Return to Article Details Report on the Seminar: “The Egyptian Constitution and the Transitional Phase Toward Democracy” November 24, Doha

تقرير عن ندوة الدستور المصري ومرحلة الانتقال نحو الديموقراطية:الدوحة 24 تشرين الثاني/ نوفمبر

Report on the Seminar: “The Egyptian Constitution and the Transitional Phase Toward Democracy” November 24, Doha

هيئة التحرير

الملخّص

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 في الدوحة ندوة بعنوان: الدستور المصري ومرحلة الانتقال نحو الديموقراطية شارك فيها مجموعة من الأكاديميين والخبراء المصريين. وتناول المشاركون موضوع الندوة من زوايا نظرية وعملية مسّت بالأساس قضايا النقاش الذي شهدته مصر حول دستورها الجديد، وسؤال التحول الديمقراطي، والمواطَنة، والحقوق الثقافية. وتوزعت أشغال الندوة عبر جلستين، أعقبتهما مداخلات الحضور التي أغنت محاور الأوراق المقدَّمة .

Abstract

The ACRPS held a seminar, "The Egyptian Constitution and the Transitional Phase Toward Democracy" on November 24, 2012 in Doha. The event was attended by a group of Egyptian academics and experts who dealt with the subject of the seminar from theoretical and practical perspectives that touched upon the issues of the debate in Egypt on its new constitution, the question of democratic transformation, citizenship, and cultural rights. The seminar had two sessions followed by interventions from those in attendance, who enriched the themes of the papers presented.

الكلمات المفتاحية:
  • الدستور المصري
  • الحقوق الثقافية
  • الديموقراطية
  • العدالة
Keywords:
  • Egyptian Constitution
  • Democracy
  • Cultural Rights

الدوحة 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 في الدوحة ندوة بعنوان: «الدستور المصري ومرحلة الانتقال نحو الديموقراطية»، شارك فيها مجموعة من الأكاديميين والخبراء المصريين. وتناول المشاركون موضوع الندوة من زوايا نظرية وعملية مسّت بالأساس قضايا النقاش الذي شهدته مصر حول دستورها الجديد، وسؤال التحول الديمقراطي، والمواطَنة، والحقوق الثقافية. وتوزعت أشغال الندوة عبر جلستين، أعقبتهما مداخلات الحضور التي أغنت محاور الأوراق المقدَّمة. جاءت هذه الندوة قبل الاستفتاء على الدستور الجديد في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2012، وكان الهدف منها تقديم صورة عن السيرورة والجدل اللذين رافقا عملية صوغ دستور جديد لمصر، وهدفت إلى الجمع بين آراء مختلفة، وكذلك معالجة الموضوع على مستويات ثلاثة متعلقة بالسيرورة الانتقالية، والنص الدستوري، ومسألة التطبيق. تركزت الجلسة الأولى على نقاش الإعداد للدستور، وافتتح الجلسة أستاذ القانون المخضرم الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وشارك فيها عضوا اللجنة التأسيسية للدستور الدكتور جمال جبريل والدكتور رمضان

بطيخ. وتعرّضت الجلسة الثانية لأسئلة التحوّل الديمقراطي قدمتها الدكتورة ثناء عبد الله، ولموضوع المواطَنة في المبدأ والتطبيق للمستشار علي عوض، والمواطَنة والحقوق الثقافية للدكتور حنا جريس، والدستور ومسألة التغيير للدكتور عمرو الشلقاني. في الطريق إلى الدستور المصري الجديد كانت الكلمة الأولى في الندوة بعنوان: «المعالم المنشودة للدستور المصري الجديد»، قدّمها أستاذ القانون الدستوري في جامعة القاهرة، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، الدكتور أحمد كمال أبو المجد، حيث أشار في مستهلها إلى مسألتين. أكّد في الأولى أن العبرة في العملية الدستورية تتعلق الآن بالتمييز بين المشارك الحقيقي الذي يريد أن يدلو بما عنده من علم وخبرة وترقية من أجل القضايا العامة، والمنافق الذي يلبس قناعًا، وأن الأنانية لم تعد تصلح، حيث يجب إدراك أن العملية هي عملية جودة وإتقان وعملية تحدٍّ لا سابق له في تاريخ العرب. وأكّد في الثانية ضرورة قراءة المشهد الواسع قراءة دقيقة، باعتبار أن التحدّي الآن اصبح عالميًا، وأن العرب أخطأوا كثيرًا في تحديد من هو الصديق ومن هو المحايد ومن هو العدو،

وخصومنا وغير خصومنا سبقونا كثيرًا. وأضاف: «كان من حظي أن أتابع النشاط المعادي للعرب في الولايات المتحدة، فوجدت هناك مؤسسة تملك الكثير من الأسماء وبيانات الاتصال لشخصيات ومؤسسات مختلفة صنفتها ضمن ثلاث قوائم: أصدقاء إسرائيل والصهيونية في الولايات المتحدة، وأصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة، ومحايدين لم يحددوا بعدُ اتجاههم. ووجدت هؤلاء منهمكين في البحث عن الوسائل الفعالة في مخاطبة هذه الأصناف الثلاثة». واعتبر أنه ينبغي أالّ تمضي عشرة أعوام من هذا اليوم إالّ ويكون العربي في نظر العالم كله مساويًا لخمسة إسرائيليين، ليكون ذلك دليالً على حصول تحوّل ثقافي وسياسي واجتماعي حقيقي. بعد هذه التوطئة، عرّج المتحدث على الوضع المصري، وما يجري من نقاش دستوري داخلي، فقال: «وصل الخلل فينا إلى التقاتل على النصوص. ونحن نعلم أن النصوص لا تحكم الأمم، وإنما الأمم هي التي تحكم النصوص». وقدّم هنا مثالين، الأول من الحاضر هو دستور الولايات المتحدة، مستشهدًا بقول رئيس المحكمة العليا الاتحادية الأميركية: «إن أميركا تعيش في ظل دستور، لكن الدستور هو ما نقرره نحن». والمثال الثاني استقاه من التراث، مع إشارته إلى ضرورة وضع التراث في دلالته الراهنة، وبالذات من السيرة النبوية، حيث لم يتحرّج النبي (ﷺ) من الإشادة بحلف الفضول الذي كان في الجاهلية، وهو تعاهد وتعاقد بين مجموعة من القبائل العربية على نصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم وإغاثة المنكوب. وذكر المتحدث قول رسول الله (ﷺ) «يا أمتي خذوا الخير من الرسل وتعلموا من الدنيا»، وقصة الصحابي معاذ ابن جبل الذي كان مكلَّفا بولاية اليمن، فسأله النبي (ﷺ) «إذا عُرض عليك القضاء فبما تقضي»، فأجاب بكتاب الله. وهنا دار الحوار المشهور (الذي أرسى فيه النبي (ﷺ) التعامل مع مصادر التشريع من القرآن إلى السنّة إلى الاجتهاد)، وأراد به المحاضرُ تأكيد مسألة الاجتهاد في ظل حاجات الناس وتقلّبات الزمن. ورأى المحاضر أن الاجتهاد بات يحمل معنى أهم الآن إزاء الفجوة الكبيرة جدًا بين الجيلين، جيلنا وجيل حركة الشباب. وفي هذا الإطار أكد أبو المجد «إن علاقتنا بالزمن مختلة، فنحن نحنّ للماضي، والحاضر من له والمستقبل من له، وبالتالي نحتاج إلى هذه الثورة الثقافية اليوم قبل الغد في عالم متحرك لا يقبل البلادة». وفي نظرة سريعة إلى التاريخ السياسي المصري المعاصر، نبّه المتحدث إلى أن عصر عبد الناصر كان عصر رومنسية وطنية متقلّبة، إذ كان الرجل نظيف اليد وزاهدًا بالمال، لكنه كان قاصرًا في الالتفات إلى جدية المشاركة، وزجَّ بمعارضيه في السجون. كما لم يكن له معاونون أكفاء، وبدأت لمصر في عهده مكانة عربية، وبدأت عملية إصلاحية فيها بُعدان يتزاوجان: بُعد اشتراكي وبُعد عدالة اجتماعية. واعتبر أن المشكلة في عصر السادات بدأت بعد تحرير الأرض، لأنه صار في البلد جرعة زائدة على ما نحب وعلى ما تقتضيه الخبرة السياسية في المهادنة مع إسرائيل. وقال عن حسني مبارك إنه يكاد يكون عديم الخيال، فالعشرة أعوام الأولى لحكمه كانت تسير على نهج الجمهورية (مشيرًا إلى أنه حاول في البداية التعامل بشكل إيجابي مع مسألة التعددية)، لكن هذا الاتجاه تراجع يومًا بعد يوم، خصوصًا عندما دخل في الأجندة موضوع التوريث، رغم اعتقاده أن مبارك لم يكن صاحب القرار في ذلك. ويرى المحاضر، بعد تعثّر عملية الإصلاح وتردّدها بين الاشتراكية والليبرالية، أن مصر ستجمع بين الأمرين لأن المزاج المصري ضد الانعطافات الحادة وضد الظلم الاجتماعي. وفي تحليل للثورة المصرية، أكد أحمد كمال أبو المجد أن هذه الثورة قامت وفيها ثغرتان: الثغرة الأولى هي عدم وجود رؤية زمنية لمراحل الثورة. والثغرة الثانية هي افتقار الثورة إلى قيادة مركزية. وفي تأمّل للحظة التاريخية التي وضعت التيار الإسلامي في الصدارة، بسبب قدرته التنظيمية السابقة في حين أن من حرّك الثورة من الشباب قاعدون وأيديهم فارغة، طرح المحاضر أوالً، المشاركة الشعبية الحقيقة، وثانيًا نظام ديمقراطي قائم على احترام حريات الإنسان وحقوقه، وثالثًا، العدالة الاجتماعية. واعتبر أن الدستور ليس وثيقة في عملية قرعة، بل عمل تأسيسي، والتأسيس يكون بتغيير الثقافة السياسية، وبإدخال بُعد زمني. ودعا النخبة إلى عملية توافق لا يشوبها الاستفزاز،

معتبرًا أن النخبة المثقفة طرف في معارك بنائية بدل أن تكون طرفًا في معارك انتحارية، وأن يعمل الجميع على تغليب الأجندة القومية وتأجيل ما هو مختلَف فيه. ذكَّر أحمد كمال أبو المجد في الختام بأهمية العامل النفسي في التواصل بين القوى المختلفة، وفي ترجيح كفّة التوافق، واقترح هنا على الجميع الابتسامة، ملِا لها من أثر كبير في تلطيف أجواء التوتر في النقاشات، وزيادة الطاقة ورفع المعنويات، ذلك أن المتَّفق عليه حتى الآن من بنود مسودة الدستور بين الطرفين مهم جدًا. وإذا تمكنا من تفعيل هذا المتَّفق عليه، فسنكون قد عبرنا المرحلة بسلام إلى مرحلة أخرى تتيح لنا عقد المزيد من الاتفاقات على المتبقي ممّا هو مختلَف فيه. في مداخلة لاحقة أثار أبو المجد ثلاثة موضوعات: الأول أعادنا فيه إلى جدل ظهر في الرأي العام وفي الفقه الدستوري، عندما قامت ثورة 23 يوليو، حول أثر الثورة في سيادة القانون، وما نشُر حينها من مقالات بعنوان «الفقه الثوري»، معتبرًا أن التجارب عندنا في الأسبوعين – الثلاثة أسابيع الأخيرة أظهرت وكأن فكرة الفقه الثوري تعود. وتطرح فكرة الفقه الثوري أن لا شيء يقف في وجه الحرص على تنفيذ الأهداف العامة الرئيسة للحركة الاجتماعية. أمّا في الموضوع الثاني، فنقلنا المحاضر إلى ضرورة القراءة، مشيرًا بهذا الصدد إلى بحث في 36 صفحة للبروفسور الهندي ياش غاي عن دور الجمعية التأسيسية في صوغ الدستور، معتبرًا أن كثيرًا من المواعيد التي رضُبت لإنجاز مهمة الجمعية التأسيسية لم تُنجز في أوانها، ويجب أالّ نضيع الأمة ومستقبلها من أجل ذلك، ومؤكدًا أيضًا قيمة التوافقات الطوعية السياسية، باعتبار أن كثيرًا من دساتير دول عرفت حروبًا أهلية قد عملت على التوصل إلى اتفاق «جنتلماني» قبل دخول الجمعية التأسيسية. وأخيرًا، اعتبر أن الخروج عن الشرعية مسألة مربكة يختلط فيها المنشود بالمحظور، وليس من المستحسن تعويد سلطة حكم على أن تقوم وتقول «الضرورة تقتضي»، ولا ينقصنا التشجيع على كسر سيادة القانون، معتبرًا أن التوفيق والمصالحة هما من الطقوس اللازمة لكل طرف في هذه المرحلة. الدستور وجدل المرحلة الانتقالية عنوان الكلمة الثانية في هذه الندوة هو «الدستور الجديد وجدل المرحلة الانتقالية في مصر»، للدكتور جمال جبريل، أستاذ القانون الدستوري في جامعة حلوان ورئيس لجنة نظام الحكم في الجمعية التأسيسية. استهل جبريل ورقته بمقدمة تاريخية أوضح فيها المراحل التي قطعها النقاش الدستوري في مصر منذ تنحّي الرئيس حسني مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011 إلى اليوم. واعتبر أن التأثير في مشروع الدستور المصري دخل منذ ذلك التاريخ، حين لم يكن ثمة خطة تتعلق بمن يتولّى الحكم، ووىلّ المجلس العسكري الأعلى نفسه الحكم. ووصف المتحدث المجلس بأنه حسن النية، لكنه لم يكن لديه ثقافة سياسية إالّ ما رآه على مدار الثلاثين عامًا الماضية. وأضاف أن المجلس العسكري لم يستطع، بعد قيامه بتشكيل لجنة لإجراء تعديلات دستورية في دستور 1971 ورسم خريطة طريق لوضع دستور جديد للبلاد، أن يكتشف إالّ بعد الاستفتاء على هذه المواد أنه لو عاد ذلك الدستور فلن يكون له مكان في الحكم، لأنه كان ينظم، في حالة إصابة الرئيس بعجز دائم، أن يتولى الحكمَ رئيس مجلس الشعب (الذي تمّ حلّه)، أو رئيس المحكمة الدستورية العليا في حال عدم وجود رئيس المجلس. يعني ذلك أن رئيس المحكمة الدستورية العليا لا الحكم العسكري هو من سيتولى الحكم. وبعد موافقة الشعب على التعديلات، واكتشافه أن لا مكان له في خريطة الطريق هذه، صدر الإعلان الدستوري من 60 مادة. وصف جبريل تلك البداية بأنها خاطئة وصادمة، جرى بعدها رسم خريطة الطريق لوضع الدستور المصري في المادة 60 من هذا الإعلان الدستوري، على أساس أن يجتمع الأعضاء المنتخبون في مجلسي الشعب والشورى في مؤتمر كي ينتخبوا 100 عضو لجمعية تأسيسية من أجل وضع دستور لمصر. واعتبر أن اختيار الجمعية التأسيسية الأولى المنتخبة كان غاية في السوء على مستوى الأعضاء المكوِّنين لها، واحتج الرأي العام على هذا الاختيار، وتدخّل القضاء الإداري فألغى اللجنة التأسيسية. وكان هذا التدخّل، بالنسبة إلى المحاضر، من دون سبب قانوني

أو دستوري، نظرًا إلى أن التشريعات لا الأعمال البرلمانية هي التي تخضع لرقابة القضاء، ورأى أنه جاء في سياق استمرار الدور السياسي الخطِر الذي يقوم به القضاء في مصر منذ قيام الثورة. انتهى الصراع بحل اللجنة التأسيسية الأولى، لكن مسلسل الأخطاء والتضارب القانوني لم ينته. وأظهر جبريل أن مجلس الشعب حاول تدارك ما حصل، بأن أصدر قبل حلّه قانون رقم 79 لعام 2012 بشأن الجمعية التأسيسية، الذي يتضمن إشارة في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى للقانون (وهي عبارة عن نقل المادة 60 من الإعلان الدستوري للمجلس العسكري بشأن تشكيل الجمعية التأسيسية) جاء فيها أن أعمال المؤتمر المشترك تخضع لرقابة دستورية فقط، معتبرًا أن ذلك كان خطأ قانونيًا جديدًا لأن اختصاصات المحكمة الدستورية العليا تنحصر في: رقابة دستورية القوانين، والفصل في تنازع القوانين، وتناقض الأحكام، ثم تفسير التشريعات، ولا علاقة لها بالأعمال البرلمانية. كان الهدف من ذلك تحصين أعمال المؤتمر تجاه محكمة القضاء الإداري التي حكمت في حل الجمعية الأولى، لكن أظهرت أن كاتب هذه النصوص ليس أفضل من طالب قانون مبتدئ. والغريب في الأمر، بالنسبة إلى المحاضر، أن القضاء الإداري أحال نص هذه الفقرة إلى المحكمة الدستورية، للنظر في عدم دستوريتها بحجة واهية (إن العمل هذا من اختصاص القضاء الإداري لا من اختصاص المحكمة الدستورية)، هذا بالرغم من أن المشرّع أخذ من اختصاصات محكمة القضاء الإداري الكثير، وفقًا لنص الدستور، وأعطاه لمجالس التأديب ولرجال في اختصاص الأمن القضائي، ولمحكمة أمن الدولة العليا، كما في قرارات الاعتقالات الادارية في تطبيق حالة الطوارئ، على سبيل المثال. وأوضح جبريل أن اللجنة التأسيسية الثانية كانت بدورها هدفًا لدعاوى قضائية تطعن في دستوريتها. وقد راج في الشارع المصري بقوة أن المحكمة الدستورية ستحل التأسيسية في تاريخ 2 كانون الأول/ ديسمبر 2012، لأن هناك من رفع دعوى اعتبر فيها وجود التأسيسية يشكّل عقبة أمام تنفيذ قرار حل مجلس الشعب، رغم أن مجلس الشعب كان قد تم حله بالفعل منذ مدة. كرّست هذه الأخبار غير المؤكَّدة، التي أصبحت في متناول رجل الشارع العادي، وما قد يعنيه إصدار أحكام قد تعود بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة بتشكيله الحالي، حالة الاستقطاب والتوتر في الشارع المصري. وفي سياق عرض جوانب من النقاش الدستوري داخل اللجنة التأسيسية، قدم الدكتور جمال جبريل عدة أمثلة؛ فقد أشار إلى التجاذب بين حزب النور السلفي، الذي كان يريد وضع أحكام واضحة، والقوى المدنية، بشأن المادة الثانية من مشروع الدستور («إن دين الدولة الإسلام، ومبادئ الشرعية الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع»)، وأنه اتفق على بقاء المادة كما هي، وعلى أن يسأل الأزهر عن مبادئ الشريعة الإسلامية لكي يجري تخطي عقبة تفسير المحكمة الدستورية لها، فردَّ الأزهر عليهم بالتفسير الذي جرى اعتماده في المادة 219 (220) من الدستور. واعتبر جبريل أن ليس من شغل المشرّع الدستوري أن يضع تعريفات لعبارات واردة، بما يكون المقصود بمبادئ الشرعية، وأن ذلك شغل القضاء. الأمر نفسه تكرر عند المادة 68 التي تنص على «المساواة بين الرجل والمرأة»، حيث تمسك الطرف الإسلامي بتقييدها هذه المساواة بأحكام الشريعة الإسلامية، بينما رفضت القوى المخالفة هذا التقييد، لكن الأمر استقر في النهاية عند حذف هذه المادة من الدستور، على اعتبار أن هناك مادة أخرى تتحدث عن المساواة بين المواطنين، ولا داعي للتكرار. وأضاف المتحدث أن الإيجابي في الموضوع هو أن القوى السياسية المتصارعة كانت توقّع المتفق عليه في نهاية كل نقاش. وأبدى جبريل استغرابه من موقف القوى المدنية التي أعلنت في اليوم التالي لتوقيع المواد، التي كانت موضع خلاف، انسحابها من اللجنة التأسيسية بحجة أن «الدستور يُسلَق»، أي يُكتب بسرعة قياسية، معتبرًا أن الأمور التي أعادوا نقدها، كمادة التعريف من جانب الأزهر، كانوا قد وافقوا عليها سابقًا، ومقلِّالً من شأن المادة المتعلقة بالدولة والمجتمع، التي تعود الى دستور 1971 لكنها أصبحت مصدر خوف الآن، باعتبارها كلمات مثالية لا تحدد قواعد ملزمة. لكن المتحدث

أرجع سبب انسحاب هذه القوى من الجمعية التأسيسية إلى أهداف سياسية، وإلى وجود استقطاب سياسي شديد لا علاقة له بالوثيقة الدستورية. وفي رأيه أن بعضهم كان يعتقد أن المزاج المصري تغير، ولو أُجريت انتخابات فسوف يأتي إلى الحكم. وحدّد جبريل الدور السياسي للقاضي المصري كعقبة، قائالً إنه دور بدأ في أثناء قيام الثورة، وكنا سعداء جدًا به، ثم انقلبنا عليه. واعتبر أن الأحكام التي سعدنا بها، حين قامت المحكمة الإدارية العليا بحل الحزب الوطني، كانت مخالفة للقوانين ولنص صريح في القانون بأن حل الحزب يكون بتحقيق يجريه النائب العام ثم يحيل الأمر إلى المحكمة الإدارية العليا، بينما ما حصل هو أن أحدهم قام بكتابة عريضة دعوة وقدّمها للمحكمة. واعتبر أن القاضي كان يجب أن يلتزم بالنص، في هذه الحالة، كما في الحالة الأخرى التي جرى فيها حل المجالس المحلية، وهي مجالس الفساد بعينه، من قبل المحكمة الإدارية العليا، رغم أن القانون يقول إنه لا يجوز حل المجالس المحلية إالّ بقانون. وأضاف جبريل، بعد ذلك جاء الدور السياسي للقاضي الذي لا يعجبنا، عندما حل الجمعية التأسيسية الأولى، وحل مجلس الشعب، معتبرًا أن الحل يكون بالتزام القاضي بالقانون، بغضّ النظر عن الظروف السياسية. وانتقد المحاضر مشروع الدستور الذي يأخذ بنظام سياسي مختلط على النمط الفرنسي، وهو نظام سلبي في رأيه، لكن النخبة السياسة وأجهزة الإعلام قامت على مدار عامين بغسل مخ الشعب المصري، بمن فيه أعضاء الجمعية التأسيسية، ومؤداه أن النظام البرلماني لا يصلح لمصر. وقال، حاولت أن أُقنع الناس بالنظام البرلماني وفشلت فشالذريعًا. ويشرح المحاضر أن في النظام المختلط ستكون لرئيس الجمهورية (المنتخب مباشرة من الشعب) اختصاصات تتعلق بالدفاع والأمن القومي والشؤون الخارجية، وباقي الاختصاصات لرئيس الحكومة والحكومة (التي تأتي شرعيتها عبر البرلمان). وفي الختام، قال جبريل إنه يعتقد أن السبب الحقيقي في الانسحابات وفي الخلافات هي المادة الأولى من الأحكام العامة التي تعطي الرئيس الحالي أربعة أعوام ابتداء من تاريخ انتخابه، ولو أن هذه المادة كانت تقر بإجراء انتخابات بعد إعلان الدستور لما وجِد هؤلاء الزعماء في ميدان التحرير. وفي تعليق على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، قال الدكتور جبريل إن هذا الإعلان يفتقد الصيغة القانونية الجيدة، وإنه جاء في وقت متأخر وغير مناسب. وضع الدساتير والدستور المصري تحت عنوان «أساليب وضع الدساتير والتطبيق على الدستور المصري»، جاءت الكلمة الثالثة في الندوة، من أستاذ القانون الدستوري في جامعة عين شمس وعضو الجمعية التأسيسية، الدكتور رمضان بطيخ. وقد استهل المتحدث بالحديث عن اللجنة التأسيسية، معتبرًا أنَّ الطريقة التي انتُخبت بها هذه اللجنة قد ساهمت في تأزيم الوضع؛ فالتحالفات السياسية هي التي ضغطت على تشكيلها. وأضاف: لقد دخلنا إلى الجمعية التأسيسية من باب سياسي، والجمعية الأولى حُلّت ليس بسبب قانوني بل لسبب سياسي لأنه طغى على تشكيلها الطابع الإسلامي. واستهجن التقسيم بين مدني وإسلامي، بينما ليس في اللجنة سوى عسكريين، والباقي كله مدنيون، مدني علماني ومدني إسلامي ومدني مسيحي. وأشار المتحدث إلى أن ما يحدث في مصر من جدل دستوري اليوم يشبه كثيرًا الجدل الذي صاحب دستور عام 1923، حيث تعرضت لجنة وضع ذلك الدستور لما تتعرض له لجنة اليوم، مؤكدًا أن هذا الجدل يبقى ظاهرة صحية، لأننا بقينا مع جمال عبد الناصر أعوامًا من دون دستور، ولم تحدث أي ضجة أو رفض، لكن ينبغي للجدل اليوم أن يكون من أجل البناء لا الهدم. ووصف رمضان بطيخ ما حدث داخل التأسيسية بمحاصصة بين قوى سياسية، جاءت وفي ذهنها أهداف معيّنة، وقال: كنا نعمل لمدة ستة أشهر، وكان البعض لا يحضر، وآخرون يحضرون شكليًا فقط، وعندما بدأت معالم الدستور تتضح، شعر بعض الأطراف أن أهدافه لم تتحقق، فبدأ بالتلكؤ والتراجع ثم الانسحاب. لقد لبث بعضهم في البيت أربعة أشهر، ثم عاد للاعتراض واتهام الأعضاء الآخرين بطبخ المواد والتسرع، وغير ذلك، والمسألة هي

سياسية أكثر منها قانونية. واعتبر المحاضر أن المخرج الوحيد في الوضع السياسي الآن هو وضع الدستور، وأن رئيس الدولة شعر بهذا المأزق، حين بدأت الانسحابات، وبدت الجمعية أنها تتهاوى أمام الرأي العام، وأنها ستدخل في دوامة. ورأى أن رئيس الدولة أصدر الإعلان الدستوري تحسبًا لإسقاط اللجنة التأسيسية، وهذا الإجراء يبدو في ظاهره اعتداء على السلطة القضائية، وهو من الناحية القانونية خطأ، ولكنه صحيح من الناحية السياسية، لأن هناك مبدأ عالميًا يقول إن بقاء الدولة وسلامتها وإنقاذ المجتمع فوق القانون، والنخب السياسية للأسف تجر المجتمع إلى الهاوية، لذلك يجب أن يبحث الموضوع في هذا الإطار. المواطنة بين النص والتطبيق في الجلسة الثانية من الندوة، عرض نائب رئيس المحكمة الدستورية المصرية السابق المستشار علي عوض محاضرته بعنوان: «قيام النظام الديمقراطي في الدستور المصري على أساس المواطنة بين النص والتطبيق»، محاوالً تسليط الضوء على المواطَنة كمبدأ دستوري، من خلال سرد تاريخ ترسيخ النص، وعبر عرض لتطبيقاته القانونية، وتجليات تحصينه في الدستور الجديد. قدّم المتحدث في مستهل عرضه الخلفية التاريخية الدستورية التي حكمت مبدأ المواطَنة في الدستور المصري؛ ففي الفقرة الأولى من المادة الأولى من دستور 1971، وهي فقرة معدَّلة بموجب الاستفتاء الذي أجري في 26 آذار/ مارس 2007، جاء أن «جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطَنة». وكان النص قبل تعديله ينص على أن «جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي واشتراكي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة». وقد ردّد الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 30 آذار/ مارس 2011 في المادة الأولى منه النص المُعدّل ذاته، كما أورده مشروع الدستور الجديد وفقا لمسودته المعلنة في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2012 في مادته السادسة بالنص على أن يقوم النظام الديمقراطي على مبدأ الشورى والمواطَنة التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات. يرى علي عوض أن مفهوم المواطَنة يتحدّد بحسب ارتباطه بباقي أحكام الدستور، وعليه، فهو «يعني انتماء الفرد للدولة التي يتمتع بجنسيتها، بما يؤدي إلى قيام علاقة متبادلة تقتضي أن يشارك مشاركة فاعلة وإيجابية في كل مناحي الحياة في هذه الدولة، وأخصها الحياة السياسية، وفي المقابل تكفل له الدولة التمتع بالحقوق والحريات، وتعينه على الالتزام بالواجبات التي يقررها الدستور، وذلك بتقرير الضمانات الحقيقية اللازمة لممارسة هذه الحقوق والحريات، إذ لا معنى لوجود حقوق قانونية وسياسية، ما لم يتوافر الحد الأدنى من ضمانات ممارستها على أرض الواقع». وتتمثّل أهم هذه الضمانات في: ضمانات واقعية حدّدها الكاتب بمجموعة أهداف تنموية ثقافية واقتصادية واجتماعية؛ ضمانات قانونية تتحقق من خلال ثلاثة مستويات؛ ضمانات تدعم استقلال السلطة القضائية وتخويلها الحق في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح. ويعتقد المحاضر أن النظام الديمقراطي بمعناه الواسع والعام لا يتحقق إالّمن خلال ثلاثة مستويات شرحها كما يلي: «الأول: مبدأ المشاركة الشعبية في اختيار الحكام، وفي اتخاذ القرارات ورسم السياسات، مشاركة طوعية وحرة، وبإرادة مستقلة لا تدخّل فيها من جانب سلطات الدولة. الثاني: سيادة القانون الذي تحتل نصوص الدستور ومبادئه مركز القمة فيه، وذلك حتى تغدو الحكومة حكومة قانون لا حكومة أفراد وأشخاص. الثالث: احترام حقوق المواطنين وحرياتهم التي كفلها الدستور، وقصر عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية على تنظيمها وضبط أساليب ممارستها، دون تجاوز هذا التنظيم إلى حد إهدار أصل الحق أو القضاء على فرص ممارسته». أكد عوض أن النظام الديمقراطي يقوم على أساس المواطَنة في تطبيقاته، وهنا ذكّر بالدور الريادي للمحكمة الدستورية العليا في ترسيخ كثير من الحقوق والحريات الواردة في الدستور، وراكمت في

تاريخ ممارستها القانونية والقضائية رصيدًا مه من الأحكام التي كرست مبدأ المواطنة من دون تمييز بين المواطنين بسبب النوع أو الديانة، منها أحكام في مجال المساواة بين المرأة والرجل، وأحكام في مجال المساواة بين المصريين رغم اختلاف الديانة. وقدّم أمثلة للأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا في مجال ترسيخ مبدأ المواطَنة من دون تمييز بين المواطنين كافة، بالإشارة إلى حق الانتخاب والترشيح، وجعلهم سواء في ممارسة هذين الحقين (الحكم الصادر في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية دستورية في جلسة 1990/5/19)، ومن دون تمييز بين المواطنين بسبب النوع أو الديانة (الحكم الصادر في القضية رقم 144 لسنة 18 قضائية دستورية في جلسة 1997/9/1 من أن عمل المرأة في مجتمعها هو من الحقوق التي كفلها الدستور لها)، وفي مجال المساواة بين المصريين رغم اختلاف الديانة (بالرجوع إلى أحكام صدرت في عامي 1997 و 2000 وغيرهما)، وأخيرًا الأحكام التي صدرت عام 2012 في مجال مباشرة الحقوق السياسية. تتبّع المتحدث العناوين التي ترسخ مبدأ المواطنة في مسودة مشروع الدستور المصري الجديد، مستخلصًا أنها تضمّنت قيام النظام الديمقراطي على مبدأ الشورى، والمواطَنة التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، والتعددية السياسية والحزبية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وكفالة الحقوق والحريات، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وهو الذي جاءت أحكامه التفصيلية مؤكِّدة أن مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاء، وأن تكفل الدولة سلامة الانتخابات ونزاهتها. وذكّر علي عوض في ختام ورقته ببعض عناصر المشروع الدستوري، التي تقدّم بيانًا وافيًا بالحقوق والحريات المقررة للمواطنين، والواجبات التي يلتزمون بها، ومنها مثالً: للمواطنين حق تكوين الجمعيات والأحزاب بمجرد الإخطار وتمارس نشاطها بحرّية. وللمواطنين حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات وقيامها على أسس ديمقراطية. وتضمن الدولة الأمن، والطمأنينة، وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين من دون تمييز. والمواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدِّين أو العقيدة والرأي أو الوضع الاجتماعي أو الإعاقة. الدستور الجديد وإشكاليات التحّول الديمقراطي شاركت أستاذة العلاقات الدولية والدراسات الاجتماعية الدكتورة ثناء فؤاد عبد الله بعرضٍ حاول مقاربة قضية «الدستور المصري الجديد في ضوء إشكاليات التحول الديموقراطي» وتحديات المرحلة الانتقالية. في المستهل قدّمت ثناء فؤاد عبد الله بسطًا نظريًا عامًا شمل تعريف النظم الديمقراطية، باعتبارها تستند إلى القانون، كما أنها ترتكز على وجود القدر المناسب من التوافق العام concensus() حول قواعد العملية السياسية والملامح الرئيسة للنظام السياسي، بإشارة إلى أن «الصراعات» والتناقضات بين المصالح والقيم – وهي من طبائع الأمور- يتم احتواؤها في النظم السياسية المستقرة والتفاعل معها باعتبارها محفزات التغيير والتطوير. وبالنسبة إلى ما تشهده المنطقة العربية في الوقت الراهن من عمليات واسعة للتغريّ السياسي والاجتماعي، رأت المحارضِة أنها تشهد نوعين من العمليات الصراعية: أولهما الصراع المرتبط بالبنية السلطوية للنظم السياسية، وثانيهما الصراع المرتبط بتعقيدات البنى الاجتماعية والتناقضات الكامنة والمتحفزة منذ عقود مضت، وأن المسار «الثوري» ليس بالضرورة مقدّمة لسماء ديمقراطية صافية، فهناك ارتدادات عكسية أيضًا. كما حاولت الباحثة تقريب صورة المشهد المصري العام وما عرفه من أحداث منذ ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، مرورًا بدور سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووصوالً إلى تسليم السلطة السياسية إلى الرئيس محمد مرسي في 30 حزيران/ يونيو 2012، معتبرة أن التيار الإسلامي لا يمارس السلطة التي انفرد بها في ساحة فارغة؛ فهناك إلى جانب المؤسسة العسكرية مؤسسات تابعة للدولة، كالمحاكم والسلطة القضائية، وشبكات المصالح،

والمؤسسة الدينية التقليدية، وكبار رجال الدولة، وعشرات الحركات الاجتماعية والثورية. وحذّرت الدكتورة من لجوء النخبة الجديدة التي يغلب عليها الطابع الإسلامي إلى أدوات النظام القديم وفلسفته وأسلوب عمله، معتبرة أن المركز القانوني والسياسي الجديد لجماعة الإخوان المسلمين يستلزم تغييرًا في العقلية بما يناسب قيادة دولة كبرى كمصر. وفي هذا السياق أشارت المتحدثة إلى أن مصر في هذا المقطع من الثورة عاشت مرحلتين: انتقالية (لغاية تويلّ الرئيس محمد مرسي منصب الرئاسة)، وتأسيسية، وأضافت أنَّ هناك «باحثون كثر يرون أن مصر ماتزال تعيش (بعد عامين تقريبا من الثورة) في ظل مرحلة انتقالية مستمرة، لأن سمةالانتقالهي حالة مصرية متجذرة، تحصر التطلعات والآمال الطموحة في تحقيق الهدف المنشود الذي لم يتحقق، وتظل دومًا باحثة عنتوافق مفقود في ظل لحظة استثنائية في تاريخها». وفي تحليل لمرحلة التأسيس الدستوري، نظرت ثناء فؤاد عبد الله إليها من منطلقين: الأول يستند إلى ما يعتمل في هذه المرحلة من مشكلات وعقبات، ومحاولات بعضهم التأثير سلبًا في عملية إعداد الدستور، وصبغه بطابع معنيّ مقصود لذاته. أما المنطلق الثاني، فهو ما يتعلق بأن التجربة الدستورية الجديدة في مصر تمثّل إضافة أساسية لمسار طويل وغني لعشرات التجارب الدستورية التي خاضتها الجماعة الوطنية المصرية على مدى ما يقارب القرنين. ومن هذا المنطلق، يتعنيّ النظر إلى وقائع التجربة الدستورية الجديدة، في ضوء دروس وتجارب الإنجازات الدستورية السابقة، ثم الاستدلال أخيرًا على مدى دلالة الدستور الجديد على إحراز خطوات ديمقراطية إضافية على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر. وفي ملاحظات على مرحلة التأسيس الدستوري، أشارت المتحدثة إلى أن من أهم مشكلات دستور 2013-2012 أنه يجري إعداده بصورة متسارعة، معتبرة مدة الأشهر الستة قصيرة إلى حد كبير ولا تكفي إعداد دستور للمستقبل، مذكّرة بأن الفترة التي جرى فيها إنجاز مشروع دستور 1971 لم تتجاوز 114 يومًا، وهي أيضا فترة قصيرة، أمّا الفترة التي أمضتها لجنة الخمسين في إعداد مشروع دستور 1954 (الذي لم ير النور) فامتدت من 13 كانون الثاني/ يناير 1953 إلى 15 آب/ أغسطس.1954 عرضت ثناء فؤاد عبد الله بعد ذلك لملاحظات على مسودة الدستور الجديد بلغت 25 ملاحظة، تشمل النصوص والصيغ الجديدة، مثل تأكيد الرقابة على ميزانية رئاسة الجمهورية بمعرفة الجهاز المركزي للمحاسبات، وتشكيل محكمة خاصة لمحاكمة رئيس الدولة برئاسة رئيس المحكمة الدستورية العليا وعضوية رؤساء محكمة النقض ومجلس الدولة ورؤساء الاستئناف، وإلغاء السلطة المطلقة للرئيس في تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، وإلغاء سلطة رئيس الدولة في إصدار اللوائح التنفيذية والضبط وجعلها من سلطة رئيس مجلس الوزراء، وتحديد مدة رئاسة الجمهورية لمدة أربعة أعوام مع عدم جواز إعادة انتخابه إالّ لمدة واحدة، ولا يجوز له أن يشغل أي منصب حزبي خلال مدة الرئاسة. وأوردت المتحدثة نماذج للقضايا الخلافية والجدالية التي أثيرت على النحو التالي: - نص المادة الثانية: «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»، حيث يطالب التيار الإسلامي بعبارة أحكام الشريعة بدالً من مبادئ الشريعة. - نص المادة (220): «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنّة والجماعة»، وقد أثار جدالً باعتباره يخالف التوافق العام، ويزعزع الاستقرار القانوني والاجتماعي. - نص المادة (4): «الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة، يختص وحده بالقيام على كافة شؤونه، مجاله الأمة الإسلامية والعالم كله، ويتوىلّ نشر علوم الدِّين والدعوة الإسلامية، وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، ويحدد القانون طريقة اختيار شيخ الأزهر، وهو مستقل غير قابل للعزل. ويؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية»، وجاء الردّ على ذلك بأن هذا التوجّه يكرس الأحادية الثقافية، على خلفية الهدف الرامي إلى تغيير هوية المجتمع والدولة، خاصة

أن مواد أخرى (7، 9، 10، 11) تسمح بحماية المجتمع للتقاليد والأخلاق والآداب العامة، قد تفتح الباب لما يُعرف باسم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، كما أنه لا يجوز أصالً فتح الباب للتعارض بين المؤسسة الدينية والمؤسسات السياسية، على اعتبار أن التوافق العام يقضي بأن يكون الدستور هو «المرجعية» العامة لجميع الحقوق والحريات التي يمارسها المواطن. - نص المادة (74): «المبادئ والحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيالً أو انتقاصًا، ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة هذه الحقوق أو الحريات أن يقيّدها بما يمس أصلها وجوهرها.. تمارس الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الباب بما لا يتعارض مع الأحكام الأساسية للدولة والمجتمع الواردة في هذا الدستور». وجاء أيضًا الرد على ذلك بأن النص يفتح الباب للتراجع عن الحقوق والحريات، وتقييدها، كما أنه يلغي مرجعية الدستور كأساس لحماية ممارسة الحقوق والحريات وصونها. - نص المادة (68): «تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسّخ مساواة المرأة مع الرجل في مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية». وقد جاء الرد على ذلك بأن النص على عدم الإخلال بالشريعة الإسلامية وهو يتكلم على المساواة بين المرأة والرجل يطرح معيارًا لا يتفق مع المادة (2)، كما أنه قد يفتح الباب للنظر إلى الشريعة الإسلامية على أنها ضد المساواة بين المرأة والرجل، وهذا غير صحيح إطلاقًا. وفي تحليل الدلالات الديمقراطية لما يجري في مصر، قالت الباحثة: «انغمست كل التيارات السياسية المصرية، من إسلاميين وليبراليين ويساريين وغير المنتمين، في غمار خلافات دفعتها لتجاهل المهمات الأساسية التي كان يتعين عليها المباشرة بها وهي: إعادة إصلاح جهاز الدولة المصرية سياسيًا وإداريًا. وتوجيه الجهد العام والمناخ السياسي لإعداد دستور متوازن ومتقدم وعصري لمصر في القرن الواحد والعشرين، وحماية أمن مصر القومي في لحظة زمنية فارقة تتصاعد فيها المخاطر من كل صوب». وأضافت أن الهوية المصرية مكتملة ولا تحتاج إلى إعادة إنتاج، وإن يكن ذلك لا يمنع من التعامل «العقلاني» مع قضيتي الهوية والمرجعية بصورة راشدة، تحسّن من السِمّات ولا تمس الجوهر. وبخصوص الخلاف على التعديلات بين القوى الموجودة في التأسيسية، أفادت ثناء فؤاد عبدالله بأن في الدستور 125 مادة من مجموع 228 مادة، هي إجمالي مواد الدستور، لم يتقدم طرف ما بأي تعديلات عليها، وهناك تعديلات لغوية ليست جوهرية على 60 مادة، وقد تركزت الخلافات على «نظام الحكم» و«السلطة القضائية.» وفي الختام، تحدثت الباحثة عن استنتاج الباحث ناثان شيلدز في دراسة له منشورة في عدد ربيع 2012 في مجلة Global Security Studies، إذ يقول إن قوة الشعب، وكسر الخوف في نفسه، هما الضمانة لمنع الإسلاميين من أن يبقوا في السلطة إلى الأبد، أو أن يتحولوا إلى نظم أوتوقراطية. وترى ثناء فؤاد عبد الله أن «هذه المقولة مبنية أساسًا على شيوع فكرةالعداء الواضح والرفض العام لحكم الإسلاميين في أي دولة، وإذا كان ذلك مقبوالً لأسباب معروفة بالنسبة للغربيين، فإننا نتحفظ عليه، خاصة بالنسبة للحالة المصرية، غير أن مقولة ناثان شيلدز ليست خاطئة على إطلاقها، ذلك أنه من التوقعات المرجحة أن الانتخابات القادمة لن تشهد هذا المستوى من الصعود للتيار الإسلامي، وربما تبين لحظة الانتخابات القادمة الحجم النسبي الحقيقي لهذا التيار في الشارع المصري». المواطَنة والحقوق الثقافية المتحدث السادس في الندوة هو نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي حنا جريس، وقد تناولت ورقته موضوع «المواطَنة والحقوق الثقافية في مسودة الدستور الجديد»، منطلقًا من أن تجربة الدستور الحالي وما ترافقها من مشكلات وصعوبات لا يمكن أن تُفهم إالّ بإدراك المشكلات التي واجهت الدساتير السابقة في مصر خلال تجربتها الدستورية، معتبرًا ما يجري من خلافات حالية بأنه جزء من مأزق الحداثة في مصر والعالم العربي بشكل عام. حاول جريس استعراض هذه التجربة بالعودة إلى عشرينيات القرن التاسع عشر مع رفاعة الطهطاوي،

وأجيال المتعلمين المصريين الذين نهلوا العلم من الثقافة العلمية الحديثة وحولوا مصر من دولة تقليدية إلى دولة مؤسسات حديثة، والتي كان الدستور أبرز معالم هذه الدولة. واعتبر أن دستور عام 1923 كان أول دستور يشدد على الوطن المستقل، والمساواة بين جميع المصريين من دون تمييز بسبب الجنس أو العقيدة، أي أنه نص على المواطنة الكاملة من دون أن يذكرها لفظًا. وقد ساد هذا الدستور منذ مطلع الثلاثينيات حتى قيام ثورة تموز/ يوليو 1952، التي نسفت دستور عام 1923 واستبدلته بالإعلان الدستوري عام.1952 يرى جريس أن مأزق الهوية بدأ في مصر منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، حين انقسم المصريون بين مؤيد للهوية المصرية، ومن يعتقد بالهوية العربية، ومن يؤمن بالهوية الإسلامية، حتى جاء مشروع دستور عام 1954، الذي شكّل في نظره المحاولة الأخيرة للنخب الليبرالية في إنجاز عقد اجتماعي حداثي يحتفي بالحقوق والحريات، وذكر أن دستور عام 1954 رفضته قيادة ثورة يوليو، وشكّلت لجنة جديدة أصدرت أول دساتير الثورة عام 1956 الذي عكس رؤية قيادات ثورة يوليو للدولة المصرية بتغليب مفهوم الدولة «الراعيّة» على دولة الحقوق والحريات. واللافت، في نظر المحاضر، أن باب الرعاية تقلص تمامًا في دستور الوحدة مع سورية عام 1958، لكنه عاد بقوة في دستور 1971، وتحوّل مفهوم الدولة من «دولة الرعاية» إلى «دولة الوصاية»، التي ترافقت مع مشكلات تتعلق بالهوية بعد إضافة المادة الثانية التي نصت على «مبادئ الشريعة الإسلامية» كمصدر للتشريع، معتبرًا أن هذه المادة فتحت الباب لحدوث تمييز بحق المصريين غير المسلمين. وإزاء ما يحدث الآن في نقاشات اللجنة التأسيسية، اعتبر المحاضر أنه عملية إعادة إنتاج لدستور عام 1971، إذ ليس هناك أي تصور لدستور جديد يتلاءم مع ثورة قامت من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وفي رأيه هناك أربعة أطراف رئيسة تتصارع حول اللجنة التأسيسية للدستور: - طرفان داخل اللجنة هم الإسلاميون، وأبناء نظام ثورة يوليو، ويحكمهما صراع حول الدولة القائمة بهدف الحصول على مكتسبات من قبل التيار الأول، أو الحفاظ عليها من قبل التيار الثاني. وأن طبيعة الصراع تنحصر حول هذا المعطى فقط لا تتعلق بطبيعة الدستور وعلاقته مع الثورة. - طرفان خارج اللجنة، وهما شباب الثورة الذين لا يهتمون بمسألة إنتاج الدستور، معتبرين أن قضية الحرية والحقوق تكون بالنضال خارج الأطر السياسية والدستورية، وتيار ليبرالي رفض الدخول في اللجنة التأسيسية الثانية بسبب طبيعة القوى المؤثرة فيها. كما أشار إلى أن اللجنة التأسيسية الحالية للدستور لا تعربّ عن التوافق بين مكوّناتها، وستكون محكومة بمنطق الغلبة لا التوافق، وهو ما سيخلف تداعيات تتعلق بحقوق الأقليات والتعددية الثقافية. وأشار إلى التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة، وإلى عدم تطابق آراء هذه الأطياف حول الدولة الحديثة ومؤسساتها وآلياتها، فهناك أطراف بعضها سلفي والآخر يمثّل الإسلام الحداثي، لكن هناك اتفاقًا بينهما على أنه ينبغي أن يكون في الدستور ما ينص على أن الهوية الإسلامية هي الهوية الموحدة أو الوحيدة للشعب المصري، وأن يكون داخل الدستور حد أدنى من الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية كما يراه بعضهم، مع اتفاق بعضهم على إسقاط الحديث عن الخلافة الإسلامية لأن غالبية التيار الإسلامي اقتنعت بأن الدولة بشكلها الحالي تؤدي وظائف الخلافة. وبخصوص الولاية الكبرى، أي رئاسة الدولة، لم يضعوا أي بند في الدستور يمنع تويلّ امرأة أو غير مسلم لمنصب الرئيس، لأنهم مقتنعون بأنه من المستحيل أن تفرز آليات الانتخابات فوز أي منهما. قال جريس إن الإسلاميين قدموا مشروع دولة حداثية لكن ذلك لا يمنع مستقبالًالتحول إلى دولة دينية. وأضاف: هناك مواد جيدة بخصوص الحريات والحقوق، ولكن تنزيلها مرتبط بقوانين لا نعرف كيف ستكون طبيعتها. وحدد تصوّرهم للدولة الاسلامية الحديثة بخمس مواد:

مادة 2

الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

مادة 219

مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنّة والجماعة.

مادة 4

الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، ويتولى نشر الدعوة الإسلامية وعلوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل ويحدد القانون كيفية اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء. ويؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية. وكل ذلك على الوجه الذى ينظمه القانون.

مادة 5

السيادة للشعب يمارسها ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية، وهو مصدر السلطات، وذلك كله على الوجه المبين في الدستور.

مادة 6

يقوم النظام الديمقراطي على مبدأ الشورى، والمواطنة التي تسوي بين كل مواطنيها فى الحقوق والواجبات، والتعددية السياسية والحزبية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وكفالة الحقوق والحريات، والتداول السلمى للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وذلك كله على الوجه المبين فى الدستور. ولا يجوز قيام أحزاب سياسية على أساس التفرقة بين المواط ين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين. وختامًا أورد حنا جريس بعض النماذج من مواد المسودة الدستورية، وكان من أهمها المادة 11، التي تنص على «أن الدولة والمجتمع يرعيان الأخلاق والآداب والقيم الدينية»، بالإضافة إلى الفقرة الأخيرة من المادة 81، التي تنص على أن «تمارس هذه الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المبادئ الواردة في باب المجتمع والدولة بهذا الدستور». ورأى أن خطورة المادة 11 هي أنها تفتح الباب أمام أشكال كثيرة من التدخّل في حريات الناس واختياراتهم الثقافية والاجتماعية، ولا ينحصر ذلك في الحقوق الثقافية وإنما يشمل أيضًا الحريات الشخصية وحرية التعبير. وبالنسبة إليه، المفهوم الاكثر انضباطًا هو «النظام العام» الذي يمنع أي شخص أو جماعة من إحداث ما من شأنه إيذاء الآخرين. أمّا المادة 12 التي تنص على أن الدولة تحمي الوحدة الحضارية والثقافية واللغوية للمجتمع المصري، فهي، في نظره، تتناقض بشكل مباشر مع جميع المواثيق التي تتحدث عن الحقوق الثقافية للأفراد والجماعات، لأنها تفتح الباب واسعًا أيضًا أمام الاستبداد الثقافي، وهي مخالفة واضحة للاتفاقات الدولية المتعلقة بالحقوق الثقافية وقد وقّعتها مصر عام 2005، وهي الإعلان الذي يحمي التنوع الثقافي. وبخصوص المادة 43 التي تنص على أن «حرية الاعتقاد مصونة، وتكفل الدولة حرية إقامة دور العبادة للأديان السماوية الثلاثة على النحو الذي ينظمه القانون»، لاحظ جريس أن الدستور هنا لا يساوي بين المواطنين لأنه يحرم أصحاب الديانات غير السماوية من ممارسة شعائرهم الدينية وبناء دور العبادة الخاصة بهم. الدستور وحده لا يكفي تحت هذا العنوان، حاول أستاذ القانون المساعد في جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية الدكتور عمرو الشلقاني توضيح أهمية الواقع والتطبيق في القضية الدستورية. في مستهل ذلك، استشهد الشلقاني بدستور جنوب أفريقيا الذي أُقر قبل عشرين عامًا من الآن، ويشمل مبادئ تجعله من أفضل الدساتير ومن أحدثها، لكن نص الدستور ومبادئه لم يمنعا من الفشل في توزيع الثروة والسلطة. تناول العرض بشكل رئيس العلاقة بين النخب السلطوية والنخب القانونية التي حكمت مختلف التجارب الدستورية في مصر منذ ثورة تموز/ يوليو 1952 وحتى الآن. واعتبر الشلقاني أن نظام يوليو القائم منذ ستين عامًا لا يمكن إسقاطه بشعارات أو بإزاحة بعض رموزه كما حصل بعد إقالة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان. فهذا النظام ليس، في نظره، نظامًا عسكريًّا فقط، وإنما هو نظام مركّب، قلبه أمني لكنه منذ البداية يتحلى بمصطلحات مدنية والحكم الديمقراطي السليم. ورأى أن هذا النظام في مراحله المختلفة أبقى نفسه في

السلطة بانقلابات صغيرة على نفسه، رغم أنه يقول إنه نظام يحمي الديمقراطية واستقلالية القضاء، لكن مصر حُكمت بقانون الطوارئ على امتداد خمسة وخمسين عامًا من مجموع الأعوام الستين. وقال الشلقاني إن ممارسات الإخوان السياسية تعكس أنهم تشربوا ثقافة نظام يوليو، لذلك فهم اليوم يستخدمون الوسائل نفسها، وذلك بالإشارة إلى الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي. قدّم المتحدث عرضًا تاريخيًا أبرز فيه تفاصيل النقاش القانوني والدستوري المصري الذي أعقب ثورة تموز/ يوليو 1952. وفي هذا السياق أشار إلى ما اعتبر أزمة ظهيرة 29 آذار/ مارس 1954، عندما خرجت تظاهرات غريبة في شوارع القاهرة تنادي بسقوط الأحزاب والنقابات والدستور، ووصلت الى مقر مجلس الدولة حيث تم الاعتداء على الدستوري ورئيس مجلس الدولة حينها عبد الرزاق السنهوري، وعكس ذلك بداية الصدام بين السنهوري والرئيس عبد الناصر، بعد تعاون بين الطرفين استمر عامين. وحاول المحاضر من خلال هذا الحادثة أن يدحض الصورة التي تشكلت حول السنهوري بأنه ضحية لعصر ناصري ومدافع عن سيادة القانون ومستقبل القضاء، باعتبار أنه أمضى الفترة 1954-1952، وهي مرحلة انتقالية قارنها المتحدث بالمرحلة الانتقالية التي نمر بها الآن، في تعاون شديد مع حركة 23 يوليو، وهو تعاون قارنه المتحدث بالذي يحصل الآن مع الرئيس محمد مرسي والحاشية القانونية التي تحيط به. يذكر الشلقاني أحداث -1952 1954 من البداية، مشيرًا الى مسألة حلف اليمين الدستورية بعدما تنازل الملك عن العرش لابنه في 26 تموز/ يوليو، وهو ما كان يتطلب عودة البرلمان المنحل منذ حريق القاهرة، مع ما سيؤول إليه من عودة غير مرغوب فيها للبرلمانية الوفدية التي أثبتت فشلها السابق في الحكم، وجاءت الفتوى القانونية بعد أسبوع من الانقلاب مجيزةً حلف اليمين أمام مجلس الوزراء. ويضيف أمثلة أخرى من مجموعة من القوانين التي توالت في مجلس الدولة برئاسة السنهوري، وأهمها قانون يحصن جميع قرارات مجلس قيادة الثورة من أي رقابة قضائية عليها، معتبرًا أن السنهوري ظل يمد قيادة الثورة بتغطية قانونية لغاية حادثة 1954، بما في ذلك حل أحزاب وحل نقابات وإسقاط دستور 1923، وعدم صدور دستور.1954 واعتبر المحاضر أن العلاقة بين العسكر والنخبة القانونية مرت بمرحلتين، الأولى من 1954 ولغاية 1970، وهي المرحلة الناصرية، والثانية من 1971 ولغاية 2005 مع أزمة القضاة. وبالنسبة إلى المرحلة الأولى، والمشهور عنها أن القانون كان خلالها في إجازة، رأى أن هناك تسطيحًا في هذا الاختصار؛ فرغم أن التعامل مع السلطة القضائية كان يجري في أثناء هذه الفترة من خلال إنشاء محاكم خاصة (لغاية 1967)، اعتبر الشلقاني -في إشارة إلى قول عبد الناصر «الدستور بتاعنا لم ا يطلع لازم يطلع فيه تمثيلّ أكثر لأفراد الشعب»، وإلى كتاباته- أن عبد الناصر وجّه نقدًا يساريًا منطقيًا عن الديمقراطية الجيدة والديمقراطية السيئة. فمثالً قال عبد الناصر إنه فكر بعد 1957 بتأسيس حزبين، واحد يمثل اليمين وواحد يمثل اليسار، وبعدها رأى أن الحرية كانت لرأس المال، وأن الطبقات المستغلة سيكون عندها حزبان لاستغلال الشعب العامل، بينما ليس للطبقة العاملة حرية عدم الخضوع لهذا الاستغلال لأن العامل إذا لم يخضع «مش حيلاقي ياكل». واعتبر المحاضر أن هذا المنطق كان سليامً، لكن نتيجته النهائية كانت إنشاء الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1963، الذي أصبح لديه بعد ثلاثة أسابيع من تأسيسه 5 ملايين عضو. طبعًا هذا لم يكن حزبًا، واستمر القضاة في رفضهم الانضمام إلى الاتحاد باعتباره تسييسًا للقضاء، وانتهى الصدام بينهم وبين عبد الناصر في ما يُعرف بمجزرة القضاء عام 1969 (مع عزل 198 قاضيًا من مناصبهم بالنقل إلى مناصب أخرى أو بالفصل).

ورأى الشلقاني أن المرحلة الثانية مختلفة عن المرحلة الأولى في أن السادات قضى على مؤيدي عبد الناصر، وتبنّى سياسة فيها كثير من الرمزية لكنها لم تفض إلى سياسة قانونية حقيقية، وإن أفضت أساسًا إلى سياسة تسلطية تحديثية.

ختامًا قال عمرو الشلقاني إن الإخوان المسلمين يفتقرون إلى الخيال القانوني، لأنهم أعادوا اليوم سيناريو النقاش والصدام الذي عرفته مصر بعد ثورة 1952، حيث اعتبر ما حدث بين السنهوري وعبد الناصر مشابهًا تمامًا لما يحدث بين القانونيين والرئيس مرسي اليوم.