إخوان الصفا ومسألة تعدّد الآراء والمذاهب في عصرهم : أسباب اختلاف البشر وتنوّع الديانات في الرسالة الثانية والأربعين
The Ikhwan al-Safa and the Question of the Plurality of Opinions and Doctrines in their Age: Reasons for Human Differences a
الملخّص
في القرن الرابع الهجري القرن العاشر الميلادي، انتشرت رسائل إخوان الصفا، وبدأ الورّاقون نسخها وبيعها وتوزيعها في المكتبات والأزقة. وأحدثت حينذاك صدمة معرفيّة، وتضمّنت قراءات تجمع بين الدِّين والفلسفة، وتطمح إلى توحيد الديانات والمذاهب، وتطمع في إعادة إنتاج منظومة جامعة توحّد مختلف الآراء والمعتقدات في إطار مظلة أيديولوجيّة واحدة.
Abstract
In the fourth century AH/tenth century AD the Epistles of the Ikhwan al-Safa spread. Book dealers had them copied and sold and distributed them in bookshops and the streets. At that time the epistles caused a knowledge shock. They included a synthesis between religion and philosophy and aspired to the unification of religions and doctrines and sought to reproduce a system that combined different opinions and beliefs under a single ideological umbrella.
- إخوان الصفا
- المذاهب
- الديانات
- الفلسفة
- الاختلاف
- Ikhwan al-Safa
- Religion
- Doctrines
- Faith
أسباب اختلاف البشر وتنوّع الديانات في الرسالة الثانية والأربعين
مقدّمة
يشهد العالم العربي في أيامنا حالات من الفوضى الفكريّة أخذت تفرضها الظروف
السياسيّة المحيطة بتداعيات المرحلة الانتقاليّة
ومضاعفاتها، التي عصفت بالكثير من البلدان العربية من المحيط إلى الخليج. هذه اللحظة الزمنيّة
تعتمد في حراكها العشوائي على جملة آليات تتحكّم فيها مجموعة قوانين تجمع بين الواقع المتخثر وعدم استعداد الأنظمة لتقبّل حق الشعوب في التغيير. لا شكّ في أنّ هذه اللحظة استثنائيّة في التاريخ العربي
المعاصر، وهي تحمل في طيّاتها احتمالات كثيرة
مفتوحة على منعطفات غير واضحة الهوية. اللحظة
مهمّة وخطِرة، وهي في إطارها العريض موحّدة،
لكنّها في سياقاتها الخاصّة تتضمّن معطيات مشوّشة
سياسيًا وأيديولوجيًّا.
إنّ لحظة الفترة الانتقاليّة جديدة في حياتنا المعاصرة،
لكنّها ليست استثنائيّة في تجلّياتها العقائديّة والتنظيميّة؛
فالمشهد المضطرب في تحولّاته مرّت به الأمّة في محطّات
كثيرة، حين اختلطت في لحظاتها الانتقاليّة تصوّرات
أيديولوجيّة حاولت في وقتها الإجابة عن أسئلة لا
تزال راهنة في حاضرنا. أبرز تلك المحطّات السياسية في تطوّر وعي الأمة
تمثّلت في تلك اللحظات الانتقاليّة، حين خرجت
الجماعات الأهليّة من تحت مظلة الخلافة الأمويّة
(عاصمتها دمشق) إلى مظلّة الخلافة العباسيّة
(عاصمتها البصرة ثم بغداد). هذا الانتقال الحاسم سياسيًا ساهم في زعزعة القواعد الفكريّة المتعارف
عليها، وأعاد هيكلة المفاهيم في قنوات أيديولوجية جمعت بين الفكر والعمران، وهو ما أدى دوره في
تأسيس منظومات فقهيّة وفلسفيّة تجلّت في ظهور
الفِرَق الدينيّة والأحزاب العقائديّة (فِرَق المعتزلة،
وحركة إخوان الصفا) التي عرفت تموّجات
وانقلابات إلى أنْ تلاشت واضمحلّت مع تعاقب
الزمن. آنذاك، في القرن الرابع الهجري (القرن العاشر
الميلادي)، انتشرت رسائل إخوان الصفا، وبدأ
الورّاقون نسخها وبيعها وتوزيعها في المكتبات
والأزقة. وأحدثت حينذاك صدمة معرفيّة، وتضمّنت
قراءات تجمع بين الدِّين والفلسفة، وتطمح إلى توحيد
الديانات والمذاهب، وتطمع في إعادة إنتاج منظومة
جامعة توحّد مختلف الآراء والمعتقدات في إطار مظلة
أيديولوجيّة واحدة.
هذه الحركة العقائديّة جاءت في لحظة زمنيّة انتقالية،
وولدت لأسباب وحاجات ترافقت مع تحولّات
إقليميّة أحاطت بالخلافة العباسيّة؛ فإخوان الصفا،
بوصفهم حركة سياسيّة – فكرية جاءت استجابة
للظروف وحاولت الإجابة عن أسئلة، شكّلت
وقتذاك تحدّيًا لمختلف المدارس المذهبيّة والفِرَق
الإسلاميّة؛ فالحركة تأسست بناءً على متطلّبات
ومعطيات، ولبّت دعوة شرائح نخبة أخذت تعاني
الفراغ الناجم عن انهيار فِرَق المعتزلة وتبعثرها بعد أنْ
دخلت في خطوط تماس تصادميّة مع الدولة من جهة
والمعارضة العقائديّة لتوجّهاتها الفلسفية من جهة
أخرى. وشكّل هذا الفراغ المعطوف على ضياع الهويّة
السياسيّة خطوة ضروريّة حفّزت بعض المثقّفين على
التدخّل والشروع في تشكيل حركة سرّية تؤلف
منشورات (رسائل) تبحث وترد على الأسئلة الحائرة
بشأن الدِّين والفلسفة والكون والبداية والنهاية
والإنسان والآخرة، وغيرها من مباحث تجيب عامّ
كان معروضًا من قضايا في زمنهم.
لماذا الرسالة الثانية والأربعون؟
لماذا اختيرت الرسالة الثانية والأربعون؟ فكل
رسائل إخوان الصفا مهمّة، وهي تحتاج مجتمعة إلى
دراسة مفصّلة للتعرّف إلى داخليّات عصر كان يمرّ
بمرحلة انتقاليّة ويعيش لحظة اضطراب سياسي ناتجة
من انقلابات في القصر، معطوفة على انقسامات في أطراف الخلافة وخروج دويلات في محيطها أو على
تخومها العربية. فالرسائل في النهاية كُتبت تحت تأثير إيقاع الأزمة العامة، وجاءت للرد على أسئلة كانت متداولة في المساجد والجوامع بشأن هوية المسلم: من هو؟ وبماذا يختلف عن غيره؟ وكيف يمكن تجاوز مأزق الهوية والولاء؟ وما هي الأسباب التي دفعت الناس إلى الاختلاف؟ وكيف يمكن إعادة توحيد البشر تحت قبّة جامعة؟ والرسائل في
إطارها العريض تستحقّ التوقّف وإعادة القراءة
لأهنّا تكشف من جانب عن أزمة عايشتها النخبة في
القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وتردّ من
جانب آخر على حاجات معاصرة تشهد الآن تداول الأسئلة نفسها؟ بهذا المعنى التاريخي – المعاصر تكمن أهميّة الرسالة
الثانية والأربعين؛ فهي تعمد إلى تأويل أسباب اختلاف البشر والعوامل الموضوعيّة والذاتيّة التي
أدّت إلى تعدّد الأديان وتنوّع الآراء والمذاهب. وهي
في إطارها العريض تُعتبر معاصرة، وغير بعيدة في
منهجها عن قراءات اجتماعيّة حديثة تربط التنوّع
الثقافي باختلاف ظروف المكان والزمان والمناخ والطبيعة والنشأة والتربية الاجتماعية. تردّ الرسالة على حاجات معاصرة، ولو أهنّا وضِعت
قبل ألف ومئة عام من الآن. وهي تشتمل على أبواب ونظام تراتب وسلسلة عناوين تتحدّث عن مختلف
الحقول والفنون والمدارس الفلسفية والفِرَقية في
مطلع العصر البويهي. ونظرًا إلى كونها تردّ على
حاجات معاصرة، أصبح في الإمكان التعامل معها بوصفها قراءة لواقع لا يزال يعيش أزمة دائمة تتصل بسؤال الهويّة والانقسام. وهذا الأمر أعطى
الرسالة قوة ديناميّة تسمح بإعادة مراجعتها والاعتماد
عليها جزئيًّا، في مقاربة كثير من الحالات المشابهة في
حاضرنا.
قبل أنْ ندخل في تفصيلات «ماذا تقول الرسالة؟»
لا بدّ من الإشارة إلى مشكلة الاستطراد والتكرار
والغرق في سرد خلافات بسيطة في فضاء ثقافي
كان يتداعى تلقائيًّا. فالرسالة في النهاية ليست
معزولة عن زمنها، لذلك تورّط كتّابها في التطويل
وشرح الشرح، وتوضيح التوضيح، وهو ما يؤكّد
أنها كُتبت على فترات متقطّعة، وشارك في صوغها
أكثر من شخص. وتكشف الفصول التوضيحيّة
التي وضِعت تباعًا أجوبة عن أسئلة كان يطرحها
المريدون في التنظيم على شيوخهم، وهو ما
استدعى الإطالة والاستفاضة وتكرار الأفكار
لتوضيح الزوايا الغامضة. إالّ أنّ الخلاصة، على
رغم الملاحظات والإسقاطات التي تتوصّل إليها
الرسالة، تبقى ذات معنى ما يعطيها صفة المرجعيّة
التاريخيّة والموثقة للتعرّف إلى المناخ السياسي –
الأيديولوجي في القرن الرابع الهجري. من هم إخوان الصفا؟ ولماذا يعاد التذكير بمقالاتهم
في عصر مختلف؟ السؤال الثاني هو الأهم لكونه
الأوضح، باعتبار أنّ كتبهم (الرسائل) موجودة،
وفيها الكثير من الأبحاث التي تشابه بعض ما هو
مطروح في حاضرنا. أمّا السؤال الأول، فهو يتّصل
بالتاريخ وظروف إخوان الصفا وغموض هويّتهم
بسبب السرّية (التقيّة) التي أحاطت بأسماء القادة
في فترة التأسيس والنواة الأولى الصلبة التي
ساهمت في التأليف والتثقيف.
إخوان الصفا: غموض النشأة
ثمة فوضى في تحديد الفترة التي تأسست فيها حركة
إخوان الصفا؛ فهناك من يؤخّر ظهورهم إلى القرن
الخامس الهجري، وهناك من يقدّم بدايات التأسيس
إلى القرن الثاني الهجري. وهناك من يربط رسائلهم
بأفكار حركة الموحّدين (الدروز)، وهناك من
يعتبرهم مدرسة انشقّت عن المذهب الإسماعيلي.
الفقيه ابن تيميّة، مثالً، قال إنّ الإخوان يتماثلون مع
مذهب النصيريّة الباطني. وهناك من ينسب الرسائل
إلى فِرَق باطنيّة أو حركة القرامطة. وهناك تكهّنات
تؤرشّ إلى أنّ مسلمة المجريطي أو تلميذه (أبو الحكم الكرماني) هو من وضع الرسائل. وهناك من يعود بهم إلى فترة الإمام جعفر الصادق، وينسب أفكارهم إلى الإمام أحمد بن عبد الله (ثاني أئمّة دور الستر).
ويؤكّد بعضهم أنّ المؤسّس الحقيقي لحركة الإخوان
هو عبد الله بن المقفع. هذه الترجيحات كلها افتراضيّة وغير دقيقة؛ فرسائل
الإخوان انتشرت قبل الدروز (اختفى الحاكم بأمر الله الفاطمي عام 411 ه/ 1020 م)، بينما جاءت حركة الإسماعيليين إلى ذكر إخوان الصفا عام 557 ه/
1161 م، وهو ما يعطّل فرضيّة الانتماء إليهم. كذلك
يصعب الربط بينهم وبين الفِرَق الباطنيّة الشائعة
في بلاد الشام (النصيريّة)، أو حركة القرامطة على
اعتبار أنّ رسائل الإخوان تنتقد أفعالها (اقتلاع الحجر الأسود)، وتهاجم مزدك الخرمي وتتّهمه بالتمويه
والتزوير. أمّا اهتّام المجريطي القرطبي بكتابة رسائل
إخوان الصفا، فهي مسألة مستبعَدة أيضًا؛ فالمجريطي
(ت 395 ه 1004/م) الذي عاش في قرطبة في فترة ازدهارها في الأندلس قرأ الرسائل واستفاد منها واستخدم خلاصاتها (51 رسالة)، وأعاد تأليف
الرسالة 52 (الجامعة)، معتمِدًا على سعة علومه
الرياضيّة، ونشرها في كتبه بوصفها تمثّل تلك الرسالة
الأخيرة والضائعة، التي لا تزال محط خلاف على
عدد الرسائل (هل هو 51 أم 52؟)، فضالً عن عدم وضوح معنى الرسالة الجامعة التي يرجّح أهنّا كانت
سرّية وممنوعة من التداول، وتُكشف فقط عند تخريج
دفعة من التلامذة. لذلك اكتنفها الغموض، ويرجّح
أهنّا ضاعت، وهو ما أعطى المجريطي فرصة لكتابتها
وادّعاء أنه حصل عليها من المشرق. أمّا الفريق الذي يقدّم ظهور إخوان الصفا إلى القرن
الثاني الهجري، فهو أيضًا يعتمد على افتراضات
وترجيحات تنقصها الدقّة؛ فالربط بين الإخوان
والمذهب الإمامي الجعفري ليس صحيحًا، بسبب
وجود اختلافات جوهرّية بين المدرستين تتجاوز
الفروع إلى الأصول. كذلك هناك خطأ آخر يربط تأسيس الإخوان بابن المقفع (قتله الخليفة المنصور عام 142 ه/ 759 م) مستندًا إلى إشارات عن
«إخوان الصفا وخالّن الوفا» في كتابه كليلة ودمنة.
هذه الفرضية فنّدها كثير من الباحثين، منهم
المستشرق غولدزيهر الذي يقول إنّ اسمهم مأخوذ
من «صفوة الأخوة»، ويذهب إلى تأكيد أنّ التسمية أخذها إخوان الصفا من باب «الحمامة المطوّقة» في
كتاب كليلة ودمنة. كلام غولدزيهر صحيح، لأن تأسيس الإخوان جاء بعد فترة طويلة من مقتل ابن المقفع، ويرجّح
أنّ الحركة أخذت تسميتها من كتابه؛ إذ ورد ذكر «إخوان الصّفا» أو «إخوان الصفاء» مرارًا في كتاب
كليلة ودمنة. وجاء ذكرهم في صيغة إيجابية، الأمر
الذي أثار أسئلة بشأن علاقة أو اتصال أفكار ابن المقفع بآراء حركة «إخوان الصفا»، ذلك بأن ابن المقفع يذكرهم في باب «الغراب والمطوّقة» حين
يقول: «فاضرب لي مثلَإخوان الصفا، وكيف يكون بدء تواصلهم واستماع بعضهم من بعض».
ويكون الجواب «إنه لا يعدلُ بصالح الإخوان شيءٌ
من الأشياء لأن الإخوان هم الأعوان على الخير كله
والمؤاسون عند الشّدائد». ويأتي إلى ذكرهم مثالً
حين يتحدث عن التعاون والمحبة والأُخوّة بوصفها
من خصال «إخوان الصفاء». ويتكرر ذكرهم أيضًا في سياقات مختلفة تحت عنوان «الإخوان» حين يتحدّث ابن المقفع عن العقل والحلم والمشورة
والأصحاب والاجتهاد والقدر، إذا نزل «يغلب كل شيء ولا يستطيع أحد أنْ يجاوزه». هذه الإشارات والرموز كلها لا تعني بالضرورة
أنّ ابن المقفع هو العضو المؤسّس في حركة إخوان
الصفا، نظرًا إلى بُعد المسافة الزمنية بينهما؛ فالفجوة
بين مقتل ابن المقفع (142 ه/ 759 م) وإعلان
رسائل الإخوان تقارب نحو القرنين، الأمر الذي
يفتح الباب أمام احتمال أنّ يكون قادة الإخوان تأثروا
بتلك الأفكار المبثوثة على ألسنة الحيوانات في كليلة
ودمنة، وخصوصًا في مسألة تعدّد الأديان واختلاف
الآراء المذهبية والفلسفية. فالحِكم والمواعظ التي
وردت عند ابن المقفع وجدت طريقها إلى الرسائل
بأسلوب متقارب في المضمون والاستقراء، وتحديدًا
حين ربط المذاهب والملل الكثيرة بالأقوام أو
تلك التي «ورثوها عن آبائهم، وآخرين خائفين
مكرهين عليها، وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها
ومعيشتها». فالرأي الراجح عند ابن المقفع هو
«أن أتبع دين آبائي الذين وجدتهم عليه». وفي رأيه أنّ
الصحيح في أفكار الملل هو من «توافق عليه الأديان»
مجتمعة. -1 فضاءات التأسيس إنّ الخلاف على تحديد موعد قاطع لتأسيس حركة
إخوان الصفا مسألة طبيعيّة؛ فالإخوان حركة سرّية
مجهولة العنوان والهويّة. والنواة الأولى (القادة)
رفضت الإفصاح عن أسماء الكتّاب، واكتفت بذكر
مصادر أفكارها ومنابت حكمها وروافد أحكامها.
وبسبب مبدأ التقيّة، وقعت الشبهات وتضاربت
القراءات وتمّ إسقاط فترات على أخرى وتقديم
مواعيد أو تأخيرها. هذا الغموض دفع بعضهم إلى الظن بأن أفكارهم
مستقاة من مفكّرين ينتمون إلى طائفة الصابئة (ثابت
بن قرّة، أبو إسحق الصابئي) التي تعايشت مع
فضاءات العالم الإسلامي ومظلّة الخلافة العباسيّة.
إالّ أنّ هذا الظن لا يمكن الأخذ به، لأن فترة
ظهورهم شهدت تحولّات تأسست على متغريّات
ساهمت في تحضير الأجواء لنشوء حركات متمرّدة
كثيرة، أعطت فرصة لنمو معتقدات وآراء اتّسمت
بالجرأة في تجاوز الخطوط الحمر. النشأة إذًا لم تكن
معزولة عن مقدّمات تاريخيّة سابقة أعقبتها تموّجات
واهتزازات لاحقة؛ حيث إنّ الفوضى المتوتّرة أهليًّا
قامت بدورها في التشجيع على تأسيس مدارس
وحركات فكريّة مستقلّة على ضفاف الخلافة وحولها
وفي جوارها. وظهرت النواة الأولى للانقسامات
في إطار فضاءات داخلية وإقليمية مضطربة بدأت
تتشكّل مع تأسيس الدولة العبّاسيّة، وهي مهّدت
الطريق لاحقًا لنشوء حركات متنوّعة الألوان
والأهداف، من بينها حركة إخوان الصفا. ومع أنّ
الآثار السلبية لهذه الفضاءات ظهرت متأخرة، فإنها
جاءت في سياق متغريّات شهدتها بلاد الرافدين بعد
انهيار الدولة الأموية في بلاد الشام. المسألة إذًا لا علاقة مباشرة لها بابن المقفع، وإنمّا
بالدولة ولحظة تأسيسها ودور المنصور (أبو جعفر)
في تشكيل مناخات متعارضة ساهمت في نشوء الكثير
من المدارس الفقهيّة والفلسفيّة في عهده. فالمنصور
الذي ولد عام 95 ه/ 713 م توىلّ الخلافة العبّاسية
(ساهم في تأسيسها) عام 137 ه/ 754 م، وتويفّ
عام 158 ه/ 774 م. وخلال هذه الفترة الفاصلة
بين تويلّ الخلافة ورحيله 21(عامًا)، شهدت
الدولة العبّاسيّة ظهور الحركة الراونديّة (القائلون
بالتناسخ) عام 141 ه/ 758 م، وفراغ المنصور من
بناء بغداد عام 149 ه/ 760 م ونقل العاصمة من
البصرة إليها. وقد تُرجمت في عهده الكتب السريانيّة
والأعجميّة، ومنها كليلة ودمنة وكتاب إقليدس.
إالّ أنّ المشهد الأهم في عصره هو بداية تصنيف
الحديث وتدوينه (مجُع ورُتب سابقًا في عهد الخليفة
الأموي عمر بن عبد العزيز)، والبدء في تأسيس
المذاهب الفقهيّة، فظهر كبار الأئمة والعلماء أمثال
ابن جريج في مكّة، ومالك في المدينة، والأوزاعي في
الشام، وسفيان الثوري في الكوفة. وبرز النعمان بن
ثابت (أبو حنيفة) في الفقه وأسّس مدرسة في الرأي
والقياس عام 143 ه/ 760 م في سياق خطٍ موازٍ
للإمام جعفر الصادق. هذه التعارضات كلها لم تظهر مضاعفاتها في عهد
تأسيس الدولة العبّاسيّة، وإنمّا في عهد المأمون (ت
218 ه/ 833 م)، الذي برزت فيه فِرَق المعتزلة،
وتحالف بعض شيوخها مع السلطة وأخذ يستخدم
أدواتها لقمع المعارضة وملاحقة الاجتّاهات المخالفة
لرأيهم. وفي عهد المعتصم (ت 227 ه/ 841 م)،
استفحلت قوّة المعتزلة وبدأ استدعاء الأئمة والعلماء
إلى الامتحان والتحقيق معهم في مسألة «خلق
القرآن». وفي عهد المتوكّل (قُتل عام 247 ه/ 861
م)، حصل الانقلاب السياسي على المعتزلة، وطُرد
شيوخهم من القصر، وأُتلف بعض كتبهم، ومُنع
بعضها الآخر من التداول. إنّ تراجُع نفوذ المعتزلة السياسي لا يعني أنّ نفوذهم
الفكري تلاشى، بل إنّ فِرَق المعتزلة على أشكالها
وأحجامها وألوانها استمرّت تنشط وتنشق وتتناسل؛
فبعد أعوام من مقتل المتوكّل، ظهرت فِرَق القرامطة
وامتدّت من البصرة إلى البحرين عام 286 ه/
899 م. كما ظهرت رموز الفلسفة التي قادها الكندي
ثمّ الرازي، وأخذت تتجىلّ في مظاهر مدرسيّة
متخالفة إلى جوار نمو حركات التصوّف التي جمعت
التعارضات، من الحلوليّة والتناسخ إلى الاحتّاد
والتوحّد، وهو ما أدّى إلى اجتماع الأئمّة والاتّفاق
على اهتّام الحلاج بالزندقة، فأُعدم في عام 309 ه/
م.921 كان من الصعوبة أنّ تمرّ هذه الفضاءات الفكريّة
المتخالفة من دون مضاعفات وتموّجات بدأت
بالتراجع بعد انقلاب المتوكّل سياسيًا على نفوذ
المعتزلة، لتعاود التمدّد بعد انقلاب الأشعري فكريًّا
على مقولاتهم. وقد شكّل انقلاب الإمام الأشعري
(ت 324 ه/ 935 م) علامة فاصلة بين فترتين، فهو
من جانب وجّه من داخل المعتزلة ضربة عقائدية أدّت
إلى انكسارهم الأيديولوجي وارتدادهم إلى طور
التلاشي والاضمحلال التدريجي، وأعطى من جانب
آخر فرصة لنشوء حركة فكريّة تجلّت في نهوض
مدارس تأصيليّة أخذت تهيكل الفقه الإسلامي في
أُطر فلسفيّة منحازة إلى العقيدة والشريعة.
وكانت لانقلاب الأشعري ملحقات فكريّة، إذ أنتج
سلسلة حلقات نقاشيّة ترافقت لاحقًا مع بدء نمو
دويلات سياسيّة على أطراف الخلافة العباسيّة أخذت
تضغط على العاصمة بغداد من الشرق والغرب. فمن الغرب ظهر الفاطميّون في مصر، وأسسوا دولة
مستقلّة وعاصمة مزدهرة عام 358 ه/ 968 م. ومن الشرق أخذ نفوذ الدولة البويهيّة يتمدّد ويتقدّم،
وصوالً إلى احتواء بغداد وفرض مظلّتها عليها بدءًا من
عام 334 ه/ 945 م. وبين بغداد البويهيّة والقاهرة
الفاطميّة أخذت تتشكّل تيارات فكريّة اجتهدت في
عمليّات تنسيق المنظومات الفلسفيّة ومحاولات دمجها
بالشريعة، وهو ما أطلق آنذاك نهضة ثقافيّة في لحظة
انتقاليّة تعرّضت خلالها الدولة المركزيّة (الخلافة
العبّاسيّة) لاهتزازات وعدم استقرار، معطوفة على
نشوء دويلات طرفيّة تتقاسم النفوذ وخراج الخلافة. في هذه الفترة الفاصلة بين انقلاب الأشعري العقائدي والانقلاب البويهي السياسي (دخل أحمد بن بويه بغداد عام 334 ه/ 945 م، في عهد الخليفة
المستكفي بالله)، يرجّح أنّ تكون حركة إخوان الصفا
قد دخلت مرحلة التأسيس، مستفيدة من الفراغ
الأيديولوجي بعد انكفاء فِرَق المعتزلة، ونتيجة
الفوضى السياسيّة التي عصفت بالمركز (بغداد)،
الأمر الذي أتاح المجال العام لنمو قوى معارضة على الأطراف وفي جوار العاصمة أو بعيدًا عنها.
وفي ظلال هذه الفضاءات (انكسارات المرحلة الانتقاليّة)، يرجّح أنْ تكون النواة التأسيسية استغلت
الفوضى والفراغ لتبدأ تنظيم نفسها في البصرة، التي كانت تعيش عزلة على هامش الدولة بعد تعرّضها
لهجمات متعدّدة الاجتّاهات من الزنج ومحيطها
الجغرافي. كانت البصرة المكان الذي اختارته حركة الإخوان لتأسيس نواتها الصلبة الأولى. ويرجّح أنْ تكون
الخطوة الأولى بدأت تأخذ مجالها العيّني في مطلع
الحكم البويهي، واجتّهت نحو استكمال هياكلها
التنظيميّة عام 373 ه/ 983 م، وهذا ما رجّحه
ابن الطقطقي في كتابه الفخري في الآداب السلطانيّة
والدول الإسلامية، مشيرًا إلى أهنّم ظهروا في البداية
على المذهب الزيدي، وهذا أيضًا غير دقيق. إنّ تعيين مكان الظهور لا يعني أنّ عنوان حركة إخوان
الصفا أصبح مكشوفًا؛ فالتنظيم الذي انتقى أفكاره من مصادر شتّى ومنابت مختلفة وروافد متعارضة
اختار مبدأ التقيّة والسرّية لنشر دعوته واستيعاب
التلامذة. وخوفًا من افتضاح الأمر، اشترطت الحركة أنْ تتوافر في الشخص مجموعة عناصر لقبول عضويّته
في التنظيم. كما أهنّا فرضت على العضو المنتسب
برنامجًا تثقيفيًّا لا بدّ من تعلّمه ودراسته واستيعابه
ليحقّ له التدرّج في ارتقاء المراتب التي توزّعت أيضًا
على فترات عمريّة أربع: الأولىطبقة أرباب الصنائع
(لا يقلّ عمر العضو عن 15 عامًا)، وهي الأبرار
الرحماء؛ الثانية طبقة أصحاب السياسات (لا يقلّ
عمره عن 30 عامًا)، وهي الأخيار الفضلاء؛ الثالثة
طبقة الملوك والسلاطين (فوق 40 عامًا)، وهي القوّة
الناموسيّة؛ والرابعة طبقة الأولياء (فوق 50 عامًا)،
وهي القوة الملائكيّة التي تصل إلى مرحلة التسليم
وقبول التأييد ومشاهدة الحق عيانًا. هذه التقيّة التي تكشف عن وجود شبكة عنكبوتيّة
في المراتب والعلاقات، توضّح أنّ حركة الإخوان لا
تؤمن بالتمدّد الجماهيري والانفتاح على عامّة الناس،
وتفضّل الانغلاق في إطار الخاصّة بوصفها تشكّل
ذاك الحزب النخبوي (الصفوة) الأيديولوجي، الذي يعتمد على برامج فكريّة موحّدة (انتقائيّة/ توفيقيّة)
في سياق منهجي لا تدركه سوى النخبة المختارة من صفوة الصفوة؛ فالجمعيّة كانت ذات نظام خاص
يعتمد على مجالس محدودة الأعضاء (خوفًا من مراقبة السلطة وملاحقة العوام) تدرّس فيها نصوصهم
وتشرح وتفرسّ معتقداتهم. لذلك، كان التوسّع
والانتشار وفتح الفروع يخضع لشروط لا تقلّ قسوة عن اختيار الأعضاء (صفوة الإخوة)، كي لا
تتفشّى المعلومات ويسهل التغلغل والاختراق. وكان
الاختيار يتمّ بناءً على مواصفات تتّسم بالدقّة لتحقيق
الانسجام الفكري، وكان يفضّل التركيز على الشباب
حتى تعاد تربيتهم وتهذّب أخلاقهم وتلطّف لتكون
متناسبة مع أجواء التنظيم. وحين يتمّ تدريب العضو
الجديد على أساس الشروط، حيُتفل بتخرّجه بمناسبة
انتسابه الكامل إلى الحركة. والعضو في الحزب يتمّ
التعامل معه بوصفه من الإخوة (رابطة روحيّة)،
إذ يوضع في مرتبة عقائديّة متقدّمة على نظام القرابة
المتوارث أو المصلحة الشخصيّة؛ فالأُخوّة رابطة
وعصبية عقائديّة بديلة تعوّض عن تلك العلاقات
التقليديّة من خلال التعاون بين أعضاء التنظيم الذي
يتّبع هرميّة تراتبيّة (أخلاقيّة فكريّة) تحترم الأكبر
سنًّا وفق درجات تبدأ من الدنيا (الأبرار الرحماء)،
وترتقي إلى القمّة (الفضلاء الكرام)، وهي مرتبة
أرباب التسليم، وتعتبر الأعلى في سلّم النظام الهرمي
للإخوان. فالتراتب في ارتقاء السُلّم التنظيمي ينسجم
تمامًا مع فلسفتهم، التي تقرأ تطوّر وعي الإنسان
من الطفولة إلى الفتوّة إلى الشباب إلى الكهولة،
وأخيرًا الشيخوخة. هذا الإطار الجديد الذي يشدّ أطراف حركة إخوان
الصفا يفرسّ إلى حدّ كبير أسباب غياب المعلومات
عن موعد تأسيس التنظيم، وعن قادته وظروف
انتقال نشاطهم من البصرة إلى بغداد، وعن المواقيت
التي كُتبت فيها الرسائل، والأسماء التي أشرفت على
وضعها، والأساتذة الذين تولّوا أمر نشرها وتوزيعها
وشرحها. نتيجة هذا الغموض (التقيّة السرّية)، أصبحت
أفكارهم مع تعاقب الزمن غير منسّقة (فوضى
أيديولوجيّة)، وفيها استطرادات (تكرار المفاهيم)
من حيث تداخل الموضوعات بين البسيط والمعقّد،
وهو ما أفقد الرسائل تماسكها (نزعة توفيقيّة) لكثرة
الشروحات والتعليقات على المسألة الواحدة. والأهمّ
من ذلك أنّ أفكارهم تعرّضت للسرقة أو الاقتطاع
أو النسخ، وأنّ فِرَقًا ومنظّمات ظهرت وادّعت لاحقًا
أهنّا هي من أقدم على صوغ الرسائل، ثم قيام فلاسفة
بإعادة تركيب مفاهيمهم في مقالات مشابهة أو معدّلة
وزعم أهنّم هم من قام بتأليفها، كما فعل المجريطي في
الرسالة الجامعة (الأخيرة في الترقيم).
-2 انكشاف الشبكة لم يمرّ وقت طويل حتّى انكشفت أوراق حركة
الإخوان؛ فإذا ما كان في وسع السرّية أنْ تحافظ
على أسماء قادة التنظيم وفلاسفتهم، فإنها غير قادرة
على التحفّظ ومنع الأفكار من التسرّب والتداول.
فالقفطي (ت 646 ه 1248/م) نقل حديثًا جرى
بين أبي حيّان التوحيدي (ت 414 ه/ 1023 م)
ووزير صمصام الدولة بن عضد الدولة البويهي عام
373 ه/ 983 م ذكر فيه أسماء خمسة من المؤسسين
أو القيّمين على قيادة الحركة. والرواية التي نقلها
القفطي في كتابه أخبار الحكماء تُعتبر الرواية الوحيدة
التي ذكرت الأسماء من دون تعريف بالهويّة أو
توضيح لمواقعهم وتواريخ مولدهم أو وفاتهم.
فالخبر مقطوع من جذوره، وهو مأخوذ بالكامل من
كتاب التوحيدي المعروف ب الإمتاع والمؤانسة الذي
أورد فيه ذكر إخوان الصفا، مرفقًا مع ملاحظات
وانتقادات قاسية لأفكارهم. هناك مشكلة في توقيت خبر انكشاف أفكار
الإخوان؛ فالرواية المنقولة عن كتاب التوحيدي
جرت وقائعها عام 373 ه 983/م، وهو العام
الذي اتُّفق على أنه الموعد المرجّح لتأسيس الهياكل
التنظيميّة للإخوان. وهذا الاحتمال مستبعَد، وهو ما
يرجّح إمكان ردّ بدايات الحركة إلى فترة سابقة، وربمّا
ترافقت مع دخول البويهيين بغداد عام 334 ه/
945 م؛ إذ لا يُعقل أن يتمّ في غضون عام واحد
فقط تأليف الرسائل بهذا القدر من السرّية والأهمّية
الفكريّة والفلسفيّة، وتأسيس تنظيم على مستوى
عالٍمن التقيّة، واختيار الأعضاء من صفوة النخبة
وافتضاح أمر هؤلاء الأعضاء. والمرجّح أن تكون
الحركة تأسّست وكتبت الرسائل في فترة مطلع
العصر البويهي، وربمّا قبل ذلك، لأن طبيعة الأفكار
والإضافات عليها والشروح والتوضيحات بشأنها
تتطلّب محطّات زمنيّة للتعليق على ما اكتنفها من
غموض وملابسات، وهذا لا يمكن أن يتمّ كلّه في
عام واحد. ماذا تقول رواية التوحيدي التي وردت في كتاب
الإمتاع والمؤانسة، الذي يضمّ مسامرات 37 ليلة
جرت في ديوان وزير؟ يذكر التوحيدي إخوان الصفا
في الليلة السابعة عشرة، حين طُلب منه توضيح أفكار زيد بن رفاعة (مذهبه) الذي يزعم «أن الباء
لم تنقط من تحت واحدة إالّ لسبب، والتاء لم تنقط من
فوق اثنتين إالّ لعلّة، والألف لم تُعرَّ إالّ لغرض».
فأجاب بأن مذهبه «لا يُنسب إلى شيء، ولا يُعرف
برهط، لجيشانه بكل شيء، وغليانه في كل باب [...]
وقد أقام بالبصرة زمانًا طويالً، وصادف بها جماعةً
جامعةً لأصناف العلم وأنواع الصناعة؛ منهم أبو سليمان محمد بن معشْر البيستيّ، ويعرف بالمقدسي،
وأبو الحسن علي بن هارون الزّنجاني، وأبو أحمد
المهرجانيّ والعوفي وغيرهم، فصحبهم وخدمهم؛
وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعِشرة [...] فوضعوا بينهم مذهبًا زعموا أنهم قرّبوا به الطريق إلى
الفوز برضوان الله والمصير إلى جنّته [...] وزعموا أنّه
متى انتظمت الفلسفة اليونانيّة والشريعة العربية فقد
حصل الكمال؛ وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة [...] وكتموا أسماءهم، وبثّوها في الورّاقين،
ولقّنوها للناس [...] وحشوا هذه الرسائل بالكلَم
الدينية والأمثال الشرعيّة والحروف المحتملة والطرق
المومهِ» ة. ويدّعي التوحيدي أنّه رأى جملة من
الرسائل «وهي مبثوثة من كل فنٍنتفًا بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات؛ وقد غرق الصواب فيها لغلبة الخطأ عليها». ويقول التوحيدي إنه حمل رسائل عدّة «إلى شيخنا
أبي سليمان المنطقي السجستاني (محمّد بن بهرام)
وعرضتها عليه ونظر فيها أيامًا واختبرها طويالً؛ ثم
ردّها عليّ وقال: (....) ظنّوا أنهم يمكنهم أن يدسّوا
الفلسفة [...] والموسيقى [...] والمنطق [...] في
الشريعة، وإن يضمّوا الشريعة للفلسفة». وفي رأي
السجستاني أن محاولتهم ستفشل كما فشلت محاولات
قبلهم (يقصد فِرَق المعتزلة) التي كانت في رأيه أقوى
وأفضل وأعظم وأرفع وأوسع وأوثق «فلم يتمّ لهم ما
أرادوه، ولا بلغوا منه ما أمّلوه »[....]. إنّ كلام التوحيدي، الذي جرى في مجلس الوزير
أبي عبد الله العارض (الحسين بن أحمد بن سعدان)
في عهد صمصام الدولة البويهي، يكشف الفترة التي
تسرّبت فيها رسائل إخوان الصفا وانتشرت سرًّا في
عهد الدولة البويهيّة؛ فالتوحيدي ألّف كتابه الإمتاع
والمؤانسة عام 374 ه/ 984 م، والوزير العارض
استوزره صمصام الدولة عام 373 ه 983/م،
وقتله عام 375 ه 985/ م بسبب شكّه فيه وفي
صلاته بكبار أدباء عصره وفلاسفته أمثال ابن زرعة
وأبو الوفاء المهندس ومسكويه والأهوازي وبهرام
وابن شاهويه. هذا الجانب التاريخي يلقي الضوء على الفضاء
السياسي لحركة الإخوان (العصر البويهي)، ويكشف
أيضًا عن وجود صلات وحلقات سرّية بدأت في
البصرة قبل فترة، وأخذت تمتد وتنتقل إلى بغداد
بفضل نشاط زيد بن رفاعة (أبو الخير)، الذي كان
على اتصال بالتوحيدي فأعطاه الرسائل للاطّلاع
عليها عام 371 ه/ 981 م. ويتوافق رأي التوحيدي
مع رأي أستاذه الفقيه الفيلسوف أبو سليمان المنطقي
السجستاني، الذي كان يُعتبر من أكبر علماء بغداد
وأستاذ التوحيدي في الفلسفة والمنطق؛ إذ وجد،
كأستاذه، في الرسائل نقاط ضعف وعدم تماسك،
ووجد أيضًا أنها تفتقر إلى النضج والعمق، وفيها
«خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات». إلى ذلك، كشف التوحيدي أسماء القادة من دون
ذكر تفصيلات عن حياتهم وأعمالهم، وهو ما يرجّح
غموض المعلومات عن هويّتهم وسيرتهم، وكذلك
الفترة التي تمّ فيها تأسيس الحركة، إذ يقول إنّ
صديقه زيد بن رفاعة أعطاه نسخة من الرسائل
للاطّلاع عليها عام 371 ه 981/م، وهو ما يعني أن توقيت كتابتها كان قبل فترة قد تكون طويلة وأبعد من الموعد المتوافق عليه، وربمّا تعود إلى مرحلة
متقدّمة من مراحل تطوّر الفكر الاعتزالي المتأخر،
من دون أن حتُسب من أركان الاعتزال وفِرَقهم التي
توزّعت وتشتّتت بعد النكسة الداخليّة التي أحدثها
انقلاب الأشعري عليهم. إنّ الرسائل، كما هو واضح من تنوّع أساليبها وتعدّد
مدارسها واختلاف مصادرها، لم تُكتب في وقت
واحد، وقد ساهم في وضعها وتأليفها أكثر من الأسماء الخمسة التي أتى التوحيدي إلى ذكرها؛ فالموضوعات التي تطرّقت إليها الرسائل جاءت في سياقات غير
موحّدة في المنهج، الأمر الذي يؤرشّ إلى وجود مراكز
قوى فكريّة تشرف على التخطيط والبرمجة، تساعدها
مجموعات تقوم بنقل المخطوطات إلى الأعضاء وشرحها والإضافة عليها حتى تكون أكثر وضوحًا.
وكلام التوحيدي عن الأسماء و«غيرها» يؤكّد وجود
مجموعة من المنظّرين. إلى ذلك، هناك خلافات على عدد الرسائل؛ فالتوحيدي يعتمد الرقم 50 وغيره يعتمد الرقم 51، بينما عدد المنشور والمتداول هو 52 رسالة، إذ تضمّ
الرسالة الأخيرة والجامعة التي نشرها المجريطي في
كتابه. يتراوح العدد، إذًا، بين 50 و 52، وهو في هذا الإطار دقيق، لأن الرسائل هي عبارة عن شروح عقائديّة تُعرض على أعضاء التنظيم في اجتماعات
أسبوعيّة وعلى مدار عام كامل، بعدها يتخرّج العضو
ويترقى ويكتفي لاحقًا بتوضيحات على الشروح، وهو ما يفرسّ أسباب التكرار والاجترار و«التلفيقات
والتلزيقات»، على حدّ ما ذكره التوحيدي. عدد
الرسائل هذا يتناسب مع عدد أسابيع العام، وهذا
يؤكّد أنّ المدّة الزمنيّة لكتابتها ثمّ شرحها وتوضيحها
والإضافة عليها استغرقت فترة تتجاوز تلك الترجيحات التي تحدّد الموعد الزمني للتأسيس وما
أعقبه من انتقال زيد بن رفاعة من البصرة إلى بغداد،
وإعطاء التوحيدي الرسائل للاطّلاع عليها. وهذا
كلّه لا يمكن أن يحصل في عام واحد.
فلسفة الرسائل
تشتمل الرسائل على جميع فروع المعرفة في عصر الإخوان. وهي جمعت العلوم العقليّة، من فلسفة
ورياضيّات وفلك وهندسة وسياسة وطب وغيرها
من حقول، إلى جانب المعتقدات الهنديّة والفارسيّة
والصابئة، فضالعن الكتب السماويّة الثلاثة.
والإخوان يعتبرون الرسائل مفاتيح المعرفة وتستهدف تطهير الشريعة من الجهالات والضلالات من خلال الدعوة إلى التعاون للخلاص من شرور الدنيا، وبناء مدينة روحانية فاضلة (تقارب العهد الراشدي). وهذا الأمر الخلاصي لا يمكن أن يتحقّق، في رأيهم، من دون نهوض الخاصّة وتحرّكهم (صفوة الإخوة)
لأخذ زمام القيادة والمبادرة بالتضامن مع الأخيار الفضلاء. ولا يسع دولة أهل الخير أنْ تستقرّ من دون
وضع قواعد الاتّفاق على رأي واحد ودين واحد
ومذهب واحد، تجمع الاعتقادات كلّها في إطار مشترك يوحّد جميع الفرق والملل والنحل والديانات
في نسق عام لا خلاف عليه. فالإخوان يعتبرون أن نهر الحكمة الدافق من اليونان (فيثاغورس، سقراط، أفلاطون، أرسطو، إقليدس، أفلوطين) يتوافق مع أقوال الأنبياء جميعًا، لأنّ «علم الله محيط بما تحوي
النفس من الصور»، و«الطبيعة محيطة بما تحوي الهَيُولى
من المصنوعات». وهذه الأفلاك التي يحيط بعضها
ببعض تؤكّد ضرورة التوفيق بين الدِّين والفلسفة
وعدم الاختلاف بين البشر، لأن الهدف المشترك للأديان والفلسفات هو «أنْ تتشبّه النفس بالله بقدر
ما يستطيع الإنسان».
لقد احتاجت هذه النظرة الخلاصيّة التبسيطيّة العامّة
إلى شروح ومطولّات تعتمد مصادر وروافد متنوّعة،
وهو ما يؤكّد أن الكاتب ليس واحدًا بل هيئة كانت
تجتمع وتفكّر وتدوّن الآراء وتخطط للنسخ والنشر.
ويرجّح، للأسباب ذاتها، أن تكون المطالعات قد
كُتبت في أوقات متفرّقة وتعرّضت للزيادات حتى
يفهمها التلامذة وأعضاء التنظيم. وعلى رغم الضعف
في وحدة الرسائل وعدم تماسكها، تبقى متضمّنة
الكثير من الأفكار السابقة للعصر، وهي ليست كما
قال التوحيدي، مجرّد «تلفيقات وتلزيقات» أخذت
«من كل فن نتفًا بلا إشباع ولا كفاية»؛ فالرسائل أكثر
من ذلك، وهي، رغم فوضى الشروحات والتكرار،
مرتّبة وموزّعة على فروع وفصول تشتمل على أربعة
موضوعات رئيسة مقسّمة كالآتي: - 14 رسالة: رسائل رياضية تعليمية (العدد،
الهندسة، النجوم، الجغرافيا، الموسيقى، إيساغوجي،
مقولات القياس، البرهان). - 17 رسالة: الرسائل الجسمانية الطبيعية (الهيولى،
المادة، السماء، العالم، الكون، الفساد، تكوين المعادن،
أجناس النبات، تكوين الحيوانات، الطبيعة، الجسد،
الحاس، المحسوس، النطفة، الإنسان (عالم صغير)،
نشوء الأنفس، المعارف، حكمة الموت والحياة،
خاصية الذات، اختلاف اللغات، رسم الخطوط
أسئلة:
والعبارات). - 10 رسائل: الرسائل النفسانية العقلية (المباحث/
رأي فيثاغورس، المبادئ العقلية، العقل والمعقول،
الأكوار والأدوار، العشق، البعث، أجناس الحركات،
العلل والمعلولات، الحدود والرسوم). - 11 رسالة: الرسائل الناموسية الإلهية (الآراء
والمذاهب، الطريق إلى الله، بيان اعتقاد الإخوان،
الإيمان، الناموس الإلهي، الوضع الشرعي، الدعوة
لله، أفعال الروحانيين، أنواع السياسات، السحر،
العزائم). هذه الرسائل مهمّة كلّها، فهي تعطي فكرة عن ثقافة
عصر انتشرت فيه الأفكار واختلطت القراءات
وتداخلت وتوزّعت على علوم العدد واللغة
والخطوط (الدائرة والصفر)، والرياضيات (الخط
المستقيم والخط المائل)، والجغرافيا والفلك والفيض
والأمثلة والحِكم الهندية والفارسيّة واليونانيّة. وهي
ليست ترجمة نصوص وإنمّا مجموعة مفاهيم كُتبت
وصيغت ودمُجت ومجُعت بهدف أن تتشكّل منها
منظومة فلسفيّة جامعة. وهذا ما حاولت قوله الرسالة
الثانية والأربعون التي تتحدّث عن توحيد الديانات
والمذاهب، وقبلها الرسالة الثانية والعشرون التي
تتحدّث عن خصوصيّة الحضارات واختصاص كلّ
أمّة بحقل أو فن أو مذهب، وهو ما يوجب توحيدها
وتنسيقها في إنسان دعوه «الإنسان الكامل».
ماذا تقول الرسالة الثانية والأربعون؟
-1 المزاج، المناخ، التربية تقع الرسالة الثانية والأربعونفي آخر قسم رسائل
النفسانيات العقلية، والأولى في قسم الكلام في
الإلهيات، وهو الأخير في رسائل إخوان الصفا.
وتكمن أهمّية «الرسالة» في محاولتها الإجابة عن ثلاثة
- لماذا يختلف الناس في الآراء والدِّيانات؟ - ما هي أبرز تلك الاختلافات؟ - ما هو الإنسان وغايته؟ تبدأ الرسالة بتوضيح العناصر الخارجية والداخلية
التي تؤثّر في الإنسان والجماعات، وهي تأتي من أربع
جهات: أُولاها اختلاف تركيب أبدان البشر ومزاج
أخلاطها؛ ثانيتها اختلاف تُرَب بلادهم وتغريّات
أهويتها (مناخاتها) والأزمان التي تنشأ فيها؛ ثالثتها
نشوؤهم على عادات آبائهم في سُنن دياناتهم، وعلى
عادات من يربّيهم ويؤدبّهم؛ ورابعتها أشكال الفلك،
ومواضع الكواكب في أصول مواليدهم ومساقط
نطفهم. إذًا، هناك أربعة أسباب تساهم في بلورة شخصيّة الإنسان والجماعة الأهلية التي نشأ فيها وجاء
منها. فهناك العامل البيولوجي (تكوين البدن منذ الحمل والولادة والطفولة)، وعامل المناخ والجغرافيا وطبيعة أرض البلاد والفترة الزمنية التي ولد فيها،
وهناك تربية الأهل (الاجتماعية والأخلاقية) وتأثّر الأبناء بديانات الآباء، وأخيرًا العامل الفلكي وحركة
الكواكب التي تؤدي، في رأي الإخوان، دورها في التأثير في مزاج الإنسان وحياته. هذه العوامل الأربعة تساهم في تشكيل وعي الناس، وهو ما يؤدي إلى تأسيس «فنون اختلافات العلماء الذين هم أصّلوا الآراء والمذاهب، وفرّعوا منها
أنواع المقالات والأحكام». وقبل أن تنهي الرسالة توضيح الأسباب وتفسيرها، تنتقل فورًا إلى التساؤل
عن «أجناس الأشياء التي اختلفوا فيها، كم هي، وما هي؟». وتأتي الإجابة فوريّة، وهي على ثلاثة أنواع:
الأمور المحسوسة، الأمور المعقولة، والأمور الإلهية المبرهنة. ويرى إخوان الصفا أن الأمور المحسوسة هي «صورٌ في الهيولى تدركها الحواس المباشرة لها»،
والأمور المعقولة هي «رسوم تلك المحسوسات التي أدتّها الحواس إلى القوّة المتخيّلة»، والأمور الإلهية
المبرهنة هي «أشياء لا تدركها الحواس، ولا تتصوّرها
الأوهام، ولكن الدليل والبراهين الصادقة باعثةٌ للعقول إلى الإقرار بها والقبول لها». هناك إذًا مشكلة تتمثّل في قدرة الحواس على إدراك
الأمور الإلهية المبرهنة، وهي في هذا السياق تتطلّب من الناس القبول بها وإقرارها، وهو ما ساهم
لاحقًا في تشكيل آراء توافقت على المبدأ (الأصل) واختلفت على التفاصيل (الفروع)، رغم أن «البرهان الضروري والحجّة القاطعة يضطران العقول إلى
الإقرار بها مقرّرة». فالبراهين، في رأي الإخوان،
هي «ميزان العقول»، وهي تشبه كثيرًا في أقيستها
ومنطقها المقاييس (الكيل والذراع) في «موازين
الحواس»، أي إنّ كل علم له قواعده البرهانية التي
يمكن الانطلاق منها والعودة إليها لتوضيح الصورة
وشرح الملابسات وحسم الخلافات. وهذه القاعدة
المشتركة تنطبق على جميع الأمور المحسوسة أو
المعقولة أو المبرهنة (الإلهية). بعد أن تحسم الرسالة هذه المقدّمات النظريّة، تبدأ
بذكر «كميّة أسباب اختلاف الناس في إدراكهم
من كم وجه يكون». وتحدّد الرسالة ثلاثة أسباب
للاختلاف، الأول«دقة المعاني ولطافتها وخفاؤها»،
والثاني«فنون الطرق المؤدّية إليها الأسباب المعينة على
إدراكها»، والثالث«تفاوت قوى نفوسهم [البشر]
الدرّاكة لها في الجودة والرداءة». وهذه العوامل
الثلاثة [اللغة، المنهج، ودرجة الوعي] تعتبرها حركة
الإخوان «الأصل والسبب في اختلافهم في الآراء
والمذاهب وسائرها فروع عليها». هنا تبدأ الرسالة بالشرح وتفصيل كلّ سبب على
حدة، وذلك لكي تعطي فكرة شاملة عن العوامل
الدافعة لاختلاف البشر في مختلف المسائل الدينيّة
والعقلية والمذهبية. ويرى الإخوان أن الإنسان هو
«جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية»،
لذلك يستخدم أعضاء جسده الجسماني للعمل
في الصنائع (الحِرَف والمهن)، بينما يستخدم نفسه
الروحانية لإدراك المعقولات. والخلاف بين البشر
يبدأ من هنا لأن الإنسان الواحد (الفرد) لا يستطيع
وحده و«بقوّته الجزئية الاستنباط بجميع العلوم،
والاحتمال لسائر الصنائع». فالإنسان قوة مركّبة،
وهو يعتمد على مفاصل وأعضاء تقوم بحركات أو
وظائف مختلفة هي في رأي الإخوان موزّعة على ثمانية
أنواع، منها القوى الدرّاكة للمعلومات التي تعتمد
على أجهزة تبدأ بالحواس الخمس (ينال بها الإنسان
العلوم والمعارف)، ثمّ العقل الذي يتوزّع على القوة
المتخيّلة (مقدّم الدماغ)، والقوة المفكّرة (وسط
الدماغ)، والقوّة الحافظة (مؤخّر الدماغ). تكمن المشكلة في هذا التقسيم المتساوي في
الحواس والدماغ بين البشر. وهي تبدأ لأن الناس «متفاوتون في الدرجات في هذه القوى بين الجودة والرداءة»، كذلك في استخدام هذه الأجهزة والأدوات، وهو ما يؤدي إلى تفاوت إدراكهم للمعلومات. وفي رأيهم أن هذا العامل «أحد أسباب اختلافهم في الآراء والمذاهب». إنّ عدم تساوي الناس في قدرتهم على استخدام حاسّة
البصر، أو حاسة السمع، أو الذوق واللمس والشم يؤدي إلى التفاوت في التعامل مع الأمور المحسوسة. والقاعدة ذاتها تنطبق على استخدام الدماغ لأنك «تجد كثيرًا من الناس من يكون جيّد التخيّل، دقيق التمييز،
سريع التصوّر [...] ومنهم من يكون بليدًا بطيء
الذهن [...] ساهي النفس». وفي رأي الإخوان أن هذا أيضًا أحد أسباب اختلاف العلماء في الآراء والمذاهب «لأنه إذا اختلفت إدراكاتهم، اختلفت آراؤهم واعتقاداتهم بحسب ذلك». ويرى الإخوان أن المشكلة تتفاقم لأنها لا تقتصر على اختلاف العوامل الجسديّة بين الجودة والرداءة، بل
هناك أيضًا عوامل مضافة تتمثّل في «اختلاف أحوالها
في إدراكها صور المعلومات»؛ فالعلّة في اختلاف الأفعال تعود إلى «اختلاف أدواتها واختلاف آلاتها في الجودة والرداءة». والأفعال [إدراك صور المعلومات] تختلف بحسب تلك الاختلافات، وهذا الأمر ينسحب من الحواس (العين، الأذن، الأنف، اللسان، واليد) إلى الدماغ (القوة المتخيّلة،
القوة المفكّرة، والقوة الحافظة). والناس أيضًا
يختلفون في استخدام قواهم العقليّة؛ فبعضهم يركّز
على مُقدّم الدماغ (المتخيّلة)، وبعضهم يركّز على
الوسط (المفكّرة)، وبعضهم يركّز على مؤخّر الدماغ
(الحافظة). وتستخرج الرسالة من هذا التحليل البيولوجي مقولة نظريّة تشير إلى أن «تفاوت أفعال
هذه القوى يكون أكثر اختلاف الناس في معلوماتهم، ومنازعات العلماء في آرائهم ومذاهبهم».
-2 اختلاف مزاج البدن إنّ مسألة اختلاف «مزاج البدن» واختلاف هيئاتها وتغريّ أفعالها نقطة خلافية بين العلماء الطبيعيين
والمنطقيين؛ إذ هناك من يخالف هذا الرأي ولا يأخذ به كأحد «أسباب اختلاف الناس في معارفهم ومعلوماتهم»، وهناك أيضًا عدم اتّفاق على الأخذ
برأي الإخوان في «الأمور الروحانية الخفيّة عن إدراك
الحواس» لأنها أمور «لا تُعلم إالّ بدلائل العقول
ونتائج البراهين». هنا تستدرك رسالة الإخوان الموقف وتضيف إلى السبب الأول (الحواس التي تدرك الأمور الجسمانية
الظاهرة) والسبب الثاني (العقول التي تدرك دقّة المعاني ولطافتها وجلائها) سببًا ثالثًا يتمثّل في
«استعمالهم القياسات المختلفة، وطرقات استدلالهم المتفاوتة». وفي رأي الإخوان أن السبب الثالث هو «أكثرها تفرّعًا وتشعّبًا» لأنه جاء بالاكتساب
بينما الأول والثاني ليسا باختيار الناس (بيولوجي
طبيعي يولد مع الإنسان) ويحتاجان دائامً إلى «شرائط
معدودة» لا تتوافر على سوية واحدة لكلّ البشر. مع ذلك، يتمسّك الإخوان بوجهة نظرهم التي
تؤكّد أهميّة «تفاوت القوى الدرّاكة العالّمة» الأربع
(الحساسة، المتخيّلة، المفكّرة، والحافظة) في ترتيب
طبقات البشر؛ فلكل طبقة خصوصيتها، وهنالك أيضًا أولويّات في تعاقب الدرجات في كل طبقة،
واختلافات في أدوات الاستخدام. فالعين في رأيهم «أشرف الحواس»، وهي تأتي في أهمّيتها قبل الأذن
لأن البصر (النور والظلمة) أهم من السمع (الخبر)، والمشاهدة (النظر إلى الأشياء) أهم من ورود الأخبار النقل)(. إنّ قوة الحواس وضعفها يؤديان الدور الطبيعي الفطري في تميّز البشر بعضهم من بعض، وفي
اختلاف الإنسان عن الحيوان؛ فالحواس عند الناس أقوى، وبخاصة في القوة اللامسة (قوة
يديه من الصنائع العجيبة) وقوة اللسان (التحدّث
بلغات مختلفة وفهم معاني الخبر والسؤال والجواب
والاستفهام)، وهي أيضًا متفاوتة الاستخدام بين
البشر، فهناك «من الناس من لا يفهم إالّ لغة واحدة
[...]، ومن الناس من يفهم عدّة لغات، ويحسن أن
يقرأ عدّة كتابات». وهذه النقطة يعتبرها الإخوان من
أحد «أسباب اختلاف الناس في المعارف، واختلاف
العلماء في الآراء والمذاهب». لكنّها أيضًا ليست كافية
في اعتبار أن جميع معلومات الإنسان عن الزمان
تأتي من ثلاثة مواضع: الماضي (استماع الأخبار)،
والحاضر (المشاهدة)، وما سيكون في المستقبل
(التوقّع). وهذه تضاف إلى «أحد أسباب اختلاف
الناس في المعلومات، واختلاف العلماء في الآراء
والمذاهب». تشكّل هذه القواعد الحسّية والدماغية الأساس
البيولوجي لنمو القدرات البشريّة وتوصّلها إلى وعي
الأشياء وإدراكها. لكن القواعد العامة والمشتركة
بين البشر تسير في قنوات معرفيّة وعلميّة مختلفة
(الطرق والمناهج والاختصاصات). واختلاف
الطرق مسألة مهمّة في تشكيل الوعي والإدراك؛
فطرق الحواس الخمس تدرك بها «الأمور الحاضرة
في المكان والزمان [...] ومنها طريق استماع الأخبار
التي ينفرد بها الإنسان دون سائر الحيوانات (...)
ومنها طريق الكتابة والقراءة يفهم بها الإنسان معاني
الكلام واللغات والأقاويل». ولكن بما أن فهم
القراءة والكتابة وتعلّمهما يأتيان متأخرين عن فهم
الكلام والأقاويل، فإن فهم الكلام والأقاويل يأتي
متأخرًا عن فهم المحسوسات، فيصبح إدراك الإنسان
مسألة خاضعة للتدرّج شيئًا بعد شيء من لحظة
الولادة والطفولة إلى أن «تتمّ سن التربية، ويغلق
باب الرضاع، ويفتح الكلام والنطق». بعد هذه
المرحلة من التربية الأولى، تبدأ «أيام الكتابة والقراءة،
والآداب، والصنائع، والرياضيات، وسماع الأخبار
والروايات، والفقه في الدِّين، والنظر في العلوم
والمعارف، وطلب حقائق الموجودات، والبحث عن
الكائنات، والاستدلال بالحاضرات على الغائبات،
والمحسوسات على المعقولات، وبالجسمانيات
على الروحانيات، وبالرياضيات على الطبيعيات،
وبالطبيعيات على الإلهيات». والإلهيات في رأي
الإخوان «هي الغاية القصوى في العلوم والمعارف،
والسعادة الأبدية والدوام السرمدي».
-3 طبقات معرفية يكشف الترتيب الذي اعتمدته الرسالة الثانية
والأربعون عن طبيعة المنظومة المعرفية التي يراها
الإخوان في سياق تتابع منطقي/هرمي؛ فقاعدة
الهرم مشتركة بين كل البشر (الطفولة والرضاعة
وتربية الأهل)، وهي تبدأ بالارتقاء درجة درجة
من الكتابة والقراءة، وصوالً إلى العلم الإلهي الذي
هو أعلى قمة الهرم، بينما تقع تحته طبقات المعرفة
نزوالً من الطبيعيات ثم الرياضيات والتفقّه في
الدِّين وسماع الأخبار والروايات وتعلّم الصنائع
والتدرّب عليها (الحرف والمهن)، وهي كلّها
أدوات (آليات منهجيّة) يتم أخذها من الأساتذة
والشيوخ والأصحاب. هذا التدرّج الهرمي له أسبابه في رأي إخوان الصفا،
وهو ليس بعيدًا عن تكوين الإنسان البيولوجي
واتّصال حلقات الحواس الخمس بالدماغ، وتحديدًا
«القوة المتخيّلة» لأهنّا تأتي في الموقع التالي ل«القوى
الحساسة في تناولها رسوم المحسوسات منها». فهذه
القوّة تقع في «مقدم الرأس»، وهي الأكثر تأثرًا بما
تنقله الحواس إلى الدماغ. ولهذا السبب تتفاوت
«درجات الناس في هذه القوة»، وهو ما يشكّل
«أحد أسباب اختلافهم في العلوم والمعارف والآراء
والمذاهب». تصف الرسالة هذه القوة بالعجيبة لأنها
تمتلك مجموعة خواص، أبرزها قدرتها على التخيّل،
فهي «تتخيّل وتتوهّم ما له حقيقة، وما لا حقيقة
له». مثالً، تستطيع هذه القوة أن تتخيّل «جمالً على
رأس نخلة، أو نخلة ثابتة على ظهر جمل، أو طائرًا له
أربع قوائم، أو فرسًا له جناحان، أو حمارًا له رأس
إنسان [...] ممّا له حقيقة، وممّا لا حقيقة له».
ولهذا صار الإنسان ب«القوة المتخيلة يقدر على أن
يتخيّل ويتوهّم ما لا يقدر عليه بالقوى الحساسة»،
على اعتبار أن الحواس تدرك الجواهر الجسمانية من
الخارج بينما تدرك المتخيّلة جوهر النفس ولطافتها
وروحانيتها، أي إهنّا «تتخيّلها وتتصوّر في ذاتها».
وهذا الأمر ينطبق على جميع العلوم والمعارف حتى
الصُنّاع البشريين، إذ «أن كل صانع يبتدئ أوالً يتفكر
ويتخيّل ويتصوّر (...) ثم يقصد بعد ذلك إلى هَيُولى
ما (...) فيصوّر فيها ما هو مُصوَّر في فكره بأدواتٍ
ما». التخيّل إذًا يبدأ بتصوّر الأشياء تبعًا للإدراك
الحيسّ (التفكّر)، بعدها يأخذ الصانع تنفيذ الصورة
المتخيّلة معتمدًا على الهيولى (المادة) والأدوات، لكن
ليس بالضرورة أن تكون الأشياء المتخيّلة (المتومهّة)
كلّها صحيحة في الواقع العيني. الأمر نفسه (التدرّج من المحسوس إلى المخيّلة فإلى
الصورة فإلى ترتيب المتخيّل وإخراجه من القوة إلى
الفعل) يحصل على مستوى العقل في اتّباع الدليل
النفسي في استنباط الأدلة وتخيّل المعاني. لكن القوة
المتخيّلة في هذا المجال تبدو متفاوتة وبعيدة جدًا بين
الناس، لأن هناك من «تعجز نفوسهم عن تصوّر
أشياء كثيرة قد قامت الحُجّة والبراهين على صحّتها».
والعلّة في ذلك تعود إلى «اختلاف تركيب أدمغتهم
واعتدال أمزجتها، أو فسادها وسوء مزاجها». إالّ أنّ هذه العلّة في سلبياتها وإيجابياتها لا تعطّل عجائب
القوة المتخيّلة؛ فالمتخيّلة قادرة على تصوّر كل شيء،
منها أهنّا تستطيع أن «تركّب القياسات، وتحكم بها على
حقائق الأشياء بلا رويّة ولا اعتبار». وبواسطة اتّباع
منهج القياس، تحصل الأخطاء في المقارنات بسبب
التوهّم أو نتيجة قلّة المعرفة في علم الرياضيات «من
الهندسات والطبيعيات»، أو في «كيفية حدوث العالم
وخلق السموات والأرض». فهذه المتخيّلة هي
من «أعجب القوى الدرّاكة»؛ إذ في إمكان الإنسان أن
يجول في ساعة واحدة «المشرق والمغرب، والبر والبحر،
والسهل والجبل، وفضاء الأفلاك وسعة السموات،
وينظر إلى خارج العالم. ويتخيّل هناك فضاء بلا نهاية،
وربمّا يتخيّل من الزمان الماضي وبدء كون العالم،
ويتخيّل فناء العالم [....]». وهذا الباب هو «أحد
الأسباب من جهة اختلاف العلماء في آرائهم ومذاهبهم
في المعلومات»، إذ يختلف العقلاء كثيرًا «إذا تفكّروا
وتخيّلوا» تبعًا لأمزجتهم ومستوى وعيهم وإدراكهم
للعلوم، ومدى استعدادهم للاستماع إلى الحجّة
والبرهان على صحة الأشياء والأخبار أو بطلانها.
-4 القوة المفكرة بعد المتخيّلة يأتي دور «القوة المفك رة» في تناولها «رسوم
المحسوسات المتخيلّات»، وأفعال «سائر القوى
الحساسة الدرّاكة»، وهي تنقسم إلى نوعين: الخاص
والمشترك. المشترك هو ذاك الرابط بين ما يحرّك وسط
الدماغ (القوة المفكّرة) و«القوة الصناعية التي آلتها اليدان». كذلك الكلام والأقاويل واللغات، فإنها أفعال مشتركة بينها وبين «القوة الناطقة التي آلتها اللسان» وغيرها من أفعال ومتخيلّات تشترك معها
بين مقدَّم الدماغ أو مؤخّره. أمّا الخاص على
مستوى القوة المفكّرة، فهو يتّصل بالفكر والروية
والتمييز والتصوّر والاعتبار والتركيب والتحليل
والجمع والقياس البرهاني، كذلك الفراسة والزَّجر
والتكهن والخواطر والإلهام والوحي ورؤية المنامات
وتأويلها. ووظيفة خواص هذه «القوة المفكّرة»
هي التحكّم في الأشياء والتحكيم في القضايا «بين مُدْرَكات الحواس ومتخيلّات الأوهام» وما يدّعيه
العقلاء بينهم «من المنازعات والخصومات، في الآراء والديانات والمذاهب». وفي رأي إخوان الصفا أن هذه القوة هي «أول طريق العلوم، وأوّل الاختلافات
التي وقعت بين الناس في المُدرَكات من المحسوسات
والمتخيلّات»؛ فالمعقولات من أوائل العقول، والعقلاء
«متفاوتو الدرجات في معرفتهم هذه الأشياء، التي
تُعلَم بأوائل العقول»، وهي تكون عندهم «أكثر عددًا
وأشدّ تحققًا من غيرهم من الناس». لماذا؟ لأن تلك
الأشياء «بعضها ضاهر جليٌّ لكلّ العقلاء، وبعضها غامض خفيٌّ يحتاج إلى تأمّل قليل، وبعضها يحتاج إلى
تدقيق النظر وتأمل شديد». هذا الاختلاف في درجة التعامل مع «أوائل العقول»
يدفع إلى الافتراض والتذكّر والسقوط في الأخطاء
بسبب الامتناع من التعلّم والتعليم، و«أول طريق التعاليم هي الحواس، ثمّ العقل، ثم البرهان»، وأن
«كل ما لا تدركه الحواس بوجه من الوجوه، لا تتخيّله الأوهام، وما لا تتخيّله الأوهام، لا تتصوّره
العقول»، وإذا «لم يكن شيء معقول، فلا يمكن
البرهان عليه». والسبب يعود إلى «أنّ الأشياء المعقولة ليست بشيء سوى رسوم المحسوسات الجزئيّات الملتقطة بطريق الحواس من الأشخاص،
مجموعة في فكر النفس المسمّى أنواعًا وأجناسًا».
وهذه «النفس الناطقة» تختلف بين عاقل وآخر في التأمل والتدقيق والبحث والتجربة، وهو ما يؤدي إلى حصول تفاوت في درجات العقول وتفضيل «بعضهم على بعض». العقلاء هم «أفاضل الناس»، ولكن «لا يمكن أن تجتمع تلك الفضائل في شخص واحد»، لأن «الإنسان صورة مختصرة من جميع صور الحيوان، وهو المجموع فيه أمزجة قوة النبات، وخواص
المعادن، وطبائع الأركان والمولّدات الكائنات منها
أجمع». ولهذا تفرّقت هذه الصور المركّبة في جميع
الأشخاص، الأمر الذي شكّل «أحد أسباب اختلاف طبائعهم، واختلاف طبائعهم أحد أسباب اختلاف
تفاوت عقولهم». تضاف إلى هذه العلّة مجموعة خصال تتمثّل في «خواص جواهر النفوس، وغرائب
العلوم والمعارف والأفعال والأعمال، واختلاف الصنائع وتصاريف المعاش، واختلاف أخلاقهم، واختلاف سُنن دياناتهم، وتباين مذاهب آبائهم،
وآراء «أستاذيهم ومعلّميهم». هذه العلل المشتركة
كلها، وهي في مجموعها تصل إلى سبعة أسباب،
تساهم في اختلاف الناس، وذلك لصعوبة أن تجتمع
جميع الخصال في شخص واحد، سواء على مستوى
الفطرة أو على مستوى الكسب. بناء على هذا الانشطار في تكوين البشر وتربيتهم
وأخلاقهم وجاهزيتهم لاستقبال العلوم، قسّم
إخوان الصفا الناس إلى تسع طبقات معرفيّة، وهي
تبدأ نزوالً من قمّة الهرم إلى قاعدته، فهناك: أهل
الدِّين؛ أهل العلم؛ أهل المعارف؛ أهل السياسة؛
أهل الصنائع؛ أهل الزرع والبناء؛ أهل التجارة؛ أهل
الخدم؛ وأهل الفقر والمساكين. ولكلّ طبقة رئيس
ومرؤوس. ويعتبر الإخوان طائفة الفقراء رحمة
للأغنياء، والفقراء أشدّ الناس يقينًا بالآخرة.
ولا يرى الإخوان عيبًا في اختلاف العقلاء، لأنّ من
العسر جدًا «اجتماع العقلاء على رأي واحد كلّهم في
شيء واحد»؛ فهم يتّفقون في الأصول ويختلفون في
الفروع. وتعدِّد الرسالة أنواع الاختلافات وهي
تتركّز على الرياضيات (صناعة العدد، الأزواج،
الأفراد، الواحد قبل الاثنين)، وصناعة الهندسة
(المقادير، الأبعاد، والزوايا)، وصناعة التنجيم
(علم الهيئة)، وأنّ الأرض كرويّة ثابتة وهي مركز
العالم والسماء متحرّكة حولها، وصناعة التأليف
(الموسيقى)، وعلم الطبيعيّات الذي يتألف من خمسة
أشياء (الهَيولى، الصورة، المكان، الزمان، والحركة)،
وعالم السموات والأفلاك (محرّك واحد بحركة
واحدة)، وعالم الكون والفساد الذي يتألف من
طبائع أربعة (الحرارة، البرودة، الرطوبة، اليبوسة)،
والأركان الأربعة (النار، الهواء، الماء، الأرض)، وهي
في مجملها قابلة للتحوّل، وخصوصًا التراب والنبات
والمعادن والحيوان. -5 صناعة اللغة والمنطق وأهل الجدل إلى ذلك، هناك علوم المنطق (لغوي/فلسفي)؛ فاللغة
صناعة النحو والخطب والشعر، والمنطق الحكمي
صناعة البرهان والجدل السفسطائيين. ولكلّ فن منها
أصول وفروع. و«إنّ لكلّ علم وصناعة أصوالً متفقًا
عليها بين أهلها»، و«كل صناعة مأخوذة من صناعة
أخرى»، وأهل كلّ صناعة أو علم أو مذهب هم «أعلم
وأعرف من غيرهم». تهاجم الرسالة من تسمّيهم أهل الجدل والمجادلة
(السفسطائيين) لأنهم يجادلون قبل النظر والبحث
والعلم في الأشياء؛ فهم يقلبون الحقّ والباطل،
ويتحدّثون الكلام المتناقض بتعصّب شديد، ولا يقولون
(لا أدري). وفي رأي الإخوان أن جهل أهل الجدل وراء
الكثير من الخلاف في الآراء والمذاهب. لذلك ترى
الرسالة أن الاعتراف بعدم المعرفة أفضل من الادّعاء
بشأنها، وإذا لم يحصل الاتّفاق على مسألة محدّدة يفضّل
تركها والسكوت عنها على الغوص فيها عن جهل. هنا تتطرّق الرسالة إلى مسألة خلافية مهمّة تتّصل
بمنهج القياس واستخداماته المتنوّعة؛ إذ لكل صناعة
قياسها (الفقهاء، الأطباء، المنجّمون، الرياضيون).
وبما أنّ القياس تعريفًا «هو الحكم على الأمور
الكليّات الغائبات بصفات قد أُدركت جميعها في
بعض جزئياتها»، يصبح الخطأ مفتوحًا على احتمالات
شتّى، وهو ما يستدعي التدخّل لتصحيح الانحرافات
والاستنتاجات المتسرّعة. والمنهج الذي يتكفل
بإعادة ميزان العقلإلى صوابه هو البرهان، فالبرهان
هو «ميزان العقل من أجل طلب الحقائق، وإصابة
الصواب، وتجنّب الزور والغرور بما لا حقيقة له». البرهان هو الفيصل في تحديد صحّة موازين القياس،
لأنّ الناس في طباعهم وأخلاقهم وعاداتهم وأعمالهم
وعلومهم وصنائعهم مختلفون على الحكم على
الأشياء لأسباب كثيرة تتّصل بالاعتقادات، وهي،
في رأي الإخوان، لا تخرج كلّها من ثلاثة أنواع،
«فمنها ما يصلح للخاص دون العام، ومنها ما للعام
دون الخاص، ومنها ما بين الخاص والعام». وأنفع
الاعتقادات وما يصلح لجميع الناس من دون تمييز
بين الخاص والعام «هو القول بحدوث العالم»، أي
الاعتراف بأنّه مصنوع وله صانع قديم، وله خواص
«من بني آدم اصطفاهم وقربّهم». ويشكّل القول بحدوث العالم ركيزة مهمّة في
تفكير إخوان الصفا، وهو جاء للردّ على ما تصفه
الرسالة الثانية والأربعون بالقوى المنحرفة عن
الطريق المستقيم والمذاهب البدعيّة، وعلى رأسها
فرقة الدّهريّة التي تقول ب«قِدَم العالم وأزليّته»
بسبب أنكارها «العِلّة الفاعلة» وجهلهم أيضًا للعلل
الخمس، وهي «تُرى من عمله؟ ومن أي شيء عمله؟
وكيف عمله؟ ولمَعمله؟ ومتى عمله؟». وفي رأي
الإخوان أنّ خطأ البحث عن الفاعل أدّى إلى خطأ
«القول بقِدَم العالم». تبدأ الرسالة بعد ذلك بالحفر العمودي في موضوعة
العقل؛ فللعقل مناقب كثيرة، وأيضًا آفات كثيرة
(الهوى، الإعجاب بالنفس، والكِبر). وهذه الآفات
عارضة، وتضرب العقل بوصفه «النفس الناطقة»،
لذلك يعتبر الإخوان أنّ «جميع الأفعال البشريّة
المُحكَمة، وجميع الآراء والمذاهب العقلية والوضعيّة،
من أفعال العقل الإنساني». وهنا بالضبط تكمن
مشكلة القائلين بقِدَم العالم؛ فهم مصابون بالآفة
العارضة لأنهم «أرادوا أنْ يعرفوا العلة الفاعلة قبل
معرفتهم المعلول». والعالم في رأي الرسالة مصنوع،
«والمصنوع يقتضي الصانع»، وهذا ما أدّى إلى
وقوع الاختلاف في الآراء والمذاهب المتفرّعة بها بين
قائل بعلّة واحدة وقائل بوجود علّتين: واحدة للحق
والباطل وأخرى للخير والشر. الأنبياء قالوا العالم
مصنوع وله علّة واحدة، والحكماء (ومعهم زرادشت
وماني) قالوا إنّ العالم مصنوع وإنّ له علّتين (فاعلان،
خالقان)، وهو ما أدّى إلى تشكّل رأي ثالث يقول
بالثلاثة ويبطل المثنوية على اعتبار أنّ أحد الأصلين
فاعل والآخر منفعل. يرفض إخوان الصفا الأخذ بالعلّتين، لأن الباطل
في رأيهم ناتج من «القصور في التمام» و«النقص في
الكمال يسمّى شرًّا». ومصدر الشر هو الهيولى (المادة
التي يتألّف منها عالم الكون)، والتالي إنّ المشكلة
تصبح في الهيولى لا في مصدر العلّة، لأن المصنوعات
البشريّة تحتاج إلى ستّة أشياء (الهيولى، المكان، الزمان،
الحركة، الأدوات، الآلات) وعدم توافرها أو
النقص في كمالها أو القصور في تمامها يولّد الآفات
والسلبيّات. ومن تفاوت المصنوعات البشريّة
والضعف في استخدامها تتفاوت درجات العقلاء
لكون عقل الإنسان يتشكّل من نوعين: غريزي
ومكتسب. والمكتسب ليس موحدًا، وهو ما يفرسّ
أسباب اختلاف العلماء في درجات عقولهم واختلاف
قياساتهم وفنون استعمالها. -6 أنواع الأقيسة أنتج اختلاف درجات العقول المكتسبة في التعامل
مع القياسات العقليّة جملة أنواع من الأقيسة (الجدلي،
الخطابي، البرهان الهندسي، البرهان المنطقي، البرهان
العددي)، فنشأ بسببها الاختلاف على ماهية الهيولى
وحدوثها وكيفيّة حدوث الأجسام منها، وهو ما
أدّى إلى انقسام الآراء وتفرّع المذاهب؛ فالحديد
واحد وصوره متعدّدة (السكين والمنشار)، وكذلك
أفعاله، والأمر ينطبق على كل المادّة (الهيولى)، فهي
تأتي في صور متعدّدة في الأفعال والاستخدامات.
وهذا الاختلاف حصل أيضًا في القراءة، وهو ما
دفع العقلاء إلى رؤية صور الهيولى من زوايا متعدّدة
وعدم الانتباه إلى أنّ الخلق حصل على تدرّج و«ممرّ
الأوقات»، وأنّ «النقصان ليس من قبل الله» وإنمّا
مردّه إلى «النشوء والنمو». من النشوء والنمو يبدأ النقص (تفاوت درجات
التطوّر)، وتأخذ الصور بالتكيّف على مستويات في
الإدراك العقلي للأشياء، لكون العقل المكتسب يتجىلّ
في خمسة أنواع من الخصال: علوم ومعارف؛ أخلاق
وسجايا؛ آراء واعتقادات؛ كلام وأقاويل؛ أعمال
وحركات. وبسبب هذه الخصال بدأ الإنسان
بعبادة الأصنام أواّلً (الكواكب)، ثمّ أخذت الرؤية
تتطوّر وراحت تتوضّح بالتوسّل والتقرّب، إلى أن
وصل الإنسان إلى معرفة الله، ثم عاد وارتدّ وبدأ
الناس يعودون إلى عادة التجسيم (الصور والتماثيل).
وهذا التاريخ الدائري لوعي الإنسان ورؤيته للخالق
يعتبره الإخوان من آفات العقل، لأن من يعرف الله لا
يتوسّل إليه بأحد غيره. تصل الرسالة الثانية والأربعون إلى السؤال الذي
بدأت منه: لماذا الاختلاف في الدِّين؟ الجواب: لأن
طباع الناس مختلفة؟ ولماذا طباع الناس مختلفة؟ تردّ
الرسالة بإحالة المسألة إلى أسباب وهي: الزمان؛
المكان؛ الطباع؛ الأمزجة؛ والعادات. فالاختلاف في
هذه الطباع (علاجات مختلفة في بلدان مختلفة وأزمان
مختلفة) يؤدي إلى اختلاف الشرائع رغم أن الدِّين
واحد؛ فالأنبياء في رأي الرسالة لا يختلفون (تجمعهم
اثنتا عشرة خصلة) في الدِّين، لكنّهم يختلفون في
الشرائع (أوامر، نواه، أحكام، حدود، وسنن)،
وخلافهم يشبه اختلاف الأطباء في وصف الأدوية
لمعالجة الأمراض. فالعقاقير تتغريّ بحسب ظروف
المكان والزمان، وهذا ليس عيبًا. بعد الإجابة عن السؤال المتّصل بتعدّد الدِّيانات،
تعود الرسالة للإجابة عن سؤال: لماذا ينقسم الدِّين
نفسه إلى طوائف؟ والجواب لأن هناك عوامل تعود
إلى اختلاف في ألفاظ التنزيل، واختلاف في المعاني،
واختلاف في أسرار الدِّين، واختلاف في الأئمة
(خلفاء الأنبياء)، واختلاف أحكام الشريعة والسنن
بين الفقهاء، واختلاف المفرسّين، واختلاف العلماء
«واجتهاد كل واحد منهم بحسب قوة نفسه، وصفاء
جوهره، واجتهاده وبحثه». لهذه الأسباب تتفرّق الأمّة بعد غياب نبيّها، وتبدأ
المذاهب الظهور بوصفها فروعًا على الدِّين. ويرى
الإخوان أنّ لاختلاف العلماء فوائد كثيرة، منها الحثّ
على القراءة، والتنبيه إلى ترك الرذائل، وكذلك فتح
الباب للاختيار والتفكّر (اختلاف العلماء رحمة) لأنّ
التطور يحتاج إلى وقت. و«المكث في الدنيا زمانًا» يشبه
الطفل في الرحم، فهو يأخذ وقته ليتم الجسد وتكتمل
الصورة؛ فالدِّين طاعة، وله ظاهر وباطن، وهو مجرّد
طريق يعبره الإنسان «من الدنيا إلى الآخرة».
بعد تحليل الرسالة للعوامل والأسباب المؤدية إلى
الاختلاف، تبدأ الحفر في التفصيلات، وتأخذ بسرد
التشعّبات انطلاقًا من الاتّفاق على ضرورة الإمام
(الحاكم)، لأنه ضروري للحكم والتدخّل لوقف
الخلاف والاختلاف، وصوالً إلى تعداد أهم العناصر
التي يختلف عليها فقهاء الأمّة وعلماؤها.
الخلافات والآراء الفاسدة
قسّم الإخوان أصحاب الآراء السيّئة إلى تيارين:
شياطين الإنس (أهل الآراء الفاسدة الظاهرة)،
وشياطين الجن (أهل الآراء الفاسدة الباطنة). وتخلط
الرسائل بين خلافات العلماء والأئمّة على القضايا
الجوهريّة وشيوع الآراء التي تشكّك في الأصول
إضافة إلى الفروع. ويحدّد إخوان الصفا خلافات
علماء الأمّة وفقهائها وأئمّتها بالنقاط الآتية: الإمامة
(الإمام)؛ مسألة الجبر (ضدّ القدَرية)؛ مسألة أحكام
النجوم؛ مسألة الوعيد؛ مسألة وقت وفاء الوعد؛ مسألة
توصيف الآخرة ومتى «إنكار القيامة ويوم الحساب»؛
معرفة الله وصفاته اللائقة به؛ مسألة الخلاف للذات؛
الخلاف على الصفات؛ الخلاف على خلق القرآن
(مخلوق أو ليس مخلوقًا)؛ الخلاف على معنى الخلق
واختلافه عن الإبداع؛ الخلاف في معلومات الخالق؛
الخلاف على مسألتي المشيئة والإرادة؛ الخلاف على قِدم
العالم (العالم قديم لا صانع ولا مدبّر له)؛ الخلاف على
أن للعالم صانعيَن: الخير والشر؛ الخلاف على أن العالم
حمُدث وله صانع واحد؛ الخلاف على مسألة البعث
والنشور والقيامة والحشر ولقاء الصانع (الدنيا حال
نقص دون التمام، والآخرة حال تمام وكمال)؛ الخلاف
على يوم الحساب والرجعة (الموت ليس شيئًا سوى
مُفارقة النفس الجسد)؛ وأمر المعاد والنشأة الآخرة
(النفس باقية بعد مفارقة الجسد)؛ الخلاف على قيامة
المسيح وعودة الإمام المنتظر. في هذه الصفحات تستطرد الرسالة في تكرار الموضوعات،
وتقوم بتعريف فرقة الجبريّة وتوصيفها وفرقة القدريّة
وتوصيفها، وتهاجم وتنتقد وتؤيّد وتعارض وتدافع عن
مسألة أحكام النجوم وتأثيرات الفلك على مزاج الإنسان
لتؤكّد أن المُلك (أمر دنيوي) والنبوّة (أمر أُخروي)،
والناس لا يرغبون إالّ في دين الملوك، وهم على دين
آبائهم ومذاهب أسلافهم إلى أن تصل إلى الفكرة التي
تريدها، وهي أنّ «الحقّ في كلّ دين موجود» وأن الإنسان
من حقّه أن يغريّ دينه أو مذهبه، وعليه واجب «الأخذ
بالأخريَ الأفضَل، والانتقال إليه». إن حقّ الإنسان في أن يختار دينه ومذهبه يُعتبر في
مقاييس زمن إخوان الصفا خطوة مهمّة وخطِرة،
لأنّه يغلّب العقل أو الإرادة على الموروث، ويرون
أنّه ليس بالضرورة أن يكون الأبناء على دين الآباء
ومذاهبهم ومعتقداتهم ما دام الفرد بمقدوره أن يفكّر
ويختار ويأخذ بالأفضل وينتقل إليه، لأنّ «أمر الآخرة
أنّ لها وجودًا متأخرًا عن الكون في الدنيا». ولأنّ
عقل الأمور يؤدّي إمّا إلى الهداية وإمّا إلى الضلال،
فإنّ الإنسان يتطور من نطفة إلى عالم فيلسوف ثمّ إلى
شيخ زاهد ذاهب بالقوّة. فالبشر أحوال وعلى أنماط،
منهم العامّة (كثرة الصوم والصلاة والصدقة)،
وهم الغالبية، ومنهم الخاصّة (التفكّر) التي تنظر
إلى أمور العالم وهي على ضربين: كلّيات وجزئيّات.
الكلّيات توصل إلى الهداية والجزئيات إلى الحيرة.
والإنسان لا يعرف الحكمة إالّ بعد النظر والتفكّر في
العلوم الإلهيّة، والأمور الطبيعيّة، والأمور المعقولة،
والأمور المحسوسة. لكن مشكلة الخاصّة أنها تعجز
عن «معرفة الأمور المُشكّلة»، وهو ما يؤدّي إلى
الاختلاف و«أكثر الآراء والمذاهب تتشعّب في هذه
الأمور المشكّلة التي فكّر فيها العلماء». انطلاقًا من تقسيم الناس إلى طبقات بحسب درجة
المعارف (لا الغنى والفقر)، يرتّب إخوان الصفا
الناس بحسب الوظائف والاختصاصات؛ فكلّ أمّة
متخصّصة بعلم من العلوم، وكل طبقة تنظر إلى الأمور
بحسب وظائفها وتراتبها المعرفي. العامّة تميل إلى
الظاهر المكشوف، والخاصّة تميل إلى الحكمة (النظر في
أسرار الدِّين وبواطن الأمور)، والبحث عن معرفة الله
وصفاته وهويّته (هل هو؟ ما هو؟ كم هو؟ كيف هو؟
وأيّ هو؟ وأين هو؟ ومتى هو؟ وملَِهو؟ ومن هو؟).
وتعترض رسالة الإخوان على سبعة مباحث (أسئلة)،
وتوافق على اثنتين (هل هو؟ ومن هو؟). والموافقة
جاءت في سياق فكرة أخرى لا تقلّ أهمّية وخطورة
عن فكرة (حقّ الاختيار). فالرسالة ترى أنّ اختلاف
الخاصّة على صفات الله وتجلّياته تنشطر إلى آراء، فهناك
من يراه «صورة روحانيّة سارية في جميع الموجودات»،
وهناك من يعتقد أنّه ليس بذي صورة (أنّه نور بسيط
من الأنوار الروحانيّة)، وهناك من يراه «هو الفائض
منه وجود الموجودات» وهو «كوجود الواحد في كلّ
عدد» أي موجود في كلّ شيء من غير المخالطة. وبناء
على قاعدة هذا الفرز الهرمي/المعرفي تصل الرسالة
إلى استنتاج في غاية الدقّة، وتطرح اشكاليّة مستقبليّة
(مسألة مؤجّلة) لا تزال راهنة، وذلك حين تربط بين
معرفته وتطوّر مختلف قطاعات العلوم. والشرط إلى
معرفته يتطلّب الاستمرار في طلب المعرفة للوصول
إلى التعرّف إلى هويّته. معرفته إذًا مرهونة بتطوّر أحكام
جميع العلوم والمعارف الإلهيّة والطبيعية والرياضيّة
والعقليّة والحسّية «حتى إذا أحكمت هذه العلوم
والمعارف، عرفته عند ذلك حقّ معرفته». غاية الإنسان إذًا هي الوصول إلى معرفة الله. والمعرفة
مرهونة بالتطوّر للوصول إلى تلك اللحظة السعيدة
في زمن البشر. وبما أن هدف الإنسان هو الوصول
إلى السعادة، تصبح السعادة في الآخرة هي السعادة
القصوى، والآخرة هي «أن تبقى كلّ نفس بعد
مفارقتها الجسد إلى أبد الآبدين على أتمّ حالاتها
وأكمل غاياتها». هذا المسار التطوّري للإنسان من النطفة إلى
الشيخوخة تتحكّم به غاية. والإنسان يتقدّم ويتطوّر
في المعارف ليس طلبًا للتعلّم وإنما تحببًا للوصول إلى
هدف. والهدف هو معرفة الله التي هي «السعادة
القصوى» وبها ومنها تكون المغادرة نحو «المدينة
الروحانيّة الفاضلة». فالإنسان في النهاية مجبول
بطلب المعرفة. والمعرفة لها وظيفة محدّدة ومشروطة
بالتطوّر الزمني (ممرّ الأوقات) ومدى قدرة الإنسان
على التفكّر في إطار رعاية منظّمة ورقابة دائمة (إن لم
تكن تراه، فإنه يراك). هذه هي الفكرة الفلسفيّة التي أرادت الرسالة الثانية
والأربعون قولها من خلال شرح الأسباب الموجبة التي
أدّت إلى تنوّع الديانات وتعدّد الآراء واختلاف المذاهب
وتفسيرها وتحليلها وتفكيكها. فالغاية في النهاية واحدة
والأهداف مشتركة حتى لو تخالفت الوسائل والمناهج
وطرق النظر إلى الأمور المحسوسة والمعقولة. الإنسان
في نهاية المطاف ناقص ويصعب أن تتوافر في الفرد
(الشخص الواحد) كلّ معارف الكون. فالنقص ناجم
عن عدم تطابق المطلق بالجزئي واللامحدود بالمحدود
واللانهائي بالنهائي. ولأنّه كذلك توزّعت النشاطات
والاختصاصات على الأمكنة والأمم وتقدّمت العلوم
زمنيًا. فالرهان على العامل الزمني الذي يمكن أن يدفع
الإنسان نحو الوصول إلى الغاية القصوى (السعادة)
ما يؤدّي لاحقًا إلى تطابق المطلق بالجزئي واللامحدود
بالمحدود واللانهائي بالنهائي ما يفتح باب السعادة
(الآخرة) بانتقال الإنسان الناقص وتقدّمه الطردي إلى
طور الإنسان الكامل.
خلاصة
لقد أعطت إعادة قراءة الرسالة الثانية والأربعين
فكرة عن السجال الأيديولوجي الدائر آنذاك في
عصر إخوان الصفا، والنقاش الحاصل بشأن المعارف
وتطوّرها، ومدى إمكان استخدامها كأدوات بحث
(تحليل، تفكيك، تركيب) للتعرّف إلى الأسباب
الموجبة التي أدّت إلى اختلاف الناس وتنوّع الأديان
وتعدّد المذاهب والآراء. والنتيجة العامّة لم تكن
موفّقة في شموليّتها، لأن الرسالة وعدت في مطلعها
بالإجابة عن كلّ العوامل المؤثّرة في الإنسان، لكنّها
انحرفت في سياقها العام وأخذت تركّز على العوامل
الحسّية (الحواس، الدماغ، العقل) والعوامل
الادراكيّة (الوعي، مستوى المعرفة، واستخدام
الأدوات المنهجيّة والقياس)، وأهملت إلى حدّ معني
تلك الأسباب المتعلّقة بالمناخ والطبيعة والاجتماع
والتربية والأهل والأخلاق التي وعدت الرسالة
بالإتيان إلى ذكرها. وقد ذكرتها الرسالة ولكن بشكل
سريع، ومن دون شرح أو تفصيل. ربمّا هناك بعض المبرّرات التي تعطي الرسالة
بعض العذر في التقصير، منها المراجع والمصادر
والإحالات التي اعتمدت عليها لتفسير المعطيات
التي أدّت إلى الاختلاف. فالمراجع التي استندت
إليها تركّزت على كتاب إقليدس في الهندسة، وكتب
أرسطو وغورفوريوس في الفلسفة والبرهان، وكتاب
المجسطي، وكتاب بانياس الحكيم. هذه الكتب ربمّا تكون قد ساهمت في التحكّم في
مسار البحث وأدّت في النهاية إلى التركيز على أسباب
وتغليبها على أخرى. كما كان لإحالات الرسالة
الثانية والأربعين إلى الرسائل الأخرى دورها في القفز
على الأسباب والذهاب فورًا إلى الاستنتاجات، خوفًا
من الإعادة والتكرار. فالرسالة كانت تحيل القارئ
وتنصح له بالعودة إلى ما ذكرته عن الموضوع في رسائل
سابقة، وهي اشتملت على العناوين الآتية: رسالة
الأخلاق؛ الحاس والمحسوس؛ العقل والمعقولات؛
الهندسة وبيان المنطق؛ رسالة تركيب الجسد؛
الرسالة الجامعة؛ الصنائع العلميّة؛ الزّجر؛ رسالة
القاطيغورياس؛ الرسالة المنطقيّة؛ البعث والقيامة؛
رسائل في العقليات والرياضيات والطبيعيات
والإلهيات؛ رسالة نسب الموسيقى؛ الهيولى والصورة؛
الهندسة الحسيّة؛ العلل والمعلولات؛ رسالة
الحيوانات؛ النواميس؛ المنطق؛ الإنسان عالم صغير؛
الآلام واللذات؛ الإيمان؛ الرسائل الناموسيّة الإلهية؛
المبادئ؛ ورسالة حكمة الموت. هذه الإحالات إلى
رسائل سابقة (مجموعها أربع وثلاثون رسالة) تشكّل
كلّها أكثر من ثلثي أعمال إخوان الصفا، وربمّا تفرسّ
الأسباب التي أدّت إلى عدم غوص الرسالة الثانية
والأربعين في التفصيلات على اعتبار أهنّا جاءت إلى
ذكرها في مواضع سابقة.
إالّ أنّ المهمّ في المسألة لم يغب عن منهج الرسالة، فهي
نجحت في تحليل الأسباب والمسبّبات التي تؤدّي
إلى اختلاف الخاصّة (العقلاء)، وبالتالي دفع الناس
(العامّة) إلى التورّط في الأخذ بالتفصيلات والفروع،
ومغادرة الأصول من دون انتباه؛ فالرسالة ترى أن
البشر، على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم ومذاهبهم
وأنماط معاشهم وتعاملاتهم، متوّحدون على الأصول
والمبادئ العامّة على اعتبار أن الكلّ جاء من جوهر
واحد، وسينتهي في إطار واحد. لذلك حرصت
الرسالة في نهاية أوراقها على الدعوة إلى التوحّد
لتحقيق السعادة القصوى المرهونة بتطوّر الزمن
وتقدّم علومه التي تمتلك وحدها مفاتيح معرفة
الغيب في المستقبل. لكن الرسالة لم تترك المسألة مفتوحة على المجهول؛
فهي قرّرت أيضًا الدعوة إلى توحيد الإنسان
(الإنسان الكامل) بوصفه القوّة الوحيدة التي تتوافر
فيه القدرات والمعطيات (الكلّ في الجزء والجزء في
الكلّ) لتحقيق حلم «المدينة الروحانيّة الفاضلة»،
وهي دعوة أفلاطونيّة بدأت في جمهوريّته، وأخذ بها
الفارابي مع تعديلات إسلاميّة تقول بها وبما سامّه
لاحقًا ب «المدينة الفاضلة».
إنّ الطموح نحو العالم المثالي والتشبّه بفترة الخلافة
الراشدة يشكّلان ذلك الرابط بين ماضٍ جميل ومستقبل
غير منظور. والرابط بينهما كان حاضر إخوان الصفا
المجبول بالمخاطر، وبالمخاوف من الانشطار الأهلي
وتفرّق الناس وتوزّعهم على فِرَق وملل ونحَل تتقاتل
على فروع لا قيمة لها أمام جوهر الأصول.
ولم تكن مخاوف إخوان الصفا من عثرات المستقبل
مختلَقة أو متخيَّلة؛ فالأمور سارت بعد أقلّ من مئة عام
على وضع الرسالة ونشرها إلى مضاعفات وتداعيات
وانقسامات، توّجت بدخول الفرنجة بلاد الشام
واحتلال القدس وانتشار الفوضى في بغداد، بعد نمو قوّة
الفرق الباطنيّة في بلاد الرافدين، وهي الفِرَق التي اختّذت
من الاغتيالات سياسة للتعامل مع الآخر والمختلف.
وهي فترة صعبة ذكرها الكثير من المؤرّخين.
الهوامش
1 حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني
والثقافي والاجتماعي، 4 ج، ط 7 (القاهرة: مكتبة النهضة
المصريّة، 1967-1964)، ج 3، عصر بني بويه، ص.62-37
2 حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، إخوان الصفا، ص.384-382
3 يؤكد إخوان الصفا أن علومهم مأخوذة من أربعة مصادر:
الحكماء والفلاسفة؛ الكتب المنزلة التي جاءت بها الأنبياء؛ الكتب
الطبيعيّة؛ والكتب الإلهية التي لا يمسّها إالّ المطهّرون الملائكة
(؟). انظر: اخوان الصفاء، رسائل إخوان الصفاء وخلان
الوفاء، مقدّمة بطرس البستاني، 4 مج (بيروت: الدار الاسلاميّة،
1992)، مج 4، الرسالة 45، ص.42
4 وضع إخوان الصفا عنوان «في الآراء والديانات» للرسالة الثانية
والأربعين. وهي من أكبر الرسائل تقريبًا، وتغطي صفحات من
401 إلى 538 (137 صفحة) في المجلّد الثالث. ويعرّف إخوان
الصفا الرسالة الثانية والأربعين في «الفهرست» الذي وضعوه
بأنها تتحدّث في «الديانات الشرعيّة الناموسيّة والفلسفية، وبيان
اختلاف العلماء في أقاويلهم، وما أدّى إليه اجتهادهم [...] وما
الأسباب والعلل التي من أجلها كان اختلافهم [...] وما يصلح
للجميع، وما يصلح للخاص، وما يصلح للعام. والغرض
من هذه كلّها هو البيان بأن المذاهب والديانات كلّها وضعت
كالعقاقير [...] عرض النفوس وكسب الصحّة [...] وإن أكثر
هذه الديانات لأقوام قد انحرفوا عن طريق النجاة [...] فاستولى
عليهم الميل والعصبيّة، والحميّة الجاهليّة [...] فضّلوا ض الا
بعيدًا [...]». انظر: اخوان الصفاء، مج 1، ص.38
5 مثالً، يأتي جان جاك روسو إلى موضوع الإنسان الطبيعي
وتطوّره إلى مرحلة الإنسان المدني في سياق تحولّات متعاقبة
استحكمت فيها قوانين الزمان والمكان، و «ما لم ندرس الإنسان،
ما لم ندرس ملكاته الطبيعيّة وتطوّراته المتعاقبة، فلن نستكمل أبدًا
لا إقامة بهذه التمييزات ولا الفصل بين ما صنعته الإرادة الإلهيّة
وبين ما يزعم الفن البشري أنه من صنعه طيَّ التكوُّن الفعلي
والراهن للأشياء». انظر: جان جاك روسو، خطاب في أصل
التفاوت وفي أسسه بين البشر، ترجمة بولس غانم؛ تدقيق وتعليق
وتقديم عبد العزيز لبيب (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة،
2009)، ص.59
6 كمال اليازجي وانطون غطاس كرم، أعلام الفلسفة العربية:
دراسات مفصلة ونصوص مبوبة مشروحة، ط 4 (بيروت: مكتبة
لبنان، 1990)، ص.403
7 بيدبا، كليلة ودمنة، نقله إلى العربية عبد الله بن المقفع؛
تحقيق وتقديم محمود عساف (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،
1996 ص)،.247
8 المصدر نفسه، ص.279
9 المصدر نفسه، ص 429. يقلّد إخوان الصفا كثيرًا ابن المقفع.
انظر مثالً: اخوان الصفا، مج 2، الرسالة 22، ص 377-184،
هي في معظمها حوارات طويلة منقولة على ألسنة الحيوانات.
ويأتي الإخوان إلى ذكر كليلة ودمنة (كليلة أخو دمنة) في: إخوان
الصفا، مج 2، ص.330
10 بيدبا، ص.77
11 المصدر نفسه، ص 80 و.82
12 اليازجي وكرم، ص.399
13 المصدر نفسه، ص.401-399
14 اخوان الصفاء، مج 4، الرسالة 45 قوة نفوس إخواننا، “
على أربع مراتب ”، ص.58-57
15 اليازجي وكرم، ص.409-404
16 أخذ عنهم الفارابي، ابن سينا، السجستاني، الكرماني، ناصر
خسرو ونصير الدين الطوسي. أما المعرّي، فقد التقى الإخوان
خلال زيارة له لبغداد، بينما كان يحيى بن عدي على علاقة بهم.
وابن سبعين يتّهم الغزالي بالتأثر بالإخوان. كذلك تأثر بهم حاجي
خليفة (كشف الظنون)، وابن أبي أصيبعة (عيون الأنباء) والمحبي
(خلاصة الأثر).
17 علي بن محمد أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق
أحمد أمين وأحمد الزين، 3 ج (بيروت؛ صيدا: المكتبة العصريّة،
[د. ت.])، ج 2، ص.3
18 المصدر نفسه، ج 2، ص.5-4
19 المصدر نفسه، ج 2، ص 6-5.
20 المصدر نفسه، ج 2، ص 6
21 المصدر نفسه، ج 2، ص.6
22 يعرّف الجرجاني (علي بن محمد علي) الدِّين والملّة بأنهما:
متّحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار، فإنّ الشريعة من حيث إهنّا
تطاع، تسمّى دينًا، ومن حيث إهنّا تجمع تسمّى: ملّة، ومن حيث
إهنّا محط الرجوع إليها تسمّى مذهبًا. وقيل: الفارق بين الدِّين
والملّة والمذهب هو أنّ الدِّين منسوب إلى الله تعالى، والملّة منسوبة
إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد. انظر: علي بن محمد
الجرجاني، كتاب التعريفات، تحقيق إبراهيم إسماعيل الإبياري،
ط 4 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1998)، ص.142-141
23 انظر: إخوان الصفاء، فهرست الرسائل، ص.47-21
24 يعرّف الجرجاني الإنسان الكامل بالقول: هو الجامع لجميع
العوالم الإلهية والكونية، الكليّة والجزئيّة، وهو كتاب جامع
للكتب الإلهية والكونيّة، فمن حيث روحه وعقله: كتابٌ عقليّ
مسمّى بأمّ الكتاب، ومن حيث قلبه: كتاب الّلوح المحفوظ،
ومن حيث نفسه: كتاب المحو والإثبات، فهو الصّحف المكرّمة،
المرفوعة المطهّرة، التي لا يمسّها ولا يدرك أسرارها إالّ المطهّرون
من الحُجب الظّلمانية (...). انظر: الجرجاني، ص.56
25 اخوان الصفاء، مج 3، الرسالة 42، ص.538-401
26 المصدر نفسه، مج 3، ص.401
27 المصدر نفسه، مج 3، ص.402
28 المصدر نفسه، مج 3، ص.402
29 المصدر نفسه، مج 3، ص.404
30 المصدر نفسه، مج 3، ص.404
31 المصدر نفسه، مج 3، ص.405
32 المصدر نفسه، مج 3، ص.405
33 المصدر نفسه، مج 3، ص.407-406
34 المصدر نفسه، مج 3، ص 407. يقسّم الجرجاني في كتابه
التعريفاتالدماغ وفق التقطيع الثلاثي الذي اعتمده الإخوان،
وجاء كالآتي:
- المتخيّلة: هي القوة التي تتصرّف في الصور المحسوسة والمعاني
الجزئيّة المنتزعة منها، وتصرّفها فيها بالتركيب تارة، والتفصيل
أخرى، مثل: إنسان ذي رأسين، أو عديم الرأس. وهذه القوّة إذا
استعملها العقل سُمّيت متخيّلة. فمحلّ الحسّ المشترك والخيال
هو البطن الأول من الدماغ المنقسم إلى بطون ثلاثة، أعظمها
الأول ثمّ الثالث، وأمّا الثاني فهو كمنفذ في مؤخّرة، ومحلّ الوهميّة
والحافظة هو البطن الأخير منه، والوهميّة في مقدّمه، والحافظة في
مؤخّره، ومحلّ المتخيّلة هو الوسط من الدماغ. انظر: الجرجاني،
ص.253
35 إخوان الصفاء، مج 3، ص.408
36 المصدر نفسه، مج 3، ص.409-408
37 المصدر نفسه، مج 3، ص.411-410
38 المصدر نفسه، مج 3، ص.413
39 المصدر نفسه، مج 3، ص.414
40 المصدر نفسه، مج 3، ص.415
41 المصدر نفسه، مج 3، ص 416. يؤمن الإخوان، كما ظهر
في الرسالة الثانية والعشرين، بفكرة الاتّصال بين العوالم، أي بين
عالم المعادن والنبات والحيوان والإنسان؛ إذ «إن أوّل مرتبة النبات
متّصلة بآخر مرتبة الجواهر المعدنية، وإنّ آخرها متّصل بأول مرتبة
الحيوان [...] وإن آخر مرتبة الحيوان متّصل بأول مرتبة الإنسان،
وآخر مرتبة الإنسان متّصل بأول مرتبة الملائكة الذين هم سُكّان
الهواء والأفلاك وأطباق السموات [...]. وهكذا بالتدرّج إلى أن
تكون «صورة الإنسانية هي خليفة الله في أرضه». انظر: المصدر
نفسه، مج 2، ص.179-178
42 المصدر نفسه، مج 3، ص 416. والمثال عن «القوة المتخيّلة»
الذي جاء على ذكره إخوان الصفا كرّره ديفيد هيوم باجتّاه النفي
أيضًا في كتابه عن «تحقيق في الذهن البشري» عندما تحدّث عن
الوجود العيني، والوجود والبرهان، والواقعة الراهنة، والواقعة
المستنتجة. فالمعرفة في رأي هيوم جاءت من تجربة مهما ينتج الواقع
من تومهّات (مخيلة)، فهو يقول «يمكننا أن نعمد في تومهّنا إلى قرن
رأس إنسان بجثّة فرس، ولكنّه ليس بمشيئتنا أن نعتقد أن مثل
هذا الحيوان قد وجد أبدًا». ديفيد هيوم، تحقيقفي الذهن البشري،
ترجمة محمد محجوب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)،
ص.77
43 إخوان الصفاء، مج 3، ص.417
44 المصدر نفسه، مج 3، ص.417
45 المصدر نفسه، مج 3، ص.417
46 المصدر نفسه، مج 3، ص.419-418
47 المصدر نفسه، مج 3، ص.420
48 المصدر نفسه، مج 3، ص.421
49 المصدر نفسه، مج 3، ص.422
50 المصدر نفسه، مج 3، ص.423
51 المصدر نفسه، مج 3، ص.424
52 المصدر نفسه، مج 3، ص.425-424
53 المصدر نفسه، مج 3، ص.425
54 المصدر نفسه، مج 3، ص.426
55 المصدر نفسه، مج 3، ص.427-426
56 المصدر نفسه، مج 3، ص.428
57 المصدر نفسه، مج 3، ص.430
و.317
58 المصدر نفسه، مج 3، ص.431
59 المصدر نفسه، مج 3، ص.436-432
60 المصدر نفسه، مج 3، ص.438-437
61 المصدر نفسه، مج 3، ص 443-442. ما هي اللاأدرية؟
الجرجاني يعرّفها، في التعريفات، كالآتي:
اللاأدرية: هم الذين ينكرون العلم بثبوت شيء ولا ثبوته،
ويزعمون أنّه شاك وشاك، في أنّه شاك، وهلمّ جرًا. انظر:
الجرجاني، ص.244
62 إخوان الصفاء، مج 3، ص.445-444
63 المصدر نفسه، مج 3، ص.446
64 المصدر نفسه، مج 3، ص.453-452
65 المصدر نفسه، مج 3، ص 456-455. يعرّف الجرجاني
الدهر كالآتي: هو الآن الدائم الذي هو امتداد الحضرة الإلهية،
وهو باطن الزمان، وبه يتّحد الأزل والأبد. انظر: الجرجاني، ص 66 إخوان الصفاء، مج 3، ص 457 و.460-459
67 المصدر نفسه، مج 3، ص.465
68 المصدر نفسه، مج 3، ص.467
69 المصدر نفسه، مج 3، ص.470
70 المصدر نفسه، مج 3، ص.476
71 المصدر نفسه، مج 3، ص.480
72 المصدر نفسه، مج 3، ص 482 –.483
73 المصدر نفسه، مج 3، ص 486 –.487
74 المصدر نفسه، مج 3، ص.489
75 المصدر نفسه، مج 3، ص 491 –.492
76 المصدر نفسه، مج 3، ص 493 –.504
77 المصدر نفسه، مج 3، ص 501. يعرّف الجرجاني، في
التعريفات، الجبريّة والقدريّة كالآتي:
- الجبريّة: هو من الجبر، وهو إسناد فعل العبد إلى الله تعالى.
- الجبرية: اثنان، متوسّطة تثبّت للعبد كسبًا في الفعل (الأشعريّة)،
وخالصة لا تثبّت (الجهمية)، انظر: الجرجاني، ص.101
- القدرية: هم الذين يزعمون أن كل عبدٍ خالق لفعله، ولا يرون
الكفر والمعاصي بتقدير الله تعالى، انظر: الجرجاني، ص.222
78 إخوان الصفاء، مج 3، ص 505-504، 507 و.509
79 المصدر نفسه، مج 3، ص 514 –.516
80 المصدر نفسه، مج 3، ص 514 –.516
81 فكرة المدينة الفاضلة جاءت عند إخوان الصفا في سياق
المتغريّات التي تطرأ في المستقبل على حياة الإنسان. فهي مدينة
متخيّلة، لكنّها قابلة للتحقّق في حال استمرّ النشوء والنمو في
إطاره المعرفي-العلمي. وهذه الفكرة أخذ بها المعرّي (أبو العلاء)
حين تخيّل عالمه في صور عيانيّة بعيدة عن واقعه. بشأن تأثّر المعرّي
برسائل الإخوان، انظر: جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربيّة، ط
3 (بيروت: الشركة العالميّة للكتاب، 1995)، ص 291، 311 82 عن نمو فِرَق الباطنية في بغداد وانتشار سياسة الاغتيالات
عام 494 ه 1100/ م، انظر: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي
بكر السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد
([القاهرة]: مطبعة السعادة، 1952)، ص.428