية الصارمة وإحساس مناهض للأكاديمية (يظهر مثلا في اهتمامه المتواصل بأفكار أوشو، الذي صار من مريديه في السبعينيات.) ولعلّ الميزة الأهم في فكر سلوترديك هي رفض الثنائيات: الروح/الجسد، الذات/الموضوع، الثقافة/الطبيعة.. إلخ. ذلك أن تفاعلات أطراف هذه الثنائيات تخلق «فضاءات تعايش» وفضاءات «تقدّم تقني مشترك» هي عبارة عن واقع هجين إلى أبعد ما يكون. ويُشار إلى فكر سلوترديك في بعض الأحيان بأنه «ما بعد إنسانوي»، إذ يسعى لأن يجْمع معًا مكوّنات متباينة لطالما عُدّت مستقلة بعضها عن بعض، حتى إن الأمر يصل به إلى حدّ إقامة «تكوين أنطولوجي» يشتمل على جميع الكائنات، من بشر وحيوان ونبات وآلات. ولعلّ ضروب السجال التي أثارتها أعمال سلوترديك أن تكون من المداخل المهمة إلى فكر الرجل، بدءا بكتابه نقد العقل الكلبي، الذي لم يقتصر على جلب الشهرة والاحترام لسلوترديك بل أثار أيضًا قدرًا من السجال الجديّ بهجومه على ما دعاه «الوعي الزائف المستنير»، أو حالة الإيمان الكلبيّ الرديء التي أحدثها تراث مديد من إزاحة الأقنعة وإزالة التعمية، بدءا من

التنوير وصولا إلى تلك الذروة التي مثّلتها النظرية النقدية في مدرسة فرنكفورت. وكان من الطبيعي لكتابة سلوترديك الغزيرة في الدِّين والثقافة والسياسة والإعلام والنفس والعولمة أن تعود عليه بكلّ من الإعجاب المتأتي من أصالتها وألمعيتها، والاهتّام الناجم عن هوايتها وافتقارها إلى الصرامة. وهو لا يشيح بوجهه عن السجال، بل يمضي إليه مباشرة، كحاله حين يرى أن المشروع الإنسانوي قد أخفق، وأنّ بديله هو التكنولوجيا الحيوية (البيوتكنولوجيا)، وأن علينا أن نعتنق ما يدعون «الأنثروبوتكنيكس» إذا ما أردنا خير البشرية في المستقبل المقبل، ولم ننكمش خوفًا أمام المؤدّيات والنتائج الأخلاقية الحيوية (البيوأخلاقية) التي تنطوي عليها. لقد بلغت شجاعة سلوترديك حدّ تناوله قضية «تحسين النسل» على الرغم ممّا يحيط بها من تابوات (محارم) راسخة ومفهومة في ألمانيا بسبب تاريخها الهتلري القريب. وفي تفاصيل ذلك أن سلوترديك كان قد كتب مقالة بعنوان «قواعد حديقة الإنسان»، اعتبر فيها الثقافات والحضارات «دفيئات بشرية المنشأ»، وأن على البشر، الذين أنشأوا محميّات لحماية أنواع حيوانية معيّنة، أن يتبنّوا أيضًا سياسات أشد حصافة (مثل التلاعب بالجينات الوراثية على نحو اصطفائي) لضمان بقاء ذلك الكائن السياسي، كما أسماه أرسطو. وآية ذلك كلّه، كما يقول سلوترديك، هو أن «ترويض الإنسان قد أخفق. وتنامت قدرة الحضارة على البربرية؛ وباتت بهيمية الإنسان في ازدياد يوميّ». ولقد كان من الطبيعي أن يثير مثل هذا الحجاج قدرًا كبيرًا من السجال والشؤم، نظرًا إلى ما يذكّر به من سياسات تحسين النسل في ألمانيا النازية، ونظرًا إلى ما يخرقه من تابو (محرم) ألماني مفروض على مناقشة أمر التلاعب بالجينات. ولذلك، طاول سلوترديك نقد شديد، أكان ذلك لاستخدامه الواضح بلاغة فاشية تدعم دعوة أفلاطون إلى حكم يسيطر على الشعب سيطرة مطلقة، أم لارتكابه صنوفًا من اختزال القضية الأخلاقية الحيوية وتبسيطها. بل إن هذا السجال بلغ حدّ النزاع العنيف بينه وبين يورغن هابرماس، القامة الكبرى في الفلسفة الألمانية المعاصرة، ذلك النزاع الذي أحدث صدمة، واشتمل على تشويه السمعة، واهتّامات بفاشية خفيّة. غير أنّ سلوترديك رفض اهتّامه بالنازية، التي اعتبرها غريبة عن سياقه، ونشر في مجلة Die Zeit رسالة مفتوحة إلى يورغن هابرماس، اهتّمه فيها باعتناق نظرة إلى الإنسانوية شبعت موتًا. ثمّة سجال آخر اندلع بعد مقالة سلوترديك «ثورة اليد المعطاءة»، التي نشرها في واحدة من أوسع الصحف قراءة Frankfurter Allgemeine، وافتتحها بقولة برودون الشهيرة «الملْكية سرقة»، ليكمل بأن الدولة الحديثة اليوم هي الآخذ الأكبر، وأننا «نعيش في شبه اشتراكية ضرائبية قابضة من دون أن يدعو أحد إلى حرب أهلية ضرائبية». وتبعًا لسلوترديك، فإن مؤسسات دولة الرفاهية أسلمت ذاتها لنظام ينحاز إلى المهمَّشين لكنه يعتمد على طبقة من المواطنين الناجحين ماديًا. وتوصيته المستفزّة هي ضرورة إلغاء ضرائب الدّخل لمصلحة نظام تُلبّى فيه حاجات الدولة المالية من خلال مساهمات الأغنياء الطوعية؛ هؤلاء الأغنياء وأصحاب الإنجاز الذين ينبغي مدحهم على سخائهم بدلا من دفعهم إلى أن يشعروا بالذنب حيال ما حققوه من نجاح، أو إلى أن يشعروا بالسخط من اعتماد المجتمع عليهم. والحال، إن هذا الهجوم على دولة الرفاهية، بوصفها «دولة السرقة» (Kleptocracy)، قد يبدو قطعة غير مميّزة من البلاغة الرأسمالية – الليبرتارية اليمينية في أميركا ما بعد ريغان أو بريطانيا ما بعد تاتشر. ولعلّنا نقرن مثل هذا الموقف الليبرتاري مع نوع من المزاج الفرديّ المتشدد. غير أننا نخطئ إذ نفعل هذا؛ فها هو سلوترديك يستهل فقاعاتبرفض الفردية رفضًا صريحًا، ليطرح بدلا منها أفكارًا مخيفة، في نقلة جذرية من الجدير التساؤل عامّ يدفع أحدًا إلى أن يفكّر بضرورتها.

إنّ تصوّر الذات البشرية بوصفها فردًا تمثّل العزلة حالته الجوهرية والأساسية، وأنّه وُلد وحيدًا ويموت وحيدًا، هو تصوّر نافذ في الفكر المعاصر. وكان اللابطل، المضحك والمنفرد، قد حلّ في الرواية محل الذات البطولية في الملحمة، عبر سيرورة بدأت مع سرفانتس، مؤلف دون كيخوته، وحللها جورج لوكاتش بإسهاب في كتابه نظرية الرواية، وتناولها مؤخّرًا الباحث الإيطالي فرانكو موريتي تناولا ألمعيًا، إذ رأى أن صعود الشكل الروائي في الأدب يتزامن مع نشوء أيديولوجيا اكتفاء المواطن البرجوازي بذاته. ومثل هذه النظرة الفردانية القوية باتت سمة مميزة من سمات الأيديولوجيا المعاصرة، إلى درجة أن كلمة «فرد» صارت تُستخدم بمعنى «الشخص» على نحو ثابت تقريبًا، في خَلْط يطرح انفصالنا عن الآخرين بوصفه خاصية أساسية للكائن البشري، حائلا دون أفكار أخرى، مثل «الشخصية»، تنطوي على أن المعيّة لا التفرّد هي الأساسية في إنسانيتنا. بيد أن الأرضية التي تقف عليها الفردانية – فكرة الذات المتماسكة المسلّحة بفاعلية مستقلة – راحت تتآكل من كلّ جانب خلال القرن الأخير. هكذا، طفقت النظرية النقدية (مدرسة فرنكفورت) تحذّر من الأيديولوجيا والوعي الزائف اللذين يعميان عن الواقع، ورأى علماء البيولوجيا التطورية أن جينات البشر تحدد سلوكهم؛ وأزاح التحليل النفسي الستارة عن الدوافع الليبيدية المعتمة التي تبطّن أفعالنا العقلانية في الظاهر، وأخبرنا علم الأعصاب أن وحدة العقل ضرب من الوهم، واعتبر ما بعد البنيويين أننا مجرد مويجات في بحرٍ من التيارات الاجتماعية واللغوية التي تتكلم عبرنا. والنتيجة النهائية هي أن الفردانية الحديثة تغرّبنا عن بني جلدتنا، وعن أنفسنا. وهذه حالة تأتي مقرونة بحاجة ملحّة لإيجاد طريقة للخروج منها: فالحلّ بالنسبة إلى اليسار الراديكالي هو في المستقبل (الذات الجمعية بعد الثورية)؛ وبالنسبة إلى اليمين الراديكالي هو في الماضي (الحنين إلى الحقائق البسيطة والكلّية الاقطاعية)؛ في حين تميل قناعات الوسطيين الليبراليين والليبرتاريين اليمينيين إلى تعزيز نطاق الفردانية الذي راح يعتريه الوهن على نحو متزايد، والحماسة له، صراحةً أو على نحو مستتر. في فقاعات، يبدأ سلوترديك محاولته التفكير أبعد من الفردانية برفض فكرة العزلة الأساسية: فهي، كما يقول، ليست سمة متأصلة في الشرط البشري: «في الفردانية الناشئة، يتخذ الأفراد، بوصفهم مراقبين أحياء -أو شهودًا من الداخل على حيواتهم، إذا جاز القول – ذلك المنظور الذي ترنو إليهم منه نظرة خارجية، الأمر الذي يزيد من انفتاحهم المجاليّ البيني عبر أعين أخرى، ليست أعينهم، ويا للغرابة». بعبارة أخرى، تتطلب الفردانية نوعًا من إضفاء الموضوعيّة على الذات أو تشييئها. لقد خُلق الفرد بانقسام المرء إلى ذات وموضوعها. وعدم قابلية الفرد للقسمة لا تغدو ممكنة إلا بانقسام قبليّ، انقسام إلى الذات التي ترى والذات التي تُرى. وهذا ما يجعل تماسك العقل الفرداني الحديث متوقفًا على فصام أساسي. هكذا، يغدو افتراض العزلة الأساسيّة خطأ فادحًا، بحسب سلوترديك؛ خطأ يحول بيننا وبين فهم شروط وجودنا الحقّة. ذلك أن حالتنا الفعلية هي حالة كوننا معًا في العالم، «انجدال للذات مُنْتَشٍ في الداخل المشترك». وإزاء فكرة العقل المنعزل، الذي يفكّر شاقًّا طريقه إلى العالم – وهو ما ينطوي عليه كوجيتو ديكارت الشهير غير المتجسّد وهو يثبت وجوده الخاص عبر الفكر – يرى سلوترديك أن تعريف البشر يعني، كما يقول عاملِ الاجتماع برونو لاتور، «أن نعرّف الأغلفة، أنظمة دعم الحياة، البيئة (umwelt) التي تمكّنهم من أن يتنفّسوا.» قد يبدو ذلك كلّه من نافل القول: فمن الذي لا يرى أن السياق هو كلّ شيء؟ غير أن سلوترديك يدرك أنّ التفكير خارج البراديغم الليبرالي- الفرداني على مستوى كيانيّ (أنطولوجي) ليس من دون مخاطر. وهو يتصور ثلاثية مجالاتكقرين وتتمة

لكتاب مارتن هيدغر الكينونة والزمن، وتصحيح لما فيه من أخطاء. ويكمن خطأ هيدغر، على وجه الدقّة، في إلحاحه على العزلة الأساسية، وتخلّيه عن «الفضاء الوجودي»؛ يكمن في محاولته الإجابة عن السؤال «من» قبل استكشاف تام للسؤال «أين.» ويرى سلوترديك أن تجاهل هيدغر البُعد المكاني أو الفضائي ل «الكينونة في العالم»، لمصلحة السؤال عن الأصالة، يعود عليه بنقطة عمياء لا تكتفي بأن تخلّ بتوازن مشروعه الفلسفي، بل تجعله هو نفسه عرضة لما لدى القومية الجذرية من عماء سياسي. وذلك التجاهل هو ما يحاول فقاعاتأن يداويه: عبر التفكّر في ما ينجم عن الوجود باعتباره «كينونة - معًا»، أو جزءًا من فضاء جامع. يرى سلوترديك أن الكلام على عزلة الكائن البشري ووحدته الأساسية هو هراء. نحن لا نولد وحيدين، وكلّ من وُلدَ له ولد، أو شهد ذلك الحدث الصاخبِ، التعاوني إلى أبعد حدّ، يعلم أنه حدثٌ أبعد ما يكون عن العزلة. وما عزلة الشرط البشري الأولية سوى تخييل حديث: ذلك أن العلاقات مع الآخرين «ليست لاحقة أو عرضية، بل أساسية وموغلة في القدم.» وقبل الولادة، نكون في حالة «اثنين في واحد»، تلك الحالة من التخالط الكليّ: الجنين مغلّف بجسد الأم، يشاركها دمها، في ما يدعوه سلوترديك وعيًا «ما قبل ذاتي». وهذا ما يدفعه إلى تقصيّ سلسلة منتقاة من المحاولات لتسمية هذا الوضع الذي يكاد لا يسمّى - كتابات الصوفية، أيقونات ما قبل التاريخ، الشعر الطليعي – بحثًا عن تبرصّات في ما ينبغي أن تكون عليه مثل هذه الحالة. وذلك قبل أن ينبري، على هذا الأساس، إلى انتقاد التوصيفات التشريحية والتحليلية النفسية التي تشيئ هذه الحالة البدئية. من الطبيعي أن نحسّ بتحنان غامر لدى شخص يكتب عن «رحم محايث للكينونة بأسرها». ويتجلى هذا بأوضح ما يكون في الأسطر التي يكرّسها سلوترديك لعلاقة الأم – الطفل. وهو يرى أن النساء (على الأقل أولئك اللواتي يصبحن أمّهات) هن حلقات وصل في شبكة من الاستمرار الفيزيقي غير المنقطع بين الأجيال؛ سلسلة من الأمومة متّصلة تمتد رجوعًا إلى أبعد من البشر الأوائل وأسلافنا البعيدين من الثدييات وصولا إلى المحيطات. وفي حين أن جميع الأطفال هم ضروب من العقد، أو التجسيدات المادية لهذا الخط الدموي ال ي (من حبل ال ة)، إلا أنهم لا يساهمون فيه على نحو متساوٍ: ذلك أن الرجال جميعًا هم نهايات في هذا الخط. وسواء أكانوا آباء أم لم يكونوا، فإنهم لا يمكن أن يشك لوا حلقات وصل في تلك السلسلة السرّية. وربما كان هذا ما يعطي روحية الفردانية القاسية نبرتها الذكورية، مع أن الرجال، على الرغم من سلوكهم الأشد فظاظة وأجسادهم الأخشن، هم الزهور التي تتفتح من شجرة الجنس البشري الأمومية العظيمة. إن طريقة انفصال الطفل الوليد عن المشيمة، التي كانت رفيقه الأشد حميمية إلى الآن، تحدد بقوة علاقة هذا الطفل المقبلة مع العالم، بحسب سلوترديك. وهو يسهب في تبيان أن نشوء الفردانية الحديثة يتوافق مع «حط من قيمة المشيمة» بدءًا من القرن الثامن عشر. ويُظه ر على نحو جليّ مدى تعارض المسح الأنثروبولوجي الموجز الذي يقوم به لأوجه الاهتمام الشعائري التقليدي بالمشيمة – من دفن، وتجفيف، وحرق، وتعليق على أغصان شجرة – مع التدبّر الحديث ل «الخلاص» بوصفه مجرد أوساخ أو فضلات. ويعمد سلوترديك إلى تجنّب اللغة التشريحية وما تنطوي عليه من تشيئ فيعيد صوْغ حرف العطف «مع» كاسمٍ للمشيمة، ويبنيّ أن ال ة، التي كان تدل من قبل على «فضاء رمزي من المعيّة» والاختلاط بين الأشخاص، فقدت معناها؛ وهو يعزو إلى هذه الظاهرة افتراضًا حديثًا، لا يوافق عليه، مفاده أن تأمل الذات والتركيز على الأنا (navel-gazing) هو نشاط بلا نفع ومنعزل: «فردانية العصر الحديث هي عدمية مشيمية». وبإنكار أهمية المشيمة، يرى سلوترديك أننا ننكر صلتنا الأساسية بالعالم من حولنا.

إنّ من يفضلون الفلسفة مرتّبة وجافة سوف يجدون هذا المستوى من المبالغة مربكًا ومحريًّا، في أفضل الأحوال. وسلوترديك، الذي هو «حمَُرْت ق متعددِ الصنائع» (Bricoleur) أكثر منه منطقيًّا، يجمع حجاجاته من جهات متنوعة تنوّع نظرية المغناطيسية الحيوانية في أواخر القرن الثامن عشر، والتحليل النفسي الفرويدي واللاكاني، ورسامي النهضة (غيوتو دي بوندون) والحداثة (رينيه ماغريت)، ولاهوت آباء الكنيسة، وقصة أورفيوس ويوريديس. وحتى القرّاء الذين يستمتعون بأسلوب فقاعات المتنقّل، ويجدون أفكاره قوية وعميقة، يبقى الكتاب بالنسبة إليهم منجامً أكثر منه آنية من الذهب الخالص: فثمة الكثير من الخبَث والنفاية التي لا بدّ من الحفر خلالها. وحجم الكلمات المُحْدثَة في الصفحة الواحدة لا يمكن عزوه إلى ميل اللغة الألمانية إلى ابتداع كلمات مركّبة جديدة وحسب. وحين يتبع المرء سلوترديك على طريقه المميّز، فإن ثمّة لحظات من الروعة والسموّ، لكنه، في أوقات أخرى، يسلك أزقة لا تفضي إلى غير العبث، شأن زعمه أن الأغنية – فعل الغناء معًا في جوقات وجماعات – هي ما يميّز البشر من الحيوانات، إلى جانب اللغة. ولا شكّ أن هذا مفرط في تمركزه على الإنسان (متجاهلا اشتراك الدلافين والحيتان في الغناء)، وفيه حط من قيمة الجنس البشري، في آن معًا: ذلك أن اللغة تبني الفكر كما تبني الاتّصال، والجماعة غير اللغوية من البشر هي جماعة لا يمكن أن تخطر على بال. ثمة درجة من الخطر لا بدّ أن تلازم عملا من هذا النوع المتّسم بالجرأة في تعدّي الفروع المعرفية، في عصر نشر على خريطة المعرفة البشرية ألغامًا تقنص الذين يميلون إلى التعميم. وعلى سبيل المثال، حين يصف سلوترديك العصر الحجري الحديث (النيوليتي) الأوروبي بأنه انتقال من حياة البداوة إلى حياة الاستقرار التي «أمكن بعدها للافتتان بالرحم أن يتطور إلى قوة عالمية»، فإنّه يرسم سجل ما قبل التاريخ المعقد والمتنازع عليه بضربتي فرشاة عريضة: ذلك أنّ الثورة النيوليتية لم تكن حدثًا منفردًا في مشهد ثقافي متجانس، بل سلسلة من السيرورات المحلية المتمايزة الجارية على مدى قرون كثيرة، والناشئة من ضروب تماس وصراع بين مجتمعات متعارضة جذريًا في الثقافة والتكنولوجيا والأيديولوجيا. وهذا ما يصحّ أيضًا على وصف سلوترديك تطوّر عقيدة التثليث بأنه تطور «حتمي وانفجاري»، وبأنه رحلة «لم يكن من الممكن للمسيحية الباكرة أن تتراجع عنها ولو خطوة واحدة». وما لم ينظر المرء إلى السببية نظرة حتمية ميكانيكية، فإن هذه الرواية تبدو كأنها تنحو نحو الغائية، أو على الأقل، نحو إسباغ كرامة التكشّف الحتمي على سيرورة طارئة. غير أن مثل هذه المغالطات تبدو طفيفة إزاء اتّساع فقاعات. وحين يشير سلوترديك إلى التاريخ، فإنه لا يشير إليه كما يفعل التجريبيون، لكي يختبروا نظرية من النظريات، بل لكي يبُرز أفكارًا، فإن لم تناسب الوقائع الأفكارَ أو النظريةَ، كان ذلك أمرًا سيئًا بالنسبة إلى الوقائع. ومثل هذا الموقف (الشبيه بموقف هيغل) قد لا يحظى بترحيب لدى قرّاء تعوّدوا على منطق الفلسفة التحليلية السائر، إال أن إهماله كليًا يعني إهمال فرصة؛ فهذا الكتاب يبقى مميّزًا وقياّمً في جميع الأحوال. وحتى حين لا يقوى على الإقناع، فإنه يثير. وهو لا يحاول أن يقول الكلمة الأخيرة، بل أن يول د أفكارًا جديدة يطرحها للنقاش. ومثل تلك الأعمال العظيمة التي صدرت عن الظاهراتية، فإنّه يحفزنا على معرفة أشياء كنا نأخذها مسلمّات، كأننا نراها أول مرة.

الهوامش