Return to Article Details Wasatiyah and Fiqh in the Islamic State: A Critical Reading

الوسطية الإسلامية وفقه الدولة:قراءة نقدية

Wasatiyah and Fiqh in the Islamic State: A Critical Reading

​معتز الخطيب

Mu’taz al-Khatib

الملخّص

تحليل نقدي لأطروحة «الدولة الإسلامية» وتطوّر التفكير فيها داخل تيار الوسطية الإسلامية، وتبيان ما يكتنفها من غموض والتباس بين جملة مفاهيم الدولة الحديثة، الخلافة، الإمامة، الحكم، وهو ما اقتضى عودةً إلى السياقين التاريخيّ و المفهوميّ لأطروحة «الدولة الإسلامية »بغية الكشف عن الإشكالات التي أحاطت بالتفكير الإسلامي الوسطي على مستوى بناء منظومته، وما تميّز به هذا البناء من غياب الاتّساق والتنافر وعدم دقّة أطروحات أصحابه بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية.

Abstract

This paper examines the notion of the Islamic State and explores the development of thought surrounding its conceptualization within the discourse of Islamic Wasatiyah. The author seeks to elucidate the ambiguity inherent in related concepts such as: the modern state, the caliphate, the imamate, and governance. To this end, the analysis necessitated a reexamination of both the historical and conceptual contexts giving rise to the theory of an Islamic state, with the aim of revealing the challenges facing Centrist Islamist discourse (wasatiyah) throughout its conception. According to al-Khatib, the conceptualization of wasatiyah was characterized by discord, a lack of consistency and its proponents’ inaccurate reliance on their own theological founding texts. In his analysis, the author explores some Islamic procedures that featured conflicting theories and which disabled the possibility of theological interpretative judgment (ijtihad). These procedures, according to al-Khatib, are selective, include distortion and are subject to adaptation— responding both to the pressure of historical evolution and to the demands of a changing fiqh and its inherent debates. It is this form of fiqh and its implicit debates that led to a number of both traditionalist and modernist propositions in the construction of its vision of a state. In this vision, the centrality of the Islamic state gives it precedence over society and in some cases over Islamic sharia, to the extent that those who do not have faith in such principles are considered to lack in Islam.

الكلمات المفتاحية:
  • الوسطية الإسلامية ،
  • فقه الدولة
  • الدولة الإسلامية
  • الخلافة
  • الإمامة
Keywords:
  • Islamic State
  • Wasatiyah
  • Theological Founding Texts
  • Ijtihad

تحليل نقدي لأطروحة «الدولة الإسلامية» وتطوّر التفكير فيها داخل تيار الوسطية الإسلامية،

وتبيان ما يكتنفها من غموض والتباس بين جملة مفاهيم (الدولة الحديثة، الخلافة، الإمامة،

الحكم)، وهو ما اقتضى عودةً إلى السياقين التاريخيّ والمفهوميّ لأطروحة «الدولة الإسلامية»

بغية الكشف عن الإشكالات التي أحاطت بالتفكير الإسلامي الوسطي على مستوى بناء

منظومته، وما تميّز به هذا البناء من غياب الاتّساق والتنافر وعدم دقّة أطروحات أصحابه

بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية. هكذا، يرصد البحث جملة من الإجراءات التي تجمع بين متنافرات، وتقطع في مسائل اجتهادية،

وتمارس الانتقائية والتحوير والتكييف استجابةً لضغط التاريخ والتطور التاريخي من جهة،

ولدواعي الفقه الحركي الأيديولوجي وسجالاته من جهة أخرى؛ ذلك الفقه الذي ارتكب عددًا

من التوليفات التراثية والحديثة لبناء تصوراته عن المسألة السياسية ومركزية الدولة الإسلامية

وأسبقيتها على المجتمع، بل وعلى الشريعة في بعض الأحيان، حتى بات من لا يؤمن بذلك

منقوص الإسلام.

مقدّمة

بات مصطلح «الوسطية» يشكّل اتجاهًا عريضًا يَنْعت نفسه به حتى قيل: «إنه يستقطب غالبية المفكرين

والناشطين في الوسط الإسلامي»، بل إن الشيخ القرضاوي اعتبر أن الوسطية روح الإسلام وإحدى

الخصائص العامة له. وعلى هذا، فإن «نهر الوسطية » - كما سامّه بعضهم - يشمل كل من أضاف إليه قليلا أو

1 راشد الغنوشي، الوسطية في الفكر السياسي للقرضاوي،» في: يوسف القرضاوي: كلمات في تكريمه وبحوث في فكره وفقهه (الدوحة:

].[د. ن، 2003.330)، ص

2 يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة،.)1985

كثيرًا، حتى إنه ليشمل محمد عبده وسيد قطب وجماعة الدعوة والتبليغ والحركة السلفية وجماعة الجهاد وحزب

التحرير! ولكن لو جئنا نطبّق معالم ذلك النهج الوسطي-عند القائلين به- على تلك الجماعات والشخصيات،

سنجد أنها لا تتفق مع هذه المعالم وإن اتفقت في بعضها. وقد سبق لي أن أوضحت في غير مكان، كيف أن الوسطية توزعت بين الإخوانية، والسلفية المذهبية، والنسبية

التقديرية، والشمولية التي تشمل المذاهب الفقهية الأربعة بكل ما فيها من أقوال، وهي إلى ذلك، روح الإسلام

وإحدى خصائصه الكبرى! هذا الإشكال دفع بعض الكتّاب إلى الإقرار بضبابية مفهوم الوسطية نفسه، خاصة مع كثرة المؤتمرات التي عُقدت

لأجله، وافتتاح بعض المراكز لدراسات الوسطية في الكويت والأردن والسودان وغيرها، وتزاحم المنتسبين إليه

من شخصيات وتيارات مختلفة؛ ففهمي هويدي لاحظ أن المصطلح «صار فضفاضًا بصورة تستوجب تحريره

قبل أي كلام بصدده»، ومحمد عمارة قال: «إن مصطلح الوسطية من المصطلحات التي عدَت عليها العاديات

وجارت عليها النائبات فأخرجتها عن معناها الأصلي الأصيل، وأبعدتها عن كونها أخص خصائص منهج

الإسلام في الفكر والحياة والنظر والممارسة والتطبيق والقيم والمعايير والأصول».... إن المتتبع للكتابات بشأن الوسطية الإسلامية يلحظ -بوضوح- إلحاحها على أنها طريق ثالث بين جملة ثنائيات:

الدين والدنيا، الروح والجسد، الدين والدولة، الذات والموضوع، المقاصد والوسائل، الثابت والمتغير، العقل

والنقل، الاجتهاد والتقليد، الأصالة والمعاصرة، إلى آخر تلك الثنائيات الكثيرة التي ترد في كلام القرضاوي

وعمارة وغيرهما. ويرجع استعمال مصطلح الوسطية إلى بعض مفكري الإخوان المسلمين الذين سعوا إلى تقديم الفكر الإخواني

بصيغة وسط بين «تياري المحافظة والتجديد»، بتعبير طارق البشري، وقاموا بمواءمات كثيرة بين جملة ثنائيات

طالما شغلت التفكير الإسلامي. وقد أعلن الشيخ القرضاوي في موضع آخر انتماءه إلى تيار حسن البنا ومدرسته

(الإخوان المسلمون) فقال: «هو التيار الذي أسمّيه تيار الوسطية الإسلامية»، لأنه – في رأيه - الأعرض قاعدة

في الصحوة الإسلامية، والأقدم في تاريخ التجديد الإسلامي، الذي يرجى طول عمره واستمرارُه، ولأنه التيار

الصحيح الذي يعربّ عن وسطية المنهج الإسلامي، ويمثّل وسطية أهل السنّة بين الفِرق الإسلامية المختلفة:

«فالإخوان وسط بين الجماعات الإسلامية، فهم يوازنون بين العقل والعاطفة، وبين الشورى والطاعة، وبين

الحقوق والواجبات، وبين القديم والجديد»، وهو قد اعتبر كتابه من فقه الدولة في الإسلامتعبيرًا عن تيار

الوسطية، الذي يقف وسطًا بين العلمانية والظاهرية الجامدة، ويتجاوز فقه المحنة، والفقه الظاهري، والفقه

الخارجي والفقه التقليدي. ونحوه يذهب راشد الغنوشي الذي يرى أن «جمهور الإسلاميين يقف في مكانة

الدولة في الإسلام موقفًا وسطًا بين المعطلة النفاة من العلمانيين... والرؤى الثيوقراطية الشيعية التقليدية

3 هاني الطايع، «الشيخ يوسف القرضاوي ومنهج الوسطية،» في: يوسف القرضاوي: كلمات في تكريمه، ص.908

4 فهمي هويدي، «يسألونك عن الوسطية،» الشرق الأوسط،.2005/6/8

5 محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام (القاهرة: دار نهضة مصر، 2004)، ص.189

6 انظر: طارق البشري، الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر، ط 2 (القاهرة: دار الشروق، 2005.106)، ص

7 يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي (القاهرة: دار الصحوة، 1988.41)، ص

8 يوسف القرضاوي، التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا، ط 5 (القاهرة: مكتبة وهبة، 2004 م)، ص.78

9 انظر: يوسف القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام: مكانتها - معالمها- طبيعتها: موقفها من الديمقراطية والتعددية والمرأة وغير

المسلمين، ط 3 (القاهرة: دار الشروق، 20019)، ص و.80

والصوفية التي لم تسلم منها بعض التصورات السنّية التي رسختها أنظمة الجور والاستبداد، ونظ ر لها بعض

فقهاء السلطة والتي تجعل سلطان الحاكم فوق سلطان الأمة». وبناءً على هذا التحديد لمفهوم الوسطية، سنركز بحثنا في فقه الدولة، مع رعاية التطور الفكري داخل التفكير

الإخواني، وما تقتضيه عملية تتبّع الأفكار من توسع في رصد الجذور أو مصادر التأثير، ونحو ذلك.

السياق التاريخي لأطروحة «الدولة الإسلامية»

يرجع أصل التفكير السياسي الإسلامي إلى موروث كبير من الكتابات الفقهية التي تندرج في ثلاثة أصناف:

الأولهو كتب الأحكام السلطانية التي تهتم بالجانب السياسي للدولة، من وظائف وجيش وأشكال التدبير

السياسي وحكم الرعايا، والثانيهو كتب السياسة الشرعية التي تنشغل بالجانب المدني من حياة المسلم من

حقوق وحدود، والثالث هو كتب مرايا الأمراء أو نصائح الملوك. ولكن هذه الأصناف الثلاثة لم تنشأ في فراغ، بل في سياقات تاريخية وسياسية معيّنة؛ فقد عرف التاريخ السياسي

للإسلام بعد وفاة النبي (ﷺ) نظام الخلافة بوصفه شكلا لنظام الحكم، والخلافة في التفكير الإسلامي المبكر

هي الناظم للأمة والجماعة، والقائمة على مشروعهما العالمي، وقد استمرت حتى مطلع القرن الرابع الهجري إلى

أن فوجئ الفقهاء بظهور الدولة السلطانية، وهي ظاهرة جديدة بلغت ذروتها عامي 334-333 ه بدخول

البويهيين إلى بغداد، فدفعت الفقهاء وغيرهم إلى كتابة قراءات لأوضاع الخلافة، فظهرت في الأحكام السلطانية

بين عامي 440 ه و 470 ه ثلاثة كتب للماوردي وأبي يعلى الحنبلي والجويني. اختلفت مقاربات هؤلاء للدولة السلطانية، ولكن الرؤية التي سادت هي شرْعَنة إمارة الاستيلاء وسلطنة

التغلب، حفظًا للوحدة ودرءًا للانقسام، فآلت رؤية فقهاء الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية إلى أن الدولة

السلطانية صارت سلطة ضرورة وأداة لتحقيق وظيفتين: الكفاية في الحفاظ على الوحدة الداخلية، والشوكة

للتصدي للعدو الخارجي، وأن السلطة – بغضّ النظر عن طريقة وصول السلطان إليها – تظل مستحقة للطاعة

ما دامت تؤدي هاتين الوظيفتين. والواقع «أن الفقه الدستوري (فقه الدولة) في الفكر الفقهي والسياسي

الإسلامي الوسيط رمى من وراء (السياسة الشرعية) إلى الاعتراف بالدولة السلطانية والدفاع عن شرعيتها بعد

اختفاء طوبى الخلافة، عن طريق القول: إن وظيفتيها الباقيتين تسوّغان الاعتراف بشرعيتها». استمر الفقه التراثي في قسميه، الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية، ومداره على نظام الخلافة، ولم يشهد

تغييرًا يُذكر إالّ مع صدمة الغرب وأفكار الإصلاح التي بدأت مع رفاعة الطهطاوي، الذي ركز على فكرة المنافع

العمومية أو الصالح العام، وكان هدفه تطوير النظر إلى الدولة من جهتين: الجانب الشعبي، وجانب الحاكم، في

محاولة لصوغ وظيفة جديدة للدولة تتجاوز الوظيفتين السابقتين. وبهذا المعنى تتحوّل الدولة إلى أداة لتحقيق

الخير العام، ورعاية مصالح الناس، وهو ما يستدعي خضوعهم لها. ثم جاءت التنظيمات العثمانية بفكرة المؤسسات التي أيّدها خير الدين التونسي فيما بعد بقوة، وقد عنَت في بادئ

الأمر تنظيم إدارة الدولة، ثم تم تعضيدها بفكرة الدستور وفصل السلطات، لمنع الاستبداد بتحديد صلاحيات

10 نص الغنوشي موجود في: معتز الخطيب [وآخرون]، مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين، (القاهرة: مكتبة وهبة، 2010)،

ص.84

11 انظر تحليل ذلك الخلاف بين الماوردي وأبي يعلى من جهة، والجويني من جهة أخرى في: المصدر نفسه، ص 21 و 163 وما بعدها.

12 رضوان السيد وعبد الإله بلقزيز، أزمة الفكر السياسي العربي، حوارات لقرن جديد (دمشق: دار الفكر، ص 2000.119-118)

الحاكم. وهكذا بقيت السلطة العليا غير منتخَبة، ولكن ظهرت هيئات ومؤسسات منتخَبة أو شبه منتخَبة لها

صلاحيات محددة بالقانون.

وظلّت فكرة الخلافة «الشرعية» أو الحقيقية قائمة نظريًّا لا تاريخيًّا، فقد تحولت إلى سلطنة، واستثمرت هذا

التمييز فيما بعد عام 1922 الجمعيةُ الوطنية التركية التي أصدرت قرارًا بالفصل بين الخلافة والسلطنة، وأن

شروط الخلافة لم تتوافر إالّ في الخلفاء الراشدين، أمّا الرؤساء اللاحقون فلم يكونوا سوى «رؤساء جمهور

المسلمين»، وولايتهم إدارية لا روحية، فالخلافة الصورية هي التي عَرِيت عن الشروط والصفات التي لا تنعقد

البيعة إالّ بها، ولم تجرِ بطريق انتخاب الأمة للخليفة بل بالتغلب والاستيلاء، فهي مُلك لا خلافة، ولذلك يجب

«في هذه الأزمنة الأخيرة» تقييدها بحيث توضع السلطة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية. كانت هذه الصيغة تمهيدًا لإلغاء الخلافة عام 1924، وهو الإلغاء الذي ولّد استنكارًا شديدًا، وأثار نقاشًا كبيرًا حول

مسألة العلاقة بين الدين والدولة توزّع على جبهتين: جبهة ترى الوصل، وأخرى ترى الفصل، غير عابئة بمسألة إلغاء

الخلافة. وجاء كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم عام 1925 ليعمّق الأزمة؛ فقد رأى فيه أن «الخلافة

ليست في شيء من الخطط الدينية... وإنما خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها»، وأن وجودها تاريخيًّا لا يعني

ضرورة استمرارها. وقد تبنيّ نتيجة تلك الخطوة الراديكالية ومن الردود القاسية على كتاب عبد الرازق أن الوعي

العربي والإسلامي يعتبر الخلافة جزءًا من الدين نفسه، وليست مجرد نظام سياسي تاريخي يمكن تغييره أو إلغاؤه. هذا الجدل كله، بالإضافة إلى تعمّق نزعة التغريب مع الهيمنة الاستعمارية على الأقطار الإسلامية، ونشوء مؤسسات

سياسية حديثة قائمة على العقلانية الغربية، أدى إلى تبلور أفكار سياسية إسلامية جديدة تدور حول مسائل الحكم

والسلطة والدولة والأمة. وفي هذه الفترة بالذات تأسست الحركات الإسلامية العاملة لاستعادة الخلافة/

الدولة الإسلامية التاريخية، وكان على رأس هذا التيار حسن البنّا الذي يَعُدّه الكثيرون مستلهِامً من رشيد رضا. ولكن البنّا، على خلاف رضا الذي رجع إلى الحديث عن الخلافة وكتب فيها، لم حيَفل كثيرًا بموضوع الخلافة،

مع إقراره بأنها «شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها». ومع أن «الإخوان

المسلمين يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم»، فإنهم يعتقدون «أن ذلك يحتاج إلى كثير

من التمهيدات التي لا بد منها»، ومعنى ذلك أنها مسألة مؤجَّلة؛ إذ كان البنّا مشغولا بإقامة حكومة إسلامية

حقيقية، أي تحقيق مشروع سياسي واقعي إذا ما قيس بالمحتوى الطوباوي لفكرة الخلافة.

وُلد فكر حسن البنّا في جوّ مشحون بالخصومات السياسية وبتناحر الأحزاب المصرية، والاستعمار الغربي الذي

سيطر على ديار العرب والمسلمين، وبدا في أحد وجوهه تبشيريًّا وفي أحدها علمانيًّا معاديًا للدين، وفي كلها مهدِّدًا

للهوية الإسلامية. كما أن الدولة الوطنية أو القومية في ديار العرب إنما وُلدت على أنقاض الخلافة وسائر المظاهر

الإسلامية، مع تصَدُّع المؤسسة الدينية التقليدية نتيجة العجز عن التلاؤم مع الظروف المستجدة. في هذا الجو

بدت المسألة -عند البنّا- اختيارًا بين طريقين: طريق الغرب وطريق الإسلام، كما صرّح هو نفسه في الخطاب الذي

13 انظر: المصدر نفسه، ص.120

14 انظر: فهمي جدعان، الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية (بيروت: المؤسسة العربية

للدراسات والنشر، 1997.130-129)، ص

15 انظر: المصدر نفسه، ص.137

16 حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، (بيروت: المؤسسة الإسلامية [د.ت])، ص.179-178

17 انظر: جدعان، ص 140، وعبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

، ص 2004.126)

18 انظر: رضوان السيد، «الدين والدنيا، والدين والدولة في الإسلام المعاصر،» التسامح، العدد 19(صيف 2007)، ص 18-17،

وجدعان، ص.139

وجهه إلى ملك مصر وملوك بلدان العالم الإسلامي عام 1366 ه، والإسلام هو «نظام شامل يتناول مظاهر الحياة

جميعًا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء،

وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة». وعن هذه الرؤية الكلية تطورت فيما بعد مقولة «الدولة الإسلامية». وتُعتبر كتابات البنّا (اغتيل عام 1949)

وعبد القادر عُودة (أُعدم عام 1954) كتابات تأسيسية في هذا الخصوص. ثم تواترت بعدها الكتابات معدّلة

ومطوّرة، وانزوت فكرة الخلافة التي بقيت محصورة في إطار حركات محددة، كحزب التحريروكحركة العدل

والإحسان في المغرب، ولكن هل أطروحة الدولة مختلفة كليًّا عن أطروحة الخلافة وتفكيرها؟

السياق المفهومي لأطروحة «الدولة الإسلامية»

يَردُ تعبير «دولة» مرة واحدة في القرآن، وتدور دلالته اللغوية حول معنى المداولة. وقد جتَنّب الفقهاء الأوائل

استعمال التعبير في كتاباتهم الأولى؛ ففيما يخص الأرض أو الرقعة الجغرافية، استعمل الجغرافيون تعبير

«الإقليم»، وفي مسألة صلاة الجمعة وغيرها استعمل الفقهاء تعبير «المصر»، وفي المجال السياسي استعملوا

تعبير «دار الإسلام»، وفيما يخص الهيئات السياسية استعملوا تعبيرات «الخلافة» و«الإمامة» و«الولاية».

ولكن المؤرخين أدخلوا مصطلح «الدولة» لاحقًا في سياق الحديث عن «السلطة السياسية للتنظيمات القبلية

القوية التي استطاعت السيطرة على مؤسسات السلطة، بدءًا بالبيت الأموي ثم العباسي، ولم يلبث أن أصبح

صنوًا للتقسيمات السياسية الخاضعة لبيوتات قوية عقب تراجع سلطة الخلفاء العباسيين، كالدولة الإخشيدية

والفاطمية والحمدانية والبويهية، وغيرها. ومن خلال معجم ابن منظور اللغوي في القرن السابع الهجري، يمكن ملاحظة إطلاق «دولة» للإشارة إلى

الهيمنة السياسية والعسكرية على المجتمع، ثم جاء ابن خلدون في القرن الثامن الهجري فطوّر مفهوم الدولة من

خلال دراسة القاعدة الاجتماعية التي ارتكزت عليها السلطة. وبالعودة إلى الرسائل الإدارية المبكرة المتعلقة بالدولة، وكانت قد كُتبت على أوراق الربَْديّ والنقوش والنقود،

أمكن لبعض الباحثين إدراك شكل الدولة التي قامت بأنها «نظام سياسي معقد». وقد درسها فرد دونر في بحث

نشُر عام 1986، حدّد فيه مفهوم «الدولة» فقال: «إن الدولة بناء سياسي ينطوي على مجموعة من المؤسسات

السياسية، ويرتكز على تصور للسلطة التشريعية مبني على فكرة العدل. فالدولة على ذلك – بواسطة مؤسساتها

وأيديولوجيتها التشريعية – تنظم علاقات القوى المختلفة في المجتمع، وتضعها في إطار كبير، وتجعل لسلطتها

هي المكانة العليا بين سائر القوى في المجتمع. ومؤسسات الدولة التي تمكّنها من بسط سلطة القانون وحفظ

النظام السياسي سالما هي: المجموعة الحاكمة، والجيش والشرطة، والسلك القضائي، وإدارة الضرائب، وبعض

المؤسسات الإضافية».وتوصل دونر إلى أن (الدولة) كانت واضحة المعالم منذ خلافة عبد الملك بن مروان (-65

86 ه) وأنه كان هناك دولة على الأرجح منذ خلافة معاوية بن أبي سفيان (60-41 ه)، وإن تكن هناك دلائل

على أن الدولة سبقت خلافة معاوية.

19 البنا، ص.7

20 لؤي صافي، «الدولة الإسلامية بين الإطلاق المبدئي والتقييد النموذجي،» في: مجدي حماد [وآخرون]، الحركات الإسلامية

والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة، سلسلة الكتب المستقبل العربي؛ 14، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)،

ص.118-117

21 وداد القاضي، «نحو منهج سليم في قضية موثوقية الرسائل العربية الإسلامية المبكرة،» التسامح، العدد 8 (خريف 2004)،

ص.111

لم يتطور الميراث الفقهي السياسي بل توقف عند حدود الخلافة أو الإمامة، كما لم ينشأ اهتمام خاص بالكتابة

الجديدة في الفقه السياسي إالّ في سياقين، أولهما سياق التعليم والتدريس، ففي عام 1923 عُهد إلى عبد الوهاب

خلاف (1956-1888) بتدريس مادة السياسة الشرعية في مدرسة القضاء الشرعي، فوضع كتابًا لهذا الغرض

سامّه السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية في الشؤون الدستورية والخارجية والماليةونشره له محبُّ الدين

الخطيب عام 1350 ه 1931/م، مُنبِّهًا في مقدمته إلى أن «علاقة الإسلام بنظام الدولة وأصول الحكم قلمّا

أُفردت بالتأليف قبل اليوم»، ووصف الكتاب بأنه «فريد في بابه ». ثم جاء بعده محمد يوسف موسى -1899(

1963 م)، فأعدّ دروسًا لطلبة الدراسات العليا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، صاغها في كتاب نظام الحكم في

الإسلام، وقال: إن التأليف فيه «مادة جديدة لم يقم بدراستها على نحو مفصل أحد من قبل ».... والسياق الثانيجاء مع منظّري الإخوان المسلمين تحديدًا، وفيه تختلف النبرة والرؤية، فهذه الكتابات تأخذ طابعًا

سجاليًّا مع الفكرة العلمانية، وتلحُّ على مسألة الدمج بين الدين والدولة، بل إن عبد القادر عودة كان فاصلا حين

قال في مقدمة كتابه: «إن المسلمين في كل أنحاء العالم قد جهلوا الإسلام وانحرفوا عن طريقه الواضح حتى لم

يعد في الدنيا كلها بلد يقام فيه الإسلام كما أنزله الله، سواء في الحكم والسياسة أو في الاقتصاد والاجتماع، أو

غير ذلك ممّا يمس مصالح الأفراد والجماعات ويقوم عليه نظام الجماعة»، وإنه لا عاصم للمسلمين اليوم من

الاستعمار والشيوعية إالّ الإسلام. وكان لافتًا أن عودة يتحدث عن «حقائق الإسلام»، و«أحكام الإسلام»

في المجال السياسي. ثم جاء القرضاوي فافتتح كتابه بالحديث عن تقصير المسلمين في «فقه الدولة» في مقابل

توسعهم في «فقه العبادات»، وعن ضرورة تطبيق أحكام الشريعة لتطويق تسلل القوانين الوضعية. والواقع أن سقوط الخلافة، والسجال الكبير حولها، والصراع مع الفكرة العلمانية، ونشوء الدولة الوطنية

الحديثة، كلُّ ذلك شكّل تحديًا حفّز على الانشغال بهذا المجال واستئناف القول فيه، بل إعادة اكتشافه في ضوء

الأفكار الحديثة. ولذلك يلحّ الجميع على مرجعية الشعب، والشورى، وبشرية الحاكم ومدنية الدولة لإزاحة

شبهة الدولة الدينية، وهو ما سنفصل فيه لاحقًا. ولكن هذه الكتابات كلها لم تخرج -في بنيتها الكلية ومفاهيمها- عن تصورات الخلافة والإمامة التي خطّها

الفقهاء السابقون، مع تعديلات طفيفة أو اجتهادات جزئية لم تكن لتمسّ أصل التصور ومبناه، وإن اضطر

الكثيرون إلى إجراء تعديلات جزئية ولفظية أحيانًا لإسقاط الخلافة على الدولة الحديثة، خصوصًا فيما يتعلق

بالجغرافيا السياسية بعد انقسام «دار الإسلام» الواحدة -التي تحتكم إليها أطروحة «الخلافة-» إلى دول كثيرة. جزء ركين من المشكلة يرجع إلى أن هؤلاء الكتّاب لم ينشغلوا ببحث مفهوم الدولة أصلا، بدءًا من البنّا وعودة

وانتهاءً بالقرضاوي الذي ينشغل كثيرًا بتحديد المفاهيم والتعريفات في كتبه الأخرى!. ويمكن القول: إن

كتابات حسن البنّا هي «المتن» - بالمصطلح التراثي المعروف – الذي انشغل اللاحقون بشرحه والبناء عليه؛ فالبنّا

وإن كان يستعمل مصطلح «الدولة الإسلامية» فإنه كثيرًا ما يستعمل تعبير «الحكومة الإسلامية»، ويقول: إنها

ركن من أركان الإسلام، فالدولة عنده تكاد تكون هي الحكومة، وهي التي يكون أعضاؤها «مسلمين يؤدون

الفرائض الإسلامية،... وهي المنفّذة لأحكام الإسلام وتعاليمه، فالحكومة إسلامية من حيث ديانة الأشخاص

22 يقول خلاف في مقدمته: «بدأنا في دراسة هذا العلم الناشئ الذي لم يُدرس من قبل فيما نعلم». انظر: عبد الوهاب خلاف، السياسة

الشرعية أو نظام الدولة الاسلامية في الشئون الدستورية والخارجية والمالية (القاهرة: المطبعة السلفية، 1931.2)، ص

23 محمد يوسف موسى، نظام الحكم في الإسلام (القاهرة: دار الفكر العربي، [د. ت.])، ص.3

24 عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص.5

25 انظر: القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.7

والتزامهم الأخلاق الإسلامية، وتنفيذ الأحكام الشرعية»، واستعادة الخلافة «يسبقها قيام حكومات إسلامية

في البلاد الإسلامية». صحيح أن البنّا تحدث عن الدستور والنظام النيابي، ولكن ذلك يرجع إلى عمل

الحكومة أيضًا لا إلى الدولة باعتبارها نظامًا مؤسسيًّا. وعلى نهجه مشى عبد القادر عودة الذي تحدث عن «الحكومة الإسلامية ووظيفتها ومميزاتها»، وأن الحكومة

الإسلامية هي التي «يؤمن أفرادها جميعًا بالمبادئ التي يقوم عليها الحكم ويحرصون على العمل بها»، وأن

«الحكومة نائبة عن الجماعة»، و«الخليفة هو ممثل الحكومة الأول»، وأن «الحكومة الإسلامية فريدة في نوعها»،

مع أنه عقد فصلا خاصًّا سامّه «نشأة الدولة الإسلامية»، وحين عرّف الخلافة قال: «الخليفة هو رئيس الدولة

الإسلامية الأعلى»، وهو يفعل ذلك من دون أي تحديد لمفهوم الحكومة والدولة، بل إن إحدى مميزات

«الحكومة» عنده أنها «حكومة خلافة أو إمامة»، وهي في نصوص القرآن لا يُقصد منها إلا الرئاسة بمعناها

العام، وليس الدلالة على نظام معنيّ من أنظمة الحكم؛ «فنظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم

القائم على دعامتين: إحداهما طاعة أمر الله واجتناب نواهيه، والثانية الشورى... فإذا قام الحكم على هاتين

الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص، وليسمَّ بعد ذلك بالخلافة أو الإمامة أو الملك، فكل هذه التسميات

تسميات صحيحة لا غبار عليها». عدمُ تحديد مفهوم للدولة الإسلامية أدّى إلى غموضه والتباسه بمفاهيم الدولة الحديثة. وقد سبق لأحد

الباحثين أن خلَص إلى أنه ليس في الفكر السياسي الإسلامي مفهوم محدَّد للدولة، وتَرجع إشكالية البناء

الجديد ل«الدولة الإسلامية» إلى جملة أمور ساهمت في إرباك المفهوم وتعقيده: أولّها المقايسة على مفهوم الدولة الحديثة، وإعادة تشكيل المحتوى التراثي للفقه السياسي في قوالب غربية

مستعارة، لإثبات أن هذه الدولة بعينها أنشاها الإسلام، وخصوصًا في سياق السجال مع الخصوم. ومن هنا

نجد هذا الاقتباس الانتقائي بغرض المحاججة فقط، من دون إدراك الازدواجية الناجمة عن ذلك، أو الارتباك

المفهومي الناتج من توليفات متغايرة، لأنها منتزعة من مرجعية وبناء مختلفين كليًّا عن المرجعية والبناء الإسلاميين

التراثيين والتاريخيين. وعلى سبيل المثال، جهد عبد القادر عودة في إثبات أن «الدولة الإسلامية» تكوّنت بحكم الفقه وبحكم الواقع،

بالاستناد إلى أن أركان الدولة طبقًا للفقه الدستوري والإداري لا تزيد على أربعة هي: وجود شعب؛ الاستقلال

السياسي؛ وجود إقليم تعيش عليه الجماعة بصفة مستمرة؛ السلطان أو السيادة، وهي جميعًا متوافرة في «الوحدة

التي ألفها المسلمون برئاسة النبي صلى الله عليه وسلم»، ونحوه فعل محمد يوسف موسى، الذي عرض

تعريفات الدولة في القانون الدستوري والقانون الدولي لإثبات «أن الإسلام دين ودولة معًا، بكل ما تحتمل

كلمة دولة من معنى ومدلول»، وهو ما فعله كذلك محمد المبارك. وهم يفعلون ذلك من دون إدراك أنهم

26 محمد عبد القادر أبو فارس، الفقه السياسي عند الإمام الشهيد حسن البنا (عمان: دار عمار، 1998)، ص 32 و.47

27 عودة، ص 64 و.74

28 المصدر نفسه، ص 81 و.92

29 المصدر نفسه، ص.72-71

30 نزيه نصيف الأيوبي، العرب ومشكلة الدولة، بحوث اجتماعية؛ 10 (بيروت: دار الساقي، 1992)، وفي مفهوم الدولة، انظر: برهان

غليون، «الصراع على الدولة،»في: الخطيب [وآخرون]، ص 31 وما بعدها.

31 عودة، ص.90

32 موسى، ص.13

33 محمد المبارك، نظام الإسلام: الحكم والدولة، ط 4 (دمشق: دار الفكر،.)1981

يقعون في مشكلتين: ا لأولىأن تلك الاستعارة تقتضي التسليم بالتقسيم السياسي للبلاد الإسلامية الذي نتج من

الإرث الاستعماري، وبالتالي تكرس مركزية الغرب، والثانية «أن تعريف الدولة من خلال تلك المركّبات للدولة

القطْرية لا يمكّنهم من إثبات التفاضل بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، نظرًا لأن المبادئ الإسلامية

تحظر عمليات الاصطفاء القومي والعرقي التي تؤدي إلى هيمنة واستبداد جماعة قومية أو عرقية على الجماعات

الأخرى، كما تحظر عمليات التنقية العقدية التي تؤدي إلى إكراه أتباع الديانات الأخرى على الدخول في دين

الجماعة المهيمنة أو طردهم». هذه المقارنات التي دأب عليها التفكير الإسلامي الإحيائي هيّنة، بالنظر إلى الاستعارة التي قام بها أبو الأعلى

المودودي حين وصف الدولة الإسلامية بأنها «دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من

فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص؛ فليس لأحد أن يقوم في

وجهها ويستثني أمرًا من أموره قائلا إن هذا أمر شخصي لكيلا تتعرض له الدولة... هي تشبه الحكومات

الفاشية والشيوعية بعض الشبه». ثانيالأمور التي ساهمت في إرباك مفهوم الدولة الإسلامية هو إعادة إحياء مفاهيم السياسة الشرعية والأحكام

السلطانية كما عرفها التراث الإسلامي، ومحاولة تكييفها وتقديمها بصيغة «الدولة الإسلامية» في سياق الصراع

الأيديولوجي، لا يتغير فيها إالّ بعض الألفاظ؛ فالخليفة يصبح رئيسًا، واختيار أهل الحل والعقد للخليفة

يصبح اختيارًا للشعب، لأنهم مَن ينوب عنه، إلى غير ذلك من التلفيقات. وعلى سبيل التمثيل، تحدث محمد

يوسف موسى في تمهيد كتابه عن الخلافة وتعريفاتها ووظائفها، ثم راح يتحدث في المبحث الأول عن «الإسلام

والدولة» وتعريفات الدولة عند القانونيين، من دون أي تفسير يوضح لنا هذا الانتقال أو العلاقة بينهما! كما أن

الأدبيات الإسلامية التي تتحدث عن الخلافة أو الإمامة، لا تفي -وحدها- بمتطلبات بناء نظرية إسلامية في

الدولة بالمفهوم الحديث. وثالثها الحرص الشديد على إيضاح فرادة «الدولة الإسلامية» المطروحة. يقول عبد القادر عودة: «إن أسلوب

الإسلام في الحكم هو خير ما عرفه العالم، وإن كل نظريات الشورى الوضعية ليست شيئًا يُذكَر بجانب نظرية

الإسلام». ويقول محمد يوسف موسى: «نظام الحكم الإسلامي نظام فريد لا مثيل له؛ فهو النظام الإسلامي

وكفى»، ومن هنا يحرص هؤلاء الكتّاب على تعريف الدولة بمعالمها ومميزاتها وليس بمفهومها وشكلها.

واللافت أنهم يختلفون في إيراد ذلك، فعبد القادر عودة يرى أن «الحكومة الإسلامية تختلف عن كل حكومة

موجودة في العالم الآن، وعن كل حكومة وجِدت من قبل»، وأنها تتصف بثلاث صفات لا توجد في غيرها،

«فهي أوالحكومة قرآنية، وهي ثانيًا حكومة شورى، وهي ثالثًا حكومة خلافة أو إمامة ». ونحو ذلك يقرر

القرضاوي أن «الدولة في الإسلام ليست صورة من الدول التي عرفها العالم قبل الإسلام أو بعده، إنها دولة

متميزة عن كل ما سواها من الدول بأهدافها ومناهجها ومقوماتها وخصائصها»، فهي دولة مدنية مرجعها

الإسلام، وعالمية ولا مانع أن تبدأ بدولة إقليمية في قطر معين، ودولة شرعية دستورية، ودولة شورية، ودولة

34 صافي، ص.120

35 أبو الأعلى أحمد حسن المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، ترجمة جليل حسن الإصلاحي (الرياض:

الدار السعودية للنشر والتوزيع، 198547)، ص. ثم جاء الغنوشي فقال: «فليست دولة الإسلام دولة شمولية»، وأوضح أنها مقيدة

في مجالات: التشريع، والمال، والقضاء. انظر: راشد الغنوشي، «مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام،»في: الخطيب [وآخرون]، ص.95

36 عودة، ص 6، 67، 76، 80، 154 و.217

37 موسى، ص.4

38 عودة، ص.67

هداية، ودولة لحماية الضعفاء، ودولة الحقوق والحريات، ودولة المبادئ والأخلاق. ويخلص محمد المبارك

إلى القول: إن الدولة الإسلامية تتصف بأنها دولة عقائدية (عقيدة وفكرة ونظم وتشريع) وأخلاقية إنسانية،

وحضارية، ثابتة الأسس متطورة الأشكال تبعًا لاختلاف الأحوال وتبدل الأطوار الاجتماعية الثقافية. هذه الخصائص -بمجموعها- لا تدع مجالا للاجتهاد، لأنها تنطلق من «أحكام الله» وإن حاول المبارك أن يخفف

من وطأة ذلك بترك المجال مفتوحًا لتغير الأشكال في الدولة «العقائدية». غير أن مشكلة مصطلح «الدولة الإسلامية» لا تقف عند حدود الغموض، وكيفيات بناء المفهوم وموارده،

بل تتجاوز ذلك إلى حدود رؤيتهم وتصورهم لفكرة الدولة أساسًا وحدود الحاجة إليها، وهنا افترق الفكر

الإصلاحي عن الفكر الإحيائي في مسألة الدولة، فالفكر الإصلاحي اعتبر الدولة أداة، وكان مشغولا بالتغيير

التدريجي والتراكمي من خلال تجديد المفاهيم والوظائف والأدوار والممارسات، ومن ثم أراد رفاعة الطهطاوي

أن يفتح وظيفة الدولة على آفاق جديدة هي المصالح العمومية، وقدمت التنظيمات العثمانية تطويرًا لجهاز الدولة

من خلال فكرة المؤسسات أو التنظيمات، فالفكر الإصلاحي أراد تجديد مشروع الدولة عن طريق تجديد

وظائفها بحيث تتلاءم مع تحديات الحداثة التي طرحتها الهجمة الأوروبية. أمّا الفكر الإحيائي، فقد كان مهجوسًا بفكرة الدولة التي تتوج المشروع، وحين يتحدث عن الدولة فهو يتحدث

عن المشروع نفسه، وهو تطبيق الشريعة أو تطبيق أوامر الله، وهي النزعة الظاهرة بقوة في كتابات البنّا وعودة ثم

سيد قطب؛ فهم يعتنقون أيديولوجيا مشروع لا فكرة دولة. وبحسب رضوان السيد، فإنه ما تحدث أحد منهم

في الخمسينيات والستينيات عن تنظيم الدولة أو دستورها أو قانونها، وعندما بدأوا يذكرون تفاصيل برامجهم في

السبعينيات ظهر من جديد أنهم يقصدون المشروع النموذجي لا الدولة التي ينتظم من خلالها الاجتماع السياسي

أو التي تكون هدفًا لذلك المجتمع، ولذلك كثر حديثهم عن المشروع الحضاري الإسلامي. والدولة في فكر

الستينيات الثوري أدنى إلى أن تكون تنظيامً تغييريًّا لا سلطة بالمعنى المتعارف عليه، واختلف الأمر بعض الشيء

في الثمانينيات، إذ ظهر بعض الاهتمام بالآليات السلطوية للسلطة المؤقتة عن طريق المشروع، وكثر الحديث عن

الشورى التي اعتبُرت عماد النظام الإسلامي، ولكنها بقيت سلطة ولم تصل إلى الحديث عن «دولة».

موقع الدولة من التفكير الإسلامي

عالج الفقهاء والمتكلمون قديامً مسألة إقامة السلطة السياسية ومدى الحاجة إليها من خلال مبحث «الإمامة»

وما أسمَوه «نَصْب الإمام»؛ فالإمام أبو الحسن الأشعري (324 ه) يقول: «اختلفوا في وجوب الإمامة:فقال

الناس كلّهم إلا الأصمّ: لا بد من إمام.وقال الأصمّ: لو تكَافّ الناسُ عن التظالم لاستغنَوا عن الإمام»،

ويقول الماوردي (450 ه): «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعَقْدُها لمن يقوم

بها في الأمة واجبٌ بالإجماع، وإن شذّ عنهم الأصمُّ». ويقول ابن حزم (456 ه): «اتفق جميع أهل السنّة،

وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقيادُ لإمام عادل

يُقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاشا النجدات

39 انظر: القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.53-30

40 انظر: المبارك، ص.144-137

41 انظر: السيد وبلقزيز، ص.128-122

42 أبو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، قدم له وكتب حواشيه نعيم زرزور، 2 ج (بيروت:

المكتبة العصرية، 2005.343)، ص

43 أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية (القاهرة: دار الحديث، [د. ت.])، ص.15

من الخوارج؛ فإنهم قالوا: لا يلزم الناسَ فرضُ الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاط وا الحق بينهم، وهذه فرقة ما نرى

بَقِي منهم أحد، وهم المنسوبون إلى نَجْدة بن عُمير الحنفي القائم باليمامة».

وإيراد هذا التفصيل هنا مَردّه إلى استدلال تيار الوسطية بأصل المسألة للوصول إلى القول بوجوب إقامة الدولة

الإسلامية وفَرْضيتها، وأول من قام بهذا الربط هو حسن البنّا حين قال: «الإسلام الذي يؤمن به الإخوان

المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد... والحكم معدودٌ في

كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع»، ويتأسس على هذا المعنى القولُ: «إن قعود

الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفّرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي

الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف». وهذا النص شديد الأهمية في إدراك تحولّات المسألة السياسية في

التفكير الإسلامي السنّي؛ لأنه يتقاطع - على هذا المعنى المستحدَث – مع التفكير الشيعي. وقد شرح أحد أتباع

البنّا نصه بالقول: «ركن من أركان الإسلام بمعنى أنها فريضة من فرائضه، ولكنها ليست كأي فرض، فالركن

-كما هو معروف- ما يقوم عليه الشيء، وهو جزء داخل في ماهيته وينهدم بانهدامه وفقدانه».

غير أن الشيخ القرضاوي حاول أن يتجاوز هذا الإشكال بالقول: إن مسألة الإمامة عند أهل السنّة والجماعة

من مباحث الفروع لأنها تتعلق بالعمل لا بالاعتقاد أساسًا. ولكنه استدرك بالقول: «إن هذا لا يعني التهوين

من هذا الأمر؛ لأن الإسلام ليس عقائد فحسب بل هو عقيدة وعمل»، وإذا كانت الصلاة مثلا من الفروع لأنها

أعمال لا عقائد، فهذا لا خيُرجها عن كونها من أركان الإسلام، فكذلك «الإمامة أو الحكم بما أنزل الله هو من

الفروع، ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه والإيمان بالاحتكام إلى ما أنزل الله في كتابه ومتابعة رسوله هو من الأصول

يقينًا، ومن صميم الإيمان»، وبناء عليه قرر أن النزاع بين الإسلاميين والعلمانيين الأقحاح هو في قضية من قضايا

الأصول، فلم يخرج في المحصلة عما قرره نص البنّا.

أمّا عبد القادر عودة، فشأنه شأن سائر الإسلاميين من تيار الوسطية، يقول إن «طبيعة الإسلام تقتضي قيام

الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية؛ فكل أمر في القرآن والسنّة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة

إسلامية»، ولذلك نراه يضع نظرية الحكم في إطار الحديث عن «انحراف المسلمين عن أحكام الإسلام»،

ومسألة الاستخلاف والتسخير، وأن الاستخلاف بمعناه الخاص هو الاستخلاف في الحكم، وعقد عنوانًا سامّه:

«لله الحكم والأمر» قرر فيه مبدأ الحاكمية - قبل سيد قطب- وأن «من لم يحكم بما أنزل الله كافر في كل الأحوال

بنص القرآن»، وأن «الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام والدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام»، وأن

«الحكم تقضي به طبيعة الإسلام أكثر ممّا تقضي به نصوص القرآن»؛ لأن الإسلام عقيدة ونظام، ودين ودولة،

ولكن أكثر المسلمين يجهلون ذلك على حد قوله. بل يذهب أبعد من ذلك إلى القول: «وإذا ما قلنا إن الإسلام

دين ودولة فقد يذهب الظن بالبعض إلى أن الإسلام يفرق بين الدين والدولة، وهذا ظن خاطئ؛ فإن الإسلام

مزج الدين بالدولة، ومزج الدولة بالدين حتى لا يمكن التفريق بينهما، وحتى أصبحت الدولة في الإسلام هي

الدين، وأصبح الدين في الإسلام هو الدولة »....

44 أبو محمد علي بن أحمدبن حزم، الفصل في الملل والنحل (القاهرة: مكتبة الخانجي، [د. ت.])، ج 4، ص.72

45 البنا، ص.170

46 أبو فارس، ص.32

47 يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، ط 2 (القاهرة: مكتبة وهبة، 2005.17-16)، ص

48 عودة، ص.60

49 المصدر نفسه، ص 55 و 219، يقول فيها: «إن الحكومات الإسلامية خرجت على الإسلام في الحكم والسياسة والإدارة، وخرجت

على مبادئ الإسلام... ونبذت ما يوجبه الإسلام... وشجعت ما يحرمه الإسلام... وأقامت المجتمع الإسلامي على الفساد.»...

50 المصدر نفسه، ص.56

51 المصدر نفسه، ص.63

ولا يخرج القرضاوي عن هذا التفكير، فهو يقرر أن قيام المجتمع الإسلامي المنشود شرط ه إقامة «حكم إسلامي

خالص»، فالمجتمع لا يقوم بلا حكم؛ لأن الحكم فريضة من فرائض الدين، فالدولة المسلمة ضرورة، كما أن

الإسلام بحاجة إلى دولة لأنه «لو لم تجئ نصوصه المباشرة بإيجاب إقامة دولة له لكانت حاجته إلى دولة لا

ريب فيها، فهو يحتاج إلى دولة وحكم لأكثر من سبب وأكثر من موجب»، كحماية عقائده، وإقامة الشعائر

والعبادات، وغرس الأخلاق والآداب، وتنفيذ التشريعات والقوانين، والجهاد. وممّا يلفت النظر أنه بناءً على جَعْل الدولة ضرورة من ضرورات الإسلام، يلحّ عبد القادر عودة ومحمد يوسف

موسى على اعتبار أن النبي (ﷺ) فكر في المرحلة المكية من حياته بتكوين دولة للمسلمين يكون على رأسها،

«فليس الأمر على ما يقوله بعض المغرضين من أن الرسول كان بمكة داعيًا فقط لرسالته». وهذه مسألة مثارُ إشكال كبير وتحتاج إلى تأمل كبير بين الفقه الموروث وفقه الوسطية، فخطاب الوسطية يبني

إيمانه بفرْضية الدولة على تقرير أن مسألة الإمامة أصل من الأصول أوالً، ثم يحمل الدولة على الإمامة ثانيًا، وأن

«وجوب نصب الإمام» يعني رُكنية الدولة في الإسلام، ثم يُرَتّب على الدولة الكثير من المهام والوظائف التي

سنعرض لها لاحقًا، وبيان مشكلة هذه الرؤية يتضح من خلال جملة مسائل: الإمامة من الفقهيات «الإمامة» في الفقه السنّي الموروث هي من الفروع والفقهيات لا من الأصول والمعقولات، وقد أوضح ذلك

الإمام الجويني فقال: «وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة

والولايات العامة والخاصة مظنونةٌ في التأخي والتحري». ثم قال تلميذه أبو حامد الغزالي (505 ه)

بوضوح: «إعلم أن النظر في الإمامة أيضًا ليس من المهمات، وليس أيضًا من فن المعقولات بل من الفقهيات،

ثم إنها مثارٌ للتعصبات، والمُعرض فيها أسلم من الخائض فيها وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ؟! ولكن إذا جرى

الرسم باختتام المعتقدات به أردنا أن نسلك المنهج المعتاد؛ فإن فطام القلوب عن المنهج المخالف للمألوف شديد

النفار». وكذلك فعل عَضُد الدين الإيجي (756 ه)، فإنه حين عقد «المرصد الرابع» من كتابه للإمامة

ومباحثها بدأه بالقول: «عندنا من الفروع، وإنما ذكرناها في علم الكلام تأسيًا بمَن قَبلنا»، فالغزالي والإيجي

يقرران أن ذكرهما للمسألة في كتب الكلام إنما هو على عادة كثير من المصنفين في كتب الكلام، فإنهم يذكرونها

لمناسبة الرد على عقائد الشيعة القائلين بالنص عليها ويعادون ويكفّرون بناء عليها، ولأن الناس إنما تفرقوا بعد

الإمامة، ولذلك نرى الطحاوي (321 ه) – مثلاً– لم يتعرض لها في عقيدته المشهورة. وكونها من الفروع يعني أنها من الفقهيات، ولا تدخل في مسائل الإيمان والكفر، وهي من العمليات لا من

المعقولات، ولذلك طال كلامهم في كثير من تفريعات المسألة حول شروط الإمام وكيفية تنصيبه ومن يقوم بذلك،

والوسائل الشرعية لوصوله، والطوارئ التي توجب الخلع أو الانخلاع – على حد تعبير الجويني - إلى غير ذلك.

52 يوسف القرضاوي، الحل الإسلامي: فريضة وضرورة، ط 6 (القاهرة: مكتبة وهبة، 200175-74)، ص، والقرضاوي، من فقه

الدولة في الإسلام، ص.19

53 موسى، ص 16، وعودة، ص.82

54 أبو المعالي عبد الملك ابن عبد الله إمام الحرمين الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق، دراسة، فهارس عبد العظيم الديب،

ط 2 ([نصر: عبد العظيم الديب، 1980])، ص.61

55 أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، عارضه بأصوله وعلق حواشيه وقدم له إبراهيم آكاه وحسين آتاي (أنقرة:

كلية الإلهيات، 1962.234)، ص

56 عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المواقف في علم الكلام (بيروت: عالم الكتب، [د.ت])، ص.395

طبيعة وجوب الإمامة ومستندُه وجوب الإمامة ناشئ من اعتبار عملي تطبيقي لا من اعتقاد إيماني، ويتبدى ذلك - فضلا عن نص الغزالي

الواضح – من خلال حِجاجهم لإثبات الوجوب فإنه يأخذ طابعًا تدبيريًّا، كما هو شأن الرياسة العامة لتدبير

مصالح العباد الدنيوية والدينية والقيام على رعايتها، ولذلك تغافلوا أحيانًا عن صلاح الإمام نفسه ما دام حمَُقِّقًا

لتلك المصالح، فقالوا مثلا في بعض الشعائر الدينية: «الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر؛ فلا بد من سائس

يسوس الناس فيهما ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام الربَِّ يحصل بالإمام الفاجر».

ويؤكد الإيجي تلك الطبيعة التدبيرية للإمامة بقوله: «مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات

والجهاد والحدود والمقاصات وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشًا

ومعادًا، وذلك لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يَعنّ لهم؛ فإنهم – مع اختلاف الأهواء

وتشتت الآراء وما بينهم من الشحناء – قلمّا ينقاد بعضهم لبعض فيفضي ذلك إلى التنازع والتواثب ». وقد

أنكر قومٌ وجوب نَصْب الإمام، لأن «توَفُّر الناس على مصالحهم ممّا يحث عليه طباعُهم وأديانهم فلا حاجة إلى

نَصْب مَن يتحكم عليهم فيما يستقلون به، ويدل عليه انتظام أحوال العربان والبوادي الخارجين عن حكم

السلطان»، فأجاب الإيجي مؤكِّدًا الطبيعة التدبيرية بناءً على عوائد الأحوال بقوله: «إنه وإن كان ممكنًا عقلا،

فممتنعٌ عادةً؛ لما يُرى من ثوران الفتن والاختلافات عند موت الولاة، ولذلك صادفنا العربان والبوادي

كالذئاب الشاردة والأسود الضارية لا يُبقي بعضهم على بعض، ولا يحافظ في الغالب على سنّة ولا فرض،

وليس تشَوّفهم إلى العمل بمُوْجَب دينهم غالبًا». الإمامة بين الأمر الشرعي والضرورة الاجتماعية اختلفوا في مصدر وجوب نَصْب الإمام، هل هو عقلي أو سمعي/نصيّ؟ وهنا اختلفت أقوال تيار الوسطية، كما أنهم

لم يلتزموا -بدقة- بالمرجعية الفقهية التي يتَخرَيّون منها؛ فعبد القادر عودة يذكر أولا أن «الأصل في الحكومات أنها

ضرورة اجتماعية لا مفر منها»، ثم يقرر أن «المصدر الأول لفرضية الخلافة هو الشرع، فالخلافة أو الإمامة هي فريضة

شرعية يوجبها الشرع على كل مسلم ومسلمة، ويخاطب الجميع بها، وعليهم أن يعملوا حتى تؤدَّى هذه الفريضة»،

وينتهي إلى القول: «الخلافة واجبة عقلا أيضًا؛ لأن وجود الحكومة في الجماعة إنما هو ضرورة اجتماعية». أمّا محمد يوسف موسى، فيقول: «وهذا الواجب قد يكون مرجعه العقل، أو الشرع، أو العقل والشرع معًا،

وهذا الرأي الأخير هو -في رأينا- ما ذهب إليه الفقهاء المسلمون»، وهذا الكلام غير دقيق بالنسبة إلى

الفقهاء، كما سيتضح. ويقرر راشد الغنوشي أن «موقف الوسطية الذي عليه جمهور الإسلاميين يتمثّل في اعتبار السلطة ضرورة

اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة العدل. إنها مجرد أداة اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين والدنيا»،

57 علي بن علي بن محمد بن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوي، تخريج ناصر الدين الألباني (القاهرة: دار السلام، 2005.388)، ص

58 الإيجي، ص.396

59 المصدر نفسه، ص.397-396

60 عودة، ص.64

61 المصدر نفسه، ص 96. وعودة يذهب هنا أبعد من الماوردي الذي لا يُرتّب الإثم في عدم نصب الإمام إلا على جهتين: أهل الاختيار،

وأهل الإمامة. ويقول: «وليس على مَن عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرجٌ ولا مأثم». انظر: الماوردي، ص.17

62 عودة، ص.100

63 موسى، ص.18

64 الغنوشي، «مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام،» ص.84

وهذا – كما يتضح ممّا سبق وما سيأتي في مركزية الدولة في فكر الإسلاميين – لا يعربّ بدقة عن حقيقة موقفهم،

وإنما يعربّ عن موقف الغنوشي على الأقل. والمسألة عند الفقهاء خلافيّةٌ، وهو ما اقتصر عليه الإمام الماوردي، فاكتفى بذكر الخلاف من دون تحديد موقف

واضح فقال: «واختُلف في وجوبها، هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة: وجبت بالعقل، ملِا في طباع

العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويَفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى

مُهمَلين، وهمَجًا مُضاعين،... وقالت طائفة أخرى: بل وجبت بالشرع دون العقل، لأن الإمام يقوم بأمور

شرعية قد كان جمُوَّزًا في العقل ألا يرد التعبّد بها، فلم يكن العقل مُوجبًا لها »....

هذا المنحى من الماوردي كان موضع نقد شديد من قِبل معارصِه الجويني الذي انتقد على الماوردي أنه اكتفى

«بحكاية المذاهب ورواية الآراء والمطالب... وإنما مضمون الكتاب نَقلُ مقالات »...، ولذلك كان الجويني

حاسامً في المسألة فقال: «إذا تقَرر وجوب نصب الإمام فالذي صار إليه جماهير الأئمة أن وجوب النصب مستفادٌ

من الشرع المنقول، غيرُ مُتلَقّى من قضايا العقول»، ثم جاء الغزالي فقال: «لا ينبغي أن نظن أن وجوب ذلك

مأخوذ من العقل؛ فإنا بيّنا أن الوجوب يؤخذ من الشرع، إالّ أن يُفرَسّ الواجب بالفعل الذي فيه فائدة أو في تركه

أدنى مضرة، وعند ذلك لا يُنكر وجوب نصب الإمام لما فيه من الفوائد ودفع المضار في الدنيا».

وقال الإيجي: «نصب الإمام عندنا واجب علينا سمعًا، وقالت المعتزلة والزيدية بل عقلا، وقال الجاحظ: بل عقلا

وسمعًا، وقالت الإمامية والإسماعيلية: بل على الله، إلا أن الإمامية أوجبوه لحفظ قوانين الشرع، والإسماعيلية

ليكون مُعَرّفًا لله، وقالت الخوارج لا يجب أصلا»ً.

ولكن رغم هذا الجزم بالوجوب السمعي/الشرعي، فإن كلام الغزالي مثير للتأمل، ومُشعر بأن المسألة مندرجة

في أصل الوجوب عند الأصوليين وأن مَدْركه شرعي، إالّ أن يكون الوجوب صناعيًّا – أي مصطلحيًّا عند أهل

الصنعة- مبنيًّا على رعاية المصالح وهذا معنى كلامه، وكأنه لم يرَ بأسًا في ذلك.

والمتأمل لطرائق برهنتهم على الوجوب عقلا يدرك الطبيعة التدبيرية للإمامة؛ فالغزالي يقول إن «نظام أمر الدين

مقصود لصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم قطعًا... ولا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع»، كما أن «نظام الدين

لا يحصل إلا بنظام الدنيا»، و«نظام الدين بالمعرفة والعبادة ولا يُتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة

قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات، والأمن هو أجمع الآفات... وليس يأمن الإنسان على روحه

وبدنه وماله ومسكنه وقوته في جميع الأحوال بل في بعضها، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات

الضرورية» ليخلص إلى القول: «إذن بان أن نظام الدنيا – أعني مقادير الحاجة – شرط لنظام الدين»، ثم أوضح

كيف أن «السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز

بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء قطعًا فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه». وابن خلدون يوضح الطبيعة الاجتماعية للسلطة، وأنها الإطار العام الذي يشتمل على ثلاثة أنواع من السياسات،

فهو قد عقد فصلا في «أن العُمران البشري لا بد له من سياسة يَنتظم بها أمره»، وأنه «لا بدّ في الاجتماع من وازع

65 الماوردي، ص.15

66 الجويني، ص.142

67 المصدر نفسه، ص.24

68 الإيجي، ص 395، وبهذا تعلم خطأ ما نسبه فهمي جدعان إلى الإيجي نقلا عن عودة بأن الإمامة واجبة عقلا، وكلاهما لا يقول

بذلك!. انظر: جدعان، ص.146

69 الغزالي، ص.237-234

حاكم يرجعون إليه، وحكمه فيهم: تارة يكون مستندًا إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادَهم إليه إيماهنُ م

بالثّواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلّغه، وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقّعونه من ثواب

ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم». ثم أشار إلى سياسة ثالثة هي «السّياسة المدنيّة» وأن معناها عند الحكماء «ما

يجب أن يكون عليه كلّ واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتّى يستغنوا عن الحكّام رأسًا» والمجتمع

الذي يحصل فيه ذلك يسمّونه «المدينة الفاضلة». وعلى هذا المعنى التدبيري والاجتماعي لقيام السلطة يرى برهان غليون أن «الإسلام لم يولّد السياسة والدولة من

حيث إنهما ضروريتان للإيمان، وإنما من حيث هما نتائج جانبية لنشوء جماعة دينية مع غايات ومصالح ومتطلبات

دفاع وتنظيم وإدارة جديدة أيضًا. والهدف من ذلك أن نقول: إن الدولة لم تكن مطلبًا دينيًّا ولكنها كانت مطلبًا

دنيويًّا نزع إلى تحقيقه المسلمون بموازاة تحولّهم إلى جماعة سياسية دنيوية فاعلة على مسرح التاريخ»، ولكنه يبالغ

كثيرًا فينفي أي انعكاس تطبيقي لمبادئ الإسلام، ويفصل فصلا تامًّا بين الممارسة الإسلامية التاريخية للسلطة

والمعتقدات الإسلامية التي حكمت تفكير المجتمع والسلطة، خصوصًا عبر التاريخ الأول، فيقول: «لم تنجم

الممارسة السياسية ولا بناء الدولة عن تطبيق معتقدات دينية محددة، وإنما جاءت في سياق صراعات تتجاوز

مسألة الاعتقاد والتبشير وتدخل في إطار النزاع الطبيعي على الموارد أو على الهيمنة».

مشكلات المقايسَة بين الدولة والإمامة

مع سقوط نظام الخلافة ونشوء الدولة الحديثة اضطر حسن البنّا إلى القبول بفكرة الدولة، من دون التخلي

نهائيًّا عن نظام الخلافة؛ فهو يرى أن «من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حُوّرت

عن منهاجها ثم أُلغيت بتاتًا إلى الآن. والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس

مناهجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة

لإعادة الخلافة لا بد أن تسبقها خطوات». وحين يتحدث عن العمل يوضح أن أحد أهداف عمله «إعادة الكيان

الدولي للأمة الإسلامية... حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة»، فهو قد اضطر إلى

تجاوز مشكلة الخلافة وفق منطق عملي ومرحلي. ولكن البنّا يُكثر من الحديث عن «النظام الإسلامي» و«نظام الحكم الإسلامي» بالتوازي مع الإشارة إلى

«الخلافة» في مواضع كثيرة من رسائله، ومع ذلك فعنايته ببناء «النظام الإسلامي» كانت أكثر من عنايته باستعادة

الخلافة أو إعادة الكلام فيها -في رسائله على الأقل- وقد أدّى هذا عمليًّا إلى تجاوز شكل الخلافة؛ ففي نص

مهم يؤكد أن «النظام الإسلامي لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التي لا يكون

الحكم صالحا بدونها»، وهو يعني المبادئ الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها، ومن بينها: «وحدة الأمة» التي لا

تخرج عن مضمون فكرة الخلافة وإن اختلف شكل توحيدها. وقد مشى متابعوه على هذا المعنى بأوضح من ذلك؛ فعبد القادر عودة يرى أن الخلافة في القرآن ليست إلا «الرئاسة

بمعناها العام»، ولا يُقصد منها الدلالة على نظام معنيّ من أنظمة الحكم، ولا يهم التسمية ما دامت دعامتا الحكم

الإسلامي الخالص متوافرتين وهما: طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه، والشورى. ثم يأتي محمد المبارك ليقول:

70 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق خليل شحادة، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 1988.377)، ص

71 برهان غليون ومحمد سليم العوا، النظام السياسي في الإسلام، مراجعة رضوان زيادة (دمشق: دار الفكر، 2004)، ص 20 و.22

72 انظر: عودة، ص.72-71

إن استخدام مصطلح نظام الخلافة للإشارة إلى نظام الحكم الإسلامي لا ينبغي أن يُفهم منه أكثر من معنى الإشارة

إلى «رياسة عامة على الطريقة الإسلامية»، وهو لا يعني إلا مجموع المبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام.

ويكرر القرضاوي المعنى نفسه فيقول: «والدولة الإسلامية لا يهمها الشكل الذي تتخذه، ولا الاسم الذي يُطلق

عليها، وإن كانت تاريخيًّا يُعَّ عنها بالإمامة والخلافة وهما كلمتان لهما معنيان كبيران ». أمّا العوا، فيتقدم خطوة

إلى الأمام حين يفسر مقولة «الإسلام دين ودولة» بأن معناها «قبول المرجعية الإسلامية العامة التي تسمح بتعدد

الآراء وتنوعها في الشأن السياسي»، وأن نظام الخلافة هو «علَم على نظام الحكم في الدولة الإسلامية، ولا يعني

في مدلوله السياسي أو الدستوري أكثر من تنظيم رئاسة الدولة الإسلامية، ولذلك لم تستقر التسمية نفسها». لقد كان الخروج من شكل الخلافة مقدمة ضرورية للقول بفكرة «النظام الإسلامي» ومن ثم القبول بفكرة

الدولة الحديثة والمزاوجة بين الإمامة والدولة للوصول إلى مقولة «الدولة الإسلامية»، ولكن هذه المقايسة بين

الدولة والإمامة أَربكت تصوراتهم وكتاباتهم نتيجة هذه المزاوجة الهجينة بين مفهومين ينتميان إلى سياقين

متباعدين، وقد تجلى ذلك في عدة مظاهر: الجمع بين المتنافرات فهم يبدأون بإثبات وجود الدولة ووجوبها في الإسلام، واستعارة المفهوم الحديث للدولة من دون إدراك التنافر

بين شكلي السلطة: الخلافة والدولة؛ فعبد القادر عودة – مثلاً– استعار مكونات الدولة (الشعب، والسيادة،

والاستقلال، والإقليم) لإثبات وجودها في الإسلام، ثم عاد فتحدث عن «دار الإسلام» وجملةٍ من المفاهيم

التي تنتمي إلى منظومة الخلافة، ولا تنسجم مع مفهوم الدولة الحديث، كأهل الحل والعقد، وأن أهل الشورى

هم أهل الحل والعقد، وأنه «إذا زاد عدد الأئمة عن واحد فهم أئمة الكفر»، وبما أن المسلمين «جعلوا

لأنفسهم دولا وأئمة فما هم بمسلمين حقيقيين بوصف الإسلام، وعملهم كفر خالص إن فعلوه متعمدين غير

متأولين» وغير ذلك ممّا يرجع إلى منظومة الإمامة/الخلافة ويتناقض مع مفهوم الدولة. الجمع بين المشابهة والتفرد وهم حريصون على إيجاد الدولة الحديثة نفسها في الإسلام نصًّا وتاريخًا من جهة، وحريصون من جهة أخرى على

إيضاح أنها دولة فريدة لا شبيه لها من قبل أو من بعد، وهو ما تقدمت شواهده من نصوصهم في هذا البحث. ولكن

من طريف ما وقع هنا أن عبد القادر عودة يجعل من مزايا الحكم الإسلامي وتفرده أنه «إذا كان النظام الجمهوري

يشبه النظام الإسلامي من حيث اختيار الرئيس الأعلى للجمهورية، فإنه لا يوجد أي نظام جمهوري يسمح بانتخاب

رئيس الدولة لمدى الحياة كما يسمح بذلك النظام الإسلامي». ويقرر في موضع آخر أن «نيابة الخليفة عن الأمة ليست

موقوتة بمدة معيّنة... إذ لا معنى لتحديد مدة نيابة الخليفة ما دامت النيابة واجبة،... وليس ثمة نصوص صريحة

توجب أن يكون الخليفة في منصبه إلى وفاته، ولكن إجماع الأمة على هذا يقوم مقام النص».

وما يعتبره عودة ميزة للنظام الإسلامي يأتي القرضاوي فينقده - وهو لا يأتي إلى ذِكر عبد القادر عودة هنا -

73 المبارك، ص.56

74 القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.34-33

75 غليون والعوا، ص.106-105

76 انظر: عودة، ص.206

77 المصدر نفسه، ص.154

78 المصدر نفسه، ص.211

79 المصدر نفسه، ص 79-78 و.138

بأن الاحتجاج بالإجماع العملي هنا فيه «شيء من المغالطة»؛ فالإجماع الذي حصل يفيد شرعية استمرار مدة

الأمير مدى الحياة، وأنهم سكتوا عن مسألة تحديد مدة الحاكم، وأن مجرد السوابق العملية لا تحمل صفة الإلزام

التشريعي، وموضعُ القدوة من سيرة النبي وخلفائه أن ننتقي منها من الأنظمة والتشريعات ما يَصلح لزماننا

وبيئاتنا وأحوالنا في إطار النصوص العامة والمقاصد الكلية للشريعة. ويُقرر سعد الدين العثماني أن انتخاب

المسؤولين وتحديد مدة ولايتهم هما أمران اجتهاديان، بل إن محمد سليم العوا يذهب أبعد من ذلك إلى

«وجوب» تحديد مدة بقاء الحاكم في الاجتهاد الإسلامي العصري؛ لأنه هو الذي يمنع الفوضى والفتنة، ويحول

دون الاستبداد والفساد، ويحقق مصالح المحكومين. ويرجع أصل المسألة إلى تقرير الفقهاء أن الخليفة لا يجوز عزله إذا تم عَقْدُ الإمامة له؛ مهما ظهر منه إلا بشروط

محددة، وعادة ما يتم التضييق فيها أيضًا، فجاء عودة فجعل ذلك مِيزة، ثم جاء عبد الرزاق السنهوري فأجاز

تحديد مدة تنصيب الخليفة، وصوّب ذلك توفيق الشاوي، ثم تم اعتبار المسألة اجتهادية وصولا إلى القول

بوجوب تحديد المدة، ولكنّ عقائدية التيار الوسطي، ودمجه بين «الإسلام» بأل التعريف وبين فهمه هو واجتهاده

هو، أوقعاه وأوقعانا في كثير من المشكلات! القطع في مسائل الاجتهاد الإمامة من مسائل السياسة التي تُبنَى على تحقيق المصالح، فالنص فيها يكاد يكون معدومًا؛ إلا في مسائل كلية

أو مبدئية، ولذلك كثيرًا ما يعتمد تيار الوسطية وغيرُه على تطبيقات التاريخ، أكانت السيرة النبوية أم الخلافة

الراشدة، فضلا عن الكتابات الفقهية. ولكن النظر إلى مجموع كتاباتهم يوضح تناقضهم بين القول بوجوب

الدولة وإلزامية فقههم لها، وبين تناقض اجتهاداتهم في مسائلها. يدافع عبد القادر عودة بشدة عن وجود نظام إسلامي «مبينَّ» اعتمادًا على مبدأ الشورى فقط فيقول: «وليس

سكوت الرسول عن التحدث عن نظام الحكم وقواعد الشورى بمؤثر على قيام الدولة التي قامت فعلا بتوفر

أركانها، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسكت عن نظام الحكم بل بيّنه خير بيان؛ فالقرآن جعل أمر

المسلمين شورى بينهم». ولكن محمد المبارك يقر بأن الإسلام لم يدخل في بيان تفاصيل الحكم، كما أنه لم يفرض

شكلا من أشكال الحكم محدد التفاصيل والجزئيات، وإنما قدّم مبادئ عامة، وترك التفصيلات لاجتهادات

البشر حسب أطوارهم وبيئاتهم وأحوالهم. ويذهب محمد سليم العوا إلى أن المسألة برمّتها اجتهادية فيقول:

«إن إثبات وجود نظام حكم محدد المعالم والتفاصيل في مصادر الإسلام الرئيسية: القرآن والسنّة أمرٌ دونه خَرْط

القَتاد»، وإن «الشأن السياسي كله أمر اجتهاد موكول إلى المؤهلين له من العلماء». وما يذهب إليه العوا هو الفهم الدقيق للمسألة كما يراها الفقهاء السابقون، فقد نصَّ الإمام الجويني على هذا الأصل

80 انظر: القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.84

81 انظر: سعد الدين العثماني، «الإسلام والدولة المدنية،» في: الخطيب [وآخرون]، ص.112

82 انظر: غليون والعوا، ص.113-111

83 انظر: «خلع الأئمة وانخلاعهم» في: الجويني، ص.98

84 انظر: عبد الرزاق أحمد السنهوري، فقه الخلافة وتطويرها لتصبح عصبة أمم شرقية، ترجمة نظرية الخلافة الجديدة نادية عبد الرزاق

السنهوري؛ مراجعة وتعليقات وتقديم توفيق محمد الشاوي، ط 2 (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، 1993196)، ص. وهي في الأصل

رسالة بالفرنسية نشُرت سنة.1926 م

85 عودة، ص.90

86 انظر: المبارك، ص 29 و.52

87 غليون والعوا، ص 103 و.110

فقال: «ولا مَطمعَ في وجدان نصٍّ من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة، والخبر المتواتر مُعْوِزٌ أيضًا، فآل مآلُ

الطلب في تصحيح المذهب إلى الإجماع»، وهي المصادر الثلاثة التي يُطلَب منها اليقين أو القطع في الأحكام.

ومع أن الجويني نفسه قال: «وأساليبُ العقول -بمجموعها- لا جتَوْل في أصول الإمامة وفروعها » لإثبات

أن مَدركها شرعيٌّ لا عقليٌّ، فإنه أقرّ لاحقًا بأن «معظم مسائل الإمامة عَرِيَّةٌ عن مسلك القطع، خَلِيَّةٌ عن مدارك

اليقين»، فآلت إلى اجتهادات الفقهاء بعقولهم في ضوء مبادئ الشرع وأصوله وما يحقق المصالح المبتغاة. وإذا كانت مسائل السياسة متروكة للاجتهاد البشري ولا إلزام فيها إالّ في الكليات أو المبادئ، فكيف يَسوغ

القول فيها - فضلا عن تفاصيلها - إنها ركن من أركان الإسلام، أو الحديثُ فيها بلغة «أحكام الله» أو «أحكام

الشرع» كما يفعل كثيرًا عبد القادر عودة وغيرُه؟!

وممّا يوضح هذا الإشكال من كلام تيار الوسطية نفسه، أن عودة قالب الإجماع على عدم تحديد مدة الحاكم ثم خالفه

اللاحقون، وأنه إذا كان عودة قد جزم بأنه «إذا زاد عدد الأئمة عن واحد فهم أئمة الكفر»، فإن العوا يقول: «إن

القبول الإسلامي العام بفكرة تعدد الدول الإسلامية هو اجتهاد جديد في مقابلة الاجتهاد القديم الذي اعتنقه الفقه

الموروث القائل بأنه لا يجوز أن يكون هناك حاكمان (خليفتان) في وقت واحد»، وإذا كانت الشورى مندوبة عند

الفقهاء السابقين، لأن من صفات الإمام/الحاكم: «الاستقلال بتأدية الأصوب شرعًا في الأمور المنُوطة به»، ذلك

أن «سرّ الإمامة استتباع الآراء، ومجَعها على رأي صائب، ومن ضرورة ذلك استقلالُه »، فإنهاحتَولت مع تيار

الوسطية إلى «صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا بتوفرها وأنها فريضة إسلامية واجبة» بتعبير عودة، وهي

«أصل من أصول الدين» بتعبير الغنوشي، و»مُلزِمة» عند القرضاوي الذي يقول: «أنا من المطالبين بالديمقراطية

بوصفها الوسيلة الميسورة والمنضبطة لتحقيق هدفنا في الحياة الكريمة». وإذا كان القرضاوي لا يجد حرجًا في أن

«تقترب الشورى الإسلامية من روح الديمقراطية، [أو أن] يقترب جوهر الديمقراطية من روح الشورى»، فإن

عودة يرى فرقًا بين الشورى والديمقراطية، وأن البلاد الديمقراطية فشلت في تطبيق مبدأ الشورى، ويشتكي من

«الجهل الذي بلغ ببعض المسلمين أن يؤمنوا بالديمقراطية والاشتراكية»، وحيُمّل الحكومات الإسلامية مسؤولية

«دَفع المسلمين إلى الضلالات الأوروبية». الانتقائية وتحوير المفاهيم يستعير تيار الوسطية من الدولة الحديثة بعض آلياتها لتصبح جزءًا من النظام الإسلامي، أو يعيدون اكتشاف

أجزاء من التراث الفقهي من خلال بعض المفاهيم الحديثة لتركيب الإمامة على صورة الدولة فيَخرجون بنظام

لا هو تراثي ولا هو حديث، ومن دون بناء منهج كلي مطرد حيَكم تصوراتهم لفقه الدولة. ولتوضيح ذلك نقول إن ثمة مسألة منهجية في الفقه الإسلامي وهي أن ما يُقطَع به من مسائل وأحكام مرَدّه إلى

واحد من ثلاثة مصادر، كما أشار الجويني:نص قرآن لا يحتمل التأويل؛ نص متواتر؛ إجماع. فلو حاكمنا فقه تيار

88 الجويني، ص.61

89 المصدر نفسه، ص.60

90 المصدر نفسه، ص.75

91 غليون والعوا، ص.111-110

92 الجويني، ص.87-86

93 عودة، ص.157

94 الغنوشي، «مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام،» ص.88

95 القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.146-145

96 عودة، ص 78. للحديث عن الفرق بينهما، وص 153 للحديث عن فشل البلاد الديمقراطية، وص 216 للحديث عن جهل

المسلمين في اتباع الديمقراطية، وص 219 للحديث عن اتباع الضلالات الأوروبية.

الوسطية إلى هذا الأصل المنهجي الأصولي سنجد أن هناك مسائل عدة حكى الجويني فيها الإجماع، ولكن تيار

الوسطية خالفها في لحظة مواءمته بين الإمامة والدولة الحديثة من دون تأصيل منهجي منضبط ومطرد يوضح لماذا

يخالف الإجماعات هنا ويحتج بها في موضع آخر، وسنقتصر هنا -لتوضيح ذلك- على مسألة تعيين الإمام/الرئيس،

فقد واجهوا فيها عدة مشكلات تتلخص في ثلاث مسائل هي:طرائق تعيين الإمام/الرئيس، والموقف من ولاية

العهد والاستخلاف؛ من الذي يبايع، وكيف تتحقق البيعة الآن؛ الفئات التي تُستثنى من حق اختيار الحاكم. أ- طرائق تعيين الإمام يرى الفقهاء جميعًا أن الإمامة تنعقد بالبيعة. وقد دافع الجويني عن قطعية هذا المسلك فقال: «محلّ تَعلقنا بالإجماع

أن الهمَّ بالبيعة والإقدامَ عليها في الزمان المتطاول كان أمرًا جازمًا يستند إلى مقاليد الولايات قبل استمرارها،

ويُربط به عَقدُ الولاية والرايات قبل استقرارها، ثم تَناقله الخلائقُ على تفَنُّن الطرائق، ولم يُبْدِ أحدٌ من صَحب

رسول الله صلى الله عليه وسلم نكيرًا، ويستحيل ذلك من غير قاطع أحاط به المُجمِعون».

وقد قَبل تيار الوسطية بمبدأ البيعة، ولكن بعد تحويره عبر ثلاث مراحل: بتفسيره وتكييفه على أنه عقد اجتماعي

بين الأمة والحاكم ليتوافق مع الفكرة الحديثة للدولة وتقييد سلطات الحاكم، ثم بتكييف النظام الانتخابي مع

البيعة، ثم بتوسيع مفهوم أهل الحل والعقد الذين لهم – وحدهم – صلاحية الاختيار. وقد اضطروا بعد ذلك

إلى سحب الشرعية من الطرائق الأخرى التي تحصل بها البيعة للحاكم كولاية العهد والاستخلاف، لأنها لا

تتوافق مع المفهوم الحديث للدولة، وأعادوا قراءة التراث الفقهي أو الوقائع التاريخية لتتوافق مع الفهم الجديد.

المرحلة الأولى: تكييف الإمامة على أنها تعاقدية

اعتمدت الدولة الحديثة على مبدأ «سيادة الأمة»، وبه أخذت الثورة الفرنسية التي أرادت أن تُسقط الحق الإلهي

للملوك. وكان رفاعة رافع الطهطاوي قد اندفع لشرح الدستور الفرنسي ومبدأ سيادة الأمة، وحاول مماثلتَه

بالإجماع في الفقه الإسلامي. وكان لافتًا فيما بعد استخدامُ المبدأ نفسه في النص الذي كتبته جماعة من الأتراك

وظهر عام 1922 بعنوان الخلافة وسلطة الأمة واعتبُر تمهيدًا لسقوط الخلافة وفصل الدين عن الدولة. وبالرغم

من انشغال الإصلاحيين بالأفكار الحديثة والانخراط فيها ومواءمتها مع الموروث، فإن أفكار التيار الرئيسي

فيهم وكتاباته لم تنفتح كثيرًا على الوعي بالجمهور فيما يبدو؛ فمحمد عبده كان يرى أن الوقت لا يزال مبكرًا

على فكرة الاقتراع العام، كما أن الدستور العثماني لعام 1876 لم يتضمن تلك الفكرة وإن اعترف بمبدأ التمثيل.

أضف إلى ذلك أن فكرة «المستبد العادل» التي نُسبت إلى الأفغاني ومحمد عبده تشير إلى هذا المعنى على نحو ما.

ولكن بعد سقوط الخلافة وقيام الدولة الوطنية، فرضت فكرة «التمثيل» نفسها، فحاول حسن البنّا الملاءمة

بين بعض المفاهيم الحديثة والموروث، فقرر أن نظام الحكم الإسلامي يقوم على ثلاث دعائم: مسؤولية الحاكم

ووحدة الأمة واحترام إرادتها، ثم أشار في موضع آخر إلى أن هذه الدعائم الثلاث هي ما يقوله علماء الفقه

الدستوري عن «النظام النيابي»، وأنه لا تنافي بين الإسلام وبينه. وبناء على هذه الرؤية، قرر أن الحاكم «أجير

وعامل لدى الناس»، واكتشف أن فكرة العقد الاجتماعي موجودة في نصٍّ لأبي بكر الصديق يقول فيه: «أيها

الناس كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم، فأنا الآن أحترف لكم فافرضوا لي من بيت مالكم»، وعلق عليه

97 الجويني، ص.56

98 انظر: السيد وبلقزيز، ص.16

99 لم أعثر على مصدر لهذا النص بهذا اللفظ، لكن روى ابن سعد في الطبقات عن عائشة قالت: «لما ولي أبو بكر قال: قد علم قومي

أن حرفتي لم تكن لتعجز عن مؤنة أهلي، وقد شُغلت بأمر المسلمين، وسأحترف للمسلمين في مالهم، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال.»

وانظر روايات أخرى في: محمد ناصر الدينالألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، باشراف محمد زهير الشاويش، 8 ج،

ط 2 (بيروت: المكتب الإسلامي، 19858)، ج، ص.232

بالقول: «وهو بهذا قد فرسّ نظرية العقد الاجتماعي أفضل وأعدل تفسير، بل هو وضع أساسه، فما هو إلا تعاقد

بين الأمة والحاكم على رعاية المصالح العامة». لم يخرج أتباع البنّا عن التصور الذي رسمه؛ فعودة يصف الحكام بأنهم «خدام للأمة ومنفّذون لإرادتها، وتكون

الأمة هي مصدر سلطانهم». وتبعه الغنوشي في وصفهم بأنهم «خُدّام»، وأن مشروعية الحكم في الإسلام

مبنية على تعاقد حقيقي بين الحاكم والمحكوم «كما هي نظرية العقد الاجتماعي»، ولغتهما هنا أقرب إلى اللغة

الدستورية والأثر الحديث فيها واضح جدًّا. أمّا القرضاوي، فكانت لغته أقرب إلى اللغة الفقهية التراثية حين قال:

«الحاكم في الإسلام وكيل عن الأمة، بل أجير عندها، فلها عليه ولاية الموكِّل على الوكيل، والمستأجِر على الأجير»،

«ومن حق الأصيل أن يحاسب الوكيل أو يسحب منه الوكالة إن شاء، وخصوصًا إذا أخلّ بموجباتها»، ولكنه

يتجاوز هنا الموروث الفقهي الذي يجعل ولاية الحاكم مُلزمة مدى الحياة ما لم يطرأ عليه طارئ خمُلّ بالولاية. ويرجع الفضل في إدراكهم لفكرة «سلطان الأمة» إلى رشيد رضا في حقيقة الأمر، لذلك يخصص عبد القادر

عودة -بالعودة إلى رشيد رضا- مبحثًا بعنوان «سلطان الأمة»، يوضح فيه أن «الجماعة هي مصدر السلطان،

ويمثّلها أولو الأمر من المسلمين وأهلُ الحل والعقد والرأي المطاع»، وأن «أهل الشورى في الواقع ليسوا إالّ

نواب الأمة». ويعود إلى مسألة التعاقد التي تحدث عنها البنّا فيقرر أن الإمامة «تنعقد من طريق واحد

مشروع لا ثاني له هو اختيار أهل الحل والعقد للإمام أو الخليفة، وقبول الإمام أو الخليفة لمنصب الخلافة»، وأنها

عقدٌ طرفاه: الخليفة من جهة، وأولو الرأي في الأمة من جهة أخرى. ولكن فكرة سيادة الأمة – بالمعنى الحديث - ظلّت موضع جدل لدى غير الحزبيين وبعض القانونيين. ويبدو

أن المواءمات السابقة لم تُقْنع؛ ففي الستينيات كتب محمد البهي أن الإسلام لا يعرف مبدأ سلطة الشعب، وتبعه

القانوني عبد الحميد متولي عام 1970 فرأى أن مبدأ سيادة الأمة ليس إسلاميًّا، في حين لم يرَ فتحي عثمان

ومحمد رضا محرّم بديلا من الأخذ بمبدأ سيادة الأمة في الثمانينيات، ثم جاء القرضاوي فعاد إلى المواءمة التي

بدأها البنّا فقال: «دولة الإسلام توافق الديمقراطية الغربية في ضرورة اختيار الأمة لمن يحكمها، وتوافقها في أنه

مسؤول أمام ممثّليها من أهل الشورى (أهل الحل والعقد)، وتزيد عليها أنها تجعل لكل فرد في الأمة – رجلا

كان أو امرأة – أن ينصح للحاكم،... ويمتاز نظام الشورى بأن له حدودًا لا يتعداها، أمّا الديمقراطية الغربية

فتستطيع أن تتحلل من أي شيء». ولكن هذا المسلك الذي سلكه الوسطيون اصطدم بطريقين قررهما الفقهاء السابقون لتعيين الإمام، وهما:

الاستخلاف وولاية العهد، وبطريق ثالث اضطر الفقهاء إلى شرعنته لاحقًا لاعتبارات سياسية وفقهية

وهو «إمارة التغلب». وقد جرى التاريخ الإسلامي كله على هذه الأنماط الثلاثة، فالعهد الراشد جرى على

100 عودة، ص.157

101 الغنوشي، «مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام،» ص 84 و.93

102 القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص 35، و.136

103 عودة، ص.157

104 المصدر نفسه، ص.110

105 عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث: مظاهرها، أسبابها، علاجها، تقديم عبد الحليم محمود، ط 3

منقحة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985)، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت سنة 1970 م وقدّم لها عبد الحليم محمود،

شيخ الأزهر.

106 محمد رضا محرم، تحديث العقل السياسي الإسلامي: رؤية إسلامية تقدمية، كتاب الفكر؛ 4 (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر

والتوزيع،.)1986

107 القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص 37-36 بتصرف يسير بتقديم وتأخير.

الاستخلاف، وما بعده جرى على ولاية العهد ثم التغلب، وهو ما اضطر عبد القادر عودة إلى إعادة قراءة

التاريخ نفسه ليتلاءم مع الأفكار الجديدة؛ ففيما يخص الاستخلاف، خلص إلى أن «اختيار الخليفة القائم لمن يأتي

بعده ليس إالّ ترشيحًا متوقفًا على قبول أهل الرأي، فإن قبلوا هذا الترشيح بايعوا المرشح وإالّ رفضوه ورشّحوا

غيره»، ومن ثم انتقد الفقهاء السابقين بأنهم «جتَوّزوا في التعبير وسمّوا ما حدث من ترشيح أبي بكر لعمر

بيعة، ورتّبوا على ذلك نتيجة غير صحيحة تخالف كل المخالفة نصوص الشريعة الإسلامية وروحها، حيث

أجازوا للإمام القائم أن يعقد البيعة لمن يخلفه بعهد منه، حتى لقد قالوا: إن هذه المسألة ممّا انعقد الإجماع على

جوازها ووقع الاتفاق على صحتها».

أمّا في ما يخص ولاية العهد، فقد قال فيها الإمام الجويني: «وأصلُ تولية العهد ثابتٌ قطعًا، مُسْتَنِدٌ إلى إجماع

محلَةِ الشريعة»، وقال: الذي يجب القطع فيه أن تنفيذ عهد الإمام لا يُشترط فيه رضا أهل الاختيار. ولكن

عودة يرى في ولاية العهد ما رآه في الاستخلاف، فهي ترشيح وليس لها في ذاتها أثر شرعي، قال: وقد جتَ وّز

الفقهاء في ولاية العهد كما تجوزوا في الاستخلاف، واعتبروا ولاية العهد عقدًا للإمامة، ثم راح يفاضل بين

الاستخلاف وولاية العهد، بأن الأول مقصود به النصح ومصلحة الأمة والثاني يُقصد به مصلحة أسرة الخليفة،

والأول يقوم على التجرد والثاني يقوم على المحاباة، والأول يرمي إلى إقامة الشورى والثاني يرمي إلى إقامة الملك

العضوض، ثم راح يوضح كيف أن المسلمين جميعًا ارتكبوا جملة خيانات بقبولهم بذلك، وكيف أنهم خانوا الله

والخلافة وأمانة الاستخلاف وغير ذلك من أنواع الخيانات التي يعدّدها، وكذلك الشأن في إمامة التغلب،

ولكنه قرر بعدها أصلا مه وهو: «أن كل وضع مخالف للإسلام يجب أن يزول مهما كلف ذلك من تضحية؛ لأن

في ذلك إقامة للإسلام، والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ليقيموا بها الإسلام». وإذا كان عودة قد قام بهذه المراجعة، فإن غيره اكتفى بتقرير المسألة الأولى من دون التعرض لما عداها. المرحلة الثانية: تكييف النظام الانتخابي على أنه شهادة يوضح حسن البنّا أن النظام النيابي يقوم على سلطة الأمة واحترام إرادتها، وأننا نقلناه عن أوروبا. ويقرر أنه

«ليس في قواعده ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم». ثم جاء القرضاوي فاعتبر الانتخاب

مجرد آلية كالديمقراطية، وقام ب»تحويره» حتى يفقد جنسيته الأولى ويعربّ عن «روحنا»، بحسب تعبيره.

هذا «التحوير» -بتعبير القرضاوي- تمّ بالقول: إن «نظام الانتخاب أو التصويت -في نظر الإسلام- شهادة

للمرشح بالصلاحية، فيجب أن يتوفر في صاحب الصوت ما يتوفر في الشاهد من الشروط بأن يكون عدلا

مرضيّ السيرة». ثم أجرى عليها (بعض) أحكام الشهادة في الفقه الإسلامي بالنسبة إلى الشاهد والمرشَّح

(المشهود له)، من عدالة الشهود، والشهادة بالحق، وإثم كَتْمها والتخلّف عنها، وإثم إعطائها لغير مستحقها،

قال: «وبإضافة هذه الضوابط والتوجيهات نجعله نظامًا إسلاميًّا وإن كان في الأصل مقتبسًا من عند غيرنا».

108 عودة، ص.116

109 المصدر نفسه، ص.117

110 الجويني، ص 134 و.139

111 عودة، ص.121-120

112 المصدر نفسه، ص.125-123

113 المصدر نفسه، ص.128

114 القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.138

115 المصدر نفسه 139-138، وتجدر الإشارة هنا إلى أن البنا يذهب إلى أن النظام الانتخابي هو ممارسة حقيقية للشورى، وفهمَ منه، ص

محمد عبد القادر أبو فارس أنه يذهب إلى كونه إجباريًّا، ويعلل ذلك بأنه شهادة. انظر: أبو فارس، ص.57

والانتخاب مثال إضافي على الانتقائية والتركيب الهجين بين الموروث الفقهي والفكر الحديث، وإذا ما حاكمناه

إلى مرجعيته الفقهية نجد أن هذا «التحوير» لا يستقيم؛ لأن لا علاقة بين الشهادة والانتخاب، فالفقهاء يُعَرّفون

الشهادة بأنها: «إخبارٌ عن ثبوت الحق للغير على الغير في مجلس القضاء، وقد اختلفت صيغها عند الفقهاء تبعًا

لتضمنها شروطًا في قبولها كلفظ الشهادة ومجلس القضاء وغيره». وللشهادة حالتان: حتَمُّل وأداء، وهي

مختصة ببيان الحقوق، وكلُّ هذا غيرُ متحقق في الانتخاب الذي هو حقٌّ يجوز للناخب فيه الإقدام عليه كما يجوز

له الامتناع عنه، كما أن تغَُّ رأي الناخب من دورة لأخرى بناء على اعتبارات الأداء والبرنامج وطروء مؤثرات

جديدة يجعل من اعتباره شهادةً لا معنى له! وإنما تم تركيب الانتخاب على مسألة الشهادة لأنها أوفقُ مع توجه التعبئة والتحشيد للناخبين، في حين أن الانتخاب

يمكن اعتباره من باب الوكالة، وهو ما أدركه محمد سليم العوا حين قال: «ويجب أن تُنظَّم علاقة هؤلاء بمجموع

الأمة أو بناخبيهم على نحو ما تُنَظم علاقة الموكل بالوكيل، وأن يكون في الإمكان أن يفقد الواحد منهم وكالته

بقرار قضائي». ومن المفيد هنا أن القرضاوي اعتبر أن «الحاكم في نظر الإسلام وكيل عن الأمة» وبالتالي يمكن

للأصيل أن يسحب الوكالة كما سبق، وما ينطبق على الحاكم ينطبق هنا على المرشَّح أيًّا يكن، فما وجه التفرقة بينهما؟! المرحلة الثالثة: المواءمة وهي للمواءمة بين فكرة الدولة الحديثة والموروث الفقهي الذي يُعربّ عنه البنّا وعودة والقرضاوي عادة بأنه

«الإسلام»، ويتعلّق بالناخبين الذين يقابلهم عند الفقهاء «أهل الحل والعقد»، وهو ما سنفرده في المسألتين التاليتين. ب- أهل الحل والعقد أوضح الإمام الجويني أن ممّا يُقطَع به أن الإجماع ليس شرطًا في عقد الإمامة، وأن المسألة موكولة إلى أهل الحل

والعقد، فهُم أهل الشورى، وأنها قد تنعقد بشخص واحد ذي شوكة، وأنها قاصرة على أهل الحل والعقد

الذين هم فئة محدودة من الناس، أمّا الاختيار في الدولة الحديثة فيتم عبر النظام الانتخابي الذي يشترك فيه

جميع المواطنين. أدرك البنّا هذه المشكلة في سياق حديثه عن احترام رأي الأمة ونظام الانتخابات، فقال: «إن الإسلام لم يشترط

استبانة رأي أفرادها جميعًا في كل نازلة وهو المُعرَبّ عن بالاصطلاح الحديث بالاستفتاء العام، ولكنه اكتفى

بالأحوال العادية بأهل الحل والعقد ولم يعيّنهم،... والظاهر من أقوال الفقهاء ووصفهم إياهم أن هذا الوصف

ينطبق على ثلاث فئات هم: الفقهاء المجتهدون...، وأهل الخبرة في الشؤون العامة، ومَن لهم نوع قيادة أو رئاسة

في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل». ثم تحدث عن انتخاب أهل الحل والعقد، وأن «الإسلام لا

يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد»، وهو بهذا أبقى اختيار الحاكم بيد هؤلاء، وطبّق آلية

الانتخاب على اختيار أهل الرأي والمشورة فقط. لم يتقدم عبد القادر عودة بالفكرة كثيرًا، وإنما التزم فيها بالرؤية الفقهية، ولكنه اجتهد في تأويلها تأويلا حديثًا

بالاستفادة من رشيد رضا، فرأى أن أهل الحل والعقد ينوبون عن الأمة، وأنهم إنما اختيروا «ليمثّلوا الأمة في

إبداء رأيها في أمورها التي جعلها الله شورى بين المسلمين جميعًا»، ونحوَه فعل الغنوشي الذي لم يخرج – فيما

يبدو- عن نص البنّا، إذ رأى أن من العوامل التي حالت - أو حت- دون التردّي في الاستبداد: «أن دولة ول

116 الموسوعة الفقهية، 39 ج (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2001-1983[1)]، ج، ص.235

117 محمد سليم العوا، الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ط 2 جديدة مزيدة ومنقحة (الدوحة: [المؤلف]، 1998.53)، ص

118 عودة، ص.157

الإسلام يتمتع فيها العلماء وقادة الرأي العام وزعماء العشائر والطوائف وكل ممثلي الشعب بمكانة عظيمة؛

باعتبارهم أهلَّ الحل والعقد؛ بما يجعل سلطان الحاكم... سلطانًا تنفيذيًّا محدودًا جدًّا لصالح سلطان الشريعة

والمجتمع وسائر المؤسسات الممثلة لهما». ولكن القرضاوي، الذي تجاوز مفهوم «أهل الحل والعقد»، تحدث عن الانتخاب بوصفه نوعًا من الشهادة،

ولكن لما كان الفقهاء يشترطون في الشاهد (يضيف القرضاوي المرشّح أيضًا) أن يكون عدلاًّ مَرضْي السيرة،

وهذا لا يتناسب مع الانتخابات في الدولة الحديثة، فقد اضطر إلى القول: «يمكننا أن نخفف من شروط العدالة

وأوصافها بما يناسب المقام ويمكّن أكبر عدد من المواطنين من الشهادة، ولا يُستبعد إلا من أثبت عليه القضاء

جريمة مخلة بالشرف ونحوها». وهو يرى أن جوهر الديمقراطية (حكم الشعب) لا يَلزم منه رفض حاكمية

الله وإنما المقصود به رفض حكم الفرد، كما أن «حكم الأكثرية» موجود في الشريعة الإسلامية بالاستناد إلى

نصوص ووقائع تاريخية، وقد أخذ الفقهاء برأي الأكثرية والجمهور، ورجحوا بالعدد. مرةً أخرى نحن أمام تطور النظر إلى فكرة مبدأ سيادة الشعب وولايته على نفسه بتعبير محمد مهدي شمس الدين.

وتُشكل الشورى بوابة هذا النقاش والمدخل إلى فكرة «التمثيل» الشعبي، ولذلك ص الوسطيون الشورى

فريضة أو ركنًا في الإسلام حتى جعلها خالد محمد خالد هي الإسلام ذاته، وأقاموا عليها النظام الإسلاميّ

كله، واستعملوها كثيرًا في الجدال مع الديمقراطية، وأنفقوا الكثير من الوقت في إيضاح الفروق بينهما، إلى

أن صاروا إلى القول بالمرادفة أو بقبول الديمقراطية بوصفها وسيلة منضبطة. ولكنهم تجاهلوا – في مَعْرض

السجال مع الفكر العلماني وإثبات وجود نظام إسلامي مكتمل وناجز وقديم- أن فكرة الشورى لم تتطور لدى

المسلمين الأوائل إلى سلطة أو إرادة الجمهور، وهي لا تأتي في كلام الجويني - مثلاً– إلا في سياق التنفل، ويعربّ

عنها بالندب. وهو ليس بِدعًا في ذلك، فجماهير الفقهاء رأَوا أنها مُعلمة لا مُلزِمة؛ لأن من شروط الإمام

الاستقلال بالأمر، وحتى حينما تم الأخذ بها في العصر الراشدي كانت محصورة ومقيدة بفئة محدودة من كبار

الصحابة من المهاجرين والسابقين إلى الإسلام، إلى أن ظهرت مقولة «أهل الحل والعقد» التي تضم فئة محدودة

وغامضة في كلام الفقهاء. ويتضح من كلام البنّا السابق أنه لمس هذا الغموض، فراح يجتهد في تعيين الفئات

بناءً على «الصفات» التي قررها الفقهاء لأهل الحل والعقد؛ لأنهم لم يحدّدوهم، ثم جاء القرضاوي ففتح الفقه

السياسي على الجمهور من باب الشهادة وإن بقي كلامه مرتبكًا بسبب أن الشهادة يُشرتَط فيها العدالة، وهو ما

اضطره إلى التخفيف منها لتشمل أكبر عدد من الناس. وأحسب أن فكرة «أهل الحل والعقد» تكوّنت عند الفقهاء السابقين من جهتين: الأولىمن مفهوم «أولي الأمر»

الذي فرُسّ بالعلماء والأمراء، والثانية من مفهوم «السواد الأعظم» الذي جاء في بعض الأحاديث. وقد ظهرت

فكرة «السواد الأعظم» عند الأئمة السابقين في سياقين: الأولفي موضوع الفرقة الناجية من النار بين الفِرق التي

تتفرق عليها الأمة، وهي هنا تأخذ بُعدًا عقديًّا كلاميًّا، والثانيفي تفسير «الجماعة» الواجب التزامها وعدم التفرق

119 الغنوشي، «مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام،» ص.95

120 القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص.138

121 انظر: المصدر نفسه، ص.143-139

122 اعتبر القرضاوي ذلك مبالغة منه. انظر: المصدر نفسه، ص.145

123 انظر: الجويني، ص.86

124 مثل: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم». انظر، الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد

القزويني (ت 275 ه)»، سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، حديث 3950، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، رحمه الله تعالى

(القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، لعيسى البابي الحلبي، سنة 1372 ه)، ج 2، ص.1303

عليها وأمرُها مجتمِع، كما ورد في الأحاديث أيضًا، وهي هنا تأخذ بُعدًا سياسيًّا متعلقًا بالإمام المجتمَع عليه.

وقد اختُلف في معنى «السواد الأعظم» في سياق المحاججات الكلامية والموقف من العامة؛ فالكثيرون يتفقون

على أن المقصود به معظم الناس وكافّتهم من أهل العلم والدين وغيرهم. ويفسر الإمام إسحاق بن راهويه

(238 ه) «السواد الأعظم» فيقول: «لو سألتَ الجهال عن السواد الأعظم لقالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون

أن الجماعة عالمٌمتمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة». ويخلص

الشاطبي بعد مناقشة إلى القول: «الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، سواء ضموا إليهم العوامّ

أم لا»، ويَفترض صورة يخالف فيها العوامُّ جماعةَ العلماء، فيقول: «فلا يقول أحد إن اتباع جماعة العوام هو

المطلوب، وإن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد

الأعظم وإن قلّوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم». ومع هذا كله بقيت فكرة «أهل الحل والعقد» محصورة في فئة محدودة، وبقي الرأي العام والسائد هو تهميش العامة

وتغييب إرادتهم ورأيهم؛ فالفقه السياسي الذي سُمّي «سياسة شرعية» هو نتاج عقلية الفقه العام نفسه، «قاس فيه

الفقهاء اختياراته وإجماعاته على اختياراتهم وإجماعاتهم فصار صناعة قلّة لا مدخل للعامة والغوغاء فيها». ثم

أدى مسار التاريخ الإسلامي إلى تهميش فكرة «أهل الحل والعقد» أيضًا؛ لأن الحكم سار على الاستخلاف أولا ثم

ولاية العهد ثانيًا، ثم التغلب ثالثًا، وهو ما اعترف الفقهاء بشرعيته لاحقًا، ولذلك تحولت «الشورى» إلى فضيلة

أخلاقية ولم يُستَنجَد بها إلا على مشارف الأزمنة الحديثة لمقاومة الاستبداد وشرْعنة الفكرة الدستورية في بناء

الدولة العصرية، ثم استنجد بها الإسلاميون الوسطيون خلال سعيهم إلى بناء النظام الإسلامي في مقارعة العلمانيين

مع نشوء الدولة الوطنية التي ورثت الاستعمار، وهنا تحولت الشورى إلى ركن وفريضة وصارت هي قوام النظام

السياسي الإسلامي المتميز والفريد، في حين كان رشيد رضا -الذي انشغل كثيرًا بموضوع الشورى والتنظير

له، أكان في التفسير أم في المجلة – شديدَ الصراحة مع النفس حين قال: «لا تقل أيها المسلم: إن هذا الحكم [حكم

الشورى المقيَّد] أصلٌ من أصول ديننا، فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين ومن سيرة الخلفاء الراشدين لا من

معاشرة الأوربيين والوقوفِ على حال الغربيين؛ فإنه لولا الاعتبارُ بحال هؤلاء الناس ملَا فكرت أنتَ وأمثالك بأن

هذا من الإسلام، ولكان أسبقَ الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماءُ الدين في الأستانة وفي مصر ومراكش،

وهم هم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد حكومة الأفراد الاستبدادية، ويُعَد من أكبر أعوانها، ولما كان أكثر طلاب حكم

الشورى المقيّد هم الذين عرفوا أوروبا والأوروبيين، وقد سبقهم الوثنيون إلى ذلك».

ج-الفئات التي تُستثنى من حق اختيار الحاكم لم يستبعد الفقه السياسي الموروث العامةَ فقط من حق اختيار الحاكم، بل ضمّ إلى ذلك النساء والعبيد وأهل

125 انظر: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المري بن أبي زمنين، رياض الجنة بتخريج أصول السنة، تحقيق وتخريج وتعليق عبد الله بن

محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري (المدينة المنورة: مكتبة الغرباء الأثرية، 1995295)، ص، ومحمد بن علي الهروي، ذم الكلام وأهله،

تحقيق ودراسة عبد الرحمن بن عبد العزيز الشبل، 6 ج (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 2002-19981)، ج، ص.65

126 يقول ابن عساكر في معرض الدفاع عن عقيدة الأشعري وأتباعه: «لا عبرة بكثرة العوام ولا التفات إلى الجهال الغتام، وإنما الاعتبار

بأرباب العلم والاقتداء بأصحاب البصيرة والفهم». أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي

الحسن الأشعري، ط 3 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1984.331)، ص

127 انظر: أبو اسحق إبراهيم بن موسى الشاطبي، الاعتصام، تحقيق سليم بن عيد الهلالي (الخبر، السعودية: دار عفان، 19921)، ج،

ص.777-770

128 السيد وبلقزيز، ص.20

129 انظر في بيان ذلك: رضوان السيد، سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات (المنامة: بيت القرآن، 19972)، ج، ص 45

وما بعدها.

130 رشيد رضا، «منافع الأوروبيين ومضارهم، الاستبداد»، المنار، مج 10، ج 4، ص-282.283

الذمة. يقول الجويني: «ما نعلمه -قطعًا- أن النسوة لا مدخل لهن في ختَ الإمام وعَقْد الإمامة؛ فإنهن ما روجعن

قط، ولو استُشير في هذا الأمر امرأة لكان أحرى النساء وأجدرَهن بهذا الأمر فاطمةُ عليها السلام، ثم نسوةُ

رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهاتُ المؤمنين، ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنه ما كان لهن في هذا المجال مخاض

في مُنقرَض العصور ومَكرّ الدهور. وكذلك لا يُناطُ هذا الأمر بالعبيد وإن حوَوْا قصَب السبق في العلوم. ولا

تعَلُّق له بالعوامّ الذين لا يُعَدّون من العلماء وذوي الأحلام. ولا مَدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة. فخروج

هؤلاء عن منصب الحل والعقد ليس به خفَاء».

هذه أربعة أصناف تم القطع في إخراجها عن حق الاختيار مطلقًا، وهذا ممّا اصطدم به الوسطيون مع مرجعيتهم

الفقهية، ولذلك أنفقوا جهدًا كبيرًا في الكلام عن المرأة والعمل السياسي، وعن أهل الذمة و«غير المسلمين

في المجتمع الإسلامي»، ثم في الكلام عن «المواطَنة» التي استعيرت من الدولة الحديثة وتم تسكينها في الفقه

السياسي الإسلامي المعاصر أيضًا.

فهذه ثلاث مسائل وقع القطع فيها بحسب اجتهاد الجويني وغيره من الفقهاء والأصوليين، خالفها الوسطيون

في أثناء عملية المواءمة بين الإمامة والدولة الحديثة لبناء مقولة «الدولة الإسلامية» التي قدّموا فيها اجتهادات عدة

صدّروها باسم الإسلام لا على أنها اجتهادات خاصة بهم، مع أن منطقهم نفسه ومنطق الفقه الإسلامي يَقضيان بأن

ما كان من القطعيات -ممّا خالفوه- يستحق صفة «أحكام الله» أو «أحكام الإسلام» في مقابل ظنياتهم واجتهاداتهم

الشخصية. ولذلك، وقع البنّا أولا ثم متابعوه لاحقًا في مغالطة كبيرة جدًّا حين متَثلوا الإسلام وأصبحوا يتحدثون

باسمه؛ فحين جعلوا الحكومة أو الدولة ركنًا من أركانه واجهوا مشكلة عدم وجود شكل محدَّد للحكم وعدم

وجود تفاصيل محدَّدة تضاهي منجزات فكرة الدولة الحديثة، فراحوا يجتهدون في استنباط هذا النظام الإسلامي،

وفي سبيل ذلك اضطروا إلى توطين كثير من المفاهيم الحديثة ضمنه مع بعض التحوير تارة، ومع إعادة اكتشاف

أجزاء من التراث تارة أخرى، ولكن من منظار الأفكار الحديثة، كالشورى مثلا، لإثبات الاستقلالية والتميز من

باب صون الهوية والذاتية، وتحدثوا بعد ذلك بأن الإسلام يرى أو لا يرى أو يتفق أو لا يتفق.

ومرَدّ الإشكال كله إلى أنهم لم يقدّموا ذلك كله على أنه «اجتهاد» في فهم الإسلام وليس هو الإسلام، لكن ذلك

لم يكن متاحًا لهم في سياق المعركة المستعرة التي كانوا يخوضونها مع التغريب والدفاع عن الهوية من جهة، ومع

العلمانية وفصل الدين عن الدولة من جهة أخرى، وهذا شأن التنظيمات الأيديولوجية والعقائدية -أكانت

إسلامية أم علمانية- فهي منشغلة على الدوام بالأهداف العملية والتعبئة الجماهيرية وبالسجال الفكري، وهي

السمة التي طبَعت معظم الكتابات السياسية لتيار الوسطية، فلم يكن الهمّ المعرفي أو العلمي هو الدافعَ لها أو

الشاغلَ لتفكيرها في مثل هذه القضايا الراهنة والمُشْكلة في الوقت ذاته.

مركزية الدولة في فكر الوسطيين

أدّت دوافع الخوف على الهوية ومقاومة التغريب إلى الخوف على الشريعة من الاغتراب والتفريط في أحكامها،

خاصة مع احتدام الصراع على موقع الدين في المجتمع والدولة، وهو ما دفع إلى تعليق أهمية كبيرة على الدولة

والقول إنها فريضة شرعية يجب على كل مسلم ومسلمة السعي إليها -بتعبير عودة السابق- الأمر الذي يعني

ترتيب الإثم على تارك ذلك، وتجريم المتقاعس عن الوصول إلى إقامة الحكم الإسلامي -كما فعل البنّا- مع أن

التأثيم والتجريم معانٍشرعية لا يَسلم القول فيها بغير نص وحي. ولأن الفقه الموروث لا يساعدهم على هذا الفهم، فقد قدّموا فقهًا جديدًا تمامًا. صحيح أن الفقه الموروث يرى

131 الجويني، ص.62

وجوب نَصب الإمام، وأنه ضرورة ويلزَم عنه وجود سلطة، ولكن الإشكال يكمن في وجود هذا الإمام على صفة

أخرى غير الصفة المقررة فقهًا؛ فالبنّا ومتابعوه رسموا الإشكال على صورة مركّبة هي: وجود إمام، يحكم بالشريعة،

وهذه الصورة المركّبة جديدة على الفقه الإسلامي الموروث، فالفقهاء السابقون نظروا إلى الأمر نظرة غير مركّبة،

وهي ضرورة وجود الإمام، وسعَوا إلى أن يكون على صفات معيّنة لم تتحقق في الغالب عبر التاريخ، ولكنهم في

المقابل قدّموا اجتهادًا للواقع العملي فيمن عَرِيَ عن هذه الأوصاف، ففصلوا بين شخص الإمام وشكل الحكم،

وشرْعنوا ولاية العهد وإمامة المتغلب وإمامة الفاسق، بل حتى في الكفر اشترطوا أن يكون كفرًا صريحًا بوَاحًا

حتى خيُلع الإمام إن كان ذلك في الاستطاعة. كلُّ هذا يعني أنهم لم ينشغلوا بتغيير الحكم القائم، ولم يكن ذلك من

وظائفهم الدينية، فوظيفتهم استنباط الأحكام وتعبيد الناس لله ومدّ سلطان الشريعة على الناس بالدعوة. نشأ عن هذه الصورة المركّبة التي افترضوها (ضرورة وجود إمام يحكم بالشريعة) مقولةُ «الإسلام دين ودولة»،

بل القول: إن قيام مجتمع إسلامي شرطُه قيام حكم إسلامي خالص – كما يقول القرضاوي – «فالمجتمع لا يقوم

بلا حكم»، وهو ما عنى أسبقية الدولة على المجتمع، فالدولة هي التي «تعمل على تكوين المجتمع»، بل أكثر

من ذلك، إن «الإسلام يحتاج إلى دولة» لتثبيت عقائده وغرس الآداب والأخلاق، وإقامة الشعائر والعبادات،

فالصلوات تشرف عليها الدولة، والزكاة لا تؤدَّى إلا في ظل دولة، والصيام لا يتحقق على وجهه إلا في ظل

دولة، والحج لا يمكن أداؤه إلا في ظل دولة. وكان عبد القادر عودة قد سبَق إلى تقرير أن «طبيعة الإسلام تقتضي قيام الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية؛ فكل أمر

في القرآن والسنّة يقتضي تنفيذُ ه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية»، «والدين في الإسلام ضروري للدولة، والدولة

ضرورة من ضرورات الدين فلا يقام الدين بغير الدولة، ولا تصلح الدولة بغير الدين»، وكذلك فعل محمد

يوسف موسى والآخرون وصولا إلى القرضاوي، فكلهم يبرهن على ضرورة الدولة من مدخل «طبيعة الإسلام». يصوغ محمد المبارك المسألة على النحو التالي: «إن الدولة ضرورة في الإسلام، لأن تنفيذ أحكام القرآن ممتنع من

دون دولة، ولأن المفهوم القرآني للوجود لا بد له من إطار اجتماعي لكي يتحقق وهو الدولة الإسلامية، ثم لأن

النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أقام دولة». ولكن عبد القادر عودة بنى على ضرورة الدولة للإسلام إشكالا جديدًا حين رتّب على وجوب إقامة الشريعة

وجوب أن تختار الأمة مَن تكل إليه إقامة الشريعة وإمضاء أحكامها؛ «إذ لا يمكن عقلا أن تتواطأ الأمة كلها على

إقامة الشريعة، وإذا تواطأت على إقامتها فلا يمكن أن تتفق على طريقة التنفيذ»، وهو بهذا رهن الشريعة كلها

لقيام الدولة، من دون التفكير حتى في مفهوم الشريعة وأجزائها المتنوعة، وما يقام فرديًّا وفي جماعة، وما يحتاج

منها إلى سلطة/دولة، وما لا يحتاج! ولكنه ناقض نفسه في موضع آخر فقال: «الخطاب في التشريع الإسلامي

موجّه للجماعة وليس للخليفة أو الإمام، وإنما أقامت الجماعة الخليفة ليقيم أحكام الشريعة نيابة عن الجماعة،

فإذا ارتكب الإمام جريمة كان للجماعة – وهي صاحبة الحق الأول – أن تعاقبه على ما فعل تنفيذًا لما هي مخاطبة

به ومسؤولة عنه»، ولا ندري كيف أن تنفيذ الأمة المخاطَبة -أصالة-ً بالشريعة غيرُ معقول لديه، وتنفيذ

النائب عنها معقول لديه!

132 انظر: القرضاوي، الحل الإسلامي، ص.80-74

133 عودة، ص 60 و.63

134 انظر: موسى، ص.13-11

135 المبارك، ص 12

136 عودة، ص.96-95

137 المصدر نفسه، ص.137

يشير عودة هنا إلى مسألة شديدة الأهمية تنقض رؤيته السابقة ورؤية زملائه، وهي الإشارة إلى الخطاب الإلهي

ومتعلَّقاته، فالخطاب القرآني توَجه إلى المكلفين والناس والمؤمنين أفرادًا وجماعات، ولم يتوجه إلى السلطة أو أي

هيئة اعتبارية. وكثيرًا ما ركزت النصوص على المسؤولية الفردية، وهو ما مشى عليه تعريف الفقه/الشريعة بأنه

خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلَّفين، في حين أن طاعة أولي الأمر لا تأتي إلا في موضعين من القرآن، وفي

تفسيرهم كلام يطول. إن وظيفة الإمام/السلطة تنفيذ بعض الأحكام التي تحتاج إلى سلطة لتنفيذها، ومع ذلك فهذه لا تعدو كونها

مسألة تدبيرية بحتة، لأن وظيفة الحاكم تنفيذية، والمفترض أن أحكام الشريعة ثابتة ومقررة وما جيَِدّ يخضع

لاجتهاد العلماء، ومن هنا جاءت مقولة «النيابة» التي أخذها الوسطيون من الفقهاء. يقول الإمام الجويني:

«المسلمون هم المخاطَبون، والإمامُ-في التزام أحكام الإسلام- من الأنام، ولكنه مُستناب في تنفيذ كواحدٍ

الأحكام، فإذا نُفِّذت فلا مَطمع في مرجع»، وفي المقابل لا يتوقف وجود كل أمر شرعي على وجود سلطة

ومن هنا قال الجويني: «اتفق المسلمون قاطبة على أن لآحاد المسلمين وأفراد المستقلين بأنفسهم من المؤمنين أن

يأمروا بوجوه المعروف ويسعَوْا في إغاثة كل ملهوف ويشمّروا في إنقاذ المُشرفين على المهالك والحُتوف. وكذلك

اتفقوا على أن من رأى مضطرًّا مظلومًا مضطهَدًا مهضومًا وكان متمكّنًا من دفع مَنْ ظلمَه ومَنْع من غشَمه فله

أن يدفع عنه بكُل جهده وغاية أَيْده كما له أن يدفع عن نفسه».

وما بالغ في أهميته هؤلاء جاء الغنوشي فقلل منها حين قال: «ليست دولة الإسلام دولة شمولية، فهي تكاد تكون

مسلوبة من التشريع، ولا سيما التشريع الأصلي: تشريع العقائد والقيم والحلال والحرام والخير والشر، كما أنها

محجوبة عن السلطة الفكرية والتربوية، كما أن سلطانها محدود جدًّا في مجال السلطة المالية: سلطة فرض الضرائب

المحددة بالشريعة في قسم كبير منها، وسلطانها محدد كذلك في مجال القضاء تشريعًا وتنفيذًا فهذا المجال يتمتع

باستقلال كبير عن الحاكم وهو اختصاص لأهله»، وهو بهذا «يجعل سلطان الحاكم سلطانًا تنفيذيًّا محدودًا جدًّا

لصالح سلطان الشريعة والمجتمع وسائر المؤسسات الممثلة لهما»، فالدولة التي تضخمت وأصبحت محط

كل الأوامر، وأصبح الإسلام نفسه بحاجة إليها، يعود دورها هامشيًّا مع الغنوشي ليظهر المجتمع ومؤسساته

التي تغيب تمامًا عند مَن قبله!

إن مَرْكَزة الدولة بالنسبة إلى المجتمع والشريعة معًا أمر مبتدَع «يعربّ عن تأثّر الفكر الإسلامي المعاصر الشديد

بالفكر القومي الحديث السائد، ذلك أن هذا الفكر هو الذي يعطي للدولة هذه الأهمية الاستثنائية والخاصة

التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع، لأنه يطابق فيها بين هوية هذا المجتمع وقيمه ونظامه وغاياته». أمكن لنا بعد هذه القراءة تقديم تحليل نقديّ لأطروحة «الدولة الإسلامية»، وإيضاح أن مفهوم «الدولة

الإسلامية» يلفّه الغموض، ويلتبس فيه جملة مفاهيم (الدولة الحديثة، الخلافة، الإمامة، الحكم). وقد بلور

البحث الإشكالات التي تحيط بالتفكير السياسي الوسطي على مستوى المنظومة وعدم اتساقها أولا، ثم على

مستوى عدم دقة أطروحات أصحابها بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية، ذلك أن الفقه الحركي ارتكب جملة من

التوليفات التراثية والحديثة لبناء تصوراته عن المسألة السياسية وموقعها من المعتقد الإسلامي، حتى صار من

لا يؤمن بذلك منقوصَ الإسلام.

138 الجويني، ص.277-276

139 المصدر نفسه، ص.330

140 الغنوشي، «مبادئ الحكم والسلطة في الإسلام،» ص.95

141 غليون والعوا، ص.50