Return to Article Details The 1919-1920 Syrian General Congress and Syria’s First Constitution: Context, Evolution, Functions, and Challenges

المؤتمر السوري العام 1919-1920، الدستور السوري الأول: السياق، الطبيعة والوظائف، المراحل والقضايا

The 1919-1920 Syrian General Congress and Syria’s First Constitution: Context, Evolution, Functions, and Challenges

محمد جمال باروت

Mohammed Jamal Barout

الملخّص

كان المؤتمر السوري، على مدى دوراته الثلاث 1919 - 1920 ، ممثلاً سياسيًا ودستوريًا للسوريين في سورية الطبيعية. وعبّر في إطار هذا التمثيل عن التغيرات الاجتماعية-السياسية الجارية، فتشكلت في إطاره كتل أو أحزاب برلمانية تصنّف مدرسيًا بأنها داخلية المنشأ ، أي نشأت في إطار ديناميات البرلمان الداخلية، لكنها كانت مرتبطة أشد الارتباط بالحركات الاجتماعية-السياسية الفاعلة، التي هي بالتعريف «خارجية المنشأ ». وقد استوعب الدستور السوري الأول، كما صمّمه الآباء الدستوريون السوريون الكبار للحركة العربية الحديثة، هذه التغيرات، وعبّر بشكل نموذجي عن المفاهيم والأفكار القانونية الدستورية للحركة العربية، وشكّلت مداولات المؤتمر حول مواده الإشكالية، مثل العلاقة بين الدين والدولة، وقضية المرأة، والمواطنة والهوية، والعلاقة بين النمط القومي للدولة واللامركزية الإدارية..إلخ وثيقةً مبكرة واستباقية، عن بنية قضايا الخلاف اللاحقة التي ستظهر في الحياة الدستورية للدول العربية عمومًا، والحياة الدستورية السورية اللاحقة للجمعيات التأسيسية السورية، وتفكير النخب السياسية والاجتماعية فيها. وفي ذلك قد تتجاوز أهميته حدود الأهمية التاريخية الصرفة.

Abstract

During its three sessions held in 1919 and 1920, the Syrian Congress constitutionally represented the population of Syria, giving voice to the socio-political changes then underway. Political parties and blocs were formed within the parliament, which later came to be called “internal” formations. Although they took form within the context of the parliament’s internal dynamics, they were also deeply tied to the socio-political movements active outside of parliament. Syria’s first constitution, set out by the founding fathers of the Modern Arab Nationalist movement, had envisaged such events and given a structured written expression to the political and legal thinking of the movement. The discussions within the Congress centered on the controversial articles within the constitution: the relationship between religion and the state; women’s issues; citizenship and identity; and the relationship between the state’s national character and administrative decentralization. In his analysis, the author argues how as a document, the Constitution proved to be ahead of its time on issues which would be at the heart of later discussions emerging not only in subsequent Syrian constitutional assemblies, but also in the constitutional development of Arab states in general. It also had an impact on the views of political and social elites. In this way, the significance of the first Syrian constitution goes beyond its historical importance.

الكلمات المفتاحية:
  • الحركة العربية
  • النخب السياسية
  • سورية
  • المفاهيم
  • الدين
Keywords:
  • Syrian Congress
  • Arab Nationalist Movement
  • Syrian Constitutional Assemblies

السياق، الطبيعة والوظائف، المراحل والقضايا

كان المؤتمر السوري، على مدى دوراته الثلاث 1920-1919، ممثلا سياسيًا ودستوريًا للسوريين في سورية الطبيعية. وعبرّ في إطار هذا التمثيل عن التغيرات الاجتماعية-السياسية الجارية، فتشكلت في إطاره كتل أو أحزاب برلمانية تصنّف مدرسيًا بأنها «داخلية المنشأ»، أي نشأت في إطار ديناميات البرلمان الداخلية، لكنها كانت مرتبطة أشد الارتباط بالحركات الاجتماعية-السياسية الفاعلة، التي هي بالتعريف «خارجية المنشأ». وقد استوعب الدستور السوري الأول، كما صمّمه الآباء الدستوريون السوريون الكبار للحركة العربية الحديثة، هذه التغيرات، وعبرّ بشكل نموذجي عن المفاهيم والأفكار القانونية الدستورية للحركة العربية، وشكّلت مداولات المؤتمر حول مواده الإشكالية، مثل العلاقة بين الدين والدولة، وقضية المرأة، والمواطنة والهوية، والعلاقة بين النمط القومي للدولة واللامركزية الإدارية.. إلخ وثيقةً مبكرة واستباقية، عن بنية قضايا الخلاف اللاحقة التي ستظهر في الحياة الدستورية للدول العربية عمومًا، والحياة الدستورية السورية اللاحقة للجمعيات التأسيسية السورية، وتفكير النخب السياسية والاجتماعية فيها. وفي ذلك قد تتجاوز أهميته حدود الأهمية التاريخية الصرفة.

إثر انهيار الدولة العثمانية بنتيجة عمليات الحرب العالمية الأولى (1918-1914)، أعلن الأمير فيصل ابن الحسين، قائد الجيوش العربية الشمالية في قوات الحلفاء، في دمشق في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 -بعد أيام قليلة من دخول القوات العربية إليها- ل« أهالي سورية» تشكيلَ «حكومة دستورية عربية

مستقلة استق الً مطلقًا لا شائبة فيه باسم مولانا السلطان حسين، شاملةً جميع البلاد السورية ». وبغضّ النظر عن طبيعة العلاقة بين هذه السلطة المدنية «المؤقتة» والسلطة العسكرية للحلفاء، ومدى استقلاليتها الذاتية عن سلطة الحلفاء، كان إعلان فيصل تاريخيًّا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ إذ كان، على حد تشخيص إدمون رباط، أول إعلان في تاريخ العرب كله عن عربيّة الدولة. وبموجب تشكيل حكومة المديرين كأول شكل من أشكال الحكومة العربية، شُكِّل بعد فترة بسيطة المجمع العلمي للغة العربية، وحلت اللغة العربية محل اللغة التركية في سجلات المحكمة الشرعية ومحكمة التجارة في دمشق بدءًا من 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، أي مع بدايات الحكم العربي، وبدأ ترقيم جديد لصفحات سجلات المحكمة الشرعية باللغة العربية. واستمر ذلك حتى 3 كانون الثاني/ يناير 1921، إذ حلّ ترقيم جديد في عهد فرنسا بدءًا من 3 كانون الثاني/ يناير 1921. وقد تشكّلت في مرحلة ما قبل إعلان الاستقلال ثلاث حكومات مديرين، وحلّت حكومة مجلس المديرين الأول مكان الحاكمية العسكرية العامة التي تم إلغاؤها في ما عدا حاكميتي حلب ودير الزور، وظلت حكومة المديرين العربية في جميع مراحلها الثلاث مسؤولة أمام فيصل، إلى أن تحولت إلى حكومة (وزارة)، إذ غدت مسؤولة أمام المؤتمر السوري بعد انعقاد ما يمكن وصفه ب «دورة الاستقلال»، وإعلان استقلال سورية في «حدودها الطبيعية» في 8 آذار/ مارس.1920

المؤتمر السوري: السياق السياسي والتاريخي

كانت فكرة تشكيل «مؤتمر قومي» فكرة متواترة يتداولها كثير من العاملين في القضية العربية لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد مصير القضية السورية. وساهم متغيران أساسيان في تسريع وتيرة هذه الفكرة، وبالتالي تشكيل «المؤتمر السوري العام». المتغريّ الأول هو محاولة فيصل تجذير تمثيليته للسوريين، وذلك إثر نيل الصحافة الفرنسية اليمينية والوفود غير الرسمية الموالية لفرنسا من مدى أهلية تمثيل فيصل للسوريين إبان تحضيره للإدلاء

بكلمته في 6 شباط/ فبراير 1919 أمام مؤتمر الصلح، إذ رأى هؤلاء أنه ليس إال «بدويًا غريبًا من الحجاز». ولذا طلب من نائبه الأمير زيد القيام بتنظيم برقيات باسم أهل سورية ينتدبونه فيها ممثالً عنهم وناطقًا باسمهم. ونتج من ذلك تشكيل جمعية «العربية الفتاة» السرّية التي كانت بمنزلة الحزب السري الحاكم للعهد العربيل «حزب الاستقلال العربي» في 5 شباط/ فبراير 1919، كواجهة علنية شعبية تعبوية لها. وسيطغى بعد فترة اسم الواجهة على اسم الجمعية السرّية الأم، حيث سيوصف قادتها طوال العقد اللاحق ب«الاستقلاليين». ولهذا أُطلق عليها لسرّيتها اسم «أولاد حنيكر» أو «رجال الغيب». وبينما لن يتجاوز حجم الجمعية السرّية مئتي عضو، فإن حجم حزب الاستقلال سيبلغ في حزيران/ يونيو 1919 ما لا يقل عن 22 ألف عضو، وسيتسم بكفاءته الداخلية والخارجية بفضل استقطابه للشباب، ودفع ديناميات زخمهم الراديكالي الذي أثار اهتمام الجنرال أللنبي وتحذيراته منذ أن زار دمشق في آذار/ مارس 1919؛ إذ سيتمكن من حشد ثلاثة أمثاله في دعم «برنامج دمشق» الذي سنتوقف عنده أمام لجنة كينغ-كراين. والمتغريّ الثاني هو تشكيل لجنة التحقيق الدولية، حيثشكّل الأربعة الكبار هذه اللجنة التي ستُدعى باسم «لجنة كينغ-كراين» في 15 آذار/ مارس 1919 للتحقق من رغبات الأهالي، وذلك استجابةً لفكرة الرئيس الأميركي وودرو ويلسون للخروج من الصراع الطاحن الذي نشب بين لويد جورج وكليمنصو حول تفسير اتفاقهما الشفهي والسري السابق حول ما يمكن وصفه باتفاقية سايكس-بيكو المعدلة، بتنازل فرنسا عن الموصل في مقابل دعم بريطانيا للانتداب الفرنسي على سورية، وحصة 25 في المئة من الإنتاج الصافي لنفط العراق الثقيل، الذي تطور إلى درجة «قتال كلاب من الدرجة الأولى»، وكاد أن يتطور إلى قتال بالقبضات بينهما بالفعل، بحسب تعبير يرغن. واستنادًا إلى هذه التسوية الفرنسية -البريطانية الشاقة التي وصفها ويلسون ب«اللعبة

الكبرى»، أبلغ كليمنصو في 16 نيسان/ أبريل 1919 فيصل شفهيًا أن الجيش الفرنسي سيحل مكان الجيش البريطاني في سورية، وأن كليمنصو مستعد لاعتراف فرنسا «بحق سورية في الاستقلال بشكل اتحاد فيدرالي يتألف من حكومات محلية تتمتع بالاستقلال الذاتي بما يتناسب مع تقاليد السكان ورغائبهم»، لكن فيصل غادر باريس من دون أي التزام بأي « ارتباط أو تعهد»، مراهنًا على دعم الولايات المتحدة في إنقاذ سورية «إما بالاستقلال أو بالانتداب الأمريكي». عاد فيصل في هذا السياق من مؤتمر الصلح في باريس إلى دمشق، وأعلم وجهاء سورية ونخبها في اجتماعه معهم في 9 أيار/ مايو 1919 بنتائج مثوله أمام مؤتمر الصلح، وطلبه الاستقلال لكل من سورية الطبيعية والحجاز والعراق كدول مستقلة، على أن يقوم بينها اتحاد جمركي واقتصادي، من دون «معاونة أو حماية»، وقرار المؤتمر بإيفاد لجنة التحقيق الدولية للتحقق من رأي الأهالي بمصيرهم، وتعيين الدولة التي يرونها مناسبة لمساعدتهم. وخصّ سورية الطبيعية بخطابه بسبب أن الجلسة كانت خاصة بسورية. ودافع عن «سورية بحدودها الطبيعية، وقال إن السوريين يطلبون استقلال بلادهم الطبيعية، ولا يريدون أن يشاركهم فيها شريك». وحصل فيصل في هذا الاجتماع على تفويض منهم «بتدبير الحكومة مع السياسة الداخلية والخارجية»، مطيحًا في ذلك مشروع اتفاق فيصل-كليمنصو، وهو ما أثار صدمة جورج بيكو، وعزمه على التحرك ضد «الرواية الهزلية» للجنة الدولية.

المؤتمر السوري: المراحل والدورات الثلاث

دعا فيصل في هذا السياق إلى انتخاب مؤتمر سوري. وكان ذلك تتويجًا لمداولات كثير من العاملين في الحركة العربية لضرورة تشكيل «مؤتمر قومي» يواجه التحديات والمخاطر التي تهدد مصير القضية السورية.

ويمكن تمييز ثلاث مراحل في تاريخ المؤتمر وفق مؤرشّ دورات انعقاده، هي الدورة الأولى التي أقر فيها المؤتمر مطالب الشعب السوري أمام لجنة كينغ-كراين في 7 حزيران/ يونيو 1919 تحت ما سيُطلَق عليه اسم «برنامج دمشق»، والدورة الثانية في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919 مع تفاقم نتائج أزمة الاستبدال، بإحلال القوات الفرنسية مكان القوات البريطانية وفق اتفاق لويد جورج-كليمنصو، والدورة الثالثة في آذار/مارس/-تموز يوليو 1920 التي يمكن وصفها ب «دورة الاستقلال» مع إعلان الاستقلال حتى الاحتلال الفرنسي. وقد شكلت دورته الثالثة المنعقدة لإعلان الاستقلال واختيار فيصل ملكًا على سورية إحدى أهم مراحل تحوّله من مؤتمر تمثيلي سياسي إلى مؤتمر يضطلع بوظيفتي جمعية تأسيسية ومجلس نيابي في وقت واحد، وكانت من أخطر الدورات التي أكسبتها اسم «دورة الاستقلال». يمكن اعتبار الدورة الأولى بمثابة الدورة التأسيسية للمؤتمر. وقد أجرتها إدارة فيصل بموجب التفويض الذي حصل عليه من وجهاء سورية، والحملة الشعبية التعبوية التي قادها حزب الاستقلال العربي في النصف الثاني من أيار/ مايو 1919. وتوىلّ إدارتها، في طور توسّع عضويته من عدة مئات في شباط/ فبراير 1919، حين زار اللورد أللنبي دمشق ولحظ زخم الحزب، إلى عشرات الألوف في أيار/ مايو- حزيران/ يونيو 1919، وهيمنته الأيديولوجية-السياسية على المجال السياسي المدني العام الوليد.

الدورة التأسيسية الأولى: الطبيعة والوظائف

أجرت حكومة المديرين العربية، في ضوء هذا التفويض وتحديد وظيفة المؤتمر، انتخابات «المؤتمر السوري العام» على أساس النظام الانتخابي العثماني على درجتين. وكانت أول انتخابات نيابية تجري في سورية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1918-1914) وانهيار الدولة العثمانية. وقد بلغ عدد أعضاء المؤتمر 107 أعضاء منتخبين وموكّلين مثّلوا جميع أنحاء سورية الطبيعية، بما فيها فلسطين والمنطقة الغربية «الفرنسية»، بما في ذلك اللاذقية الخاضعة للاحتلال الفرنسي. وكانت سورية الداخلية «ممثَّلة تمثيالً شامالً وانتخابيًا» بينما مُثّلت المناطق السورية الأخرى بالتوكيل. وانتُخب هؤلاء الأعضاء من الناحية القانونية في شروط نظامية بقدر كاف، على حد تعبير إدمون رباط، وكانوا من الناحية التمثيلية عمومًا ممثلين «طبيعيين» لمناطقهم بسبب صفاتهم الاجتماعية والثقافية. وضم المؤتمر مجموعة متنوعة من ا المّك ووجهاء المدن وشيوخ البدو وعلماء

المسلمين وبعض من تلقّى علومه في المعاهد العثمانية العسكرية أو الحقوقية، كما مثّل المؤتمر في عضويته المسلمين بمختلف طوائفهم واليهود والمسيحيين، وكان في عضويته أكثر من 20 نائبًا مسيحيًا، وكان عدد النواب المسيحيين يفوق ما يستحقونه على أساس وزنهم العددي، وهو ما يجعل من المؤتمر السوري «مجلسًا تمثيليًّا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة»، على حد تعبير جورج أنطونيوس.

برنامج دمشق وتشكيل لجنة الدستور

انتخب المؤتمر في جلسته الأولى فوزي باشا العظم (1920-1858) للرئاسة الأولى، وعبد الرحمن باشا اليوسف للرئاسة الثانية (نائبًا)، ومحمد عزة دروزة سكرتير الهيئة المركزية للفتاة، سكرتيرًا. و كان العظم واليوسف قد انتخبهما نواب ولايتي دمشق وحلب للرئاسة ونيابة الرئاسة في اجتماع غير رسمي عُقد في منزل العظم ثم في منزل عطا باشا البكري، بحضور فيصل قبل انعقاد الجلسة الرسمية الأولى للمؤتمر. وفي هذين الاجتماعين، أيد فيصل «الجبهة الشعبية»، فأصيب العظم واليوسف بالوجوم. وشكّل ذلك أولى علامات الفرز الظاهرة بين الأعيان وبين شباب الحركة العربية الحديثة التي ستتطور خلال مرحلة الحكم العربي، وتفتح فجوة كبيرة بين الأعيان والشباب. افتتح فيصل جلسته الأولى في 7 حزيران/ يونيو 1919، محدّدًا مهمته بوضع قرار يمثّل البلاد لتقديمه إلى لجنة التحقيق الدولية (كينغ - كراين) ووضع قانون أساسي للدولة العربية في سورية، ودعم الجبهة الشعبية للدفاع عن وحدة سورية واستقلالها، ومقاومة التدخل الأجنبي، وخاصة الفرنسي. أنجز المؤتمر في دورته التأسيسية الأولى «برنامج دمشق» للوحدة والاستقلال، الذي قُدم إلى لجنة كينغ- كراين، وألّف لجنة القانون الأساسي-الدستور لوضع أسس الدولة السورية العربية المستقلة. وقد شكل «برنامج دمشق» أساس العرائض المعادية للانتداب الفرنسي، إذ طالب أكثر من 80 في المئة منها بالاستقلال التام الناجز، ورفض مفهوم «الانتداب» لكن مع قبول «المساعدة والإرشاد على أن يأتي من الولايات المتحدة، فإن لم يكن فمن بريطانيا»، مع «رفض فرنسا رفضًا باتًا بأي شكل كان». وكانت الفقرة الوحيدة التي خضعت لنقاش محتدم هي فقرة تسمية الدولة التي تُطلب منها المساعدة، بينما كانت البنود الأخرى تُعتبر «مسلَّمات لم يطل النقاش فيها»، على حد تعبير عزة دروزة. ولقد باتت تفاصيل هذا التصويت ونتائجه معروفة ومشبعة بحثًا بشكل كافٍ، لكن لا بد

من التركيز على أنه قد صوّت لبرنامج دمشق ووضع عرائضه على أساس ما جاء فيه، إضافة إلى معظم العرب المسلمين، معظم العرب المسيحيين الأرثوذكس والبروتستانت، وقسم كبير من الروم الكاثوليك، بينما صوّت ضده ممثلو الطوائف المسيحية المارونية والكاثوليكية التابعة لكنيسة روما. أمّا موقف زعامات جبل الدروز، فكان موحّدًا نسبيًا أمام لجنة كينغ-كراين التي زارت الجبل في 28 حزيران/ يونيو 1919، في تبنّي «برنامج دمشق». ولم يشذ عن ذلك إالّ عدد يسير، وبشكل سرّي. ورغم أن تقرير اللجنة لم يؤد أي دور في تغيير خطط الاقتسام الفرنسي-البريطاني للمشرق العربي أو تعديلها، إذ أودعته سكرتارية مؤتمر الصلح الأدراج، حين قدمته اللجنة إليها في 18 آب/ أغسطس 1920، وتجاهله تمامًا جميع رجال الدولة من بين صانعي السياسة الدولية، ولم يُنشر إال 2 كانون الأول/ ديسمبر 1922ّ في بصورةٍ غير رسمية، فإنه يُعَدّ «وثيقة ثمينة للغاية لمعرفة ذهنية النخبة لدى مختلف سكان سورية وفلسطين والعراق »، إذ جاء في بنيته العامة موافقًا لتوجهات هذه النخب الأساسية التي صاغها المؤتمر السوري، وكان أعضاؤه عموما ممثلين «طبيعيين» لمناطقهم بسبب صفاتهم الاجتماعية والثقافية. كان اتجاه التمثيل صحيحًا في تقرير رغبة «الأهالي» العامة، وهذا ما يفسر أن برنامج دمشق هيمن على سائر البرامج الأخرى بحكم قاعدته الأكثرية على الأقل. ويُعتبر تقرير لجنة كينغ-كراين الوثيقة الوحيدة الصادرة عن مراقبين حياديين غير منخرطين في لعبة مصالح القوة لمعرفة «أماني السكان» في تلك الفترة، في ظلّ عدم إمكان اللجوء إلى وسيلة الاستفتاء الشعبي. ولا ريب أن اللجنة لم تجد أمامها سوى الأعيان، لكن هؤلاء كانوا وحدهم يحوزون في تلك الفترة قدرًا كافيًا من الثقافة والمدارك للإفصاح عن آراء سياسية متماسكة، وهو ما

يجعل من المؤتمر السوري «مجلسًا تمثيليًّا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة»، على حد تعبير أنطونيوس. أمّا الإنجاز الثاني، فتمثّل في تأليف لجنة القانون الأساسي-الدستور، وكُلِّف هاشم الأتاسي، خريج غلاطة سراي السلطاني، أي كلية غلاطة سراي College Imperial() التي كان يتخرج فيها كبار الإداريين التنظيماتيين العثمانيين، برئاسة لجنة الدستور. وكان معظم أعضائها من خريجي هذه الكلية أو من خريجي كلية الحقوق في الآستانة، وبذلك كانوا مؤهَّلين من ناحية المعارف القانونية الدستورية لوضع الدستور، كما كان اثنان منهم من أعضاء «الفتاة» قبل الحرب، وثلاثة من أعضائها بعد الحرب. وبذلك نزعت فكرة المؤتمر السوري، على حد تعبير وجيه كوثراني، «نحو إرساء أسس دستورية لدولة قومية مستقلة، وجدت تجربتها الأولى في مجلس المديرين».

الدورة الثانية: مواجهة «الاستبدال»

ارتبط انعقاد هذه الدورة، وهي الثانية للمؤتمر السوري، بوقوع ما يُدعى في الحوليات السورية «اتفاق الاستبدال»، الذي توصل إليه كلٌّ من لويد جورج وكليمنصو في 13 أيلول/ سبتمبر 1919 وكرّس اتفاقية سايكس – بيكو المعدّلة في الاتفاق الشفوي بين لويد جورج وكليمنصو في كانون الأول/ ديسمبر 1918. وتلخص مضمون الاتفاق في انسحاب القوات البريطانية من سورية وكيليكيا وحلول قوات فرنسية مكانها بدءًا من أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 1919، وأن ينتهي جلاء القوات البريطانية عن سورية في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1919. وقد اعترض فيصل، كما اعترض والده الحسين، بشدة على الاتفاق قبل عقده وبعده، لكن الحلفاء اعتبروه، في محاولة لخداع فيصل، «إجراءً عسكريًا مؤقتًا» إلى أن يبتّ مؤتمر الصلح الوضع النهائي، لكن الخدعة لم تنطلِ لا على فيصل ولا على العاملين في القضية العربية، الذين «اعتبروه - كما هو منتظ- تمهيدًا لتسليم لبنان ر والمناطق الساحلية في شماله إلى فرنسا لتحتلها احت الً دائام ». وتبنيّ المراسلات بين فيصل وأللنبي ووزارة الخارجية البريطانية حول هذا الاتفاق حقائق كثيرة في هذا المجال، سيكون مجال دراستها في مكان آخر، بينما سنهتم هنا بإبراز علاقة «أزمة الاستبدال» بانعقاد الدورة الثانية للمؤتمر السوري. بينما تكيّف فيصل نسبيًا مع الأمر الجديد حين أفهمه البريطانيون بشكل قاطع أن كليمنصو هو «صاحب الشأن في سورية»، ومهّدوا للقاءاته مع كليمنصو التي تمخضت في الأخير عن اتفاقين كان أهمهما ما هو معروف

في الحوليات السورية باسم اتفاق فيصل- كليمنصو في 6 كانون الثاني/ يناير 1920، فإن التحدي الحقيقي الميداني والسياسي لاتفاق الاستبدال صدر عن الداخل السوري. وقد ارتفعت وتيرة التحدي والتعبئة مع إعلان الحكومة الفرنسية في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1919 تعيين الحكومة الفرنسية الجنرال غورو قائدًا عامًا للجيش الفرنسي في الشرق، ومندوبًا ساميًا لفرنسا في سورية وكيليكيا يصل إلى بيروت من أجل تنفيذ اتفاق الاستبدال. اشتد القلق في أوساط الرأي العام السوري حول ما نشرته الصحف عن مهمة الجنرال، وارتفعت وتيرة حركة التطوع في صفوف الشباب في الجيش العربي للرد على ذلك، لكن فيصل أرسل في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 1919 برقية إلى الأمير زيد نشرتها العاصمة بشكل مقتضب، لتهدئة «الرأي العام» هذا نصها: «لا تهتموا بأقوال الصحف. المذاكرة جارية بكل محبة سياسية ومودة». وكان المقصود بكلمة «المذاكرة» محادثاته مع رئيس الحكومة الفرنسية كليمنصو الذي حاول قدر الإمكان، لكن من دون جدوى، أن يتخطى جموح «الحزب الاستعماري» الفرنسي لاحتلال سورية كلها، وأن يبقي لفيصل الحكم الداخلي للمنطقة الشرقية تحت الانتداب الفرنسي. مع ذلك رأى فيصل استبيان الوضع في الداخل، وكان لا يستبعد خيار مقاومة الفرنسيين بالسلاح في حال غض البريطانيون النظر عن ذلك.استوضح نوري السعيد في ضوء ذلك في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1919 رأي الحكومة العربية حول مدى استعداد الأمة لمقاومة حلول القوات الفرنسية مكان القوات البريطانية بموجب اتفاق الاستبدال54. فانقسم موقف الحكومة العربية (مجلس المديرين) حول كيفية التعاطي مع هذه الأزمة، بين ياسين طه الهاشمي، رئيس ديوان الشورى الحربي (وزير الدفاع)، الذي تبنّى موقف الدفاع والمواجهة، ورئيس الحكومة والحاكم العسكري العام الفريق رضا باشا الركابي الذي تبنّى موقف «التسكين والتهوين»، بينما أشار الأمير زيد بضرورة الوقوف على رأي المؤتمر السوري «باعتباره يمثل الأمة». كان ذلك أول انقسام في تشكيلات الحركة العربية الحديثة بين «الراديكاليين» و»المعتدلين». فقبل يومين من بدء انسحاب القوات البريطانية، هاجت دمشق، وشكّل المؤتمر السوري لجنة من أعضائه لإبلاغ المعتمديات

الأجنبية بأنه «يحتج على كل قرار أو اتفاق يخالف تصويت الأمة بضرورة المحافظة على وحدة البلاد السورية واستقلالها». وسريّت الوفود إلى المعتمديات الأجنبية ودار الإمارة لإبلاغها «أن الأمة مصممة كل التصميم على الدفاع عن وحدة البلاد السورية واستقلالها التام»، وارتفعت وتيرة التطوع والتدريب الفعلي على السلاح في أحياء دمشق وحماة وحلب، وأضربت حماة. وكان واضحًا من تركيبة وفد المؤتمر السوري وقادة الوفود الشعبية أن «الفتاة» و»الاتحاد السوري» هما اللذان يقفان في قلب عملية «التعبئة» السياسية ضد اتفاق الاستبدال. وبات للجبهة الشعبية «معنى ملموس أكثر ممّا كان عليه في صيف العام »1919. وتشكّل في سياق الفرز بين اتجاهي الهاشمي (الراديكالي) والركابي (البراغماتي المعتدل) بين فترة 5-1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919، أي بالتزامن مع خطة الاستبدال المقرر بدؤها في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر «اللجنة الوطنية العليا» بزعامة الشيخ كامل القصاب التي ستمثّل أحد أقوى اللاعبين السياسيين-الاجتماعيين الشعبيين في تطور الحياة السياسية في سورية حتى الاستقلال والاحتلال الفرنسي. تظاهرت المدن السورية، وفي مقدمتهما حلب ودمشق، في ما وصف ب«التظاهرة الوطنية الكبرى» تحت عنوان «في سبيل التطوع»59. وارتفعت وتيرة التطوع في فصائل اللجنة الوطنية العليا، وتدريب الشبيبة على استخدام السلاح بمعدل يومين كل أسبوع. ووصلت الحركة إلى الأقضية، مثل السلمية ومنبج والباب وأنطاكية وإدلب وجسر الشغور ودير عطية.. إلخ. وسارت في دمشق في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر تظاهرة «ألفية» صاخبة شاركت فيها الأحياء المسيحية والمسلمة واليهودية وأحياء الدروز والمغاربة، بينما شكّل زعماء الأحياء في مدينة حلب، وفي مقدمتهم أحمد كدرو المصري، زعيم حي القصيلة، ميليشيا قوامها 680 رجالً لملء الفراغ الناتج من الانسحاب البريطاني، وللمساعدة على حفظ الأمن في المدينة عشية جلاء الجيش البريطاني عن حلب.عند وصول الجنرال غورو في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919 إلى بيروت كأول مفوض سام فرنسي على سورية ولبنان، على رأس 30 ألف جندي، غدت المواجهة على الأبواب. وبينما استُقبل غورو «بتنظيم المظاهرات المؤيدة لفرنسا في العديد من المناطق (= اللبنانية) التي تتواجد فيها عناصر كاثوليكية ومارونية»، فإن دمشق شكّلت لمواجهته مركز عملية التعبئة التي قادتها «اللجنة الوطنية العليا»، وارتبطت بها جميع الهيئات الوطنية الأخرى في نوع من «جبهة شعبية». لكن بينما وصل الجنرال غورو بشهوة الفتح والاحتلال، قامت القوات البريطانية في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919، قبل جلائها عن دمشق بأربعة أيام وبعد وصول الجنرال غورو بيوم واحد، باعتقال ياسين طه الهاشمي رئيس ديوان الشورى الحربي (وزير الدفاع) بأمر من أللنبي، بطريقة «نذلة» بعد دعوته إلى

فنجان شاي، وأبعدته إلى الرملة. ووصف دروزة عملية اعتقال الهاشمي ب«الخطف». فوجئ فيصل بالاعتقال، وأثار «عظيم استغرابه»، كما أن اعتقال الهاشمي شكّل ضربة للفتاة، فهو لم يكن الروح المحركة للعهد العراقي فحسب، بل كان من «أركان الفتاة وعمدها» في وقت واحد، ورأس مقاومة عملية «الاستبدال» والتحشيد المنظم لمقاومتها بتوزيعه نحو 5000 بندقية على الشباب المتطوع في إطار «اللجنة الوطنية العليا» للحيلولة دون اختراق غورو للأقضية الأربعة. أضربت الأسواق احتجاجًا على اعتقال الهاشمي، وصدرت الصحف مجلّلةً بالسواد، وتظاهرت المدن السورية، ولاسيما دمشق، ضد ذلك، وكانت أولى تظاهرات احتجاجية عارمة تشهدها المدن السورية، عربّت عن نشوء «رأي عام» وفق محب الدين الخطيب، الذي كان أول من استخدم هذا المصطلح، ليُمضي الهاشمي في المعتقل خمسة شهور و 23 يومًا، حتى أيار/ مايو 192068. عُقد المؤتمر السوري في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922 بدفع من نائب الأمير فيصل، الأمير زيد، الميال للراديكاليين في جلسة سرّية، أي في اليوم الذي جرى فيه «اختطاف» الهاشمي، لمناقشة الموقف من عملية «الاستبدال». وعرض الركابي في المؤتمر بيان حكومته بشأن طبيعة اتفاق «الاستبدال» بأنه «إجراء مؤقت». وقد اعتبر المؤتمر نفسه «ممثالً للأمة السورية قانونيًا وسياسيًا»، على أساس مفهوم «أمة ديموقراطية بحتة، والحاكمية الملّية (= القومية أو الوطنية) فيها هي الأساس الوحيد»، واعتبر أن اتفاق لويد جورج-كليمنصو «لأكبر شاهد على سوء القصد بشأن مصير سورية». وطرح المؤتمر «إعلان الاستقلال التام للقطر السوري بحدوده التي عيّنها المؤتمر السوري بقراره الذي قدمه للجنة الدولية الأميركية، وإنه غير قابل للتجزئة ولا الانقسام بوجه من الوجوه، مع تعيين شكل الحكومة بأنها ملكية شورية مدنية». وطلب المؤتمر «تشكيل حكومة مسؤولة أمام الأمة»، أي أمام المؤتمر السوري، تحل مكان حكومة المديرين المسؤولة أمام الأمير، و«اتخاذ وسائط الدفاع عن وطنها (= الوطن) المهدَّد بالاستعمار». ووجّه المؤتمر السوري في اليوم نفسه بيانًا «إلى الشعب السوري الكريم» يلخّص قراره في أنه «يوجب على الأمة الدفاع الوطني ماالً وبدنًا ضد كل من يحاول إخلال وحدة البلاد واستعمارها والعبث باستقلالها» والمسارعة «إلى تلبية نداء الوطن والشرف». في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1919 رغم الركابي على تقديم استقالته، وتألفت حكومة جديدة احتل فيها أُ الدفاعيون مناصب أساسية. وفي هذه الفترة أوفد سعيد حيدر للبحث في التحالف مع قيادة حركة الاستقلال

في تركيا (الكمالية) بقيادة مصطفى كمال. وعملت الحكومة ومن خلفها الحركة العربية والمؤتمر السوري على الربط بين حركة «اللجنة الوطنية العليا» في المدن وبين الأرياف، وفي 12 كانون الأول/ ديسمبر 1919 وصل سلطان باشا الأطرش -على حدّ ما نشرته الجريدة الرسمية- على رأس 400 فارس «للدفاع عن استقلال البلاد ووحدتها». وهكذا، كان «فرسان» سلطان باشا الأطرش من أوائل من دخلوا دمشق في أواخر الحكم العثماني، كما كانوا من أوائل من تقدموا ميدانيًا في هذه اللحظة الحرجة للحيلولة دون السيطرة الفرنسية على سورية. وجرى توثيق الصلات مع ثورة الشيخ صالح العلي في جبل العلويين، ودعمها عسكريًا وتدريبيًا، وهي الثورة الأولى التي اندلعت منذ شباط/ فبراير 1919 ضد الفرنسيين، واصطفت العشائر العلوية في المناطق الجبلية الأخرى، ولاسيما جبل الكلبيّة خلف الحكم العربي. وفي ضوء ذلك، تم تمثيل محمد الخريّ، أحد وجوه عائلة الخريّ البارزة في جبل العلويين في سورية، توكيالً في المؤتمر في سياق اصطفاف عشائر جبل الكلبية مع الحكم العربي في مواجهة اتفاق الاستبدال. كما تم تمثيل دير الزور بعد طرد القوات البريطانية منها في أواخر العام 1919 بعدة مندوبين. ووقعت معركة ضارية دامت ست ساعات بين الجيش العربي والقوات الفرنسية التي تقدمت لاحتلال سهل البقاع. أعلنت الحكومة قانون الدفاع الإجباري، وحركت الثورات وحرب العصابات ضد القوات الفرنسية في كل مكان متاح. وتحوّلت الحركات الثورية ضد البريطانيين، فتمكّن الثوار حتى من طرد البريطانيين من دير الزور.

وكان أعضاء المؤتمر السوري، مثل إبراهيم هنانو ومحمود الفاعور والدندشي، من أبرز قادتها. وفي هذه الشروط الحرجة عاد فيصل باتفاقه مع كليمنصو، وكانت الحياة السياسية-الاجتماعية السورية قد شهدت تبدلات كبيرة، وفرزًا كبيرًا بين القوى السياسية والاجتماعية، وتغيرًا في أدوارها. ولم يستطع فيصل تمرير الاتفاق، فلقد تحالف غورو مع دوكيه ضد الاتفاق، ثم مع سقوط كليمنصو في كانون الثاني/ يناير 1920 غدا الاتفاق بلا معنى. فسارت البلاد نحو إعلان الاستقلال التام، وعُقدت في هذا السياق الدورة الثالثة المفصلية للمؤتمر السوري، التي يمكن وصفها بدورة الاستقلال.

الدورة الثالثة، دورة الاستقلال: الدستور السوري الأول في بعض الأصول والأساسات الدستورية

في 6 آذار/ مارس 1920 عقد «المؤتمر السوري» دورته الثالثة بدعوة من فيصل برئاسة هاشم الأتاسي. وألقى الكاتب الخاص عوني عبد الهادي كلمة فيصل في المؤتمر بشأن طلب «الاستقلال السياسي التام»، ودعوة المؤتمر السوري إلى تقرير شكل الدولة على أساس الوطنية، ووضع دستور لها. واتخذ المؤتمر السوري بالإجماع، بوصفه «يمثّل الأمة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية»، قرارًا ب «استقلال بلادنا السورية التي منها فلسطين بحدودها الطبيعية استقلالا تامًا لا شائبة فيه »، مبنيًا على الأساس المدني النيابي، وحفظ حقوق الأقلية، ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود أو محلّ هجرةٍ لهم». وفي 8 آذار/ مارس تلا عزة دروزة، سكرتير المؤتمر وسكرتير جمعية «العربية الفتاة» السرّية في وقت واحد، القرار من شرفة البلدية أمام الألوف المحتشدة في ساحة المرجة التي شهدت تعليق جمال باشا لرجال الحركة العربية على المشانق عام 1916، وكان العلم السوري يخفق، وهو نفسه علم الثورة الكبرى مضافًا إليه نجمة واحدة بيضاء في المثلث الأحمر، كما تلا توفيق السويدي قرار المؤتمر العراقي باستقلال العراق. وتلقّى فيصل مبايعة رؤساء الطوائف الروحية، وحرص بطريرك الروم الأرثوذكس غريغوريوس الرابع (1928-1859) إبان المبايعة على أن يذكّر الملك باتفاق الرؤساء الروحيين معه يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 على مبادئ عقد مبايعتهم له. وتم تجديد البيعة له ملك ا على «سورية بحدودها الطبيعية» على أساس «طاعة الله، احترام الأديان، الحكم شورى على مقتضى القوانين والنظامات التي تُسن للملك، المساواة في الحقوق، توطيد الأمن، تعميم المعارف، وإسناد الوظائف والمناصب إلى أكفائها».

النموذج القومي اللامركزي للدولة

وضعت اللجنة مشروع الدستور المؤلف من 148 مادة ل«المملكة العربية السورية، بالاستناد إلى ما وصفته ب«القرار التاريخي» الذي «وضعته هيئة المؤتمر العامة» في دورتها الأولى (حزيران/يونيو 1919)، وأودع لدى لجنة كينغ-كراين. وبذلك أكدت الاستمرارية في دورات المؤتمر السوري منذ دورته التأسيسية الأولى. ووضعت اللجنة هذا المشروع على أساس نموذج مرن للدولة القومية البسيطة الموحدة، هو النموذج القومي اللامركزي إداريًا، الذي يقوم إداريًا في تصميمه على «نظام المقاطعات المستقلة استق الً إداريًا داخليًا تامًا في إطار «وحدة سياسية لا تقبل التجزئة»» (المادة 2).. وقصد بها الآباء المشرّعون السوريون نظامًا يختلف عن مجلس الولاية في النظام الإداري العثماني، ولذا لم يوافق المؤتمر على استبدال مفهوم المجلس النيابي للمقاطعة بمفهوم مجلس الإدارة، لكنه عدل مفهوم «الاستقلال الإداري الداخلي التام» الذي اقترحته لجنة الدستور إلى مفهوم «اللامركزية الواسعة في إدارتها الداخلية»(المادة 123)، إذ لم يكونوا يفكرون في المقاطعات في ضوء مفهوم الولاية العثماني بل في ضوء مفهوم جديد يتصور إمكان إعادة تنظيم المجال الإداري للدولة على أساس المساحة الجغرافية (لا يقل عن خمسة وعشرين ألف كم 2)، وحجم السكان (لا يقل عن خمسمئة ألف نسمة)، «وأن تراعى فيها الارتباطات الطبيعية والاقتصادية» (المادة 125). وسنقارب في الفقرات اللاحقة بشكل مكثف هذه «الأصول والأساسات»، بينما سندمج بعضها في فقرة قضايا الخلاف، لإبراز حيوية الجدل الاجتماعي-السياسي كما يظهر دستوريًا حولها.

الحاكمية الملّية (القومية) والشكل النيابي الدستوري

انطلقت اللجنة في وضعها الدستور ممّا سمّته «الأصول والأساسات التي تتجلى بها الحياة الديموقراطية» على أساس «الحاكمية الملية». وكان هذا المفهوم قد ورد أول مرة في قرار الدورة الاستثنائية الثانية للمؤتمر السوري في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919 بمعنى الحاكمية القومية والوطنية في ضوء التفسير الحديث لمفهوم الملّة في الخطاب العثماني يومئذ، وذلك في صيغة «إننا أمة ديموقراطية بحتة، والحاكمية الملية فيها هي الأساس الوحيد»، الذي يستوجب «أن تكون الحكومات وطنية، ولمجلس الأمة حق المراقبة عليها ضمن حدود القانون الأساسي».

وشرحت اللجنة المقصود بها في أنها «حاكمية الأمة لتكون حاكمة نفسها بنفسها»، وأمّا الشكل الذي تتجلى فيه هذه «الحاكمية» فهو الشكل «النيابي الدستوري» الذي تحدد المادة (1) شكل حكومته بأنه «حكومة ملكية مدنية نيابية مسؤولة أمام المجلس النيابي العام» (المادة 28). وأرسى الدستور في مفهوم الحكومة الملكية المدنية النيابية مفهومًا ل«السلطة المقيدة» على حد تعبير لجنته ب«ما لا سبيل بعده لما يخشى من وقوعه في الاستبداد، ولا ما ينافي حاكمية الأمة في شؤونها الداخلية والخارجية». وبالتالي فإن الشكل النيابي الديمقراطي (وقد استخدمت لجنة الدستور هذا المصطلح، كما سبقتها الدورة الثانية في استخدامه) هو المعادل القانوني المؤسسي ل«الحاكمية الملّية»، وتصورت اللجنة نظامًا ديمقراطيًا يقوم في إطار الملكية الدستورية النيابية على فصل واسع بين السلطات الثلاث. وحدّدت لجنة الدستور بشكل دقيق دواعي ترشيح الأمير فيصل للعرش، ونظمت مواده «حقوق الملك» في إطار المفهوم المقيد للملَكية الدستورية، الذي تحكمه منطلقات قومية أكثر ممّا هي دينية. ووفق الدستور، «تنحصر الملوكية بذرّية الملك فيصل الأول، أو بأحد ذرّية الملك حسين الأول ملك الحجاز» (المادة 5) لنبل محتدّه العربي، وإخلاصه للقضية السورية. وإن لم يبق من صلب الملك فيصل الأول ذكر على أن «ينتخبهالمؤتمر مجتمعًا، بموافقة ثلثي أعضائه» (المادة 5). وفي حال كون ولي عهد دون سن الثامنة عشرة، «ينتخب المؤتمر بالأكثرية المطلقة نائبًا له يدير شؤون المملكة، باسم الملك، ويشترط أن لا يكون النائب من صنف الجند» (المادة 6). وليس هناك أي اشتراط بأن يكون نائب الملك من الذرية الهاشمية. وحدّدت (المادة 7) قسَم الملك أمام المؤتمر ب«يمين الاحترام للشرائع الإلهية، والأمانة للأمة، والمراعاة للقانون الأساسي»، كما حدّدت قسَم نائبه (المادة 6). ومنحت المادة (9) الملك سلطة «فتح المؤتمر وفضّه»، و«دعوته في غير أوقاته العادية»، و«أن يعنيّ الوزراء، ويصدّق على تشكيل الوزارة، ويقبل استقالتها، ويصدّق على القوانين»، لكن القضايا الكبرى كافة، مثل «إعلان الحرب، وعقد المعاهدات»، خاضعة لموافقة المؤتمر كي تغدو نافذة (المادة 9). وفي تحديد الحكومة، ينص الدستور على أن الحكومة «مسؤولة أمام المجلس النيابي العام» (المادة 28)، وأن رئيس الوزارة المكلَّف يشكّل وزارته ويعرض «أسماءهم على الملك» (المادة 29)، وأن جميع القوانين أو القرارات لا تُنشر ما لم تكن موقّعة من رئيس الوزراء والوزير المعني، مصدّقًا من ق 32ِبل الملك (المادة)، بينما لا تسري أوامر الملك إالّ إذا كانت «موقّعة من رئيس الوزراء والوزير الذي يعود إليه تنفيذ ذلك الأمر» (المادة 33). وحرص الدستور على الفصل بين الأسرة المالكة والسلطة التنفيذية كيلا يتم صرف النفوذ واستخدامه، فنصت المادة (34) على عدم جواز «دخول أحد من الأسرة المالكة في هيئة الوزارة» (المادة.)34

الوحدة الأساسية للدولة: المواطنة والهوية

إذا كانت وحدة المجتمع الأساسية تقوم في ضوء الفكر الحديث على «الفرد»، فإنها تقوم في مفهوم الدولة على «المواطن». وقد راعى الدستور في ضوء مستوى التطور الاجتماعي، وتأصّل نظام الملل (الديني) العثماني على

مستوى الروابط الاجتماعية العمودية، حقوق «الأقليات»، وحلّ إشكالية العلاقة بين المواط نة والهوية. والحقيقة أن مشروع الدستور، ومن ثم المواد المقرّة منه بالقراءة الأخيرة من جانب المؤتمر السوري يستخدم عدة مصطلحات، هي «المملكة العربية السورية» (المادة 1)، و«المملكة السورية» (المادة 2)، و«المملكة السورية العربية» (المادة 5). أمّا في الأسباب الموجبة لوضع لائحة الدستور-القانون الأساسي، المقدَّمة إلى المؤتمر، فلا يرد سوى مصطلح «الأمة السورية» و«المملكة السورية» و«بلادنا السورية» و«الشعب السوري». ويبدو أن اللجنة تبنّت في بيان الأسباب الموجبة مفهوم «السوري» من دون إضافات، لكنها وضعت ثلاث صيغ في مشروع المسودة ليبت المؤتمر صيغتها النهائية. وقد يعكس ذلك الجدل في الحركة العربية الحديثة بين جناحي حزب «الاتحاد السوري» الذي ركز برنامجه على إقامة دولة سورية عربية في سورية الطبيعية و«العربية الفتاة» التي كانت تتطلّع إلى إقامة دولة عربية كبرى في آسيا العربية، تضم على الأقل سورية الطبيعية والحجاز والعراق. لكن ما هو مسلَّم به لدى الجناحين رغم هذا الخلاف هو سورية العربية، فكان الطرح على مستوى المصطلح لا على مستوى المفهوم. لقد تبنّى المؤتمر السوري هذه الصيغ مجتمعة كما وردت في المواد المقترحة، ولم يثر أي جدل بشأن تعدّدها المصطلحي؛ إذ كانت روحية المشرِّعين كما المؤتمر هي الروحية التكاملية (Integration) في تصوّر التكامل الاجتماعي أو بناء الأمة، لا الروحية الصَّهْرية Assimilation() لنموذج الدولة -الأمة الأوروبي، لاسيما الفرنسي منه، ولاحقًا التركي الكمالي. ولقد تبنّت الدولة العربية حتى في مرحلة حكومة المديرين قبل الاستقلال، الروحية الاندماجية في ممارستها القانونية والسياسية؛ إذ حاولت الحكومة العربية منذ أيام فتوتها القومية الأولى، وقد غدا لها مكان في الحكم، وتحديدًا منذ 2 كانون الأول/ ديسمبر 1918، حصر السكان الأتراك في مدينة حلب، تمهيدًا لترحيلهم عنها، وهو ما دفع إلى نشر دعاية «تركية» مضادة لهذا الإجراء السياسي القوموي ضد شكري الأيوبي، الحاكم العسكري العربي لحلب، بأنه لا يقوم بذلك إلا لأنه حاقد على «الأتراك»، ويهدف إلى «تصفيتهم». وفي هذا السياق تردّدت في حلب أصداء قوية لما ا م به شكري باشا في الآستانة من قيامه بالانتقام من الجنود الأتراك إبان عملية انسحابهم من دمشق، والزعم بأنه أجرى «قتلا عاماً» فيهم. والواقع أن الأيوبي اتخذ إجراءات قوموية ضد الأتراك. وكي يهدئ الحاكم العسكري العام رضا باشا الركابي من النزاع الناشب في حلب بين ذوي الولاء التركي وذوي الولاء العربي، وجّه إلى أهالي حلب بلاغًا فحواه أن الحكومة العربية لا تنظر إلى ماضي بعض الحلبيين في التعاون مع السلطات العثمانية السابقة، وأنها تعتمد «جامعة الضاد» ك«جامعة مدنية» للجميع. وخلافًا لما هو منتشر حتى لدى الباحثين، فإن حجم من كان يتكلم التركية في حلب كان نحو 20 في المئة من سكانها فقط، كما لم يكن الأعيان كلهم يتقنون اللغة التركية، وهو ما حال بين هؤلاء وبين الترشح لعضوية مجلس المبعوثان العثماني الذين اشترط فيهم معرفة اللغة التركية. ولتخفيف أثر هذه الدعاية، قرر شكري الأيوبي تسهيل ترحيل الأتراك من حلب فورًا، مستثنيًا منهم فقط الأتراك المولودين في حلب، والمتصاهرين مع العرب، أمّا الأتراك ذوو العلاقات «التجارية أو العقارية» مع حلب، «ممن اشتهروا بحسن السيرة والسلوك ولهم مدة في حلب» ف«يعفى عنهم، ويؤجّل سفرهم». ويعني ذلك أن الأتراك

المولودين في حلب أو المتصاهرين مع عائلاتها لم يُعتبروا ضمن فئة الأتراك «الخلّص» المرشحين للترحيل. ومثَّل ذلك تطورًا مهامً في النظرة المواطنية إلى من هو تركي مولود في حلب أو متصاهر مع أهل حلب. تحكّمت الروحية الاندماجية العامة في صوغ مفهوم المواطن في الدستور السوري؛ إذ صاغ الدستور مفهوم المواطن «السوري» بغضّ النظر عن أي تحديد ديني أو لغوي أو أقوامي له، بأنه يُطلَق «على كل فرد من أهل المملكة السورية العربية» (المادة 10)، وفق قاعدة التساوي أمام القانون في الحقوق والواجبات (المادة 11)، وضمن الدستور حرية الأفراد والجماعات، ولاسيما حق تشكيل الجمعيات، وعقد الاجتماعات (المادة 17) من دون تحديد مسبق لهويتها الثقافية، وعدم جواز «تفتيش ومعاينة المطبوعات قبل الطبع» (المادة 20)، و«لا يجوز مطلقًا التعرّض لحرية المعتقدات والديانات» و«للحفلات الدينية لجميع الطوائف، على أن لا تخل بالأمن العام، ولا تمس شعائر الأديان والمذاهب الأخرى» (المادة 14). ولهذا كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية (المادة 3)، لكن لم يرد أي نص بأن السوري هو من يتكلم اللغة العربية ويمارسها، بل السوري هو «كل فرد من أهل المملكة السورية العربية» (المادة 10). وبالتالي لم يكن هناك أي شيء يوحي بعزم الآباء المؤسسين للدولة السورية الأولى على استخدام اللغة العربية كوسيلة ضم قومي صهري دمجي.

النزعة الشعبية الديمقراطية النسبية في مواجهة الأعيان

انطلق الدستور كمبدأ من مفهوم النظام الديمقراطي، لكنه حدّد النظام الانتخابي بما يعطي رجحانًا لممثلّي الاتجاهات والقوى العصرية والمتعلمة في مواجهة سلطة «الأعيان». وهو ما برز في تصميم تركيب مدة العضوية في المجالس النيابية للمقاطعات، التي قامت على التداولية، كما في تصميم انتخاب مجلسي النواب والشيوخ، وتقليص فرص تأثير من وصفتهم لجنة الدستور ب«أرباب الوظائف والمناصب، وسواء من غيرهم أصحاب المكانة والوجاهة» في الانتخابات، وتحويل الشعب «إلى آلة في يد المتغلبين ذوي النفوذ والتأثير». وبذلك تبنّت لجنة الدستور، كما المؤتمر السوري، بشكل مضبوط نزعة الحكم العربي العصرية المعادية للأعيان التقليديين في حياة الدولة العربية، وسجلت تراجع مكانة الأعيان التقليديين ودورهم على الرغم من التكوين التنظيماتي القوي لبعضهم في الحياة الاجتماعية-السياسية دستوريًا، لصالح النخب والفئات الحديثة التي تفكر في مسألة بناء الدولة القومية الحديثة لا في التوسط بين المجتمعات المحلية والسلطة المركزية. نستخدم مفهوم الأعيان بالمعنى الذي استخدمه ألبرت حوراني؛ فهو «مفهوم سياسي وليس اجتماعيًا. والقصد به من يستطيع أن يلعب دورًا سياسيًّا ما كوسيط بين الحكومة والشعب، وزعيامً-إلى حد ما- لسكان مدينيين». وقد تراجع دور أعيان دمشق في الحياة السياسية بعد الجلاء العثماني وقيام الحكم العربي، حيث أخذ «الشبان الأحرار» «ينافسون الذوات القدامى» أو «سراة القوم» على حد تعبير يوسف الحكيم، وهو ما دفعهم إلى التكتل، وتشكيل حزب محافظ في كانون الثاني/ يناير 1920 حمل اسم «الحزب الوطني»، مثّل «أعيان دمشق» في مواجهة تنظيمات الحركة العربية الحديثة، وفي مقدمتها «الفتاة». وكان هذا الحزب «حزب الذوات الأرستوقراطيين الذين يعملون على المحافظة على سلطتهم ومصالحهم الخاصة»، أو حزب «أهل الطبقة

العالية من مسلمين ومسيحيين» على حد وصف كرد علي. وقد تشك ل، وفق كرد علي نفسه، ليكون «حاجزًا دون انبعاث ما يكدّر من العوام»، لكنه ظل، بلغة دروزة، عبارة عن جمعية وجهاء دمشق أو «حزب وجهاء دمشق» ذي نفوذ محصور فيها. ووضع صراعه ضد شبان الحركة العربية في إطار «الدفاع عن حقوق الشاميين إزاء منافسة ما كان يسمّى بالغرباء، وكانت هذه التسمية تعني الفلسطينيين والعراقيين». وقد انحاز «كهول» الفتاة الشوام مع بعض الشباب إلى الأعيان، مثل البكريين فوزي ونسيب، ومثل محمد الشريقي على مستوى الشباب، إذ كانوا مع تطلعات الحركة العربية الحديثة، وبرنامجها القومي الاستقلالي، لكن لم يكونوا مع الأفكار الاجتماعية الحديثة التي ميّزت الشبان. لقد كانت روح الحكم العربي موجَّهة ضد مزايا الأعيان وعلامة سطوتهم وجاههم، إذ ألغت الدولة العربية الألقاب العثمانية، مثل أفندي وبك وآغا وخواجه، واستعاضت عنها بألقاب عربية كسيد وأستاذ ومعلم، وتسابقت الحكومة والصحف السورية على إلغائها. وكرّس الدستور إطاحة المكانة «المميزة» للأعيان من خلال شرحه مفهوم «الحكم النيابي» بأن المواد التي نص عليها الدستور في هذا المجال تكفل «المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بحيث لم يعُد ثمة فرق بين الوزير وغيره من عامة الناس في الجرائم العادية والحقوق الشخصية والتضمينات المالية». من هنا، لم يكن مفارقةً أن يتم وصف وضع الأعيان بتحولّهم، بلغة بيكودو، إلى «أيتام النظام العثماني». ونجم عن ذلك من ناحية النص الدستوري، حصر الدستور سلطة مجلس الشيوخ بنطاقات محددة تعطي الأولوية في البت النهائي لمجلس النواب لا لمجلس الشيوخ (المادة.)62

قضايا الخلاف والاستقطاب

-1 تشكّل كتلتي «الديموقراطي» و»التقدم» في سياق الجدل النيابي كانت لجنة وضع الدستور (القانون الأساسي) قد تشكّلت في تموز/ يوليو 1919 برئاسة هاشم الأتاسي، خريج كلية غلاطة سراي. وبعد عشرة أسابيع، وضعت مشروع الدستور المؤلَّف من 148 مادة على أساس

النموذج القومي اللامركزي للدولة. وابتداءً من العشر الأخير من آذار/ مارس إلى 17 تموز/ يوليو 1920، كان المؤتمر قد أنجز القراءة الأولى لمواده وسط مناقشات «شديدة»، على حد وصف جريدة الدفاعلها. وانتقل في 3 تموز/ يوليو 1920 إلى تدقيق مواده السبع الأولى، وصادق المؤتمر عليها في 14 تموز/ يوليو. وبسبب تسارع وتيرة الأحداث الناتجة من إنذار غورو، اقترح رياض الصلح في جلسة 15 تموز/ يوليو أن يقرر المؤتمر قبول لائحة القانون الأساسي بالقراءة الأولى، وتقديمه إلى الحكومة ليقترن بتصديق الملك عليه، ويجري إيجابه. حينكان المؤتمر قد أنجز المواد السبع الأولى، وفي 17 تموز/ يوليو 1920، بينما كان يناقش المادة الثامنة، وكانت الأكثرية اللازمة للتصويت مفقودة، قطع وزير الحربية يوسف العظمة الجلسة وألقى بيان الحكومة، وتوقفت أعماله، إذ غدت سورية على أبواب المواجهة مع الجيش الفرنسي. أفرز الجدل حول الدستور خلال ذلك ظهور كتل وتجمعات برلمانية خارجة عن تحكمه، وتبلور ذلك في ظهور كتلتين حزبيتين برلمانيتين في المؤتمر السوري، هما كتلة حزب التقدم وكتلة الحزب الديموقراطي. كان حزب التقدم يمثّل الكتلة أو الواجهة البرلمانية لحزب الاستقلال ولتشكيلاته، مثل «النادي العربي»، التي تقودها جمعية العربية الفتاة، وقد ترأسه رشيد رضا (1865 – 1935) قبل أن يُنتخب رئيسًا للمؤتمر السوري، لكنه ظل داعامً له. وضمَّ حزب التقدم نحو 65 عضوًا من أعضاء الاستقلال وأصدقائه، بينما كان الحزب الديموقراطي يمثل المحافظين، وضم حوالي 30 نائبًا من معارضي «الفتاة» وحزب الاستقلال. وخصص لكل حزب جناح في مبنى المؤتمر في بناية العابد في دمشق. وكان كل حزب يجتمع بشكل مستقل عن الآخر، ويتخذ قراراته. وكان حزب التقدم بمنزلة حزب الحكومة بينما كان الحزب الديموقراطي بمكانة حزب المعارضة. وكان أقطاب الحزب الديموقراطي هم أقطاب الحزب الوطني الذي تشكل كتعبير عن مصالح وجهاء دمشق واتجاهاتهم، ومن أبرزهم الشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ تاج الدين الحسني وأحمد القضماني. كان الحزب الديموقراطي محافظًا من الناحية الفكرية لكنه راديكالي من الناحية السياسية الوطنية. وقد اتّسم باتساع قاعدته الجماهيرية نتيجة محاولته تحويل فروع اللجنة الوطنية إلى فروع للحزب، ولهذا بلغ عدد أعضائه في حزيران/ يونيو 1920 ما ينوف على 1500 عضو، ويبدو أنه قد تشكّل في الفترة نفسها حزب برلماني بينهما أطلق على نفسه اسم «الحزب الوطني المعتدل»، وكان له ممثلون في المؤتمر السوري. وكان يضم بعض أقطاب كتلة الحزب الديموقراطي مثل عبد القادر الخطيب.

في 5 أيار/ مايو 1920، برز الاستقطاب بين حزب التقدم والحزب الحر المعتدل في التنافس حول رئاسة المؤتمر السوري، بعد شغورها نتيجة تويلّ هاشم الأتاسي رئاسة الحكومة؛ ففي حين دعم حزب التقدم الشيخ رشيد رضا للرئاسة الأولى للمؤتمر، دعم الحزب الحر المعتدل رضا الصلح، بينما حصد مرشح الحزب الحر المعتدل جرجس الدعاس، بدعم من حزب التقدم، أصوات الحزبين. وفاز في الانتخابات رشيد رضا مرشح التقدم ورئيسه. -2 قضية المرأة وحق الانتخاب وسياقها الاجتماعي (*) ورثت المملكة السورية قوانين عثمانية تقدمية في مرحلة التنظيمات العثمانية الاتحادية في مجال علمنة القوانين، وفي عدادها مجال حقوق المرأة، ومشاركتها في الشأن العام. وكان المشرّعون السوريون في المؤتمر السوري العام عمومًا ممّن ساروا مع تلك التحديثات. وقد تبنّى بيان الحكومة الاستقلالية تلك القوانين من خلال النص على السير «وفق القوانين العثمانية المرعية على أن يدخل عليها حسب الأصول التحويرات والتعديلات الأساسية». وقد تم هذا التبنّي في سياق بروز دور المرأة السورية في المجال العام الوليد، الذي ظهرت فيه أولى المنظمات النسوية باسم «جمعية الاقتصاد النسائي الخيري»، التي انخرطت في الحياة العامة، وحدّدت أغراضها ب«محاربة الأزياء، ونبذ العادات الذميمة، ومساعدة التجارة الوطنية، وإعانة مستشفيات الجنود وغيرها، وإسعاف دور الأيتام، وفتح ملجأ للفتيات البائسات الفقيرات، وفتح شعبة لتعليم التطريز المنزلي،.. إلخ». وشكّلت نازك العابد مع بعض سيدات دمشق «مدرسة بنات الشهداء» و«جمعية الهلال الأحمر النسائية»، ودعت الجمعية عشية التعبئة الشعبية لمواجهة الغزو الفرنسي الوشيك «رجال الوطن» للذود عنه، ضد الفرنسيين. كانت السيدات اللواتي شكّلن قوام الحركة النسوية الوطنية يتألفن من زوجات وشقيقات قادة الحكم، مثل زوجات علاء الدين الدروبي ونوري السعيد والشريف جميل ويوسف العظمة وجعفر باشا العسكري وفارس الخوري، وكان بينهن ث الث سيدات من عائلة مردم بك، وسيدتان من آل العابد. وكان من المفهوم في سياق هذه الحركة أن

تتمتع المرأة بحرية نسبية في زيها، فأخذ الحجاب التقليدي يتخطى التخفّف من الحجاب السميك إلى الحجاب «الخفيف» الذي منعته مشيخة الإسلام في عهد عبد الحميد الثاني، نحو السفور (سفور الوجه)، بتأثير نشاط المنظمات النسوية الوليدة، وبفعل «حملة أدبية روج لها شبان الحركة الحديثة». وقد نمذج محمد عزة دروزة اتجاهات هؤلاء الشبان، إذ رأى أن «الحجاب عادة مبتدعة منذ قرون عُزيت إلى الإسلام» و«لا يجوز أن نحملها على التقاليد الدينية». وبفعل الروح التحررية العامة في مرحلة الحكومة العربية، اتسع نطاق التحوّل من «النقاب» إلى السفور نسبيًا، ولاسيما في أوساط المرأة المتعلمة، فسار «بعض الجهال يتبعون النساء خارجًا متهكمين»، ودفع ذلك «بعض الصبية إلى التهجم على النساء في الطريق، وإيذائهن بالقول الجارح بسبب أزيائهن». ووصف رفيق التميمي هؤلاء «الجهّال» ب«الرعاع والسفهاء ». ويبدو أن اعتداءاتهم بلغت حدًا مزعجًا إلى درجة أن رياض الصلح طالب بتنبيه الحكومة إلى أن «المؤتمر لا يرضى بتاتًا بالحوادث التي وقعت في المدينة ضد النساء، ومن العار أن نقبلها». وقد وقفت الحكومة ضد هذه الاعتداءات، واعتبرت أن الزي مسألة شخصية «ليس من شأن أحد التعرض له»، لكنها أشارت إلى أنها ستتصل بولي أي امرأة لردعها في حال «تجاوزها الحد في التبرج والخروج عن مألوف العادة»، مع تسيير دوريات في الشوارع وإنذار كل من «يجرؤ على إيذاء أية امرأة بالقول أو بالفعل من كبير وصغير بأشدّ الجزاء». لقد أُخضعت مواد مشروع الدستور لمداولات جدية تم بموجبها رد بعض المواد وتعديلها. وكان أكثر المواد إثارة للجدل والاستقطاب المادة (7) المتعلقة بحق الانتخاب. وخضعت هذه الإثارة للمتغير الجديد الذي يتمثّل في حضور المرأة في الحقل العام. وقد أثير هذا الجدل بمناسبة الاقتراح الذي تقدم به إبراهيم الخطيب، نائب جبل لبنان وعضو الحزب الحر المعتدل، بأن «يكون للسيدات المتعلمات حق في انتخاب النائب الأول، فأيّده قسم بعد مناقشات طويلة وعارضه آخر». وقد برزت ثلاثة اتجاهات في مناقشة هذه المادة: أ- الموقف المؤيد: تزعمه الشيخ سعيد مراد (الغزي)، أستاذ مادة «مجلة الأحكام الشرعية» في معهد الحقوق في بيروت ثم في دمشق، وكان يُعتبر من أبرز رجال الدِّين والحقوقيين الشرعيين، وقد اتّسمت مواقفه ب«القوة»، على حد وصف محمد عزة دروزة، وتصفه جريدة الدفاعب«بطل حقوق المرأة ­»؛ فقد أورد الشيخ الغزي

حججه «بأن الشريعة الإسلامية سجلت للمرأة حقًا لا يقل عن حق الرجل، وأنها جعلتها في فطنة حاكمة ومجتهدة وعالمة ومحدثة، وما أشبه ذلك، فالشريعة التي تجعل المرأة هكذا لا يمكن أن يقال عنها أنها تمنع المرأة من الاشتراك في بعض المصالح العامة». ب- الموقف المتحفظ: مثّله القانوني البارز عبد القادر الكيلاني، عضو لجنة الدستور، إذ انتقده لبحثه في القضية من «الوجهة الدينية» التي لها «كتب ومنابع مخصوصة»، فالبحث يجب أن يكون «من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية». وفي ضوء رؤيته للوجهة الأخيرة، لم يؤيد منحَ المرأة، في ظل مستوى تعليمها المحدود ومحدودية التقبّل الاجتماعي لمشاركتها الانتخابية، هذا الحق. وكان على مستوى رؤيته الفكرية رحبًا، فهو كان يشارك شباب الحركة العربية الحديثة في أن الحجاب الراهن بدعة وليس هو الحجاب الإسلامي. وكان في حقيقة الأمر « يميل لتأييد الاقتراح وإن كان لا يستحسنه»، على حد تعبير دعاس جرجس نائب جبل الأكراد (هو جبل الأكراد في الحفة لا جبل الأكراد في عفرين). ولم يجد مبرِّرًا للاستعجال بمنح المرأة السورية حق الانتخاب في ظل عدم عموميته في أوروبا نفسها. وقد صاغ الشيخ رشيد رضا، عضو المؤتمر، هذا الموقف بأن «الأمور الدينية الثابتة الصرفة أساسها النص، والأمور المتعلقة بالدنيا، أساسها اعتبار المصالح العامة التي تختلف بحسب الزمان والمكان». وأنه لو تقررت «مصلحة الأمة في إعطاء النساء حق الانتخاب، فعند ذلك يمكننا أن نجد له أصالً شرعيًا، ولكن هذا لم يتحقق، ولم يدرسه أحد». ولكنه ذهب إلى تفسير متشدد حين أشار إلى أن الله تعالى قال «أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم»، وتساءل: «هل النساء من ولاة الأمر؟»، ثم وضع حجة اجتماعية تتلخص في أنه «يُشترط في الانتخاب الحرية الشخصية، فالمرأة إذا كانت في حجر زوجها، هل لها أن تستعمل حقها بالانتخاب إذا منعها زوجها؟». ولكن رضا احتاط لأفكاره واعتبرها أفكارًا أولى لا حكامً، لأنه لم يدقق في المسألة تمام التدقيق، لكنه ثبّت مبدأ «إنه إذا ثبت بإعطاء (= المرأة) هذا الحق نفع للأمة، فالشرع يخرجه، ولكن من أثبت هذا الحق حتى ينفذه؟». وانتهى إلى أنه مع «اعتقاده بوطنية (= المقترح) وإخلاصه» يطلب «رفض مسألة حق الانتخاب للمرأة، وعدم وضعها في القانون» لكنه فسر ذلك أيضًا بتحاشي « فتح باب للمتعصبين»، وأنه «في مثل قرار كهذا تخطب الجمع في الجوامع ضد المؤتمر، وليس فائدة عملية من هذا الأمر». وفي مجمل الآراء المتحفظة، نلحظ التركيز على مسألة التطور الاجتماعي، وهو ما عربّ عنه سعيد طليع، في أنه لو كان في أوروبا لأيّد هذا الحق، لكنه لا يستطيع ذلك في سورية، «فكل قانون لا ينطبق على روح الأمة لا يجدي نفعًا، فسوريا لا تتحمّل هذا القانون». ج- الموقف الرافض: تصدّره الشيخ أحمد القضماني نائب دمشق؛ فقد تهكّم القضماني بالمواقف التحررية تجاه منح المرأة حق الانتخاب، ووصفها «بجعلها الله بنصف عقل ونصف ميراث». وفي ردّ على صبحي الطويل، نائب مدينة اللاذقية الذي رأى أن «المسألة اجتماعية»، ولو لم «يفد منح المرأة حق الانتخاب إالّ إثبات حق للمرأة، لكفى»، قال: «من أين أتيت بهذا الحق؟ ومن أية شريعة؟» فأجاب الطويل بقوله «المرأة المتعلمة خير من ألف رجل جاهل»، فتهكم به القضماني: «كم يوجد واحد مثلك في اللاذقية؟ نحن في الشام لا نريد ذلك، فاجعله في اللاذقية». وإزاء ذلك طلب الطويل التصويت على المادة بذكر الأسماء.

احتدم الجدل بين الاتجاهات في مرحلة الدخول في التصويت. وردًّا على تدخّل الغزي الجديد بفصل مسألة حق الانتخاب عن مسألة الحجاب، وفصل الوجهة الدينية عن الوجهة الوطنية -«وإنما المسألة مسألة حق للمرأة، فالذي أعطانا حق التشريع في هذا المجلس أعطاها حق الانتخاب أيضًا»، « وأن الله أعطاها من الحقوق ما أعطاكم»، وأن الغرب يبرر وصايته على الشرق بأنه «سجل على نفسه جهل نصفه» أي «المرأة-» انسحب النواب الشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ محمد المجتهد والشيخ أحمد القضماني وإبراهيم الشيخ حسين والشيخ أحمد العياشي وخليل التلهوني. وكان بعض المشايخ المنسحبين من كبار شيوخ دمشق، ومن أقطاب الحزب الوطني المحافظ الذي شكّله أعيان دمشق في كانون الثاني/ يناير 1920 لمواجهة «الفتاة» والتشكيلات السياسية العربية الحديثة، مثل الشيخ عبد القادر الخطيب والشيخ محمد المجتهد والشيخ أحمد القضماني. وتبعت ذلك انسحابات أخرى لإفقاد الجلسة الأكثرية اللازمة للتصويت، فاعتبر رئيس المؤتمر هاشم الأتاسي أن «الأكثرية مفقودة»، بينما ردّ عليه دروزة بأنها «موجودة». ويبدو أن الأتاسي أدلى بذلك لإنقاذ الجلسة، أو أن الجلسة تضعضعت فعالً. ووسط هذا الجدل، قوبل بالتصفيق والهتاف كتاب وارد من بيروت إلى المؤتمر السوري يحبذ ما قام به المؤتمر من المذاكرات بلزوم إعطاء المرأة السورية حق الانتخاب. لم يستطع المؤتمر في المحصلة أن «يبتّ» هذه المسألة، فوافق على مقترح ب«عدم البتّ في موضوع إعطاء المرأة حق الانتخاب، وتسجيل الاقتراح في ضبط المؤتمر، وإبقاء الفقرة من اللائحة القانونية على حالها»، فوافق المؤتمر بالأكثرية على ذلك، في وقت أنه وافق على اقتراح آخر بدعوة الحكومة «للضرب على أيدي المعتدين الذين تعرضوا للسيدات في البلدة». ويشير دروزة إلى أن اقتراح منح المرأة حق التصويت اكتسب الأكثرية لصالحه، إالّ أنه لم ينفّذ خشية إثارة شغب في الدوائر المحافظة، وإالّ لكانت سورية أول دولة شرقية تمنح المرأة هذا الحق. ولذا، بادرت لجنة الدستور نفسها إلى ذلك، مع أن كتلتها الحزبية البرلمانية، وهي حزب التقدم، مسيطرة بحكم الأكثرية النيابية على قرارات المؤتمر، بسبب أن الفئة المعارضة كانت قوية في المجتمع الدمشقي وإن كانت «أصواتها قليلة في المؤتمر». قرر المؤتمر الإبقاء على النص الوارد في المشروع المطلق الذي يمكن أن يشمل في التطبيق الذكور والإناث معًا، وهو: «حق كل سوري أتمّ العشرين من عمره من أن يكون ناخبًا أول، وأتمّ الخامسة والعشرين أن يكون ناخبًا ثانيًا، وأتمّ الثلاثين أن يكون نائبًا»، بالإضافة إلى صفات وأهليات أخرى. وممّا كان من نصوص المشروع المتمّمة للنص: «أن جميع السوريين متساوون في الحقوق والواجبات»، حيث تعني هذه التسوية التامة في كل شيء للسوريين جميعهم على اختلاف نحلهم وأديانهم وأصولهم القومية، والذكور والإناث معًا». -3 العلمنة والدِّين وقضايا الأقليات الدينية، ومسألة البسملة عرّف مشروع الدستور «حكومة المملكة العربية السورية» بأنها «حكومة ملَكية مدنية نيابية، عاصمتها دمشق، ودين ملكها الإسلام» (المادة 1). وحدّدت مضبطة الأسباب الموجبة لوضع لائحة القانون الأساسي-الدستور

المقدمة إلى المؤتمر المقصود بهذه المادة «أن تكون البلاد نيابية مدنية تتجلى فيها حاكمية الأمة لتكون حاكمةً نفسها بنفسها، وأن لا يترك للعوامل الدينية البحتة مجال في السياسة والأحكام العمومية، مع احترام حرية الأديان والمذاهب التي في البلاد بلا تفريق بين طائفة وأخرى، والاحتفاظ بما يتعلق بالاعتقادات المذهبية والمعاملات الشخصية حيث تبقى حرة تبعًا للطقوس، والتعاليم الدينية بلا أدنى تقييد أو معارضة». وقد أقر المؤتمر هذه المادة كما هي، بينما أُخضع كثير من المواد لما وصِف ب«مناقشة شديدة». وقد حدّدت المادة الأولى من الدستور دِين الملك، لكنها لم تحصر قسمه به؛ إذ نصت (المادة 7) على أن «على الملك حين جلوسه أن يُقسم أمام المؤتمرين يمين الاحترام للشرائع الإلهية، والأمانة للأمة، والمراعاة للقانون الأساسي». فلم يكن الملك قط في تصميم الدستور رئيسًا دينيًا لدِين معنيّ دون غيره. بهذا المعنى كان الدستور السوري علمانيًا، على أن نميز بين العلمانية المعتقدية الصلبة في نمطها الفرنسي والعلمانية المرنة الأقرب إلى النمط الأنغلوساكسوني، الذي كان يواجه في الحالة الاجتماعية السورية آثار إعادة بناء نظام الملل الكلاسيكي الإسلامي في شروط التدخّل الغربي في القرن التاسع عشر، والاستخدام الزبائني والسياسي لحقوق المسيحيين في نظام أقليات بالنسبة إلى الطوائف المسيحية. وبحكم قومية الحكم العربي، فإنه حاول أن يحل هذه الآثار السلبية عبر محاولة تحويلها من مخاطر إلى فرص، فتبنّى نمطًا مناصرًا لما دُعي بالأقليات في دورة الاندماج الاجتماعي القومي الجديدة، عبر تمثيلهم في جميع المؤسسات بأعلى من نسبتهم العددية. وقد برز في هذا السياق ثلاثة احتكاكات هي: - قضية البسْملة: في الجلسة الثانية توتّرت المناقشات حين اعترض علماء دمشق على خلو العريضة، التي نظمتها لجنة المؤتمر لشكر الأمير فيصل وتأييده، من البسملة. وأبرز الجدل حول ذلك التمايز بين العصريين، وكلهم من خريجي المعاهد الحقوقية والعلمية العالية الذين ينطلقون من «فصل الدِّين عن السياسة»، بتعبير يوسف الحكيم، والمحافظين التقليديين الممثَّلين في معظمهم بالمشايخ في اتجاهات المؤتمر، فتم حل هذه المشكلة بالاتفاق على حل وسط، وهو «البسملة» بصيغة «باسم الله». وحلّ رئيس المؤتمر ورئيس الجلسة رشيد رضا الصراع على مسألة العلاقة بين الدولة والدِّين بأن لا يتم إعلانها لادينية (لائكية) كي لا يعتبرها المسلمون دولة كفر وتعطيل فلا تجب طاعتها، وبأن يكون دين الملك الإسلام. وكان هذا الحل مبنيًا في الواقع على ما قرره الدستور وليس إنشاءً لواقعة دستورية جديدة. وكان هذا هو رشيد الأول قبل أن يتحول مع «الخلافة أو الإمامة العظمى» (1922) إلى رشيد رضا الثاني، مرجع الاتجاهات السلفية الميالة إلى التشدد في مواجهة فصل الكماليين بين السلطنة والخلافة، ثم إلغاء الخلافة نفسها. - تنظيم المحاكم والمجالس الطائفية والأوقاف: أثارت المادة (15) في مشروع الدستور المتعلقة بتنظيم إدارة المحاكم الشرعية، والمجالس الطائفية، وكيفية إدارة الأوقاف، مخاوف رجال الدين المسيحي من أن تنطوي على

ثغرة تنفذ منها السلطة التنفيذية للتدخّل في إدارة الأحوال الشخصية والمذهبية والوقفية للطوائف المسيحية. كان مضمون هذه المادة يصدر عن نزعة عصرية علمانية قوية في «تفريق الدِّين عن السياسة، وقصر أحكام المحاكم الشرعية على الأمور المتصلة بالدين مباشرة، أسوةً بالمحاكم الروحية. بل إن بعض أعضاء المؤتمر كان يتمنى «إلغاء المحاكم الشرعية والروحية معًا، وقيام القضاء العدلي مقامها وفاقًا لما هو جارٍ في معظم الدول الأوروبية». من هنا لم ترضِ المادة التي وضِعت في القانون الأساسي للمحاكم الشرعية والبطركيات أعضاء المؤتمر المسيحيين، فامتنع رئيس المؤتمر رشيد رضا عن طرحها على التصويت مراعاةً لموقفهم، وذهب مع بعض أعضاء المؤتمر إلى منزل بطريرك الروم (= الأرثوذكس)، واتفق معه على النص الذي يرضي النصارى، وهو الذي تقرر. وكان غريغوريوس حداد، أو غريغوريوس الرابع، من أبرز داعمي الحكم العربي والملك فيصل. وكان نفسه من رواد الحركة العربية الأنطاكية في الكنيسة الأرثوذكسية منذ أن كان مطرانًا، وغدا ثاني بطريرك عربي بعد البطريرك الأول مالاتيوس الدوماني. وكان من كبار المتضلعين بالثقافة العربية-الإسلامية، وأطلق عليه المسلمون اسم «محمد غريغوريوس» و«حبر النصارى والمسلمين». وحين توفي في العام 1928 في لبنان ونُقل جثمانه إلى دمشق ليُدفن فيها، كان المسلمون هم الذين تولّوا الاحتفال بتشييعه. وحضر جنازته منهم ما لا يقل عن 50 ألف نسمة. - التمثيل المنصف وقانون الانتخابات: أُخضعت المادة (89) لمداولات مكثفة، وعدة مقترحات لتعديلها، فعُدلت أخيرًا إلى ما يلي: «تُعتبر كل مقاطعة دائرة انتخابية واحدة بالنسبة للأقليات، ويكون النصاب لها ثلاثين ألفًا، والكسر المعتبر فيهما دون النصاب، خمسة عشر ألفًا». وكانت هذه المادة قد صُمّمت أساسًا لتحسين التمثيل المسيحي في المؤتمر، «لتصان معها حقوق الأقليات من الشعب، ولا يقع حيف ما على طائفة من الطوائف القاطنة في القطر السوري». ولذا، حدّدت المقاطعة دائرة انتخابية في المناطق التي تتشكل من الأقليات من أي طائفة كانوا، وأينما وجدوا، فإنه يجب أن تراعى حقوقهم الانتخابية، وحتُفظ أصواتهم من دون أن يخسروا منها شيئًا، وذلك بالنظر إلى وجودهم في كثير من البلدان والقرى متفرقين، بنوع يتعذّر معه تعيين كثافة معيّنة لهم في مناطق محدودة. ولذلك وجدت اللجنة أن تكون كل مقاطعة بطولها وعرضها «دائرة انتخابية واحدة بالنسبة إلى الأقليات القاطنين فيها، كي يتسنى لهم الحصول على مجموع كاف لانتخاب نواب من بينهم بنسبة المجموع العمومي للسكان من طائفتهم، مهما كانوا متفرقين في سائر المديريات»، بينما تجري الانتخابات في المناطق الأخرى على مستوى المديرية (القضاء) كدائرة انتخابية. وبفضل ذلك، نال المسيحيون، على حد تعبير يوسف الحكيم، «من الوظائف الهامة في الجماعة كما في سائر دوائر الحكومة أكثر مما تفرضه النسبة العددية

بينهم وبين إخوانهم المسلمين». ولقطع الطريق على إثارة النزاعات الطائفية التي أخذت تحرضها بعض الصحف الطائفية، وافق رضا على أن يكون رئيس لجنة الاحتفال بالدستور نصرانيًا.

خلاصة تركيبية

استمر الحكم العربي نحو 22 شهرًا ونيف، واستمر عهد الاستقلال السوري العربي فيه أربعة أشهر ونصف شهر (8 آذار/ مارس- 24 تموز/ يوليو 1920)، وكانت الدولة العربية، على حد تعبير ساطع الحصري، «دولة عربية عصرية بكل معنى الكلمة»، «تقدّر مقتضيات الحياة العصرية حقّ التقدير» 157، وتعتمد في حكمها على نخبة من الحقوقيين والقضاة والإداريين والمثقفين المتمرسين بالإدارة التنظيماتية الحديثة، الذين كان قسم كبير منهم من خريجي كلية غلاطة سراي أو كلية الحقوق في اسطنبول. ونشأ في أعوامها مجال مدني عام فتي بعد فترة الأحكام العرفية والحرب، يمكن قياسه بارتفاع وتائر التجمع، ونشوء المنتديات الثقافية-السياسية، وازدهار حركة الصحف التي وصل عددها إلى 21 صحيفة 158، وعكس هذا المجال التغريّات الاجتماعية - السياسية الجارية، والانقسامات بين مختلف اللاعبين الاجتماعيين-السياسيين الجدد وشريحة الأعيان. وقد حرك أولئك الفاعلون الجدد نشاط الأحزاب والكتل البرلمانية والسياسية والجمعيات، الذي دفع وتائر الاندماج الاجتماعي، وبناء الأمة. وقد نتج من حيوية المجال العام المدني لأول مرة بعد نهاية الحرب، ما وصفه محب الدين الخطيب ب«الرأي العام» السوري. وأخذ هذا الرأي يعربّ عن نفسه بنمط مميز من التجمع والتحشد هو نمط التظاهرة المنظمة التي سُجل أولاها في أواخر عام.1919 تحوّل المؤتمر السوري في سياق هذه التطورات، وعلى مدى دوراته الثلاث، إلى ممثل سياسي ودستوري للسوريين في سورية الطبيعية. وعربّ المؤتمر السوري في إطار هذه التمثيلية عن التغيرات الاجتماعية- السياسية الجارية، فتشكلت في إطاره كتل أو أحزاب برلمانية تصنّف مدرسيًا بأنها «داخلية المنشأ»، أي نشأت في إطار ديناميات البرلمان الداخلية، لكنها كانت مرتبطة أشد الارتباط بالحركات الاجتماعية-السياسية الفاعلة، التي هي بالتعريف «خارجية المنشأ». وقد استوعب الدستور السوري الأول، كما صمّمه الآباء الدستوريون السوريون الكبار للحركة العربية الحديثة، هذه التغيرات، وعربّ بشكل نموذجي عن المفاهيم والأفكار القانونية الدستورية للحركة العربية، وشكّلت مداولات المؤتمر حول مواده الإشكالية، مثل العلاقة بين الدين والدولة، وقضية المرأة، والمواطنة والهوية، والعلاقة بين النمط القومي للدولة واللامركزية الإدارية.. إلخ وثيقةً مبكرة واستباقية، عن بنية قضايا الخلاف اللاحقة التي ستظهر في الحياة الدستورية للدول العربية عمومًا، والحياة الدستورية السورية اللاحقة للجمعيات التأسيسية السورية، وتفكير النخب السياسية والاجتماعية فيها. وفي ذلك قد تتجاوز أهميته حدود الأهمية التاريخية الصرفة.