دستور الوحدة الوطنية المصرية 1923
Egypt’s 1923 Constitution: A Constitution of National Unity
الملخّص
يُعَدّ دستور العام 1923 في مصر أول أساس من أسس نظام الحكم البرلماني، وأول دستور ديمقراطي، وخطوة مهمة على درب التطور السياسي والدستوري، وبداية صفحة جديدة في تاريخ ذلك البلد. وتتركّز هذه الورقة على مسألة تمثيل الأقليات في هذه التجربة الدستورية اللافتة، لكنها تضع ذلك في سياق تكوّن الجامعة الوطنية المصرية الحديثة على أثر ثورة 1919وحلولها محلّ أيديولوجيا الجامعة الإسلامية، وصولاً إلى دستور العام 1923 الذي كفل المساواة في الحقوق لجميع المصريين بصرف النظر عن الدين والجنس واللغة، في الوقت الذي كفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، لينتفي المفهوم الديني للأقلية من قاموس السياسة المصرية ويحلّ محلّه معنى الأقلية السياسي والاقتصادي.
Abstract
The 1923 Egyptian constitution was the first democratic constitution in Egypt, the first pillar of the nascent parliamentary system, and an important step on the path toward political and constitutional consolidation—in short, the 1923 constitution ushered Egypt into a new historical era. This paper focuses on the issue of representation of minorities in this pioneering constitutional experiment. The question will be treated within the context of the formation of Egyptian nationalism following the 1919 Revolution, which replaced Islamism. This process culminated in the 1923 constitution, which guaranteed equal rights to all Egyptians, regardless of their religion, gender, and mother tongue, while simultaneously guaranteeing the freedom of belief and the free practice of religious rituals. This process removed the religious notion of “minorities” from the Egyptian political lexicon and replaced it with the notion of “political or economic minorities”.
- دستور
- ديمقراطي
- الدين
- الجنس
- السياسة المصرية
- Egyptian Nationalism
- 1923 Egyptian Constitution
- Minorities
- Parliamentary Systems
يُعَدّ دستور العام 1923 في مصر أول أساس من أسس نظام الحكم البرلماني، وأول دستور ديمقراطي، وخطوة مهمة على درب التطور السياسي والدستوري، وبداية صفحة جديدة في تاريخ ذلك البلد. وتتركّز هذه الورقة على مسألة تمثيل الأقليات في هذه التجربة الدستورية اللافتة، لكنها تضع ذلك في سياق تكوّن الجامعة الوطنية المصرية الحديثة على أثر ثورة 1919 وحلولها محلّ أيديولوجيا الجامعة الإسلامية، وصولا إلى دستور العام 1923 الذي كفل المساواة في الحقوق لجميع المصريين بصرف النظر عن الدين والجنس واللغة، في الوقت الذي كفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، لينتفي المفهوم الديني للأقلية من قاموس السياسة المصرية ويحلّ محلّه معنى الأقلية السياسي والاقتصادي. بادئ ذي بدء، تقتضي الضرورة المنهجية الإشارة إلى أن موضوع هذا البحث يتعلق بالصلة بين مسلمي مصر وأقباطها في المجال السياسي، وبحث تلك الصلة من خلال تطوّر الجماعة الوطنية، ومن خلال نمو المفهوم القومي للجامعة السياسية في أعقاب ثورة 1919، متمثالً في حركة القومية الليبرالية المصرية، كبداية لتكوين الجامعة الوطنية المصرية في التاريخ الحديث. لقد كانت الدولة المصرية المؤسسة القومية التي قام على أكتافها بناء الجامعة السياسية المصرية. وكانت ثورة 1919 هي المفجّر، وإليها يعود الفضل في ما تلاها من ترابط الوحدة الوطنية بين شقّي الأمّة المصرية، إلى الدرجة التي جعلت اللورد كرومر يكتب قائالً: «الخلاف الوحيد بين القبطي والمسلم، أن الأول مصري يتعبد في كنيسة مسيحية، بينما الآخر مصري يتعبد في مسجد محمّدي». ولهذا، لن تسعى هذه الورقة إلى تقديم فهم تاريخي شامل لدستور 1923، كأول تجربة دستورية مصرية بعد الاستقلال، كما لن توضح خصوصيته الدستورية، ولا كونه إضافة إلى التجربة الدستورية المصرية، وإنما سيكون التركيز على المسألة الدينية في مصر، باعتبار أن الوحدة الوطنية المصرية تمثّلت في هذا الدستور بصورة جلية واضحة وبأسمى معانيها، مع إشارات سريعة خاطفة إلى القضايا الدستورية الأساسية ومختلف أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بالدستور. ويركز هذا البحث على تجربة تمثيل الأقليات في ظل الدستور، وهي الموضوع الذي أثير كذلك عند وضع دستور 2012 الحالي، في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، التي ضربت مثالً رائعًا في الوحدة القومية المصرية، يذكّرنا بما حدث في ثورة 1919، فهل يعيد
التاريخ نفسه ويصبح دستور 2012، الذي عارضته معظم القوى السياسية المصرية وخاصة الليبرالية منها، تكرارًا لتجربة دستور 1923 الذي عارضته في حينه قوى الأغلبية متمثّلة في حزبي الوفد والوطني؟
ثورة الهلال مع الصليب
صدمت ثورة 1919 سلطات الاحتلال البريطاني في مصر، التي كانت تعمل على زرع الفتنة الطائفية بين شقّي الأمّة المصرية: المسلمين والأقباط، وذلك لأن الثورة أكدت وحدة ذلك الشعب، وأنه وطني، ارتوى بشقّيه من مياه النيل، وتمرّغ جسده بطينته، فصار جزءًا واحدًا ونسيجًا واحدًا. لقد وقف القبطي والمسلم بقلب واحد يتصدّيان للعدو الإنكليزي دفاعًا عن الوطن، فاتحَين صدريهما لرصاصه الذي لم يفرّق بينهما، فعرف الإنكليز أن أهل مصر جيش واحد، وقلب واحد، وأنه لا سبيل إلى قهرهم، ولا القضاء على وحدتهم المقدسة، السمة المميزة للحركة الوطنية الشعبية. فشلت خطة كرومر، التي تكلم عليها في كتابه مصر الحديثة، في التفريق بين الأقباط والمسلمين. وأوصى بأن تعتمد الإدارة البريطانية على الأقباط دون المسلمين، مثنيًا على الأولين ثناءً خبيثًا لم يرد منه الدفاع عنهم، وإنما أراد أن ينصح لدولته بأالّ تعتمد في إدارة مصر إالّ عليهم، بغية إثارة كراهية إخوانهم المسلمين لهم، وإيقاع الفرقة بين شقّي الأمّة، فيبتلى بعضهم ببعض، ويجني الإنكليز وحدهم الثمر. وقد أبى أهل مصر إالّ أن يكذبوا هذه الدعوى، ويقف الأقباط مع إخوانهم يدًا في يدٍ، مدافعين عن وطنهم الغالي ضد العدو اللئيم، الذي يريد الشر بهم جميعًا. وفي شوارع بلادهم وقراهم الممتدة على ضفاف النيل، خاضوا لظى معارك دامية، استشهد فيها منهم مئات، على أذرع بعضهم وشم الصليب، وعلى أذرع الآخرين وشم الهلال. ومن يطالع ما كتبه عبد الرحمن الرافعي في تأريخه لثورة 1919، يجد تفاصيل هذه المعارك وإحصاء لمن استشهد فيها من أبناء مصر جميعًا، ويشعر بأن مصر تغلغلت في دمائهم، التي قدّموها فداءً لها عن قلب صادق غيور. كان اعتقال سعد وزملائه الشرارة الأولى التي انطلقت منها الثورة، التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد؛ إذ انطلقت التظاهرات، وعمّت الاضطرابات مصر من أقصاها إلى أقصاها، وشملت طوائف الشعب المصري وطبقاته، فتآلف المسلمون والأقباط على السواء، وشارك في هذه الثورة الطلبة والتلاميذ، والعمال والفلاحون، والتجار والمحامون وسواهم. وعلى هذا يمكننا النظر إلى حزب الوفد باعتباره تعبيرًا شعبيًا، وتجسيدًا لآمال الأمّة في الاستقلال المنشود. استطاع حزب الوفد من خلال تنظيمه أن يمضي في تدعيم صفوفه، فتمكّن من توحيد الغالبية العظمى من المصريين من دون اعتبار للاختلافات الاجتماعية أو الدينية. وقد تآخى الهلال والصليب وراء الوفد، وأشاد المهاتما غاندي بتلك الحقيقة فقال: «لقد كان سعد زغلول أستاذي، وقلّدناه في حركته الوطنية، قلّدناه في فكرة تأليف الحزب من طبقات، كلمّا اعتقل الإنكليز طبقة حلّت مكانها طبقة أخرى، ولكننا فشلنا في أمرين: أولهما توحيد الهندوس والمسلمين كما وحّد سعد بين الأقباط والمسلمين، وثانيهما إضراب الموظفين». اتخذ دعاة الثورة في القاهرة أماكن يجتمعون فيها، يتدارسون شؤونها، ويدرسون خططها. ومن هذه الأماكن ما كان سرّيًا، ومنها ما كان معلنًا، وفي طليعتها الأزهر، الذي لم تستطع السلطة العسكرية اقتحامه ومنع الاجتماعات العامة فيه، بسبب مكانته ومنزلته الدينية. ولهذا أصبح محفالً للخطباء، يتبارون فيه من الطبقات كلها، ويقف على منبره القس المسيحي إلى جانب الشيخ المسلم. وظهر خطباء عُرفوا بمواهبهم الخطابية، من أمثال: القمص
سرجيوس والقمص بولس غبريال، من علماء الإكليريوس، والشيخ مصطفى القاياتي والشيخ محمد أبو العيون من علماء الأزهر الشريف. وقد اشترك المسلمون والأقباط على السواء في الثورة منذ بدايتها، لأول مرة في تاريخ مصر. وظهرت الروح الوطنية لدى المصريين، كما تلاحم عنصرا الأمّة من أقباط ومسلمين، وتبادلا إلقاء الخطب الحماسية في الكنائس والمساجد، فساعد كل ذلك على ترسيخ الإيمان بالوطنية بعيدًا عن التعصب الديني، وتأكد أن مصر للجميع وفوق الجميع. ثم أعقب ذلك نضج التلاحم القومي من خلال المشاركة في الأحزاب الوطنية ثم في الوزارة والبرلمان. وقد سجّل كاتب إيطالي هذا الاشتراك بقوله: «إن هذه المرة لهي الأولى في التاريخ التي رأينا فيها الرايات خفاقة،... فقد حدث في مصر كما حدث في الهند من محو آثار التعصب بين المسلمين والهندوس، وزالت الانشقاقات الدينية المختلفة». كان اتحاد عنصري الشعب المصري في ثورة 1919 أعظم إنجازات الثورة، إذ أصبحت مصر دولة لا تمييز فيها للعصبيات والنعرات الطائفية والدينية، وقد حدث هذا الانقلاب الخطِر بتلقائية وسهولة ويسر، وساعد على حدوثه سقوط الدولة العثمانية، وانحسار أيديولوجيا الجامعة الإسلامية، وتغريّ وجه العالم السياسي والاجتماعي والعقائدي في أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد تآخى الجميع واتخذوا علامً في وسطه هلال أُبدلت نجومه بصليب، وأخذ القساوسة يخطبون على منابر الأزهر، وغيره من المساجد، وأخذ مشايخ المسلمين يخطبون في الكنائس، بل إن السيدات المسيحيات دخلن المساجد وألقين خطبًا، كما حدث في 24 نيسان/ أبريل عندما استقبلت لجنة من السيدات المسلمات المجتمِعات في مسجد السيدة زينب، وفدًا من السيدات القبطيات اللاتي أتين لشكرهن على التهنئة بعيد الفصح. وسبق أن عقدت السيدات في آذار/ مارس اجتماعًا في الكنيسة المرقسية بالأزبكية، حيث انتُخبت اللجنة التنفيذية للنساء الوفديات، برئاسة هدى شعراوي، ونُظّمت تظاهرة مصاحبة تعرضن فيها لرصاص المحتلين. وفي 13 كانون الأول/ ديسمبر، عُقد اجتماع في الكنيسة المرقسية بالأزبكية للاحتجاج على تشكيل يوسف وهبة للوزارة، وقدوم لجنة ملنر، وكان في مقدمة النسوة المجتمِعات هدى شعراوي، ونبوية موسى، وإستر فهمي ويصا. ويمكننا القول إن أيديولوجية القومية المصرية تأكدت خلال تلك الفترة، كما ترسّخ الشعور بالوطنية المصرية، والغيرة على مصالح البلاد الوطنية، وأحوالها الاجتماعية. من هنا يتضح أن أيديولوجيا القومية المصرية تغلبت على أيديولوجيا الجامعة الإسلامية، التي كانت تدعو إلى الاستقلال في إطار التبعية للخلافة العثمانية، التي كانت سائدة حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، وثورة.1919 لقد شعر الأقباط بالمهانة التي ألصقها بهم يوسف وهبة بقبوله تشكيل الوزارة. وقد اجتمعوا في الكنيسة المرقسية في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر، برئاسة القمص باسيليوس، وكيل البطريركية، وأعلنوا سخطهم على يوسف وهبة وبراءتهم منه. وكتب عبد الرحمن فهمي في وصف الاجتماع، يقول: «ازدحمت كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بجمهور كبير من نخبة الشعب القبطي يربو عدده على الألفين، امتلأت مقاعد الكاتدرائية بهم ومماشيها، ورأس الاجتماع حضرة القمص باسيليوس وكيل البطريركية،... ثم نهض حضرة القمص سلامة منصور رئيس المجلس ا يلمّ بالقاهرة، وبارك الحاضرين، ودعا لهم بالنجاح في مقاصدهم الوطنية، وخطب توفيق
أفندي حبيب محرر جريدة الأخبار، والشامّس فرح أفندي جرجس، فشرحا الغرض من هذا الاجتماع الوطني، وأسهب في بيان وحدة العنصرين، وخطب حضرة الخطيب المفوّه القمص سرجيوس، ووقّع الحاضرون صورة احتجاج عنوانه إلى الأمة المصرية». واتفق الحاضرون على إرسال تلغراف بتوقيع رئيس الاجتماع حضرة القمص باسيليوس، رئيس الدار البطريركية، جاء فيه: «حضرة صاحب المعالي يوسف وهبة باشا، الطائفة القبطية المجتمع منها ما يربو على الألفين في الكنيسة الكبرى تحتج بشدة على إشاعة قبولكم الوزارة، إذ هو قبول للحماية، ولمناقشة لجنة ملنر، وهذا بخلاف ما أجمعت عليه الأمّة المصرية من طلب الاستقلال، ومقاطعة اللجنة، نستحلفكم بالوطن المقدس، وبذكرى أجدادنا العظام أن تمتنعوا عن قبول هذا المنصب الشائن». وقد تجلت مظاهر تلك الوحدة في مقولة القمص سرجيوس، الذي خطب في إحدى المرات فقال: «إذا كان الاستقلال موقوفًا على الاتحاد، وكان الأقباط في مصر حائالً دون ذلك، فإني مستعد لأن أضع يدي في يد إخواني المسلمين للقضاء على الأقباط أجمعين، لتبقى مصر أمّة متحدة مجتمعة الكلمة». وفي رد سينوت حنا على مندوب صحيفة التايمز البريطانية عندما سأله هل سيندم الأقباط إذا استقلت مصر، فأجاب «إذا كان المليون قبطي سيصيرون عقبة في سبيل استقلال مصر، فهم على استعداد لقبول الفدية ولتستقل مصر بأن يضحى بهذا المليون في سبيلها». تميز سرجيوس في خطابه للجماهير بأسلوب سلس ولاذع وساخر، ومثير للجماهير في الوقت نفسه، وربما ساعده على ذلك قربه الدائم من الناس عن طريق الوعظ والإرشاد. وهناك أمثلة كثيرة على خطاباته المثيرة التي كان يلقيها على الجماهير، فمن على منبر الأزهر وجّه إلى الجماهير خطابًا ساخرًا، محرضًا على الثورة، إذ قال: كنت أسير يومًا في شارع كلوت بك، فوجدت أطفاالً يلعبون أمام منزلهم، فتحدثت معهم حديثًا، قالوا بعده: إن أمّنا في المنزل، وهناك بعض الجنود يعتدون عليها، فعجبت لأمرهم، وسألتهم كيف ذلك؟ قالوا ماذا نفعل؟ فصعدت إلى المنزل فوجدت امرأة يعتدي عليها الجنود الإنكليز، أتدرون من هم هؤلاء الأطفال، ومن هي هذه الأم؟ فقال الجمهور: لا! فأجاب سرجيوس: هم فئة الموظفين، والأم هي مصر، عندئذ ثار الموظفون أمام سرجيوس، فقال لهم أظهروا شعوركم حيال أمّكم مصر. وعربّ سلامة موسى عن نظرته للوطنية المصرية في ثورة 1919، حينما كتب يقول: «وتبرز في ذهني ثلاثة أشياء عن ثورة 1919: أولها الإكبار العظيم الذي اتخذه الأقباط، ورفضهم أي مساومة مع الإنجليز بشأن حماية الأقليات، والثاني، وثبة المرأة المصرية من الأنثوية والبيت إلى الإنسانية والمجتمع، أمّا الشيء الثالث، فهو النهضة الاقتصادية التي أثمرت بجهود طلعت حرب وغيره» 15. فعلى الجميع أشرقت شمس مصر، ووجدوا اليوم الذي يقفون فيه صفًا واحدًا للدفاع عن أعز شيء في الوجود، مصر أُم المسلمين، وأُم الأقباط معًا. كانت مصر في أواخر عام 1919 وما بعدها تجعل زائرها، على حد تعبير د. حسين مؤنس، «يشعر بأنه في بلد بُعث بعثًا جديدًا». لقد عرف المصريون، أقباطًا ومسلمين، كيف يحافظون على وحدة بلدهم في ذلك الظرف العسير،
ودللوا على وطنية عميقة، وبُعد نظر جدير بكل إجلال، وذلك مظهر من مظاهر الحب الخالص لمصر الذي شمل الجميع، مردّدين معًا قول أحمد شوقي، ذلك الملهم الذي أحس نبض قلب مصر، وجرى شعره على واقع هذا النبض: أعهدتنا والقبط إالّ أمّة للأرض واحدة تروم مراما تعلي تعاليم المسيح لأجلهم ويوقرون لأجلنا الإسلاما الدِّين للديّان جل جلاله ولو شاء ربك وحّد الأقواما
بعث جديد في أعقاب الثورة
كان الدستور حاضرًا في الذهنية والفكر المصريين، كأساس للمساواة بين أبناء الوطن الواحد بلا تفرقة على أي أساس ديني أو عرقي أو طائفي. وبهذا المعنى كتب ويصا واصف في جريدة اللواء عام 1918، وكان وقتئذ عضوًا في اللجنة الإدارية للحزب الوطني، يدعو الأقباط إلى نبذ الخلاف الطائفي، ذاكرًا لهم أنه في حالة وجود مطالب خاصة لهم، فإن مكان المطالبة بها هو العمل السياسي لا العمل الطائفي. ودعا الأقباط إلى الاشتراك في الأحزاب السياسية القائمة في البلاد والدعوة من خلالها إلى مطالبهم العادلة، وفي هذه الحالة فإن إخوانهم المسلمين أعضاء هذه الأحزاب سيقفون معهم، ويؤيدونهم في تلك المطالب، ثم قال: «وأختم قولي بكلمة أخرى لإخواني الأقباط، فأقول لهم إن الأحزاب السياسية التي تشكّلت في مصر جعلت أول مطالبها الدستور، والقاعدة الأساسية للدستور هي العدل المطلق بين أبناء الوطن الواحد، فلو انضممتم إلى هذه الأحزاب وعرضتم الأمر بصفتكم سياسيين، وتناقشتم فيه كمبدأ سياسي لوجدتم مساعدة كلّية من إخوانكم المسلمين أعضاء هذه الأحزاب». ومع تزايد الدعوة إلى الدستور تزايدت مخاوف الأقباط من احتمالات الاستجابة لهذه الدعوة، وما يمكن أن يترتب عليها من تغيير طبيعة مراكزهم إزاء الأغلبية. وعلى ذلك، رأوا أن تحقيق هذا المطلب يجب أن يسبقه أوالً «رفع التمييز الدِّيني بين العنصرين، والمساواة بينهما في الحقوق والمصالح باعتبار الكفاءة الأهلية». وجاءت أحداث ثورة 1919 لتعمل على تحقيق هذا المطلب، ولتتجلى مظاهر الوحدة الوطنية المصرية بأسمى معانيها، مثلما بدت في أثناء أحداث ثورة 25 كانون الثاني/ يناير.2011 أخذ الملك فؤاد الأول (1936-1917) يرنو إلى الخلافة الإسلامية، يريد بها توطيد سلطته الزمنية الأوتوقراطية في الداخل على حساب الحكم الدستوري. وكان ينازعه فيها الحسين ملك الحجاز، وفيصل ملك العراق. فهاجم سعد زغلول هذا الاتجاه، وتبعه أنصاره والصحف الموالية له. وكان الاتجاه أن تصطبغ حقيقة تولّيه العرش بالصبغة الدينية، ولكن مصطفى النحاس وقف في وجه تلك البدعة ورأى فيها: «إقحامًا للدِّين فيما ليس من شئونه، وإيجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية»، وعربّ عن رأيه في هذا التيار أمام النواب قائالً: «الإسلام لا يعرف سلطة روحية، وليس بعد الرسل وساطة بين الله وبين عباده». وقد ظلت مصر رغم أحداث ثورة 1919 تحت الحماية البريطانية. ورغم أعمال العنف والاغتيالات والتظاهرات، ومقاطعة البضائع البريطانية، ورغم الانقسامات داخل حزب الوفد نفسه، ظل الاحتلال والقصر الملكي هما المسيطرين على الموقف، لقوة الوسائل التي يمتلكها الطرفان، فالقدرة على القمع بالنسبة إلى الاحتلال والقصر كانت أكثر فاعلية من حركة الجماهير. وقد كان التلاعب بالطائفة الدينية واضحًا في مصر عند إعلان تصريح 28 شباط/ فبراير 1922، حين قيّدت
إنكلترا استقلال مصر بتحفظات أربعة شهيرة تكون محل مفاوضات بين الجانبين، المصري والبريطاني. ومن ضمن هذه التحفظات حق بريطانيا في حماية الأقليات، بل لقد جرت عند وضع الدستور محاولة للنص على تمثيل الأقليات في المجالس النيابية. صحيح أن المحاولة فشلت بفضل وعي صفوة المسيحيين المصريين، الذين رفضوا المبدأ، إالّ أن هذه المحاولة لم تكن معزولة عن وحدة أبناء مصر في ثورة 1919 ضد الإنكليز. كانت الحملة الفرنسية من قبل قد مارست اللعبة الطائفية، عندما خدع الفرنسيون المعلم يعقوب، أو الجنرال يعقوب، بأن حضّه ضابط فرنسي يسمى لاسكاريس، على الانضمام إلى الفرنسيين لينشئ فرقة من الجنود الأقباط تكون جزءًا من الجيش الفرنسي، وبهذه الفرقة يستطيع أن يحكم مصر بتأييد من فرنسا. وفعالً أنشأ يعقوب فرقته، ولكن لم ينضم إليه من الأقباط إالّ عدد قليل جدًا، فاستكمل تكوينها من المالطيين والأرمن والقبارصة والأروام، وكان يسمّي نفسه «صاري عسكر القبطة» أي قائدهم الأعلى، بالرغم من تبرّؤ سائر الأقباط منه، وصبّ البطرك وكبار رجال الكنيسة لعناتهم عليه، فما كان منه إالّ أن اقتحم الكنيسة بحصانه شاهرًا سيفه. وسار في طريق الغواية، فعاشر امرأة من دون زواج، وجعل يسير معها في الطريق، فرماه الأقباط بالحجارة، واضطروه إلى الخروج فسكن في بيت عند الأزبكية، وعندما فُرض على الفرنسيين الجلاء عن مصر، أخذوا معهم المعلم يعقوب، على رأس فريق قبطي للمطالبة «من المنفى» باستقلال مصر عن الدولة العثمانية، أو ليعودوا به لغزو مصر مرة أخرى عندما تسمح الظروف، لكنه عاش في فرنسا منبوذًا وحيدًا، ومات في مرسيليا فقيرًا محرومًا، وعاد الصفاء بين أهل مصر جميعًا إلى سابق عهده. والحقيقة أن التلاعب بالطائفة الدينية في مصر استمر أسلوبًا للقوى الكبرى الأوروبية – الأميركية لتفتيت القوى الوطنية، وإماتة فكرة العروبة فيها. والحقيقة أيضًا أن مصر هي البلد الوحيد الذي لا يعرف تاريخه الفتن الطائفية، فلم تثر فيها الفتنة قط، وإذا بدت لها طلائع من ناحية المسلمين سارعوا أنفسهم إلى إطفائها، وإذا بدت من ناحية الأقباط سارعوا أنفسهم إلى إخمادها. وما هذه بتصورات، ولا أمان خادعة، ويكفي لمن يطالع كتاب جمال حمدان شخصية مصر، أن يتأكد من أن مصر نسيج واحد: سداه مسلمون وحلُمته أقباط. يجدر بنا هنا الإشارة إلى ما أثاره الرئيس المصري جمال عبد الناصر (1970-1954) في خطابه يوم 24 تموز/ يوليو 1962 عندما أعلن ضرورة وضع تشريع جديد لحماية الوحدة الوطنية بعد التأكد من وقوع محاولات استعمارية فاشلة لتفتيت وحدتنا، إلى أن قال: «لقد وصلوا إلى حد التشكيك في الوحدة الوطنية، بين المسلمين في هذا الوطن، وبين الأقباط فيه، وهيهات أن ينالوا شيئًا ممّا يريدون... لقد رأيت منشورات تسيء إلى المسلمين، قادمة من خارج البلاد، وبالتحديد من الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت رأيت منشورات تسيء إلى الأقباط قادمة من خارج البلاد، وبالتحديد من الولايات المتحدة، أي إن أعداءنا يحاولون على الناحيتين من نفس الاتجاه، ليعلموا جميعًا أن أرض هذا الوطن واحدة، وأن سماءه واحدة، وأن شعبه واحد». ولم تتوقف محاولات إثارة الفتنة الطائفية في عهد السادات (1981-1970)، ففي حديث إلى الراحل ملحم كرم، نقيب المحررين في لبنان، أوضح الرئيس أن هناك وثائق شاهدها شيخ الأزهر، وبابا الأقباط، تؤكد أن مخطط الفتنة الطائفية وضع في أميركا، وكندا، وقال إن إلهاب الطائفية في مصر أمر مفتعل، لأنها ليست من أصالتنا في شيء، وحذّر قائالً: «سأعزل كل من يثير الحقد في المجتمع، سواء كان طبقيًا أو طائفيًا أو عنصريًا ». وأخذ رجال الدّين يتصدّون لمحاولات إثارة الفتنة الطائفية، وجرت لقاءات الوحدة الوطنية، وحرصت التنظيمات الشعبية على توجيه الرأي العام للقضاء على مثيري الفتنة.
مصر الدستورية
لقد كان صدور تصريح 28 شباط/ فبراير 1922 أحادي الجانب، وثمرة للاتصالات التي أجراها عبد الخالق ثروت وزميله إسماعيل صدقي مع السلطات البريطانية في مصر، بعد أن فشلا في الوصول إلى اتفاق مع الجانب المصري، وإن كان الأساس في ذلك يعود إلى فكرة طرحها عدلي يكن على اللورد كيرزون في الجلسات الأخيرة من مفاوضتهما، وهي أن تسلّم إنكلترا لمصر بالحقوق التي أبدت استعدادها لأن تسلم بها، حيث أُعلن الاعتراف بمصر كدولة مستقلة، وإنهاء الحماية عليها في حدود أربعة شروط ضمنت تبعية مصر للإنكليز بشكل تام. ومن هنا حقّ لمصر أن تضع لنفسها دستورًا في حدود الاستقلال الصوري، الذي تحكمه شروط التبعية هذه، بعد فشل الجانب المصري في منع صدور التصريح الأحادي الجانب، أو حتى تخفيف حدة شروط التبعية التي أقرّها. كان صدور تصريح 28 شباط/ فبراير نتيجة إلحاح وضغط شديدين من جانب اللورد أللنبي، الذي بلغ به الأمر حد التهديد بالاستقالة. وكان يتصور، ومعه قصر السلطان فؤاد الأول، أن لعبة الاستقلال والدستور والأحزاب والانتخابات والبرلمان، ستصرف المصريين عن المطالبة بالاستقلال والجلاء، وستمهد الطريق لفصل السودان عن مصر، وتحويله إلى ضيعة بريطانية. وفي النهاية جاء التصريح ليعطي مصر استقلال زائفًا، وحكومة دستورية وهمية. رفض الوفد المصري التصريح، وظل على عدم الاعتراف به حتى النهاية، بالرغم من أن سعد زغلول لم يَر بعد الإفراج عنه، وعودته إلى مصر، مانعًا من دخول الانتخابات على أساس دستور 1923، ولكن من دون قبول التصريح. وفي 2 آذار/ مارس 1922 رفض الحزب الوطني ذلك التصريح، والتزم مبدأه المعروف، الذي يقوم على الجلاء أوالً ثم المفاوضات، ومعنى ذلك أن القوى الوطنية والثورية كلها رفضت ذلك التصريح، ولم يقبله إال السلطان أحمد فؤاد وجماعة عدلي يكن وعبد الخالق ثروت، الذي قبل الوزارة على أساس التصريح، وشرع في إعداد الدستور.ِ وبينما كان المصريون يُساقون إلى السجون، ويُقتلون في الشوارع والطرقات، وسعد زغلول وأصحابه في المنفى، كانت لجنة الدستور تعقد اجتماعاتها لتضع دستورًا لشعب يعيش في الأغلال، وخلف السدود والقيود. وكان الإنكليز يعملون على إيجاد هذا الدستور، ليكون لعبة في أيديهم يصرفون به نظر المصريين عن الاستقلال. وقد قدّر الإنكليز ماذا سيحدث بعد ذلك، فبعد تعب ونصب واضطهاد، وجري وراء الدستور، وبعد انتخابات، ومآس ومهازل يكون اللاعبون جميعًا قد نال منهم الكلل والملل، طالبين الراحة والأمان. هنا، ومن دون مناقشة، يوقّعون جميعًا معاهدة 1936، ويفرحون بها، ومن يتفحصها سيجد أنها، مع بعض التغير الشكلي، هي مشروع ملنر، هي مشروع كيرزون، هي مشروع ماكدونالد، هي مشروع هندرسون مع تغيير وتعديل لفظي هنا وهناك.
وعندما صدر تصريح 28 شباط/ فبراير ط رحَت مسألة تمثيل الأقليات، وشغل مبدأ تمثيل الأقليات عددًا ليس بالقليل من جلسات لجنة دستور 1923. وطالب القانوني توفيق دوس، أحد أعضاء لجنة الثلاثين، أن يوضع في الدستور نص يسجل للأقباط حقوقًا معيّنة. وأرجع المؤيدون لهذه الفكرة أنها تُسقط حجّة بريطانيا بشأن حماية الأقليات، وبالتالي تقفل الباب أمام التدخل الأجنبي، والسبب الآخر، كما قال توفيق دوس، هو أنه إذا كانت هناك دساتير تنص على وجوب تمثيل الأقليات السياسية لا الدينية، فإننا في الشرق لا نفرّق بين الدِّين والسياسة، فالنص إذن ليس بدعة، وله ميزة خاصة لأن الفرد في الأكثرية لا يمكن أن ينال منصبًا في مجلس النواب إالّ إذا حاز عددًا معيّنًا من أصوات مواطنيه، في حين أن من الممكن أن ينال الفرد في الأقلية كرسيًا في المجلس حتى ولو لم يحز تلك الثقة. فثار عليه شباب الأقباط أنفسهم، وأفهموه أن مصر لا تعرف تفرقة دينية، وأن مواطنيها جميعًا إخوة متساوون في الحقوق والواجبات. وعارض تمثيل الأقليات كلٌّ من حزب الوفد وغالبية الأقباط. ولولا وطنية الأقباط في هذه الفترة، وإخلاصهم الشديد لمصر، لتقبّلوا دعوة الأجنبي لحمايتهم، وفازوا بالجاه والمناصب بدل النفي والسجن والاعتقال، لكنهم فضّلوا أن يكونوا مصريين معذّبين محرومين من المناصب والجاه والمصالح على أن يكونوا محميين بأعداء الوطن وأعدائهم. اعترضت الصحافة الوفدية على مبدأ التمثيل السياسي النسبي للأقباط في الدستور، الذي نادى به توفيق دوس، بحجة إقفال الباب أمام التدخّل الأجنبي، خاصة أن حماية الأقليات هي أحد تحفظات تصريح 28 شباط/ فبراير. وسارت المناقشات بين أعضاء اللجنة المؤيدين للتمثيل وهم أقلية، والمعارضين له وهم أغلبية. فعلى سبيل المثال، ذكر حافظ حسن باشا أن تمثيل الأقليات يعني منحهم امتيازًا ليس لغيرهم مع أن الروح الديمقراطية تعني إزالة الفروق. وأوصى بأن يتُرك الأمر للمستقبل، فإن وجِد شعور عام بطلب هذا المطلب عدِّل الدستور. وانتقلت هذه المناقشات إلى الصحف، فعبرّ القليل منها عن تأييده لاقتراح تمثيل الأقليات، مثل صحيفة الاستقلاللمحمود عزمي. واعترضت معظم الصحف الوطنية، خاصة الصحف الوفدية، على هذا الاقتراح؛ إذ إن سياسة الوفد قامت منذ إنشائه على تساوي جميع عناصر الأمة، وعلى اجتماعها فقط تحت لواء المصرية بغضّ النظر عن الفروق الدينية. لذلك شنّت جريدة النظامحملة شعواء على اقتراح تمثيل الأقليات في الدستور، بما يحمله من معنى لفصل عنصرَي الأمّة، وعربّت عن رأيها من خلال مقالات عدة نشُرت متتابعة، وأوضحت عناوينها مبدأ الوفد في الوطنية المصرية. وعلى سبيل المثال، ظهرت العناوين التالية: الحرية والاستقلال دين الأمّة المصرية؛ الرأي العام وتمثيل الأقليات، لا تمزقوا وحدة الأمّة؛ خبايا لجنة الدستور. وأظهرت هذه المقالات استنكار الجريدة لهذه الفكرة، فجاء في المقالة الأولى تأكيد للوحدة الوطنية، إذ قالت: «كان جديرًا بالعضو الساعي في التفرقة أن يُلقي نظرة واحدة إلى ماضي الحركة الوطنية وحاضرها ليُمسك عن إبداء رأيه ويرجع عن بذل مسعاه... فهناك في طيات ذلك الماضي آثار التضحية التي صاغت الأمّة آلامها وأحزانها في تمثال الوحدة الوطنية الخالد». وفي المقالة الثانية أكدت أن الرأي العام لم يرض عن اقتراح تمثيل الأقليات في لجنة الدستور، وأن المسلمين والأقباط لا يعرفون الأقلية ولا الأكثرية، وإنما هم أمّة واحدة مصرية لا تتجزأ ولا تتفرق. وأشارت في المقالة الثالثة إلى خطر دعوى تمثيل الأقليات، إذ إنها تُعتبر تأكيدًا لما جاء في أحد تحفظات تصريح 28 شباط/ فبراير والساسة الإنكليز يتوكأون على الأقليات لتقييد استقلال البلاد واتخاذها وسيلة للتدخّل في شؤونها والسيطرة عليها. وأكدت أنه
لن يسمح أحد للجنة الدستور أن تعترف بوجود الأقليات في نظام البلاد، كما أكدت أن الأقباط أعلنوا براءتهم من كل فكرة تشير أو تؤكد الانفصام بين عنصري الأمّة المصرية مهما بالغ أصحابها في الدفاع عنها. كما نشرت جريدة النظام، تحت عنوان «صوت الرأي العام في تمثيل الأقليات» الرسائل التي تصلها من أقباط ومسلمين يعترضون فيها على الفكرة، ويؤكدون أنه لا توجد أقليات في مصر، وأن مصر أشرفت على فجر عهد جديد للحياة الحزبية البرلمانية، بعد أن أدرك زعماؤها أن الخير في التضامن والعمل للمصلحة المشتركة لا في التشاحن على تحقيق المآرب الذاتية. ونشرت الجريدة خبر اجتماع كبير في النادي الأهلي بالمنصورة، تضمّن قرار المجتمعين بعدم النص على تمثيل الأقليات، لما في هذا المبدأ الضار من المساس بالوحدة الوطنية، مقدمة تجربة «الأقليات في تركيا» كنموذج، وتنكّر البريطانيين والفرنسيين لوعودهم لهم. واهتمت جريدة وادي النيلبتوضيح رأي الأقباط المصريين من تمثيل الأقليات في الدستور، وأشارت إلى وحدة الأمة المصرية ممثَّلة في مسلميها وأقباطها، وحذّرت من استغلال المستعمرين للأقليات المسيحية على مسرح الشرق «لحاجة في نفوسهم وأغراض يريدون قضاءها»، معتبرة إياه سلاحًا يشهرونه في وجه مصر. وعربّت عن رأيها في عنوان مقالها «مسألة الأقليات بين الإنكار القولي والتأييد العملي». وقد نجحت حركة المعارضة ضد تمثيل الأقليات، فصدر الدستور خاليًا من أي نصوص تتعلق بالتمثيل النسبي للأقليات، ومساويًا بين جميع المصريين في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية. مع نهاية عام 1921 ظلت مصر بلا وزارة أكثر من شهرين، إلى أن فوتح عبد الخالق ثروت ليشكّل وزارة جديدة، حيث تضمن برنامجه الوزاري تشكيل لجنة لوضع دستور جديد للبلاد ليحل محل القانون النظامي الصادر في أول تموز/ يوليو 1913. وبعد تردد من جانب الإنكليز، انتهت مباحثاتهم إلى قبول تلك الشروط، وصدر تصريح 28 شباط/ فبراير 1922. وفي أول آذار/ مارس، ألّف عبد الخالق ثروت الوزارة الجديدة، ونودي بالسلطان فؤاد الأول ملكًا على مصر في 15 آذار/ مارس. وفي 3 نيسان/أبريل، تألفت لجنة لوضع الدستور وقانون الانتخاب، وكان حسين رشدي باشا رئيسًا لهذه اللجنة، وأحمد حشمت باشا نائبًا للرئيس، وكانت اللجنة مكوّنة من ثلاثين عضوًا كانوا من ممثلّي الأحزاب السياسية، والزعامات الشعبية، وقادة الحركة الوطنية، وعُرفت باسم «لجنة الثلاثين». وكانت وزارة ثروت قد تألفت من دون اتصال بالرأي العام، ولم تكن وليدة إرادة الأمّة، فلم يحظ ثروت بتأييد الشعب لأنه ألّف وزارته بينما كان سعد زغلول ورفاقه في طريقهم إلى المنفى في سيشِل، كما تم إحباط أكثر من محاولة اغتيال لثروت، ومنها محاولة تعرّض لها في السيدة زينب يوم 26 كانون الثاني/ يناير.1922 ورغم ما يكشف عنه تشكيل هذه اللجنة من تجانس وتنوّع وتناغم، حيث إنها ضمّت مفكرين وأدباء ورجال قانون ورجال مال وأعمال وأعيان ورجال دين وتجارًا وساسة وعلماء وأعضاء من الجمعية التشريعية باعتبارها الهيئة التي تمثّل الأمّة تمثيالً رسميًا في ذلك الحين، فإنها لم تضم أعضاء من الحزب الوطني وحزب الوفد،
اللذين رفضا المشاركة، بل إن الزعيم سعد زغلول، الذي كان منفيا آنذاك مع بعض رفاقه في الوفد، وصف هذه اللجنة بأنها «لجنة الأشقياء»، لأنه كان يتعنيّ أن يضع الدستور جمعية وطنية تأسيسية تمثّل الأمّة لا لجنة تؤلفها الحكومة، ولا تضم عضوا واحدا من البرلمان. وقالوا عنها إنها لجنة أشقياء لأنها جاءت بالتعيين من طرف الحكومة، وإن ضمّت أعلامًا في القانون والدِّين والسياسة، وكانت مرآة أمينة للتنوّع الديني المسلم والمسيحي واليهودي في المجتمع المصري، فكانت حصيلة ذلك مستوى رفيعًا من النقاش واحترام الآخر والانفتاح على خبرات العالم وتجاربه. كان الملك فؤاد الأول يطمع في السيطرة على الثورة، فينتقل الحكم المطلق من يد الإنكليز إلى يده، وكان في قرارة نفسه طاغية مستبدًا، لذلك حارب بكل جهده فكرة الجمعية التأسيسية خشية أن تضع هذه للأمّة دستورًا حرًا يسلبه بعض السلطات، وأمر بتشكيل لجنة من بعض الشخصيات العامة من رجال السياسة والقانون لتتوىلّ هي وضع الدستور وتعرضه عليه ليقوم هو بنفسه بإصداره، وكان يرجو من وراء ذلك أن تضع اللجنة دستورًا هزيالً يمكن له أن يصول فيه ويجول، ولكن لجنة الدستور خيّبت آماله، فجاءت بدستور اعترفت فيه بمبدأ سيادة الأمّة، ووضع نظامًا نيابيًا برلمانيًا يتمتع الملك فيه بسلطات قليلة ما كان ليرضى عنها. ولما حاول ثروت الإسراع في إصدار الدستور، أخرجه الملك من الوزارة، وجاء برجل من صنائعه. رغم ذلك، اعتبُر هذا الدستور أول أساس من أسس نظام الحكم البرلماني في مصر، بل إن الصحف اعتبرت يوم إعلانه «يومًا تاريخيًا مشهودًا مباركًا»، واتفق المؤرخون على تصويره بأنه أول دستور ديمقراطي لمصر، وخطوة مهمّة على درب تطوّرها السياسي والدستوري، وبمنزلة البداية لصفحة جديدة في تاريخ البلاد. وقد وُلِد هذا الدستور «العظيم»، طبقًا لتوصيف القانونيين، سابقًا لعصره، ليحل محل الإطار الدستوري الذي كان يحكم مصر قبله تحت اسم «القانون النظامي رقم 29 لسنة.»1913 ومن خلال إلقاء نظرة سريعة على المميزات العامة لهذا الدستور، سيتأكد لدينا ذلك؛ فقد اعترف هذا الدستور بأن مصر دولة ذات سيادة، وهي حرة مستقلة، وعُني بالنص على مبدأ سيادة الأمّة، إضافة إلى أنه أول دستور في تاريخ مصر يتكلم على حقوق المواطنين وحرياتهم العامة. وبصدور هذا الدستور انتهى الحكم المطلق الذي ساد مصر أكثر من قرن من الزمان. وجاء ذلك نتيجة أخْذ الدستور بالمبادئ الديمقراطية، ووضْعه نظامًا نيابيًا كاملا، فأخذ لأول مرة في تاريخ مصر الدستوري بنظام المجلسين، ونظّمه بشكل جدي، وأصبحت المسؤولية الوزارية في هذا الدستور كاملة مطلقة. ولئن كانت دساتير مصر غير المستقلة قد أكدت هذه النقطة الأخيرة، فإنها لم تضع لها الوسيلة الضرورية اللازمة لتحريكها ولا الجزاء الذي يحمي أحكامها. ومن خلال تصفّح محضر جلسات لجنة الدستور، التي عقدت بين نيسان/ أبريل وتشرين الأول/ أكتوبر، أي ما يقرب من مدة ستة شهور، نلمح، أول وهلة، الرقي الشديد في اللغة، الذي لا يكاد يوجد معه خطأ نحوي واحد، وسعة الاطّلاع على دساتير العالم كما تتجلى من الاستشهاد بالدساتير الفرنسية والأميركية والبريطانية، بل أيضا البولونية والبلجيكية والإسبانية في زمن لم يكن الاطّلاع فيه على التجارب الدستورية للدول الأخرى، وأحيانا بلغاتها الأصلية، من موبقات الاستعمار ومخلفاته. ونلمس أدب الاختلاف في الرأي الذي ينبع من أن أيًا من الأعضاء لم يَدّع أنه يملك كل الحقيقة وأن كل من هم سواه على غير هدى. ويُذكَر أنه لما اشتدت حركة المطالبة بالدستور، وأعلن بعض الأقباط أنهم راغبون في بقاء الحالة الحاضرة، كان
لتوفيق حبيب (1941-1880)، وهو قبطي، رأي آخر، إذ حاول أن ينشر المقالات بشأن المسألة القبطية في الصحف اليومية، فأبى أصحابها بحجة أن هذه المسألة طائفية، فاتجه إلى الصحف الأسبوعية، ولبث نحو ثلاثة أعوام يعمل في تحريرها، متحدثًا عن مشكلة المجلس ا يلمّ، فكانت الصحف القبطية تهاجمه، فلما ثارت النقاشات حول النص على تمثيل الأقليات الدينية في الدستور، اتفق توفيق حبيب مع الشبان المصريين، على اختلاف دياناتهم، وسريّ تظاهرة سياسية في حديقة الأزبكية، حيث ألقى فيها خطبة بليغة أكد فيها أن المصريين جميعًا إخوة، كما دافع عن الوحدة الوطنية، موضحًا أن الأقباط لا يتأخرون عن بذل أرواحهم في سبيل حياة مصر ورقيّها، ومطالبًا بالدستور والاستقلال.
المسألة القبطية
حين بدأ وضْع الدستور، عُرض اقتراح تخصيص عدد من المقاعد في المجلس النيابي للأقباط، لكن الأقباط استنكروا الاقتراح لأنه ينطوي على إهانة وعدم ثقة في مواطنيهم. وقال زعماؤهم «إن مقترِحي تمثيل الأقليات يريدون أن يضيّعوا عليكم كل مجهودات الثورة، يقصدون أن يقولوا إن الأقلية مخدوعة وجزء منفصل يجب أن يكون له من يدافع عنه، وأن يقولوا للأغلبية إننا نراكم متعصبين فنخشاكم». وأضافوا: «احتمال مستحيل الوقوع أن لا ينتخب قبطي، المصريون كلهم لا ينظرون لغير النزاهة والتضحيات، ونصيبكم في هذه التضحيات كان موجبًا للفخر». وعلى هذا الأساس استُبعد الاقتراح. وعند تصفّح مضابط جلسات «لجنة الثلاثين» نلحظ أن في الجلسة العاشرة يدور النقاش حول ما إذا كان المطلوب أن ينص الدستور على أن الحكومة نيابية، بمعنى أن تكون مسؤولة أمام البرلمان أم يُكتفي بالنص على أنها دستورية، بمعنى أنها مُشكَّلة وفق الدستور. وينقسم الحضور إلى فريقين، وبعد كثير من الحوارات، يقول علي بك ماهر إنه لم يعد يتمسك بالإضافة، ويكفيه النص في الدستور على قواعد الحكومة البرلمانية، ومن ذلك يُفهم شكل الحكومة. ثم ينشأ سجال حول ما إذا كان يجوز لمجلس الشيوخ والنواب البحث في مشروع قانون واحد في وقت واحد، فيذهب عبد العزيز بك فهمي إلى أنه يجوز، ويرى إلياس بك عوض العكس، وتنفض الجلسة على ذلك. ثم يبدو أن فهمي رجع في ما بعد إلى خبرات دستورية دولية ليستوثق من الأمر، فلا يجد حرجًا في أن يعلن في مستهل الجلسة الحادية عشرة «يلزمني، إنصافًا لحضرة إلياس بك عوض، أن أقول إني كنت مخطئًا في الجلسة الماضية». ويثور نقاش طويل بشأن تنظيم حق الانتخاب ووجاهة الحجج التي يستند إليها كل عضو في موقفه، فينبري علي بك ماهر في الجلسة السابعة للدفاع عن أهمية خفض سن الترشيح لعضوية مجلس النواب من ثلاثين عامًا إلى خمسة
وعشرين عامًا، وحجّته الأبرز أن الشباب «قد شاركوا في حركة البلاد من عام 1918 إلى يومنا الحاضر»، وأن القاضي يباشر عمله في سن الخامسة والعشرين، والمستشار في سن الثامنة والعشرين، فلِمَ إذن اشتراط السن الأعلى في من يتولى مسؤولية النيابة البرلمانية؟ ويرد عليه عبد العزيز بك فهمي بقوله «إن من الصحيح أن سن القاضي هو خمسة وعشرين عامًا، لكن المُشرع الذي يضع القانون للقاضي لا يقل عمره عن ثلاثين عامًا». ثم إنه يرى أن ما ذهب إليه علي ماهر لا يعدو كونه مجرد زخرف لم يطلبه لذاته «بل لغرض آخر هو مكافأة الشباب الذين قاموا بالحركة». ويتم البحث في نظام التصويت، فيدعو إلياس بك عوض في الجلسة السادسة إلى اعتماد نظام القائمة لأنه يسمح بتمثيل الأقليات، ولأن بلدانا ديمقراطية كفرنسا تأخذ به. فيعقّب عليه عبد الحميد باشا مصطفى قائالً: «إن الناخب في نظام القائمة لا يعرف من انتخبه، وهذا يجعل التمثيل غير صحيح»، وإن فرنسا تقلّبت على مدار واحد وسبعين عامًا (-1848 1919) بين نظامي القائمة والفردي أربع مرات. وفي ما يخص قضية التمثيل البرلماني للأقليات التي كانت موضوع نقاش واسع في الجلسة السابعة والعشرين، يتزعم توفيق بك دوس الاتجاه المطالب بهذا التمثيل لقطع الطريق على تدخّل بريطانيا لحماية الأجانب والأقليات، فترن في آذاننا تعبيرات جميلة جرت على ألسنة مؤيديه ومعارضيه على حد سواء. في تأييد التمثيل، وجده عبد اللطيف بك المكباتي «احتفاظًا بالوحدة العائلية ومنعًا للامتعاض»، ووجده علي بك المنزلاوي «حفظًا لاتحادنا الجميل، الذي لولاه لوجد الإنجليز لمناهضتنا سبيالً». وفي معارضة التمثيل، رأى عبد العزيز بك فهمي أن «الكفاح في الانتخابات بين آراء سياسية وأحزاب مختلفة وليس بين دينين»، وأمن على رأيه أحمد باشا طلعت بدليل «أن المحامين انتخبوا في ثلاث سنوات متوالية نقيبًا لهم قبطيًا وهذا لم يحصل لغيره ».
دستور الوحدة الوطنية
رفعت اللجنة مشروع الدستور إلى عبد الخالق ثروت في 21 تشرن الأول/ أكتوبر 1922، وكان منتظرا أن يصدر به المرسوم الملكي في إثر تقديمه لرئيس الوزراء، كما قدمت له اللجنة بعد أيام قليلة مشروع قانون الانتخاب المرافق للدستور، وكان ثروت باشا آنذاك جادا في بناء دار البرلمان، إذ شرعت وزارة الأشغال في إقامة مجلس النواب، منذ آب/ أغسطس 1922، كما تم توسيع مبنى الجمعية العمومية لتكون مقرا لمجلس الشيوخ، لكن استقالة ثروت حالت دون صدور الدستور في موعده المقرر؛ إذ استقال ثروت قبل صدور الدستور بمرسوم ملكي، وفي آذار/ مارس 1923 جاءت وزارة يحيى إبراهيم باشا، التي كانت وزارة إدارية، فألغت الأحكام العرفية، وأفرجت عن سعد ورفاقه ليعودوا من المنفى. وفي 19 نيسان/ أبريل 1923 صدر الدستور وقد حُذف منه النصان الخاصان بالسودان. وجرت انتخابات في 27 أيلول/ سبتمبر 1923 لتأتي الوزارة الشعبية «وزارة زعيم الأمّة سعد زغلول بعد عودته من المنفى»، التي كسرت لأول مرة قاعدة وجود وزير قبطي واحد في الوزارة، بعد استقالة وزارة يحيى إبراهيم باشا، التي لم يحالفها التوفيق في الانتخابات، وهو ما كان
شهادة لها على نزاهتها، لأنها هي التي كانت تدير الانتخابات التي خسرت فيها ونجح حزب الوفد. وأصدر الملك فؤاد الأول الدستور بقرار ملكي رقم 42 لعام 1923، من سراي عابدين بتاريخ 3 رمضان 1341 ه/ الموافق 19 نيسان/ أبريل 1923، وأرسله إلى يحيى إبراهيم باشا رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، مشفوعًا بخطاب جاء فيه «اطّلعنا على مشروع الدستور الذي عنيتم بتحضيره ورفعتموه إلينا، وإنا لشاكرون لكم ولزملائكم ما بذلتم من الهمة في وضعه، وما توخيتم فيه من مصلحة الأمّة وفائدتها. وبما أنه وقع لدينا موقع القبول فقد اقتضت إرادتنا إصدار أمرنا به، راجين أن يكون فاتحة خير لتقدّم الأمّة وارتقائها وعنوانًا دائامً لمجدها وعظمتها». تضمنت مقدمة الدستور تمهيدًا أوضحت فيه أهميته، فذكرت: «بما أننا مازلنا منذ تبوؤنا عرش أجدادنا، وأخذنا على أنفسنا أن نحتفظ بالأمانة التي عهد الله بها إلينا، نتطلب الخير دائامً لأمتنا بكل ما في وسعنا، ونتوخى أن نملك بها السبيل التي نعلم أنها تفضي إلى سعادتها وارتقائها وتمتّعها بما تتمتّع به الأمم الحرة المتمدينة. ولما كان ذلك لا يتم على الوجه الصحيح إالّ إذا كان لها نظام دستوري كأحد الأنظمة الدستورية في العالم وأرقاها، تعيش في ظله عيشًا سعيدًا مرضيًا وتتمكن به من السير في طريق الحياة الحرة المطلقة، ويكفل لها الاشتراك العملي في إدارة شئون البلاد، والإشراف على وضع قوانينها، ومراقبة تنفيذها، ويترك في نفسها شعور الراحة والطمأنينة على حاضرها ومستقبلها مع الاحتفاظ بروحها القومية، والإبقاء على صفاتها ومميزاتها التي هي تراثها التاريخي العظيم. وبما أن تحقيق ذلك كان دائامً من أجلّ رغباتنا، ومن أعظم ما تتجه إليه عزائمنا، حرصًا على النهوض بشعبنا إلى المنزلة العليا، التي يؤهله لها ذكاؤه، واستعداده وتتفق مع عظمته التاريخية القديمة وتسمح له بتبوء المكان اللائق به بين شعوب العالم المتمدّن وأممه». نصّت المادة الأولى على أن «مصر دولة ذات سيادة، وهي حرة مستقلة وحكومتها ملكية وراثية وشكلها نيابي»، واضعة بذلك أسس القاعدة الدستورية الأولى، وهي سيادة الأمّة. وأشارت المادة الثالثة بالقول: «المصريون لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتّع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدِّين، وإليهم وحدهم يُعهَد بالوظائف العامة، مدنية كانت أو عسكرية، ولا يولى الأجانب هذه الوظائف إالّ في أحوال استثنائية يعينها القانون». وأكدت المادة الثانية عشرة أن «حرية الاعتقاد مطلقة». وأوضحت المادة الثالثة عشرة أن الدولة «تحمي حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقًا للعادات المرعية في الديار المصرية، على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب». ومنعت المادة السادسة عشرة «تقييد حرية أحد في استعماله أية لغة أراد في المعاملات الخاصة أو التجارية أو في الأمور الدينية أو في الصحف والمطبوعات أيا كان نوعها أو في الاجتماعات العامة». كما نصّت المادة 149 على أن «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية»، وعلى الرغم من ذلك، نجح هذا الدستور في حكم مصر لمدة طويلة: بدءًا من عام 1923 حتى أتت ثورة يوليو لتبطل العمل به في عام 1952. وفترة العمل به هي التي شهدت ترسيخ الحريات والقيم الليبرالية الأصيلة بما مكّن من تدشين العصر الذهبي
للديمقراطية في مصر. وكان هذا الدستور من الثبات أنه ظل يمثّل إطار الحكم العام طوال ثلاثة عقود، باستثناء فترة لا تتجاوز الخمسة أعوام، هي فترة انقلاب دستور 1930 عليه، وهي الفترة التي كانت بمنزلة نكسة للحياة الديمقراطية في مصر؛ إذ جاءت وزارة عبد الفتاح يحيى التي لم تقدّم جديدًا للحياة السياسية أو النيابية المصرية، فقدمت استقالتها في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1934، وقبلها الملك فيِ 14 تشرين الثاني/ نوفمبر، وكلّف توفيق نسيم برئاسة الوزارة الجديدة في اليوم نفسه، وهي الوزارة التي ألغت دستور 1930، وحلّت البرلمان في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر، ولم تقرن قرار الإلغاء بعودة دستور 1923، حيث كان الملك يميل إلى إحلال نظام دستوري آخر محل الدستور الذي ألغته، فتحرك الوفد وعقد مؤتمرًا في يومي 9 و 10 كانون الثاني/ يناير 1935 حضره نحو 250 ألف من أعضائه، ليؤكد تمسك الأمّة بإعادة دستور 1923، كامالً غير منقوص. وازدادت الضغوط الشعبية على نسيم، فرفع كتابًا إلى الملك في 17 نيسان/ أبريل يتضمن اقتراحًا بعودة الحياة الدستورية بإحدى وسيلتين: إعادة دستور 1923 وتعديله بالطريقة المنصوص عليها فيه إذا رأى تعديله، أو دعوة جمعية وطنية لوضع دستور ترضاه البلاد. وجاء رد الملك في 20 نيسان/ أبريل مفضِاّلً أن يوضع دستور بمعرفة لجنة حكومية يكون من أعضائها ممثلو الأحزاب السياسية المختلفة في مصر، بما فيها الوفد إن أراد. وفي مجلس النواب، انتقد عبد العزيز الصوفاني، من نواب مدينة الإسكندرية، نظام دستور 1930، فانتقده وهيب دوس قائالً: ليس لنائب أقسم اليمن على احترام الدستور أن ينتقده في قاعة هذا المجلس، فردّ الصوفاني عليه: «الدساتير في جميع بلاد العالم قوانين وضعية، وعرضة للنقد والتغيير وليست مُنزلة». لكن دستور 1923 نجح في النهاية في جعل الشعب كله يقف مدافعًا عنه، إلى أن تم إلغاء دستور 1930 بموجب الأمر الملكي رقم 142 لعام 1935 في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1935، وهو الأمر الذي قضى بإعادة العمل بدستور 1923. وعاد في عام 1935 بعد انتصار الشعب على ردة دستور 1930. بعد ذلك، ظل دستور 1923 ساريًا حتى أعلن مجلس قيادة ثورة 23 يوليو إلغاءه نهائيًا في 10 كانون الأول/ ديسمبر.1952 ولا غرو أن نرى تمسّك النخب السياسية المصرية بهذه الدستور، إذ إنه كفل المساواة في الحقوق لكل المصريين، بصرف النظر عن الدِّين والجنس واللغة، بالإضافة إلى حرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية، وشارك الأقباط في الحياة السياسية والنيابية بقوة، وجرى انتخاب ويصا واصف رئيسًا لمجلس النواب في البرلمان. ويجب أن يكون واضحًا أن التمثيل في المجالس النيابية لم يكن مقصودًا به مجرد الوجود الطائفي، بل عكس ذلك تمامًا، كان الهدف أن يكون الاختيار والاستبعاد قائمين على أساس الإخلاص والكفاءة والقدرة على المساهمة في تحديد الجوانب الوطنية الفعالة، وفي وضعها موضع التنفيذ، وانتفى من قاموس السياسة المصرية المفهوم الديني للأقلية، وأصبح لهذا اللفظ في المحل الأول معنى سياسي واقتصادي؛ فقد أُلغيت كلمة التعصب من قاموس الوطنية المصرية، وبُثّت روح الاطمئنان بين الأقباط، فكان المرشح القبطي يرشح نفسه عن دائرة كلها مسلمون، فيتم انتخابه بصرف النظر عن ديانته، عندئذ وطّد الأقباط لأنفسهم وجودًا فعاالً على الساحة السياسية، أكان في البرلمان بمجلسيه، النواب والشيوخ، أم في مجالات الإعلام والفكر والثقافة والصحافة، وجميع وظائف الدولة القيادية وغير القيادية. ولعل أبلغ دليل على ذلك قول ويصا واصف في إحدى دوائر المنيا: «إنني أمثّل في البرلمان دائرة لا قبطي فيها غير نائبها». وكان ويصا واصف من أواسط الصعيد، ولكنه يمثل دائرة المطرية، في أقصى الشمال، بغير عصبية عائلية له ولا روابط دينية ولا محلية في هذه الدائرة.