Return to Article Details The Interpretation of Cultures

تأويل الثقافات

The Interpretation of Cultures

هيثم أحمد مزاحم

Haitham Ahmad Muzahem

الملخّص

للثقافة في حياة الإنسان الفرد أثر لا يمكن تحديد مداه بدقة، ولا يمكن إنكاره؛ فالطفل يدخل العالم من دون فكرة مسبقة ومن دون ثقافة. وتتشكّل شخصيته وسلوكاته ومواقفه وقيمه ومعتقداته بالثقافة التي تحيط به من كلّ جانب. وتبلغ سيطرة الثقافة على المرء من القوة حدًّا يجعله ينصاع لأوامرها ونواهيها حتى في ما يعاكس نوازعه الفطرية.

Abstract

In the life of the human individual, culture has an effect whose reach cannot be accurately gauged nor denied. Children enter the world without preconceived ideas and without culture. Their personalities, behaviors, views, values, and beliefs are formed by the culture which surrounds them. Culture's control over people is so strong that it makes them submit to its imperatives and prohibitions, even against their instincts.

الكلمات المفتاحية:
  • الثقافة
  • الفرد
  • السيطرة
  • تأويل
Keywords:
  • cultural
  • Individuals
  • Interpretation.
  • people
  • values

الكتاب: تأويل الثقافات الكاتب: كليفورد غيرتز مكان النشر: بيروت تاريخ النشر 2009: الناشر: المنظمة العربية للترجمة عدد الصفحات 880:

تعريف الثقافة

لعل أقدم التعريفات للثقافة وأشدها رسوخًا وثباتًا كان التعريف الذي قدّمه إدوارد بورنث تايلور E. B. Tylor() في بداية كتابه الثقافة البدائية)Primitive Culture((1871)، حيث عرّف الثقافة بأنها «تلك الوحدة الكلية المعقّدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة الي أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع». وأضاف تايلور في كتابه الأنثروبولوجيا، مقدمة في دراسة الإنسان والحضارة (Anthropology, Civilization) (1881) أن الثقافة بهذا المفهوم هي شيء لا يمتلكه الإنسان. يقول كليفورد غيرتز C. Geertz() في كتابه تأويل الكلمة الإنكليزية للثقافة Culture يعود إلى اللاتينية Cultura التي تعني التربية. وقد شاع استعمال الكلمة بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر بمعنى تلك القدرة الإنسانية الشاملة على التعلّم ونقل المعارف

واستخدامها في الحياة. وأصبح مفهوم الثقافة من المفاهيم المركزية التي تعالجها الأنثروبولوجيا في القرن العشرين، إذ يشمل جميع ظواهر حياة الإنسان خارج نطاق الوراثة البيولوجية. ومع التقدم الحاصل في علم الأنثروبولوجيا، قدّم علماء آخرون تعريفاتهم الخاصة لمفهوم الثقافة، وكانت تلك التعريفات مبنية على المكتشفات الجديدة في الأنثروبولوجيا. وتكاثرت تلك التعريفات حتى إن عاملَي الأنثروبولوجيا الأميركيين أ. ل. كروبر (A. في كتابهما المعنون الثقافة: مراجعة نقدية للمفاهيم Definitions) تعريفًا يراوح من «السلوك المثقف» إلى «الأفكار في العقل»، إلى «التركيب المنطقي»، إلى «آلية الدفاع النفسية»، وما إلى ذلك. إالّ أن التعريف المفضّل عندهما وعند كثير من الدراسين هو أن الثقافة «عملية تجريدية»، أي «تجريد مستخلص من السلوك» ولكنها ليست سلوكًا. حاول ليزلي وايت L. White() أن يقدّم حالً لإشكال أُثير حول كيف يمكن لشيء مجرد، أي الثقافة، أن يكون موضوعًا لعلم وبحث، وذلك في مقالته «مفهوم الثقافة» (1959)، حين أكد أن القضية ليست ما إذا كانت الثقافة شيئًا حقيقيًا أو مجردًا، بل القضية كل القضية هي في السياق الذي يجري فيه التأويل العلمي. فعندما يُنظر إلى الأشياء والحوادث في سياق علاقاتها بالإنسان، فهي تؤلف السلوك. وعندما يُنظر إليها ليس من خلال علاقاتها بالإنسان، بل علاقاتها بعضها ببعض، فهي تصبح ثقافة. تكتسب الثقافة حياة واستمرارية خاصتين بها، وهي تتطوّر على نحو ليس في المستطاع تفسيره بشكل مرْض، بحيث يصبح وجودها، بما تحمله من لغة ومعتقدات وأدوات وأعراف.. إلخ، خارجًا عن نطاق إرادة الفرد بذاته. وهي بذلك تخدم في حماية حياة المرء وتحسين حياته. ثم إن كل مجموعة من الناس، أكانت قبيلة أم أمّة، تطور أنظمتها الخاصة من ضمن ما يمكن تسميته “ ثقافتها الخاصة ” التي تشترك فيها مع مجموعات أخرى ببعض الخصائص وتنفرد فيها بخصائص أخرى. ومن وجهة نظر بنيوية، فإنه يمكن أن ندعو الثقافة العامة اللسان أو ال Langue (الخصائص العامة التي تميز التراث بشكل عام)، بينما تكون الثقافة الفردية للمجموعات بمنزلة الكلامأو ال Parole (الخصائص الخاصة التي تميّز كل ثقافة بذاتها).

تأثير الثقافة

للثقافة في حياة الإنسان الفرد أثر لا يمكن تحديد مداه بدقة، ولا يمكن إنكاره؛ فالطفل يدخل العالم من دون فكرة مسبقة ومن دون ثقافة. وتتشكّل شخصيته وسلوكاته ومواقفه وقيمه ومعتقداته بالثقافة التي تحيط به من كلّ جانب. وتبلغ سيطرة الثقافة على المرء من القوة حدًّا يجعله ينصاع لأوامرها ونواهيها حتى في ما يعاكس نوازعه الفطرية. وهذا ما حدا بكثير من الباحثين إلى النظر في التأثير الذي تمارسه العوامل البيولوجية والثقافية في تشكيل الشخصية الإنسانية. ويرى الدارسون في حقول الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع أن تأثير البيئة الطبيعية في الثقافة كبير جدًا، لكن هذه البيئة ليست العامل الوحيد المحدد فيها. وقد لاحظوا أن الثقافة معدية، بمعنى أن العقائد والعادات والأدوات، وحتى الحكايات الشعبية، جميعها قابلة للانتقال من ثقافة إلى أخرى ومن شعب إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى. وبينما نرى الانتشار الثقافييحدث بين متساويين في القوة السياسية أو العسكرية أو متساويين في مستوى التقدم الثقافي، فإن هذا الانتشار يكون له اسم آخر عندما يجري بين طرفين تفصل بينهما هوة واسعة في هذا المجال، وهذا الاسم هو الغزو الثقافي. وفي حالات الاستعمار الحديث، تُفرض ثقافة الطرف الأقوى على الشعوب الأقل تطورًا، كما في بلدان

أفريقيا وأميركا اللاتينية وسواهما. ومع ذلك تتسرب من الشعوب المقهورة عناصر ثقافية تتخلل ثقافة الشعوب القاهرة. كان من أكبر المشكلات التي واجهت علماء الأعراق في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مسألة تفسير التشابه في جوانب ثقافية بين شعوب تفصل بينها مسافات بعيدة: وكانت حالة الأهرام وعبادة الشمس في مصر الفرعونية، من جهة، وفي أميركا الجنوبية والوسطى، من جهة أخرى، إحدى هذه الحالات. وكان السؤال المطروح هو: هل نشأت هذه الممارسات مستقلة في كلٍّ من هذه المناطق أم أنها نشأت في مصر وانتقلت من هناك إلى القارة الأميركية؟ كان الأنثروبولوجيون الكلاسيكيون، من أمثال إ. ب. تايلور ولويس ه. مورغان L. H. Morgan()، الذين يقولون بوحدة الجنس البشري وتطوريته، يعربّون عن يقينهم بأن عقل الإنسان مركّب بالطريقة ذاتها في الأمكنة جميعها، ولذلك يفكر الإنسان في كل مكان بالطريقة نفسها، ويطور ثقافته في خطوط متشابهة. في المقابل كان المؤمنون بنظرية انتشار الثقافة، من أمثال فريتز غرايبنر) F. Graebner(وإليوت سميث E. Smith() يعلنون أن الإنسان بطبيعته لا يميل إلى الإبداع، وأن الجوانب الثقافية عندما ينشئها شعب ما، تميل إلى الانتقال إلى الشعوب الأخرى والانتشار نحوها. تبقى هذه القضية غير محسومة حتى اليوم، والموقف السائد هو الموقف التوفيقي، أي دراسة كل حالة على حدة والحكم عليها بحسب الظروف المحيطة، وعدم القطع بشكل شمولي في هذه المسألة. ويميل الباحثون اليوم بشأن قضية الأهرام إلى نظرية الأصل المستقل؛ فالأهرام الأميركية تختلف عن الأهرام المصرية في جوانب مهمة، منها أن الأهرام المصرية كلها مبنية من الحجارة، وقد استُعملت مقابر للفراعنة والعظماء، بينما الأهرام الأميركية مبنية من التراب، ومغطاة بشرائح من الحجارة، وكانت تُستعمل أماكن للعبادة.

المقاربة الأنثروبولوجية في دراسة الثقافة

يُنظر إلى التراث تقليديًا على أنه كلٌّ متكامل معقّد، لكن البحث الأنثروبولوجي يجزّئ الثقافة إلى وحدات، إلى ملامح جزئية، بهدف تسهيل الدراسة، فيعتبر «الملمح» الثقافي الوحدة الأساس في الثقافة. وقد تتخذ المقاربة منهجًا جغرافيًا مناطقيًا، حيث يجمع الباحث الأنثروبولوجي الثقافة أو الملامح الثقافية التي تنتمي إلى منطقة جغرافية معيّنة في سلّة واحدة. وذلك ما فعله الأنثروبولوجي الأميركي كلارك ويسلر C. Wissler() في كتابيه الهندي والإنسان والثقافة (Man and Culture) (1923)، حيث قسم ثقافات الهنود الأميركيين، كما كانت عليه في أواخر القرن التاسع عشر، إلى مناطق تراثية جغرافية. وبما أن كتاب الباحث الأنثروبولوجي الأميركي غيرتز هذا هو مجموعة دراسات في الثقافة من وجهة نظر أنثروبولوجية، فينبغي تعريف الأنثروبولوجيا والحديث عن أهم مدراسها وأعلامها باختصار. الأنثروبولوجيا، أو علم الإنسان، هو علم حديث نسبيًا، انبثق من رحم الفلسفة المتزاوجة مع علم الأحياء بُعيد ما سمّي الثورة الداروِنية في منتصف القرن التاسع عشر. وتدرس الأنثروبولوجيا نشأة الإنسان وتطوره وتميزه من المجموعات الحيوانية، وتقسم الجماعات الإنسانية إلى سلالات وفق أسس بيولوجية، وتدرس ثقافة الإنسان ونشاطه. وتركز الأنثروبولوجيا على دراسة المجتمعات البدائية والإنسان البدائي من حيث هو جزء من الطبيعة، وتبنيّ صلته بها، وتشرح الأجناس والسلالات المختلفة من حيث خصائصها ومميزاتها ونموها

الفكري وتطورها الفيزيائي والاجتماعي والتراثي، بما في ذلك الميثولوجيا، أي علم الأساطير، والفولكلور، أي الفن الشعبي. يلُاحَظ في تاريخ الأنثروبولوجيا أن أسسها في الغرب بدأت في عصر التنوير، حيث جرت محاولات منهجية لدراسة السلوك الإنساني. وقد انطلقت من علم التاريخ الطبيعي مع علماء مثل الفرنسي جورج لوي دو بوفون)G. L. de Buffon(). 1788-1707(وكان التركيز في القرون الأربعة الماضية ينصبّ على دراسة الشعوب البدائية، أي غير الغربية، ولكن ذلك تغريّ مع الجزء الأخير من القرن العشرين، حيث أخذ التركيز يتحول إلى موضوعات غربية مع محاولة تشريح النظام الطبقي والتوزع المناطقي والعرقي ضمن المجتمعات الغربية. يُعتبر إدوارد تايلور (1917-1822) من الرواد السابقين في الأنثروبولوجيا التراثية التي كانت سائدة في بريطانيا، بل المؤسس لها. وكان لكتابه الأبرز الثقافة البدائية أثر كبير في تطوير النظرية القائلة بالعلاقة الارتقائية من الثقافات البدائية إلى الحديثة. وقدم تايلور في الكتاب تعريفًا للثقافة ما زال مقبوالً ومستعمالً في حقل الأنثروبولوجيا إلى يومنا هذا: «تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، إضافة إلى أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع». وقادت مطالعات تايلور ومكتشفاته إلى نوع من التبشير بوحدة الجنس البشري وتطوره من البدائية إلى الحضارة، مع تلميحات متناثرة بتفوق الإنسان الإنكليزي. وكان كتابه الأخير الأنثروبولوجيا، مقدمة في دراسة الإنسان والحضارة (1881)، بمنزلة ملخّص لجميع المعلومات التي كانت معروفة في الحقل في أواخر القرن التاسع عشر. ونجد في برونيسلاف مالينوفسكي B. Malinowski() واحدًا من أهم الأنثروبولوجيين وأبرزهم في القرن العشرين، ويعتبره كثيرون مؤسس الأنثروبولوجيا الاجتماعية. ويرتبط اسمه بالدراسات الميدانية الواسعة بشأن شعوب أوقيانيا، إذ درس سكان أستراليا الأصليين، ومن ثم قبائل المايلو في غينيا الجديدة سنة 1914، وتركزت ملاحظاته على نواح متعددة من حياة السكان، منها الاحتفالات والزراعة والاقتصاد، والجنس والزواج والحياة العائلية، والقانون البدائي والعادات، والسحر والخرافة، الأمر الذي مكّنه من تقديم استنتاجات تنظيرية ساهمت في تطوير الأنثروبولوجيا الاجتماعية. وبرز إميل دوركهايم E. Durkheim() ومدرسته الداعية إلى اعتماد التحليل البنيوي في الأنثروبولوجيا، وإدموند ليتش E. Leach() الذي دعا إلى إعادة النظر في أعمال كلود ليفي ستراوس C. Levi – Strauss) (. واستمرت المدرسة البريطانية في التركيز على النظم الاجتماعية والاقتصادية بدالمن التركيز على الموضوعات الرمزية والأدبية التي كانت سائدة في المدرسة الفرنسية. أمّا في الولايات المتحدة الأميركية، فكانت الدراسات في الأنثروبولوجيا متأثرة بوجود تجمّعات الهنود الحمر، السكان الأصليين للقارة، حيث كانت تشكّل مجاالً مثاليًا للعمل الميداني في الأنثروبولوجيا التراثية. وكان الشخص الذي وضع الأنثروبولوجيا الأميركية على سكة البحث المنهجي وحاز لقب «أبو الأنثروبولوجيا الأميركية» هو فرانز بواس F. Boas() (1858-1942)، إذ استعمل المنهجية العلمية للتوصل إلى فهم الحضارات والتراثات الإنسانية. وفي سنة 1931 نشر كتابه عقل الإنسان البدائي من المحاضرات في شأن التراث والعِرق هاجم فيها التمييز الذي كان يمارَس ضد المهاجرين من التراثات الأخرى. وتكمن الأهمية التاريخية لإنجاز بواس في الأنثروبولوجيا في أنه كان من أوائل الذين اعتنقوا الفكرة القائلة إن أفراد الأعراق البشرية المختلفة

تمتلك القدرة ذاتها على التطور الفكري والحضاري، أي تساوي الأعراق وعدم دونية عرق ما أو تراثه بالنسبة إلى الأعراق الأخرى. يعتبر كثير من المؤرخين أن مؤسس الأنثروبولوجيا في فرنسا هو مارسيل موس M. Mauss()، ابن أخت السوسيولوجي الفرنسي دوركهايم وتلميذه. وبينما اهتم دوركهايم وزملاؤه بالمجتمعات المعاصرة، انصب اهتمام موس ومشاركيه على الدراسات الإثنوغرافية والاشتقاق اللغوي في تحليل المجتمعات التي لم تكن «متمايزة» كما هي الحال في الدول الأوروبية. أمّا ليفي ستراوس (2009-1908)، فقد امتدت آثار نظرته البنيوية في الأنثروبولوجيا لتشمل تخصصات أخرى عدة. وتقوم بنيويته على تحليل الأنظمة الثقافية مثل القرابة والأساطير، بالنظر إلى العلاقة البنيوية بين عناصرها، وقد امتد أثر بنيوية ستراوس إلى حقول معرفية أخرى مثل الفلسفة ومقارنة الأديان والأدب وغيرها. في ألمانيا كان ماكس فيبر)M. Weber(-1864(1920) العاملِ الأكثر تأثيرًا في الأنثروبولوجيا. وقد كان عامل اجتماع، وعُرف بنظريته بشأن الأخلاق البروتستانية وصِلتها السببية بالجوانب الاقتصادية في الرأسمالية، وبإصراره الشديد على الموضوعية العلمية وعلى تحليل الدوافع الكامنة وراء الفعل الإنساني، الأمر الذي كان له بعيد الأثر في النظرية السوسيولوجية. وقد تركز معظم أعمال فيبر في السنوات الأخيرة من حياته الأكاديمية على دراسة العلاقة بين التدين والجوانب الاقتصادية والعمل في المجتمع.

كليفورد غيرتز (2006-1926)

كليفورد غيرتز، مؤلف الكتاب الذي نقوم بمراجعته، هو واحد من أبرز علماء الأنثروبولوجيا الأميركيين وأبعدهم تأثيرًا خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي. ويُعتبر مؤسس المدرسة التأويلية في الأنثروبولوجيا ومن أكبر الداعين إلى إيلاء أهمية لدراسة الرموز في الثقافة وللفكرة القائلة إن هذه الرموز تضفي على حياة الإنسان معنى ونظامًا. في سنة 1951 أجرى غيرتز أبحاثًا ميدانية في إندونيسيا، حيث درس موضوع الدِّين، وكانت نتيجة أبحاثه في جاوة كتاب الدِّين في جاوة The Religion () in Java سنة 1960. لكنه انتقل إلى المغرب، وأجرى هناك أبحاثًا بين سنتي 1963 و 1971 كان من نتيجتها كتابه ملاحظة الإسلام: التطورات الدينية في

(1968)، وهو مقارنة عميقة بين الإسلام كما يراه المغاربة والإسلام كما يراه الإندونيسيون. في سنة 1973، نشر غيرتز كتابه تأويل الثقافاتالذي نراجعه هنا، وظهر في طبعة ثانية منقحة سنة 2000، وكان مع ا عن أفكاره الأساسية في التراث وذا أثر مهم في الدراسات الأنثروبولوجية، وأثار جدالً كبيرًا حول بعض المفاهيم التي أتى بها غيرتز. والحال، أنَّ لغيرتز منهجية في الدراسات الأنثروبولوجية تقوم على تحليل المعطيات التي كان يستقيها من أعماله الميدانية في وسط المجتمعات التي يدرسها. وبهذا، كانت الأنثروبولوجيا التأويلية لديه هي قراءة النصوص بما هي كذلك. ولذلك، فإن كل عناصر الثقافة التي يجري تحليلها يجب أن تُفهم في ضوء هذا التحليل النيصّ. وقد توصّل إلى استنتاج يقول إن الكائن البشري هو «حيوان يصنع الرموز والمفاهيم وينشد المعاني». كما حاول أن يستكشف الرغبة الدفينة لدى البشر ل«إيجاد معنى للعالم ولتجربتهم فيه، وإعطاء هذه التجربة شكالً ونظامًا». قدّمت كتابات غيرتز استبصارات تتعلق بمدى الثقافة وبطبيعة البحث الأنثروبولوجي وفهم العلوم الاجتماعية عمومًا. وقد رسم في هذه الكتابات حدًا فاصالً بين الثقافة والهيكلية الاجتماعية، متمايزًا بذلك عن الوظيفيين الذين يؤمنون بأن الطقوس والعادات والمؤسسات وجوانب الثقافة الأخرى يمكن فهمها

على الوجه الأمثل، بالنظر إلى الأهداف التي تخدمها. وكان يحاجج بأن الثقافة تردم الفجوة بين معطيات جنسنا البشري البيولوجية والأشياء التي نحتاج إليها لكي نعمل بشكل فاعل في عالم معقّد ومتغريّ يعتمد بعضه على بعضه الآخر.

الأنثروبولوجيا التأويلية

يصف غيرتز الموقف الذي أدى به إلى اعتناق «الأنثروبولوجيا التأويلية» منهجًا له في خضم التشويش الذي ساد الأنثروبولوجيا في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين، حين كانت ممزقة بين الشكوك حول ماضيها الاستعماري واحتمال الوصول إلى المعرفة الموضوعية في العلوم الإنسانية، إذ يقول: «كانت مساهمتي في هذه الحفلة نظرية ‹الأنثروبولوجيا التأويلية›، التي كانت امتدادًا لاهتمامي بأنظمة المعاني والعقائد والقيم، والنظرات إلى العالم، وأشكال الشعور، وأساليب الفكر التي كانت شعوب معيّنة تبني وجودها من ضمن شروطها». ونظرته هذه أوضح ما تكون في كتابه تأويل الثقافاتالذي سنحاول تلخيص جوهر نظريته في هذه الصفحات القليلة. يحاجج غيرتز بأن الثقافة هي التي تضفي المعنى على العالم في أعين أصحابه، فهي تُقرأ كما يُقرأ النص. والثقافة، بما هي نص، تتألف من الرموز، التي هي نواقل للمعنى. وفي مسعاه إلى بناء منهجه التحل لي الخاص، استعار مفاهيم من مفكرين آخرين، أبرزها «التوصيف الكثيف» (من الفيلسوف جيلبرت رايل G. Ryle)، و«اللعب العميق» (من جيريمي بنثام  J. Bentham). وهكذا مهّد غيرتز، في ابتعاده عن البحث الإمبريقي ليدخل في عالم كتابيّ خاص، الطريق إلى اتجاه أدبي الطابع في الكتابات الأنثروبولوجية في الثمانينيات من القرن الماضي. وقد استخدم غيرتز أسلوبًا في الكتابة لاقى نقدًا شديدًا بسبب تعقيده البالغ وفتحه الطريق أمام موضة جديدة في الكتابة الأنثروبولوجية تستعمل عبارات مبهمة غير مفهومة لدى كتّاب آخرين ذوي حظ ضئيل من الموهبة والمقدرة الكتابية. كما كان غيرتز عرضة للنقد من جانب كثيرين عارضوا نظرياته، خصوصًا نظرته إلى الدِّين، حيث رأوا فيها انحيازًا وتشويشًا في رؤيتها لكيفية إشارة اللغة إلى العالم. وكان من أقسى ما وجِّه من نقد إلى عمل غيرتز ما كتبه ليونيل تايغر L. Tiger()، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة روتجرز الأميركية، حيث كتب عقب وفاة غيرتز في صحيفة وول ستريت جورنالالأميركية في تشرين الأول/ أكتوبر 2006، يقول: «من غير المحتمل أن يشعر أهل الفكر بالتقدير للأثر الكبير الذي خلّفه في عالم الفكر. كان هذا الأثر في العلوم الاجتماعية باعثًا على الأسى في رأيي (ورأي غيري). كان مساهمًا كبيرًا في ذلك اللامنطق العنيد في تشويشه الذي أصاب العلوم الاجتماعية ولا يزال. حاول من موقعه البارز والمؤثر في المعهد، أن يدمج الأنثروبولوجيا مع العلوم الإنسانية. وكانت النتيجة المؤلمة لذلك تحويل الكثير ممّا يقوم به علماء الأنثروبولوجيا ذوو النيات إلى شكل أعرج ومشوّش من المعرفة الأدبية. والأسوأ أنه وسّع الهوة الغريبة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية.. أخذ بالتركيز على الصلات بين الكتابة والسلوك.. كان يركز على الكلمات التي تصف الأفعال بدالً من التركيز على الأفعال ذاتها..».

«تأويل الثقافات»

كان لكتاب تأويل الثقافاتوقْع كبير في عالم الفكر، وفي حقل الأنثروبولوجيا والدراسات التراثية على وجه الخصوص، حتى إن الملحق الأدبي لصحيفة التايمز اللندنية وصفه في سنة 1995 بأنه واحد من أهم مئة كتاب صدرت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. الكتاب هو مجموعة مقالات كان غيرتز قد نشرها في الستينيات من القرن الماضي، معترفًا بأنه لا يجد

كثيرًا ممّا يربط بينها سوى أنها من تأليفه. إال أنه عاد فوجد ما يجمع بينها أكثر من ذلك في حقيقة أنها جميعها تعالج مسائل تتعلق بالثقافة من وجهة نظر «الأنثروبولوجيا الرمزية» التي اتخذها منهجًا له. وليوضح ذلك ويؤسس له نظريًا، كتب -بناء على نصيحة محرّر الكتاب- مقدمة نظرية شكّلت الفصل الأول، بعنوان «التوصيف الكثيف: نحو نظرية تأويلية للثقافة». يقدم هذا الفصل الأساس النظري الذي تقوم عليه سائر فصول الكتاب. ويتألف هذا الأساس في معظمه من مفهوم «التوصيف الكثيف» الذي استعاره من الفيلسوف البريطاني رايل، الذي ميّز بين وصف ما يظهر من فعل ما أو سلوك ما (التوصيف الرقيق)، ووصف هذا الفعل أو السلوك في السياق الذي يجري فيه (التوصيف الكثيف)، وهو ما يؤدي إلى فهم أفضل لهذا السلوك. والمثال الذي يورده غيرتز على ذلك، هو الغمزة؛ فالتوصيف الرقيق يصف فعل الغمز الظاهر بأنه مجرد تحريك لجفن العين فقط، بينما يخبرنا التوصيف الكثيف ما إذا كانت الغمزة مجرد اختلاج لا إرادي للجفن أم هي إشارة خفية للتواصل بين اثنين، أم حركة هازئة من شخص يقلد غامزًا آخر... إلخ. هذا المنهج اعتمده غيرتز في ملاحظاته ومراقباته في عمله الميداني في إندونيسيا والمغرب بشكل أساس؛ فالنظر في الأبعاد المميزة للعمل الاجتماعي -أكان فنًا أم دينًا أم عقيدة أم علامً أم قانونًا-.. يعني عدم إشاحة النظر عن الإشكالات الوجودية في الحياة لمصلحة أشكال جامدة في العلم، بل الغوص في لجّة هذه الإشكالات لتفسيرها وتحليلها من الداخل. وبهذا تكون مهمة الأنثروبولوجي التأو لي ليس تقديم إجاباته عن الأسئلة العميقة في الوجود، بل تقديم الإجابات التي قدمها الآخرون في ثقافات أخرى عن هذه الأسئلة.

أثر مفهوم الثقافة في مفهوم الإنسان

في الفصل الثاني، وعنوانه «أثر مفهوم الثقافة في مفهوم الإنسان»، يؤكد غيرتز أن على الباحث، كي يصل إلى حقيقة الإنسانية المباشرة، أن يغوص في الحقائق ليصل إلى التفاصيل الصغيرة، متجاوزًا التسميات المضلِّلة والتصنيفات الشائعة والتشابهات الفارغة، بغية الانتهاء إلى فهم ثابت ليس للطبيعة الأساسية لمختلف التراثات فحسب، بل أيضًا للأفراد داخل هذه التراثات. فالوصول إلى العام يمر خلال التفاصيل والأشياء الملموسة عبر تحليل التطوّر المادي، وتحليل طريقة عمل الجهاز العصبي للإنسان، وتحليل التنظيم الاجتماعي الذي ينخرط فيه الإنسان، وتحليل العملية النفسية التي تحصل داخل عقل الإنسان، وعبر الأنماط الثقافية التي يعيش فيها الإنسان، وتحليل التفاعل بين كل هذه الظواهر. ويعالج الفصل الثالث موضوع طبيعة العقل والتفكير، وعنوانه «نمو الثقافة وتطور العقل». ويعربّ غيرتز عن يقين راسخ بأن التفكير ليس عملية خاصة تجري في خفايا النفس الإنسانية، بل هو عملية علنية تجري في الحياة المجتمعية في الأماكن العامة، في الحياة اليومية بتفاصيلها المادية الملموسة. وينطبق خط المناقشة نفسه على الثقافة، حيث ينبغي تلمّس طبيعة الثقافة لا في المناحي المنغلقة في ذلك التراث، أي في السلوك الفردي أو التنظيم الاجتماعي أو التركيبة العصبية للفرد، بل في النظر إلى جميع تلك المناحي نظرة شاملة من وجهة نظر العلوم السلوكية جميعها.

الدِّين كنظام ثقافي

«الدين بوصفه نظامًا ثقافيًا» هو عنوان الفصل الرابع الذي يعالج هذا الموضوع معالجة أنثروبولوجية، هي عملية ذات مرحلتين: تتكون المرحلة الأولى من تحليل

نظام المعاني المتجسد في الرموز التي تشكّل الدِّين بما هو كذلك. وتتكون المرحلة الثانية من ربط هذه الأنظمة بالتركيبة الاجتماعية وبالعمليات النفسية. ويأخذ غيرتز على الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة ليس مجرد اهتمامها بالمرحلة الثانية بل إهمالها تمامًا للمرحلة الأولى. وبذلك تتجاهل الأمور التي تحتاج إلى التوضيح، وتنظر إليها النظرة إلى الأشياء المسلَّم بها ولا تحتاج إلى عناية خاصة؛ فهو يشير بعدم إغفال الظروف التفصيلية في الظواهر الاجتماعية، ويقترح على سبيل المثال، إلقاء الضوء على ممارسة الأسلاف ودورها في الوراثة السياسية، ودور أعياد تقديم الأضاحي في تحديد الواجبات التي يفرضها النسب، ودور الكهانة في تقوية النظام الاجتماعي. في الفصل الخامس، يتابع غيرتز معالجة الجوانب الدينية في المجتمع وأثرها في الحياة الفردية والمجتمعية. ويعربّ عن اقتناعه بأن الدِّين لم يكن قط مجرد يقينات ما ورائية، بل هو، في وجدان أتباعه، متشبع بقواعد سلوكية أخلاقية، ولم يكن قط مجرد إيمان بحقائق غيبية بل هو مشفوع بالحض على العمل الصالح من ضمن التعاليم الدينية. ويعترف المؤلف بأن تعبيري «روح الجماعة» و«النظرة إلى العالم» يشيران إلى مفهومين غامضين ينقصهما التحديد الدقيق. ولكن الأنثرولولوجيين تمكّنوا بواسطتهما من تطوير مقاربة لدراسة القيم التي تستطيع توضيح العمليات الأساسية المستعملة في ضبط السلوك. وهذا يكون دور الأنثروبولوجيا في تحليل القيم الأخلاقية ليس في استبدال البحث الفلسفي بل في جعله مرتبطًا بالواقع وذا فائدة له. ويكمل غيرتز دراسته لجوانب الدِّين في الفصل السادس تحت عنوان «التعبير الديني والتغيير الاجتماعي: نموذج جاوي». ويصف طقسًا مميّزًا يمارسه أهل جاوة يدعى «السلامتان»، وهو احتفال يمارسه الأهالي في مناسبات مختلفة: المرض، الموت، الزواج...إلخ. ويتكوّن هذا الطقس من لقاء يُعقد في بيت المحتفل ويحضره الجيران من مختلف الأديان، ويقدَّم فيه الطعام وتُتلى فيه الأناشيد... ويصف غيرتز كيف يساهم هذا الطقس الاحتفالي في تمتين العلاقة بين الجيران من مختلف الأديان. ويمضي في وصف كيف أن التغييرات السياسية والاجتماعية التي أصابت جاوة والانقسامات الحادة التي أفرزتها الخلافات السياسية قد ضربت علاقات الجيرة والمودة، وأفشلت المساعي المتمثلة في «السلامتان». في الفصل السابع، وعنوانه «التحوّل الداخلي في بالي المعاصرة»، يبقى غيرتز في إندونيسيا، ولكنه ينتقل من جاوة إلى جزيرة بالي الصغيرة، ليقدم وصفًا تفصيليًا للمكوّنات الدينية في المجتمع الباليني، مع عرض تاريخي موجز لتطوّر الديانة البالينية المنبثقة عن الهندوسية.

الأيديولوجيا نظامًا تراثيًا

يتناول غيرتز في الفصل الثامنمن كتابه، وعنوانه «الأيديولوجيا نظامًا تراثيًا»، الأيديولوجيا ودورها في المجتمعات المعاصرة وفقدانها للحظوة في عالم الفكر، وذلك لمخالفتها مفهوم الموضوعية المطلوبة في العلم. وأصبح مفهوم الأيديولوجيا مرادفًا للتصلّب في الرأي، الذي غالبًا ما يكون على خطأ. والأيديولوجيا - في - رأي غيرتز تميل إلى التبسيط والتوضيح والتسطيح، ولو أدى ذلك إلى عدم إنصاف الموضوع المبحوث فيه. ويعطي مثاالً عن دور الأيديولوجيا في الدول «الجديدة»، أي التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة إندونيسيا، حيث بلغ التشويش الأيديولوجي مداه بامتزاجه مع التأثيرات الهندوسية والإسلامية والمسيحية والبوذية. في الفصل التاسع، وعنوانه «ما بعد الثورة: مصير القومية في الدول الجديدة»، يعيد غيرتز تسليط الضوء على سياسات الدول الجديدة التي نشأت بين سنتي 1945 و 1965، وخاصة الجيل الثاني من القادة الذين أتوا بعد القادة الملهمين الذين كانوا يتمتعون بكاريزما هائلة، مثل المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو

وسوكارنو والملك المغربي محمد الخامس ومحمد علي جناح وأحمد بن بلّه وجمال عبد الناصر. ثم يصف صعود الطبقة الوسطى، أي رجال الإدارة الذين ورثوا الطبقة الإدارية الاستعمارية. كما يصف المراحل الأربع التي مرت بها الفكرة القومية في هذه الدول، ليشرح التضاد القائم بين ما سامّه الذاتية الأساسية (المتعلقة بالخصائص الموروثة للعِرق أو الجنس والدِّين واللغة) والمعاصرة (السعي إلى اللحاق بركاب العالم المعاصر في النواحي السياسة والإدارية)، وخصوصًا في إندونيسيا والمغرب. ويخلص غيرتز إلى القول إن الروح القومية، كما الدِّين، كانت سببًا في الكثير من المآسي التي تعرّض لها الجنس البشري. ويتابع المؤلف غيرتز بحثه هذا في الفصل العاشر، تحت عنوان «الثورة التكاملية: المشاعر الفطرية والسياسية المدنية في الدول الجديدة». وهو يستخدم عبارة «الغرائزية» للإشارة إلى جميع المشاعر الفطرية التي تشكّل الهوية الذاتية لطائفة ما ضمن مجتمع أوسع وتميّزها في مقابل الطوائف الأخرى: مثل اللغة في الهند، والروح المناطقية في إندونيسيا، والتقاليد في المغرب، والمذهبية في العراق، واللغة والعرق في سري لانكا، والقبلية في كردستان، والعِرق والقومية في أفريقيا..، إلخ. ويخلص الكاتب إلى أن جميع التجمعات السكانية في «الدول الجديدة» تعيش حالة تمزّق وتوتر بين شعورين أو تيارين كبيرين، هما الرغبة في المحافظة على مكوّنات الهوية الذاتية من جهة، والرغبة في بناء دولة حديثة والانخراط الفاعل في المجتمع الدولي وسياساته من جهة أخرى. وهو يرى أن «الثورة التكاملية» تتجسد في دمج هذين الشعورين، بحيث لا يتحقق أحدهما على حساب الآخر. وينتقل المؤلف إلى بحث الوضع بشيء من التفصيل في عدد من هذه الدول الجديدة، في ضوء هذا التقسيم ومدى تحقق التكامل فيها. ومن هذه الدول: إندونيسيا ومالايا وبورما والهند ولبنان والمغرب ونيجيريا. لكنه يعمل على تحديث معلوماته بإضافة بعض المستجدات التي حصلت على صعيد التكامل في كل دولة من هذه الدول، منذ وقت الطبعة الأولى سنة 1973 إلى وقت نشر الطبعة الثانية سنة.2000 وتجدر الملاحظة هنا أن توصيف غيرتز لواقع هذه الدول، وخصوصًا الإسلامية والعربية منها، دقيق ويعربّ عن واقعها في هذا القرن الحادي والعشرين، مع أن الكتاب يعود إلى سنة 1973، وبعض المقالات يعود إلى الستينيات. فأزمة الهوية تهيمن على المجتمعات العربية والإسلامية الهندوسية، والصراعات العرقية والطائفية تمزق هذه الدول، خصوصًا في لبنان والعراق والهند وإندونيسيا وسيريلانكا ونيجيريا. لكن لا يمكن إغفال دور المستعمر الغربي في خلق هذه الانقسامات، تاريخيًا وفي الوقت الراهن، سواء في الهند وإندونيسيا وتقسيمهما، أو في احتلال العراق وإخراج مارد الطائفية من قمقمه وإذكاء الصراعات المذهبية والعرقية فيه.

سياسة المعنى

يعالج الفصل الحادي عشر، وعنوانه «سياسة المعنى»، حالة إندونيسيا، فيعود غيرتز إلى كتاب «التراث والسياسة في إندونيسيا» الذي اشترك في تأليفه مع عدة مؤلفين، بعد وقوع المجازر الأهلية التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف سنة 1964. ويلاحَظ تركيز المؤلف بشكل كامل على العوامل المحلية للأزمات التي تعانيها الدول الجديدة، وغضّ النظر بالكامل عن العوامل الخارجية، التي اصطُلح على تسميتها «لعبة الأمم»، ودور الدول الكبرى في تأجيج الصراعات الداخلية فيها. وفي الفصل الثاني عشر، يواصل غيرتز تحليل أوضاع الدول الجديدة تحت عنوان «السياسة في الماضي، السياسة في الحاضر: بعض الملاحظات حول استعمال الأنثروبولوجيا في فهم الدول الجديدة».

ويشرح المؤلف كيف أن مختلف العلوم، من علوم الاجتماع وعلم النفس والسياسة والتاريخ والاقتصاد والأنثروبولوجيا، تضافرت جهودها لدراسة المعطيات المنبثقة من تجارب الدول الجديدة المتشكّلة والمتعثّرة. ويقدم مثاالً هو النموذج الباليني في بالي الإندونيسية، حيث يعرض للتراث الباليني منذ القرن التاسع عشر، وكيف كانت الحياة البالينية في مجملها تدور حول الاحتفالات الطقوسية الدينية. يكرّس غيرتز الفصل الثالث عشر، وعنوانه «البدائي الذكي: حول عمل كلود ليفي ستراوس»، للحديث عن حياة هذا الأنثروبولوجي الفرنسي الشهير ومنجزاته ذات الأثر العظيم في ترسيخ هذا العلم في القرن العشرين. ويتركز الفصل على كتاب ليفي ستراوس مدارات حزينة الذي كان أشبه بسيرة ذاتية تقص بأسلوب شاعري رحلات ليفي ستراوس في أدغال أميركا اللاتينية بحثًا عن «الإنسان البدائي» في حالته الفطرية، في محاولة لفهم جوهر النفس الإنسانية قبل أن تغطيه غشاوات الحضارة. ويروي خيبة أمل ليفي ستراوس عندما وجد أنه لم يعد هناك وجود للإنسان البدائي، بصورته الرومانسية التي تستثير علم الأنثروبولوجيا، حيث إن وجود المجتمعات البدائية أصبح ملوّثًا بقذارات الحضارة الأوروبية. وحتى عندما وجد مجتمعًا بدائيًا في صورته الفطرية، لم يتمكن من النفاذ إلى قرارته بسبب الحواجز اللغوية والتراثية الكثيفة. لكن غيرتز كان يرى بصيص أمل بالنفاذ إلى جوهر الحياة الإنسانية، إن لم يكن من طريق العمل الميداني مع القبائل البدائية، فمن طريق دراسة آثارها وتجميعها وتنظيفها من قذارات الحضارة، لتكوين الصورة المطلوبة. في الفصل الرابع عشر، وعنوانه «الشخص والزمن والسلوك في بالي»، يعالج المؤلف الجوانب الثقافية في بالي التي تكوّن وتحدد مفهوم «الشخص» والجوانب المتعلقة بإدراك الزمن وجريانه. وهو يبدأ ببسط القول في تقسيم الأشخاص بحسب العلاقات الزمنية التي تربط بعضهم ببعض. فهناك السلف والمعاصرون الذين يعيشون معه في الزمن نفسه، والمصاحبون الذين تربطهم به علاقات مصلحة وعمل، والخلف. وينطلق غيرتز من ذلك كي يبنيّ الأنظمة البالينية لتعريف الأشخاص، ويعدد ستة تصنيفات تُستخدم في بالي لمخاطبة الشخص أو الإشارة إليه، وهي: الأسماء الشخصية؛ أسماء ترتيب الولادة في العائلة؛ مصطلحات النسب والقرابة؛ الكنية؛ استعمال اسم الابن في الإشارة إلى الأب؛ ألقاب المكانة الاجتماعية (الطبقية)؛ الألقاب العامة. أمّا الفصل الخامس عشر والأخير، وعنوانه «اللعب العميق: ملاحظات حول صراع الديكة في بالي»، فهو في الأصل مقالة كتبها ونشرها المؤلف غيرتز سابقًا، واستجرّت نقدًا ونقاشًا طويلين من المختصين في حقل الأنثروبولوجيا. وقد عدّت تمرينًا عمليًا في منهجية «التوصيف الكثيف» التي تعتمد تسليط الضوء على السياق في شرح الفعل الإنساني ولا تكتفي بسرد الوقائع. ويبدأ الفصل برواية خاضها غيرتز مع زوجته في بداية إقامتة في قرية في بالي، حيث كان الأهالي يتجاهلونهما كليًا. واستمرّ ذلك التجاهل حتى حصول حادث تعرّض فيه الزوجان مع الأهالي لمداهمة من الشرطة لقمع مباراة صراع الديكة، التي كانت محظورة قانونًا. وقد أضحى غيرتز بعد ذلك مقبوالً ومرحَّبًا به في المجتمع الباليني، بعدما وجد القرويون أن المصيبة جمعتهم. كما يروي غيرتز تفاصيل لعبة صراع الديكة وأهميتها بالنسبة إلى المجتمع، والأساطير التي تدور حولها وعمليات المراهنة على الديكة. ويستعير المؤلف عبارة «اللعب العميق» للفيلسوف البريطاني جيريمي بنثام للإشارة إلى الحالة النفسية والواقعية التي تسيطر على الباليني عندما ينغمس في المراهنة بشكل عميق مستغرق لأسباب لا شعورية إلى حد بعيد. فالباليني، بحسب غيرتز، لا يراهن لأجل المال ولا لأجل الجاه، بل لإثبات وجوده على نحو يدرك هو كنهه تمامًا.