Return to Article Details Toward an Arab Theory of Justice

العدل في حدود دِيونْطولوجيا عربيّة

Toward an Arab Theory of Justice

فهمي جدعان

Fahmy Gedaan

الملخّص

يطرح هذا البحث سؤالًا واضحًا: ما العدالة في سياق عربي؟ أو ما الذي ينبغي أن تكون عليه نظريةٌ عربيةٌ في العدالة؟ ومن أجل الإجابة عن ذلك السؤال، يقلّب الباحث أبرز نظريّات العدالة في الفكر الغربي المعاصر (النظريّة النفعية، نظرية المساواة الليبرالية، النظريّة الليبرتارية، النظرية الماركسية، النظرية الجماعتيّة، النظريّة النسوية)،كما يقلّب معاني العدل والعدالة في الاستخدام العربي الموروث، ماضيًا وحاضرًا، حاصرًا أصنافًا للعدل )العدل الكلامي، العدل الفلسفي الأخلاقي، العدل الشرعي، العدل السياسي والاجتماعي.

Abstract

What is justice in an Arab context? Or what should an Arab theory of justice consist of? In an attempt to answer these questions, this paper investigates the main theories of justice in contemporary Western thought, such as utilitarian, liberal, libertarian, Marxist, communitarian, and feminist theories. It also examines traditional Arab notions of justice, both past and present, and categorizes the forms of justice—verbal, ethical/philosophical, theological, and political/social justice. The paper then argues that the theory of interest that is inspired from our doctrinal tradition, and which is based on the notion of general interest—which implies political and social justice—can be employed to form an Arab theory of social justice, when added to other elements inspired from the main Western theories of justice. Such a theory can be founded on the notion of utility serving the public good, and the liberal tradition that is based on solidarity. An Arab theory of justice should seek to reinforce the principle of the general interest and achieve gender equality by providing an interpretive and creative reading of the religious texts that stresses the notion of equality, even if these texts had been employed in the past to justify unequal and unfair treatment.

الكلمات المفتاحية:
  • النظرية النسوية
  • العدل الشرعي
  • العدل السياسي
Keywords:
  • justice
  • Marxist
  • libertarian
  • religious

يطرح هذا البحث سؤالا واضحًا: ما العدالة في سياق عربي؟ أو ما الذي ينبغي أن تكون عليه

نظريةٌ عربيةٌ في العدالة؟ ومن أجل الإجابة عن ذلك السؤال، يقلّب الباحث أبرز نظريّات العدالة

في الفكر الغربي المعاصر (النظريّة النفعية، نظرية المساواة الليبرالية، النظريّة الليبرتارية، النظرية

الماركسية، النظرية الجماعتيّة، النظريّة النسوية) كما يقلّب معاني العدل والعدالة في الاستخدام

العربي الموروث، ماضيًا وحاضرًا، حاصرًا أصنافًا للعدل (العدل الكلامي، العدل الفلسفي

الأخلاقي، العدل الشرعي، العدل السياسي والاجتماعي). وهو ينتهي من كل ذلك، إلى أن

نظرية «المصلحة»، المستمدّة من تراثنا الفقهي والقائمة على مبدأ «الخير العام» وتقع في صنف

«العدل السياسي والاجتماعي»، يمكن أن تُدمَج في مركّب نظرية عربية في «العدالة الاجتماعية»

إلى جانب عناصر مستمدّة من نظريات العدالة الغربية الكبرى: المنفعة الضاربة في الخير العام،

الليبرالية التكافلية أو التضامنية الحافظة للحرّيات الأساسيّة والمساواة في الفرص وفي توزيع

الخيرات الاجتماعيّة مع الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد والفئات الأقلّ حظًّا، وتعزيز القواعد

الحامية للهويّة في إطار تنمية القدرات والملكات الفرديّة الحريصة على الجمع بين خير الفرد وخير

الجماعة واجتناب مخاطر «الأنا الذرّية» الفردانية والنرجسيّة، وتعزيز مبدأ الخير العام، وإرساء

بنيان المساواة النسويّة بإبداع قراءة تأويلية مساواتية للنصوص الدينيّة التي يفيد ظاهرها المتشابه

أوضاعًا لامساواتية وغير عادلة.

المؤلّفات اللافتة.

1 أستخدم في هذا القول، المصطلح المعرّب: «دِيونْطُولوجيا » Deontology()، وهو لفظ اشتقّه جيرمي بنتام من الجذر اليوناني deon

الذي يعني: واجب – ليدلّعلى حقل «الأخلاق» التي «ينبغي» أو «يجب» اختيارها من حيث إنها تمثّل «ما يناسب» أو «ما يلائم» حياة

مجتمعية طيّبة أو هانئة أو سعيدة. يقابل هذا المعنى لهذه «الأخلاق» وجه آخر هو الأخلاق بمنظور أكسيولوجي، وهي تبحث في طبيعة

القيم وماهيّتها من دون أن تحدّد للفرد، أو المجتمع ما ينبغي أن يأخذ به منها عمليًّا. كما أنّ المصطلح يستخدم للدلالة على حقل «الأخلاق

المُطبَّقة» التي ينبغي التقيّد بها واحترامها وتطبيقها في حقولٍمهنية خاصّة، كالطبّ والبيئة والإعلام والسياسة والتكنولوجيا... إلخ.

في غياب العدل، «الحياة قضيّة لا تغطّي تكاليفها»؛

في حضوره، تستوفي خير ما يجب لها.

قد لا يكون من فضل القول أن أنبّه، في مبدأ هذا المبحث، على أنّ هذا المصطلح، مصطلح «العدل»،

يختلط في الاستخدام العربيّ المعاصر بمصطلحٍ آخر أكثر تداوالً هو مصطلح أو لفظ «العدالة». لكن

الحقيقة أنّ هذين المصطلحين أو اللفظين، لا يدالّن على المعنى نفسه.

يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد: «إعلم أنّ العدل مصدر عدَل يَعْدِل عدالً؛ ثمّ قد يُذكر ويُراد به الفعل، وقد

يُذكر ويُراد به الفاعل. فإذا وُصف به الفعل، فالمراد به كلّ فعل حسن يفعله الفاعل لينفع به غيره أو ليضرّه؛ إلاّ

أنّ هذا يقتضي أن يكون خلْق العالم من الله تعالى عدالً، لأنّ هذا المعنى فيه. وليس كذلك، فالأَولْى أن نقول: هو

توفير حقّ الغير، واستيفاء الحقّ منه». وهذا المعنى الذي يجعل من العدل وضعًا حقوقيًّا، هو على -وجه التحقيق- أبرز المعاني التي يوجّه إليها لفظ

«العدالة» حين يراد له أن يكون معربًّا عن معنى المصطلح غير العربي Justice. أمّا العدالة في الاستخدام العربيّ

الموروث، فإمّا أن تعني الاستقامة والاستواء والنزاهة والميل إلى الحقّ ومتَثّل جملة الفضائل الشرعية واجتناب

الأفعال الخسيسة، وإمّا أن تعني ما أثبته ابن خلدون في باب «الخطط الدينيّة الخلِافيّة» من المقدّمة، إذ جعل

هذه الخطط في خمسٍ هي: إمامة الصلاة، والفتيا، والقضاء، والعدالة، والحسبة والسكّة؛ وفي العدالة يقول: هي

«وظيفة دينيّة تابعة للقضاء ومن موارد تصريفه. وحقيقة هذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس

فيما لهم وعليهم، تحماّلً عند الإشهاد وأداءً عند التنازع، وكتابًا في السجالّت يحفظ به حقوق الناس وأملاكهم

وديونهم وسائر معاملاتهم (..). وشرط هذه الوظيفة الاتّصافُ بالعدالة الشرعيّة والبراءةُ من الجَرْح، ثمّ القيامُ

بكتاب السجالّت والعقود من جهة عبارتها وانتظام فصولها، ومن جهة إحكام شروطها الشرعيّة وعقودها،

فيُحتاج حينئذ إلى ما يتَعلّق بذلك من الفقه. ولأجل هذه الشروط وما حيُتاج من المران على ذلك والممارسة له،

اختُصّ ذلك ببعض العُدول، وصار الصنف القائمون به كأهنّم مختصّون بالعدالة؛ وليس كذلك؛ وإنمّا العدالة

من شروط اختصاصهم بالوظيفة». ومع ذلك فإنّني، دفعًا لأيّ لبسٍ، سأتوجّه في هذا القول إلى استخدام لفظَي «العدل» و«العدالة» بالمعنى نفسه

لسببين: الأوّلأنّ «العدالة»، بمعنى العدالة الشرعيّة أو الوظيفة الدينيّة التابعة للقضاء، باتت مصطلحًا ينتمي

إلى الدولة الخلافية أو الدينية التاريخية التي هي ليست مناط البحث والنظر هنا؛ الثانيأنّ مصطلح العدالة،

بمعنى العدل، قد استقرّ في مخيالنا الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي والقانوني، وحَلّ في المكان نفسه الذي

2 أبو الحسن بن محمد عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تعليق أحمد بن الحسين بن أبي هاشم؛ حققه وقدم له عبد الكريم عثمان

(القاهرة: مكتبة وهبة، 1965)، ص.301

3 ورد في (كتاب التعريفات) للشريف الجرجاني: «العدالة في اللغة الاستقامة، وفي الشريعة عبارة عن الاستقامة على طريق الحق

بالاجتناب عما هو محظور دينه (؟)»، و«العدل عبارة عن الأمر المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط. وفي اصطلاح النحوييّن خروج

الاسم عن صيغته الأصلية إلى صيغة أخرى. وفي اصطلاح الفقهاء من اجتنب الكبائر ولم يصرّ على الصغائر وغلب صوابه واجتنب

الأفعال الخسيسة (..) وقيل العدل مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحقّ»، انظر: علي بن محمد الجرجاني،

كتاب التعريفات، تحقيق غوستاف فلوغل (بيروت: مكتبة لبنان، [د. ت.])، ص. 152

4 أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، «المقدمة،» الكتاب 1، الجزء 1، في: أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، كتاب العبر

وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، قرأه وعارضه بأصول المؤلف وأعد معاجمه

وفهارسه إبراهيم شبوح وإحسان عباس (تونس: دار القيروان، 2006)، ص.383

يحتلّه العدل، وأصبح ذا قوّة وجذبٍ وسلطة في الاستخدام المعاصر. وأنا، في كلا اللفظين، سأصدر عن المعنى

الذي أشار إليه القاضي عبد الجبار في أمر «العدل»، من حيث هو «توفير حقّ الغير، واستيفاء الحقّ منه»، أي

تأدية الحقوق وردّ الحقوق إلى أصحابها، وما يلحق بهذا المعنى من متعلّقات ومن وجوه تنتظم بها أحوال الدنيا،

وسياسة الدولة، وحياة المجتمع ومعاشه. كما أنني سأربط كلا اللفظين بالمعنى أو بالمعاني التي ينطوي عليها

المصطلح المتداول في الفلسفة السياسيّة المعياريّة وفي الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، والمنحدر من أرسطو، أعني

المصطلح Justice الإنكليزي أو dikaiosunè اليونانيّ. ليس القصد أن أستقصي هذا المفهوم في المعطيات التاريخية العربيّة الإسلاميّة، لكنّ استحضارًا وجيزًا للأوجه

الرئيسة منه يظلّ ضروريًّا، ما دام بعضها ممتدًّا في الحاضر ويطلب أن يؤخذ في الحسبان في أيّ نظرٍ حاليّ.

يعلم الواقفون على جملة التراث العربيّ الإسلاميّ – الفقهي والكلامي والفلسفي - المكانة العظمى التي يحتلّها

مفهوم العدل في هذا التراث، وذلك على الرغم من تفاوت المعنى والمضمون اللذين ينطوي عليهما هنا وهناك.

ولا أحدَ يجهل أنّ القرآن نفسه قد خصّ هذا المفهوم بمكانةٍ مركزية وجعله موضوع أمر إلهيّ وصِفة ثبوتية

من صفات الله نفسه. ففيه، وفي الأحاديث النبويّة، يتكرّر الأمر بالعدل، والحكم بالعدل، وبالحقّ، وبالقسط،

وبالميزان، مثلما يتكرّر النهي عن الظلم والجور، وتنزيه الله عن أن يتّصف بهما.

أمّا فقهاء الأحكام السلطانية والسياسة العقلية، فقد استغرقوا في مديحه ووصفه والتنويه بنتائجه وآثاره من

دون أن يقفوا على تعريفه وبيان ماهيّته. ثمّ إهنّم ربطوا بينه وبين صلاح العمران والدولة والمُلك، وجعلوا

صلاح الدنيا وانتظامها ودوام العمران ونموّه وفوزه، مرهونةً به. فهو «قوام المُلك ودوام الدول وأُسّ كلّ مملكة

سواء كانت نبويّة أو صلاحية». وضدّه، الظلم، «مؤذن بخراب العمران»؛ وهو «ميزان الله في أرضه، وضعه

للخلق ونصبه للحقّ، فمن خالفه في ميزانه وعارضه في سلطانه فقد عرّض دينه للخبال ودولته للزوال وعزّه

للذلّ وكثرته للقِلّ»؛ و «كلّ دولة بُني أساسها على العدل أمنت الانعدام وسلمت الانهدام»؛ وقيل إنّ النبيّ

(ﷺ) قال: «عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستيّن سنة»؛ وقال بعض الحكماء: «عدل السلطان خير من

خِصب الزمان»؛ وقال أردشير: «المملكة لا تصلح إالّ في عِداد الأجناد، ولا تعدّ الأجناد إلاّ بإدرار الأرزاق،

ولا تدرّ الأرزاق إلاّ بكثرة الأموال، ولا تثمر الأموال إلاّ بعمارة البلاد، ولا تَعْمُر البلاد إالّ بالأمن والعدل في

العباد». وإلى ذلك ذهب الماوردي، إذ أكّد أنّ صلاح الدنيا وقواعد المُلك تستقيم بالدين المتّبع، والسلطان

5 يذهب ناصيف نصار في تحليله لمفهوم العدل بالنسبة إلى السلطة السياسية إلى أنّ العدل «ترتيب اجتماعي يعترف لكلّ ذي حق

واستحقاق بحقّه واستحقاقه، ويتيح له أن يتمتّع به، وأن يقوم بالواجب المصاحب له، تحت شروط معيّنة»، انظر: ناصيف نصار، منطق

السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر (بيروت: دار أمواج، 1995237)، ص؛ لكنه أيضًا، في كلامه عن العدل الاجتماعي، يستخدم المصطلح

المتداول (العدالة الاجتماعية)، ويوجّه معناها إلى «محبّة العدل وطلبه والسعي إليه والفرح بتحقيقه»، وأنّ مفهومها «يوجّه الإدراك نحو

الذاتية ونحو التمييز بين العدل الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، تمشّيًا مع قاعدة التمييز بين الموضوعي والذاتي» (المصدر المذكور، ص

241-240). وهذا المعنى من تقديره، وبه يتميّز ويتفرّد.

Majid Khadduri, The Islamic Conception of Justice (Baltimore: Johns Hopkins University Press, عالج هذا الموضوع في:6

الترجمة العربية: مجيد خدوري، مفهوم العدل في الإسلام (دمشق: دار الحصاد، 1998). كما أنّ الباحث عرض لبعض وجوهه في البحث

الذي قدّمه إلى: The Seventh East-West Philosophers Conference() الذي عُقد في هونولولو بجزيرة هاواي في الولايات المتّحدة

الأميركية سنة 1988، بعنوان: Justice and Democracy - Islamic Perspectives“ “ وترجمته العربية منشورة في كتاب: فهمي جدعان،

رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002)، ص.217-187

7 القرآن الكريم: «سورة الحجر،» الآية 92؛ «سورة النساء،» الآية 16؛ «سورة الأنفال،» الآية 180؛ «سورة آل عمران،» الآيات 100،

106 و 110؛ «سورة التوبة،» الآية 113؛ «سورة يوسف،» الآية 24، و«سورة لقمان،» الآية 16... وغيرها كثير.

8 محمد بن علي بن أبي علي القلعي، تهذيب الرياسة وترتيب السياسة، تحقيق إبراهيم يوسف مصطفى عجو (عمان: مكتبة المنار، 1985)،

ص.190-189

القاهر، والعدل الشامل، والخِصب الدارّ في المكاسب والموادّ، والأمل الفسيح في أحوال الدنيا والعمران، أي

بأسس دينيّة وسياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة ونفسيّة، احتفت بها كتب «مرايا الملوك والأمراء» أيمّا احتفاء.

وأبرز فقهاء «المقاصد» على نحوٍ فذّ القيمة الرفيعة لمبدأ «المصلحة» المنوطة بالعدل، إذ عرّفوا السياسة بأهنّا «ما

كان فعالً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه رسول ولا نزل به وحي»، وأنّ

المقصود الشرعي هو «إقامة المصلحة ودرء المفسدة»، أو «تحصيل مصلحة ودرء مفسدة». وقد يكفي هنا، لتعزيز

الجوهريّ في هذا النظر، استحضارُ قول ابن قيم الجوزية: «فإنّ الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط،

وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحقّ وقامت أدلّة العقل وأسفر صبحه

بأيّ طريق كان، فثمّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلّته وأَماراته في نوعٍ واحد

وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلّ وأظهر، بل بنيّ، بما شرعه من الطرق، أنّ مقصوده إقامة الحقّ

والعدل وقيام الناس بالقسط، فأيّ طريق استخرج بها الحقّ ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها.

والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذاتها وإنمّا المراد غاياتها التي هي المقاصد». واتّسع النظر في العدل ليطاول علم الكلام التقليدي والفلسفة المنحدرة عن الإغريق، حتّى بات من الممكن تجريد

جملة من الأصناف التي يتّخذ فيها العدل هذا الشكل أو ذاك. وقد نستطيع حصر هذه الأصناف في الوجوه التالية:

الوجه الأوّل: العدل الكلامي، أي العدل المتعلّق بأفعال الله وأهنّا عادلة لا ظلمَ فيها ولا شرّ، والعدل المتعلق

بأفعال الإنسان وأهنّا حرّة – على مذهب المعتزلة والقدريّة - مكتسبة على مذهب الأشاعرة، مقيّدة أو قسريّة على

مذهب الجبرية. وفي نظريّة المعتزلة في العدل يُصار إلى إقامة علاقة ضرورية بين العدل والخير، فالعادل خريّ.

الوجه الثاني: العدل الفلسفي الأخلاقي الذي ينحدر من أفلاطون وأرسطو على وجه الخصوص ويتعلّق به جميع

فلاسفة الإسلام، إذ يجعلون العدل جماع فضائل النفس الإنسانيّة وكمالها وتوازنها واعتدالها: الحكمة، والشجاعة

أو النجدة، والعفّة، والعدل. وفي هذا الصنف من العدل أيضًا لا ينفصل العدل عن الخير.

9 أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، أدب الدنيا والدين، حققه وعلق عليه مصطفى السقا، ط 3 (القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى

الباقي الحلبي وأولاده، 1955)، ص.78

10 هكذا في الطبعات المتداولة من كتاب ابن قيم الجوزية، وهكذا أثبتها المحدثون (جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة)، لكن

الأصحّ، وفقًا للسياق: العدل. ويَبْعد أن يكون ابن القيم ومن أخذ عنه قد جعل ل (العقل) هذه المكانة.

11 أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، راجعه وقدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، 4

ج (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1970-1968)، ج 4، ص 373، وفهمي جدعان: «في العدالة والشورى والديمقراطية،» في:

جدعان، 217-187 رياح العصر، ص، وفي الخلاص النهائي: مقال في وعود النظم الفكرية العربية المعاصرة، ط 2 (بيروت: الشبكة

العربية للأبحاث والنشر، 2012)، ص 150-145.

12 في التمييز الذي يقيمه الفارابي بين المدينة الفاضلة ومضادّاتها من المدن الجاهلة، يجعل التعاون والاجتماع لنيل الخير الأفضل والكمال

الأقصى مبدأ لبلوغ السعادة في الحقيقة، بينما يجعل «التغالب والتهارج» اللذين يطلبان السلامة واليسار والكرامة واللذّات، بقهر كلّ طائفة

أو قبيلة أو مدينة لغيرها، مبدأ لنيل السعادة. ويضيف أنّ «هذه الأشياء هي التي في الطبع، إمّا في طبع كلّ إنسان أو في طبع كلّ طائفة،

وهي تابعة لما عليه طبائع الموجودات الطبيعية. فما في الطبع هو العدل. فالعدل إذًا التغالب. والعدل هو أن يقهر ما اتّفق منها. والمقهور

إمّا أن يُقهر على سلامة بدنه، أو هلك وتلف، وانفرد القاهر بالوجود، أو قهر على كرامته وبقي ذليالً ومستعبدًا تستعبده الطائفة القاهرة

ويفعل ما هو الأنفع للقاهر في أن ينال به الخير الذي عليه غالب ويستديم به. فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضًا من العدل. وأن يفعل

المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضًا عدل. فهذه كلّها هي العدل الطبيعي، وهي الفضيلة. وهذه الأفعال هي الأفعال الفاضلة. فإذا

حصلت الخيرات للطائفة القاهرة فينبغي أن يعطي من هو أعظم غناء في الغلبة على تلك الخيرات من تلك الخير أكثر، والأقلّ غناء فيها

أقلّ. وإن كانت الخيرات التي غلبوا عليها كرامة، أعطى الأعظم غناء فيه كرامة أكبر، وإن كانت أمواالً أعطى أكثر. وكذلك في سائرها.

فهذا هو أيضًا عدل طبيعي عندهم. قالوا: وأمّا سائر ما يسمّى عدالً، مثل البيع والشراء، ومثل ردّ الودائع، ومثل أن لا يغصب ولا يجور،

وأشباه ذلك، فإنّ مستعمله إنمّا يستعمله أواّلً لأجل الخوف والضعف وعند الضرورة الواردة من خارج»، انظر: أبو نصر محمد بن محمد

الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ترجمة يوسف كرم، ج. شلالا وأ. جوسن (بيروت: [اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع]، 1980)

ص 102-101 و 136-135. وليس يخفى أنّ مدينة الفارابي هي مدينة التعاون والاجتماع. أمّا مدينة التغالب والتهارج التي يدور عليها

هذا النصّ وتقوم على أنّ «ما في الطبع هو العدل» فهي مدينة السفسطائييّن: بولوس وكاليكليس، وخاصّة ترازيماخس.

الوجه الثالث: العدل الشرعيّ الذي يتقوّم بمبدأَي الحلال والحرام وبإنفاذ الأوامر والنواهي التي انطوت عليها

الشريعة من حيث هي تعربّ عن إرادة الله العادل وأحكامه، وتتوخّى تحقيق مكارم الأخلاق، والخير العامّ،

وسعادة الدارين، والمصلحة، وردّ الأمانات والحقوق إلى أصحابها. وبهذا العدل، في دين الإسلام، توزن جميع

أنواع العدل الأخرى ومظاهره. ويلحق به ما يسمّى «العدل الإجرائي»، أي العدل المتعلّق بضبط الإجراءات

القضائية وإحكامها وسلامتها ونزاهتها. الوجه الرابع: العدل السياسي والاجتماعي، وقد اختّذ في التجربة التاريخية ما سُمّي السياسة الشرعيّة، وهي تُعنى

بإصلاح العلاقات بين الراعي والرعيّة، وبتحقيق المصلحة العامّة في مختلف المؤسّسات والتنظيمات السياسية

والاجتماعية وبتطبيق مقاصد الشريعة، درءًا لفساد العمران وأفول الدول. وفي العصر الحديث، وبتأثيرٍ من الفكر الليبرالي الغربيّ الحديث، وخاصّة من فلاسفة الأنوار الفرنسييّن، استمرّ

مفهوم العدل - – وقد قُرن بمفهوم الحرّية في احتلال مكانة مركزيّة لدى مفكّري النهضة العرب في القرنين

التاسع عشر والعشرين. واستوى في ذلك المفكّرون العرب، المسلمون والمسيحيون: رفاعة الطهطاوي،

وخير الدين التونسي، وأحمد بن أبي الضياف، وفرح أنطون، وشبلي الشميل، وأديب إسحاق، وسلامة موسى،

وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين... وسواهم، إذ أشادوا جميعًا بالحكم المؤسّس على الحكمة

والعدل والحرّية (). غير أنّ مفهومَي العدل والحرّية، في أعمال هؤلاء جميعًا، ظالّ من بعض لواحق «الأنوار»

وفواعلها وظلالها، مثلما أنهما كانا استجابة «وقتية» مباشرة لمطالب العصر.

13 يطلق مجيد خدوري على هذا العدل مصطلح «العدل الإلهي» ويرى أنّ العلماء كانوا متّفقين على «أنّ العدل الإسلامي في صورته

المثاليّة تعبير عن العدل الإلهي» وهو يوجز مصادره وافتراضاته على النحو التالي:

«أوّلاًَ: لما كان منشأ العدل من مصدر إلهي بالغ السموّ، فإنّ الإنسان لا يستطيع أن يحدّده إلاّ بالدليل المتوافر له. ومثل هذا الدليل لا يمكن

بالنسبة للبعض أن يوجد إالّ في الوحي. وأصرّ آخرون على أنّ العقل ضروريّ لفهمه. واعرتُف بالمنهجين في نهاية المطاف. لكن الوحي

كان ولا يزال يُعَدّ هو الذي يوفّر الدليل الأهمّ.

ثانيًا: يتطابق العدل مع الصفات الإلهية، لهذا لم يكن العدل مفهومًا بسيطًا يسهل على العلماء تحديده أو تعريفه بمصطلحات بشرية. فعدّه

بعض المفكّرين تجسيدًا لأسمى الفضائل الإنسانية، ورأى آخرون أنه فيض مباشر من الله، وعدّوه معادالً للكمال الإلهي. واتفقوا جميعًا

على أن العدل، سواء بمعيار إلهي أم بمعيار إنساني، فكرة مثالية يسعى الإنسان إلى تحقيقها في فضائلَإنسانية مهمّة.

ثالثًا: إنّ موضوع العدل الإلهي Subject هو أولئك الذين آمنوا بالله الواحد العادل. وأمّا الآخرون -أي بقيّة بني البشر- فهم هدف ذلك

العدل Object. والعدل الإلهي، مثل شريعة الله، ليس كامالً وحسب، بل هو أبديّ، بصرف النظر عن الزمان والمكان. وهو مُعَدّ من أجل

تطبيقه على كلّ البشر، وباستطاعة حتّى الذين لا يؤمنون بالله الواحد أن يلوذوا به إن أرادوا.

رابعًا: إنّ معيار العدل، سواء قرّره العقل أم قرّره الوحي، يبنيّ للناس سبييلَ الصواب والخطأ، فيتبع الجميع، كلّ حسب الضوء الذي

يهتدي به، الصواب، ويتجنبون الخطأ من أجل تحقيق الخير في الدنيا والخلاص في الآخرة؛ وبعبارةٍ أخرى من أجل تحقيق السعادة في

كليهما»، انظر: خدوري، ص.224-223

14 في فصلين بارزين من فصول (المقدمة)، يقف ابن خلدون على دور القهر والجور والظلم في حياة المُلك والدولة من وجه، والعمران

من وجهٍآخر. ف «إرهاف الحدّ مضرّ بالمُلك ومفسد له في الأكثر» (ابن خلدون، «المقدمة،» الكتاب 1، الجزء 1، ص 332-330)؛

والظلم – وبخاصّة ما تعلّق منه بما هو اجتماعي- اقتصادي من أبواب المعاش والتحصيل والكسب وما يطال الاعتداء على الناس في

أموالهم ومكاسبهم -د كساد أسواق العمران وانتقاص الأحوال واختلال حال الدولة، وهو «مؤذن بخراب العمران» وعائد على يولّ

الدولة بالفساد والوبال والانتقاض (المصدر المذكور، ص 93-491.)4 وخالص الأمر أنّ العدل هو الضامن للمُلك والعمران، وأنّ

النظر السياسي العقلي والنظر الشرعي كليهما يتقومان به.

15 انظر: ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، 1939-1798، ترجمة كريم عزقول (بيروت: دار النهار، 1968[])؛

فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكّري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط 4 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010)،

وعزت قرني، العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة، عالم المعرفة؛ 30 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،

يفصلنا اليوم عن التجربة التاريخية قرون متطاولة، وعن عصر النهضة، قرن وبعض القرن. وجميع المعطيات

والظروف التاريخية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية قد طاولها التغريّ والتبدّل والتطوّر، على نحوٍ

بطيء في بعض المواطن، متسارع متعاظم في بعضها الآخر. وما عدنا اليوم ما كنّا عليه بالأمس، على الرغم ممّا

يفرزه قرننا الجديد من تطوّرات يجنح بعضها إلى إعادة إنتاج الماضي البعيد، الماضي «السلفي». ولقد ظلّ القرن

العشرون متعطّشًا لجملة القيم والمبادئ التي حقّقت للغرب الحديث التقدّم والظفر والرفاهية. ذلك أنّ الحقبة

الاستعماريّة والحقبة «الوطنية» كلتيهما، لم متَُتِّعا هذا العالم إلا بأطياف الحداثة وأوهامها. فقد ظلّت جميع القيم

والغايات التي سعى لتحقيقها مفكّرو النهضة وقوى الحرّية والتحرّر العربية مصابة في الصميم. وإذا كانت

مطالع القرن الجديد تعلن تطوّرات متفاوتة العمق في أحوال عددٍ من الأقطار العربيّة، فإنّ هذه التطوّرات،

وخاصّة منها ما يتعلّق بالعدل والحرّية، تجتاز أوضاعًا عصيبة ومخاطرَ حقيقية، وذلك بسبب اختلاط وقائعها

واضطراب أهدافها ونجاح بعض القوى المضادّة للتقدّم في حيازتها، فضالً عن التدخّل الكبير لقوى الهيمنة

الخارجية الساعية لتجريد الوقائع الجديدة من غائياتها الأصلية الحقيقية وتزييفها. في أتون هذا الحراك يراد

للحرّية «المبرمجة»، تارةً حقيقية وتارةً زائفة، أن يكون لها السبق والأولويّة والقطع، ويُقصى العدل إقصاءً تامًّا،

على الرغم من أنّ جميع القرائن تشير إلى أنّ «الشرّ الاجتماعي» الشاخص في غياب العدل في جملة القطاعات

الإنسانيّة العربيّة، يطلب علاجًا مباشرًا ومقاربة جذريّة وأسبقية في التدخّل.

والسؤال الذي يحكم القول هنا هو التالي: إذا كان العدل هو المبدأ الأسمى الذي تطلبه مجتمعاتنا ومؤسّساتنا

ودولنا اليوم، وأنه، مثلما يقول جون رولز في نظريّة العدالة، «الفضيلة الأولى للمؤسّسات الاجتماعية»، فما هي

طبيعة هذا المبدأ؟ وما هي النظرية التي تلائم أوضاع مجتمعاتنا وتأذن بتحقيق أكبر قدرٍ من «طيب العيش»، إذ

إنّ العدل، مثلما يقول بول ريكور، جزء متمّم لأمنية العيش الطيّب أو هناءة العيش. والمسألة في نهاية التحليل

مسألة أخلاقية، والسؤال الذي يُطرح هنا وينتمي إلى حقل الأخلاق، مثلما يقول ريكور مرّةً أخرى، ليس: ما

الذي ينبغي لنا أن نفعله؟ وإنمّا: كيف نريد أن نقود حياتنا؟ وهذا الوضع للسؤال يمثّل في حقيقة الأمر انتقاالً

من المنظور الأخلاقي الغائيّ إلى المنظور الأخلاقي الديونطولوجي.

في المعطيات الثقافية العربيّة الإسلاميّة، وفي المجال السياسي والاجتماعي والفقهي، أو القانوني، لا نجد «نظرية»

في العدل، وإنمّا نجد وقائعَ أو إجراءاتٍ أو حالات توصف بأنها عادلة أو ظالمة أو جائرة، ويتعذّر تجريد نظريّة

منها. ونحن لا نجد هذه النظرية إلاّ في النظم الفلسفية المستقاة من الإغريق، وهي نظم تتردّد ما بين فلسفة

أكسيولوجية في الأخلاق عند أفلاطون قوامها فضائل النفس العاقلة والغضبية والشهوية (الحكمة والشجاعة

والعفّة، ومجِاعها العدل)، وبين فلسفة عملية في السياسة المعيارية، عند أرسطو، قوامها «العدل التوزيعي» الذي

بإخراجه المرأة والعبيد والأجانب من «جنّة الحرّية والمساواة»، يخرج على العدل.

أمّا نظرية العدل الكلامي، فإهنّا تنطوي على مبدأين إيجابييّن: الأوّل أنّ الله خيرٌ مطلق؛ والثاني أنّ الإنسان حرّ

مسؤول عن أفعاله. وكلاهما ذو جدوى في عملية التقدّم الإنساني والاجتماعي.

وأمّا العدل الشرعي (أو القانوني)، فإنه، بكلّ تأكيد، ينطوي على قدرٍ عظيم من الأحكام القمينة بالاعتبار

والمراجعة في أيّ نظر ديونطولوجي عربيّ معاصر، لسببٍ بنيّ هو أنّ الفاعل الديني يظلّ أحد الفواعل الأساسية

في المعطى العربيّ الراهن.

16 أفاض بول ريكور القول في هذه المسائل في مباحثه القيّمة في: (Paris: Éd. Esprit, 1995). Le juste, Philosophie Paul Ricoeur,

لا شكّ - – وقد ألمعت إلى ذلك في أنّ عصر النهضة العربيّ قد خَصّ مفهوم العدل بمكانةٍ رفيعة، وأنّ هذا العدل

ظلّ حلامً يداعب جميع حركات النهضة والتحرّر إلى أيّامنا هذه. بيد أنّ الوسع لم يبذل على نحو كافٍ من أجل الإبانة

عن طبيعته الذاتية وعناصره المكوّنة. وربمّا يكون الاهتمام الأبرز الذي توجّه إلى هذا المفهوم في القرن الماضي – إذا ما

استثنينا بطبيعة الحال النظريّة المساواتية التي استقتها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية العربيّة من مثيلاتها في الاحتّاد

السوفياتي وأوروبا الغربية- هو ذاك الذي مثّله عمل الإسلاميّ سيّد قطب في منتصف القرن الماضي، أعني ما ساقه

في كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام (1951) الذي، على الرغم من طابعه الأيديولوجي المقترن بفكر «جماعة

الإخوان المسلمين» وعملها، يظلّ ينتمي إلى التيّار «التكافلي» في فكر النهضة العربيّ، وهو التيّار الذي روّج لمفاهيم

«التكافل العامّ» أو «عدل القوام»، عند رفيق العظم على وجه الخصوص، وجنح من بعد ذلك إلى مفاهيم «الجماعية

الإسلاميّة» عند عبد الرحمن البزاز، و«اشتراكية الإسلام» عند مصطفى السباعي الذي ينتمي هو أيضًا إلى «جماعة

الإخوان المسلمين». والخصيصة التي تسم عمل قطب هي محاولته تقديم نظرية في «العدالة الاجتماعية» تستند إلى

«رؤية لاهوتية» منطلقها ما يسمّيه «الوحدة الكونية المتكاملة» الصادرة عن الإرادة المطلقة المباشرة لله، وهي وحدة

يشتقّ منها مبدأ التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، وأنّ الإسلام الذي هو دين التوحيد يعني وحدة جميع القوى

الكونيّة، وفي الوقت نفسه هو يعني وحدة – والحقيقة ثنائيّة - العبادة والمعاملة، والعقيدة والسلوك، والروحيات

والمادّيات، والقيم الاقتصاديّة والقيم المعنويّة.

يُرَتّب على ذلك أيضًا أنّ العدالة الاجتماعية عنده، أي العدالة في الإسلام وفق تصوّره، هي عدالة إنسانيّة شاملة

لا عدالة اقتصادية محدودة، أي أهنّا عدالة تمتزج فيها القيم المادّية بالقيم المعنويّة والروحية امتزاجًا لا انفصامَ

معه. ثمّ إنها عدالةُ تراحمٍ وتوادّ وتكافل لا عدالة تنازع وصراع بين الطبقات. وذلك لا يلغي القول إهنّا «إطلاق

للطاقات الفرديّة والعامّة»، كما أهنّا لا تعني عدالة المساواة في الأجور، وإلغاء التفاوت الاقتصاديّ، وإنمّا هي

«عدالة مساواة إنسانيّة»، لأنّ الإسلام قرّر مبدأ المساواة الإنسانيّة ومبدأ العدل بين الجميع لكنّه «ترك الباب

مفتوحًا للتفاضل بالجهد والعمل»، وقرّر إباحة الفرص المتساوية للجميع، مقيامً «العدالة» على ثلاثة أسس:

التحرّر الوجداني المطلق والعبودية لله وحده، والمساواة الإنسانيّة في الحقوق والواجبات والتفاضل بالتقوى،

والتكافل الاجتماعي باعتبار المصلحة العليا للمجتمع وربط الحرّية الفرديّة والمساواة الإنسانية بهذه المصلحة

وبسياسة خاصّة للمال تقوم على حقّ الملكيّة الفردية وفق شروطٍ وقيودٍ محدّدة، وأخذًا بمبادئ «المصالح المرسلة»

و«سدّ الذرائع» التي تمنح الحاكم «سلطة مطلقة لتدارك كلّ المضارّ الاجتماعيّة».

والحقيقة أنّ عملية التنظير التي أقدم عليها سيد قطب تفتقر إلى الأساس الفلسفي والعلمي الذي تقوم عليه،

إذ إنّ فكرة «الوحدة المتكاملة» في مطلق الوجود فكرة غامضة يختلط فيها النظر الفلسفي والعلم والحدس من

وجه، ويتعذّر من وجه آخر إقامة علاقة منطقية وواقعية بينها وبين الترابط بين المادّي والروحي، وبين العقيدة

والسلوك وبين القيم الاقتصادية والقيم المعنوية. وواضح أنّ سيد قطب قد اصطنع هذا التقابل اصطناعًا، ترتيبًا

على مبدأ «الوحدانية» الذي هو شيء آخر. ومن وجهٍآخرَ ظلّ العمل الذي أقدم عليه سيد قطب، كالعمل

الذي قام به قرينه عبد القادر عودة، رهين الهاجس الصراعي الذي حكم الخمسينيات من القرن الماضي؛ أعني

الاستغراق في جدليات «الملكيّة الخاصّة» التي جنح فيها الإسلاميّون إلى المذهب الرأسمالي الليبرالي قبالة المذهب

الماركسي الشيوعي. ومع ذلك، فإنّ العناصر والغائيّات الاجتماعية-الاقتصادية التي تنطوي عليها نظريّة قطب

في العدالة تظلّ جديرة بالاعتبار.

17 سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ط 2 (القاهرة: مكتبة ومطبعة مصر، [د. ت.])، ص.29-28

18 المصدر نفسه، ص 29-28، 1-35110-1057 و، وجدعان، أسس التقدم عند مفكّري الإسلام، ص.518-507

أمّا اليوم، فلم يستوقفني النظر- ممّا يتعلق بمبدأ العدل ويقاربه مقاربة نظرية جدّية معمّقة- في الفكر العربي

المعاصرّ إالّ عند ما خصّه ناصيف نصار من معالجة في بعض فصول كتابيه: منطق السلطة (1995)، والذات

والحضور (2008). في الأوّليعرض لعلاقة العدل بالسلطة السياسية، وفي الثاني يقول قوالً أكسيولوجيًّا وجيزًا

«في العدل بوصفه قيمة»، ومن حيث هو جوهريًّا، «وضع حقوقيّ» نابع عن حقوق الكائن الذاتيّ «النابعة من

الحرمة الطبيعية التي يتمتّع بها كلّ إنسان»، و«مركوز» أو «متأصّل في حقيقة الكائن الذاتي» وما ينبغي تجريده من

أساسه في الطبيعة، والزعم أنّه «إذا كان له مكان بين الناس، فإنه يحتلّه بالاتّفاق في ما بينهم». ومع ذلك، فإنّ

«قيمة العدل، مع تجذّرها في حقيقة الكائن الذاتيّ، لا تتحقّق في الواقع الاجتماعي المحسوس إالّ بالكفاح العنيد

لبناء مفهومها بناءً عقليًّا يتناولها كمنظومة حقوق، وبالضرورة كمنظومة واجبات وممنوعات يتأسّس عليها

التعاون العفويّ والمؤسساتي بين الناس بوصفهم كائنات اجتماعية مسؤولة في ماهيّتها عن هويّتها، ولكلٍّ منها

استحقاقه»، لأنّ القصد هو التعاون الاجتماعي القائم على «العدل الأساس» المتضمّن في الحقوق الطبيعية،

وهو تعاون بين كائنات تتمتّع بصفاتٍ أساسيّة هي الرغبة والعقل والحرّية والمساواة في الكرامة. ويحتفظ نصار

بمكانة الخير في حياة الناس وفي هذه الدنيا، إذ يُرجع العدل إلى هذه القيمة التي هي محور للحياة الأخلاقية التي

ينبغي أن يجري التوفيق فيها بين أخلاق المنفعة وأخلاق العدل، وذلك منعًا لانحراف الأخلاق عن مبدأ المساواة

في الكرامة ومستلزماته بين الكائنات الذاتيّة. وعنده، «الارتقاء الأخلاقي يتجسّد في الارتفاع إلى أخلاق العدل،

ومن ثمّ التوفيق بين أخلاق المنفعة وأخلاق العدل»، وكذلك التوفيق بين العدل والحرّية ورفع التناقض المطلق

بينهما. أمّا في منطق السلطة، فينظر في الارتباط الجوهري بين السلطة والعدل، بعيدًا عن «السيطرة» التي لا

تعمل بمقتضى العدل، وتعزيزًا للغاية العليا التي يسعى إليها الإنسان في حدود الجانب الدنيوي والاجتماعي،

وهي السعادة. وفيه يعرّف العدل بأنّه «ترتيب اجتماعي يعترف لكلّ ذي حقٍّ واستحقاقٍ بحقّه واستحقاقه،

ويتيح له أن يتمتّع به، وأن يقوم بالواجب المصاحب له تحت شروط معيّنة». والقول في الرابطة بين السلطة

والعدل يقود إلى مجال العدل السياسي والعلاقة بين الدولة والعدل. فللدولة الحقّ في الوجود والاعتراف به،

داخليًّا وخارجيًّا، ولها أيضًا بوجهٍخاصّ حقّ الملكية، بحدود، حفاظًا على المصلحة العامّة واحترام المصلحة

الخاصّة وازدهار المجتمع بوجهٍ شامل، لأنّ «الدولة العادلة لا تستخدم حقّها في الملكية من أجل التجربّ على

أعضائها، بل من أجل توزيع فوائد الثروة العامّة في المجتمع على هؤلاء الأعضاء، بعد اقتطاع ما هو ضروريّ

لبقائها ونموّها (»). وللدولة أيضًا حقّ التشريع، لنفسها ولأعضائها، والعدل التشريعي أو القضائيّ هو

الشرط العامّ للعدل في المجتمع السياسي. ويرتبط أيضًا بالسلطة السياسيّة العدل الاقتصادي وأنواع أخرى

فرعية من العدل يمكن ردّها إلى عدلٍواحد شامل لكلّ ما يجري في المجتمع هو العدل الاجتماعيّ الذي يخصّه

نصار باهتمامٍ بالغ يستحضر فيه عمل أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين دافعوا عن مبدأ «العدالة الاجتماعية»:

جون رولز وكتابه نظريّة في العدالة الذي أسّس تصوّره على نظريّة العقد الاجتماعي المنحدرة عن لوك وروسو

وكانْط، ذاهبًا بها إلى التآلف بين الحرّية والمساواة. لكن نصار لا يأخذ بالنظريّة التعاقديّة، وإنمّا يختار القول

بالنظريّة الطبيعيّة. ثمّ إنه، خلافًا لمن يذهب إلى ربط العدل الاجتماعي بالمساواة أو يوحّد بينهما، لا يسلّم

19 ناصيف نصار، الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود التاريخي (بيروت: دار الطليعة، 2008)، ص.378-377

20 المصدر نفسه، ص.370

21 المصدر نفسه، ص.386-384

22 نصار، منطق السلطة، ص.237

23 المصدر نفسه، ص.255-250

24 المصدر نفسه، ص.256

بالتفسير المساواتي للعدل، ويرى أنّ المعنى الفلسفي للمساواة بين الأفراد الاجتماعييّن هو المساواة في الكرامة

الإنسانيّة، أمّا دفع المساواة إلى ما هو أبعد من ذلك – على طريقة المذهب المساواتي - فتجاوزٌ لطبيعة الأشياء

وتشويهٌ لخصائصها التي تؤكّد حقيقة الفوارق بين الأفراد الاجتماعييّن. المماثلة بين الأفراد حقيقة اجتماعيّة،

لكن فرديّة كلّ فرد اجتماعي من حيث هو كائن حيّ فريد حقيقة ينبغي احترامها. يعزّز هذا المذهب عنده اعتبار

الحرّية مقوّمًا جوهريًّا من مقوّمات الفرد الإنساني، وفي ذلك تأكيد للمساواة من وجه وللتمايز الذي تولّده

الدينامية المبدعة للحرّية من وجهٍآخر. وعنده أنّ «الأولويّة في العدل الاجتماعي هي لمبدأ الحرّية، وبخاصّة

الحرّية الاجتماعية بأوسع معانيها. إالّ أنّ الأولويّة لا تعني الإطلاق. فلا إطلاق في العدل الاجتماعي للحرّية،

ولا لمبدأ الحرّية. هذا هو وضع الإنسان الحرّ الذي تلازم الاجتماعية طبيعته. كلّ فرد محدود بكلّ فرد موجود

معه، ومضطرّ إلى تنظيم ممارسته لحرّيته معه. وفي بعض الحالات، يضع مبدأ آخر، مثل مبدأ المنفعة العامّة،

حدودًا قاسية أمام مبدأ الحرّية. إنّ حقّ كلّ فرد في الحرّية وفي التمتع بها هو حقّ طبيعي واجتماعي في الوقت

نفسه: فهو من العدل ما دام يتلاءم مع الحقّ نفسه لغيره من أفراد الدول وللدولة نفسها. ومن البديهي أن

الحرّية الاجتماعية لا تكون بمعناها التامّ من دون التزام». ثمّ «إنّ احترام المساواة في الكرامة الإنسانيّة يتطلّب

تأمين فرصٍ متكافئة أمام الأفراد الاجتماعييّن تسمح للفوارق فيما بينهم بالظهور من دون حكمٍ اجتماعي مسبق

عليها، وبخاصّة في التربية والتعليم. فالفرص المتكافئة، المتغريّة بحسب مستويات النموّ وأنواع الطلب، تبعد

الأفراد عن المساواتية الظالمة، وتمنحهم القدرة على تجنّب التفاضلية الجائرة». ويترتّب على ذلك ضبط التفاوت

الاقتصادي الاجتماعي على قاعدة تكافؤ الفرص، ضمن حدود الفوارق الناتجة من العمل. وحتّى يستقيم العدل

ينبغي تعزيز الخدمات الاجتماعية العامّة من أجل إعادة توزيع الثروة الاجتماعية وتسخيرها لفائدة أفراد الشعب

كلّهم من حيث هم أفراد متضامنون، لا من حيث هم أفراد أنانيّون. «فالقاعدة الصحيحة التي ينبغي اعتمادُها في

هذا الصدد هي قاعدة التضامن التي تنقل التعاون من مستوى الحسابات الأنانيّة إلى مستوى المساهمة الواعية في

المصير العامّ للمجتمع»، والطريقة المثلى لتحقيقها تستند إلى سياسة ضرائبية ملائمة وسياسة خدماتيّة شاملة.

بذلك يكون العدل شرطًا من شروط سعادة المجتمع، فضالً عن أن يكون شرطًا للتعاون والوئام والسلام

الاجتماعي. وبجملة هذه المواقف يمكن القول إنّ ما يجنح إليه نصار يرتدّ إلى نظريّة ليبرالية تكافليّة أو تضامنيّة،

قوامها تأسيس العدل على مبدأ «الحقّ الطبيعي» لا على مبدأ التعاقد. وفي اعتقادي، على الرغم من الجدل الذي يمكن أن يثيره القول بردّ العدل إلى الحقّ الطبيعي، وأنّ العدل

«مغروز» في الكينونة الإنسانيّة، فالليبرالية التكافلية تستحقّ أن تكون مركز الاعتبار في مقاربتنا الديونطولوجية

لمبدأ العدل في عالمنا العربيّ. ثمّ إننا إذا شئنا اليوم أن نقابل بين المنظور الذي يختاره نصار الليبرالي، والمنظور الذي

نجده عند سيد قطب الإسلاميّ، فإنّنا لا بدّ أن نُقرّ بأنّ ثمّة بينهما قدرًا من المماثلة وقدرًا أعظم من الاختلاف.

ثمّة اتّفاق مبدئي  – وعام -ّ على الانحياز إلى الليبراليّة التضامنيّة في المجال الاقتصاديّ (في مسائل الملكيّة الفردية،

والمساواة الإنسانية، والمنفعة العامّة، والتكافل الاجتماعي، ورفض المذهب المساواتي، وإقرار مبدأ الربط بين

السياسة والاقتصاد وبين الأخلاق). لكنْ ثمّة اختلاف جوهريّ بين الرؤية الدينيّة أو اللاهوتيّة عند قطب،

والرؤية الدنيويّة عند نصار، وبخاصّة أنّه يربط ربطًا عضويًّا بين العدل والعلمانيّة، إذ يؤكّد أنّ المرتكز

الأساس للعلمانيّة هو العدل الطبيعي. وكذلك ربط نصار بين العدل والحرّية. أمّا قطب وعموم الإسلامييّن،

25 المصدر نفسه، ص.272

26 المصدر نفسه، ص.279-278

27 ناصيف نصار، الإشارات والمسالك: من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية (بيروت: دار الطليعة، 2011)، ص.285-247

فقد ربطوه بالعبوديّة لله، وقيّدوا الحرّية، وبخاصّة الاجتماعية تقييدًا عظيامً. هذه المقابلة «الخارجيّة» مفيدة، لأهنّا

ذات صلة بالتقابل الحالي الذي يشهده المسرح العربيّ، بين الإسلامييّن من طرف والليبرالييّن من طرفٍ آخر،

وهو تقابل يمدّ جذوره في الفكر العربيّ الحديث منذ أحمد لطفي السيد وطه حسين والمحدثين المجدّدين.

حين وجّهت هذا القول ليكون قوالً في العدل في حدود ديونطولوجيا عربيّة، فإنّني كنت في حقيقة الأمر أضمر

الاعتقاد أنّني لا أقارب الموضوع مقاربة كونيّة تنطوي على التسليم بمفهومٍ متداول عند الكثيرين، وهو أنّنا

نحن البشر ننتمي جميعًا إلى «حضارة واحدة»، وإنمّا أختار مقاربة تنطوي صراحة على هاجس «الدفاع عن هويّة

خاصّة» هي هويّتنا نحن. أي إنّني أحرص على تحرير مخيالنا ودماغنا من استبداد الفلسفات الأحاديّة التي تنكر

على «الثقافات الخاصّة» تميّزها وفرادتها وجمالياتها بل وعبقريّاتها. وفي اعتقادي أنّ الجريمة الثقافية العظمى التي

تقترفها فلسفة العولمة الثقافية الأحادية تكمن في الجَوْر الذي تلحقه بالفرادة الفذّة للحضارات الإنسانيّة المتعدّدة

المتباينة، إذ تفْتئت على الأصالة الذاتية لهذه الحضارات وتدمجها في حضارة كونيّة مطلقة ليست في حقيقة الأمر

إالّ حضارة ظافرة ذات مكوّنات معرفيّة وعلميّة وتقنية وثقافيّة ومادّية -ونسبيّة زمنية أيضًا- يزعم أصحابها أهنّا

الأكمل والأمثل والأجدر بالاقتداء والبقاء. لا يعني ذلك بكلّ تأكيد، أنّ هذه «الثقافة الكونيّة لا تشتمل على ثلّةٍ من المبادئ والقيم التي يمكن أن تكون ثاوية

في هذه الحضارة أو تلك، أو التي يمكن إغناؤها بها، وإنمّا يعني أنّ الرؤى الكونيّة الأحاديّة هي رؤى استبدادية

ليست في حقيقة الأمر إالّ رؤية فريق دون آخر، أي الفريق الأقوى، الفريق الذي تسمح له قوّته وطغيانه بأن

يفرض على الآخرين طريقته في التفكير وفي العمل وفي السلوك، بحيث يجد نفسه، أي يجد قوّته وحضوره وتأثيره

وفاعليّته في كلّ مكان. وبالطبع تؤدّي الأذرع «الإعلاميّة» هنا دورًا حاسامً في إشاعة هذه الرؤى وتجذير قيمها

ومبادئها ومسلكياتها ورموزها وتوطينها. في مقالة استفزازيّة عنوانها: «في مديح الإمبريالية الثقافية»، يقول

أحد كبار المسؤولين في إدارة بيل كلينتون، وهو ديفيد روثكوف: «ينبغي أن يكون الهدف الرئيس للولايات

المتّحدة في سياستها الخارجية في عصر الإعلام أن تكسب معركة تدفّق الإعلام العالميّ، وذلك بالسيطرة على

الأمواج (القنوات والإذاعات)، تمامًا مثلما كانت بريطانيا العظمى تسيطر في الماضي على البحار»؛ ثمّ يضيف:

«من المصلحة الاقتصاديّة والسياسيّة للولايات المتّحدة أن تحرص على أن تكون اللغة الإنكليزية هي اللغة

المشتركة إذا ما تبنّى العالم لغةً مشتركة؛ وأن تكون المعايير أميركيّة إذا ما توجّه العالم نحو معاييرَ مشتركة في مجال

الاتّصالات والأمن والنوعيّة، وأن تكون البرامج أميركيّة إذا ما جرى الارتباط بين الأطراف المختلفة في مجال

التلفزيون والراديو والموسيقى؛ وفي حالة بلورة قيم مشتركة، أن تكون هذه القيم قيامً يتبنيّ فيها الأميركيون

أنفسهم». فما هو حسنٌ للولايات المتّحدة حسن بالنسبة إلى البشريّة. «وما ينبغي للأميركييّن أن ينفوا حقيقة أنّ

شعبهم، من بين جميع الشعوب في تاريخ العالم، هو الأعظم عدالةً وتسامحًا والأكثر رغبةً في أن يراجع نفسه وأن

يحسّن من نفسه على الدوام، وأنّه النموذج الأفضل للمستقبل».

أقصد من سوْق هذا النصّ الذي يصرّح بتفوّق رؤية مجتمعٍ ما أو حضارةٍ ما، في إدراكها وفهمها وتحديدها

للعدالة وغيرها، أن أقول إنّ مذهبًا يدّعي لنفسه هذا النظر المستبدّ في شأن العدل، هو مذهب غير عادل، وإن

28 جدعان، في الخلاص النهائي، ص.231-153

29 David Rothkop, «In Praise of Cultural Imperialism?» Foreign Policy, no. 107 (Summer 1997), and Serge Latouche, Justice sans limites: Le Défi de l›éthique dans une économie mondialisée ([Paris]: Fayard, 2003), p. 226.

هذا المذهب ونظائره تسوغ تمامًا الذهاب إلى حدود معطياتنا الثقافية وغائيّاتنا الوجوديّة وتطلّعاتنا الخاصّة في

بحثنا عن العدالة الجديرة بأن تكون العدالة الملائمة لمجتمعاتنا ولحياتنا الذاتيّة في هذا العالم. قد يكون من أوّل ما ينبغي أن يقال في مسألة العدل إنّ «العدل ليس من هذا العالم»؛ الظّلم هو الذي يحيق

بوجود الإنسان في هذا العالم، ومثلما يقول بول ريكور: «الشعور بالظلم هو التجربة الأولى التي تدخلنا إلى

مشكل العدل». وفي عالمنا الحديث، لا شكّ في أنّ الاقتصاد الرأسمالي هو المكان الأبرز للظلم، وأنه، مثلما يقول

ليفيناس: في عالمٍ يحكمه الاقتصاد لا يكون للعدل من موضوع إالّ المساواة الاقتصادية. المساواة هي قرين

العدل. لكن الحقيقة هي أنّ المظالم الاقتصادية في العالم العربيّ ليست هي الوحيدة التي تستجلب أمر العدل، فثمّة

إلى جانبها المظالم السياسيّة الماثلة في الاستبداد والافتئات على الحرّيات الأساسية، والمظالم القانونية والاعتداء

على الحقوق، والمظالم الاجتماعية الشاخصة في غياب العدالة الاجتماعية والمساواة واحترام الكرامة الإنسانيّة.

والسؤال الرئيس بالطبع هو: كيف يتأتّى لنا أن نخرج من هذه المظالم؟ وما هو المبدأ الديونطولوجي الذي يصلح

للتحرّر منها وإقامة بنيان العدل الراسخ الجدير بتأسيس الأمن والطمأنينة والسعادة وطيب العيش؟ وليس

المقصود هنا هو وضع سلّم للأحكام والإجراءات «الفرديّة» المفضية إلى العدالة، وإنمّا المقصود هو الوقوف على

الآليّات الأخلاقية الوظيفية والسياسية الفاعلة والضامنة لتحقيق الوضع العادل.

في إطار البحث عن نظرية للعدالة في الموروث الثقافي العربيّ وفي الأدبيات الفلسفية السياسية والأخلاقية

المعاصرة، نظريّة ذات جدوى في مقاربة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العربيّة المعاصرة، لا

نملك إلا أن نستحضر جملة النظريات المتداولة اليوم في الفضاء العالميّ، ونرفدها بما انطوت عليه المعطيات

التاريخية الصلبة – في اعتقادي - التي تمتدّ في حاضرنا، وبالمعطيات الراهنة التي تحكم أفعالنا وتستأثر باهتماماتنا.

بتعبيرٍ آخر، على الرغم من أنّنا نحرص على الدفاع عن هويّتنا الثقافية وعلى تحرير مخيالنا من استبداد العولمة،

علينا أن نقرّ بأنّ فلاسفة اليونان وفقهاء الإسلام ومفكّري الغرب الحديث والمعاصر قد وضعوا أيديهم على جملةٍ

من المبادئ الكبرى التي أداروا عليها الحياة الأخلاقيّة والسياسية التي لا نملك اليوم إلا أن نستأنف النظر فيها

ونراجعها قصدًا إلى إدراك الصيغة الملائمة لأوضاع مجتمعاتنا في خصوصياتها الذاتيّة والتاريخيّة.

لا تثريبَ علينا في أن نكرّر القول إنّ مبدأ العدالة كان أحد أعظم المبادئ الأخلاقية والسياسية التي شغلت

فلاسفة اليونان -وبخاصّة أفلاطون وأرسطو- وأنّ هذا المبدأ قد رُبط عندهم بالخير الأسمى، وأنّ العصور

التالية، وصولا إلى أزمنتنا الحديثة، قد جعلت منه أحد المبادئ المركزية للفلسفة السياسية والمعيارية، على الرغم

من التفاوت والاختلاف في تحديد طبيعته ومتعلّقاته. واليوم أيضًا، وبسبب القهر والظلم وغياب المساواة على

وجه الخصوص، تتطلّع جميع شعوبنا إلى هذا المبدأ من حيث هو بابٌ رئيس للخلاص. وفي الغرب كذلك، ومنذ

أن أذاع جون رولز كتابه نظرية العدالة سنة 1971، يغزو مفهوم العدالة جميع الأعمال الفلسفية والفكرية التي

تدور في حقل الفلسفة السياسية المعيارية والفلسفة الأخلاقية والفلسفة الاجتماعيّة. وبالطبع لا نملك نحن إلا

أن نستحضر النظر المعاصر في هذه المسألة، مثلما نستحضر ما نجده ملائامً في النظر العربيّ الموروث الممتدّ في

الحاضر، لنتبنيّ الطريق الأنجع لمقاربة الموضوع وتحديد اجتّاهنا الأنسب لفضاءاتنا الخاصّة. يلاحظ وِل كيمليكا أنّنا حين نستحضر المشهد السياسي التقليدي في الغرب على وجه الخصوص، نتبنيّ أنّ

الأفكار السياسية تمتدّ على محورٍ قطباه اليسار واليمين. وبحسب هذه الصورة، فإنّ الأفراد الذين يجنحون إلى

اليسار يؤمنون بالمساواة، وأنهم بالتالي يأخذون بطريقةٍ ما من الاشتراكية؛ أمّا الأفراد الذين يقعون إلى اليمين

30 Emmanuel Levinas, Entre nous: Essais sur le penser-à-l’autre, Figures (Paris: B. Grasset, 1991), p. 116.

فإنهم يؤمنون بالحرّية، وهم بالتالي يميلون إلى رأسمالية بلا قيود. أمّا في وسط المحور، فتتموضع طوائف، أبرزها

الليبراليون الذين يؤمنون بمزيجٍ غامض مختلط من المساواة والحرّية، وهم بالتالي أنصارٌ لرأسماليّة معتدلة هي

رأسمالية «دولة الرعاية». بيد أنّ هذا التقدير لواقع الأمر لم يعد اليوم قاطعًا، لأنه من ناحيةٍ يجهل عددًا من

المشكلات المهمّة، وبخاصّة تلك المتعلّقة بضرورة التمييز بين الفضاء الذكوري والفضاء النسائي في الدولة وفي

الاقتصاد والمنزل والعائلة، وكذلك ما يتعلّق بالمشكلات التي يثيرها المذهب «الجماعَتي». والنظريّات السياسية

التقليدية، يمينًا ويسارًا، تهمل هذه المجالات أو تزعم أهنّا لا تثير أيّ مشكلة ذات صلة بالعدالة أو بالحرّية. ومن

وجهٍآخرَ، لا يأبه هذا النظر بالسياق التاريخي، إذ إنّ إطلاق أيّ حكم معياري سياسي لابدّ أن يستند إلى تعليل

التقاليد والممارسات التي تحكم حياتنا التاريخية والاجتماعية، ونحن لن نستطيع أن نفهم الحركة النسويّة أو

المذهب الجماعتي إذا ظللنا متشبّثين بتأقطب اليمين واليسار.

فضالً عن ذلك، تستند النظريات المختلفة إلى «قيم مؤسِّسة» متباينة. فعلّة الاختلاف بين اليمين واليسار في شأن

الرأسماليّة تكمن في أنّ اليسار يؤمن بالمساواة، بينما يؤمن اليمين بالحرّية. ولما كانت قيمهما الإنسانيّة متعارضة

ولا توافقَ بينها، فإنّ الخلافات لا يمكن أن تحلّ عقليًّا. يستطيع اليسار أن يدافع عن القضيّة التالية: إذا كنت

تؤمن بالمساواة فعليك أن تنتصر للاشتراكية؛ مثلما أن اليمين يمكن أن يؤكّد: إذا كنت تؤمن بالحرّية فعليك أن

تكون نصيرًا للرأسماليّة. لكن ليس ثمّة أيّ وسيلة لتقديم الدليل على صحّة مبدأ المساواة في قبالة مبدأ الحرّية،

والعكس صحيح، لأنّنا ههنا بإزاء قيم مؤسّسة وأنه لا تتوافر أيّ قيمة أو مقدّمة أسمى أو أعلى يمكن أن يحتكم

إليها الطرفان المتصارعان. ومهما تعمّقنا في النظر في هذه المسائل، فإهنّا تبدو لنا غير قابلة للحلّ لأنّنا ملزمون

بالاحتكام إلى قيمٍ نهائيّة متصارعة.

لم تنل التطوّرات المستحدثة من هذه الرؤية التقليدية، إذ إنّ كلّ نظرية من نظريات العدالة الجديدة تميل بدورها

إلى قيمٍ نهائية مختلفة. فإلى جانب ارتباط المساواة بالاشتراكية، والحرّية بالليبرتارية، تعتمد النظريّات السياسية

الجديدة على «قيم نهائية»، كالاتّفاق التعاقدي (رولز)، و«الخير العامّ» (المذهب الجماعتي)، و«المنفعة» (المذهب

النفعي)، و«الحقوق» (دوركن)، و«الذكورة» (androgynie) (النسويّة). وفي هذه الحالات جميعًا نحن قبالة

عددٍ متعاظم من «القيم النهائية» التي لا يستطيع أيّ دليل عقليّ أن يوفّق بينها. وذلك من شأنه أن يشكّك في

إمكانية بناء نظرية شاملة جامعة في العدالة. ومع ذلك فإنّ السؤال الكبير الذي يثور هو: لماذا يتعنيّ علينا أن

نعتمد على نظرية أحاديّة في العدالة، إذا كان ثمّة قدرٌ كبير من القيم النهائيّة التي يمكن لها أن تدّعي تحقيق هذه

العدالة؟ يجيب كيمليكا: «ليس هناك أيّ شكّ في أنّ الإجابة الوحيدة المعقولة عن هذه التعدديّة في القيم، تكمن

في أن نهجر فكرة تطوير نظريةأحاديّة أوواحديّة في العدالة. فإنّ الفكرة التي تعلّق جميع القيم على قيمة عليا

تكاد تبدو شكالً من التعصّب».

يختلف رونالد دوركين مع كيمليكا، إذ يؤكّد أنّ جميع النظريات السياسيّة الحديثة لا تستند فعالً إلى قيم مؤسّسة

مختلفة، وإنما هي تشترك في قيمة نهائية واحدة هي: المساواة، وأن من الممكن رفع التناقضات الظاهرية التي توجد

بين نظريات العدالة المختلفة بحيث تفضي إلى هذه الرؤية، وهي أنها جميعًا نظريات في المساواة.

31 Will Kymlicka, Les Théories de la justice: Une Introduction, trad. de l›anglais par Marc Saint-Upéry (Paris: Éd. la Découverte, 1999), pp. 8-9.

32 المصدر نفسه، ص.10

33 Ronald Dworkin: Taking Rights Seriously (London: Duckworth, 1977), pp. 179-183, and “Comment on Narveson: in Defense of Equality,” Social Philosophy and Policy, vol. 1, no. 1 (Autumn 1983), pp. 24-40, on the Web: <http://journals.cambridge.org/action/displayAbstract?fromPage=online&aid=3117116&fulltextType=RA&fileId =S0265052500003307>.

لا يعنيني هذا السّجال هنا، ولا يهمّني أن أستغرق في الدفاع، مع كيمليكا، عن خطأ الاعتقاد أنّ كلّ المذاهب

الأخلاقية تستند إلى نواة قاعدية أساسية هي «المساواة»، لأنّ بعضها صريح صراحةً مطلقة في إنكار هذه القيمة،

كالمذهب الليبرتاري مثالً. وقد أضيف إلى ذلك القول إننا جميعًا نتّفق على «أنّ من يعمل ليس كمن لا يعمل،

ومن يبدع ليس كمن لا يبدع»، ومهما تكن مشاعر التعاطف عندنا سامية فإننا لا نقبل مبدأ الاستحقاق المتساوي

لمن يعمل ومن لا يعمل. بيد أنّ ما يجدر الوقوف عنده قبل أيّ أمر آخر، هو أن نفترض ابتداءً أنه ليس لدينا أيّ نظريّة محدّدة في العدالة وأنّنا

في صدد البحث عن نظرية «عمليّة» لنا. حينذاك سيكون علينا أن ننظر في نظريّات العدالة المتداولة في الفلسفة

السياسية والأخلاقية المعيارية، وأن نرى ما الذي «يلائمنا» منها. وفي اعتقادي، لسياقاتنا الخاصّة الراهنة، أنّ

ذلك أجدى، منهجيًّا وواقعيًّا، من أن أَدّعي تقليد جون رولز وإعادة تجربة «الوضع الأصلي» و«حجاب الجهل»،

الذائعة الصّيت. إنّ العمل الذي قام به كيمليكا مفيد في هذا القصد إفادةً بالغة، إذ هو يضع يده على أبرز النظريّات الكبرى

الراهنة في العدالة، في الفكر الغربيّ المعاصر. وهي عنده ستّ نظريّات: النظريّة النفعية، ونظريّة المساواة

الليبراليّة، والنظريّة الليبرتارية، والنظريّة الماركسيّة، والنظريّة الجماعتيّة، والنظريّة النسويّة. ولأنّ القصد هنا تحديد معالم نظريّة في العدالة في حدود ديونطولوجيا عربيّة، ولأنّ الموروث العربيّ الإسلاميّ

ممتدّ فينا مثلما يؤثّر فينا الفكر الغربيّ أيضًا، فإنني أضيف إلى النظريات المتداولة في الفضاءات الغربيّة - وهي

نظريّات قابلة للتداول في فضاءاتٍ أخرى - النظريّة التي تنحدر إلينا من التراث العربيّ الإسلاميّ، أعني نظريّة

المصلحة، لأرى في نهاية الأمر ما الذي يستدعيه حاضرنا السياسي – الاقتصادي - الاجتماعي-الأخلاقي-

التاريخي ويتطلّبه من بين جملة هذه النظريّات، على سبيل «الملاءمة» أو «المناسبة» أو «الجدوى»، اليوم وغدًا. النظريّة الأولى في العدالة هي النظريّة النفعيّة تعني النظرية النفعية Utilitarianism() باختزالٍشديد، أنّ السلوك العادل أو السياسة العادلة أخلاقيًّا هي التي

تنتج أعظم قدرٍ من السعادة لأعضاء المجتمع، أي تعظيم السعادة الإنسانيّة. النظرية ليست جديدة، إذ هي تمدّ

جذورها في مذهب اللذّة الأبيقوري، وقد بلورها فلسفيًّا في العصر الحديث جيريمي بنتام وجون ستوارت مِل.

وسِحْرها ممتدّ في الحياة المعاصرة، المستغرقة في «الاقتصادي»، وجاذبيّتها في الغرب، كأخلاق سياسيّة، مستمدّة

من وجهين: الأوّل، أنّ الغاية التي يتطلّع النفعيون إلى تحقيقها – السعادة والرفاهية - ليست مرهونة بوجود

الله والنفس أو أيّ كائنٍميتافيزيقي ممكن، فذلك كلّه لا يدخل في حسابات النفعييّن. السعادة، وفقًا لهم، ذات

قيمة في حياتنا ويمكن أن تتحقّق من دون أن تكون ذات متعلّقات دينية أو أخرويّة. الثاني، أنّ النفعية ذات

سمة «ذرائعية»، بمعنى أنّ جاذبيّتها تنجم أيضًا عن النتائج التي تترتّب على ممارستها) Consequentialism(

بمعنى أن تكون هذه النتائج نافعة أو مفيدة أو جالبة السعادة لصاحبها، غير ضارّة بالآخرين. وللمنفعة عند

النفعييّن مفهومٌ وتعريفات تختلف عند هذا أو ذاك منهم. فبعضهم يذهب إلى أنّ المنفعة مرتبطة بمذهب اللذّة

Hédonisme()، أي «تجربة أو خبرة اللذّة أو الشعور باللذّة الذي يمثّل الخير الأسمى للإنسان، إذ هو الخير

الوحيد الذي هو غاية في ذاته والذي من أجله تعدّ كلّ الخيرات الأخرى وسائل. اللذّة هي معيار المنفعة.

وبعضهم الآخر يؤكّد أنّ المنفعة هي «حالة ذهنيّة» أو عقلية وليست غبطة أو لذّة، مثال ذلك خبرة النظم

الشعريّ الذي يولّد حالة ذهنيّة أو عقليّة خاصّة باعثة على الرضا أو المتعة من دون أن تكون «لذّة حسّية».

وآخرون يذهبون إلى أنّ المنفعة هي «إشباع الخيارات المفضّلة» satisfaction des préférences() وتعظيمها.

وأخيرًا يرى فريق منهم أنّ المنفعة هي إشباع الخيارات العقليّة، أي تلك المستندة إلى معلومات كاملة وأحكام

صحيحة، ورفض الخيارات الضالّة (المغلوطة) أو اللاعقليّة. النظريّة الثانية هي نظرية المساواة الليبرالية يدافع عن نظرية المساواة الليبرالية Liberalism() جون رولز ودوركين. ونظرية رولز في العدالة تستند إلى

الفكرة التالية: «إنّ جميع الخيرات الاجتماعية الأوّلية – الحرّيات والفرص والدخل والغنى، والقواعد الاجتماعية لاحترام

الذات- ينبغي أن يجري توزيعها على وجه المساواة، إلا أن يكون توزيع غير متساو لمجمل هذه الخيرات أو

لواحدٍ منها، مفيدًا للأقلّ حظًّا». في إطار هذه النظرية العامّة، يربط رولز فكرة العدالة بالتوزيع المساواتي

للخيرات الاجتماعية، مع تعديلٍ مهمّ. فنحن نعامل الأفراد على قدم المساواة، لا بإلغاء جميع التفاوتات، لكن

بإلغاء تلك التي تُلحق حيفًا ببعض الأفراد. فإذا كانت بعض التفاوتات مفيدةً لكلّ الناس من حيث إهنّا تثمر

مهارات وقدرات مجدية اجتماعيًّا فإهنّا ستكون حينذاك مقبولة لدى الجميع. إنّ التفاوتات مقبولة إذا كانت تزيد

من حصّتي الأوّلية العادلة، لكنّها ليست كذلك إذا ما كانت تجور على هذه الحصّة، مثلما هي الحال في النفعية. إنّ

المبادئ التي تحكم هذه النظرية هي التالية: المبدأ الأوّل: لكلّ شخص، من جملة الحرّيات الأساسية المتساوية، حقّ مساوٍ بأوسع قدر، لما يحقّ لجميع الآخرين

من هذه الحرّيات؛

المبدأ الثاني: ينبغي للتفاوتات الاجتماعيّة والاقتصادية أن تُنَظّم على نحوٍ:

- يحقّق أعظم النفع للأفراد الأقلّ حظًّا،

- أن تكون متعلّقة بوظائف وأوضاع ميسورة للجميع، في أوضاع سِمَتُها المساواة العادلة في الفرص. وعند رولز أن للمساواة في الحرّية الأسبقية على المساواة في الفرص التي هي بدورها ذات أسبقية على المساواة

في المصادر والموارد، واللامساواة ليست مقبولة إلا إذا كانت مفيدة للأقلّ حظًّا. ثمّ إنّ توزيع الموارد يظلّ

ضروريًّا للانتقال من المذهب النفعيّ إلى المساواة الليبراليّة. تهدف مقاربة رولز إلى «تقديم فهمٍ للعدالة يعمّم ويحمل إلى مستوى أعلى من التجريد نظريّة العقد الاجتماعي

المشهورة في الصورة التي نجدها، من بين آخرين، لدى لوك وروسو وكانْط». والقصد نظريّة في العدالة

الاجتماعية قائمة على مفهوم للعدالة التوزيعيّة بين أفراد المجتمع. ونقطة الانطلاق هي ملاحظة تناقض المصالح

بين المواطنين في كلّ مجتمع، حيث إنّ الأفراد ليسوا حيادييّن في أمر الطريقة التي يجري بها توزيع ثمار مشاركتهم،

فهم جميعًا يفضّلون القدر الأعظم من المنافع على القدر الأقلّ. ويترتّب على ذلك أنّنا «في حاجةٍ إلى مجموعة من

34 Kymlicka, Les Théories de la justice, pp. 17-25. 35 John Rawls, A Theory of Justice (Oxford: Oxford University Press, 1972), p. 303. 36 John Rawls, “The Basic Liberties and their Priority,” in: John Rawls, Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1993 - 1996), p. 291. 37 Kymlicka, Les Théories de la justice, pp. 64-66. 38 Rawls, “The Basic Liberties and their Priority,” p. 11.

المبادئ للاختيار بين التنظيمات الاجتماعية المختلفة التي تحدّد هذه القسمة للمنافع». «هذه المبادئ هي مبادئ

العدالة الاجتماعية التي نبّه إليها أرسطو في مفهومه للعدالة التوزيعية، أي المثال الذي بفضله تعني العدالة أن

يعطى كلّ شخص ما هو حقّ له». ويؤكّد رولز أنّنا إذا ما أردنا أن نضمن العدل فإنّ علينا أن نحترم مبدأ «الاستقلال المطلق» للفرد، والاختلاف أو

التمييز بين الأفراد، لأنّ «كلّ شخص يمتلك حرمة مستندة إلى العدل الذي لا يمكن انتهاكه حتّى باسم سعادة

مجموع المجتمع». لذلك هو يتابع (كانْط) مؤكّدًا أنّ «مبادئ العدل (ينبغي أن تُبين) في البنية الاجتماعية القاعدية

عن رغبة البشر في أن يعامل بعضهم بعضهم الآخر من حيث هم غايات في ذاتها، لا من حيث هم وسائل».

في هذا المنظور، يؤكّد رولز ابتداءً: «في نظريّة العدالة بما هي إنصاف، مفهوم العدل سابق على مفهوم الخير»،

وحقوق المواطنين تتمثّل في ثلّةٍ من «الحرّيات الأساسية التي يتمتّع بها الجميع على قدم المساواة ()، لكنّها

حرّيات تلتزم بعدالة توزيعية تتنكّر لها النظرية النفعيّة اللامساواتية. النظريّة الثالثة هي نظريّة الحرية الليبرتارية تمثّل الحرية الليبرتارية (Libertarianism) تجذيرًا للّيبرالية، أو ليبرالية مسرفة أو غالية، وأصحابها يدافعون عن

«السوق الحرّة» ويدعون إلى تحديد تدخّل الدولة في السياسة الاجتماعية، وإلى تعزيز الحقوق الشرعيّة للملكية،

من حيث أنّ للأفراد الحقَّ في التصرّف الحرّ في ممتلكاتهم بغضّ النظر عامّ إذا كان يترتّب على ذلك زيادةٌ أو نقصان

في الإنتاجية. فليس للدولة الحقّ في التدخّل في آليات السوق حتّى لو كان القصد زيادة الفاعلية. ومثلما يقول

روبرت نوزيك: «للأفراد حقوق، وثمّة بعض الأشياء التي لا يستطيع لا الفرد ولا المجتمع القيام بها (دون

أن يطاول ذلك اغتصابَ حقوقهم)». ولما كان للأفراد حقّ التصرّف في ممتلكاتهم على النحو الذي يرونه، فإنّ

كلّ تدخّلٍ من جانب الدولة هو بمنزلة «أشغال شاقّة»، إذ هو لا يخرق مبدأ الفاعلية، وإنمّا حقوقنا الأخلاقية

الأساسية. والليبرتارية تقوم على المبادئ التالية: - التبادل التجاري الحرّ الشامل،

- المنافسة المطلقة، - تذبذب الأجور بلا حدود، - دولة الحدّ الأدنى، - الحياد الأخلاقي أو عدم الاكتراث الأخلاقي. كيف يقوم الليبرتاريون بالربط بين العدل والسوق؟ في «نظريّة الحقوق الشرعية للملكية» لدى نوزيك، إبانة

عن هذه المسألة على النحو التالي: إذا انطلقنا من الفرضية القائلة إنّ لكلّ فرد حقًّا مشروعًا في الأشياء التي هي

في حوزته، فإنّ توزيعًا عادالً يتمثّل حينئذ، بكلّ بساطة، في كلّ توزيع ينتج عن المبادلات الحرّة بين الأفراد؛

Quentin Skinner, “On Justice, The Common Good and the Priority of Liberty”, in: 39 انظر عرضًا دقيقًا لنظرية رولز في: Chantal Mouffe, ed, Dimensions of radical democracy: Pluralism, Citizenship, Community, Phronesis (London; New York: Verso, 1992), pp. 211-224. Quentin Skinner, “Sur La Justice, Le bien commun et la priorité de la liberté,” dans: Libéraux et الترجمة الفرنسية: communautariens, textes réunis et présentés par André Berten, Pablo da Silveira et Hervé Pourtois, Philosophie morale (Paris: Presses universitaires de France, 1997), pp. 209-225. 40 Robert Nozick, Anarchy, state, and Utopia (New York: Basic Books, [1974]), p. 9.

وكلّ توزيع يجري بثمرة تحويلات ومبادلات حرّة، بدءًا من وضع عادل، هو نفسه عادل. وإنّ فرض أيّ رسوم

(ضريبيّة) على هذه المبادلات خلافًا لإرادة المواطنين هو أمر ظالم، حتّى لو كانت هذه الرسوم تُستخدم للتعويض

عن التكاليف الإضافيّة التي يمكن أن يكون ضحاياها الأفراد الذين يعانون إعاقاتٍ طبيعية لا يدَ لهم فيها. لأنّ

الرسم (الضريبة) الشرعيّ الوحيد هو ذلك الرسم الذي يستخدم في اقتطاع الموارد الضرورية للحفاظ على

المؤسّسات القاعدية الضرورية لحماية نظام التبادل الحرّ (الشرطة والقضاء).

وبدقّةٍ أكبر، تستند نظرية حقوق الملكيّة عند نوزيك إلى ثلاثة مبادئ أساسية: - مبدأ التحويل: ما يكتسب بحقّ يمكن نقله بحرّية؛

- مبدأ الكسب الأولّي العادل الذي يفرسّ، في الأصل، الطريقة التي أمكن فيها للأفراد أن يحصلوا على الممتلكات

التي يمكن أن يجري نقلها موافقة للمبدأ السابق؛ -مبدأ تصحيح المظالم الذي يفرسّ الطريقة التي يمكن بها التصرّف في الممتلكات التي جرى اكتسابها أو نقلها ظلامً. إذا ما اعتبرنا هذه المبادئ الثلاثة معًا، فإنّ ذلك يعني أنه إذا كانت ممتلكات الأفراد مكتسبة بحقّ، فإنّ صيغة

التوزيع العادل تكون هي التالية: «من كلّ أحد بحسب ما يختار، ولكلّ أحد بحسب ما اختير له». وجماع نظريّة حقوق الملكية عند نوزيك «أنّ دولة دنيا (Minimal State) مقتصرة، على نحوٍ وثيق، على وظائف

الحماية من العنف، والسرقة، والاحتيال (الضريبي)، وعلى ضمان احترام العقود، هي دولة ذات أساس مسوغ.

وكلّ توسّع لاحق في وظائف هذه الدولة من شأنه أن يعتدي على حقوق الأفراد في أن لا يفعلوا بعض الأشياء،

هو أمر لا مسوغ له». ويترتّب على ذلك أنّه لا مجال لأيّ تدخّل من جانب الدولة في قضايا التربية، والصحّة،

والمواصلات، وإصلاح الطرق أو الفضاءات الخضراء؛ إذ إنّ الالتزام بهذه المؤسسات يتضمّن ضرائبَ قسرية

على بعض المواطنين، رغامً عن إرادتهم، وخرقًا لمبدأ التوزيع العادل، وفقًا لنوزيك. باختصارٍ شديد، يتّفق الليبرتاريون – ميلتون فريدمان، وفريدريك فون هايك وروبرت نوزيك - على الدفاع

عن ثلاث قضايا أساسيّة: الحقّ الطبيعي في الحرّية والإطلاق الأقصى للسوق ولنظامه التلقائيّ، والنضال

في وجه الفلسفة التدخلية للدولة، ومناهضة جميع الاهتمامات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وبفكرة المساواة

والعدالة التوزيعية (القسم الثاني من كتاب فون هايك: القانون والتشريع والحرّية يحمل عنوان: سراب العدالة

الاجتماعية). وبالطبع يمثّل مبدأ الحرّية، من حيث هو حقّ طبيعي مطلق لا يجوز المساس به، نقطة الارتكاز

الأساسية في الدفاع المسرف عن الملكية الخاصّة وفي إشهار «حرب صليبية» على مبدأ العدالة الاجتماعية وعلى

«ليبرالية المساواة» التي مثّلها رولز ودوركين. النظريّة الرابعة هي النظريّة الماركسيّة شهدت هذه النظرية في العقود المتأخّرة اجتهاداتٍ ومواقفَ متباينة، أبرزها اثنان: الموقف الأوّليشكّك في فكرة

العدالة نفسها، ويرى أنّ الشيوعية تمثّل «تجاوزًا» لمشكلة العدالة، ويؤكّد أنّ العدالة ليست إالّ «فضيلة تصحيحية»،

هي ردّ على قصور في الحياة الاجتماعية؛ الموقف الثانييجاري الحرص الليبرالي على العدالة، لكنّه يرفض الاقتناع

14 المصدر نفسه، ص.16

24 المصدر نفسه، ص.9

43 Kymlicka, Les Théories de la justice, pp. 112-113.

44 لمزيد من الإحاطة بالفلسفة الليبرتارية، انظر: جدعان، في الخلاص النهائي، ص.183-173

الليبرالي بأنّ العدالة تتوافق مع الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج. لكن كلا الموقفين يشجب «الاستغلال» ويؤكّد أن

الملكية الخاصّة هي أداة للاستغلال، وعند بعضهم علّة للاغتراب. ومعلوم أنّ ماركس يقول: «إنّ نظرية الشيوعييّن

يمكن أن تلخّص في عبارة واحدة: إلغاء الملكيّة الخاصّة». وهذه ليست مقبولة إالّ لأغراض الاستخدام الشخصي،

مثلما هي الحال في الثياب والأثاث والأدوات المنزلية أو الترفيه، وليس لها أيّ حقّ أخلاقي ولا أيّ حقّ في السيطرة

على وسائل الإنتاج، وهي ممّا ينبغي أن يكون ملكًا للمجتمع وللتخطيط الاقتصادي القومي. إنّ «ديمقراطية

المالكين» التي يتكلّم عنها رولز غير عملية واقعيًّا. والمساواة العادلة ينبغي أن تتّخذ شكل التمتع المتساوي بالخيرات

والموارد العامّة، لا شكل التوزيع المتساوي للخيرات الخاصّة. النظريّة الخامسة هي النظريّة «الجماعَتِيّة» تنهض النظرية «الجماعتية» (Communitarianism) بصورةٍ خاصّة في وجه الليبرالية و«حيادية الدولة»، وتجنح إلى

سياسة «الخير العامّ». وبحسب هذه النظريّة، يتميّز المجتمع «الجماعتي» بفهمٍ جوهري للحياة السعيدة أو الهانئة؛

فَهْمٍ يحدّد «شكل حياة الجماعة». وفيها، بدالً من أن يطلب من الخير العامّ التكيّف مع مختلف «الخيارات التفضيلية

الفرديّة» فإنه هو الذي يقدّم المعيار الذي يسمح بتقييم هذه الخيارات وضبطها وتوجيهها. والدولة الجماعتية يمكن

لها، بل عليها أن تشجّع الأفراد على أن يتبنَّوْا تصوّرات للخير موافقة لنمط حياة الجماعة، وأن ينهضوا في وجه

تصوّرات الخير التي تضادّه. بهذا المعنى يبدو المجتمع «الجماعتي» مجتمعًا مثاليًّا يطلب الكمال، ويضع سلاّمً قيميًّا

لأنماط الحياة المختلفة. وفي الوقت الذي يشدّد فيه الليبراليون على مبدأ «تقرير المصير الذاتي»، فإنّ الجماعتيين

يرفضون هذا المبدأ. ومعلوم أنّ المفهوم الليبرالي للهويّة الشخصية يقوم على أنّ الأفراد أحرار في أن لا يتبنّوا

الممارسات الاجتماعية السائدة وأنّ هويّتهم، تاليًا، لا تتحدّد في ضوء هذه العلاقة الاقتصادية أو الدينية أو الجنسية أو

تلك، إذ إهنّم أحرار في نقد هذه الروابط أو رفضها. الأنا، مثلما يرى كانت، سابق في الوجود على مختلف العلاقات

الاجتماعية والأدوار المحدّدة، وهو جدير بأن يضع هذه العلاقات خارج وضعه الاجتماعي ويخضعها لأحكام

العقل. أمّا الجماعتيون، فإهنّم يرون أنّ هذه النظرة للهويّة الشخصية غير صحيحة، إذ هي تجهل أنّ «الأنا» «متجذّر»

و«متموضع» في داخل الممارسات الاجتماعية القائمة، وأنّنا لا نستطيع دومًا أن نضع «مسافة» بيننا وبينها أو أن

نستقلّ عنها. لذلك ينبغي أن تُعدّ جميع أدوارنا وعلاقاتنا الاجتماعية، أو على الأقلّ بعض هذه الأدوار والعلاقات،

معطيات سابقة على كلّ تداول شخصي. ومعنى ذلك أنّ ممارسة حقّ تقرير المصير الذاتي تجري من خلال هذه

الأدوار الاجتماعية، لا بعيدًا عنها ومن خارجها. وعلى الدولة أن تشجّع وتعمّق هذا التجذّر والتعلّق بالجماعة. إنّ

الحرّية التي يبني عليها الليبراليون لا بدّ أن تكون، في رأي تشارلز تايلور، «متموضعة»، ويكون الأنا الذي يمارس

حرّيته مُقْصِيًا جميع العقبات والعراقيل الخارجية، لا يتمتّع بأيّ سمات أو خصائص ذاتيّة، وهو بلا هدف محدّد،

وفارغ من أيّ معنى. ويذهب الفريق الأغلبي من الجماعتيين إلى القول إنّه يتعذّر علينا أن «نختار» أو أن «نرفض»

علائقنا بالجماعة التي ننتمي إليها، ونحن لا نملك إلا أن نكتشف في الحياة ارتباطنا الوشيج بها وبالسياق الثقافي.

يأخذ الجماعتيون على الليبرالييّن أهنّم يهملون الشروط الاجتماعية الضرورية للتلبية الحقيقيّة لمنافعنا ورغباتنا، ويؤكّد

تايلور أنّ النظرية الليبرالية تستند إلى نزعة «ذرية» يشخص فيها الأفراد بما هم مكتفون بذواتهم ويتحرّكون في حالة

استقلال تامّ عن أيّ «رباط اجتماعي». ولكن تايلور يؤكّد أنّ «السياق الجمعي» أو «البيئة الاجتماعيّة» ضرورية

للحياة الطيبة في المجتمع، وأنه يمتنع تمامًا تحقيق تقرير المصير الذاتي خارج الإطار الاجتماعي. لذا ينبغي هجر

45 Kymlicka, Les Théories de la justice, p. 188.

46 المصدر نفسه، ص.227-225

«الحياد الليبرالي» و«الأنا الليبرالي غير الملتزم»، والتعلّق بسياسة «الخير العامّ» والشروط الاجتماعية الضرورية

لتحقيق المصير الذاتي والحياة الطيبة في الجماعة وبالجماعة. وينطوي ذلك كلّه على ربط العدل بالخير. النظريّة السادسة هي النظريّة النسويّة هذه النظرية (Feminism) هي، كبقية النظريّات الأخرى، ذات نزعات متعدّدة؛ فثمّة النسوية الليبرالية، والنسوية

الاشتراكية، والنسوية الليبرتارية، وغيرها. لكن هذه النزعات جميعًا تتضافر في الاعتقاد بضرورة «إلغاء تبعيّة

النساء»، والتعلّق بمبدأ «المساواة» بين الجنسين، ونبذ التمييز والخضوع القانوني لسلطة الرجل بسبب «الوضع

البيولوجي» أو «الطبيعة» التي تضع المرأة في مرتبةٍ أدنى من مرتبة الرجل وتقيم بينهما «اختلافًا» أو «فارقًا»

يسوّغ المعاملة غير المتساوية، وبالتالي غير العادلة بينهما. و«تبعيّة» النساء في الفلسفة النسويّة، هي نتيجة للهيمنة

الذكورية التي تعربّ عن نفسها في التوزيع غير المتساوي للمنافع الاجتماعية، وفي الإجحاف المنظّم في حقّ النساء.

ويقترن بمفهوم التبعية والهيمنة أو السيطرة، مفهوم التمييز بين المجال العامّ والمجال الخاصّ وما يتعلّق به من

التوزيع غير المتساوي للعمل المنزلي والعلاقة بين المسؤوليات العائليّة والمسؤوليات المهنيّة. إذ يجري إقصاء

النساء في حقل (الخاصّ)، أي المنزل، ويستقلّ الرجل بالمجال (العامّ) وحقوله المختلفة، الاجتماعية والسياسية

والاقتصادية.. إلخ، معزّزًا الاعتقاد أنّ «الطبيعة» هي التي تفرض ذلك وأنّ الرجل وحده هو الذي يصلح

للقيام بوظائف المجال العامّ. وقد ترتّب على هذا الإقصاء، التمييز بين «أخلاق الرجال» و«أخلاق النساء»،

وهو تمييز عدّته بعض النسويّات أسطورة ثقافية ولا أساسَ له تجريبيًّا. وهو تمييز يثير التقابل التقليدي بين

النظرية الذكورية التي يؤكّد أصحابها أنّ استعدادات المرأة «حدسية» توافق المجال الخاصّ، والنظرية النسوية

الحديثة التي تؤكّد أهنّا ذات طبيعة عقلية منفتحة على المجال الكونيّ العامّ. وقد ولّد هذا السّجال تبلور تصوّرين

أخلاقييّن يعربّان في رأي غيليكان عن تيّارين لا يمكن التوفيق بينهما: أخلاق الاهتمام والرعاية (Caring/

Sollicitude)، وأخلاق العدالة. الأولى تشدّد على تنمية الاستعدادات الأخلاقية، والثانية تشدّد على تعلّم

المبادئ الأخلاقية؛ الأولى تبحث عن أجوبة ملائمة للحالات الخاصّة، والثانية تريد حلّ المشكلات وفقًا لمبادئ

شاملة؛ الأولى تنشد احترام الحقوق والإنصاف، والثانية تحرص على المسؤوليات والروابط الشخصيّة. بتعبيرٍ

آخر: أخلاق العدالة تشدّد على احترام الحقوق، أمّا أخلاق الاهتمام فتوجّه إلى المسؤولية والتعاطف بإزاء الآخر

من حيث هو مساو. تلك هي أبرز نظريّات العدالة في الفكر الغربيّ المعاصر. ثمّة بكلّ تأكيد منظورات أخرى للموضوع، مشتقّة

من هذا المنظور أو ذاك، أو قريبة من هذه النظرية أو تلك، كالمنظور الذي له صلة وشيجة بالمنظور الليبرالي أو

بالمنظور الجماعتي، أو كالمنظور الذي تعرض لمسألة العدل والعدالة الاجتماعية في علاقتها بفلسفة «الاعتراف»،

مثل ما نجد عند أكسل هونث وبول ريكور ونانسي فريزر، لكن ما عرضت له في الصفحات السابقة يبدو لي

وافيًا بالمقصود في سياق هذا البحث.

47 Charles Taylor, Philosophy and the Human Sciences, Philosophical Papers; 2 (Cambridge, [Cambridgeshire]; New York: Cambridge University Press, 1985), pp. 190-191; Will Kymlicka, Contemporary Political Philosophy: An Introduction (Oxford; New York: Oxford University Press, [s. d.]), pp. 207-215, and Michael Walzer, “La critique communautarienne du liberalism,” dans: Libéraux et communautariens, pp. 311-336. 48 Kymlicka, Contemporary Political Philosophy, pp. 255-308.

ولمزيد من الاطّلاع على الفلسفة النسوية الغربيّة، انظر: خديجة العزيزي، الأسس الفلسفية للفكر النسوي الغربي، تقديم ناصفة نصار

(بيروت: بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، 2005).

9 4 الزواوي بغورة، الاعتراف من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية، تقديم فهمي جدعان (بيروت: دار الطليعة،

بيد أنّ هذا المقصود لن يستوفي حقوقه من دون استحضار المعطى العربيّ الذي انطوى عليه موروثنا التاريخي،

واعتباره في النظر إلى جانب الرؤى الغربيّة المتداولة، للإبانة عامّ يمكن التوجيه إليه في مسألة العدالة في مجتمعاتنا

العربيّة المعاصرة. في حدود مقاربتنا للمسألة، يبدو لي بوضوحٍ تامّ أنّ أصناف العدل التي ينطوي عليها هذا الموروث، والتي تستحقّ

في اعتقادي أن تكون موضوع اهتمامٍ واعتبار، ومضاهاة قبالة أو بمحاذاة نظريات العدالة الغربيّة المتداولة اليوم،

تقع في حقل العدل السياسي والاجتماعي. ذلك أنّ «العدل الكلامي» و«العدل الفلسفي» يخرجان من دائرة

الاهتمام المشخص المباشر الحالي، فضالً عن أنّ الأوّل منهما يجنح نحو الميتافيزيقا، بينما يلحق الثاني بالفلسفة

الأخلاقيّة الأكسيولوجية الغائيّة. والمطلوب الاستجابة لنداء الواقع المشخص: الواقع الاجتماعي والسياسي

والاقتصادي، ولمطلب المسؤولية والواجب، أواّلً وآخرًا، وقصدًا للضبط والتحديد والفاعلية.

بالطبع، يمكن لفريقٍمن المفكّرين – أو بصورةٍ أدقّ من الدعاة الدينييّن - أن يؤكّد أنّ «العدل الشرعيّ» الذي

يلتزم بأحكام الشريعة الإسلاميّة هو وحده الذي يضمن العدل بين الناس، لأنّ الله هو مبدأ هذا الشرع؛ فالله

العادل أعلم من البشر بما هو حقّ وخير وعدل لهم. وهذا «التدخّل» يَشْخَصُ اليوم في جملة أقطارنا العربيّة

بقوّة وحدّة. والمشروع الذي يسعى «الإسلاميّون السياسيون» لإنفاذه ينطوي على الاعتقاد الجازم بأنّ «العدل

الشرعي»، أي أحكام الشريعة الإسلاميّة، هو طريق الخلاص. ويكفي أن نلاحظ أنّ أغلبية الأحزاب الإسلاميّة

السياسية الكبرى تجعل من لفظ «العدالة» علامة على نفسها: ففي تركيا: العدالة والتنمية؛ وفي مصر: الحرّية

والعدالة؛ وفي المغرب: العدالة والإحسان... وبالطبع الدعوى الأساسية التي تقوم عليها هذه الأحزاب، في

ضوء الاسم الذي يرمز إليها، هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة، وأنّ هذه الأحكام تحقّق العدل والرفاهية. إنّني أدرك تمام الإدراك أننا نتحرّك هنا على أرضٍ غير صلبة، وأنّنا نشهد على هذه الأرض تقابالً صريحًا بين

منظورين مترافعين: منظور الإسلامييّن، ومنظور الليبرالييّن. بين هذين المنظورين يعاني «القانون»، وتعاني

«الدولة» ودستورها، ويعاني المواطنون، أشدّ ضروب العنت والتوتّر والقلق. ولأنّ المجتمعات العربيّة الآن،

قد دخلت أو أُدخلت في ما يمكن أن أسمّيه «المختبر الوظيفي للتجربة الإسلاميّة» – لأنّ هذا، في تقديري، ما

يصنعه الغرب اليوم لغاياتٍ لا أخوض فيها هنا – فإنّني لن «أويلّ الأدبار» من المشكلة، وسأقف منها الموقف

التالي الذي هو موقف «منهجي» لا «مذهبي» أو «عقيدي»: في عالمنا العربيّ المسكون – بمسلميه ومسيحيّيه – بعبق الدين، وسحره، وأحكامه، وغائياته، وبأوامره ونواهيه،

ووعوده ووعيده، وعلائقه ومتعلّقاته، وفهومه ومفاهيمه، وطرائق مقاربته وضروب ممارسته..إلخ، لا نستطيع

أن نضع الدين بين قوسين، ولا نستطيع أن ندير له ظهورنا، أو أن نسخر منه ونقطع معه ونقصيه من حياة

المجتمع ومساره ومصيره. فهو «معطى» مباشر، مشخص، ذو بأس وقوّة شديدين عند قوم، طيّب رحيم عند

قومٍ آخرين، لأنّه «محكم» في وجه، «متشابه» في وجوه، ولأنّ المتمثّل للدين يتمثّله وفق «طبيعة ذاته» وما تنطوي

عليه من قاع وجداني أو عقلي أو تراثي أو غير ذلك. وليست المسألة في قبول الدين وأحكامه أو عدم قبوله، وإنما

هي في طريقة فهمنا له ولمضامينه. والقضيّة المنهجية الكبرى هي التالية: هل نتمثّل الدين تمثاّلً «ذريًا»، بمعنى

أن نتصلّب عند مفرداته مجرّدة أو منتزعة من (مجموعه)؟ أم نتمثّله تمثاّلً «كليًّا»، أو «هولستيًّا»، أعني في «مبادئه

العامّة» و«مقاصده النهائية»؟ ويتعلّق بهذا النظر المنهجي: هل نقرأ النصّ الديني «على ظاهره»، أي وفق دلالاته

المادّية الحسّية الحرفية؟ أم نفترض أنّ ظواهر النصّ حافلة بما هو «حمّال للوجوه»، متشابه، وأنّ التأويل وإعادة

قراءة النصوص هما المنهج الذي ينبغي أن يتبع في مقاربة النصّ وفهمه وإنفاذ مضمونه.

لا أتردّد في المسألة. فأنا أعتقد أنّ المنهج الهولستي التأويلي هو الذي ينبغي أن يتبع، وأنّ المبادئ والمقاصد هي التي

ينبغي أن تطلب، لا في موضوع العدالة فقط، وإنمّا في جميع الموضوعات الأخرى. لذلك كانت نظريّة «المصلحة»

التي نوّه بها فقهاء المقاصد هي التي ينبغي الوقوف عندها من جملة الموروث العربيّ الإسلاميّ، ومضاهاتها

بجملة النظريات الغربيّة في العدالة. وهذا التقاطع أو «التضايف» ضروري لأنّنا لا نعيش وحدنا في هذا العالم. ونظريّة المصلحة نظريّة تتوخّى الخير العامّ، وهو مبدأ قرآنيّ صريح، يشتقّ من مقصد الشريعة في ضمان مصلحة

الجماعة وحسن أحوالها. والأصل فيها فعل الخير وتجنّب الشرّ، أو جلب منفعة ودرء مفسدة؛ أي مصلحة العباد

في العاجل والآجل. ومعلوم أنّ فقهاء المقاصد القدامى – وبخاصّة الشاطبي والقرافي - قد جعلوا هذه المقاصد في أقسام: الضروريّة،

والحاجية، والكمالية، وأهنّم شدّدوا على الضروريات منها وحصروها في خمس: حفظ الدين، والنفس، والنسل،

والمال، والعقل. لكن المحدثين توسّعوا فيها بحيث أضافوا إليها ثلّة من قيم الحداثة، وحقوق الإنسان. هذه النظرية في «المصلحة» هي نظرية الخير العامّ. ومع أنّ القرافي والشاطبي يتعلّقان بمنهج «نيصّ» في فهم هذه

النظرية وفي تطبيقها، يؤسّسها آخرون، كالخروصي والعزّ بن عبد السلام ونجم الدين الطوفي وغيرهم، على

العقل. وقد مرّ قول بعضهم إنّه حيثما «ظهرت أمارات الحقّ وقامت أدلّة العقل وأسفر صبحه بأيّ طريق كان،

فثمّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلّته وأماراته في نوعٍ واحد وأبطل غيره من

الطرق (..) فأيّ طريق استخرج بها الحقّ ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها..» حتّى إنّ الفقيه

الحنبلي نجم الدين الطوفي (161316/7 هم) ذهب إلى تقرير القول إنّه إذا ما تناقضت المصلحة مع النصّ

(الديني) فإنه يجب تغليب المصلحة، لأهنّا المقصد النهائي للتشريع. وفي العصر الحديث ذهب الطاهر بن عاشور

إلى أنّ المصلحة ينبغي أن تكون أساسًا لجميع الأحكام القانونية. لكن، هل تهدف الشريعة بالدرجة الأولى إلى حماية مصالح الأمّة المشتركة، أم تهدف إلى حماية المصالح الفرديّة؟

في المسألة المركزية هنا، أي مسألة الملكيّة، وفي ضوء التسليم بأنّ الله هو مالك كلّ شيء، وأنّ للإنسان حقَّ التمتّع

بالملكيّة أو الحيازة، تقابل فريق الفقهاء الآخذين بجماعية حيازة الملكية، وفريق الفقهاء الذين وقفوا إلى جانب

توزيع الملكيّة وحقّ الفرد في اكتسابها ونقلها من شخص إلى آخر. لكن مبدأ الملكية الخاصّة هو الذي انعقد الإجماع عليه بقيود. ومع ذلك فإنّ الأولويّة ظلّت تقدّم المصلحة العامّة

أو الخير العامّ، بحيث أنه إذا تعارضت المصلحة الخاصّة والمصلحة العامّة، فإنه ينبغي أن تخضع الأولى للثانية. أخلص من ذلك إلى أنّ نظرية «المصلحة» و «الخير العامّ» تفرض أحكامها في جميع الحقول الإنسانيّة،

والاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والأخلاقيّة، والقانونيّة. ومع أهنّا، في منطلقاتها الأساسية ذات «بذور

دينية»، فقد خضعت لتطويرٍ جوهري جعل منها نظرية «إنسانية» خالصة يمكن البناء عليها، كليًّا أو جزئيًّا، في

تشكيل نظرية عربيّة معاصرة في العدل. النفعية، والمساواة الليبرالية، والليبرتارية، والجماعتية، والماركسية، النسوية، والمقاصدية.. هي إذن النظريات

التي تشخص قبالة المجتمعات العربيّة وتمثّل لها هذا الخيار أو ذاك، إن لم تكن ثمّة خيارات أخرى.

لا شكّ في أنّ «الاقتصادي» يحكم، ويجور، ويهيمن على عالم اليوم، عالم العولمة. ولكي يستقيم العدل في عالمٍ

0 5 انظر مادّة (مصلحة) في: دائرة المعارف الإسلامية؛ مصطفى زيد، المصلحة في التشريع الإسلامي (القاهرة: دار الفكر العربي، 1954)،

ومحمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية (تونس: [مكتبة الاستقامة]، 1946)، ص 36، والأدبيات في الموضوع كثيرة.

كهذا تبدو المساواة أفضل الردود الملائمة. وهي تبدو كذلك على وجه الخصوص في جملة أقطار العالم العربي.ّ

بيد أنّ «الاقتصادي» ليس هو الحاكم الأوحد. فثمّة العامل الثقافي، والعامل الديني الصاعد صعودًا عظيامً،

والعامل القوميّ، والعامل السياسي، والعامل القانوني. ثمّ إنّ الأقطار العربيّة، على الرغم من عوامل التجانس

ومقوّمات الهويّة، ليست متماثلة في كلّ شيء، والفوارق الثقافية شاخصة هنا وهناك. ولا يخفى وجود هوّة

اقتصادية سحيقة تفصل بعض بلدانه عن بعضها الآخر، وتباعد الموارد والثروات وتفاوتها هنا وهناك. والفقر

بل العوز، سمةٌ صارخة من سمات بعض المجتمعات العربيّة، وتوزيع الثروة في جميع الأقطار العربيّة غير عادل.

ويؤكّد لنا الاقتصاديون والاجتماعيون والمفكّرون السياسيون والقانونيون- معمّق وهذه وجوه تحتاج إلى بحثٍ

واستقصاءٍ واسع، وهي ليست ممّا يقدر صاحب هذا البحث على النهوض به - أنّ المظالم وقائع بديهية لا يملك

أحد أن ينكرها أو أن يقلّل من شأنها، وأنّ علاجها لا يمكن أن يتحقّق إلا بالعدل. لكن، أيّ عدل؟

في فضاءات الديمقراطية الغربيّة الأوروبيّة والأميركية، وعلى الرغم من الظفر الكبير الذي حقّقته الرأسمالية

المعزّزة بنظام عولمي اقتصادي – لكنه يعاني منذ سنوات آفاتٍ مستحكمة - لم ينجم أيّ إجماع على الفلسفة التي

يمكن الزعم أهنّا هي الطريق الأمثل لتحقيق العدالة. وقد ظهر جليًّا أنّ العقل الغربيّ ذهب مذاهبَ مختلفة،

سبقت الإشارة إليها. كما ظهر أنّ أتباع هذه المذاهب قد تصلّبوا عند أحاديةٍ مسرفة تنصب لكلّ مذهب «قيمة

مؤسِّسة» نهائيّة لا تسمح بالتلاقي مع القيم المؤسّسة للمذاهب الأخرى. فالخلاف بين النفعييّن وليبرالية رولز

قاطع، والتناقض بين المساواتيين والليبرتاريين جذري، والمخاصمة بين الجماعتيين والليبراليين مشهودة. لكن

من المؤكّد أنّ ثمّة تقاربًا يمكن أن يحدث بين أكثر من نظرية عند بعض المبادئ أو القيم الأساسية في هذه النظريّة

أو تلك. فليس ثمّة شكّ في أنّ هناك جنوحًا غالبًا إلى مبدأ تعليق العدل على المساواة، في هذا الشكل أو ذاك.

ويمكن القول أيضًا إنّه على الرغم من التقابل التقليدي بين الخير العامّ والفردانية، فإنّ النفعييّن والليبرالييّن

التكافليين والجماعتيين – والماركسييّن أيضًا - يسلّمون بأهمّية الخير العامّ وضرورته لسعادة المجتمع. ومع ذلك، فإنّه ليس علينا، نحن، أن نقارب المسألة بإطلاق من أبواب الفضاءات الغربيّة، على الرغم من

التأثيرات التي تدرك أجواءنا، لأنّ للمجتمعات العربيّة أوضاعها الخاصّة، المختلفة، ولأنّ امتداداهتِا التاريخية

في الحاضر تشكّل وعيًا مختلفًا، ولأنّ المعطيات الثقافية والدينية والأخلاقية والفقهية أو القانونية، والظروف

التاريخية، تفرض أحكامًا ورؤى واعتبارات لا تجري مجرى المعطيات الغربيّة والأميركيّة. لذلك ينبغي أن نتأمّل

في مسألة العدل في حدود المعطيات العربيّة التاريخية، والراهنة، لا في حدود المعطيات الغربيّة وتفصيلات

المذاهب التي جرى تداولها ومناقشتها هناك، مقدّرين أيضًا أنّ النوى القاعديّة لنظريات العدالة الغربيّة التي

نوّهت بها، تشخص، بطريقةٍ أو بأخرى، في المجال الاجتماعي والإنساني العامّ لا في المجال الغربيّ فقط.

أفترض أنّ المعطيات الأساسية للثقافة العربيّة والإسلاميّة التقليدية والحاليّة ماثلة، بصورةٍ أو بأخرى، في أذهاننا

وفي عاداتنا وممارساتنا وتطلّعاتنا. وهي إن لم تكن شاخصة على نحوٍ علميّ «وضعيّ» وعقليّ دقيق، فإنها بكلّ

تأكيد شاخصة في إهاب حدس عقلي مباشر أو في رغباتنا وإراداتنا ومطامحنا الحيويّة. في حدود هذه المعطيات

سأراجع «القيم المؤسّسة» النهائية لجملة نظريات العدالة الشاخصة التي عرضت لها في هذا القول.

بادئ الأمر هنا أنّ ثمّة نظريات بانية لعددٍ من المذاهب، لا نملك إلا أن نضعها بين قوسين ونخرجها من السياق،

إمّا لأنه جرى تجاوزها واقعيًّا في بيئاتها الأصليّة وسواها، وإمّا لأهنّا لا توافق المعطيات الثقافية العربيّة، وإمّا لأهنّا

مناهضة أصالً لمفهوم «العدالة الاجتماعيّة» المنشود. وفقًا لهذا الاعتبار، أستطيع أن أقول إنّه يتعذّر الجنوح إلى النظريتين الليبرتارية والماركسية؛ الأولى لأهنّا تنكر مفهوم

العدالة أصالً وتمثّل، وفق تعبير بورديو، داروينية جديدة، والثانية بسبب المبدأ المساواتي المطلق égalitarisme()

الذي تتبنّاه، فضالً عن المنطلقات والقواعد الفلسفية التي لا تجد اليوم آذانًا صاغية لها في الفضاءات العربيّة،

وذلك على الرغم من قوّة بعض الأفكار الأساسيّة التي تنطوي عليها وسدادها، وعلى الرغم من استمرار

حضورها في أوساط بعض المثقّفين والحركات السياسيّة. ما الذي يتبقّى، ممّا يمكن التعويل عليه، بشكلٍ أو بآخر؟ النفعية أواّلً. لكن ما الذي يستحقّ الأخذ به منها؟ أم أهنّا يمكن أن تكون صالحة للإنفاذ جملةً وتفصيالً؟ إنّ

الغاية الجوهريّة التي تطلبها «النفعية» هي، مثلما ذكرنا، تحقيق أعظم قدرٍ من السعادة لأفراد المجتمع. وهذه،

بكلّ تأكيد، غاية سليمة ومطلوبة، فما من إنسان إلا ويطلب السعادة. لكن أيّ سعادة؟ إذا كان المقصود سعادة

دنيوية منبتّة الصلة عن الله وعن حياة النفس أو الإنسان بعد الموت، فمن المؤكّد أنّ النفعية بهذا المعنى، لن تكون

ملائمة لمجتمعاتٍ عربيّة يحتلّ فيها «الديني» مكانةً جليلة. وتزداد أسباب انعدام الملاءمة إذا ما كانت المنفعة

مرتبطة بمطلق مبدأ اللذّة الحسّية وبالفردانية «الذرية» الأنانية. صحيح أنّ «المؤمنين» أنفسهم يوجّهون حياتهم

اليومية بمعيار «حساب الحسنات والسيّئات»، ويجهدون في فعل أكبر قدرٍ من الحسنات للحصول، في الآخرة،

على أعظم قدرٍ من النفع الماثل في السعادة الأخرويّة، لكن هذه النزعة «النفعيّة» لا تنحصر، مع ذلك، عند الجميع

في فردانية أنانيّة مطلقة، لأنّ «الأفعال الحسنة» التي يحرص المؤمنون الأتقياء على القيام بها وعلى كسب حسناتها،

لا تستحقّ أن تكون أفعاالً حسنة إالّ إذا هي اقترنت بالنيّة الخالصة المتّجهة إلى فعل الخير للآخرين، أي إلى توخّي

الخير العامّ. أمّا إذا كان المقصود منها أفعاالً «شكلانية» تقصد «الربح» الخالص، أي «ربح الجنّة» بغضّ النظر

عن المنفعة التي تمتدّ إلى الآخرين – مثل ما يمكن أن يشاهد عند كثيرين - فإنها تفقد معناها وقيمتها بكلّ تأكيد.

فالعدالة القائمة على طلب المنفعة المفضية إلى السعادة هي عدالة مشروعة، لكنها تفقد شرعيّتها إذا ما التزمت

فردانيّة مستغرقة في اللذّة الذاتية – حسّية أو عقليّة أو وجدانيّة - أو في المنفعة الأنانية، غير آبهة بالخير العامّ. المنفعة

خيرٌ يطلبه كلّ الناس، وهي خير طبيعيّ، إلا أنه حتّى يكون هذا الخير عادالً يجب أن يقترن بفضيلة «الاعتدال»

التي تكلّم عليها فلاسفة اليونان وأقرّها الوحي الديني، ويجتنب الفردانية الأنانية والنرجسية الذاتية، ويتوخّى

السعادة والخير للمجموع العامّ أيضًا. هل تساهم فلسفة (الحرية) الليبرالية في تشكيل «مركب العدالة» الملائم؟ بكلّ تأكيد في الحقلين الأساسييّن:

الحقل الاقتصادي والحقل السياسي، أي في ما يطلَق عليه «العدالة الاجتماعية». وليس ثمّة ريب في أنّ تصوّر رولز

وأقرانه للعدالة يصلح لأن يكون دعامة أساسية من دعائم العدالة في سياقٍعربيّ. ومبدأ المساواة الذي يقترن هنا

بالعدالة اقترانًا تأسيسيًّا، هو مبدأ جوهري من مبادئ تحقيق هذه العدالة، والفكرة التي يدافع عنها رولز في قوله إنّ

جميع الخيرات الاجتماعية الأوّلية – الحرّيات، والفرص، والدخل، والثروة، واحترام الذات - ينبغي أن توزّع على

وجه المساواة، إلا أن يكون توزيع غيرُ متساوٍ لمجمل هذه الخيرات أو لواحدٍ منها، مفيدًا لمن هم أقلّ حظًّا، هذه

الفكرة عقليّة، مقبولة، وتوافق المعطيات الجوهرية للتصوّرات العربيّة والإسلاميّة. وبكلّ تأكيد ليس المقصود هنا

الانحراف للمبدأ «المساواتي» (égalitarisme) وإلغاء التفاوتات، وإنمّا المقصود أن يحصل الجميع على هذه المنافع

وتحقّق التفاوتات الطبيعية أعظم النفع للأفراد الأقلّ حظًّا، أي إنّ العدالة التوزيعية مدعوّة لأن تعطي كلّ شخص

ما هو حقّ له ولا تلحق النفعية اللامساواتية السادرة أيّ حيف أو ظلم بأفراد المجتمع. هذه الصيغة لعدالة المساواة

الليبرالية صيغت أصالً لمجتمعٍ رأسمالي نفعيّ فردانيّ أنانيّ، بحيث مثّلت ارتدادًا ونقدًا لنفعيّته ومظالمه وطبيعة الحرّية

«السادرة» التي توجّهه، وتصدّت إلى إعادة تشكيله بحيث يحقّق أعظم قدرٍ من العدل والإنصاف. في السياقات

العربيّة التي لم تبلغ ما بلغته المجتمعات الغربيّة من تطوّرٍ وتعقيدٍ وصراعٍ وتفاوتٍ، تبدو «المساواة الليبرالية» ذات

جدوى وفائدة، لكنّها يمكن أن تكون أكثر جدوى وفائدة، وأعظم توافقًا مع ثقافة هذه المجتمعات وتطلّعاتها،

إن هي اختّذت طابع «ليبرالية تكافلية» أو تضامنية أبعد غورًا ونشدانًا للخير العامّ، من دون التفريط في الحرّيات

الأساسية، أي من دون أن يجور الخير العامّ على الخير الخاصّ لأفراد المجتمع. هل تحمل النظرية الجماعتية معنى خاصًّا لمجتمعاتنا؟ بكلّ تأكيد أيضًا. فالقضيّتان الأساسيتان اللتان تشدّد هذه

النظرية على أهميّتهما – أعني نقد «حيادية الدولة» الذي تأخذ به الليبرالية والليبرتارية، وسياسة الهويّة الذاتية

والخير العام-ّ هما قضيّتان مركزيتان في الفعل الحيويّ للنسيج السياسي والاجتماعي لمجتمعاتنا. ويمكن القول

إنّ ثمّة توافقًا عامًّا بين الجماعتية والاجتّاه الأغلبي في مجتمعاتنا، من حيث إننا لا نقبل أن تتخلىّ الدولة عن

مسؤولياتها الاجتماعية، لماذا؟ لأنّ مؤسّساتنا الاقتصادية والسياسية والقانونية لم ترق في حسّها الاجتماعي وفي

إحساسها بالمسؤولية تجاه المواطن والمجتمع إلى مستوى التنظيمات الجديرة بأن تلتفت إلى المشكلات الاجتماعية

وتساهم في تقديم الحلول والمساعدات الضرورية لها. ودولة «الحدّ الأدنى» و«اليد الخفيّة» التي يتكلّم عنها

الليبراليون والليبرتاريون، لن يترتّب عليها في المجتمعات العربيّة ودولها إلا المزيد من الفوضى والظلم والفساد.

لكن، من وجهٍآخر، نحن لا نطيق أن تتدخّل الدولة في «الخيارات التفضيلية للأفراد»، وتفرض على المواطن

طبيعة «المصير الذاتي» الذي ينبغي أن يحقّقه وطبيعة «النظام الفكري» الذي يجب أن يجسّده في حياته الخاصّة.

لا شكّ في أنّ الأنا متجذّر في «الاجتماعي»، «متموضع» في الممارسات الاجتماعية القائمة، لكن ينبغي للدولة

والمجتمع ألاّ يُلْزِما الفرد بتمثّل «أيديولوجيا» جاهزة ويوجّها حرّيته الشخصية بحيث تندمج في تصوّرٍ مستبدّ

شامل لا تحيد عنه. في مجتمعاتنا العربيّة يجب الدفاع عن الحرّيات الشخصية، لكن يجب أيضًا، في ضوء فوضى

القيم السادرة وانحطاط الحسّ الأخلاقي العامّ والتدمير الثقافي الذي أحدثته أذرع «الثقافة الكونيّة» وقيمها

الفردانية والنرجسية الشرسة، ردّ الاعتبار للفضائل الأخلاقية العليا والدفاع عن الخير العامّ وتحقيق الملاءمة

بين هذا الخير وخير الأفراد الخاصّ. وفي اعتقادي أنّ المنظور «الجماعتي» الذي يؤكّد أهمّية «الرباط الاجتماعي»

وينكر «الحياد الليبرالي» وغلبة «الأنا الليبرالي غير الملتزم»، «الأنا الذري» اللااجتماعي، هو منظور ملائم لمجتمعاتنا العربيّة في المرحلة التاريخية التي تمرّ بها حاليًّا. لذلك كانت الدولة الليبرالية التكافليّة، دولة الخير العامّ

والرعاية، هي الدولة الأجدر بتحقيق العدل الاجتماعي. هل ثمّة موطئ قدم للعدالة النسوية في مركب العدالة من منظور عربيّ وظيفي؟ بكلّ تأكيد أيضًا. فالقضيّة

الجذريّة العميقة التي تمثّل القاع الأساس للنسوية، هي قضيّة المساواة بين الجنسين والاحتجاج على مبدأ

«التبعية» وإلحاق المرأة بالرجل، والافتئات على حقوق المرأة. ونظرية العدالة في هذا القطاع تريد أن تردّ إلى المرأة

الحقوق الإنسانية التي سلبها الرجل عبر التاريخ، وتؤكّد مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة. وفي عصرنا

الراهن، بل منذ عصر النهضة العربيّ الحديث، احتلّت هذه المسألة مكانةً متعاظمة في مشاريع النهضة العربيّة،

وتردّدت المقاربة بين مبدأ «إنصاف المرأة» والمطالبة بأن تردّ إليها حقوقها «الشرعيّة»، ثمّ الدفاع عن مبدأ المساواة

بين الجنسين من منظورٍ ليبرالي عند فريق، ومنظورٍ إصلاحي – أو تكاملي - آخر، وفريق إسلاميّ عند فريقٍ

«راديكالي» عند فريقٍثالث. وهذا الفريق الأخير هو الذي ارتبط اسمه بنسوية إسلامية حقيقية، ليست هي

على كلّ حال «النسوية الرافضة» التي جسّدتها ثلّة من الكاتبات اللواتي جنحن إلى موقف نقديّ صارم بإزاء

«مسلمّات الإسلام التقليدي» أو الموروث، أعني كاتبات من أمثال تسليمة نسرين وأيان حرسي علي ونجلاء

كيليك. النسوية الإسلامية التي يصدق عليها هذا الاسم، وتتمثّلها مفكّرات مسلمات كأمينة ودود وأسماء برلاس ورفعت حسن وفاطمة المرنيسي...، هي النسوية التي دافعت عن مبدأ «المساواة الأنطولوجية» بين

الرجل والمرأة، وأكّدت، من منظورٍ قرآني، المساواة الكاملة في الحقوق بين الرجل والمرأة، ورتّبت على ذلك «قراءة جديدة» للنصوص الدينية «اللامساواتية» في ظاهرها. بفضل هذه القراءة «التأويلية» التي مارَسْنَها أمكن

فعالً تجريد نظريّة إسلامية في العدالة النسوية. وبإمكاننا أن نزعم هنا أنّ هذه النظرية تستطيع أن تستوعب

كلتا النزعتين الأخلاقيتين اللتين جرى تداولهما في الفضاء الغربيّ، أعني «أخلاق العدل» و«أخلاق الاهتمام»:

الأولى تعزّزها عدالة الحقوق، والثانية تعزّزها الرؤية القرآنية، لا الفقهية، للعلاقة الزوجية. لا أجد مسوغًا لاستئناف القول في نظرية «المصلحة» التي أخذ بها فقهاء «المقاصد»، وأهنّا في صيغتها العقلية،

نظريّة صريحة في العدالة القائمة على مبدأ «الخير العامّ»، وأنّنا -في نهاية المطاف وفي غاية هذا القول- نستطيع،

باطمئنان عظيم، دمجها في مركب نظرية عربيّة في «العدالة الاجتماعية» أركانها الأساسيّة: المنفعة الضاربة في

الخير العامّ، ليبرالية تكافليّة حافظة للحرّيات الأساسية والمساواة في الفرص وفي توزيع الخيرات الاجتماعية مع

الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد والفئات الأقلّ حظًّا، وتعزيز القواعد الحامية للهويّة في إطار تنمية القدرات

والملكات الفردية الحريصة على الجمع بين خير الفرد وخير الجماعة واجتناب مخاطر «الأنا الذري» الفرداني والنرجسي، وتعزيز مبدأ الخير العامّ، وإرساء بنيان المساواة النسويّة بإبداع قراءة تأويليّة مساواتية للنصوص

الدينيّة التي يفيد ظاهرها «المتشابه» أوضاعًا لا مساواتية وغير عادلة.

تلك معالم أساسية وقواعد بانية لدولةٍ عادلة، ومجتمعٍ عادل، وحاكمٍ عادل. لا شكّ في أنّ «ديمقراطية عالمة» هي شرط ضروري لإنفاذها. لكنْ ثمّة شرط أعظم أهميّة وخطرًا وبأسًا، هو أن يتمثّل كلّ مواطن، وكلّ

جماعة، وكلّ مؤسّسة، في النظر وفي الفعل، مبدأ ديونطولوجيًّا جوهريًّا هو مبدأ «المسؤولية». لأنّ حرّية سادرة

بلا حدود، وديمقراطية تقنية صوريّة بلا علم ومعرفة وثقافة، لن تعنيا في عاقبة الأمر إالّ تسوية مع الاستبداد

وطريقًا سالكة إلى مضادّات العدل.

1 5 فهمي جدعان، خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث

والنشر، 2012)، الفصل 1، ص.81-21

2 5 وقف ناصيف نصار في كتابه الذات والحضور وقفة دالّة عند مقولة «العادل»: الإنسان العادل، والحاكم العادل. «فالعادل هو

الإنسان المستعدّ دومًا للتعامل مع نفسه ومع الآخرين بحسب ما يقتضيه العدل مع تقديم العدل الأساسي على العدل الوضعي عند

الضرورة وقدر الإمكان». والعادل يتقيّد بأحكام القانون من دون سواها. وهو ينشد في العدل القانوني ما يخفّف قلقه الضميري في ما

يتعلق بحقوقه وواجباته، وبحقوق الآخرين حوله وواجباتهم. من أين يأتي المجتمع بالحاكم العادل، على الرغم من «أنّ قيمة العدل مركزة

في حقيقة الكائن الذاتي»؟ تلك «مسألة متوقّفة على تقدّم الوعي النظري والتطبيقي بالعدل وعلى شيوع هذا العدل في طبقات المجتمع

ومؤسساته. الأمر الذي يعني أنّ مسؤولية خاصّة تقع على النخبة المفكّرة والقائدة. ولكن الجمهور كلّه مسؤول أيضًا، ولا سيمّا إذا كان

النظام ديمقراطيًّا. فالمسألة هي إذن مسألة روح العدل واستقراره في المجتمع بأسره، أفرادًا وجماعات، والعادل حقًّا هو من يتحرّك بروح

العدل قبل أن يمسك بميزان العدل»، انظر: نصار، الذات والحضور، ص 389-387. وقد جرت الإشارة إلى أنّ بول ريكور قد خصّ

Paul Ricoeur, Le Juste, Philosophie (Paris: Éd. Esprit, 1995).: مفهوم (العادل) بكتابٍ

الترجمة العربية: بول ريكور، العادل، تعريب محمد البحري [وآخرون]؛ تنسيق فتحي التريكي؛ تقديم عبد الوهاب بوحديبة، 2 ج

(قرطاج، تونس: بيت الحكمة، 2003).