قراءة في الهندسة العامة للدستور المغربي الجديد 2011
A Reading of Morocco’s New Constitution
الملخّص
تروم هذه الدراسة النظر في الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة للعام 2011 ، من حيث سياق إعدادها، وهندستها العامة، منطلِقَة من فرضية مركزية مفادها أن المشرّع الدستوري المغربي، وهو يفكّر في صوغ متن الدستور الجديد، لم يقطع مع الدساتير السابقة ويؤسس فلسفة دستورية جديدة، بل اعتمد خيار التغيير ضمن الاستمرارية. لذلك، حافظ للملَكية على مكانتها المحورية في البناء الدستوري، ووسّع، في الموازاة، دائرة صلاحيات السلطات الدستورية الثلاث البرلمان ،الحكومة، القضاء(، وهو ما يعني استنكافه عن إدخال تغييرات جوهرية في البنية العميقة لتوزيع السلطة، كما رسَّم معالمها الدستور التأسيسي الأول لسنة 1962 .
Abstract
This study examines the new text of the Moroccan constitution, drafted in 2011, and analyzes both the context in which it arose and its formulation. Underlying this analysis is the premise that Moroccan constitutional legislators did not completely break from the previous constitutions. Under the new constitution, the monarchy has preserved its pivotal position within the constitutional structure while the authority controlled by the other three constitutional powers – the Parliament, the Cabinet, and the Judiciary – has expanded. This implies that no fundamental changes have been made to the deep-rooted structure of the division of powers, drawn up following Morocco’s first constitutional draft in 1962. Morocco’s new constitution has not been finalized, and needs time for it to be not only applicable, but also suitable. In order to avoid excessive inference into the constitutional text and further misunderstandings, this study has focused on an analysis of constitutional texts rather than analyzing the issue from a political science perspective.
- الحكومة
- السلطة
- البرلمان
- المغربي
- الهندسة العامة
- الدستور
- Moroccan constitution
- the Parliament
- the Cabinet
- Judiciary
تروم هذه الدراسة النظر في الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة للعام 2011، من حيث سياق
إعدادها، وهندستها العامة، منطلِقَة من فرضية مركزية مفادها أن المشرّع الدستوري المغربي،
وهو يفكّر في صوغ متن الدستور الجديد، لم يقطع مع الدساتير السابقة ويؤسس فلسفة دستورية
جديدة، بل اعتمد خيار التغيير ضمن الاستمرارية. لذلك، حافظ للملَكية على مكانتها المحورية
في البناء الدستوري، ووسّع، في الموازاة، دائرة صلاحيات السلطات الدستورية الثلاث (البرلمان،
الحكومة، القضاء)، وهو ما يعني استنكافه عن إدخال تغييرات جوهرية في البنية العميقة لتوزيع
السلطة، كما رسَّم معالمها الدستور التأسيسي الأول لسنة.1962 وحيث إن البناء الدستوري لم يُستكمل قوامه بعدُ، ويحتاج إلى قدر من الوقت لتُصقَل أحكامُه
بالممارسة، وختُتبر بالتطبيق، فقد اعتمدت الدراسة المقاربة الدستورية، واستبعدت الانفتاح
على معطيات علم السياسة، درءًا لتحميل النصوص ما ليس في مستطاعها، أو ما هو غير
مطلوب منها.
يُعتبر الدستور المستفتى حوله في فاتح تموز/ يوليو 2011 السادسَ بعد دساتير سنوات 1962
و 1970 و 1972 و 1992 و 1996. فخلال خمسة وخمسين سنة على استقلال المملكة المغربية صدرت
ست وثائق دستورية، أي بمعدل دستور واحد على رأس كل تسع سنوات، وهو متوسط له دلالته من الناحيتين
الدستورية والسياسية. فمن جهة، هناك حاجة متجددة إلى تنقيح الوثيقة الدستورية ومراجعتها، الأمر الذي
يعكس حيوية المجال السياسي وحركية فاعليه السياسيين والاجتماعيين. بيد أن اللجوء المنتظم إلى إعادة النظر
1 للاطلاع على نص الدستور، انظر: المغرب، الأمانة العامة للحكومة، الدستور، الوثائق القانونية المغربية، ط 11 (الرباط: الأمانة
العامة للحكومة،.)2011
في الوثيقة الدستورية وتعديل أحكامها قد يعربّ، من جهة أخرى، عن صعوبة استقرار فكرة التعاقد الاجتماعي
التي يُعتبر الدستور أسمى تجسيد لها. والواقع أن المطلب الدستوري ظل قضية مفصلية في جدلية التقارب
والتباعد بين مكوّنات الحقل السياسي المغربي، بل شكّل أحد أبرز مصادر الاختلاف لحظةَ وضع أسس بناء
الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال (1956 – 1961)، كما ظل مكمن التوتر بين المؤسسة الملكية والأحزاب
سليلة الحركة الوطنية، لما يفوق ثلاثة عقود من الزمن 1962(–)1996. يختلف نظر المغاربة حول ما إذا كان كلّ واحد من التواريخ المشار إليها أعلاه (1962 و 1970 و 1972 و 1992
و 1996 و 2011) يعربّ عن صدور دستور جديد أم لا يعدو أن يكون مجرد «مراجعات دستورية» ضمن النسق
الدستوري نفسه، الذي حدد الدستور التأسيسي لسنة 1962 فلسفته ومنطلقاته العامة. وهم يتساءلون، من
جهة أخرى، عامّ إذا كانت الوثيقة المستفتى حولها مؤخرًا (فاتح تموز/ يوليو 2011) نقلة نوعية متضمِّنة فلسفة
دستورية جديدة تقطع مع الإرث الدستوري السابق، وتؤسس لمنطق دستوري جديد، يختلف في مبناه ومعناه
عن المنطق الذي حكَم الحياة الدستورية والسياسية مدة ما يقرب من نصف قرن 1962(–). 2011 تنطلق الورقة من أن المغرب شهد دستورين اثنين، هما: الدستور التأسيسي لسنة 1962، والوثيقة الموافَق عليها
في استفتاء فاتح تموز/ يوليو 2011. أمّا بقية التواريخ المشار إليها أعلاه، فكانت مجرد تعديلات ومراجعات
دستورية، إمّا بشكل تراجعي عن دستور 1962، كما حصل سنة 1970، وإمّا ظلت ضمن سقف الدستور
التأسيسي ولم تتجاوزه، كما هو حال وثائق 1972 و 1992 و 1996. وتذهب الورقة، من جهة ثانية، إلى أن
استفتاء فاتح تموز/ يوليو 2011، وإن جاءت وثيقته متضمنة الكثير من الأحكام والمقتضيات الدستورية
الجديدة، وحبلى بالمبادئ والقواعد غير المألوفة في ما سبقها من نصوص دستورية، فقد كرّس اتجاهَ التغيير ضمن
الاستمرارية، ولم يمس البنية العميقة لتوزيع السلطة، وهو ما يعني أننا لسنا أمام فلسفة دستورية جديدة تقطَع
مع تلك التي رسَّمها الدستور التأسيسي لسنة 1962، وتصوغ أخرى من شأنها التأسيس لمرحلة سياسية نوعية
في علاقة الدولة بالمجتمع. وهذه هي الملاحظة الجوهرية التي تروم الورقة البرهنة عليها عبر مصفوفة من
الأسئلة تتمحور تحديدًا حول نص الدستور، من حيث سيرورة إعداده، والدور المفصلي للملَكية في الإيحاء
بفلسفته ورسم خريطة طريق صوغه، وذلك قبل الانتقال إلى التدقيق في قسمات هندسته العامة. تُنبّه الدراسة القارئ الكريم إلى أن مقصدها الأساس يروم تحليل مفاصل البناء الدستوري في الوثيقة الدستورية
المغربية الجديدة (2011)، وهو ما يعني منهجيًا تغليب المقاربة الدستورية والقانونية على أي طريقة أخرى في
النظر والتحليل، لاعتبارات علمية وموضوعية. فالدستور المغربي الجديد لم يتجاوز دخوله حيّز التطبيق السنة
ونصف السنة، وهو زمن محدود لمساءلته من زاوية المقاربات الأخرى، وفي صدارتها مقاربة علم السياسة. ثم
إن الدستور ينتظر إعداد مصفوفة من القوانين التنظيمية والقوانين العادية وصوغها، وهي القوانين التي ستدقق
في مبادئه، وتُغني قواعده، وتعكف المؤسسات الدستورية (البرلمان والحكومة)، بشراكة مع الفاعلين السياسيين
2 نشير، من باب المقارنة العمودية، إلى أن الدستور الأميركي لسنة 1787 لم يشهد أكثر من عشرين تعديالً أُدخل جلها خلال السنوات
الأولى من دخوله حيّز التطبيق. والملاحظة نفسها تنسحب على دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة (4 تشرين الأول/ أكتوبر 1958)،
الذي شهد تعديالً جوهريًا سنة.1962
3 يتعلق الأمر، بشكل أساسي، ب «حزب الاستقلال» (1943)، و«الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» (1959)، وبعده «الاتحاد
الاشتراكي للقوات الشعبية» (1975)، و«حزب التقدم والاشتراكية» (1974)، الذي يشكل امتدادًا تاريخيًا ل«الحزب الشيوعي
المغربي».)1945(
4 أي منذ الاستفتاء على الدستور التأسيسي الأول 7) كانون الأول/ ديسمبر 1962)، وحتى المراجعة الدستورية في 13 أيلول/ سبتمبر
1996، التي حظيت بما يشبه إجماع الشعب المغربي.
والاجتماعيين (أحزاب ونقابات وجمعيات (على إنجازه، لاسيما أن الفصل السادس والثمانين من الدستور ألزم
الحكومة بإعداد هذه الروزنامة من القوانين خلال هذه الولاية التشريعية.)2016-2011(في الحقيقة، يقودنا هذا التنبيه المنهجي إلى تحذير منهجي آخر، يتعلق بصعوبة إصدار أحكام عن وثيقة دستورية
حديثة العهد، وغير مكتملة البناء، ويُعوزها التراكم الذي لا يتحقق إالّ عبر الممارسة وديمومتها في الزمن، أي
إعمال أحكام الوثيقة الدستورية واختبارها في التطبيق. ولعل هذا الهاجس المنهجي هو ما حفّزنا على حصر
الدراسة في دائرة المقاربة الدستورية ليس غير.
الملَكية والإصلاح الدستوري
لم يكن واضحًا حتى لحظة إعلان الخطاب الملكي في 9 آذار/ مارس 2011 أن المغرب مقبل على إعداد دستور
جديد، وإنْ ظل مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي يتردد في خطب الأحزاب السياسية، تارة بشكل
صريح، وطورًا بطريقة ضمنية أو محتشمة. والواقع أن ديناميات التغيير التي طاولت دوالً عربية كثيرة ساهمت
في حَفز النخبة القائدة في المغرب على التعاطي الإيجابي والسريع مع قضية الإصلاح بشكل عام، والإصلاح
الدستوري على وجه التحديد، علامً أنها ليست المرة الأولى التي يكون لسياقات المغرب الدولية والإقليمية صدى
في تسريع وتيرة الإصلاحات؛ ففي أعقاب سقوط جدار برلين (1989)، وبداية تفكك المنظومة الاشتراكية،
كان الخطاب الملكي في 20 آب/ أغسطس 1990 مبادرًا إلى التشديد على ضرورة التنبّه إلى طبيعة التغيرات
التي تطاول بنية المنتظم الدولي، والتناغم معها بالشروع في إطلاق سلسلة من الإصلاحات، وفي مقدمتها تغيير
الوثيقة الدستورية. وقد جرت معاودة التأكيد نفسه في خطاب العرش في 3 آذار/ مارس 1992، أي قبل
نصف سنة من مراجعة 4 أيلول/ سبتمبر من السنة نفسها (1992). ولعل الأمر ذاته نلمسه في الخطاب
المُعلن بشأن الإصلاح الدستوري الأخير، حيث قادت قراءة ما يجري في المحيط العربي ويعتمل داخل المجتمع
المغربي إلى الاستباق إلى إعلان وضع دستور جديد يروم التغيير ضمن الاستمرارية. هكذا، يمكن اعتبار خطاب 9 آذار/ مارس 2011 الإطارَ المرجعي الناظِم لسيرورة الإصلاح الدستوري
الذي قاد إلى استفتاء فاتح تموز/ يوليو 2011. ولئن أحيل في هذا الخطاب إلى خطب سابقة ذات صلة بملف
الإصلاح عمومًا، لاسيما خطاب 3 كانون الثاني/ يناير2010، و 20 آب/ أغسطس2010، فإنه يظل،
بامتياز، الخطاب المعلِن والمحدِّد للمنظومة الجديدة للإصلاح الدستوري. ورد الخطاب الملَكي مكثفًا ومختصرًا على مستوى صوغه، كما جاء واضحًا في رؤيته لطبيعة الإصلاح، ومضامينه،
وأبعاده. فمن جهة، ربط بين مشروع «الجهوية المتقدمة»، الذي تمّ الانتهاء من وضع تصور لبنيانه القانوني
5 ممّا ورد في خطاب 3 آذار/ مارس 1992 على سبيل المثال: «... إن العالم يتغير على مسمعنا وتحت أبصارنا، وإننا نشهد نشوء خريطة
سياسية جديدة... وقد انهار أحد العملاقين بأفول نجم الشيوعية وسقوط النظام الشمولي. وفيما يخصنا لا يمكننا إال أن نعتبر أمرًا إيجابيًا
التقدم الذي حققته الديمقراطية... واليوم نعتقد أن الظرف الحاضر ملائم لإنجاز ما كنا أعلنا عنه منذ أزيد من سنة بشأن إعادة النظر في
مقتضيات الدستور الحالي...».
6 أعلن خطاب 3 كانون الثاني/ يناير 2010 إقدام المغرب على اختيار «الجهوية المتقدمة»، حيث عُهِد إلى لجنة استشارية معيّنة من قبل
الملك بمهمة إعداد تصور متكامل عن «مشروع الجهوية المتقدمة» المعلن في هذا الخطاب، كما تم تحديد المدة الزمنية الواجب تقديم المشروع
خلالها، أي ستة أشهر، وقد تمت مضاعفتها بالتماس من اللجنة نفسها.
7 أعاد خطاب 20 آب/ أغسطس 2010 التذكير بمشروع الجهوية المتقدمة الوارد في خطاب 3 كانون الثاني/ يناير 2010، موضحًا
المستويات التي تنظُم التصور العام للجهوية المتقدمة، وهي: إنضاج مشروع الجهوية المتقدمة، ووضوح خريطة طريق لتنفيذه، وانكباب
الحكومة واللجنة على إعداد ميثاق لعدم التمركز، والمساهمة الفعالة للأحزاب في إعداد نخب مؤهلة لحسن تدبير الشأن الجهوي.
والمؤسساتي، والإصلاح الدستوري الذي تشك ل أحكامه الوعاء الناظِم للمشروع والمطوِّر له. كما حدد، من
جهة أخرى، المرتكزات السبعة التي مثّلت الإطار المرجعي الموجّه لوضع الوثيقة الدستورية الجديدة.
الجهوية المتقدمة مدخل للإصلاح
يُعتبر مشروع «الجهوية المتقدمة»، المُعلَن في خطاب التنصيب في 3 كانون الثاني/ يناير 2010، أحد المحاور الأساسية
في عملية الإصلاح الجارية في المغرب. فقد افتُتح خطاب 9 مارس/آذار 2011 بتأكيد أهمية «الجهوية المتقدمة» في
المعمار الدستوري الجديد، حيث شدّد، من جهة، على تكريس الجهوية بمقتضى الدستور، وليس بقانون، كما أوصت
بذلك «اللجنة الاستشارية للجهوية»، وهو ما يعني إعطاء المشروع القيمة الاستراتيجية الجديرة به في منظومة
الإصلاحات الدستورية والسياسية. وأكد، من جهة ثانية، جعل «الجهوية المتقدمة» -بحسبها آلية لإعادة توزيع
السلطة بين الدولة ومختلف الجماعات الترابية- قاطرةً لإدخال تحويرات عميقة على الوثيقة الدستورية. وهكذا،
جاءت رسالة الخطاب واضحة في دعوتها إلى أن تكون «الجهوية المتقدمة» مؤسسةً على مبادئ الحكامة الترابية
الجيدة، سواء على صعيد انتخاب المجالس الجهوية وتدبيرها ديمقراطيًا، أو على صعيد تخويل رؤساء المجالس
الجهوية سلطة فعلية لتنفيذ مقررات هيئاتهم، عوض ممثلي السلطة المركزية من عمال وولاة. تكمن العلاقة التلازمية بين مشروع «الجهوية المتقدمة» والإصلاح الدستوري في كون «الجهة»، وفق
الاستراتيجيا الجديدة لإعادة بناء المجال الترابي، ستصبح فاعالً مهامً في المعمار المؤسسي المزمع تشييده. فالمنتظر
ليس إعادة توزيع الاختصاصات بين الدولة وباقي الجماعات الترابية، وفي مقدمتها الجهة، فحسب، بل إعادة
توزيع الخيرات والإمكانات أيضًا بين مختلف مكوّنات التراب الوطني المغربي، وهو ما يعني اعتماد فلسفة
جديدة في تدبير السلطة والثروة على صعيد الولايات (المحافظات) والأقاليم المغربية. لذلك، تستلزم الجهوية
المتقدمة، وفق هذا المنظور، تصورًا جديدًا للعلاقة بين الدولة وباقي مكوّناتها الترابية، أي تحتاج، في الواقع، إلى
تعاقد جديد من شأنه جعل الجهات مشارِكة في تمثيل المواطنين مشارَكة فعلية، وإشراكهم في تدبير شؤونهم إلى
جانب الدولة وممثّليها على الصعيد الترابي. والحال، يعدُّ الدستور الوثيقة الأسمى لتكريس الفلسفة الجديدة
لعلاقة الدولة بباقي مكوّناتها الترابية.
مرتكزات الإصلاح
تضمَّن خطاب 9 مارس/آذار 2011 المرتكزات المرجعية الناظِمة للدستور الجديد، التي حددها في سبعة، وهي
في مجملها إمّا سعت إلى دسترة مبادئ وممارسات كانت موجودة، أو اعتماد مبادئ وقواعد دستورية جديدة، وإمّا
إلى توسيع صلاحيات مؤسسات دستورية، وتقوية مكانتها وتعزيزها في المنظومة الدستورية القائمة. وفي جميع
الأحوال، لم يعتبر الخطاب المرتكزات السبعة المعلنة إطارًا مغلقًا، بل نَظر إليها بوصفها موجِّهات للعمل، لا
تُعفي اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور من «الاجتهاد ا الخّق لاقتراح منظومة دستورية متقدمة ».
8 تم تنصيب اللجنة الجهوية لمراجعة الدستور من قبل الملك بتاريخ 10 آذار/ مارس 2011، وقد ضمّت في عضويتها، علاوة على
رئيسها، ثمانية عشر عضوًا. للاطلاع على القائمة والخلفيات التعليمية والمهنية لأعضائها، انظر الموقع الإلكتروني:
<http://www.diplomatie.ma/arab/larevisondelaconstitution/commissionconsultativederevision/tabid/1773/language- us/ default.aspx> (accessed on 2/2/2013).
9 للاطلاع على نص خطاب 9 آذار/ مارس 2011، انظر الموقع الإلكتروني: <www.dafatiri.com/vb/dafatir284427> (accessed
on 2/2/2013).
• تتصدر أولى هذه المرتكزات قضيةُ « الهوية المغربية»، من حيث تنوع مكوّناتها، وتعدد روافدها. لذلك، حرص
الخطاب المعلِن بشأن الإصلاح الدستوري على أن يكرس الدستور الجديد «الطابع التعددي للهوية المغربية
الموحَّدة»، معتبرًا «الأمازيغية» في صلب هذا التعدد. والحقيقة أن النظر إلى النقاشات التي شهدها المغرب منذ
عقود وعلَت نغمتها، إلى حدّ ما، في السنوات الأخيرة، رشَّح «الهوية» لأن تكون أحد الموضوعات الواجب
تقنينها في الدستور كي تكتسب، من جهة، قيمة أسمى، وكي تعزز، من جهة أخرى، نسيج الوحدة الوطنية في
سياق إقليمي ودولي طغت فيه موجات الدعوة إلى التشتت الإثني والطائفي، باسم حماية الخصوصيات، وصون
التمايزات العِرقية واللغوية والثقافية. • يتعلق المرتكز الثاني ب« ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجالات الحريات الفردية والجماعية وضمان
ممارستها»؛ فمن المعلوم أن المغرب أقدمَ على إصلاحات جوهرية ومنتظِمة في مجال حقوق الإنسان والحريات
العامة منذ مستهل تسعينيات القرن الماضي، حين نصَّت ديباجة الدستور المراجَع في 4 أيلول/ سبتمبر 1992
على «تشبث المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميًا»، وأُحدِث «المجلس الاستشاري
لحقوق الإنسان» (1992)، ورشُع في تجربة «المصالحة الوطنية» بطي صفحة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان،
عبر تأسيس «هيئة التحكيم المستقلة» أوالً (1999)، ثم «هيئة الإنصاف والمصالحة» لاحقًا (2004). وقد
عزّز المغرب سيرورة تنقية ملف انتهاكات حقوق الإنسان بالانضمام إلى سلسلة الاتفاقيات المكوِّنة للمنظومة
الدولية لحقوق الإنسان. لذلك، كان طبيعيًا أن يشكل توطيد حقوق الإنسان بمضامينها العامة والشاملة أحد
المرتكزات المفصلية الموجِّهة والناظمة للصياغة الجديدة للدستور. • يخص المرتكزُ الثالث تأكيد استقلال القضاء، وتوطيد سمو الدستور، والمساواة أمام القانون، وهي مبادئ
لازمة لتعزيز دولة القانون وضمان احترامها في الممارسة. والحال أن هذا المرتكز التوجيهي في الخطاب جاء تأكيديًا
لما سعى المغرب إلى إنجازه منذ تسعينيات القرن الماضي، حين جعل من إصلاح القضاء وتحديثه أولوية وطنية،
وحاول تقوية صون الشرعية الدستورية بإحداث مجلس دستوري مستقل عضويًا بذاته، خلافًا لما كان عليه
الأمر خلال تجربة الغرفة الدستورية، التي ظلت ثلاثة عقود جزءًا من قضاء المجلس الأعلى (1962 –). 1992
فسواء في مراجعة 4 أيلول/ سبتمبر 1992، أو عبر استفتاء 13 أيلول/ سبتمبر 1996، تمَّ الارتقاء بالقضاء
الدستوري إلى قضاء مستقل عضويًا، كما تمَّ تطوير صلاحياته، وتوسيع دائرة من له حقّ الإحالة ليشمل كلاًّ
من الملك، والوزير الأول، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وستين عضوًا من مجلس النواب،
وستين عضوًا من مجلس المستشارين.
• يتبوأ المرتكز الرابع مكانة خاصة في نص الخطاب، لصلته بأحد أهم المبادئ الدستورية دقة وحساسية،
ويتعلق الأمر ب«فصل السلطات»؛ فكثيرًا ما نُعت النظام السياسي المغربي بكونه «ملَكية رئاسية غير متوازنة»،
أو «ملَكية تنفيذية»، أو نظامًا سياسيًا تتمتع الملَكية في نطاقه بمكانة رفيعة، تسمو على جميع المؤسسات، وتعلو
عليها دستوريًا وسياسيًا. ثم إن مبدأ فصل السلطات نفسه ظل موضوع جدل وتوظيف سياسيين، وقلمّا
حظي بالتحديد والتوضيح والتقعيد، سواء على مستوى الفقه الدستوري، أو على مستوى الخطاب السياسي.
لذلك، كان مطلوبًا بإلحاح أن يعاد صوغ هذا المبدأ في أفق الدستور الجديد، بشكل يعزِّز التوازن بين السلطات
الدستورية، ويقوّي كلاًّ من البرلمان والحكومة، ويعطيهما إمكانات الاشتغال، ويُعقلن أداءهما السياسي.
10 يُقصد بحق الإحالة Saisine() الإمكانية القانونية للتوجه إلى المجلس الدستوري من أجل التماس تدخّله للنظر في مدى دستورية
القوانين. وقد حصر الدستور الحالي (2011)، وفقًا للفصل 132 من لهم هذه الصلاحية في: الملك ورئيس الحكومة ورئيس مجلس
النواب، ورئيس مجلس المستشارين ومخُس أعضاء مجلس النواب وأربعين عضوًا من مجلس المستشارين.
• أولى المرتكز الخامس أهمية خاصة لتقوية دور الأحزاب السياسية، عبر تعميق دمقرطتها، وعقلنة أدائها،
وترشيد تعددها وتكاثرها. كما أحاط المعارضة البرلمانية بعناية واضحة كي تقوم بدورها في التشريع والرقابة
والمشاركة في صوغ السياسات العمومية وتقييمها، إسوة بالأغلبية المنتخبة، والأمر نفسه ينسحب على المجتمع
المدني الذي سيصبح بُعدًا له مكانته في أحكام الوثيقة الدستورية الجديدة. • يرتبط المرتكز السادس ب «تخليق الحياة العامة»، وإقامة مبدأ المسؤولية وقاعدة المحاسبة على صعيد ممارسة
السلطة. والحقيقة أن المغرب الذي شرع في عملية التخليق منذ نهاية العشُرية الأخيرة من القرن الماضي بواسطة
القوننة والمأسسة، قدّر أن الظروف ناضجة بما يكفي الارتقاء بالقواعد الخاصة بالتخليق إلى مستوى التكريس
الدستوري، والأمر نفسه ينسحب على المؤسسات المرتبطة بها. كما لم يعد مقبوالًاستمرار عدم اقتران ممارسة
السلطة بالمسؤولية، أو الإفلات من المحاسبة. • أمّا المرتكز السابع والأخير، فيخص «دسترة هيئات الحكامة الجيدة، والحريات العامة، وحماية حقوق
الإنسان»، أي الارتقاء بالمؤسسات المحدثة خلال السنوات الأخيرة إلى هيئات دستورية، وإضافة أخرى
اكتملت ضرورات إنشائها. تلك هي المرتكزات التي حدّدها الخطاب الملكي في 9 آذار/ مارس 2011، وأعلنها إطارًا مرجعيًا للتفكير
الجماعي في وضع دستور جديد بأفق طرحه على الاستفتاء الشعبي. أمّا على الصعيد العملي، فقد أوجد الخطاب
آليتين، إحداهما تقنية، هي «اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور»، مكوّنة من تسعة عشر عضوًا بمن فيهم
الرئيس، عُهد إليها بمهمة الاستماع وتلقّي اقتراحات الأحزاب السياسية، والنقابات، وجمعيات المجتمع
المدني، وآراء الكفاءات العلمية المؤهلة، ومن ثمة إعداد مسودة تُرفع لاحقًا إلى أنظار الملك. وثانيتهما آلية
سياسية تتجسد في إجراء لقاءات منتظمة بين مستشار الملك، محمد معتصم، وممثلّي الأحزاب، بغية التحاور
وتبادل الآراء حول مضامين الإصلاحات المقترحة، والتوصّل إلى توافقات في شأنها. وقد حُدِّد شهر حزيران/
يونيو سقفًا لتقديم نتائج عمل الآليتين في شكل مشروع دستور للاستفتاء، الذي حدد خطاب ملَكي لاحق
(17 حزيران/ يونيو 2011) تاريخ إجرائه في الأول من تموز/ يوليو.2011
الهندسة الدستورية الجديدة
سبقت عمليةَ إجراء الاستفتاء حملةٌ كثيفة عرّفت بالدستور ومضامينه، وأثارت نقاشًا شبه عمومي حول النص
الجديد، وبما يتميز ويختلف به جوهريًا عن سابقيه من الدساتير. وشاركت في تنشيط فصول الحملة الأحزاب
السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والإعلام العمومي والخاص، وثُلة من الباحثين والجامعيين.
كما عربّ بعض التنظيمات السياسية وحركة 20 فبراير عن مواقفها المقاطِعة لمشروع الدستور، داعيةً إلى عدم
التصويت عليه. أمّا نتائج الاستفتاء، فجاءت لصالح الدستور الجديد بنسبة 98 في المئة من نسبة المصوّتين
الفعليين في الاقتراع العام الذين وصل معدل مشاركتهم فيه 73 في المئة من عدد الناخبين المسجَّلين قانونيًا في
11 رئيس اللجنة، عبد اللطيف المنوني، أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، الرباط، عضو سابق في المجلس
الدستوري، وهيئة الإنصاف والمصالحة، واللجنة الاستشارية للجهوية، وعضو لجنة البندقية)اللجنة الأوروبية للديمقراطية بالقانون (،
مؤسس وعضو سابق للجمعية المغربية للقانون الدستوري.
القوائم الانتخابية. فهل نحن أمام هندسة دستورية جديدة، تعكس فلسفة دستورية مختلفة جوهريًا عن
سابقتها، ومتميزة، تحديدًا، عن الدستور المراجع في 13 أيلول/ سبتمبر 1996؟ ليست الهندسة الدستورية مجرد تنظيم تقني لأبواب الدستور، وترتيب فني لمواده وفصوله، بل هي أكثر من هذا
الأمر؛ إنها مرتبطة عضويًا بالفلسفة الناظمة للوثيقة الدستورية، أي هي ذات صلة بالتصورات الفكرية والأبعاد
السياسية التي يروم المشرّع ترسيمها في الدستور لتصبح قواعد ثابتة ومستقرة لتنظيم السلطة وتوزيع ممارستها
بين مختلف المؤسسات، ولإقرار الحقوق والحريات وضمان ممارستها. إنها إجماالًالضوابط والآليات التي حتُكَمُ
بمقتضاها قواعد اللعبة السياسية، وفي صدارتها علاقة الدولة بالمجتمع. تسمح القراءة الفاحصة للدستور المغربي الجديد، في ضوء التحديد أعلاه، بالقول إنه وُضِع في مبناه ومعناه
على فلسفة دستورية تروم التغيير ضمن الاستمرارية؛ فمن التصدير وصوالً إلى غاية أحكام الباب الثالث
عشر (ف 175)، ثمة مقتضيات جديدة لم تتضمنها المراجعات الدستورية السابقة، بما فيها الدستور التأسيسي
الصادر في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1962، وإلى جانبها تحويرات دقَّقت، ووضّحت، وأزالت الغموض
الذي اكتنف الكثير من الأحكام، بسب اقتضاب نصوصها أو عدم دقّة صياغتها. وقد تمَّ الإبقاء في مستوى
ثالث، جزئيًا أو كليًا، على فصول كثيرة من وثيقة 1996، وهذا أمر يحدث في كثير من التجارب الدستورية
غير المصوغة على فكرة القطيعة، مع الإشارة إلى أن مجهودًا واضحًا بُذل لتشذيب لغة الصياغة وتحسينها،
وتجاوز الكثير من الهنات مقارنة بالنصوص الدستورية السابقة. بل إن الوثيقة المصوَّت عليها في استفتاء فاتح
تموز/ يوليو 2011 تضمّنت مصفوفة من المفاهيم والمصطلحات العصرية المألوفة في التداول الدولي، وأدبيات
المنظمات الدولية. يمكن ملامسة فلسفة التغيير ضمن الاستمرارية في طبيعة التوزيع «الجديد» للسلطة ضمن هندسة الوثيقة
الدستورية. فمن جهة، لم يحدث تغير جوهري في مكانة الملك في نص الدستور، قياسًا بالدساتير السابقة، إذ
استمرت المؤسسة الملَكية متمتعة بمجمل الصلاحيات والسلطات اللازمة لقيادة البلاد وضمان استقرارها
واستمرارها. ولا يجد قارئ الوثيقة الجديدة أي عناء في استخراج المفاتيح التي ضمِنها المشروع الجديد للملك
لممارسة سلطة فعلية. ومن جهة ثانية، تمَّ تفويض صلاحيات ظل الملك يمارسها في الدساتير السابقة، فهي
سلطات مفوَّضة لا مُفوَّتَة، أو متنازَل عنها نهائيًا، وهو ما يعني أن المفوّض له، طبقًا لنظرية التفويض، يمارسها
وفق الحدود المرسومة له سلفًا من قبل المفوِّض. وقد نلاحظ، في مستوى ثالث، إزالة بعض الصلاحيات نتيجة
التحويرات الجديدة، أو تفويتها نظرًا إلى محدودية قيمتها الاستراتيجية في الهندسة الدستورية للوثيقة الجديدة.
12 ورد في قرار المجلس الدستوري رقم 815.2011 بتاريخ 14 تموز/ يوليو 2011 ن نتائج استفتاء فاتح الشهر نفسه، أن النتائجالمعلِ
الإجمالية للتصويت على الدستور كانت كما لي: صوت 9.909356 ناخبًا بنعم على الدستور، في حين بلغ التصويت بلا.154.067
للاطلاع على نص القرار، انظر: الدستور الجديد للمملكة المغربية، سلسلة النصوص القانونية (الرباط، المغرب: دار نشر المعرفة،
2011)، ص 85-77.
13 عرف المغرب صدور أول دستور سنة 1962، وتمت الموافقة عليه في استفتاء عام بتاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 1962، وحظي بمشاركة
84.20 في المئة وقبول 97.86 في المئة من المصوتين الفعليين في الاقتراع. للاطلاع على نص الدستور، انظر: الجريدة الرسمية، العدد
2616 (19 أيلول/ سبتمبر 1962). ولمعرفة مضامينه، انظر: امحمد مالكي، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، القسم 2،
«النظام السياسي المغربي،» ص 289 وما بعد.
14 للاطلاع على نص قرار المجلس الدستوري المعلن دستورية نتائج الاستفتاء على دستور 1996، انظر الجريدة الرسمية، عدد 4420،
بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1996، ص 2293. ولفهم مضامين الإصلاح الدستوري لعام 1996 انظر: امحمد مالكي وعبد،
المالك الوزاني، «الإصلاح الدستوري والسياسي في المغرب: المقارنة والتأويل،» ورقة قدمت إلى: «الإصلاحات الدستورية والسياسية في
المغرب العربي،» (ندوة نظمها مركز الدراسات الدستورية والسياسية، كلية الحقوق، مراكش، 28-26 تشرين الأول / أكتوبر.)1999
ونميل إلى الظن أن مصدر حصول تغير في الاستمرارية ضمن التوزيع الجديد للسلطة في الوثيقة الدستورية
راجع بدرجة أساسية إلى طبيعة الجغرافيا السياسية والاجتماعية المغربية؛ فواقع النخب السياسية، ودرجة الوعي
الديمقراطي للمجتمع، وطبيعة الثقافة السياسية الناظِمة لمؤسسات الدولة ونسيج المجتمع، كلها متغريّات
جعلت التغيير ضمن الاستمرارية الخيار الأنسب والأمثل لمسار الإصلاح الدستوري، كما جسّدته الوثيقة
المُصوَّت عليها شعبيًا بالإيجاب في فاتح تموز/ يوليو.2011
عن مكانة الملَكية
تحظى الملَكية بمكانة محورية في النسيج التاريخي والاجتماعي والسياسي المغربي. ولعل ذلك ما يفسر ديمومتها
واستمرارها مؤسسةً فاعلةً ومميّزة من مثيلاتها من الملَكيات، أو من الأشكال الشبيهة بها على الصعيد العربي
والإسلامي. بيد أن الملَكية المغربية لا تستمد قوة استمرارها من قدرتها على إعادة إنتاج المشروعية وتجديد
أشكال التواصل مع نخبة المجتمع ومكوّناته فحسب، بل إنها تنهل ذلك أيضًا من تعدد أنماط المشروعية
وتداخلها وانصهارها. فالمتابع لتطور النظام السياسي المغربي، على امتداد أكثر من خمسة عقود على الاستقلال،
يجد صعوبة في فهم مفارقة وجود ملَكية وفية للماضي، محافظة على التقليد وموظفة له، ميالة إلى الانفتاح
المحدود والمراقَب، إلى جانب نخبة وطنية تجهد من أجل بناء دولة عصرية، على صعيد المؤسسات وآليات
الممارسة السياسية. بيد أن النظام السياسي المغربي، وعلى الرغم من قدرته على المحافظة على التوازن والإشراف على مختلف
مكوناته السياسية والاجتماعية، لم يَنجُ من حركات النقد والاعتراض على أدائه، بل إن أصواتًا متزايدة ما
انفكت تطالب بتجديد المؤسسة الملَكية، وعصرنتها، ونزع طابع التقليد والقَداسة عنها، من خلال إصلاح
الوثيقة الدستورية أوالً، وعبر بثِّ روح الحداثة في طقوس المؤسسة الملَكية وقواعد ممارستها ثانيًا. ومن الجدير
بالإشارة أن موجة الاحتجاج الاجتماعي التي ظهرت في سياق ما أصبح يسمى «الربيع العربي»، أي حركة
20 فبراير، وإن اختلفت عن نظيراتها من الحركات في العالم العربي من حيث عدم رفعها شعار «إسقاط»
النظام، فقد طالبت بتحويل المل كية من «ملَكية تنفيذية حاكِمة» إلى «ملَكية برلمانية ديمقراطية»، وهو ما يعني
إعادة تقسيم السلطة على أساس فلسفة جديدة تحدُّ من سلطة المؤسسة الملَكية، وتُعيد، في المقابل، الاعتبار
إلى البرلمان، وتقوِّي شخصية الحكومة وتمنحها السلطات اللازمة لتمكينها من وضع السياسات العمومية
وتنفيذها وتحمّل مسؤولية نتائجها. تتبوأ الملَكية في بنية الهندسة الدستورية الجديدة منزلة بين المنزلتين، فلا هي استمرت «ملكيةً تنفيذيةً»، كما كان عليه
الأمر قبل صدور الدستور الجديد (2011-1962)، ولا هي تحولت بشكل واضح ونهائي إلى ملَكية برلمانية
ديمقراطية، كما طالب قطاع من النخبة السياسية. فقد حدّد الفصل الأول من الدستور الجديد طبيعة الملَكية
بالقول: «نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية». وفي الواقع، لم يأت الفرق
كبيرًا على صعيد الصياغة بين الدساتير السابقة والوثيقة المصوَّت عليها في استفتاء فاتح تموز/ يوليو 2011؛
فالفصل الأول من دستور 1996 كان يقضي بأن «نظام الحكم بالمغرب نظام ملَكية دستورية ديمقراطية
واجتماعية»، أمّا نظيره في الدستور الجديد، فأضاف كلمة «برلمانية» لتصبح «ملَكية دستورية، ديمقراطية برلمانية
15 Mohamed Tozy, Monarchie et islam politique au Maroc , références académiques, 2 ème éd. (Paris: Presses de Sciences po, 1999), p. 15.
واجتماعية». فهل معنى ذلك أننا بصدد تغريّ جوهري في مفهوم المل كية، ومكانتها، وطبيعة علاقتها بالمؤسسات
الدستورية الأخرى؟ وهل تسعفنا قراءة وثيقة الدستور في تأكيد هذا المنحى؟ من الجدير بالإشارة أن ثمة فهامً خاصًا للملَكية في المغرب، يبتعد في معناه ومبناه عن التصورات التي آلت إليها
تجارب الملَكيات في أوروبا، حيث أصبحت في مجملها مؤسسات سائدة لا حاكِمة. ومع ذلك لا بد من التنبّه إلى
أن الملَكيات الأوروبية، وعلى الرغم من تراجعها التدريجي في التاريخ لصالح البرلمانات والحكومات، ما زالت
الدساتير تحتفظ لها، وإن بدرجات متفاوتة من نظام إلى آخر، بالكثير من الصلاحيات على الصعيد الدستوري
والنظري، كما هي حال دستور بلجيكا، الذي يُعد أقدم الدساتير الأوروبية، ودستور مملكة الدنمارك (1953)،
والدستور الإسباني (1978)، باعتباره آخر دساتير أوروبا في القرن العشرين. لذلك، ليس مهامً، في تقديرنا،
تجريد الملَكيات من سلطاتها وتحويلها إلى أريكة فارغة، بل الأهم أن تكون الديمقراطية خيارًا لا رجعة فيه، وأن
توضح قواعد اللعبة، وتُعزّز بضمانات وآليات تجعل ممارستها فعلية وسليمة، وأن يتمّ توزيع السلطة بقدر كبير
من التوازن والتكامل الفعّال في الأدوار والمسؤوليات، وأن تُصبح الثقة المتبادلة قيمة سياسية ومجتمعية مُنبثّة في
الثقافة السياسية للدولة والمجتمع. والحقيقة أن هذا الأمر حاصل في أوروبا منذ مدة، وهو الذي يُفسرّ التراكم
الهائل في فعالية النظم السياسية ونجاعة أداء مؤسساتها الدستورية. استمرت الملَكية في المغرب، خلافًا لما تمَّ توضيحه أعلاه، مؤسسة حاكمة، وحاضرة بقوة في المجال السياسي.
فمن جهة الدساتير التي تعاقبت منذ صدور أول وثيقة سنة 1962، تبوأت الملَكية مكانة الصدارة في الهندسة
الدستورية، كما تقوَّت بفعل تعدد أنماط مشروعيتها التاريخية والدينية والدستورية. ومن الزاوية السياسية،
أثبتت الممارسة أن المؤسسة الملَكية فاعل أساسي، بل ظلت الفاعل الأكثر تحكّامً في توازنات الحقل السياسي
المغربي. لذلك، لم يتردد الملك الحسن الثاني، حين سُئل في أعقاب الاستفتاء على دستور 1962، عن دوره في
المنظومة الدستورية والسياسية، في القول: «إن السؤال يجعل منا حكَامً، وأنا متيقن أن الكثيرين قالوا إن سلطات
الملك ضخمة، ولكن، أيها السادة، ليعلموا بكل بساطة أن الملك لم يأخذ إلا ما يلزمه ليتمكن من التدخل إذا
تعثر سير الأمور، أو للمساعدة على سيره، وسأقول لهم أخيرًا، وكمثال بسيط، تخيلوا فرقتين لكرة القدم في
ملعب، وانزعوا من الحَكم سلطة التصفير وطرد لاعب، والعبوا أيها السادة.».. والحقيقة أن «التحكيم»
Arbitrage() في مفهوم الملَكية الحاكمة يحفظ للملك دوره التاريخي في التدخّل والتواصل مع مختلف مكوّنات
المجتمع، بغية إقرار قدر من التوازن والانسجام والمواءمة، وهو ما أكدته، ودافعت عن رجاحته أنماط من
التأليف التاريخي الوطني المغربي، وناكفَته الكثير من الكتابات الأجنبية. تتجلى المكانة الوسطى للملَكية في الهندسة الجديدة في الإمكانات التي تضمنتها الوثيقة الدستورية، حيث
حفظت للملك، كما سبقت الإشارة، عُصب الاختصاصات التي درجت الدساتير السابقة على إسنادها
إليه، وأقرّت في الوقت ذاته مبادئ وقواعد جديدة من شأنها تقوية السلطة التشريعية، وتعزيز دور الحكومة
16 للاستزادة، انظر: امحمد مالكي، الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية: المفاهيم الأساسية، النظام السياسي المغربي
)مراكش، المغرب: المطبعة والوراقة الوطنية، 2001)، القسم 2، النظام السياسي المغربي، ص 238 وما بعد.
17 نقلا عن: محمد معتصم، «التطور التقليداني للدستور المغربي،» (أطروحة دكتوراه دولة، كلية الحقوق، الدار البيضاء، 1988)،
ص.287
18 من ضمن هذه الكتابات نشير إلى المؤرخين جرمان عياش وعبد الله العروي.
19 استنادًا إلى المقترب الانقسامي proche segmentariste))، يذهب جل الدراسات الأنغلوساكسونية إلى اعتماد فكرة تدخّل الدولة
(المخزن) بالعنف لبثِّ روح الانشقاق والتنازع والصراع بين القبائل للتمكن من السلطة والبقاء قوية. انظر على سبيل المثال كتابات كل
من إرنست جيلنر E. Gellner() وجون وتربري J. Waterbury().
ورئيسها، وبثِّ روح المساءلة والمحاسبة. فما يجب أن يكون حاضرًا في وعينا، ونحن نفحص الوثيقة
الدستورية الجديدة لمعرفة ما إذا كانت أحكامها تنحو إلى القطع مع الملَكية التنفيذية، هو أن الانتقال إلى
الملَكية البرلمانية، كما حصل في مصادرها الأصلية (بريطانيا على سبيل المثال)، راجع بدرجة أساسية إلى
التغيرات المفصلية الحاصلة في الجغرافيا السياسية والاجتماعية الإنكليزية، أي الانتقال التدريجي من
المشروعية التاريخية والتقليدية المجسَّدة في مؤسسة التاج أوالً، والمؤسسة الملَكية لاحقًا، إلى المشروعية
الديمقراطية النابعة من إرادات الناس وسيادتهم. وقد تكاملت مع هذا الانتقال وعضدته التغريّات العميقة
التي طاولت نظام الأحزاب وفلسفة الانتخاب وارتفاع درجة الثقافة السياسية الديمقراطية لعموم الشعب
البريطاني التي نحسب أنها المصدر الحاسِم في ميلاد الملَكية البرلمانية الديمقراطية في بريطانيا على سبيل المثال.
والواقع أننا حين نشير إلى هذا النموذج التاريخي، لا يعني اعتمادُه مفهومًا إرشاديًا للاستنساخ، بقدر ما
نتوخى استخلاص أهمية التطور التدريجي، ونضج الوعي والثقافة السياسية في الاستقرار على نمط معنيّ
للحكم دون غيره. لذلك، فإن الملَكية البرلمانية في المغرب، إن ارتضاها المغاربة ووافقوا عليها في المستقبل،
لن تكون إالّ من صنعهم وحدهم، وهو ما يعني أن أي تغريّ عميق يطاول جغرافيتهم السياسية والاجتماعية
سيكون حاسامً في الانتقال إلى هذا النمط من الحكم. يمكن الفصل إجرائيًا بين مجالين في قراءة مكانة الملَكية في الهندسة الدستورية الجديدة، وهو ليس، في
جميع الأحوال، فصالً قطعيًا، لأن المستويين معًا يتكاملان في إبراز مكانة المؤسسة الملَكية في المنظومة
الدستورية والسياسية. يتعلق المجال الأول بما له صلة ب «المشروعية الدينية» وتوابعها، في حين يخص الثاني
الاختصاصات ذات العلاقة ب«المشروعية الدستورية» أو «الديمقراطية»، التي يتمتع بها مجمل الرؤساء في
النظم السياسية المعاصرة. لم يشذ الدستور المغربي الحالي (2011) عامّ سبقه من الدساتير من حيث تكريسه مكانة الملك الدينية. وعلى
الرغم من الانتقادات والاعتراضات التي طاولت الأحكام الدستورية ذات الصلة ب«المشروعية الدينية»،
وفي صدارتها الفصل 19، فقد تمَّ تثبيت المقتضيات نفسها مع بعض التحويرات غير الجوهرية. وما هو
لافِت للانتباه في الصياغة الجديدة للدستور أن الرقم 19، الذي ظل هو نفسه على امتداد الدساتير السابقة، قد
تغريّ وأصبح يحمل رقمَي 41 و 42. ولعل من شأن هذا التغيير في الترقيم أن يساعد المغاربة نسبيًا على إعادة
تشكيل وعيهم حيال هذا الفصل، وصوغ فهم جديد لقيمته في الوثيقة الدستورية، وإدراك أهميته المركزية في
الحياة السياسية والمؤسساتية إجماالً. وفي الحقيقة أُعطيت حمولة كبيرة وثقيلة للشق الأول من الفصل التاسع
عشر، الذي يقضي بأن «الملك أمير المؤمنين»...، إلى حدّ أن فصوالً دستورية كثيرة ارتهنت بالتأويلات التي
طاولت مبناه ومعناه، علامً أن واضعي هذا الفصل في الدستور التأسيسي لسنة 1962 لم يكن واردًا في خَلدِهم
20 للاطلاع على نص الدستور الصادر بمقتضى ظهير رقم 1.11.91 بتاريخ 29 تموز/ يوليو 2011، انظر: الجريدة الرسمية، العدد
5964 (03 تموز/يوليو 2011)، ص.3600
21 نُشير إلى أن الرقم 19 ظل ثابتًا في جميع دساتير المغرب (1962 و 1970 و 1972 و 1992 و.)1996
22 يُرجع البحث التاريخي بداية تداول لقب «أمير المؤمنين» في الحقل السياسي العربي الإسلامي إلى عهد عمر بن الخطاب، حين أطلق
عليه أحد قادة جيشه هذا الاسم عوض خليفة الرسول كما كان سائدًا وقتئذ، ليتواتر الأخذ به في مشرق العالم العربي ومغربه، بدرجات
مختلفة، وعبر فترات متقطعة، وعلى أسس متباينة، ليُصار إلى تأسيس هذا اللقب عند العباسيين (1258-750، والفاطميين لاحقًا،) أوالً
على قاعدة الانتساب إلى آل البيت والانحدار منه، لينقل بعد ذلك إلى المغرب العربي على عهد المرابطين (1145-1073) والموحِدين
1130(– 1262)، والحفصيين (1346-1207). أمّا العلويون (1635)، فأسسوا نظام حكمهم على النسب والشرافة، أي الانتساب
إلى آل البيت.
أن يكتسي الأبعاد التي عرفها منذ سنتي 1982 و 1983، بل امتدت دائرة التأويلات لتُضعِفَ عمل بعض
المؤسسات (البرلمان تحديدًا)، أو تحلّ محلها، وهذا ما يفسر، في الواقع، الجدل الذي نالَه هذا الفصل في العقدين
الأخيرين. ونعتقد أن الشق الأول من الفصل التاسع عشر الخاص بمكانة الملك الدينية، أي لقب أمير المؤمنين،
لم يكن في مُكنه إثارة أي جدل أو خلاف لو بقي محصورًا في نطاق المعاني والدلالات الطبيعية التي كانت وراء
إصرار واضعي دستور 1962 على تضمين هذا اللقب في نص الوثيقة الدستورية. فالمأمول إذن في أفق تفعيل
مقتضيات الدستور الجديد، أن نعود إلى ما فكر فيه واضعو الفصل التاسع عشر، ونقطَع مع التأويل المُضرِّ
بروح الدستور، البعيد عن المعاني الرمزية التشريفية والبروتوكولية لمفهوم «إمارة المؤمنين». لذلك، أعتقد أن
الدستور الجديد يعتمد هذا المنحى من خلال الصياغة المغايرة للمقتضيات ذات الصلة بالمكانة الدينية للمؤسسة
الملَكية. فمن جهة، ميّز بين «المشروعية الدينية» للملك، كما هو متضمن في الفصل 41، ومشروعيته الدستورية
كملك للبلاد ورئيس للدولة، وهو ما قضى به الفصل 42. والحال، أن القصد من هذه الصياغة، كما يمكن أن
يَستنتج أي قارئ للدستور المغربي، يروم فصل المجال الديني عن نظيره السياسي أو المدني، وهو ما يعني أن لكل
مجال مقتضياته الخاصة، التي لا تسمح بالتداخل، كما لا جتُيزُ الخلط والمزج. ثم إن الوثيقة الدستورية جاءت
واضحة في دسترتها الكثير من المبادئ والقواعد والمرتكزات التي من شأنها درء مخاطر التأويل المومأ إليه أعلاه،
لعل أهمها دسترة مبدأ فصل السلطات، واعتماد، لأول مرة، الخيار الديمقراطي ثابتًا رابعًا للمملكة إلى جانب
«الدِّين الإسلامي والوحدة الترابية والملَكية»، والأكثر هو أن الدستور قضى في الفقرة الثالثة من الفصل 42 بأن
يمارس الملك «السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور». علاوة على ذلك، واستكماالً لتوضيح سلطات
الملك الدينية، تمت دسترة «المجلس العلمي الأعلى»، الذي أُسندت إليه حصرًا وظيفة الإفتاء المعتمدة رسميًا،
علامً أن رئاسة هذه الهيئة هي من حق الملك وفق الفقرة الثانية من الفصل 41: «يرأس الملك، أمير المؤمنين،
المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه». إلى جانب «إمارة المؤمنين»، وما ترتّب عن توظيفها من إشكاليات دستورية وسياسية، وفي صدارتها تأويل
مقتضيات الفصل 19 لتوسيع مجالات تدخّل الملك، أثيرت قضية «القَداسة» وتكريس أحكام الدستوري لها.
فما يمكن ملاحظته في الدستور الجديد حذف كلمة «مقدس» أو «قداسة»، التي وردت في الفصل 23 من دستور
1996 (شخص الملك مقدَّس لا تُنتهك حرمته)، وإعادة صوغها في الفصل 46، كالتالي: «شخص الملك لا
تنُتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام». ثم إن خطبًا مل كية كثيرة ما انفكت تستعمل كلمة «الملكية
المواطِنة»، و«الملك المواطن»، لعل آخرها خطاب 17 حزيران/ يونيو 2011، حين أشار إلى تكريس مشروع
الدستور ل«الملَكية المواطِنة، والملك المواطن»، وعدَّد مظاهر هذا التكريس في التغيير الحاصل في الفصل 46،
الذي لم يتضمن كلمة «مقدس» عند حديثه عن شخص الملك، ورفع سن رشده إلى 18 سنة إسوة بباقي
المغاربة، وأناط رئاسة مجلس الوصاية إلى رئيس المحكمة الدستورية، باعتبارها مسؤولة عن احترام الدستور.
23 Rkia El Mossadeq, Acteurs politiques dans l’espace constitutionnel (Casablanca: Imprimerie Najah Al Jadida, 2011), p. 143.
24 يذكر جاك روبير، مؤلف كتاب الملَكية المغربية سنة 1963، أن عبد الكريم الخطيب هو من طلب، بإيحاء من علال الفاسي، من مجلس
Jacques Robert, La Monarchie marocaine (Paris: Librairie générale الدستور تضمين لقب أمير المؤمنين في نص الفصل 19 انظر:. de droit et de jurisprudence, 1963).
25 نشير إلى أنه منذ التعديل الدستوري لسنة 1980، خُفِّضت سن رشد الملك إلى 16 سنة، خلافًا لباقي المغاربة الذين حصرت آخر
التعديلات القانونية سن رشدهم في 18 سنة. وهكذا، نص الفصل 21 على ما لي: «يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة
السادسة عشرة من عمره..».
تضمّنت الهندسة الدستورية الجديدة، إلى جانب الأحكام الخاصة بمكانة الملك الدينية، جملة من الصلاحيات،
منها ما كان موجودًا في الدساتير السابقة، لاسيما وثيقة 1996، وأخرى تمَّ تحويرها من دون المساس بجوهره،
وثالثة أُحدثت لأول مرة في سياق الدسترة الجديدة لبعض المبادئ والمؤسسات. من الاختصاصات التي عرفت تحويرات في الدستور الجديد، سلطة تعيين الوزير الأول؛ إذ خلافًا لما كان
يقضي به الفصل 24، ألزم الفصل 47 الملك بتعيين الوزير الأول -الذي أصبح يسمّى في الوثيقة
الدستورية الجديدة رئيس الحكومة- من «الحزب الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس
نتائجها، ويعنيّ أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها». والواقع أن التحوير الجديد فصَل في جدل دستوري ما
انفكَّ يعرِّض آراء النخبة السياسية إلى الاختلاف والانقسام، لاسيما بعد التعديلات التي طاولت الدستور
في سنتي 1992 و 1996، حيث أصبح الوزير الأول يشارك في اقتراح أعضاء حكومته على الملك، وغدا
مجبرًا على تقديم برنامجه السياسي أمام البرلمان من أجل الموافقة عليه. إلى جانب ذلك، سمح الدستور الجديد
لرئيس الحكومة باقتراح «إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء حكومته» على الملك، كما سُمِح له بطلب انعقاد
المجلس الوزاري، الذي يمكن للملك، وفقًا للفصل 48 أن يفوِّض إليه رئاسة اجتماعاته، الأمر الذي لم يكن
جائزا دستوريًا من قبل، وإن التمس بعض الأحزاب الوطنية هذا المطلب في إحدى المذكرات المرفوعة إلى
الملك. وفي السياق نفسه، سمح الفصل 54 من الدستور الجديد للملك بتفويض رئاسة اجتماع «المجلس
الأعلى للأمن»، إلى رئيس الحكومة على أساس جدول أعمال محدد إضافة إلى تولِّيه (أي رئيس الحكومة)
اقتراح التعيين في الوظائف المدنية من قبيل: والي بنك المغرب، السفراء، والولاة والعمال، والمسؤولين عن
الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية، وذلك
بمبادرة من الوزراء المعنيين. علاوة على الاختصاصات التي أصبحت مُفوضة من الملك لرئيس الحكومة، استمر الملك، وفقًا للهندسة
الدستورية الجديدة، في ممارسة مجموعة من الصلاحيات الخاصة به كرئيس للدولة، ومنها: رئاسته
للمجلس الوزاري، الذي يتداول، وفقًا للفصل 49، في النصوص والقضايا الاستراتيجية، ومنها:
التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، ومشاريع مراجعة الدستور، ومشاريع القوانين التنظيمية،
والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية، ومشاريع القوانين، ومشروع قانون العفو العام، ومشاريع
النصوص المتعلقة بالمجال العسكري، وإشهار الحرب. كما احتفظ، إسوة بباقي رؤساء دول العالم، بحق
«إصدار الأمر بتنفيذ القانون»، وإن كانت أحكام الدستور منذ تعديل 1992 قد حددت أجله في شهر
واحد، وحق حلّ مجلسي البرلمان، وحقه في خطابة البرلمان، من دون أن يكون خطابه موضوع مناقشة،
وقيادته العليا للقوات المسلحة الملَكية، ورئاسته للمجلس الأعلى للأمن، واعتماده السفراء والقناصل،
26 نص الفصل 24 من دستور 1996 على ما لي: «يعين الملك الوزير الأول»، بمعنى أن سلطة الملك جاءت مطلقة في تعيين الوزير
الأول من أي جهة كانت، بما فيها الجهة المستقلة، ولم يكن الدستور يلزمه أن يكون من الأغلبية البرلمانية، كما جرت العادة في النظم
البرلمانية، كما لم يشهد المغرب ممارسة على هامش الدستور تلزم الملك على تعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية كما هي الحال في فرنسا،
التي استلهمنا منها هذه الطريقة. لذلك، ظل الوزراء الأولون في مجملهم معينين من شخصيات غير منتمية حزبيًا.
27 طالب كلٌّ من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المذكرة إلى الملك في تشرن الأول/ أكتوبر 1991 بتفويض
رئاسة مجلس الوزراء للوزير الأول، غير أن تعديل 4 أيلول/ سبتمبر 1992 لم يستجب لهذا المطلب.
28 من الهيئات الدستورية المحدثة في الدستور الجديد «المجلس الأعلى للأمن». وهو، وفقًا للفصل 54، «هيئة للتشاور بشأن
استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضًا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.
ورئاسته المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وممارسة حق العفو، ناهيك عن حقه في إعلان حالة الاستثناء،
وفقًا للفصل 59 من الدستور الحالي.
عن موقع البرلمان والحكومة
يتِّسم الدستور المغربي الجديد (2011) بكونه تضمّن، إلى جانب محافظته على المكانة السامية للمؤسسة الملَكية،
تعديلات إيجابية كثيرة بخصوص موقع كلٍّ من البرلمان والحكومة ورئيسها، من دون أن تصل نوعية هذه
التحويرات إلى درجة الانتقاص من الحضور الوازن والمقرِّر للملك في المنظومة الدستورية والسياسية، أو تخلق
سلطة موازية له أو منافسة لمكانته. ونميل إلى الظن أن السقف غير القابل للتجاوز كان واضحًا بالنسبة إلى اللجنة
الاستشارية المعهود لها بوضع دستور جديد، وإن شدد خطاب 9 آذار/ مارس 2011، المعلِن مشروع الإصلاح
الدستوري، على ضرورة إعمال «الاجتهاد ا الخّق» حين الإعداد لمشروع الوثيقة الدستورية الجديدة، وهو ما
يعني حفز اللجنة على التأويل الإيجابي للمرتكزات السبعة الموجِّهة لعملية الإصلاح المتضمَّنَة في نص الخطاب
الملَكي السالف الذكر. وهكذا، لم تقطع الوثيقة الدستورية الجديدة نهائيًا مع مبدأ «العقلنة البرلمانية»، الذي
درجت دساتير المغرب كلها على الأخذ به، استلهامًا من التجربة الدستورية للجمهورية الفرنسية الخامسة،
وإن توسعت اختصاصات البرلمان لتمتد إلى مجالات جديدة. غير أن التعديلات التي طاولت مؤسسة الحكومة
ورئيسها تضمّنت عناصر جديدة، حيث إن الدساتير السابقة إمّا ترددت في الحسم في دسترتها، كما هي حال
تعيين رئيس الحكومة من الحزب صاحب الأغلبية في مجلس النواب، وإمّا لم تقع الاستجابة لها نهائيًا من قبل
الإصلاحات الدستورية السابقة. برلمان متأرجح بين العقلنة والتطوير تأرجحت الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة بين الاستجابة نسبيًا للدعوات المطالبةِبإقرار «الملكية
البرلمانية»، والسعي إلى تطوير المؤسسة التشريعية من خلال تقوية صلاحياتها، ودسترة بعض المبادئ المعزِّزة
لمكانتها. هكذا، مثالً، أُضيفت، لأول مرة، كلمة برلمانية في الفصل الأول من الدستور، حين حدد طبيعة نظام
الحكم على أنه «ملكية، دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية»، ليؤكد في فقرته الثانية أن النظام الدستوري
للمملكة يقوم على «أساس مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها». ومع ذلك، لا تعربّ هذه الإضافات الجديدة
في دستور 2011 عن انعطاف النظام السياسي المغربي نحو «البرلمانية» بمعناها الكلاسيكي؛ فالخصائص
الأصيلة للنظام البرلماني، كما تكوّنت في التاريخ الدستوري والسياسي المقارن، مازالت ضعيفة وشاحبة.
ونقدّر أن تضمين الدستور الجديد ما يمكن أن يوحي بأخذ المغرب بالنظام البرلماني، أملته الظروف المواكِبة
لوضع الدستور الجديد. فقد علت أصوات، خصوصًا مطالب حركة 20 فبراير، لتنادي باستبدال الملَكية
29 تجدر الإشارة إلى أن المغرب عاش حالة الاستثناء مرة واحدة بين سنتي 1965 و 1970، حين لجأ الملك الحسن الثاني إلى إعمال
الفصل 53 من دستور.1962
03 يُقصد ب «العقلنة البرلمانية» تلك التقنية الهادفة إلى تحديد اختصاصات البرلمان، أو مجال القانون، على سبيل الحصر في مقابل
اختصاصات الحكومة أو مجال اللائحة. وقد استلهمت فرنسا المبدأ من تجربة الجمهورية الرابعة) 1958-1946)، حيث توسعت دائرة
تدخّل البرلمان على حساب سلطة الرئيس والحكومة. فالعقلنة هنا تروم تحديد سلطات البرلمان وتقييدها. لذلك، تأثر بهذه التقنية جل
الدساتير الأفريقية، ومنها دستور المغرب.
13 من هذه الدعوات أساسًا ما طالبت به حركة.20 فبراير
التنفيذية، السائدة لعقود، بمل كية برلمانية، يكون الحكم فيها للمؤسسات المنتخبة. أمّا الملكية، فيقتصر دورها
على التحكيم، والبقاء فوق الصراعات. والحقيقة أن المشرّع الدستوري المغربي تجنَّب اعتماد هذا المنحى،
الذي يروم تحويل «الملَكية إلى أريكة فارغة»؛ فحتى في الملَكيات الأكثر ديمقراطية، يشاطر الملوك المؤسسات
الدستورية مجموعة من الاختصاصات، ويحافظون في الآن معًا على درجة رفيعة من التوازن والتعاون في ما
بينها جميعًا. فالدستور الدنماركي، على سبيل المثال، لم يمنع المؤسسة الملَكية من ممارسة سلطاتها التنفيذية،
ومشاطرة البرلمان بعض صلاحياته. تسمح القراءة الفاحصة لدستور 2011، لاسيما الأحكام ذات الصلة بالبرلمان، وبالملَكية إلى حد ما، في علاقتها
بباقي المؤسسات، باستنتاجٍ مفاده حرص المشرّع الدستوري على التوفيق بين تقوية الطابع البرلماني للنظام
السياسي المغربي، من دون المساس بالمكانة الدستورية السامية للملَكية. ولذلك، ستحرص الصياغة الجديدة
للدستور على توسيع مجالات تدخّل المؤسسة التشريعية، من دون أن يُفضي بها ذلك إلى تقليص سلطات الملك. لم يقطع الدستور الجديد مع ظاهرة العقلنة البرلمانية، المستلهَمة من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية (4
تشرين الأول/ أكتوبر 1958)، أي تحديد صلاحيات البرلمان واختصاصاته على سبيل الحصر، مع ترك المجال
التنظيمي أو مجال اللائحة مفتوحًا. وعلى الرغم من أن العقلنة مبدأ دخيل على الحياة الدستورية والسياسية
المغربية، وأنه صناعة فرضها التاريخ البرلماني الفرنسي، خلال الجمهوريتين الثالثة (1940-1875) والرابعة
(1958-1946)، فقد تمّ الاحتفاظ به منبثًّا في ثنايا الوثيقة الدستورية الجديدة، كما هو واضح في الفصل 71،
الذي حدّد، على سبيل الحصر، اختصاصات البرلمان، وترك المجال التنظيمي مفتوحًا وفقًا للفصل الموالي له
(الفصل 72). تجدر الإشارة إلى أن مبدأ العقلنة البرلمانية شكّل، منذ تنظيم أول انتخابات تشريعية في أيار/ مايو 1963،
موضوع نقد واعتراض من جانب الأحزاب، سليلة الحركة الوطنية والمعارضة السياسية بشكل عام. أمّا
مصدر عدم قبول المبدأ والمطالبة بإخراجه من الحياة الدستورية المغربية، فيكمن في أن العقلنة ليست شيئًا آخر
سوى تقييد قدرة البرلمان على مزاولة وظائفه الأصيلة في التشريع والمراقبة، وفرض نوع من الرقابة المقنَّنة على
نشاطاته بمقتضى الدستور، وإضعاف أدائه وفعالية تأثيره في سير المؤسسات ونجاعتها. والحقيقة أن استلهام
المبدأ من التجربة الفرنسية وتضمينه في الدساتير المغربية المتعاقبة ما بين سنتي 1962 و 2011، يجدان مبررهما
في الواقع الفرنسي، أكثر ممّا تسمح به الحالة المغربية. فمن المعروف أن الفرنسيين عاشوا فصوالً من عدم استقرار
23 يتعلق الأمر بالدستور الموافَق عليه بالاستفتاء في 28 أيار/مايو 1953، قبل أن يدخل حيز التنفيذ في 5 حزيران/يونيو.1953
للاطلاع على نص الدستور، انظر: publ. par Francis Delpérée, Marc Verdussen et Recueil des constitutions européennes, Karine Biver (Bruxelles: Bruylant, 1994), pp. 95–140. 33 Abderrahim El Maslouhi, «séparation des pouvoirs et regime Parlementaire dans la nouvelle constitution Marocaine,» dans: La Constitution marocaine de 2011: Lectures croisées: Actes des colloques , organisés par le Centre Maurice Hauriou de la Faculté de droit de l’Université Paris Descartes; l’Observatoire d’études géopolitiques et la Revue marocaine d’administration locale et de développement à l’École nationale d’administration à Rabat, le 22 juin 2011 et à l’École nationale d’administration à Paris, le 30 juin 2011; [sous la direction de Ahmed Bouachik, Michel Degoffe et Charles Saint-Prot], Thèmes actuels; 77 (Rabat: Publications de la «Revue marocaine d’administration locale et de développement», 2012), pp. 85 – 112.
43 ينص الفصل 72 على ما لي: «يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون.»
53 منها أساسًا كلٌّ من حزب الاستقلال، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
المؤسسات الدستورية، وتجاذبات غير متناهية بين مختلف مكوّنات المجال السياسي الفرنسي، ضعُف معها الحفاظ
على توازن السلطات وتعاونها، ولاسيما بين البرلمان والحكومة خلال الجمهورية الرابعة، الأمر الذي عجّل بفشل
هذه الأخيرة، وحفّز على التفكير في صوغ أسس فلسفية ودستورية جديدة، فكان ميلاد الجمهورية الخامسة،
التي رسم رئيسها الأول الجنرال ديغول (1970-1958)، أهم قسمَاتها منذ خطابه الشهير في مدينة بايو سنة
1946. لذلك، تُعتبر «العقلنة البرلمانية» جوابًا عن حاجة داخلية فرنسية، لا مبدأ عامًا قابالً للاستلهام، ولا
حتى للاستئناس. إنه في الواقع المغربي آلية دستورية لتقييد عمل المؤسسة التشريعية، وإضعاف أدائها في مجالي
التشريع والمراقبة. وهكذا، حرصَ الفصل 71 اختصاصات البرلمان في ثلاثين ميدانًا، شملت التشريع في مجالات
«الحقوق والحريات الأساسية»، المنصوص عليها في التصدير وفي فصول أخرى من الدستور، والأنظمة الخاصة
ب «القضاء»، و«الصحة»، و«الوظيفة العمومية»، و«الانتخابات»، و«الجماعات الترابية»، و«الجنسية»، وإلى ذلك
من الأنظمة والقضايا ذات العلاقة بالحياة العامة للمواطنين. ثم إن الفصل نفسه أشار في فقرته الأخيرة إلى أن
«للبرلمان بالإضافة إلى الميادين المشار إليها في الفقرة السابقة منه، صلاحية التصويت على قوانين تضع إطارًا
للأهداف الأساسية لنشاط الدولة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية». لا تتوقف صلاحيات البرلمان عند وظيفة التشريع في الميادين المحددة حصرًا من قبل الفصل 71 حَال إليه المُ
أعلاه، بل يزاول، علاوة على ذلك، سلطة مراقبة الحكومة. وقد تضمن الدستور المغربي الجديد (2011)
مجمل الآليات التقليدية المألوفة في النظم السياسية المعاصرة، من قبيل «الأسئلة»، بشقيها الشفهي والمكتوب،
وملتمس الرقابة (لائحة اللوم/ ف 105)، و«ملتمس طرح الثقة»، و«التصويت على الثقة»، و«الموافقة على
البرنامج الحكومي»، غير أن الدساتير المغربية لم تأخذ بآلية «الاستجواب» منذ الوثيقة الأولى الصادرة سنة
1962، وإن أقرّت دستوريًا «إحداث لجان برلمانية لتقيصّ الحقائق»، منذ دستور 1992. وتجدر الإشارة، في
هذا السياق، إلى أن الدستور الجديد عزز الوظيفتين التقليديتين المنوطتين بالبرلمان، أي التشريع والمراقبة، بوظيفة
ثالثة لم تتضمنها الدساتير السابقة، تتعلق ب«تقييم السياسات العمومية»، إذ نصت الفقرة الثانية من الفصل 70
على ما لي: «يصوّت البرلمان على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيِّم السياسات العمومية». ومن المهمات
البرلمانية الجديدة الواردة في وثيقة 2011، يمكن الإشارة إلى آليتين مهمتين. تتعلق الأولىب«التنصيب البرلماني»،
حيث لم تعد الحكومة مُنصَّبة بمجرد أن يعيّنها الملك، كما تواتر العمل بذلك على امتداد الدساتير السابقة، بل
غدت، بمقتضى الدستور، في حاجة إلى غطاء أو رداء برلماني، وهو ما يعني أن شرعيتها الدستورية لا تتوقف على
التعيين الملكي وحده، وإن اعتبره الفصل 47 من الدستور حقًا حصريًا للملك، بل تكتمل بمصادقة البرلمان
على البرنامج الحكومي الذي يعقُب عملية التعيين، كما نص على ذلك بشكل صريح الفصل 88. وتُعتبر جميع
هذه المقتضيات، في تقديرنا، بالغة الأهمية، لاعتبارات كثيرة، أبرزها، إقرار الفصل السابق (47) بإلزامية تعيين
رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالأغلبية في انتخابات مجلس النواب، وهو ما يتناغم، في الواقع، مع روح
الدستور، ويتلاءم مع منطق السياسة، حيث يُشترط من رئيس الحكومة، وهو يقود حكومة مسؤولة، أن يكون
مسنودًا بأغلبية برلمانية، تُقوي مكانته، وتُعزز العمل الجماعي لحكومته، لاسيما أن الدستور المغربي الجديد ربط،
منذ الديباجة، بين المسؤولية والمساءلة والمحاسبة. ثم لم يعد في مستطاع المغرب، الذي اعتبُرت سلطاتُه العليا
(خطاب 9 آذار/ مارس 2011) الدستورَ الجديد ميثاقًا اجتماعيًا جديدًا، أن يكون رئيس الحكومة منفصالً عن
63 يتعلق الأمر بالخطاب الشهير الذي ألقاه الجنرال ديغول في مدينة بايو في منطقة النورماندي بتاريخ 16 حزيران/ يونيو.1946
للاطلاع على سياق الخطاب ومضمونه، انظر: Le Gouvernement de la Jean-Louis Quermonne et Dominique Chagnollaud,
France sous la Ve République, études politiques, économiques et sociales, 4 ème éd. (Paris: Dalloz, 1991)
جسدها، أي غير منتسب إلى أغلبيتها، كما كان عليه الأمر في السابق. أما الآلية الثانية، فتتعلق بما ورد في الفصل
100 من الدستور، الذي قضت فقرته الثانية بأن «تخُصص كل شهر جلسة، يقدم خلالها رئيس الحكومة أجوبة
على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العمومية»، و«تخصص جلسة سنوية من ق بل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية
وتقييمها»، كما نصت على ذلك الفقرة الثانية من الفصل الموالي له.)101(لم تكن المحافظة على العقلنة البرلمانية السِّمة المميزة الوحيدة للوثيقة الدستورية الجديدة (2011)، بل أُبقِيَ، إلى
جانبها، على «الثنائية المجلسية» Bicaméralisme()، بعد أن أدخل عليها المشرّع الدستوري بعض التنقيحات،
مقارنة بما كان عليه الأمر في دستور 1996. فهل يمكن قراءة هذه التعديلات بوصفها ترشيدًا لنظام الغرفتين،
الذي منح مجلس المستشارين)الغرفة الثانية (وضعًا دستوريًا غير مألوف في الدساتير المعاصرة، حين أمدّه
بصلاحيات شبه متساوية مع مجلس النواب)الغرفة الأولى (، علامً أن المجالس الأولى تحظى بمكانة متميزة في
جميع البلدان التي تأخذ بالثنائية المجلسية، لكونها منتخبة مباشرة من قِبل المواطنين، وهي التي تعربّ عادة عن
تطلعات الناس وآمالهم. أمّا نظيراتها الغرف الثانية، فتبقى عمومًا ممثّلة للجهات، والجماعات الترابية، والفئات
الاقتصادية والاجتماعية واللغوية والثقافية. علاوة على أن طرق انتخابها تكون عمومًا غير مباشرة، وهو ما يعني
أن الأعضاء فيها لا يستمدون سيادتهم من الشعب مباشرة، كما هي حال نظرائهم في المجالس النيابية، بل بشكل
غير مباشر بواسطة هيئة ناخبة حدد الدستور مكوّناتها. حكومة بصلاحيات تنفيذية اعتبر الباب الخامس من الدستور المغربي الجديد الحكومة «سلطة تنفيذية»، بل إن الفصل 89 نصّ صراحة على
أن «تمارس الحكومة السلطة التنفيذية»، فهل يُفهم من هذا أن الدستور الجديد كرّس ثنائية السلطة التنفيذية،
أي الملَكية والحكومة، كما هو مألوف في النظم السياسية المقارنة، لاسيما ذات المنحى البرلماني؟ لا تساعد القراءة
الفاحصة لوثيقة الدستور الجديد بالإقرار بأننا أمام ثنائية تنفيذية متمايزة ومتكاملة، كما هي الحال في البرلمانيات
الديمقراطية، حيث تتجاور الملَكيةُ مع الحكومة المنبثقة من الأغلبية البرلمانية. فالملَكية التي وردت مرتبةً في
الباب الثالث، بعد الأحكام العامة والحريات والحقوق الأساسية، حافظت على مكانتها السامية، كما ظلت
خارج التقسيم الأفقي للسلطات الدستورية الثلاث. ويؤكد هذا الاستنتاج استمرار التأويل السائد لمبدأ
فصل السلطات، الذي خيُرِج الملكية من دائرته، ويضعها في منأى عن نتائجه، كما هو مفهوم ومألوف في النظم
السياسية المقارنة. وتظل الأحكام السلطانية أقرب إلى فهم دلالات فصل السلطات في النظام السياسي المغربي
منها إلى نظرية فصل السلطات، كما صاغها مونتسكيو. ومع ذلك، تضمّنت الوثيقة الدستورية الجديدة (2011(
مجموعة من المستجدات هدفت إلى تقوية مركز رئيس الحكومة، وتعزيز العمل الجماعي التضامني لفريقه. لم يأخذ الدستور الجديد بالتسمية التي ألفَتها الدساتير السابقة، أي الوزير الأول، بل استبدلها بلقب «رئيس
الحكومة». وقد اعتبر مجمل التحليلات المواكبة لصياغة دستور 2011 هذا المستجَد إضافةً نوعيةً في اتجاه تعزيز
وضع المؤسسة الحكومية، ومنحها القدرة على الاجتهاد والفعل. وهكذا، لم يعد رئيس الحكومة معيَّنًا من خارج
الأغلبية، كما جرى العمل به في السابق، بل أصبح، وفقًا للفصل 47، منبثقًا من الأغلبية الفائزة في انتخابات
73 يتكون مجلس المستشارين في الدستور الجديد (2011) من 90 عضوًا على الأقل و 120 عضوًا على الأكثر، يُنتخبون بالاقتراع العام
غير المباشر لمدة ست سنوات. للتدقيق في فئات الهيئة الناخبة، انظر الدستور الجديد في: الجريدة الرسمية، العدد 5964 (03 تموز / يوليو
مجلس النواب. والواقع، أن الدستور المغربي يكون، بهذا التنصيص الواضح، قد قطَع مع الممارسات المترددة
السائدة في السابق، التي كانت جتُنِّب رؤساء الوزراء من أي شكل من أشكال المسؤولية والمحاسبة، وكانت
تُؤمِّن لهم، في الغالب، أغلبيات برلمانية، تُسندهم، وتدعِّم برامجهم وأداءهم الحكومي. وقد أبقى الدستور
الجديد، في المقابل، على تعيين الملك لأعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويمكنه إعفاءهم من مهامهم، فرادى
أو جماعة، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، الذي يحق له، هو الآخر، أن يطلب من الملك إعفاء عضو
أو أكثر من أعضاء الحكومة، من تلقاء نفسه، أو بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية. وحين يستقيل رئيس
الحكومة، يتم إعفاء الحكومة برمّتها من مهماتها. يمكن أن نُضيف، إلى جانب مستجد استبدال تسمية رئيس الوزراء باسم رئيس الحكومة، قاعدة جديدة،
شكلت على الدوام موضوع تضارب واختلاف، تتعلق ب «التنصيب البرلماني للحكومة»؛ فقد دأبت الدساتير
المغربية قبل إصدار وثيقة سنة 2011 على اعتبار الحكومة مُنصَّبة بمجرد أن يعيّنها الملك، وأن انتظار تصويت
البرلمان على برنامجها السياسي ليس شرطًا لاكتمال تنصيبها، بما يفيد بأن التنصيب أحادي (من جانب الملك فقط (
لا مزدوج أو ثنائي (من قِبل الملك والبرلمان (. فالفقرة الأخيرة من الفصل 88 من الدستور وردت واضحة،
حين قضت بالتالي: «تُعتبر الحكومة مُنصَّبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعربّ عنها بتصويت الأغلبية
المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، ولصالح البرنامج الحكومي». تجدر الإشارة إلى أن المقتضيات الواردة في الفصل الثامن والثمانين، لاسيما في فقرته الأخيرة، وإن حسمت بشكل
واضح وقطعي ارتباطَ تنصيب الحكومة بموافقة مجلس النواب على برنامجها بالأغلبية المطلقة، وهو ما لم يكن
واردًا في الدساتير السابقة، فقد جاءت مع ذلك غير مكتملة من زاوية توضيحها لما يمكن أن يترتب من آثار في
حالة عدم تصويت الغرفة الأولى على برنامج الحكومة بالأغلبية المطلوبة. فهل يؤدي التصويت السلبي وجوبًا
إلى تعديل البرنامج في ضوء الملاحظات التي أبداها مجلس النواب، والعودة إليه مجددًا لالتماس كسب الثقة،
كما قضى بذلك بعض الدساتير المقارنة، ومنها دستور إسبانيا لسنة 1978، الذي سمح للحكومة باللجوء إلى
جولة ثانية، وحينها يحق للملك تعيين الحكومة وإن حصلت على أغلبية نسبية فقط؟ وإذا كان هذا الإمكان
غير وارد في الدستور المغربي الجديد (2011)، فهل يحق للملك، عند استعصاء التصويت بالأغلبية المطلقة على
برنامج الحكومة، اللجوء إلى حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات جديدة، بغية الحصول على أغلبية قادرة
على انتزاع ثقة البرلمان؟ ستكون الإجابة بالنفي، ما دام الفصل 51، الذي سمح للملك بحل مجلسي البرلمان أو أحدهما، قد استلزم،
بمقتضى الفصل 96، ضرورة استيفاء قرار الحل مجموعة من الشروط الشكلية، من ضمنها إخبار رئيس الحكومة
83 نصَّ الفصل 47 من الدستور المغربي لسنة 2011، على ما لي: «يع الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر
انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.»
93 تضمن الفصل 88 من الدستور المغربي لسنة 2011 مجموعة من الأحكام الخاصة بالحكومة. ف امّ ورد فيه: «بعد تعيين الملك لأعضاء
الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. ويجب أن يتضمن هذا البرنامج
الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية
والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية. يكون البرنامج المشار إليه أعلاه، موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس
النواب. تُعتبر الحكومة منصَّبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعربّ عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم
لصالح البرنامج الحكومي ».
40 ومع ذلك، سمحت الفقرة الخامسة من الفصل 99 من دستور إسبانيا للملك بإمكانية حل مجلسي البرلمان بعد التوقيع بالعطف
من قبل رئيس الغرفة الأولى والدعوة إلى انتخابات جديدة. للاطلاع على نص الدستور الإسباني، انظر: Recueil des constitutions
européennes, p. 194.
بمبادرة الإقدام على الحل، الأمر الذي يفيد بأن الحكومة تكون وجوبًا قائمة، أي منصَّبة، وهو ما لا يدخل ضمن
أحكام الفصل 88 الذي يحدد شروطَ التصويت على برنامج الحكومة قصد تنصيبها من قِبل مجلس النواب. تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن دستور 1996 ربط بين مواصلة الحكومة مهماتها وتصويت مجلس النواب
على برنامجها بأغلبية مطلقة، وإن لم يُقر صراحة بالتنصيب البرلماني للحكومة، الأمر الذي تحاشى الدستور
الجديد الإشارة إليه، بدليل أن الربط الذي أقامه دستور 1996 بين عدم منح الثقة للحكومة المنصَّبة واستقالتها
جراء ذلك، لم يأخذ به الدستور الجديد (2011) بصريح منطوق الفصل 103، حيث ورد ما لي: «يمكن لرئيس
الحكومة أن يربط لدى مجلس النواب، مواصلة الحكومة تحمّل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح
يدلي به في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه. لا يمكن سحب الثقة من الحكومة، أو
رفض النص، إالّ بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب. لا يقع التصويت إالّ بعد مضي
ثلاثة أيام كاملة على تاريخ طرح الثقة. يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية». يتبين ممّا سبق بيانُه أن الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة (2011) اعتبرت الحكومة سلطة تنفيذية، تستمد
شرعيتها من الانتخابات، التي يؤكدها التنصيب البرلماني، من خلال المصادقة ا الّزمة على البرنامج الحكومي
بالأغلبية المطلقة. لذلك، نصّت الفقرة الأولى من الفصل 89 بوضوح على أن «تمارس الحكومة السلطة
التنفيذية»، قبل أن تحدد إطار هذه الممارسة في الفقرة الثانية من الفصل نفسه، بقولها: «تعمل الحكومة تحت سلطة
رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين، والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس
الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات». لا بد من الإشارة إلى أن الباب الخامس الخاص بالسلطة التنفيذية، الذي تضمن ثمانية فصول، أفرد فصالً
شبه فريد لمجالات ممارسة السلطة التنفيذية. ويتعلق الأمر بالفصل 92، الذي حصر 11 بندًا لتدخّل العمل
الحكومي، أبرزها التداول في القضايا التالية: السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري؛
السياسات العمومية؛ السياسات القطاعية؛ القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والنظام العام؛ تعيين الكتّاب
العامين ومديري الإدارات المركزية في الإدارات العمومية ورؤساء الجامعات والعمداء، ومديري المدارس
والمؤسسات العليا. بيد أن الفصل نفسه أناط بالحكومة اختصاصات التداول في قائمة من النصوص،
منها مشاريع القوانين، ومن بينها: قانون المالية؛ مراسيم القوانين؛ مشاريع المراسيم التنظيمية؛ المعاهدات
والاتفاقيات الدولية قبل عرضها على المجلس الوزاري. وقد ألزمت الفقرات الأخيرة من الفصل ذاته
رئيس الحكومة بإطلاع الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة. يُذكر أيضًا أنه إذا كان «مجلس
الحكومة» بمنزلة مطبخ للسياسات العمومية، فإن المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك بمقتضى الدستور،
هو المؤسسة الدستورية المخوَّلة بالنظر في جوهر القضايا الخاصة بساسة الدولة وتوجهاتها الاستراتيجية؛
فالفصل 49 من الدستور جدّد، على سبيل الحصر، المجالات التي يختص المجلس الوزاري بالتداول فيها،
وعددها 11 مجالاً، من قبيل التداول في «التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة»، و«التوجهات العامة
لقانون المالية»، ناهيك عن تحكّمه في السياسات التشريعية، حيث يتداول مجلس الحكومة في مشاريع مراجعة
41 قضى الفصل 96 من الدستور بما لي: «للملك بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس
النواب، ورئيس مجلس المستشارين أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما. يقع الحل بعد خطاب يوجهه الملك إلى الأمة.»
42 الإشارة إلى الفصل المقابل في دستور.1996
43 تُراجع وثيقة الدستور في: المغرب، الأمانة العامة للحكومة، الدستور، ص.42
44 للاطلاع على نص الفصل 49، انظر الدستور في: المصدر نفسه، ص.21
الدستور، ومشاريع القوانين التنظيمية، ومشاريع القوانين، لاسيما المجالات المشار إليها في الفصل 71،
أي تلك التي تدخل حصرًا في مجال القانون. يُضاف إليها مشروع قانون العفو العام، ومشاريع النصوص
المتعلقة بالمجال العسكري، وإعلان حالة الحصار، وإشهار الحرب.
دسترة استقلال القضاء
أفردت الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة بابًا مكوَّنًا من 21 فصالً (من الفصل 107 إلى الفصل 127) للسلطة
القضائية، التي اعتبرها الفصل 107 سلطة «مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية». ويُعتبر الملك،
وفقًا للفقرة الثانية من الفصل نفسه، ضامنًا لهذه الاستقلالية. والواقع، أن ثمة أحكامًا متناثرة في نص الوثيقة
الدستورية تعزز مبدأ الاستقلالية الواردة في عنوان هذا الباب. فالفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور
قضت بأن «يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها»، كما أن الفصل 41
أناط بالملك، في فقرته الأولى، مهمة «السهر على احترام الدستور، وحُسن سير المؤسسات الدستورية»، وهو ما
يجيب، كما ألمحنا، عن سؤال لماذا جعل منه الدستور ضامنًا لاستقلال القضاء. أولى الدستور الجديد أهمية واضحة لاستقلال القضاة من خلال أربعة فصول (من الفصل 108 إلى الفصل
111)؛ فمن جهة، أشار إلى أن «عزل القضاة أو نقلهم لا يتم إالّ بقانون» (الفصل 108)، وهو ما يفيد بأن
أي ضغط على القضاة بغية التأثير سلبًا في استقلاليتهم محظور بمقتضى الدستور، وأن القرارات ذات الصلة
بأوضاعهم المهنية (العزل والنقل)، يتوجب لزامًا أن تكون مطابقة للشرعية القانونية. وهو في الواقع ما أعاد
التأكيد في الفصل الموالي له (109)، بالقول: «يُمنع كل تدخّل في القضايا المعروضة على القضاة. ولا يتلقى
القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط». بل إن الفقرتين الأخيرتين من
الفصل ذاته، أضافتا تدقيقات بخصوص استقلالية القاضي، حين خوّلت القضاة حق إحالة أمورهم إلى المجلس
الأعلى للسلطة القضائية كلما لمسوا أن استقلالهم مُعرَّض لأي شكل من أشكال التهديد، قبل أن تعتبرَ إخلالهم
بواجب الاستقلال والتجرد خطأً جسيامً يعرضهم للمحاسبة وفق أحكام القوانين ذات الصلة بالمهنة. وتأكيدًا
لهذه الاستقلالية، ألزم الفصل 110 القضاة بتطبيق القانون، والتقيّد بعدالته، كما أجبر قضاة النيابة العامة
باحترام السلطة التسلسلية لرئيسهم، أي وزارة العدل. أمّا على صعيد حقوق القضاة وحرياتهم، التي من شأنها
أن تعزز استقلالهم وتجرّدهم، فقد دققها الفصل 111، حين اعترف لهم بحرّية التعبير في الحدود التي تحترم
واجب التحفظ والأخلاقيات المهنية، والانخراط في الجمعيات، مع احترام واجبات التجرد والاستقلال، وفي
الآن معًا حظر عليهم الانتماء إلى الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية. جدير بالإشارة أن الدستور الجديد أناط مهمة السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة في المجلس الأعلى
للسلطة القضائية، الذي أفردت له الوثيقة أربعة فصول)من الفصل 113 إلى الفصل 116)؛ فهو الذي يسهر،
وفقًا للفصل 113، على تطبيق الضمانات الخاصة ب «استقلال القضاة وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم».
ويُعدّ، في هذا الصدد، تقريرًا عن وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويُصدر التوصيات الملائمة ذات الشأن. كما
يمكنه إصدار آراء مفصلة، بطلب من الملك أو البرلمان أو الحكومة، حول كل مسألة تتعلق بالعدالة، شريطة
مراعاة مبدأ فصل السلطات.
45 قضى الفصل 172 بما لي: «للملك ولرئيس الحكومة ولرئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، حق اتخاذ المبادرة قصد
مراجعة الدستور.»
من الأحكام الجديدة الواردة في وثيقة 2011، الفقرة الخاصة ب « حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة، التي
أفرد لها الدستور 12 فصالً)من الفصل 117 إلى الفصل 128)؛ فوفقًا لهذه المقتضيات، يتولى القاضي «حماية
حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون»)الفصل 117). كما أن «حق
التقاضي مضمون»، والبراءة هي الأصل إلى أن تثبت الإدانة، و«لكل شخص الحق في محاكمة عادلة»، و«التقاضي
مجاني في الحالات المنصوص عليها قانونًا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي»، كما «يحق لكل من تضرر من
خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة». أمّا الأحكام فتكون علنية، ومُعلَّلة، وملزمة للجميع. علاوة على ما سبق بيانُه، استبدل الدستور المغربي الجديد المجلسَ الدستوري بالمحكمة الدستورية، كما قضى
بذلك الفصل 129: «حتُدث محكمةٌ دستورية». وقد أدخل تغييرات على صعيد العضوية، مع الإبقاء على
العدد الذي كان المجلس الدستوري يأخذ به، أي 12 عضوًا، علامً أن نصف أعضاء المحكمة الدستورية أصبح،
لأول مرة، منتخبًا من قِبل مجلسي البرلمان، بعدما كان يع في دستور 1996، إضافة إلى أن العضوية أصبحت
مقيدة بالشروط الواردة في الفقرة الأخيرة من الفصل 130، ومنها أن يتم اختيارهم من «الشخصيات المتوفرة
على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق
خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة». أمّا على صعيد الاختصاصات، فلم يتضمن الدستور الجديد
(2011) مجالات مختلفة عامّ كان معموالً به في الدستور الذي سبقه (1996)، اللهم ما ورد في الفصل 133،
القاضي بأن «تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في
قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبَّق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي
يضمنها الدستور».
مؤسسات حماية حقوق الإنسان والحكامة الجيدة
يُسجَّل للدستور المغربي للعام 2011 اعتماده مفاهيم ومصطلحات لم يألفها مجمل دساتير العالم، بما فيها تلك
التي ظهرت خلال موجة الانتقالات الديمقراطية التي شهدها الربع الأخير من القرن العشرين، أي ما سامّه
صمويل هنتنغتون «الموجة الثالثة»، أبرزها مفهوم الحكامة الجيدة. فمن اللافت للانتباه أن خيُصِّص المشرّع
الدستوري بابًا كامالً لهذا المفهوم ومؤسساته وهيئاته، تضمَّن 18، أي عشُر مواد الدستور، تبتدئ من فصالً
الفصل 154 وتنتهي في الفصل.171 من جهة أولى، تمت دسرتَة مجموعة من المبادئ اللازمة لقيام الحكامة الجيدة وتحقُّقها في الممارسة. هكذا، قضى
الفصل 154 بأن «يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها،
والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات». وقد أخضعت الفقرة الثانية من الفصل
نفسه المرافقَ العمومية ل«معايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية»، في حين يخضع تسييرها للمبادئ
والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.
46 للاطلاع على الفصول من 118 إلى 128 من الدستور، انظر: المغرب، الأمانة العامة للحكومة، الدستور، ص.48-46
47 من هذه المستجدات، على سبيل المثال، أن يكون من بين الأعضاء الستة الذين يعيّنهم الملك عضو يقترحه الأمين العام للمجلس
العلمي الأعلى)الفصل.)130
48 نشير إلى أن الفصل 134 قضى صراحة بعدم «إصدار أمر بتنفيذ مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 123 من
هذا الدستور ولا تطبيقه، وينسخ كل مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 133 من الدستور، ابتداء من التاريخ الذي
حددته المحكمة الدستورية في قرارها».
وحيث إن تحقيق الحكامة الجيدة يستلزم قدرًا عاليًا من الشفافية في التدبير المالي، فقد ألزم الفصل 156
من الدستور المرافق العمومية بتقديم «الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية»، وأخضعها في الآن معًا
للمراقبة والتقييم. وفي المصبِّ نفسه، ألزم الفصل 158 جميع الأشخاص الممارسين للمسؤولية العمومية،
أكانوا منتخبين أم معيّنين، تقديم تصريح كتابي بالممتلكات والأصول التي في حيازتهم، عند بداية مزاولة
مهامه وفي نهايتها. تضمَّن الدستور المغربي الجديد، من جهة ثانية، مقتضيات خاصة بالمؤسسات والهيئات المنصوص عليها في
الفصول 161 إلى 170، التي أجبرها الفصل 160 على تقديم تقرير عن أعمالها مرة كل سنة، حيث يشكِّل
موضوع مناقشة من قِبل البرلمان. أمّا المؤسسات والهيئات العشر الواردة بين الفصل 161 والفصل 170، فقد
غطَّت مجمل المجالات ذات الصلة بأحوال المواطنين وشؤونهم، والتي يستلزم نجاحُها توفيرَ شروط تطبيق
مبادئ الحكامة الجيدة. يمكن التمييز، في نطاق المؤسسات والهيئات العشر التي تولّت الوثيقة الجديدة دَسرتَتها، بين الهيئات الخاصة
بحماية حقوق الإنسان، ومؤسسات الحكامة، وهيئات النهوض بالتنمية البشرية. وهكذا، تمّ التنصيص في
الفصلين 161 و 162 على هيئتين أساسيتين لحقوق الإنسان، هما: المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي
يتولى «النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة
والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادًا وجماعات»، وإلى جانبه، دُسترت
مؤسسة الوسيط، بوصفها مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، تتولى «الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات
بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق
والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة
العمومية». والواقع أن المشرّع الدستوري لم يتوقف عند هاتين الهيئتين، بل أضاف إليهما هيئات أخرى، كما هي
حال «مجلس الجالية المغربية في الخارج»، الذي يتولى، علاوة على إبداء آرائه حول توجهات السياسات العمومية
ذات الصلة، «ضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم»، و«الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز»، التي
أناط بها الدستور - استنادًا إلى الفصل -19 مهمة الحفاظ على الحقوق المعترف بها للنساء في إطار المناصفة
مع الرجال. تضمَّن الدستور المغربي الجديد ثلاث مؤسسات ذات علاقة بالحكامة الجيدة، هي على التوالي: «الهيئة العليا
للاتصال السمعي البصري»، و«مجلس المنافسة»، و«الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة»، والواقع
أن المؤسسات الثلاث، وإن كانت موجودة من قبل، أضفى عليها الدستور قيمة دستورية بالتنصيص عليها
صراحة ما بين الفصول 167-165. وهكذا، نيطت بالمجلس الأعلى السمعي البصري مهمة «السهر على
احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري». أمّا مجلس
المنافسة، فتوىلّ السهر على «ضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية خاصة من خلال تحليل وضبط
وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز
الاقتصادي والاحتكار». في حين تولّت «الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة»، استنادًا إلى الفصل 3 6
49 نص الفصل 19 على ما لي: «يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية.»
من الدستور، مهمات المبادرة والتنسيق والإشراف، وضمان تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقّي ونشر
المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام،
وقيم المواطنة المسؤولة». علاوة على الهيئات والمؤسسات المبينة أعلاه، نصّ الدستور على ثلاث هيئات للنهوض بالتنمية البشرية
والمستدامة والديمقراطية، تعلقت أساسًا بقطاع التعليم، حيث نصّ الفصل 168 على إحداث «مجلس أعلى
للتربية والتكوين والبحث العلمي»، الذي سيتولى مهمة «إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا
الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي». وإلى جانبه، تمّ إقرار إحداث «المجلس الاستشاري
للأسرة والطفولة»، بغية «تتبّع وضعية الأسرة والطفولة»، وكذلك نصّ في الفصل 170 على تأسيس «المجلس
الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي»، قصد حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية.
خاتمة
سيكون سابقًا لأوانه تقديم خلاصات قطعية للوثيقة الدستورية المغربية الجديدة (2011)، وذلك لاعتبارات
علمية، أبرزها أن الدستور المُستفتى حوله في فاتح تموز/ يوليو 2011 بحاجة إلى استكمال تدقيق أحكامه
وتتميمها بالقوانين التنظيمية والعادية التي أحالت إليها الوثيقة الدستورية نفسها في أكثر من مقام. ويتعذر هذا
الأمر، من جهة ثانية، لأسباب موضوعية مرتبطة بالممارسة، أي بالحاجة الملحة إلى قدر من الوقت لاختبار إعمال
الفاعلين السياسيين لأحكام الوثيقة الدستورية، وطبيعة تجاوب المجتمع بجميع مكوناته معها. ومع ذلك،
أتاحت لنا القراءة الدستورية في الهندسة العامة للوثيقة التوصل إلى استنتاجين مركزيين، هما: - أن دستور 03 تموز/ يوليو 2011 كرّس التغيير ضمن الاستمرارية، وهو ما يعني، كما ألمحنا في أكثر من
مقطع من هذه الدراسة، أن الوثيقة الدستورية الجديدة لم تمس جوهريًا توزيع السلطة كما جاء به الدستور
التأسيسي الأول (1962)، وحافظت عليه المراجعات الدستورية اللاحقة (1970، 1972، 1992، 1996)،
على الرغم من التحويرات الجديدة التي شملت مؤسستي البرلمان والحكومة، وأحدثت هيئات لم تكن موجودة
من قبل، وأقرت دستوريًا مبادئ بالغة الأهمية بالنسبة إلى سير المؤسسات وحماية الحقوق والحريات العامة.
وإذا كانت قطاعات وازنة من الرأي العام ترى في تكريس الدستور الجديد للتغيير ضمن الاستمرارية اختيارًا
أملته الجغرافية الاجتماعية والسياسية المغربية، أي واقع حال الفاعلين السياسيين ودرجة وعيهم، وطبيعة
الثقافة السياسية السائدة، فإننا نميل إلى تأكيد أنه اختيار مفتوح على التطور نحو الأفضل، إن توافرت له شروط
الإنضاج والتعميق أكثر، وتكاتفت الجهود من أجل استثمار جميع الإمكانات التي تتيحها الوثيقة الدستورية
الجديدة، وعلى رأسها الصلاحيات الجديدة التي لدى البرلمان، ومؤسسة الحكومة، والقضاء بصفة عامة،
والقضاء الدستوري على وجه التحديد، وهيئات حماية حقوق الإنسان والحكامة الجيدة. إن إرادة الفاعلين السياسيين واستعدادهم للاستثمار الفعال والعقلاني للمُتاح في الدستور، سيعمّقان إيجابيًا
الاختيار الرئيس للوثيقة الدستورية الجديدة، أي التغيير ضمن الاستمرارية، كما أن التفافَ المجتمع حول
الدستور والنضال من أجل فرض احترام شرعيته، سيعززان منسوب نجاح هذا الاختيار.
50 نصت الفقرة الأخيرة من الفصل 63 على ما لي: «تحدث هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.»
- أن جلّ المغاربة يتطلع إلى أن يكون الاستفتاء على الدستور وإقرارَه بنسبة مرتفعة عبر التصويت كخطوة أولى
على طريق التوافق على وثيقة جديدة، فاتحة مرحلة جديدة تجُبّ ما سبقها من مراحل، وتقطع مع ممارساتها،
لاسيما في مجالي «حقوق الإنسان والحريات العامة»، و«العدالة الاجتماعية». وإذا كان الدستور الجديد، كما أبرزنا
في جميع مقاطع الدراسة، أدخل تحويرات نوعية لتقوية أداء المؤسسات الدستورية، فإن المنتظر والمطلوب هما
أن توفّق النخبة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 في إعداد القوانين التنظيمية
التي ستمنح الوثيقة الدستورية روحها العامة، أي النصوص التي ستدقق المبادئ والقواعد العامة الواردة في
الدستور، والتي وصل عددها إلى 19 مبدأ وقاعدة، غطَّت مفاصل الوثيقة الدستورية كلها. صحيح أن الدستور الجديد حدد، بشكل واضح، المدة التي يتوجب على البرلمان إصدار النصوص التنظيمية
ال 19 خلالها، وهي الولاية التشريعية الحالية (2016-2011)، وهو ما لم تأخذ به الدساتير السابقة، إالّ
أن عملية إعداد هذه السلسلة من النصوص بالغة الأهمية، وتستلزم من النخبة البرلمانية، والطاقم الحكومي
مجهودًا كبيرًا لصياغة قوانين تنظيمية جيدة كفيلة بإعطاء مضامين عميقة للوثيقة الدستورية. وحيث إن الدستور
الجديد اعتبر الاختيار الديمقراطي ثابتًا رابعًا إلى جانب الثوابت الثلاثة التي يجسدها شعار المملكة (الله، الوطن،
الملك)، فإن المضمون المطلوب من النصوص المقبلة المعمّقة للدستور والمدقِّقة لأحكامه لا يمكن أن تكون إالّ
ديمقراطية، الأمر الذي يتطلب من الأغلبية الحاكِمة أن تشتغل إلى جانب المعارضة، وأن تُنصت أيضًا لمطالب
المجتمع المدني عبر تعبيراته المختلفة. أمّا إذا اشتغلت بمنطق الأغلبية الرقمية أو العددية، وتجاهلت المصادر
الأخرى اللازمة لصناعة النصوص المقبلة، فإنها من دون شك، لن تستطيع إنتاج قوانين في مستوى روح
الدستور الجديد.)2011(ومع ذلك، يسمح الكثير من المؤشرات باستنتاج مفاده أن ثمة وعيًا متناميًا داخل الطبقة السياسية لأهمية الرهان
الذي ينتظر الحكومة الحالية في استكمال الشوط الثاني من عملية الدسترة التي أنجز المغرب لحظتها الأم عبر
استفتاء فاتح تموز/ يوليو 2011، ويُنتظر أن يُنجز شوطها الثاني بوضع الترسانة من القوانين التنظيمية والعادية
المشار إليها في صدر هذه الدراسة. فالشوطان معًا متكاملان، وهما اللذان سيضعان المغرب على سكة التحول
الديمقراطي من عدمه؛ فإمّا أن تنجح النخبة السياسية المغربية، أغلبية ومعارضة، في إعطاء روح ديمقراطية
للوثيقة الدستورية بوضع قوانين جيدة، يتكاتف الجميع من أجل وضعها بواسطة الحوار والتوافق البناء، وإمّا
تتعثّر في تحقيق هذا الرهان، وحينها ستُصبح الوثيقة الدستورية، التي جنبت المغرب عواصف الحراك الذي دبّ
في أكثر من قطر عربي، مجرد قوقعة فارغة، الأمر الذي قد يفتح البلاد على احتمالات يصعب استشراف طبيعتها
على وجه اليقين.
51 تمت الإحالة إليها في الدستور كما لي: ف 5/: اللغة الأمازيغية، ف 5/: المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. ف 7/: الأحزاب
السياسية. ف 14/: تقديم الملتمسات من قِبل المواطنات والمواطنين. ف 15/بل المواطنات والمواطنين. ف: تقديم عرائض من قِ:29/
حق الإضراب. ف 44/: مجلس الوصاية. ف 49/: قائمة المؤسسات الاستراتيجية. ف 92/: التعيين في الوظائف السامية من قِبل رئيس
الحكومة. ف 62/: القانون التنظيمي لمجلس النواب. ف 63/: القانون التنظيمي لمجلس المستشارين. ف 67/: اللجان البرلمانية لتقيصّ
الحقائق. ف 75/: القانون التنظيمي للمالية. ف 87/: الحكومة. ف 112/: النظام الأساسي للقضاة. ف 116/: المجلس الأعلى للقضاة.
ف 131/: المحكمة الدستورية. ف 153/: المجلس الاقتصادي والاجتماعي. ف 133/: شروط تطبيق عدم دستورية قانون. ف 146/:
الجماعات الترابية.
52 وهو ما نص عليه الفصل 86 الدستور: «تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في الدستور وجوبًا قصد المصادقة عليها
من قِبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور.»
قائمة المراجع*
-1 العربية مالكي، امحمد. الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية: المفاهيم الأساسية، النظام السياسي المغربي.
مراكش، المغرب: المطبعة والوراقة الوطنية،.2001. الأنظمة الدستورية الكبرى: النظام البريطاني، نظام الولايات المتحدة الأمريكية، النظام
الفرنسي. مراكش، المغرب: المطبعة والوراقة الوطنية،.2004 المغرب، الأمانة العامة للحكومة. الدستور. ط 11. الرباط: الأمانة العامة للحكومة، 2011. (الوثائق
القانونية المغربية)
-2 الأجنبية
Driss Basri [et al.]. Revision de la constitution marocaine, 1992. Rabat: [Imprimerie Royale], 1992. (Collection édification d’un état moderne) El Mossadeq, Rkia. Acteurs politiques dans l’espace constitutionnel. Casablanca: Imprimerie Najah Al Jadida, 2011. Hakou.Y et Elyahyaoui Y, Constitution Marocaine 2011: nouveautés et perspectives, 225 p. La Constitution marocaine de 2011: Analyses et commentaires. Sous la direction du Centre d’études internationales (CEI). Paris: LGDJ-Lextenso éd., 2012. La Constitution marocaine de 2011: Lectures croisées: Actes des colloques. Organisés par le Centre Maurice Hauriou de la Faculté de droit de l’Université Paris Descartes; l’Observatoire d’études géopolitiques et la Revue marocaine d’administration locale et de développement à l’École nationale d’administration à Rabat, le 22 juin 2011 et à l’École nationale d’administration à Paris, le 30 juin 2011; [sous la direction de Ahmed Bouachik, Michel Degoffe et Charles Saint-Prot]. Rabat: Publications de la «Revue marocaine d’administration locale et de développement», 2012. (Thèmes actuels; 77) Ruf, W. K. [et al.]. Introduction à l’Afrique du Nord contemporaine: Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes. Paris: Éditions du Centre national de la recherche scientifique, 1975. Vedel, Georges, Michel Rousset et Driss Basri (dirs.). Trente années de vie constitutionnelle au Maroc. Paris: Librairie générale de droit et de jurisprudence, 1993. (Bibliothèque constitutionnelle et de science politique)
السياسي المغربي، لا من زاوية النصوص الدستورية فحسب، ولكن من خلال تفاعلها أيضًا مع المعطيات المتحكمة في النسق السياسي
المغربي بجميع مكوناته.