Return to Article Details Azmi Bishara’s Vision for an Arab Democratic Transition: A Comparative Study on the Conditions Required for Democracy

مشروع عزمي بشارة في التحوّل الديمقراطي عربيًا -دراسة مقارنة في زمن البحث عن شروط القابلية لتطبيق الديمقراطية-

Azmi Bishara’s Vision for an Arab Democratic Transition: A Comparative Study on the Conditions Required for Democracy

سهيل الحبيب

Suhail Lahbib

الملخّص

تتّخذ هذه الدراسة من البلدان العربية التي اندلعت فيها الثورات الأخيرة، خاصةً تونس وليبيا، محلا لاختبار الفارق بين فكر عزمي بشارة وما يدعوه الباحث بالرؤية الأيديولوجية الإسلامية الوفاقية. وأداته في ذلك هي استخراج ما في كتابات بشارة من بناء نظري لمفهوم «قابلية التطبيق الديمقراطي » الذي يسكّه الباحث على غرار مفهوم بشارة "القابلية للثورة". وهو يجد أنَّ بداية تميّز بشارة تتمثّل في تقديمه الديمقراطية حلاً للمسألة العربية، على نحو يشمل فيه المركّب الك الذي يجسّده الحلّ الديمقراطي ك من مفهوميّ الهوية والأمّة، والدولة والمجتمع المدني، والآلية الديمقراطية وتشريعاتها، في ترابط بنيويّ وفي صيرورة واحدة من التشكّل.

Abstract

Relying on Azmi Bishara’s writings on democracy, and using the case studies of Libya and Tunisia, the author constructs a theoretical concept on the conditions required to instill democracy or – borrowing from Bishara’s terminology – “susceptibility to democracy”. In the author’s view, Bishara’s uniqueness stems from his proposal of democracy, in its comprehensive form, as an answer to the “Arab Predicament”. To Bishara, a comprehensive democratic solution entails the concepts of identity and nation; state and civil society; democratic mechanisms and their legislation, as a contiguous structure, the formation of which should remain ever-evolving and relentless. Contrary to the popular narratives on nationalism, Bishara’s Arab nationalism is a modernist cultural identity in which the Arab nation is a future-oriented project and where the presence of a civil society, just like its counterpart in a democratic political system, is the product of an environment which presupposes the existence of a sovereign, strong and modern state. Here, the demand for a democratic transition is part of the continuous move towards modernization, and not a step back from it.

الكلمات المفتاحية:
  • التحول الديمقراطي
  • القابلية للثورة
  • الهوية
  • الأمة
  • الدولة
Keywords:
  • Democracy
  • Identity
  • Arab Nationalism
  • Azmi Bishara

دراسة مقارنة في زمن البحث عن شروط القابلية لتطبيق الديمقراطية

تتّخذ هذه الدراسة من البلدان العربية التي اندلعت فيها الثورات الأخيرة، خاصةً تونس وليبيا،

محالّ لًاختبار الفارق بين فكر عزمي بشارة وما يدعوه الباحث بالرؤية الأيديولوجية الإسلامية

الوفاقية. وأداته في ذلك هي استخراج ما في كتابات بشارة من بناء نظري لمفهوم «قابلية التطبيق

الديمقراطي» الذي يسكّه الباحث على غرار مفهوم بشارة “ القابلية للثورة ”. وهو يجد أنَّ بداية

تميّز بشارة تتمثّل في تقديمه الديمقراطية حالّ للمسألة العربية، على نحو يشمل فيه المركّب الكيلّ

الذي يجسّده الحلّ الديمقراطي كالّ من مفهوميّ الهوية والأمّة، والدولة والمجتمع المدني، والآلية

الديمقراطية وتشريعاتها، في ترابط بنيويّ وفي صيرورة واحدة من التشكّل. هكذا، وبخلاف الفكر التوفيقي العربي السائد، تبدو القومية العربية عند بشارة هوية ثقافية

حداثية، وتبدو الأمّة العربية مشروعا مستقبليًا. كما يغدو وجود المجتمع المدني، شأنه شأن قرينه

النظام السياسي الديمقراطي، وليد سياق يفترض وجود دولة حديثة قوية ذات سيادة، على

نحو يُدْرِج مطلب الانتقال الديمقراطي ضمن سيرورة المضيّ في مسار التحديث لا في مسار

الرجوع عنه.

نشر عزمي بشارة بُعيد اندلاع موجة الحراك الثوري العربي الراهنة كتابين على صلة مباشرة بهذا

الحراك، وُسِمَ الأول ب في الثورة والقابلية للثورة، أمّا الثاني فعنوانه الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة

وصيرورتها من خلال يومياتها. هذا فضالً عن نشر طبعة سادسة لكتاب المجتمع المدني، دراسة نقدية جاءت

مصدّرة بمقدمة جديدة مدارها على الربط بين محتويات الكتاب ومتغريّات اللحظة العربية التي فتحت فيها

ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية هذه الأقطار على آفاق التحوّل الديمقراطي. ومن المؤكد أن

مثل هذا التركيم الكمّي، في حدّ ذاته، يشرّع للدارس أن يعاود قراءة المتن الفكري لعزمي بشارة من جهة

البحث عن ممكنات ارتقائه إلى مستوى المشروع، بكل ما يعنيه ذلك من تواصل معرفي، نظري ومنهجي،

وترابط بنيوي بين المكوّنات واتساق في التحليل بين المقدمات والنتائج.... إلخ. بيد أنّنا نرى أن ما يحفّز

النظر البحثي في فكر بشارة، من حيث هو مشروع، ومن منظور مقارن، ليس هذا التطوّر الكمّي في حدّ ذاته

فحسب، إنما أيضًا، وهو الأهمّ، السياق الجديد للواقع العربي في ما بعد الثورات المندلعة. هذا السياق، الذي

بات يُعرف اليوم بزمن «الربيع العربي»، نسمه في هذه الورقة ب زمن البحث عن القابلية للتطبيق الديمقراطي

في كل من تونس وليبيا ومصر، باعتباره زمنًا لاحقًا زمن القابلية للثورةفي هذه الأقطار العربية. إن انتقال

شطر من الوطن العربي إلى زمن جديد أصبحت فيه قابلية تطبيق الديمقراطي القضية المحورية يوفّر لنقد

الأيديولوجيا العربية المعاصر ممكنات التطوّر إلى مستويات تنجلي معها بدرجة أكثر الأبعادُ الواقعية المباشرة

والعملية الملموسة في فعل قراءة المتون الأيديولوجية وتحليلها.

مشروع بشارة في نسقه الكلّي وآفاق المقاربة المقارنة في زمن إشكالات القابلية للتطبيق الديمقراطي

نقدّر أن كتاب في المسألة العربية مقدّمة لبيان ديمقراطي عربي يمثّل اللحظة التي ارتقى فيها تفكير عزمي بشارة

إلى مستوى المشروع الحامل جميع مقوّمات التمايز النظري. وتنطوي صيغة عنوان الكتاب على تكثيف دال على

جوهر المشروع من حيث إنه يقدّم الديمقراطية باعتبارها ح للمسألة العربية. وإذا كنا نروم هنا إعادة قراءة هذا

المشروع بغية إبراز مناط قوته وراهنيته في السياق العربي الحالي، فإن المدخل الذي نراه إلى ذلك إنما هو استكناه

الأبعاد الموضوعية في هذا الربط الصميمي الذي يعقده بشارة بين ما يسمّيه المسألة العربية من جهة والتحوّل

الديمقراطي في الأقطار العربية من جهة أخرى باعتباره مطلبًا حاز إجماعًا واسعًا بين النخب الفكرية والسياسية

خلال الأعوام الأخيرة على وجه الخصوص. ويتلخص هذا الربط الصميمي في القول إن الذي يعيق تشكّل

الأمة العربية هو نفسه ما يعيق تحوّل الأقطار العربية إلى دول ديمقراطية2. وفي هذا السياق ترتبط الديمقراطية

بتنفيذ مهمات وطنية، منها بناء الاقتصاد الوطني، ومنها حسم قضايا الهوية الوطنية والقومية والمجتمع المدني

وشرعية الدولة...إلخ، وهكذا تكون الديمقراطية قضية هوية وطنية وقومية تتضمن عناصر تربوية وأخلاقية

أساسية، وهي قضية اقتصادية واجتماعية وليست قضية وعي وإرشاد فحسب. يحيلنا مشروع بشارة، من خلال طرحه الجوهري المكثّف في مفهوم المسألة العربية، إلى عنصرين أساسيين من

عناصره البنيوية الفارقة من منظور مقارن بين ما هو متداول في فكرنا العربي الراهن من رؤى وتصوّرات في شأن

ماهية الانتقال الديمقراطي عربيًا، ومضمونه وكيفياته. وهذان العنصران هما: الكلّية والتركّب. فأمّا الكلّية،

فيترجمها ذاك الاتساع الذي يتخذه مضمون التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي بحيث يطابق حلّ المسألة

العربية برمّتها، في حين أن التركّب ناجم عن هذا التطابق باعتبار أن المسألة العربية حاوية أبعادًا كثيرة، منها ما

1 نحت عزمي بشارة مفهوم «القابلية للثورة» باعتباره مفهومًا تحليليًا وتفسيريًا للوضع العربي الذي حرّك الجماهير العربية للثورة.

وقد استوحينا من هذا المفهوم تعبير «القابلية للتطبيق الديمقراطي» من حيث هو توصيف لزمن حراك مسارات الانتقال الديمقراطي

في الأقطار العربية التي نجحت فيها الجماهير في تنحية رؤوس الأنظمة الاستبدادية. وسنعود إلى هذين المفهومين لاحقًا في متن الورقة.

2 عزمي بشارة، في المسألة العربية مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص 214. والإبراز

في أصل النص.

3 المصدر نفسه، ص.224

هو وطني (السيادة وشرعية الدولة القطرية...)، وما هو قومي (التكامل أو الوحدة على نطاق عربي)، وما هو

ثقافي (الهوية)، وما هو سياسي (نمط الحكم)، وما هو مجتمعي (البنى والتركيبات المجتمعية)، وما هو اقتصادي

اجتماعي (التنمية وتوزيع الثروة). قد نواجَه، في هذا المستوى، باعتراض على قولنا إن الكلية والتركّب، على هذا النحو، يمثلّان عناصر بنيوية فارقة

لتصوّر الانتقال الديمقراطي في مشروع بشارة. ومناط الاعتراض هو أن جلّ الدعوات المنتصرة للديمقراطية التي

حفل بها الفكر السياسي العربي، خلال العشريتين الأخيرتين بالخصوص، لم تكن بمنأى عن جماع هذه القضايا

الجوهرية التي يختزلها بشارة تحت مسمّى المسألة العربية. ونشير هنا، على وجه التدقيق، إلى دعوات التحوّل

الديمقراطي التي تبلورت في السياقات الحوارية الوفاقية بين مختلف «تيارات الأمة الأربعة» (الإسلامية والقومية

واليسارية والليبرالية)، وأهمّها، من حيث النضج والاكتمال ووزن القوى والشخصيات المشاركة فيها، هو

المشروع النهضوي العربي الذي يعتبر الديمقراطية ركنًا مكينًا من أركان النهضة العربية، ورافعة من رافعاتها، إلى

جانب التجدّد الحضاري والوحدة والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي. وحتى في سياق الإطار الوفاقي لهيئة 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 للحقوق والحريات في تونس، ورغم

الطابع الجزئي الذي وسمه من حيث اقتصاره على المطلب الديمقراطي وبقاء طموحه في مستوى أدنى من

المشروع والتحالف الاستراتيجيين، فإن البيانات التي وقّعها مختلف الأطراف الإسلامية والقومية واليسارية

والليبرالية المشاركة في الهيئة تناولت الكثير من القضايا التي مثّلت أبعادًا أساسية من أبعاد المسألة العربية أو

المشروع النهضوي في الوطن العربي، مثل الحريات العامة والخاصة والهوية وطبيعة الدولة وعلاقتها بالدين

وعلاقاته بالسياسة وقضية المرأة والمساواة بين الجنسين... إلخ. ومن جهة أخرى لم يفت سياق المراجعة

الذي افتتحه الإسلاميون من أجل «تأصيل الديمقراطية في مرجعيتهم الإسلامية»، ورغم استناده إلى مبدأ

اللاأسسية، أن يشير إلى الإطار الكيلّ الذي ينخرط فيه المطلب الديمقراطي عربيًا وإسلاميًا؛ فهذا الإطار

يجمع بين الدفاع عن الإسلام والحرية والديمقراطية ومقاومة الاستبداد ومواصلة حركة التحرّر الوطني لإنجاز

استقلالنا الثقافي والاقتصادي في مواجهة خطط العولمة والدمج. على هذا الأساس، لا بدّ من الاعتراف بأنه، في هذا المستوى المحدّد من القراءة والتحليل، يعسر التسليم بأن

الكلية والتركّب من مقومات مشروع بشارة الفارقة في التفكير المنشغل بالانتقال الديمقراطي عربيًا، باعتبار

أن منظورات ديمقراطية عربية معاصرة لم تعزل نفسها، هي الأخرى، عن سائر القضايا السياسية والمجتمعية

4 انظر: خير الدين حسيب، «حول الحاجة إلى «كتلة تاريخية» تجمع التيارات الرئيسية للأمّة مع إشارة خاصة إلى حالة العراق،» المستقبل

العربي، السنة 39، العدد 336 (شباط/ فبراير.)2007

5 المشروع النهضوي العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.69

6 تكوّنت هيئة 18 أكتوبر بعد إضراب الجوع التي خاضته في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 مجموعة من القيادات السياسية

والجمعياتية الديمقراطية من مختلف الحساسيات الفكرية، وتضم الهيئة في صفوفها ممثّلين عن مختلف التيارات السياسية (ليبراليين،

يساريين، إسلاميين، قوميين....).

7 الوثائق منشورة ضمن: طريقنا إلى الديمقراطية خلاصة الحوار الوطني بين إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين: رؤية تونسية

مشتركة لأسس الدولة الديمقراطية (تونس: هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات،.)2010

8 مفهوم «الديمقراطية اللاأسسية» اعتمده الباحث العربي صديقي للدلالة على الديمقراطية التي تتجرّد من الأسس التي اقترنت

بها في المجتمعات الغربية (القومية والليبرالية والعلمانية....)، وهو، على هذا النحو، يصوغ صياغة نظرية مكثفة الرؤية التي يعتمدها

الإسلاميون في تأصيل الديمقراطية إسلاميًا، وإن كان يختلف معهم في قوله كذلك ب«الإسلام اللاأسسي». انظر: العربي صديقي،

البحث عن ديمقراطية عربية: الخطاب والخطاب المقابل، ترجمة محمد الخولي وعمر الأيوبي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9 راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.16

والثقافية والاقتصادية التي يعرفها الوطن العربي. بيد أن للقراءة والتحليل مستويات أعمق، في رأينا، حتى وإن

تبدُ للقارئ، في هذه اللحظة، مغرقة في النظرية والتجريدية وغير حاسمة على المستوى العملي، بخلاف ما نقدّر

وما سنسعى إلى الاستدلال عليه في قادم متن هذا البحث. فليست الكلّية التي يعربّ عنها، تكثيفًا، مشروع بشارة،

بالمسألة العربية وحلّها الديمقراطي هي ذاتها الكلّية التي تترجمها الخطابات الأيديولوجية الوفاقية والإسلامية

التجديدية الإدماجية الراهنة، حيث «تجتمع»، في «منظومة واحدة»، أهداف بناء السلطة الديمقراطية وإشاعة

الحرية وحقوق الإنسان مع أهداف العودة إلى هوية الأمة العربية الإسلامية، وتحقيق تحررها من الاستعمار،

ووحدتها وتنميتها والتوزيع العادل للثروة بين أبنائها.

إن التحليل المفهومي المدقّق يقودنا إلى الأخذ في الاعتبار الفارق بين تقديم الديمقراطية باعتبارها حلاًّ

كلّيًا لجميع تشعّبات المسألة العربية، وتقديمها بوصفها حلاًّ جزئيًا لمسألة السلطة السياسية (وعلاقتها

بالمجتمع)، مندرجًا ضمن كلّ هو جماع الحلول الجزئية لمختلف القضايا العيانية المطروحة في المجتمعات

العربية والإسلامية؛ ففي الحالة الأولى تمثّل الديمقراطية حلّ المسألة العربية عينه بعناصره المركّبة (القومية

والوطنية والسياسية والمجتمعية والثقافية والاقتصادية...) والموصولة في ما بينها بعلاقات تداخل بنيوي

تحتّمها صيرورة الانتقال، كما عرفتها المجتمعات السابقة للوضع الديمقراطي المستقرّ. أمّا في الحالة الثانية،

فتبقى الديمقراطية مجرّد حلّ جزئي متعلّق بالمسألة السلطوية والمسألة الدستورية التشريعية، ولا تربطه غير

روابط تجاور مع غيره من الحلول الجزئية التي يشكّل معها كلّ الحلّ «النهضوي» أو «القومي» أو «الوفاقي»

أو «الإسلامي»، بحسب كل سياق من السياقات التي أومأنا إليها أعلاه، حتى وإن ألحّ بعض هذه السياقات

على البُعد «الأكسيومي» أو النسقي.

وعلى هذا الأساس تتوضّح كذلك الفوارق النوعية بين الطابع المركّب الذي يسم مشروع الانتقال الديمقراطي

عربيًا في فكر بشارة والطابع ذاته الذي تتبدّى عليه المنظورات المتولّدة عن هذه السياقات. فليست الأبعاد المختلفة

التي تنطوي عليها المسألة العربية غير مشكلات يتوافر حلّها في الديمقراطية من حيث هي صيرورة تاريخية تجسدّت

في شطر من المجتمعات البشرية الحديثة ويمكن أن تتجسّد في مجتمعات أخرى تطمح إلى الانتقال الديمقراطي.

فحلول مشكلات الهوية والدولة والسيادة والوحدة والعدالة الاجتماعية في الوطن العربي... إلخ. هي، في مشروع

بشارة، من ذات جنس الحلّ الديمقراطي الكيلّ. بينما هي، في التفكير الوفاقي العربي الراهن، تركيب بين العناوين

الرئيسة في «مذاهب الأمّة» الأربعة. أمّا في اجتهادات التيار الإسلامي الراهن، فحلول هذه المشكلات كامنة في

اعتماد مرجعية الإسلام/الهوية مع تأصيل ما يمكن تأصيله، في هذه المرجعية، من منتخبات حضارة الغرب. لا ينشغل أغلب الساسة والفاعلين الاجتماعين بمثل هذه التدقيقات التي يهتم بها ناقد الأيديولوجيا، ويرونها

محض نظرية ومجرّدة وغير مجدية، بل ومثبطة ومعرقلة، من الناحية العملية؛ فماذا يفيد البحث في الفوارق المفهومية

بين المرجعيات و«الأصوليات» النظرية، ما دام الاتفاق حاصلا حول الأهداف ذاتها تقريبًا؟ سؤال يمكن أن يرد

عليه ناقد الأيديولوجيا بالقول إن الدوال أو العلامات اللغوية نفسها لا تحمل دائامًالدلالات والمضامين ذاتها،

10 هذا هو مضمون ورقة عبد الإله بالقزيز، نظام الأولويات لأهداف المشروع الحضاري (1)، ضمن: عبد العزيز الدوري [وآخرون]،

نحو مشروع حضاري نهضوي عربي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص -907 927. ولكن في الأخير لا يمكن أن نقول، من منظور المشروع النهضوي العربي، بأن

الديمقراطية تمثل ح لمسألة الوحدة أو التنمية... إلخ. بالكيفية ذاتها التي تنطبق على مشروع بشارة.

11 يرى الإسلامي، داخل سياق التفكير في المشروع النهضوي العربي الجديد، أنه حينما يتمّ فصل آليات الديمقراطية وإجراءاتها (التمثيل

الانتخابي وتكوين والمجالس النيابية وأخذ القرار بالأغلبية) عن أصولها ومرجعياتها الغربية، فإنها تصبح ممّا يسهل استيعابه وهضمه

حضاريًا (عربيًا إسلاميًا) وإدخاله في الإطار المرجعي للثقافة الموروثة، شأنها في ذلك شأن العلوم الطبيعية والتقانة وعلوم الإدارة. طارق

البشري، التجديد الحضاري من منظور المشروع الحضاري (2)، ضمن: الدوري [وآخرون]، ص.865

وإن المفاهيم تكتسب مدلولاتها من السياقات المرجعية والأصولية التي تنخرط فيها. ومع ذلك، يبقى مثل هذا

الاحتجاج النظري المعرفي غير وارد في اعتبار الفاعل السياسي، فما بالك باعتبار أوسع الجماهير، وتبقى «هتُم»

التجريد والتنظير واللاواقعية واللاعملية تلاحق كل قراءة في المشاريع الأيديولوجية العربية المعاصرة وعناوينها

ومفاهيمها، إذا بقيت في حدود تلبية المطلب المعرفي على أهميته. بيد أن لنقد الأيديولوجيا، وخاصة إذا كانت معاصرة وحاضرة في الفعل والواقع، رهانات أخرى تتجاوز

مستوى التحليل النظري المجرّد والمعرفي المحض إلى مستوى تحليل العلاقة بين الفكر والواقع، أي بين المفهوم

وتطبيقاته العملية والهدف المرسوم والنتائج المتجسّدة على أرض الواقع. إن التحرّك ضمن هذه المسافة الفاصلة

بين قطب النظر وقطب الواقع العملي يمثّل لحظة متقدمة في نقد الأيديولوجيا الذي يبقى مسكونًا دومًا بالتطلّع

إلى تأدية الوظيفة التفسيرية الأعلى، لا التفسير الذي يربط البنى والتصورات والمقولات الذهنية وتحولّاتها

بالوقائع والبنى المادية وتطوّراتها فحسب، بل كذلك التفسير الذي يتخذ اتجاهًا معاكسًا بأن يستدلّ على امتداد

الأيديولوجي في ما هو واقعي وعملي مادي مباشر.

من هذا المنظور يظل حراك الواقع العملي وطبيعة التطورات التي يشهدها من الشروط التي تحدّد الممكنات

الموضوعية لأن يتحوّل نقد الأيديولوجيا من المستوى الذي يغلب عليه الاشتغال النظري بالبنى والمفاهيم

والتصورات المجردة إلى المستوى الذي يتداخل فيه مثل هذا الاشتغال، مع تحليل المعيش من الوقائع

والأحداث المتطوّرة، وتفسير مجريات الفعل والممارسة على أرض الواقع. ضمن هذا الأفق تراهن هذه الورقة،

رهانًا أساسيًا، على التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها الأقطار العربية الثائرة في ما

بعد إنجازها أول انتخابات حرّة ونزيهة وشفافة (تونس ومصر وليبيا). وتنقل هذه التطوّرات هذا الجزء

من الوطن العربي من زمنية «القابلية للثورة» إلى زمنية «القابلية للتطبيق الديمقراطي». وقد نحت عزمي

بشارة المفهوم الأول لتحليل أوجه مشروعية القول إن الفعل الجماهيري في الأقطار العربية قابل لأن يكون

ثوريًا باعتباره وليد الوعي بأن وضع المعاناة هو حالة من الظلم، أي الوعي بأن المعاناة ليست مبرّرة، ولا

هي حالة طبيعية معطاة، ووعي إمكانية الفعل ضدّه في الوقت نفسه. أمّا «القابلية للتطبيق الديمقراطي»،

فنستخدمه هنا في توصيف الإشكالات التي تتخلّل مسارات الانتقال من الثورة (تنحية أنظمة الاستبداد)

إلى البناء الإيجابي والمستقرّ للنظام الديمقراطي.

إن إشكالات زمن البحث عن شروط القابلية للتطبيق الديمقراطي تمثّل شروطًا موضوعية، وإبستيمولوجية إن

شئنا، كي نقارب مشروع عزمي بشارة، من جديد، مقاربة تعتمد التميشّ المنهجي نفسه المقارن بين مناحي التفكير

العربي المعاصر في الديمقراطية. لكنها ترمي إلى إصابة هدفين أكثر تطورًا ممّا يتوافر من تحليلات واستنتاجات في

أوراق لنا سابقة. فأمّا الهدف الأول، فهو اختبار صفة النسقية ومدى تحققها في مشروع بشارة، وأمّا الهدف

الثاني، فهو تفحّص طروحاته ومضامينه العينية في علاقة بمدى قدرتها على استيعاب مجريات مسارات الانتقال

الديمقراطي العربي الجارية وعلى تفسير إشكالاتها وتعيين حلولها العملية.

12 عزمي بشارة، «في الثورة والقابلية للثورة،» (دراسة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، آب/ أغطس 2011)،

<www.dohainstitute.org/.../599c0c0a-751c-4e1f-ae1f-637184512>. ص 52 على الموقع الإلكتروني:.

13 سبق لكاتب هذه الورقة أن اهتمّ، في سياق مقارني، بالمتن الفكري لعزمي بشارة في: سهيل الحبيّب: «تباين استراتيجيات التأسيس

للديمقراطية وتباين مضامينها في الفكر العربي الراهن،» المستقبل العربي، السنة 33، العدد 373 (مارس/ آذار 2010)، و«الانتقال

الديمقراطي في التفكير العربي المعاصر أمام إشكالات أنموذج ثورة 14 يناير،» ورقة مقدمة إلى: «الثورات والإصلاح والتحول

الديمقراطي في الوطن العربي: من خلال الثورة التونسية» (مؤتمر من تنظيم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، -19

21 نيسان/ أبريل 2011)، ومنشورة ضمن: أمحمد مالكي [وآخرون]، ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات (الدوحة: المركز

العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012

قد يبدو الهدفان، للقارئ، منفصلين أحدهما عن الآخر؛ ذلك أن الهدف الأول يتعلق بمسألة نظرية مجرّدة قوامها

التماسك البنيوي ونسق العلاقات الداخلية بين مكوّنات المشروع الفكري الواحد، في حين أن الهدف الثاني

مرتبط بمسألة واقعية عملية عمادها علاقة الفكر بالواقع، أو علاقة النظر بالعمل، وبمدى التطابق بينهما. لكن

الأمر ليس كذلك، على الأقل من وجهة نظر نقد الأيديولوجيا العربية المعاصرة الذي نعتمده هنا؛ إذ ليست

النسقية في الرؤى الفكرية، وتحديدًا في الرؤى الأيديولوجية باعتبارها مرشدات للعمل، مسألة محض نظرية،

لأنها لا تهتمّ فحسب بأشكال المنطق الداخلي الذي يشدّ مكونات الرؤية بعضها إلى بعض، بل تشتغل كذلك على

علاقتها بالواقع، أي على امتدادها العملي ونتائجها الواقعية فيه، إذا كانت فاعلة ومفعَّلة، وعلى نتائج استبعادها،

إذا كانت مغيّبة وغير مفكَّر فيها.

على هذا النحو يكون سؤالا النسقية والمطابقة أو الواقعية، مترابطين في العمل ترابطًا صميميًا. فإذا كان مدار

النسقية هنا على التمثّل النظري، في منظور بشارة كما في المنظورات المقارنة، لعلاقة الديمقراطية في وجهها

الإجرائي (تعددية حزبية وجمعياتية وانتخابات حرة وحكم الأغلبية....) بكلّ المسألة العربية (الهوية والأمّة

والدولة والبنى المجتمعية... إلخ)، فإن اختبارها لن يكون من جهة تماسك المنطق الداخلي الرابط بين مكوّنات

هذا الكلّ، بل، أساسًا، من جهة واقعيته وعمليته ومدى مطابقته لمتطلّبات التحوّل الديمقراطي الجاري عربيًا

اليوم، أو ما نسمّيه شروط القابلية للتطبيق الديمقراطي عربيًا.

لقد قلنا إن مجريات الواقع العملي في البلدان العربية التي شهدت ثورات وعرفت الديمقراطيةَ بعد أولى تجاربها

الانتخابية هي التي وسّعت أكثر من ممكنات قيام مثل هذا العمل الذي ينزع بنقد الأيديولوجيا أكثر نحو الواقعية

والعيانية، من دون أن يفكّه عن أبعاده النظرية. وذلك على اعتبار أن تحقّق الديمقراطية الإجرائية في هذه البلدان

على وجهها الأكمل (الانتخابات النزيهة التي أفضت إلى حكم الأغلبية) يحوّل اليوم بوضوح مناط الإشكالات

إلى قضايا الدولة والبنى المجتمعية وتمثلّات الهوية والأنماط الثقافية المهيمنة...إلخ. لم تكن جلّ النخب العربية المسيّسة، قبل التجارب الوليدة في البلدان العربية الثائرة، تفكّر في الشروط المجتمعية

والثقافية والمؤسساتية لقابلية تطبيق الديمقراطية الإجرائية، نعني الشروط التي يجب أن تسود في سياقها التعددية

الحزبية وحرية التعبير والنشاط المدني وحكم الأغلبية... إلخ. أمّا اليوم وقد أثبتت هذه التجارب، بما تعرفه من

إشكالات خطِرة، أن تحقُّق هذه المطالب في حدّ ذاتها لا يمثّل النهاية السعيدة لمسار الانتقال الديمقراطي، فإن علاقة

الديمقراطية بالهوية والمجتمع والدولة باتت في صميم المشكلات العينية والعملية، وهو ما يعني أن ما نقصده هنا

بالكلّية التي تحضن في إطارها المطلب الديمقراطي والفوارق بين مكوّنات هذه الكلية في مختلف الرؤى الأيديولوجية

ليست من جنس المسائل النظرية المحضة، بل هي من المسائل التي لها امتداد مباشر وعيني في الواقع العملي.

في الديمقراطية والدولة الحديثة والمجتمع المدني الاختلافات النظرية من منظور كلّية المشروع

لا يُتصوَّر وجود حديث في الديمقراطية لا يتضمن تناوالً لموضوعات الدولة والمجتمع المدني، ذلك أن الديمقراطية،

حتى وإن أُخذَت من جهة أنها آلية إجرائية (تعددية وانتخابات وحكم الأغلبية...) فحسب، فإنها تبقى، في

نهاية المطاف، نمطًا من أنماط ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع يستبعد ضرورة مبدأ هيمنة الأولى على الثاني،

ويستوجب أن يكون له تجاهها هامش ما من الاستقلالية والحرية في التنظيم الذاتي، وهو ما يع عنه عادة بالمجتمع

المدني. ضمن هذه الحدود في تعريف الديمقراطية، لا نجد اختلافات تُذكر بين مختلف التصورات والرؤى الفكرية

للتحوّل الديمقراطي عربيًا التي حفل بها فكرنا العربي، وخصوصًا خلال الأعوام القليلة الماضية.

إنَّ مدارات الخلاف تبدأ من حدود التساؤل عن ماهية الدولة والمجتمع اللذين سيخضعان للعلاقة الديمقراطية

الإجرائية، وعلى أرضية ما هو قائم واقعيًا وإمبريقيًا من دول ومجتمعات على الرقعة العربية في المرحلة المعاصرة.

لئن حضر مفهوما الدولة والمجتمع المدني في المنظورات والخطابات الوفاقية في سياق الحديث عن الآلية

الديمقراطية، فإنهما قد بقيا، عمومًا، صمن حدود دلالاتهما العامة التي تفيد السلطة السياسية وأجهزة الحكم

(بالنسبة إلى الدولة)، والمنظمات والجمعيات غير الحكومية (بالنسبة إلى المجتمع المدني). وهذا الأمر تفرسّه

الطبيعة التركيبية أو التسووية في الخطابات الوفاقية التي تقفز بطبيعتها عن مناطات الخلاف الجوهرية التي

يجليها النظر المقارن في المشاريع الفكرية والأنساق الأيديولوجية، كما هو الحال عند المقارنة بين مشروع

عزمي بشارة في الانتقال الديمقراطي عربيًا من جهة، واجتهادات الإسلاميين المعاصرة التي تؤصل للمطلب

الديمقراطي شرعيًا (نسبة إلى الشريعة الإسلامية) والتي توجد إحدى صورها النموذجية في كتابات الشيخ

راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية، من جهة ثانية. يتعلّق دالّ الدولة في سياق مشروع بشارة، تحديدًا، بالظاهرة الحديثة التي برزت في سياق الحداثة السياسية الناشئة

في الغرب. وظاهرة الدولة الحديثة عرفتها، بدرجات متفاوتة، الأقطار العربية القائمة، وذلك باعتبار أن الدولة لم

يكن لها في التاريخ الإسلامي مدخل سانح إلى حياة رعاياها كأفراد. لقد عاش الأفراد بين الأهل community،

العشيرة، القرية، خارج نطاق الدولة. وينعكس هذا الأمر بوضوح في مستوى اختلاف دلالات المفهوم

باعتبار أن كلمة state في اللغة الإنكليزية تفيد الكيان السياسي الذي يشمل الأرض المحدّدة بحدود والحكم

والشعب، في حين أن كلمة «دولة» العربية كانت تشير، إلى وقت قريب، إلى معنى الحكومة والنظام الحاكم أو

الأسرة والجماعة الحاكمة. ولفظ الدولة العربي يفيد معنى التقلّب والتغريّ مقابل اللفظ الإنكليزي state الذي

يعني الحالة الثابتة كما هي. لم يكن هذا الوضع، الذي يعيش فيه الفرد انتماءه إلى الجماعة العضوية أكثر من انتمائه إلى الدولة، ليسمح ببروز

ظاهرة استبداد الدولة وسيطرتها المطلقة على المجتمع؛ فالظاهرة الاستبدادية مقترنة عربيًا بظاهرة الدولة الحديثة

التي كانت أكثر ميالً إلى تفكيك المجتمع العضوي وروابطه بهدف التحديث، فجعلت المجتمع بذلك أقل حماية

من الاستبداد ممّا كان عليه في ظل الأنظمة التقليدية أو الملكية أو غيرها. فكلّ الدول الحديثة تميل إلى تفكيك

البنى العضوية. لكن خصوصية الدولة العربية، كما يرى عزمي بشارة، تتمثّل في أهنّا قامت بالتذرير من دون

تقديم أدوات حماية من السلطة السياسية، وهو ما يعني بلغة بشارة الفشل ببناء هوية وطنية، أو الفشل ببناء

الأمّة، كما سنرى ذلك في مرحلة متقدّمة من هذه الورقة، وهو ما جعل الأفراد يقاومون التذرير عبر العودة إلى

غطاء البنى العضوية (الطائفية والعشائرية) لحماية أنفسهم من الاستبداد. ويرى الشيخ راشد الغنوشي أن الوضعية التي كانت فيها الدولة العربية الإسلامية في الأزمنة ما قبل الحديثة

14 خلت الحوارات القومية الإسلامية التي مهّدت لظهور المشروع النهضوي العربي، تقريبًا، من طرح موضوعات الدولة والمجتمع

والأمة والهوية باعتبارها موضوعات خلافية أو إشكالية. وقد كان الاتجاه العام في هذه الحوارات هو القبول، الصريح أو الضمني، برؤية

الإسلاميين في هذه الموضوعات، وذلك إلى حدود الحوار القومي الديني المنعقد عام 2007. وسنشير إلى ذلك في قادم سطور هذه

الورقة.

15 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية مع إشارة للمجتمع المدني العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)،

ص.298

16 بشارة، في المسألة العربية، ص.118

17 المصدر نفسه، ص.47

بعيدة عن بسط نفوذها على المجتمع إنما هي نتاج لجوهر الإسلام الذي نجا من مصير مسيحي مماثل، ولم ترتبط

حركة مجتمعاته بشكل مطلق بحركة اتجاه تطوّر الدولة، بسبب انحسار سلطتها في مجالات تنفيذية محدودة، بعد

أن حرمها الإسلام سلطة التعليم والتشريع وحرية سنّ الضرائب. صحيح أن هذه الوضعية التي استقرّ

عليها جلّ التاريخ العربي الإسلامي لا تمثّل، في منظور الغنوشي، الوضعية المثالية التي تكرّسها تجربة عهد النبوة

والخلافة الراشدة، حيث كانت الدولة غير متمايزة عن الأمّة، لا بهيئة ولا بامتيازات ولا حتى بمقار، لكن

ذلك لا ينفي عنها جوانبها الإيجابية المتجسّدة في أن نفوذ الدولة كان محدودًا بالشريعة وسلطة القضاء في شؤون

الناس وبمؤسسات النفع العام كالمساجد والأوقاف، وذلك كله راجع بالنظر إلى رعاية العلماء وتأثيرهم. ترتكز الاجتهادات الإسلامية المعاصرة، في نقدها للدولة الحديثة وانتصارها للدولة السائدة إسلاميًا قبلها، إلى

حقيقة أن فاعلية الدِّين (الإسلام) تحوّلت بعد زمن الخلافة الراشدة، وإلى حدود بروز الدولة الحديثة، من حيّز

الدولة إلى الجماعات الأهلية المستقلّة. وقد دفع العلماء منذ وقت مبكر باتجاه إبعاد رجالات الحكم عن مجال

الدِّين، مشدّدين على علوية الشريعة على الدولة. ولئن يركّز الإسلامي على سلطة علماء الدِّين باعتبارها

العامل الحاسم في الحدّ من سلطة الدولة في التاريخ الإسلامي، فإنه لا ينفي كذلك مكانة سلطة القبيلة التي

حافظت على استمراريتها، وقد أُعيد تشكيلها على نحو جديد، بحيث أضحى العنصر الديني ومعنى الأمّة

مساكنين للرابطة القبلية نفسها. وعلى هذا الأساس كان الانتقال من نمط الدولة الذي أعقب الخلافة

الراشدة (الملْك والإمارة والسلطنة...) في التاريخ الإسلامي إلى نمط الدولة الحديثة انتقاالً من وضعية عدم

استبداد الدولة إلى وضعية استبداد الدولة، وبذلك، كما يقول الإسلامي بوثوق، اقترن التغريب والتحديث، في

البلدان العربية الإسلامية، بالديكتاتورية. عند هذا المستوى التوصيفي الموضوعي، أي ربط الاستبداد العربي بالدولة الحديثة، يلتقي بشارة مع الغنوشي.

لكن منعطف الاختلاف الجذري يبدأ عند طرح المشروع الديمقراطي البديل من هذا الاستبداد السائد عربيًا.

فالغنوشي يرى أن الدولة اليوم (أي الدولة الحديثة) هي العقبة الأكبر في طريق أي تقدّم لإقرار حقوق الإنسان

في الواقع العيني. أمّا مشروع عزمي بشارة، فسار في الاتجاه المعاكس، فعلى الأقل منذ الفصل المهم الذي ذيّل

به كتاب المجتمع المدني، دراسة نقدية25، بدأت تتشكّل فكرة أن الدولة الحديثة إنما هي جزء أساسي من مكوّنات

البديل الديمقراطي العربي. ففي خاتمة الفصل تأكيد واضح أن الدمقرطة، أو الصيرورة نحو الديمقراطية،

غير ممكنة من دون إجراء مصالحة بين الدولة وأغلبية المواطنين في المجتمع، وذلك بعد أن ساهمت المرحلة

الاستعمارية في وضع الحدود بين الطرفين، ومنذ ذلك الحين عندما يعارض العرب الدولة نراهم يصفونها

18 راشد الغنوشي، مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.88

19 المصدر نفسه، ص.40

20 المصدر نفسه، ص.41

21 رفيق عبد السلام، تفكيك العلمانية في الإسلام والديمقراطية (تونس: دار المجتهد، 2011)، ص.126

22 المصدر نفسه، ص 129. ولقد بنيّ محمد عابد الجابري أهمية عنصر القبيلة في التاريخ السياسي الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية،

فالقبيلة تمثّل محدّدًا من محدّدات العقل السياسي العربي، إلى جانب العقيدة والغنيمة. انظر: محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي:

محدّداته وتجلّياته (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)1991

23 الغنوشي، مقاربات في العلمانية، ص.99

24 المصدر نفسه، ص.108

25 هو الفصل الخامس الذي وسمه ب«واقع وفكر المجتمع المدني: حوار عربي». قلنا على الأقل، بحكم أننا لم نط لع على كتابات بشارة

السابقة لهذا الكتاب.

26 بشارة، المجتمع المدني، ص. 316

بالخيانة والتبعية للاستعمار، وحتى المطالب الديمقراطية كانت توجّه لا لإصلاح الدولة وإنما ضد الدولة.

كانت فكرة المصالحة بين الدولة الحديثة والمجتمع في الأقطار العربية خطوة في اتجاه التحرّر من وضعية الاختيار

بين خيارين غير مرضيين يتوافر عليهما الفكر السياسي العربي المعاصر: أولهما خيار الديمقراطية، بمعنى إجراء

انتخابات حرّة وشفّافة تفضي إلى حكم الأصولية الإسلامية التي توصف باعتبارها محاولة لتقليص الدولة بعد

أعوام من تمدّدها. وينتج من هذا الخيار الأول الخيار الثانيالذي يقول إن الدمقرطة ليست الطريق للخروج من

الأزمة، فالحلّ بموجب هذا الرأي هو المزيد من الدولة لا القليل منها. ثمّ جاء كتاب في المسألة العربية ليحدّد على نحو أوضح المكانة البنيوية للدولة ضمن نسق البديل الديمقراطي

الذي يمثّل حلاّ للمسألة العربية في كلّيتها. يعني بشارة، تحديدًا، الدول القطرية التي نشأت حديثًا على الرقعة

العربية، ومارست وتمارس الاستبداد على المجتمعات التي تحكمها. ورغم الطابع الاستبدادي لهذه الدولة، فإنها

تندرج تحت دلالات المفهوم الحداثي للدولة أكثر من اندراجها تحت دلالات المفهوم العربي القديم؛ إذ تستبطن

مفهوم السيادة على الإقليم الترابي والشعب، الأمر الذي حوّل موضوع شرعية الدولة ذات السيادة إلى موضوع

صراع اجتماعي وأيديولوجي يحلّ محلّ التنافس الفكري والسياسي حول طبيعة الدولة. وقع هذا التشظّي ولم يتم

تجاوز آثاره السياسية والاقتصادية، وهنا تكمن أهمّ مميزات ما يعتبره بشارة المسألة العربية وعلاقتها بالاستثنائية

العربية بشأن الديمقراطية.

على هذا النحو، فإن بناء شرعية الدولة الحديثة يمثّل، في مشروع بشارة، جزءًا بنيويًا من الحلّ الديمقراطي

للمسألة العربية، باعتبار أن الميل الذي أبدته هذه الدولة، بنسب متفاوتة بين الأقطار العربية، نحو تفكيك البنى

التقليدية والجماعات العضوية هو الداعي إلى تطوير مشروع ديمقراطي من خلال التحديث، وليس سببًا للتنازل

عن التحديث. ولا يمكن أن نكتنه جميع أبعاد الخلاف النظري بين منظور بشارة ومنظور الإسلاميين بشأن

إشكالية الدولة الحديثة وعلاقتها بالتحوّل الديمقراطي من دون أن نوسّع من دائرة النظر في العناصر النظرية

التي تحيط بهذه الإشكالية في كلّ من المنظورين. وفي طليعة هذه العناصر مفهوم المجتمع المدني الذي يحيل إلى

البنية المجتمعية التي توافق البنية السياسية الديمقراطية. يعتمد بشارة هذا المفهوم ضمن ما يعتبره سياق نشأته الأولى؛ إذ لم يتطوّر المجتمع المدني في الغرب كتعويض

من ضعف الدولة، وقد كان المجتمع القويّ والدولة القويّة حصيلة التطوّر المتوازي نفسه. ولم تكن اللامركزية

وتشتّت الدولة شرطين تاريخيين لتطوّر المجتمع الأوروبي الثاني، أي اقتصاد السوق. المجتمع المدني بهذا المعنى

يساهم في تطوير النظام الديمقراطي إذا نما مع نمو مواز في تنوع وظائف الدولة وتركيبها، في حين أن

الغنوشي يرى أن مركزية الدولة لا يمكن أن تنتج إالّ الاستبداد، وهي من المعاول الهدّامة للمجتمع المدني، إلى

جانب النزوعات الأنانية والعنصرية والاندفاع المحموم نحو الربح والإشباع الغريزي، وغيرها من الظواهر

التي أشاعتها العلمانية في المجتمعات الغربية. وهكذا حينما نحوّل شطر وجهتنا في البحث من مفهوم الديمقراطية إلى مفهوم المجتمع المدني، نقف عند

مفصل من أهمّ المفاصل الهيكلية التي تفرّق مشروع بشارة القائل بكلّية الحلّ الديمقراطي للمسألة العربية

27 المصدر نفسه، ص.299

28 المصدر نفسه، ص.308

29 بشارة، في المسألة العربية، ص.47

30 المصدر نفسه، ص.47

31 بشارة، المجتمع المدني، ص.298

32 الغنوشي، مقاربات في العلمانية، ص.82

عن مشروع الإسلاميين وغيرهم من الوفاقيين الذين يقطعون الآلية الديمقراطية عن بقية العناصر المجتمعية

والثقافية والسياسية التي نشأت معها في سياق واحد. فالمقصود من المجتمع المدني في مفهوم الغنوشي هو ما

كان عليه الحال في التجربة الإسلامية من حريّة المسجد والمدرسة والسوق وإعلاء كرامة الإنسان. ولا يتباين

إرث الإسلام في شيء مع المجتمع المدني في معناه الحديث إذا كان المقصود به مبادرات الشعب الحرّة في تنظيم

صفوفه من خلال شبكات من الجمعيات الطوعية المستقلّة عن الدولة. هكذا ينصّص الغنوشي على خصيصة

الاستقلالية تجاه الدولة في المجتمع المدني ويعتبرها المحدّد الماهوي له (أي الذي يحدّد ماهيته)، الأمر الذي يتيح

له القول بأسبقية التجربة التاريخية الإسلامية في تكريس نمط المجتمع المدني، وبأن لامركزية الدولة ومحدودية

سيادتها (اقتصارها على أمور تنفيذية محدودة) هما الأنسب لهذا النمط. لا تمثّل الاستقلالية عن الدولة، في منظور بشارة، حدًّا، بلغة التعريفات القديمة، للمجتمع المدني، بصرف

النظر عن بقية الشروط الموضوعية التي يتنزّل فيها. وقد خالف بشارة، منذ أعوام كثيرة، الرأي السائد عند

جلّ الساسة والمثقفين العرب القائل إن المنظّمات غير الحكومية في الوطن العربي تمثّل صيغة عربية عن مجتمع

مدني قيد الإنجاز، كما عارض بشدّة وصرامة التضحية بالفارق النظري بين المجتمع المدني والمجتمع ما

قبل السياسي والأهلي، على نحو ما يجسّده تفكير الغنوشي تجسيدًا مثاليًا. إن وجود المجتمع المدني، شأنه

شأن قرينه النظام السياسي الديمقراطي، إنما هو وليد سياق يفترض وجود دولة قوية ذات سيادة، وإن يكن

لا يكتفي بذلك. ويفترض أيضًا وجود درجة تطوّر تاريخي تسمح بتخيّل علاقة الفرد والمجتمع والدولة.

أمّا الجماعات والتنظيمات والمؤسسات التي تستمدّ «استقلاليتها» (بمعنى قوتها هنا) من ضعف الدولة وتقلّص

مجال سيادتها، فهي، في منظور بشارة، من جنس البنى المجتمعية التي تنتمي إلى مرحلة ما قبل المجتمع المدني/

الأمّة (سنرى وجه اقتران هذا الزوج لاحقًا)، وذلك لأن حيّز البنى التقليدية يتسع كلمّا تقلّص حيّز الدولة.

إن الإشكال في مفهوم المجتمع المدني المعتمد عربيًا اليوم يتّصل، كما يراه بشارة، بعدم الوعي بتاريخية الظواهر

المجتمعية والسياسية، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تجريد المفهوم من دلالاته الجوهرية التي تكرّست في سياق

صيرورة التحديث والدمقرطة التي قطعتها المجتمعات الغربية. من هنا نرى بشارة، في مقدّمة الطبعة الجديدة

لكتاب المجتمع المدني، ينصّص بشكل لافت على هذا البُعد التاريخي، أو لنقُل التاريخاني، وينبّه إلى أن وصول

المفهوم إلينا متطابقًا مع ما هو ليس سياسيًا، بعد عمليات فرز طويلة إلى مرحلة ما بعد الحداثة في الغرب، قد

ينقلب في الدول العربية ودول الجنوب الأخرى إلى عامل ما قبل حداثي، بإبعاد المثقفين عن السياسة عبر أنماط

من العمل المجتمعي غير السياسي، أو عبر المراهنة على البنى الأهلية باعتبارها «ليست دولة» مع أن وظيفتها

ضد-مدنية أيضًا وليس لا-دولتية فقط. على هذا النحو، حينما نفحص المطلب الديمقراطي في علاقته بمفهومي الدولة والمجتمع المدني ينجلي لنا بعض

معالم الخلاف النظري الجذري بين مشروع الحلّ الديمقراطي، باعتباره ح كليًا للمسألة العربية، ومشروع

استيعاب الآلية الديمقراطية وإدماجها في نطاق صيرورة تهدف إلى استعادة، أو المحافظة على، الوضع المجتمعي

والمؤسساتي العربي الإسلامي ما قبل الحديث. مدار الخلاف حول الموقف من الدولة الحديثة وحول تحديد ماهية

33 المصدر نفسه، ص.123

34 بشارة، المجتمع المدني، ص.271

35 المصدر نفسه، ص.272

36 المصدر نفسه، ص.272

37 المصدر نفسه، ص.298

38 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.8

المجتمع المدني يوضّح التباين النوعي بين مطلب الانتقال الديمقراطي المدرج ضمن صيرورة المضي في مسار

التحديث والمطلب نفسه حينما يقحم ضمن صيرورة الرجوع عن هذا المسار. ويكمن الإشكال، عند هذا المستوى من التحليل، في أن الإقرار بمسؤولية الدولة القطرية العربية الحديثة عن

ظاهرة الاستبداد السياسي، والاعتراف بأن البنى المجتمعية القديمة حالت تاريخيًا دون قيام هذا الضرب من

الاستبداد يوحيان، ظاهريًا، باتساق الرؤية الإسلامية المعاصرة التي تطرح بديلها الديمقراطي على أنقاض

ظواهر الحداثة التغريبية، وفي مقدمتها هذه الدولة الحديثة، وعبر استعادة الوضع المجتمعي والمؤسساتي ما قبل

الحديث. كما يوحي هذا الأمر، ظاهريًا كذلك، بسقوط مشروع بشارة في مفارقة جعل هذه الظاهرة الاستبدادية

(أي الدولة الحديثة) قرينًا بنيويًا للبديل الديمقراطي العربي عبر تثمين دورها في تفكيك البنى التقليدية. إنه بالفعل إشكال حقيقي قد يفضي إلى التسليم بما يقرّه الظاهر لو اكتفينا بهذا المستوى من التحليل النظري،

غير أن أفق نقد الأيديولوجيا، كما أسلفنا، يتخطى هذا المستوى من التحليل ويتشوّف إلى هدف أبعد من

التحليل المنطقي المجرّد لنسقية الأفكار ولنوعية العلائق التي تشدّ عناصر النسق الواحد بعضها ببعض. إن نقد

الأيديولوجيا يمرّ من مستوى تحليل الأنساق الفكرية نظريًا إلى مستوى التحليل الذي يقارعها بمجريات الواقع

العملي، بغية استكشاف مدى التوافق والتطابق بينهما، وهو يستثمر، إبستيمولوجيًا، كل تطوّرات يشهدها هذا

الواقع من أجل النزوع أكثر نحو هذا التحليل المازج بين النظري والواقعي، من قبيل التطوّرات التي يعرفها

شطر من الوطن العربي منذ 14 كانون الثاني/ يناير.2011

في الديمقراطية والدولة الحديثة والمجتمع المدني من منظور القابلية للثورة والقابلية للتطبيق الديمقراطي

لقد قلنا إن الثورات العربية التي نجحت في خلع رؤوس الأنظمة الاستبدادية في أقطارها، وما فتحته من

مسارات هادفة إلى تحقيق التحوّل الديمقراطي، توفّر للباحث اليوم مادة خصبة لتطوير التحليل المقارن بين

الأنساق الفكرية والأيديولوجية، وللنزوع به نحو الواقعي من دون فكّه من أساسه النظري؛ فبعد ما يزيد على

عام واحد من نجاح ثورات كلٍّ من تونس ومصر وليبيا في عزل الرؤساء القدامى، يمكن الحديث عن دخول

هذه البلدان مرحلة إشكالات القابلية للتطبيق الديمقراطي، وهي تعني عندنا، تحديدًا، مرحلة ما بعد تطبيق

عناصر الديمقراطية بمفهومها الإجرائي الآلي (الحريات والانتخابات الحرّة والنزيهة وحكم الأغلبية...)،

وتركيز بناها المؤسسية (مجالس تشريعية وسلط تنفيذية منتخبة)، والتقدّم في تأسيس نصوصها الدستورية

والقانونية التي تضمن ديمومتها.

إن أهمية هذه المرحلة في البلدان العربية الثلاثة تكمن، من وجهة نظر نقد الأيديولوجيا، في كونها توفّر أساسات

واقعية وأبعادًا عملية تجريبية للسؤال الذي كان إلى وقت قريب يبدو محض نظري ومفاده: هل يكفي تطبيق

الآلية الديمقراطية وتركيز مؤسساتها وتأمين ديمومتها دستوريًا وتشريعيًا لتحقيق «الانتقال الديمقراطي»؟

نتحدّث هنا عن «الانتقال الديمقراطي» بدلالاته المشتركة في الوعي، أو لنقُل في المتخيّل) l’imaginaire)

الجمعي لدى أغلب النخب والجماهير الشعبية العربية في الوقت الراهن، وهي الدلالات التي تفيد قيام وضعية

إيجابية بديلة من وضعية «الجمهوكيات» (الجمهوريات والملكيّات) العربية التي استقرّت بعد حرب الخليج

الأولى وسقوط المعسكر الاشتراكي. لقد اقترنت الديمقراطية بالبديل الإيجابي في مشترك الوعي العربي

39 حول مصطلح «جمهوكيات» والتحقيب التاريخي للدول العربية الحديثة، انظر: عزمي بشارة، الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة

وصيرورتها من خلال يومياتها (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.19-15

الغالب، لأن الاستبداد والفساد وإهدار حقوق الناس من أبرز عناوين الأنظمة العربية السائدة، ولأن الحرية

وإمكانية محاربة الفساد وصون حقوق الناس من أبرز عناوين الديمقراطية. بمعنى آخر، إن السؤال المطروح، في صيغته الأكثر واقعية، يقول: هل أوصل تطبيق الآلية الديمقراطية في

الأقطار العربية الثائرة إلى البديل الإيجابي المنشود؟ وهل انحصرت التحديات في حدود التأمين الدستوري

الذي يكفل عدم التراجع عنها؟ لا أحد يعايش بحقّ مجريات الواقع في هذه الأقطار يمكنه أن يجيب بالإيجاب

عن هذين السؤالين وينكر وجود مشكلات حقيقية تقع خارج حلّ تطبيق الآلية الديمقراطية، إذا لم يقل إنها

من مشكلات هذا التطبيق. في هذا السياق الموضوعي الجديد، تقفز إلى مناط النظر والإشكال العناصر التي تقع

خارج دائرة الديمقراطية بمفهومها الإجرائي الآلي، فلم تعد الحريات والتعدّدية والانتخابات النزيهة وحكم

الأغلبية والتشريعات المؤمّنة لها مدار الرهان الأساسي، إلى حدّ ما، في كل من تونس ومصر وليبيا، بل أصبح

مدار هذا الرهان على الشروط الموضوعية التي تجعل تطبيق هذه الآليات مولّدًا لأوضاع إيجابية لم تستقر عليها

هذه البلدان حتى الآن. إن مشكلات الدولة الحديثة وماهية المجتمع المدني المنشود في دولة عربية ديمقراطية تقع في مقدمة المشكلات التي

أجّلتها عيانيًا، وبصورة مباشرة، مسارات الانتقال العربي الراهنة التي تنعكس فيها بصورة واضحة اليوم الامتدادات

الواقعية والرهانات العملية للاختلافات النظرية التي رصدناها أعلاه. وتمكّن القراءة المقارنة بين التجربتين التونسية

والليبية، خاصة، من إعادة تمثّل واقعي لإشكالية التحوّل الديمقراطي عربيًا في علاقة بمعطى الدولة الحديثة،

ونقيضها الواقعي المتمثّل في البنى التقليدية التي كانت سائدة في الأزمنة التي سبقت وجود هذه الدولة، وذلك

باعتبار أن تونس وليبيا تشكّلان مثالين مهميّن متجاورين من الناحية الجغرافية ومتشابهين من حيث التركيبة

السكّانية ولكنّهما مختلفان من حيث مسارات تطوّرهما الحديث. ولعلّ أهمّ مظاهر الاختلاف كامن في أن المسار

التونسي ذهب أكثر في التحديث وبناء الدولة الحديثة على حساب البنى التقليدية، في حين أن المسار الليبي عكس

الآية بأن حافظ على هذه البنى، بل دعّمها ووظّفها على حساب تركيز معالم الدولة الوطنية بمفهومها الحديث. لقد قرأ بشارة ثورة 14 يناير في تونس وأفقها الديمقراطي المنشود في علاقة وثيقة بالخيارات الإصلاحية التحديثية

التي أقدمت عليها النخبة الحاكمة بعد الاستقلال بقيادة بورقيبة، الذي يكمن إنجازه في تأسيس دولة وطنية على

شكل جمهورية. لقد مارست هذه الدولة الاستبداد منذ عام 1956 مع الزعيم المؤسِّس الحبيب بورقيبة، الذي

جسّد مركّبًا من الزعيم الوطني والديكتاتور الحديث، وبعد ذلك مع وارثيه من العسكر والبيروقراطيين إبان عهد

الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. لكن ميزة هذه الدولة، في نظر بشارة، أنها اتسمت، منذ وقت مبكر، بنوع

من المركزة الشديدة المتجاوزة للبنى التقليدية. ولقد أدت الخيارات الإصلاحية التحديثية (التغريبية بمصطلح

الإسلاميين) دورًا حاسامً في تقدّم مؤسسة الدولة الحديثة على حساب البنى المؤسساتية والذهنية الموروثة، ومنها

خاصة خيارات تفكيك البنى القرابية (القبلية والعروشية)، وتدعيم فكرة «الوحدة القومية الصامّء»، وحلّ

المؤسسات الاجتماعية (الأوقاف)، والتعليمية (الزيتونة)، والقضائية (القضاء الشرعي) التقليدية، وفرض أشكال

40 نقول إلى حدّ ما باعتبار أنَّ ثمة مخاوف من احتمال عودة الاستبداد السياسي بأي شكل من الأشكال.

41 محمد نجيب بوطالب، «الأبعاد السياسية للظاهرة القبلية في المجتمعات العربية: قراءة سوسيولوجية للثورتين التونسية والليبية،»

(دراسة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، تشرين الأول/ أكتوبر 2011)، ص 9، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.dohainstitute.org/release/4a4e1843-9a83-4aba-924c-3b823f279980>.

42 بشارة، الثورة التونسية المجيدة، ص.34

43 المصدر نفسه، ص.63

44 انظر مثلا: بوطالب، ص.30-26

من التحديث الاجتماعي (تحرير المرأة)، وتعميم التعليم العصري الفرنكوفوني، وبسط هيمنة الدولة على الشأن

الديني، وفرض نمط تأويلي لإسلام يتوافق مع بناء أمّة جديدة تسودها قيم الحداثة.

ورغم ما اتسمت به فترة حكم بن علي من استشراء لوضعيات الفساد والعجز عن معالجة مشكلات البطالة

وفقر الجهات الداخلية، ومن تصاعد لوتيرة الاستبداد الوحشي الذي استهدف الإسلاميين، بدرجة أولى،

والمعارضين من بقية التيارات الأخرى، بدرجة أقل، فإن مكاسب الدولة الحديثة حافظت على وجودها، في

نظر بشارة، باعتبار أن النظام بقي يؤكد العلمانية والتحذير من الفوضى الأهلية، وحافظ النجاح الاقتصادي

على مكانته كأحد أسس الشرعية عند النظام، وظلت علاقة الدولة بالمجتمع علاقة إيجابية عبر العمل الدولتي

الاجتماعي المنظَّم الذي ظهرت نتائجه في نظم الإدارة والمستوى العالي للموظفين، وكذلك عبر تطوير التعليم

وتنويع فروع الاقتصاد الوطني. تبقى هذه المكاسب الحديثة نسبية بطبيعة الحال، وتقاس نسبيتها، في هذا السياق، بواقع الأقطار العربية التي

اختلفت مع تونس في مسارها الحديث، خاصة ليبيا. فخلافًا للطابع العلماني الحديث المتأثر بالتجربة الفرنسية،

خاصة ذلك الذي هيمن على نخب دولة الاستقلال في تونس، فإن ثورة 1969 في ليبيا كانت متجذّرة في مجتمع

الداخل الليبي، وضمن الإطار العام للثقافة الإسلامية والمؤسسة القرابية المستقلة استق الً ذاتيًا، والخشية من

الدولة المركزية وعدم الثقة بالغرب. ورغم الصبغة الشعبوية الحديثة التي بدت عليها الجماهيرية (رفع راية

القومية العربية فترة طويلة من الزمن)، فإنها اتّبعت، لغاية ضرب المعارضة، سياسة ثقافية قوامها «البدْوَنة»

) bedwanization) التي تعتمد الهجوم على الثقافة الحضرية وتشجيع الطقوس البدوية والريفية المرتكزة على قيم

القبيلة. وقد كان هذا، من دون شك، عودة إلى الماضي القديم. وفي الأعوام الأخيرة، ابتكر القذافي «إعادة

البناء القبلي») Retribalization (واستراتيجية فرّق تسد المنتمية إلى المؤسسات البدوية والريفية التقليدية، مثل

«الميعاد» و«جبر الخواطر» و«الصفوف». لا يخالف بشارة الإسلاميين في القول إن الإصلاحات فرضتها الدولة التونسية الحديثة بقوة الاستبداد، وبأنها لو

عُرضت على استفتاء شعبي أو انتخابات ديمقراطية لما مرّرها الرأي العام التونسي. لكنه يختلف معهم في القراءة

التاريخية، أو التاريخانية، لهذا «الاستبداد الحداثي»؛ إذ يصله بمرحلة صناعة المجتمع والرأي العام، وهذه وظيفة

القادة التاريخيين العظام عادة (من أمثال بورقيبة)، باعتبار أن تلك الإصلاحات ربطت نفسها بالثقة بضرورة

التحديث وحتمية التطوّر، وولّدت ثقافة مختلفة ورأيًا عامًا يعتبرها إنجازات ولا يقبل التنازل عنها. على هذا

الأساس يقوم خلاف جوهري بين بشارة والغنوشي حول قراءة الثورة التونسية، باعتبارها ثورة تهدف إلى تحقيق

الانتقال الديمقراطي، ومدار هذا الخلاف هو: هل هي ثورة مدفوعة بهذا المحصول التحديثي الذي راكمته تجربة

دولة الاستقلال أم هي ثورة على هذا المحصول ذاته من أجل هدمه والعودة إلى الوضع الهوياتي السابق عليها؟ إن الثورة التونسية تكاد تمثّل حالة نموذجية لمشروع التغيير الديمقراطي الذي تصوَّره بشارة ح للمسألة

45 انظر في هذا الصدد مثلا: لطفي حجي، بورقيبة والإسلام: الزعامة والإمامة (تونس: دار الجنوب،.)2004

46 بشارة، الثورة التونسية المجيدة، ص.101

47 علي عبد اللطيف احميدة، «دولة ما بعد الاستعمار والتحولّات الاجتماعية في ليبيا،» (دراسة، المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، أيار/ مايو 2012)، ص 20-19، على موقع الإلكتروني: <http://www.dohainstitute.org/release/855d9fce-20fd-

44d5-b0ba-4c4ee85b6925>.

48 المصدر نفسه، ص.21

49 بشارة، الثورة التونسية المجيدة، ص.81

50 حول الثورة التونسية باعتبارها ثورة على نهج التحديث/ الاستبداد الذي اتّبعته دولة الاستقلال، انظر: راشد الغنوشي، «في الذكرى

الثلاثين لميلاد «الاتجاه الإسلامي»: حركة النهضة مشروع يفجّر طاقات الإبداع،» الفجر، 17 حزيران/ يونيو.2011

العربية؛ فقد جاءت لتمثّل دليال على صحة تحليلات كتاب في المسألة العربية القائلة بتوافر الشروط التاريخية

والمجتمعية التي تؤهل الحالة التونسية للتحوّل الديمقراطي، وهي شروط دعّمتها خيارات دولة الاستقلال

(التجانس الوطني والديني والحدود الإقليمية الواضحة)، وأخرى أوجدتها أصالً (ارتفاع نسبة المتعلّمين

ونسبة التمدّن، واتساع الطبقة الوسطى في ظل اقتصاد سوق)؛ فالمشكلة بقيت منحصرة في عدم إقدام المؤسسة

السلطوية على اتخاذ قرار جدّي في مباشرة الإصلاح الديمقراطي. لذا، فإن بشارة يؤكد في كتابه الجديد عن

الثورة التونسية أن هذا الحدث بقدر ما كان مفاجأة سياسية له، وللجميع، فإنه لم يكن مفاجأة لنموذجه التنظيري

في الحلّ الديمقراطي للمسألة العربية. هكذا يرى بشارة أن المطلب الديمقراطي الذي رفعته الثورة التونسية لا يمكن أن يكون نقضًا للمسار التحديثي

وإنما هو استكمال له، لأن استبداد الدولة الحديثة فقد وظيفته التنويرية التاريخية، وأصبح مفرخة للفساد والظلم

والتفقير، خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. والثورة اندلعت لأن النخبة الحاكمة انعدمت لديها إرادة

الإصلاح السياسي المؤدي إلى الديمقراطية، كما جرى في إسبانيا وفي بعض دول أميركا اللاتينية. من هنا،

فإن ما راكمته تجربة التحديث في تونس جعل هذا القطر العربي الصغير يجسّد، أكثر من غيره، حالة «القابلية

للثورة» من أجل الديمقراطية؛ فجماع البنى الاجتماعية والمؤسساتية التي دعمتها دولة الاستقلال أو أوجدتها

أصالً تمثّل، في منظور بشارة، العوامل التي تضافرت في ما بينها وساهمت في التمهيد لانتشار ثورة اندلعت

من الأطراف لتشمل مناطق البلاد كافة بسرعة نسبية، بمطالب مركّزة وموجّهة نحو الدولة. ولم تؤد البنى

الحديثة دورًا إيجابيًا في طرح شروط وضعية القابلية للثورة فحسب، بل قامت أيضًا بدور مماثل في تكيّف الحراك

الثوري وتوجيهه؛ ف امّ لاشك فيه، بالنسبة إلى بشارة، أنه كان لتحديث مؤسسات الدولة وعلمنة المجتمع أثر

بالغ في الاحتجاج الاجتماعي الواعي المؤطر وطنيًا، وهو أمر ملحوظ خاصة عند المقارنة بين الحراكين

الثوريين في كلٍّ من تونس وليبيا. لكن رغم ذلك يبقى النظر من جهة القابلية للثورة من أجل الديمقراطية غير قادر على التدليل القطعي على ربط

الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية بمدى تقدّم الدولة الحديثة، ومدى ضمور البنى التقليدية؛ فثورتا اليمن

وليبيا بالخصوص تفيدان بأن الجماهير الثائرة تضع المطلب الديمقراطي في صدارة مطالبها رغم انتمائها إلى بنى

مجتمعية تقليدية لم تخضع لصيرورة ذات بال في التحديث والاندماج الوطني وبناء الدولة المركزية. لذلك، يبدو

لنا أن المدار الذي تنجلّي فيه الأساسات الواقعية للخلاف النظري حول علاقة الدولة الحديثة والبنى التقليدية

برهان الانتقال إلى الديمقراطية إنما هو مدار النظر من جهة القابلية للتطبيق الديمقراطي، أي من جهة الشروط

الموضوعية التي تجعل من إجراء الآلية الديمقراطية أمرًا مفيدًا ونافعًا في المجتمع. حينما نحوّل نظرنا شطر هذا المدار ونقارن بين التجربتين التونسية والليبية في مساريهما الجاريين، نقف يقينًا، وبجلاء

كبير، على الفوارق النوعية بين ما يمارسه فعل التحديث ومحصول بناء الدولة الحديثة في المسار التونسي من ناحية،

ونتائج البدْوَنة وما يمارسه محصول تقوية الأبنية التقليدية في المسار الليبي من جهة أخرى. كما نقف عند النتائج

الملموسة المقترنة بنيويًا بمحاولات الارتداد عن المسار التحديثي في تونس، وعند التطلّعات الموضوعية التي تقترن

51 بشارة، في المسألة العربية، ص.222

52 بشارة، الثورة التونسية المجيدة، ص.35

53 المصدر نفسه، ص.35

54 المصدر نفسه، ص.63

55 المصدر نفسه، ص.28

اليوم بمطمح الانتقال الديمقراطي في ليبيا، وهي تطلّعات ترمي إلى تخط ي البنى التقليدية وبناء الدولة السيادية

بمفهومها الحديث؛ فبعد أشهر قليلة من الحدثين الانتخابيين في تونس وليبيا، اتضحت، بشكل عياني مباشر،

الفوارق النوعية بين فاعلية اشتغال مؤسسة ديمقراطية في امتداد تقاليد دولة حديثة (المجلس الوطني التأسيسي

في تونس) وفاعلية اشتغال مؤسسة ديمقراطية في شروط تقليدية متغلغلة ومتمكّنة (المؤتمر الوطني العام في ليبيا). إن المعطيات الموضوعية التي تتخلّل مسارات الانتقال الديمقراطي الجارية عربيًا اليوم، والمقارنة بين معطيات

المسارين التونسي والليبي، تبُرز أن الفاعلية الإيجابية لتطبيق الإجراءات الديمقراطية تقترن اقترانًا هيكليًا بشرط

الدولة السيادية في مفهومها الحديث وما تفرضه، أو تفترضه، من اندماج وطني. وإذا كانت صورة المسار التونسي

تبدو الأفضل في مشهد الانتقال الديمقراطي في دول «الربيع العربي»، فإن ذلك لا يبدو مقطوع الصلة عن

التوصيف السوسيولوجي الذي يعتبر المجتمع التونسي نموذجًا متميزًا، مقارنة بالمجتمعات العربية الأخرى، في

مجال الاندماج السياسي والاجتماعي والثقافي، وفي مدى قدرة النخب على تشكيل ملامح هوية وطنية متماسكة،

في حين أن مظاهر تقهقر المسار الليبي وصعوباته الجمّة تبدو نتاجًا مباشرًا لبقاء العلاقات الحميمية والروابط

الأولية، في سياقاتها الجهوية والقرابية والقبلية، تتحرّك داخل أحشاء المجتمع الليبي وصميم بُناه.

من جهة أخرى، تبُرز التجربة التونسية أن جلّ المظاهر السلبية التي تتولّد في مناخ الحريات اليوم إنما هي مظاهر

تندرج، على اختلاف أصولها، في خط التراجع والارتداد عن مبدأ الدولة الحديثة التي قادت مسار التحديث

الاجتماعي والاندماج والتجانس الوطنيين؛ ذلك أن شطرًا من الحراك الاجتماعي الذي أعقب 14 كانون

الثاني/ يناير 2011 دلّ على حضور الحميميات، ومنها الانتماءات القرابية وعمليات الاصطفاف العروشية،

كما دلّ على ظهور عادات وسلوكات جديدة وطريفة، يمكن أن نُطلق عليها تسمية «قبائل المهن »59، يعني تمثّل

الجماعة المهنية على شاكلة جماعة عضوية في مقابل جماعات أخرى. وتقف هذه العصبيات التقليدية والعصبيات

المستحدّثة ذات المضمون التقليدي وراء عدد كبير من ظواهر الطوفان الاحتجاجي الذي تشهده تونس ما بعد

الثورة، وبات بعض مطالب هؤلاء المحتجيّن ينطوي على ما يشبه البحث عن غنيمة من غنائم الثورة.

ولا تتهدّد التماسكَ الاجتماعي والوحدة الوطنية في تونس الظواهرُ القبلية العائدة و«المستحدَثة» فحسب،

بل يتهددهما كذلك الحراك الديني الهوياتي الذي يحدّد نفسه، بوضوح، باعتباره عودة «تدافعية» عن مرحلة

دولة الاستقلال الحديثة ونتائجها المجتمعية. وقد دافعت الحكومة التونسية بقيادة حركة النهضة، في الأشهر

الأولى على الأقل، عن هذا الحراك الديني الهوياتي باعتباره جزءًا من نشاط المجتمع المدني في ظل نظام سياسي

ديمقراطي. ولكن المشكلة التي فاجأتها تتمثّل في أنَّ هذا «الإسلام/الهوية» العائد إلى المشهد التونسي في مناخ

الحرية والديمقراطية إنما هو أبعد ما يكون عن صيغة الواحد المفرد، لأن ما حدث فعالً هو بروز جماعات دينية

متعدّدة على أسس مذهبية مختلفة، الأمر الذي أدّى بالمجتمع التونسي اليوم إلى الانزلاق إلى ما يشبه الصراع (أو

56 بوطالب، ص.29

57 المصدر نفسه، ص.13

58 المصدر نفسه، ص.31

59 المصدر نفسه، ص 35. والإبراز في أصل النص.

60 المصدر نفسه، ص 32. وقد استخدم الباحث مفهوم «الغنيمة» في دلالاته ضمن السياق الذي يجمعه بمفهومي «القبيلة» و»العقيدة»

في الجهاز الذي استخدمه المرحوم محمد عابد الجابري في نقده للعقل السياسي العربي. انظر: الجابري، العقل السياسي العربي.

61 انظر تفاصيل أخرى حول نظرية «التدافع الاجتماعي» والحراك الديني في المشهد التونسي ما بعد انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر

خاصة، في: سهيل الحبيّب، «المشهد السياسي التونسي من الإدماج الحيسّ الانتخابي إلى إكراهات التجربة السلطوية العملية، 2/2،»

(دراسة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، حزيران/ يونيو 2012)، ص -21 37 على الموقع الإلكتروني:

<http://www.dohainstitute.org/release/342c91e6-0470-4b6a-bcee-9a97d79ce446>.

«التدافع» بلغة الشيخ راشد الغنوشي) الطائفي، ليس بين «الإسلام» (الهوية) العائد و«التغريب» (العلمانية)

البائد فحسب، بل داخل هذا «الإسلام» العائد نفسه أيضًا. إن الجماعات والهياكل التي تستمد «استقلاليتها» من إضعاف الدولة وتقليص سيادتها والنيل من هيبتها ليست

هي المجتمع المدني، الذي يتوافق مع تطبيق الآلية الديمقراطية، كما نظّر الشيخ راشد الغنوشي، بل هي، يقينًا، بنى

تقليدية تنتمي إلى زمن ما قبل الجماعات الوطنية، ومن ثمة إلى زمن ما قبل الديمقراطية، كما يقول عزمي بشارة.

ذاك ما يدلل عليه اليوم بوضوح المسار الليبي عامة، وظواهر الارتداد عن الدولة الحديثة ومنجزاتها في المسار

التونسي خاصة. وقد حملت تطورات هذين المسارين «مفاجآت غير سارة» للنموذج التنظيري الذي قدّه الشيخ

خلال الأعوام الأخيرة، وتوقّع بموجبه أن يكون الأمر أيسر في ليبيا باعتبار أن الإسلام قوي جدًا فيها، وبالتالي

ليس هناك صراع إسلامي- علماني كما في تونس، وليس ثمة اختلافات عقائدية، فضالً عن أن في ليبيا ثروات

كبيرة ونخبة ممتازة قادرة على إيجاد معادلة للمكوّنات القبلية والدينية الكثيرة.

تكمن مفارقة التحوّل الديمقراطي عربيًا، بالنسبة إلى تصوّر الغنوشي والإسلاميين عامة، في أن ليبيا أقرب اليوم

إلى التفكّك والصراع الأهلي رغم وجود «الإسلام القوي جدًا» وغياب العلمانية، وأن «عودة الإسلام» بعد

العلمنة في تونس أصبح معه المجتمع التونسي الذي هو أكثر المجتمعات العربية تماسكًا، مهدَّدا، كما يعترف

الغنوشي نفسه، بخطر الفوضى و«الصوملة» (نسبة إلى الصومال)  بسبب إصرار بعضهم على رفض التوافق وعلى

دفع الأوضاع في البلاد نحو اضطرابات شاملة وتحركات فوضوية لتدمير اقتصاد البلاد وبنيته الأساسية،

وهذا شاهد جديد بتعبير أكثر بلاغة عامّ سمّيناه «دراماتيكية الديمقراطية التي تهدّد الوحدة الوطنية». لقد أعاد عزمي بشارة، في مقدّمة الطبعة الجديدة من كتاب المجتمع المدني، التشديد على الترابط العضوي بين

المجتمع المدني والدولة، معتبرًا أن الثورات العربية غير المنتهية نبّهت إلى أن المجتمع المدني كمجتمع مواطنين لا

يتبلور بمعزل عن مسألة الدولة، بل من خلال عملية تفاعل معها. إن المسارات التي تشقّها بلدان «الربيع

العربي» اليوم تبنيّ بوضوح الفارق النوعي بين المجتمع المدني الذي تولّد في البلدان الحديثة في سياق الصيرورة

نفسها لتحوُلّها إلى دول/أمم ديمقراطية، وهو يمثّل عنوانًا لوحدتها الوطنية، من جهة، ومن جهة أخرى البنى

القرابية والدينية التقليدية التي نستعيدها، أو نحافظ عليها، من «هويتنا» التي تمثّل نفيًا لسيادة الدولة وتهديدًا

لوحدة المجتمع. إن هذا الضرب من البنى لا يمثّل شرطًا لأن تقود الثورات العربية الراهنة بلدانها إلى وضعية

القابلية للتطبيق الديمقراطي، لأن مهمّة الثورة، كما نبّه بشارة، تقضي بالبحث عامّ يجمع المواطنين في الدولة لا

عامّ يفرّقهم، وإذا هي فشلت في ذلك من حيث بنيتها وبرنامجها وشعاراتها، فقد تقود إلى الاحتراب الأهلي، بدالً

من التحوّل الديمقراطي.

62 المصدر نفسه، ص -27.28

63 من كلام الشيخ راشد الغنوشي في حوار مع علي الظفيري ضمن برنامج «في العمق» على قناة «الجزيرة» بتاريخ 2011/11/3. وقد

اعتمدنا على النص المنشور على «الجزيرة نت»، ص.11

64 لاحظ الفشل الذريع الذي عرفه مؤتمر المصالحة بين فصائل الثورة الليبية المنعقد بطرابلس خلال كانون الأول/ ديسمبر 2011،

رغم الإطار الديني الذي تنزّل فيه وحضور شخصيات إسلامية ذات ثقل رمزي كبير، مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ راشد

الغنوشي. نقول الفشل الذريع بالنظر إلى حدة الصراعات التي شهدتها ليبيا عام.2012

65 هكذا وصّف الشيخ راشد الغنوشي الخطر الذي يهدّد تونس اليوم على منبر مؤسسة التميمي (مؤسسة بحثية خاصة)، ورد في:

الصباح (تونس)،.2012/5/26

66 الحبيّب، «المشهد السياسي التونسي،» ص.37

67 بشارة، المجتمع المدني (الدوحة)، ص.12

68 بشارة، «في الثورة والقابلية للثورة،» ص.66

إن الواقع العملي يقود الشيخ راشد الغنوشي إلى الاعتراف بموضوعية الدولة الحديثة، باعتبارها شرط ا أساسيًا

من شروط تطبيق الآلية الديمقراطية تطبيقًا مفيدًا نافعًا وعدم تحوّله إلى عامل فرقة وتفكيك للبناء المجتمعي

الوطني. وقد أصبحت إعادة الاعتبار لهيبة الدولة في تونس على رأس الأولويات التي يطرحها الغنوشي

باعتباره رئيس الحركة التي تقود الائتلاف الحاكم بعد انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011. ولكن

هل يمكن أن ينحصر هذا الاعتراف بموضوعية الدولة الحديثة في مجرد تغيير جزئي ضمن بنية تصوّر الشيخ،

والإسلاميين عامة، للتحوّل الديمقراطي في البلدان العربية؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يستوعب المنظور الذي

«أصّل الديمقراطية إسلاميًا» بسهولة فكرة الدولة الحديثة على نحو ما يقول به مشروع عزمي بشارة؟ يفرض

علينا هذا السؤال أن نوسّع أكثر من دائرة المنحى المقارن بين مكوّنات البنية الكلية التي يندرج فيها التحوّل

الديمقراطي عربيًا بين منظوري بشارة والإسلاميين.

الدولة والمجتمع المدني وإشكالات الهوية ومفهوم الأمّة

لا يقتصر المركّب الكيلّ الذي يجسّمه الحلّ الديمقراطي للمسألة العربية في مشروع عزمي بشارة على

الدولة والمجتمع المدني، بل يشمل أيضًا مفهومي الهوية والأمة؛ فجميع هذه العناصر، إلى جانب الآلية

الديمقراطية وتشريعاتها، تترابط في ما بينها ترابطًا بنيويًا في سياق صيرورة التشكّل ذاتها. ويوفّر اليوم زمن

إشكالات البحث عن شروط القابلية للتطبيق الديمقراطي إمكانات فهم أكثر واقعية ومحسوسية لماهية

هذا النسق الكيلّ للحلّ الديمقراطي العربي كما يطرحه بشارة. ويساعد التميشّ المقارن مع طروحات

الإسلاميين خاصة على مثل هذا الفهم، باعتبار أن إشكالات شرعية الدولة الحديثة وطبيعة المجتمع المدني

المنشود، التي كشفها الواقع العملي لمسارات الانتقال الديمقراطي العربي الراهنة، إنما هي على صلة وثيقة

بموضوعات الهوية والأمّة. لا يمكن أن نعزل تصوّر الغنوشي الذي يربط الديمقراطية بالمحافظة على البنى المورثة واستبعاد الدولة الحديثة عن

سياق انخراطه في الفكر الإسلامي الحركي وطروحاته الجوهرية التي تولّدت بعد هزيمة 1967 وأخذت تسوّق

ل«حتمية الحلّ الإسلامي» لا باعتباره بديالً من الحلّ «العلماني» أو «الجاهلي» بإطلاق، كما كان يقول سيّد قطب، بل

باعتباره بديالً من «الحلّ المستورد» كما أصبح يقول الشيخ القرضاوي. في هذا السياق، ترادف الإسلام مع مفهوم

الهوية أو الأصالة، وترادفت العلمانية مع مفهوم الاغتراب أو التعريب والتماهي مع الغرب المستعمر أو الذوبان فيه،

واختفى مفهوم الجاهلية تقريبًا، لأنه يربك بنية المطابقة بين ما هو غير إسلام وما هو غير هوية، فالجاهلية في تعريفها

القرآني هي غير الإسلام، لكن لا يمكن أن نخرجها من دائرة الهوية لأنها أصيلة وغير مستورَدة. لقد أشاع هذا المنظور الإسلامي الرؤية التي مؤدّاها أن الخيارات المجتمعية الكبرى ختُتزل في مصدرين متقابلين

هما: الإسلام والعلمانية، ويرادف هذا الزوج التقابلي زوج آخر هو الهوية والتغريب. على هذا الأساس وقع، من

حيث المبدأ، استبعاد الفكرتين القومية والديمقراطية بوصفهما مكوّنين من مكوّنات العلمانية الغربية، قبل

أن يبرز القول بمفهومين جديدين ل«القومية» و«الديمقراطية» يندرجان ضمن منظور الإسلام الهوية. لقد برز

هذان المفهومان خاصة في سياق الحوار والتقارب بين شقّ من القوميين العرب وشقّ من الإسلاميين، وفي سياق

مراجعات واجتهادات إسلامية ظهرت بداية من تسعينيات القرن الماضي. لقد طرح الإسلاميون على محاوريهم

69 انظر مثلاًالحوار الذي أجرته الفجر (أسبوعية تصدر عن حزب حركة النهضة بتونس) مع راشد الغنوشي، بتاريخ.2012/10/26

70 انظر: يوسف القرضاوي، الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا، ط 5(القاهرة: مكتبة وهبة، 1993)، ص 46 و 53-52 مثلا.

من القوميين تبنّي فكرة أن الإسلام هو «الرسالة الخالدة» للأمة العربية الواحدة والتخيلّ عن «العلمانية» ومختلف

المفاهيم التي استعيرت من الحضارة الغربية وهي محمّلة بملابسات التطوّر التاريخي للغرب.

إن جذور الموقف المعادي للدولة الحديثة عند الإسلاميين كامنة في هذا السياق الذي يرفض سحب صيرورة نشأة

القوميات والأمم الحديثة على القومية العربية والأمة العربية. وفي مجريات الحوار بين القوميين والإسلاميين،

وقع تمثّل هذا الموقف وتبنّيه، صراحة أو ضمنًا (بالسكوت عنه)، والتنصيص على أن فكرة الرابطة العربية فكرة

االمج ةّملاأ يطعت ةّيح ةركف يهو، ةّنسلاو نآرقلا في الوهصأ دتج ةيملساإً غير محدود للاتساع. وقد تمثّلت فكرة

الأمة العربية على أساس لغوي ثقافي في كتابات المفكرين العرب المسلمين منذ القرن الثالث الهجري، وتبلورت

في فترة التجزئة السياسية لتبقى الأمّة (لا الدولة) الإطار القائم للوحدة.

وليست الأمّة العربية بحاجة، من أجل أن تكرّس وجودها، إلى الدولة في مفهومها الحديث ولا إلى مختلف

عناصر الجامع الوطني التي تعتمدها المجتمعات المعاصرة، لأن هذه العناصر الحديثة (أو المعاصرة) ستحلّ

محلّ «جامعَي العروبة والإسلام». وإذا كانت الدولة قد أدت دورًا أساسيًا في صيرورة التوحيد الوطني

والانصهار الاجتماعي بالنسبة إلى الأمم الأخرى، فإن هذا الدور أمّنه الإسلام بالنسبة إلى الأمة العربية.

وكذلك إذا كانت المفاهيم الوضعية مثل المجتمع المدني والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان قد قامت بدور

المرجعية الشرعية في صيرورة الجماعات السياسية الغربية، فإن هذه المجموعة من الحقوق السياسية والاقتصادية

والاجتماعية كانت تتّصل في وعي الناس وإدراكهم، في بلادنا، بالمرجعية الشرعية الآتية من القرآن الكريم

والسنّة الشريفة. على هذا الأساس، حينما يسلّم الإسلامي بوجود أمّة عربية تبحث اليوم في تأسيس ثقافة

الإنسان والديمقراطية، فإنه يعتبر الإسلام مرجعية هذا التأسيس.

إن مفهوم الأمّة العربية، في هذا السياق الإسلامي الوفاقي، يتداخل، إذا لم نقُل يتطابق، مع مفهوم الهوية الإسلامية

من حيث هي وضع كان قائامً قبل الأزمنة الحديثة التي زحفت على المجتمعات العربية الإسلامية. ومن أجل

إضفاء المشروعية على مثل هذا الطرح، شغّل الفكر الإسلامي الحركي والفكر القومي العربي المتوافق معه خلال

الأعوام الأخيرة جملة من «الحقائق الأيديولوجية»، أساسها أن الأمّة العربية قائمة في الفكر والواقع، وأنها لا

تخضع لمنطق تطوّر المجتمعات الغربية، وأن تجربة الحضارة الإسلامية أمكن لها أن تحقّق الوحدة والتنوّع والتعدّدية

والتسامح والثراء الحضاري وقوة المجتمع وما يتمتّع به من استقلال عن الدولة. بل يذهب الإسلامي أبعد من

ذلك، فيعتبر أنّ الدولة الحديثة «العلمانية» في بعض البلاد العربية والإسلامية (تونس وتركيا) مثّلت أداة لتفكيك

المجتمع، وهي تبدو عاجزة عن معالجة التسويات الاجتماعية وبناء السلم المدني.

71 أحمد كمال أبو المجد، «نحو صيغة جديدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام،» في: محمد أحمد خلف الله [وآخرون]، القومية العربية

والإسلام: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

1988)، ص 529 و.533

72 عبد العزيز الدوري، «ملاحظات حول الحوار القومي الديني،» في: طارق البشري [وآخرون]، الحوار القومي الديني: أوراق عمل

ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1989)، ص.42

73 طارق البشري (تدخّل نقاشي)، في: المصدر نفسه، ص.328

74 طارق البشري، «التجديد الحضاري من منظور المشروع الحضاري (2)،» في: الدوري [وآخرون]، ص -857.858

75 الغنوشي، مقاربات في العلمانية، ص.105

76 نستخدم مفهوم أيديولوجيا بمعناه الذي استخدمه ماركس في سياقه الأوّل، أي الفكر الزائف والمموّه الذي يحجب حقائق الواقع.

ونحن إذ ننعت ما سيرد ذكره بالأيديولوجي في هذا المعنى، فذلك بالنظر إلى ما تبين عنه مسارات الانتقال الديمقراطي عربيًا اليوم.

77 الغنوشي، مقاربات في العلمانية، ص 87، وانظر كيف قفز المتحاورون الإسلاميون والقوميون على الإشارة العارضة إلى حقيقة أن الأمّة

لم تعرف الوحدة السياسية، وأن هناك عوامل ذاتية (قبل الاستعمار) مذهبية وسياسية وإقليمية للتجزئة، انظر: الدوري [وآخرون]، ص.68

78 الغنوشي، مقاربات في العلمانية، ص.49

79 عبد السلام، ص.18

ضمن هذا السياق المخصوص يذهب الإسلامي إلى أن حاجة المجتمعات العربية والإسلامية لا تتعدى «استيراد»

الوجه الآلي (التعددية والانتخابات وحكم الأغلبية) من صيرورة التحوّل البنيوي، الذي تضمّنته مسارات

الدمقرطة في المجتمعات الغربية. وهذا الأمر ممكن، إذ ليس من المستحيل أن يعمل الجهاز الديمقراطي

في إطار قيم الإسلام لينتج الديمقراطية الإسلامية، باعتبار أنّه عمل في إطار القيم المسيحية فأنتج المسيحيات

الديمقراطية، وفي إطار الفلسفة الاشتراكية فأنتج الديمقراطية الاشتراكية، وفي إطار القيم اليهودية فأنتج

الديمقراطية اليهودية، وفي سياق البوذية والهندوسية فأنتج ديمقراطيات هي الأعظم، مثل الهند واليابان. إن

الديمقراطية، بهذا المنطق، يمكن أن تنفك عن «أسسها» العلمانية وتصبح منظومة «إيثوية» (من إيثوس) دافعها

خصوصية الروح الثقافية المحلّية. إن الطرح الإسلامي التجديدي والقومي الوفاقي الذي انتصر للديمقراطية من حيث هي آلية للحكم السياسي

فحسب، يدفع اليوم ثمنًا باهظًا لتعامله الأيديولوجي (الزائف المموّه) مع التاريخ، بحيث إنه صوّر مشكلات

الاندماج الاجتماعي والوطني والقومي في الوطن العربي باعتبارها مشكلات ناجمة عن الاستعمار والدولة القطرية

ذات السيادة، وموجات التحديث والعلمنة التي عرفتها، بدرجات متفاوتة، البلدان العربية والإسلامية. لذلك،

فإن حلّ هذه المشكلات كامن في العودة إلى الوضع الذي كان سائدًا قبل بروز هذه الظواهر الحديثة، مرموزًا إليه

بمفهوم الهوية كما نحته الإسلاميون. غير أن مسارات الانتقال الديمقراطي (السياسي الآلي) الجارية عربيًا اليوم،

كما تجارب الجزائر والعراق والسودان في الأعوام الأخيرة، تكشف أن هذه الهوية التي تنقض التحديث لا تعني

مطلقًا مجتمعات متماسكة وأمة واحدة، بل تعني تفكّكًا وبنى عضوية متصارعة تتحوّل معها الآلية الديمقراطية

إلى منتجة للفوضى والاحتراب والتدهور الاقتصادي، بدالً من الوحدة والتنمية والاستقرار، كما هو الحال في

مجتمعات الأخرى. إن الوضع الهوياتي المنجز في الماضي والناقض للتحديث في الحاضر لا يمثّل وضع القابلية لتطبيق الديمقراطية

الآلية، كما خال الإسلاميون والمتوافقون معهم. وهذا لا يعني، في تقديرنا، غير القول إن إمكانات هذا التطبيق

غير متاحة إالّ حينما يكون التحوّل الديمقراطي هو الحلّ الكيلّ الذي يتضمّن قضايا الهوية والقومية والأمّة، كما

قضايا الدولة الحديثة والمجتمع المدني، وهو جوهر مشروع عزمي بشارة؛ فمن الناحية النظرية الصرفة، يرى

بشارة أن الهوية، أي هوية، تُركّب وتُصنع ويعاد إنتاجها من عناصر قائمة في الواقع متُنح معنى. ويختلف هذا

المفهوم للهوية عند بشارة عن مفهومها الإسلامي والوفاقي في نقض فكرة أن الجماعات تكتسب هويتها، أي

مضمون تميّزها من غيرها من الجماعات، مرة واحدة في التاريخ لتغدو بعد ذلك ماهوية ثابتة وأبدية. إن الهوية،

بحسب بشارة، تكون ماهوية في مرحلة معيّنة قبل أن تتغريّ ويعاد تشكيلها.

إن مفهوم الهوية لا يطابق، في سياق مشروع بشارة، مفهوم الأمّة بإطلاق، رغم أن الأمّة هي الأخرى تبنى، وهي لا

تبنى من لا شيء، بل من عناصر قائمة موجودة، وبوسائل تخيّلها كاملة؛ إذ لا يتطابق مضمون الهوية مع مضمون

الأمّة بالمفهوم الحديث إالّ حينما تتخيّل الجماعة نفسها كجماعة مواطنين في إطار الدولة الحديثة، فتكون بذلك مجتمعًا

مدنيًا عندما يُنظر إليها من الداخل، ودولة/أمة عندما يُنظر إليها من الخارج. ويعارض بشارة بشدّة استنساخ مفهوم

80 انظر جذور هذا الموقف عند: القرضاوي، ص -72.73

81 الغنوشي، الحريات العامة، ص.97

82 صديقي، ص.14

83 بشارة، في المسألة العربية، ص.189

84 عزمي بشارة، أن تكون عربيًا في أيامنا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.27

85 بشارة، في المسألة العربية، ص.174

الأمّة الإسلامية كجماعة المؤمنين ضد الجماعة القومية، وكأساس لتأسيس الأمّة الحديثة، لأن المفهوم الدِّيني لا

يؤسس لأمة مواطنين. وانتماء الفرد إلى الأمّة الإسلامية لا يمكن فهمه إالّ عندما كانت جماعة محلية بمستوى

جماعة المدينة، ولا يمكن إسقاط مثل هذا المعنى على العلاقة بين الفرد والأمّة عندما توسّعت إلى أمّة إسلامية مترامية

الأطراف في عصور غابرة من دون وسائل الاتصال والتخيّل الحديثة للأمّة. إن مفهوم الأمّة الدِّيني أدى إلى

الانتقال، عمليًا، من جماعة العقيدة إلى الطائفة، أي إلى شكل من أشكال العنصرية، والطائفية لا تشقّ وحدة الأمة

فقط في حالة تعدّد الطوائف، بل تمنع تفرّد الفرد كمواطن في إطارها.

إن ما أقدمت عليه أيديولوجيا الحركات الإسلامية من تحويل العقيدة الدينية إلى هوية وانتماء أشبه بالقومية

كان في واقع الأمر، بحسب بشارة، رفضًا لأفضل ما في القومية العربية، أي تعريف نفسها كأساس لوحدة الأمّة،

واستيعابًا لعناصرها الرجعية المتمثّلة في تخيّل الجماعة العربية كجماعة عضوية كأنها قبيلة أو عشيرة تطلب

ولاء وانسجامًا كامالً من الفرد كعضو في جسم حي. وعلى عكس هذا التوجّه، الذي ساد في السياق الوفاقي

القومي الإسلامي، كما بيّنا سابقًا، نحا مشروع بشارة إلى استثمار الجانب الآخر في الفكرة القومية العربية، أي

جانب الانتماء العربي، وتخليصه من تمثلّاته وتخيلّاته الماضوية. وهو إذ يؤكد مبدأ أن الهوية تُشكَّل ويعاد تشكُّلها

تاريخيًا، وأن الأمّة المواطنية بناء حديث وحداثي بالضرورة، فذلك لكي لا يتمّ الاكتفاء بما كان في التاريخ، ولا

يقال إن ما كان هو ما سيكون، لأن ما كان هو الطوائف والعشائر.

ليست القومية العربية، في منظور عزمي بشارة، فكرة تقليدية، بل فكرة حديثة؛ فهي متخيّلة، لكن من دون أن

ينفي ذلك أنها واقعية حقيقية فعلية، لأن عناصر تخيّلها قائمة في الواقع، مثل اللغة والثقافة وعناصر التاريخ

المشترك (الإثنية هي تخيّل أصل مشترك). والحداثة هي التي توفّر الأدوات لتحويل هذه العناصر الثقافية

والتاريخية القائمة إلى جماعة قومية متخيّلة تسعى إلى التحوّل إلى أمّة ذات سيادة، وهذه الأدوات هي الطباعة

ووسائل الاتصال ونشوء الطبقة الوسطى. وهكذا، فالقومية العربية لا تختلف عن غيرها من القوميات في

حداثتها، وهي غير العروبة القائمة منذ ألفي عام، والأيديولوجيا القومية العربية ليست إالّ الفكر المبرِّر والمنظِّر

لسعي القومية العربية إلى التحوّل إلى أمّة ذات سيادة.

إن هذا التمييز الذي يقيمه عزمي بشارة بين القومية العربية باعتبارها هوية ثقافية حداثية قائمة والأمّة العربية

باعتبارها مشروعًا مستقبليًا قاده إلى واحدة من أهمّ إضافاته النظرية للفكر العربي المعاصر، ومفادها ضرورة

الفصل بين القومية والدولة باعتباره مقدمة لقيام دولة المواط ين الديمقراطية. لا يقيم بشارة هذا الفصل حنينًا إلى

وضع هوياتي ماضوي يتفكّك معه المجتمع إلى بنى عضوية، بل يقيمه تطلّعًا إلى وضع هوياتي مستقبلي تنشأ معه

الأمّة/الدولة الديمقراطية، إذ تساهم فيه القومية التاريخية في تثبيت وحدة الأكثرية في الدولة، وهو ما يسمح

بتعدّدية مواقف (لا هويات) ديمقراطية فعلية داخلها، ويوسّع مفهوم الأمّة. لا يمثّل هذا المخرج النظري

86 عزمي بشارة، «في مفاهيم الهوية والديمقراطية والمواطنة،» في: أبو يعرب المرزوقي [وآخرون]، الحوار القومي- الإسلامي: بحوث

ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالاسكندرية، تحريرعبد الإله بلقزيز

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)، ص.53

87 المصدر نفسه، ص.62

88 المصدر نفسه، ص.53

89 المصدر نفسه، ص.49

90 المصدر نفسه، ص.53

91 المصدر نفسه، ص 49، وبشارة، في المسألة العربية، ص.129

92 بشارة، أن تكون عربيًا، ص.58

93 انظر: المصدر نفسه، ص -16 17، وبشارة، في المسألة العربية، ص.212 -211

94 بشارة، أن تكون عربيا، ص.28

حلاًّ لمشكل الأقليات القومية في الوطن العربي فحسب، بل هو حلّ كذلك لما يُعتقَد أنه تناقض بين بناء الأمّة/

الدولة الديمقراطية في القطر العربي الواحد من جهة والهوية القومية وطموح بناء الأمة العربية الواحدة من جهة

أخرى، وهذه المسألة تقع اليوم في صميم إشكالات القابلية للتطبيق الديمقراطي في دول «الربيع العربي». لا يمكن أن تنفصل، في منظور بشارة، صيرورة التحوّل الديمقراطي عن صيرورة بناء أمّة مواطنية (منظورًا إليها من

الداخل كمجتمع مدني) تجسّد سيادتها في دولة حديثة، وذلك على أساس رأي يقول: يعكس مفهوم الأمّة ويؤطّر

في الوعي البُعد السياسي للجماعة إذا كانت دينية أو قومية أو جماعة مواطنين في دولة. ويُفترض أن أرقى تطوّر

لمفهوم الأمة الديمقراطي يتمثّل في أنه يشمل مجموع المواطنين في الدولة. وخلافًا للمنظور السائد عند القوميين

والإسلاميين العرب، لا يرى بشارة أن بناء دولة/أمّة مواطنية حديثة في القطر العربي المفرد يناقض أو يعارض

القومية العربية وبناء أمّة عربية واحدة. وهو يرى أن الأمر كان سيكون محمودًا لو وقع فصل، مهما بدا غريبًا، بين

قومية عربية ثقافية تنتمي إليها غالبية المواطنين في الدول العربية من جهة، وأمّة سياسية قائمة على المواطنة في الدولة

القطرية من جهة أخرى، هي مجتمع مدني نحو الداخل وأمّة سياسية نحو الخارج. ففي هذه الحالة ستكون

الديمقراطية (تأسيس أمم مواطنية قطرية) هي الطريق إلى الوحدة العربية، كما في حالة الاتحاد الأوروبي. وإذا كانت مسارات الانتقال الديمقراطي الجارية عربيًا توفّر اليوم شواهد عملية وملموسة (إمبريقية) عن

حقيقة أن قابلية تطبيق الديمقراطية بمفهومها الآلي الضيّق تطبيقًا إيجابيًا (نافعًا) مرتبطة ارتباطًا عضويًا، بمدى

قوة الدولة وقوة التماسك الوطني، فإن هذه الحقيقة تمثّل الوجه الواقعي لما صاغه مشروع بشارة من فكر نظري

يقدّم صيرورة الانتقال الديمقراطي عربيًا باعتبارها كالّ يجمع، في بنية متماسكة عضويًا، تطبيق الآلية الديمقراطية

مع تدعيم أركان الدولة السيادية الحديثة وصناعة الهويات الوطنية الحديثة البانية للأمم المواطنية/المجتمعات

المدنية في الأقطار العربية، وتدعيم القومية العربية باعتبارها هوية حداثية ثقافية جامعة تساهم في تثبيت وحدة

المجتمعات الوطنية القطرية، وتسعى إلى بناء الأمّة المواطنية العربية الواحدة.

إن القدرة على الاستباق والاستشراف واستيعاب الوقائع اللاحقة وتفسيرها هي من أهمّ المعايير التي تبُرز مدى

فاعلية الأنساق النظرية وانسجامها ومطابقتها للواقع الذي تهتم به. في هذا الإطار، يندرج ما نراه من أزمة بنيوية

تعصف اليوم بالطروحات الإسلامية والوفاقية التي يرى أصحابها اليوم بأُم أعينهم، ومن موقع السلطة السياسية

بالنسبة إلى الإسلاميين، أن تعويض النظام الاستبدادي بتطبيق الديمقراطية في بُعدها السلطوي التشريعي الآلي

فحسب يهدّد ب«الصوملة» والفوضى، في ظلّ وضع هوياتي ماضوي (لا وطني ولا قومي بالمعنى الحديث) كما

في ليبيا، وفي ظلّ تدافع هوياتي واجتماعي متراجع عن مكاسب صيرورة بناء الدولة والهوية الوطنية الحديثتين كما

في تونس. في مقابل ذلك تبدو واضحة للعيان، في ضوء تطوّرات مسارات الانتقال الديمقراطي الجارية عربيًا

اليوم، نجاحات النموذج النظري الذي قام عليه مشروع بشارة. وتبرز هذه النجاحات خاصة في القدرة على

تصوّر التمشّيات المناسبة للأوضاع العربية التي لا تتوافر من دونها شروط القابلية لتطبيق الديمقراطية الآلية،

تطبيقًا إيجابيًا، في الأقطار العربية الثائرة، وكذلك في القدرة على استشراف المشكلات التي ستحدث في صورة

التنكّب عن تلك التمشّيات، قبل أن تدلّل عليها، بصورة حسّية مباشرة، تطوّرات الوقائع.

ففي غمرة انشغال النخب السياسية التونسية والمصرية بمطالب الانتخابات النزيهة والتشريعات الديمقراطية

والدستور الجديد والعدالة الانتقالية، وقبل أن تنجح الثورة الليبية في إزاحة معمّر القذافي، كتب عزمي بشارة

95 بشارة، في المسألة العربية، ص 213. والمقطع البارز هو كذلك بحرفيته في أصل النص.

96 بشارة، أن تكون عربيا، ص.19

97 المصدر نفسه، ص.16

متحدّثًا عن المستوى الأعمق الذي وجب أن تطاوله ضرورة صيرورة التحوّل الديمقراطي عربيًا، أي مستوى

العلاقة بين الديمقراطية والهويات الوطنية القطرية والقومية العربية، معتبرًا أن الثورات الديمقراطية العربية

سوف تساهم في بلورة الهوية الوطنية التي لم تحظ بشرعية كافية حتى الآن في الكيانات التي اعتبُرت حتى الآن

دوالً قطرية، حيثما تنجح في بناء المؤسسات الديمقراطية. وإذا ما قامت الديمقراطيات فعالً، فلن يحصل هذا على

حساب القومية العربية، بل سيتغريّ مفهومها إلى هوية ثقافية، وشراكة وجدانية، ومصالح سياسية واقتصادية

تكمّل الهوية الوطنية. إن بشارة قد نبّه هنا الثورات العربية، وفي وقت مبكر من مسارها نحو الديمقراطية،

إلى أن المسألة الوطنية والقومية باعتبار علاقتها الصميمية بوحدة الجماعات السياسية إنما هي جزء بنيوي من

صيرورة الانتقال الديمقراطي، على أساس أن الكيانات الوطنية قد تنهار في الدول التي لا تنجح فيها الثورة في

تحويل التوق إلى الحرية إلى الديمقراطية.

وقد أشار بشارة إلى ضرورة أن يطوّر الديمقراطيون العرب نموذجهم الخاص القائم على المواطَنة والديمقراطية

وتعدّد الهويات وبناء دولة جميع المواطنين، بدالً من تأجيج النزعات الإثنية والهوياتية. وكان قرأ، في وقت

مبكر، الحراك الجماهيري الثوري العربي المُطالب بالديمقراطية من زاوية أوسع من زاوية شعارات التغيير السلطوي

والدستوري والتشريعي؛ فالأمر يتّصل، في عمقه، بكون المجتمعات العربية تشهد عملية إعادة تشكّل تعمل فيها

الهوية العربية كخلفية ثقافية وجدانية مشتركة تبُرز الهموم المشتركة موصلةً إلى الاحتجاج. ولكن الفاعل على

الأرض هو جموع المواطنين، الواعين لحقوقهم كمواطنين والمدركين أن عليهم واجبًا سياسيَا يتمثّل في مشاركتهم

الفاعلة في الحيّز العام. وما يجري تشييده عبر هذه الصيرورة الثورية هو مجتمع مدني وأمّة مواطنية في الوقت ذاته.

مرة أخرى، تمثّل الثورة التونسية ومسارها، خاصة مع مقارنتها بالثورة الليبية ومسارها، حالة ملموسة تجد فيها

تنظيرات بشارة أساساتها الواقعية، باعتبار أن تونس مثّلت أكثر البلدان العربية في التاريخ المعاصر التي نزعت

نخبها السياسية الحاكمة بعد الاستقلال إلى تكريس فكرة الأمّة القطرية والقومية القطرية، وكانت قضية بورقيبة

هي التحرّر الوطني، ثمّ التحديث وبناء الأمّة. وقد قصد بورقيبة ببناء الأمة «تربيتها» حرفيًا، بموجب تصوّره هو

لما يجب أن تكون عليه أمّة هو صانعها. ولطالما اعتبر الإسلاميون هذا الخيار البورقيبي في بناء الأمّة التونسية

الحديثة تغريبًا ومسخًا حضاريًا وضربًا علمانيًا لهوية تونس العربية الإسلامية، كما اعتبره القوميون سياسة إقليمية

رجعية عميلة للاستعمار ومعادية للمشروع الوحدوي والتحرّري القومي العربي. بيد أن المعطيات الوقائعية

التي أفرزتها الثورة التونسية ويفرزها اليوم مسار الانتقال الديمقراطي في تونس تفرض بإلحاح مراجعة هذه

الأحكام، واستكناه النتائج المجتمعية الموضوعية التي جاءت بها خيارات دولة الاستقلال في تونس.

ومثلما رأى بشارة أن الحالة التونسية تب، إبانة واقعية، منزلة الدولة الحديثة في صيرورة البناء الديمقراطي، فإنه رأى

أنها تجسّد كذلك، تجسيدًا ملموسًا، مقولة عدم التعارض بين بناء الهوية الوطنية والأمّة القطرية من جهة، والتمسك

بالهوية القومية العربية والانتماء الجماعي للشعب إلى الإسلام من جهة أخرى. هذا التجسيد ترجمه تصاعد الهتافات

من تونس باللغة العربية، ونكتشف فيها أثرًا من هتافات فلسطين ومن هتافات تظاهرات التضامن مع العراق، كاشفة

عن العمق الحضاري-القومي لل«أنا» الوطنية التونسية. وخلافًا للقناعة الراسخة في الربط الآلي والعضوي بين

العلمنة والاستعمار، اعتبر بشارة أنه كان لعلمنة المجتمع، إلى جانب تحديث مؤسسات الدولة، أثر بالغ في الاحتجاج

98 بشارة، «في الثورة والقابلية للثورة،» ص.4

99 المصدر نفسه، ص.5

100 المصدر نفسه، ص.65

101 بشارة، المجتمع المدني (الدوحة)، ص 10، والإبراز في أصل النص.

102 بشارة، الثورة التونسية المجيدة، ص.27

103 المصدر نفسه، ص.47

الاجتماعي الواعي المؤطَّر وطنيًا؛ ففي تونس، كما في مصر، لا تستقوي قوى اجتماعية كبيرة على قوى أخرى بالتحالف

مع دول خارجية. ويصعب تخيّل وضع تطالب فيه المعارضة التونسية أو المصرية بتدخّل أجنبي.

إن المسار المقطوع في بناء الهوية الوطنية والأمّة الحديثة لم ينتج في تونس شعبًا طيّعًا للتدخلّات الأجنبية، ومنسلخًا

عن انتمائه الديني الإسلامي وعن انتمائه القومي العربي كما كانت تعتقد التحليلات الإسلامية والقومية السائدة.

لكنه أنتج وضعًا هوياتيًا لدى هذا الشعب يتوفّر على شروط القابلية للثورة، لكن ليس أي ثورة؛ إنها الثورة

السلمية المدنية (غير المسلّحة) من أجل الديمقراطية، وذلك على أساس أن وجود جماعة وطنية تفهم نفسها

كشعب في علاقة مع الدولة باعتبارها كيانه السياسي، وتتحوّل في خيال الفرد إلى جماعة (بمعنى community)

يتخيّل أنه ينتمي إليها ككلّ (جماعة متخيّلة) أو شعب، هو بالضبط ما يمكّن من فصل الشعب عن النظام في

لحظة الثورة، من دون أن ينقسم إلى جماعات، وذلك باعتبار أن الدولة هي ملْك للشعب. من هنا، لابد من

تخليصها من أيدي جماعات ينظر إليها المواطنون كجماعات مصالح، وليس كجماعات هوية.

وحدها تحليلات بشارة في المسألة الهوياتية العربية المعاصرة قادرة، في تقديرنا، على تفسير الدرجة العالية نسبيًا

من المدنية والسلمية والاستقلالية عن الأجنبي التي طبعت ثورتي تونس ومصر، مقارنةً بما حدث في ليبيا واليمن

وسورية. غير أن هذه التحليلات لم تصل إلى حدّ القول باكتمال مسار التشكّل الهوياتي الوطني الحديث في تونس،

رغم أن خيارات دولة الاستقلال التونسية جعلت هذا المسار الأكثر تقدّمًا مقارنة بأوضاع بقية الأقطار العربية؛

فهذا الاكتمال لن يحصل خارج صيرورة التحوّل الديمقراطي التي هي، في فكر بشارة، عين الصيرورة المفضية

إلى بناء الدولة/الأمة المواطنية. وعدم اكتمال المسار التحديثي التونسي يعني أنه لم يبلغ اللحظة التي تنعدم فيها

إمكانية العودة عنه، وجزء غير قليل من مكونات المشهد الحراكي التونسي منذ 14 كانون الثاني/يناير 2011

يمثّل مظاهر ارتداد عامّ قطعته صيرورة الوحدة الوطنية للشعب التونسي، كما أسلفنا البيان. بيد أن هذا لا ينفي مطلقًا أن مسار الانتقال الديمقراطي التونسي الجاري، مقارنةً بالمسار الليبي خاصة، يدلّل

على أن التقدّم النسبي في صيرورة بناء الهوية الوطنية التونسية الناجم عن خيارات دولة الاستقلال عموماً

يؤدي دورًا إيجابيًا في جانب القابلية للتطبيق الديمقراطي بالدرجة نفسها التي أدى بها دورًا إيجابيًا في جانب

القابلية للثورة المدنية السلمية؛ ففي المشهد التونسي الراهن، حينما نقوم بفرز مجموعة العناصر التي تنتمي إلى

شروط قابلية التطبيق الإيجابي للديمقراطية الآلية عن مجموعة العناصر التي تنخرط في شروط عرقلة مثل هذا

التطبيق، نرى أن أهمّ عنصر في المجموعة الأولى هو الوحدة الوطنية النسبية التي بدا عليها المجتمع التونسي،

على الأقل إلى حدود العام الثاني بعد الثورة. نقول إن هذه الوحدة الوطنية نسبية أوالمقارنةً بأوضاع المجتمع

الليبي، وحتى المجتمع المصري، وثانيًا أخذًا في الاعتبار أن هذه الوحدة مهدَّدة بمظاهر عودة النزعات القبلية

والعروشية، و«التدافع الاجتماعي» المطلبي الغنائمي الذي تتحوّل معه الفئات الاجتماعية وسكّان الجهات

والمناطق إلى ما يشبه قبائل (أي جماعات عضوية)، والتدافع الهوياتي الديني الذي يعرّف نفسه باعتباره نقضًا

معلنًا لمسار دولة الاستقلال، هذا إلى جانب التجاذبات السياسية التي تأخذ صبغة هي أقرب إلى صراع هويات

(صراع بين إسلاميين وعلمانيين أو صراع بين معسكر «الثورة» ومعسكر «الثورة المضادة)» منها إلى التنافس

بين البرامج والخيارات، وجميعها عناصر تشكّل مجوعة عوائق التطبيق الإيجابي للديمقراطية.

104 المصدر نفسه، ص.28

105 المصدر نفسه، ص.33

106 نقول عمومًا لأن سياسات الفساد والمحسوبية والتهميش التي صاحبت هذه الخيارات واستشرت في الأعوام الأخيرة خاصة

غذت التباينات الجهوية والمناطقية والعروشية.

107 في الوقت الذي نكتب هذه السطور، تداهمنا أخبار التطورات الخطِرة في «الصراع» الدائر بين القوى الإسلامية والقوى المدنية في

كل من مصر (بشأن الإعلان الدستوري والاستفتاء على الدستور) وتونس (أحداث سليانة والهجوم على مقر اتحاد الشغل.)

خاتمة

لقد بات الجميع في تونس، كما في ليبيا ومصر واليمن والعراق، مقتنعًا بأن قابلية تطبيق الديمقراطية متعذّرة في

غياب الدولة السيادية بمفهومها الحديث، والوحدة الوطنية والتعددية السياسية والفكرية والمدنية، التي لا تتحوّل

إلى صراع واحتراب وتقاتل. وهذه الحقيقة التي تكرهنا عليها الوقائع العملية تربك بوضوح الرؤية الأيديولوجية

الإسلامية والوفاقية التي راهنت على التركيب النسقي بين الآلية الديمقراطية الحديثة والوضع الهوياتي والمجتمعي

والمؤسساتي الماضوي. تتفكّك اليوم «نسقية» هذا التركيب الأيديولوجي، بحكم عدم مطابقته للواقع العملي الذي

يريد أن بفعل فيه، في حين يبُرز هذا الواقع مدى نسقية مشروع عزمي بشارة ومطابقة أطروحته القائلة إن قضايا

الهويات الوطنية والهوية القومية والدولة القطرية الحديثة والمجتمع المدني تمثّل ك بنيويًا (مكوّنات المسألة العربية)

يجد معالجاته في الحلّ الديمقراطي للمسألة العربية باعتباره صيرورة تحديثية وحداثية. إن أهمية مسارات الانتقال الديمقراطي الجارية اليوم عربيًا تكمن، بالنسبة إلى ناقد الأيديولوجيا، في أنها توفّر

مرتكزات واقعية ملموسة لما كان معدودًا عنده من الاستخلاصات النظرية أو الاستشرافية التي مؤداها أن

«تكييف الديمقراطية مع الهوية» ووصول الإسلاميين إلى الحكم في البلدان العربية لا يوفّران معالجات حقيقية

لمشكلات الواقع العربي، وأن التحوّل الديمقراطي لا يمكن اختزاله في التحوّل الدستوري والسلطوي.

لقد وصل الإسلاميون وغيرهم ممن كانوا مناهضين لسلطة الاستبداد إلى الحكم، وحصلت الطفرة «الثورية»

المنشودة بأن جلس على كرسي السلطة المدافعون عن الهوية والمناهضون للتغريب والاستعمار والصهيونية

والرجعية مكان العلمانيين والعملاء والخونة. بيد أن الوقائع الملموسة تُكره الجميع على الاعتراف بأن هذه

الطفرة ليست هي الحلّ المطابق لمشكّلات الواقع العربي، بل هي قد تضاعف من هذه المشكلات، إذ تجسّد اليوم

ما نسمّيه بدراماتيكية الديمقراطية التي تهدّد الوحدة الوطنية في المجتمعات القطرية التي ثارت على الاستبداد. إن زمن بحث بلدان «الربيع العربي» عن القابلية للتطبيق الديمقراطي الإيجابي يفيد إفادة قاطعة، في تقديرنا، بأنّ

التباين بين الأنساق الفكرية والأيديولوجية المختلفة وبين دلالات المفاهيم المجراة في هذه الأنساق ليس من المسائل

النظرية فحسب، بل له انعكاساته الواقعية والعملية المباشرة. لذلك نرى عزمي بشارة يلّح على أهمية الصياغة

النظرية الواعية في الظرف العربي الراهن، لأن الصياغات الواعية المناقضة قد تقف في طريق عملية تحول نراها

طبيعية ومنطقية، فتتحول الأمور إلى المجتمع الطبيعي وروابطه الوشائجية (العضوانية) أو التضامنية، وحروب

الكل ضد الكل، بدلا من التطور الطبيعي نحو المجتمع المدني والديمقراطية كبديل من الاستبداد.

108 في العملين السابقين اللذين اشتغلنا فيها على فكر عزمي بشارة في سياق مقارني، ختمنا الأول، الذي كان أقرب إلى البحث النظري

الصرف، بالقول إن الخطاب الذي يدعو إلى استيعاب الديمقراطية بخصائصها النظرية والتطبيقية الأصلية الغربية بدا يعالج قضايا حقيقية في

الواقع العربي الراهن ويوصّف حلوالً عملية لها عبر ذاك الاستيعاب (ما اختصره عزمي بشارة في قوله بحلّ المسألة العربية بكل استحقاقاتها

الوطنية والقومية والاجتماعية)، في حين أن الخطاب الذي دعا إلى تكييف الديمقراطية وفقًا لثوابت الهوية بدا بعيدًا عن معالجة تلك القضايا،

اللهم إذا اعتبرنا أن وصول الإسلاميين إلى البرلمانات العربية حالً سحريًا لها (انظر: الحبيّب: «تباين استراتيجيات التأسيس للديمقراطية،»

ص 197). أمّا في العمل الثاني، الذي أُنجز خلال الأسابيع الأولى التي تلت هروب بن علي من تونس، وكان ذا صبغة استشرافية، فقد قلنا

إن الانتقال الديمقراطي عربيًا لا يمكن اختزاله في ما سُمّي استكمال مهامّت الثورة الذي لا يعني غير القطع التام مع رموز نظام الاستبداد

وتشريعاته، بل يكون بجعل الثورة بداية لمسار إصلاحي تدرّجي طويل الأمد يقود إلى تغريّات مجتمعية حقيقية تشمل مختلف البنى الاجتماعية

والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية (انظر: الحبيّب، «الانتقال الديمقراطي في التفكير العربي المعاصر».).

109 بشارة، المجتمع المدني (الدوحة)، ص.18