Return to Article Details Justice as Recognition

العدالة بوصفها اعترافًا:دراسة مفهومية أوّلية

Justice as Recognition

حسام الدين درويش

Hossam al-Din Darwish

الملخّص

* أكاديمي وكاتب سوري، مدرّس في قسم الفلسفة، جامعة حلب.

Abstract

Darwish argues that the idea of “justice as recognition” may provide the basis for a comprehensive theory of justice. This requires an examination of the conceptual and linguistic connotations of the concept of recognition, in addition to a review of its historical and contemporary theories, particularly in the works of Rousseau, Smith, Fichte, and Hegel. To this end, the essay discusses the concept of justice in relation to other notions: equality, need, competence, freedom, rights and law, relationships with the other, dependence on the other, the good, and so on. It argues for the need to treat all of these relationships from a new conceptual angle, that of recognition, a concept that has reached a great degree of complexity and depth; an entire philosophical tradition serves as the foundation for this concept, and is simultaneously based upon it. The paper then moves on to discuss the concept of recognition itself, and examines the semantic connotations of the word in Arabic, as well as its meaning in English, French, and German. It then elaborates on the meanings of this concept and its usages in contemporary philosophy and thought. The paper argues that this broad concept, with its various usages, includes a certain unity that allows the three main currents that employ it to be considered as a whole: social relations, or the distribution of the forms of social recognition among individuals; legal relations, or questions of property, citizenship, and civic belonging; and interpersonal relations, or relations of love, friendship and family.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية
  • الجدارة
  • الحق
  • الاعتراف
Keywords:
  • Justice
  • Darwish
  • relations of love
  • contemporary philosophy

في هذا السّبيل، يعرض البحث ارتباط مفهوم العدالة بمفاهيم أخرى وإحالته عليها: العلاقة مع

الآخر والارتباط بالغير، المساواة، الحاجة، الجدارة، الحرّية، الحقّ والقانون، الخير... مشيرًا إلى

بروز تناول هذه العلاقات جميعًا من زاوية مفهوميّة جديدة، هي زاوية مفهوم «الاعتراف» الذي

بلغ من التعقيد والعمق والسّعة درجة الحديث عن فلسفة تؤسّس لهذا المفهوم وتتأسّس عليه في

الوقت ذاته. والبحث إذ ينتقل إلى تناول مفهوم «الاعتراف» ذاته، فإنّه يعرض دلالات «الاعتراف» اللغويّة

والاصطلاحيّة في اللغة العربية، كما دلالات مرادفاته الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة، وذلك قبل

أن يعرض معاني هذا المفهوم واستخداماته في الفلسفة والفكر المعاصرين عمومًا، حيث يرصد

وحدةً ينطوي عليها هذا المفهوم الواسع تسمح بتوحيد التّيارات الرئيسة التي تناقشه وتتناول

أشكاله الثلاثة الرئيسة: العلاقات الاجتماعيّة المرتبطة بتوزيع أشكال التقدير الاجتماعي بين

الأفراد، خصوصًا علاقات العمل (مجال المهارة والكفاءة)؛ العلاقات القانونيّة المرتبطة بمكانة

الملكيّة والمواطنة (مجال المواطنة أو الانتماء المدني)؛ العلاقات بين الأشخاص داخل العائلة أو

علاقات الحب والصّداقة (مجال الحب). كل ذلك في محاولة لدفع التّفكير بشأن الاعتراف إلى أن

يكون نظريّةً ونموذجَ بحثٍ ناضجا ومؤسّسًا جيّدًا في الفلسفة.

«ما العدالة؟»، بمثل هذه الصيغة من السؤال أو التساؤل الذي يسعى إلى تحديد معنى المفاهيم وماهية

الأشياء، بدأ الفكر الفلسفي المنهجي والمدوَّن رحلته. وللإجابة عن هذا السؤال تحديدًا، خصّص

أفلاطون – وهو أول فيلسوف وصلتنا مؤلّفاته - أحد أول كتبه وأهمها في الفلسفة عمومًا، وفي الفلسفة

السياسية خصوصًا. واستمر انشغال الفلسفة السياسية والأخلاقية بهذا السؤال منذ جمهورية أفلاطون حتى

فكرة العدالة)2009( لأمارتيا سِن، على سبيل المثال. وهذا لا يعني أن اهتمام الفلسفة بمسألة العدالة كان

كبيرًا دائامً؛ فقد اختُزلت العدالة أحيانًا إلى مجرد الوفاء بالوعد أو العهد أو حماية الملْكية الخاصة. إذا كان

هذا الانشغال قد خفَّت شدّته أحيانًا، فيمكن القول إنه وصل إلى ذروته في العقود الأربعة الأخيرة، حيث

تنحصر الفلسفة العملية – كما يشير هابرماس – في مسائل العدالة. ويمثّل كتاب جون رولز نظرية في العدالة

(1971 منعطفًا مه وحاسامً في تناول الفلسفة السياسية لهذا الموضوع، بحيث يمكن تحقيب الأعمال التي)

تناولت موضوع نظريات العدالة في الفلسفة المعاصرة وتصنيفها وفقا لتاريخ صدورها – قبل صدور كتاب

رولز أو بعده – وتبعًا لموقفها من نظرية رولز. والحديث عن العدالة من حيث هي اعتراف جاء بعد حديث

رولز عن العدالة بوصفها إنصافًا. وسنعمل في ما يلي على القيام بدراسة مفهومية أوّلية توضح، من جهة أولى،

ارتباط مفهوم العدالة ببعض المفاهيم، مثل المساواة والجدارة والحاجة والحرّية...إلخ، وتُبنيّ، من جهة ثانية،

بعض الدلالات الأوّلية اللّغوية والاصطلاحية لمفهوم الاعتراف. وسنختم بتساؤل عن مدى معقولية تناول

العدالة، من منظور فلسفة الاعتراف، وبتحديد أولّي لبعض العناوين العامة التي يُفترض بمثل هذا التناول

«المنشود» أن يبحثها.

مفهوم العدالة

لا بدّ لأي بحث في مفهوم العدالة، أو في نظرية العدالة أن ينبني من خلال استدعاء عديد من المفاهيم المتداخلة

أو المتضافرة معه. وسنشير هنا سريعًا إلى بعض أهمّ المفاهيم التي تعالجها نظريات العدالة أو تتعامل معها. يحيل مفهوم العدالة، صراحةً أو ضمنًا، على العلاقة مع الآخر؛ فالعدالة، كما يقول أرسطو، هي الفضيلة «من

1 انظر: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة فؤاد زكريا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1974

2 انظر: أمارتيا سن، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، وأحمد بعلبكي، «قراءة في كتاب

«فكرة العدالة» لأمارتيا صن،» تبي (الدوحة)، السنة 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص.226-219

3 هذا ما فعله هوبز، على سبيل المثال، حين اقتصر على تناول العدالة انطلاقًا من فكرة الوفاء بالعهد المقطوع الذي رأى فيه «منبع العدالة

وأصلها». انظر: توماس هوبز، اللڤياثان: الأصول الطبيعية والسّياسية لسلطة الدّولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب؛ مراجعة وتقديم

رضوان السيد (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث «كلمة»؛ بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.151

4 يورغين هابرماس، مستقبل الطبيعة الإنسانية: نحو نسالة ليبرالية، ترجمة جورج كتورة؛ مراجعة أنطوان الهاشم (بيروت: المكتبة

الشرقية، 2006)، ص.9

5 جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، دراسات فلسفية؛ 5 (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011). عند اتفاقنا

مع الترجمة العربية لهذا الكتاب (أو لغيره من الكتب) فسنحيل القارئ عليها؛ لكن عندما نجد أنَّ النص المُقتبَس يمكن ترجمته ترجمةً أكثّر

دقَّةٍ، من وجهة نظرنا، فسنحيل حينها على الكتاب بلغته الأصلية.

6 للاطِّلاع على دراسة عامة ومكثفة لنظريات العدالة من أفلاطون حتى رولز، انظر: ديفيد جونستون، مختصر تاريخ العدالة، ترجمة

مصطفى ناصر، عالم المعرفة؛ 387 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2012

7 Richard Arneson, “Justice After Rawls,” in: John S. Dryzek, Bonnie Honig and Anne Phillips, eds., The Oxford Handbook of Political Theory , Oxford Handbooks of Political Science (Oxford; New York: Oxford University Press, 2006), pp. 45-64.

حيث إنها متعلّقة بالغير». والعلاقة مع الآخر أو الغير تأخذ شكلين أساسين: علاقة بين طرفين حاضرين

بعضهما مع بعض (الأنا مع الأنت، أو الأنا مع الأنتم، أو النّحن مع الأنت، أو النّحن مع الأنتم). وفي جميع

هذه الحالات، يمكن الحديث عن مدى عدالة أو عدم عدالة العلاقة بين هذين الطرفين، مع العلم أنه يمكن،

في مثل هذا النوع من العلاقة مع الآخر، تجاوز مستوى العدالة الحقوقية والواجبة – أي العدالة المرتبطة بالحقّ

والواجب – وبلوغ مستوى عدالة السماح أو التسامح. وتصبح مسألة العلاقة مع الآخر أكثر إشكالية، عندما

نأخذ في الحسبان وجود طرف ثالث (الهُوَ)؛ فهذا الطرف الثالث لا يكون حاضرًا مباشرة، لأتفاوض أو لأتحاور

معه، ولنتبادل السماح أو التسامح، وإنما هو حاضر حضورًا غير مباشر، بوصفه حقًّا لا ينبغي، بل ولا يمكن،

التنازل عنه. وإلى وقت قريب، كان الآخر «الثالث»، في نظريات العدالة، دائامً تقريبًا، هو الآخر القريب، أي

الآخر الذي تربطني به رابطة عضوية ما. وفي عصرنا الراهن، تُعدُّ الروابط القومية أو الدّينية أو الوطنية من أبرز

الروابط السياسية التي تحدد مفهوم الآخر القريب. ولهذا كان مفهوم العدالة في الأغلب، وحتى وقت قريب،

يقتصر على العلاقة بين الأطراف المنتمية إلى دولة واحدة. غير أن الأمر تغريّ في العقود الأخيرة، بحيث أصبح في

الإمكان الحديث عن عدالة دولية أو عن عدالة عالمية. فكلُّ علاقة مع الآخر – قريبًا كان أو بعيدًا – هي علاقة

«أخلاقية»، تسمح لنا بالحديث عن مدى عدالة أو عدم عدالة هذه العلاقة. ويمكن القول: ثمّة عدالة عالمية

بقدر عالمية الأخلاق. وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نفهم لماذا رأى ليونارد نيلسون L. Nelson() في قانون

الأخلاق – المتمثِّل في تساوي جميع البشر على مستوى الكرامة – «دستورًا للعدالة ». ويرتبط مفهوم العدالة بمفهوم المساواة، إلى درجة تُغري، أحيانًا على الأقل، بالتّوحيد بين المفهومين. وحتى إذا

سلّمنا باختلاف هذين المفهومين، فلا يمكن استبعاد مفهوم المساواة من فهمنا لمفهوم العدالة. ويكون السؤال

حينها: ما نوع المساواة ودرجتها اللتين تقتضيهما العدالة؟ والسؤال الأساس في هذا الإطار لا يتعلّق بوجوب

المساواة وتبريرها، أو العكس، وإنما يتعلّق بموضوع هذه المساواة)Equality of what?(، وفقًا لأمارتيا

سِن الذي بنيّ أيضًا أن الحديث عن المساواة وتبنّي نوع من أنواعها في نظريات العدالة، لا يقتصر على أنصار

مذهب المساواة Egalitarianism()، وإنما يشمل أيضًا أنصار جميع المذاهب السياسية والأخلاقية، بما في ذلك

أنصار المذهب النّفعي Utilitarianism(). ولا وجود لمن يَدْعون إلى المساواة الكاملة والمطلقة، في هذا الإطار،

بل إن المطالبين بالمساواة على صعيد معنيّ يقبلون، بل ويدعون إلى عدم المساواة على صعيد آخر أو على صُعد

أخرى. ومن الأسئلة المبحوث فيها في هذا الإطار: هل تكون المساواة في الفرص والمدخلات أم في النتائج

والمخرجات؟ وبكلمات أخرى، هل المساواة المنشودة هي مساواة في الثروة، أم في السعادة، أم في الحرية، أم في

الحقوق، أم في الفرص المتاحة، أم في إشباع الحاجات؟ وهل المساواة المطلوبة مبدئية، وإجرائية، ومقتصرة على

الصُعد الأخلاقية والقانونية والتشريعية، أم إنها تشمل أيضًا الحصاد أو الإنجاز الاقتصادي، كما هي الحال

8 أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة أحمد لطفي السيد (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1924)، ج 2، ك 5،

ب 1، ف 20، ص.61

9 أودو فورهولت، «العدالة – التصور الفلسفي لدى ليونارد نيلسون،» في: توماس ماير وأودو فورهولت، محرران، المجتمع المدني

والعدالة، ترجمة راندا النشار [وآخرون]؛ مراجعة علا عادل عبد الجواد (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010)، ص.139

10 Amartya Sen, “Equality of what?,” in: Robert E. Goodin and Philip Pettit, eds., Contemporary Political Philosophy: An Anthology , Blackwell Philosophy Anthologies; 4 (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell Publishers, 1997), pp.

11 Amartya Sen, Inequality Reexamined (New York: Russell Sage Foundation; Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1992), p. 16.

مع «المساواة الاقتصادية» التي تحدَّث عنها توماس ناجل؟ وهل تكون المساواة في الحرّية وتوزيع المنافع أو

الخيرات هي الأساس، كما يرى رولز، أم تكون في الموارد، كما يرى رونالد دوركين؟ وإذا كانت العدالة تقتضي التعامل المتساوي مع المتساوين، فما العدالة حين يتعلّق الأمر بغير المتساوين؟ ألا

يتفاوت البشر في ما بينهم، من حيث قدراتهم وإمكانياتهم وإنجازاتهم؟ وهل من العدل أن نساوي بين غير

المتساوين؟ لقد أجاب أفلاطون عن السؤال الأخير بالنفي، ورأى أن المساواة لا تطبَّق إالّداخلكلّ طبقة

من الطبقات الثلاث (طبقة الصّناع والتجار والزّرَّاع، وطبقة المحاربين، وطبقة الحكام الفلاسفة)، أمّا بين

هذه الطبقات، فيسود التوازن والانسجام، لا المساواة. ويشدد أرسطو في تمييزه بين العدالة التّوزيعية والعدالة

التّعويضية على أن النوع الأول من العدالة يسوده مبدأ الجدارة أو الاستحقاق، وتكون المساواة في الحصص

مطلوبة فقط حينما يكون الأشخاص المعنيين متساوين في الاستحقاق. وفي النوع الثاني فقط، يمكننا الحديث عن

هيمنة المساواة الحسابية التي تغضّ النظر عن جدارة الأشخاص أو تفاوت مكاناتهم وقدراتهم. وهكذا، تتمثّل

العدالة التّعويضية في المساواة أمام القانون أو القضاء. وتهدف هذه المساواة القانونية – عند أرسطو تحديدًا – إلى

«إزالة الظّلم الذي ليس هو إالّ عدم مساواة». وعند رولز أيضًا، «الظّلم هو ببساطة اللامساواة التي لا تكون

في منفعة الجميع». وإلى جانب التوتّر القائم بين المساواة والجدارة، نجد في نظريات العدالة توتّرًا مشابهًا بين المساواة والحرّية؛ إذ

يمكن للتشديد على المساواة بين البشر، بوصفها فحوى العدالة، أن يفضي إلى تبرير الحدِّ من حرّياتهم عامة،

وتلك الاقتصادية خاصة، أو حتى إلى قمع هذه الحرّيات. ولنتذكّر أن ثنائية «شرق وغرب»، أو «اشتراكية أو

شيوعية ورأسمالية أو ليبرالية»، أو «يسار ويمين» – التي طبعت القرن العشرين بطابعها– كانت تتضمّن

غالبًا تشديد الطرف الأول على العدالة ذات الطابع الجمعي والمساواتي عمومًا، «على حساب» الحرّية الفردية؛

وإعطاء الطرف الثاني الأولوية للحرية الفردية، في مقابل العدالة الاجتماعية أو المساواتية ذات الطابع الاقتصادي

المهيمن. وقد دفع ذلك الكثيرين إلى التساؤل عن كيفية، بل وعن مدى إمكانية، التوفيق بين الحرّية والمساواة،

ضمن إطار نظريات العدالة. وإلى جانب، أو في مقابل، صيغة «لكلٍّ بحسب عمله أو جدارته»، ظهرت صيغة «لكلٍّ بحسب حاجته». ويدافع

متبنّو الصيغة الأخيرة عن أولوية الحاجة ومركزيتها، في أي نظرية في العدالة. فعند توزيع الخيرات بين أعضاء

المجتمع أو أفراد الدولة، يجب أن تكون الأولوية للمحتاجين ولسدّ حاجات المواطنين؛ ومن بعدها، يمكن

الحديث عن المساواة أو الحرّية أو الجدارة. يبرز هنا السؤال التالي: ألا يمكن أن يفضي التركيز على الحاجة أو على

. Thomas Nagel, Equality and Partiality (New York: Oxford University Press, 1995) 12 انظر:

Ronald Dworkin, Sovereign Virtue: The Theory and Practice of Equality (Cambridge, Mass.: Harvard University 13 انظر: Press, 2000), pp. 65-119.

14 أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ج 2، ك 5، ب 4، ف 6، ص.73

15 رولز، نظرية في العدالة، ص.95

Steven Lukes, “Epilogue: The Grand Dichotomy of the Twentieth Century,” in: Terence Ball and Richard Bellamy, 16 انظر: eds., Cambridge History of Twentieth-Century Political Thought, Cambridge History of Political Thought (London; New York: Cambridge University Press, 2008), pp. 602-626. G. A. Cohn, “Are Freedom and Equality Compatible?,” in: Jon Elster and Karl Ove Moene, eds., Alternatives to 17 انظر: Capitalism, Studies in Marxism and Social Theory (Cambridge; New York: Cambridge University Press; Paris: Editions de la Maison des sciences de l’homme, 1993), pp. 113-126.

المساواة، على حساب الحرّية والإنجاز، إلى التساوي في الفقر والافتقار، أكثر من التساوي في إشباع الحاجات

والاكتفاء؟ نجد في نظرية العدالة عند رولز عمومًا، وفي مبدأي العدالة في هذه النظرية خصوصًا، إحدى

أبرز المحاولات للتوفيق بين الحرّية والمساواة والحاجة، أو بين الليبرالية والاشتراكية، في هذا الإطار؛ فوفقا

لهذين المبدأين – في صيغتهما النهائية– تكون الأولوية للمساواة في الحرّيات الأساسية، ومن ثم للمساواة

أو التكافؤ في الفرص؛ ولا يمكن قبول ظواهر عدم المساواة والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي، إالّ في حال

كانت هذه الظواهر تخدم مصالح الناس الأكثر فقرًا وحاجة. وتشير أولوية الحرّية إلى ليبرالية رولز، في حين

يشير تركيزه الكبير على حاجات الفئات أو الطبقات الفقيرة – بوصفها معيارًا لقبول أو تبرير أي تفاوت أو عدم

مساواة – إلى الطابع الاشتراكي لنظريته. ويختلط البُعدان الليبرالي والاشتراكي في تركيز رولز على فكرة التكافؤ

الفعلي في الفرص. وإن المفهوم الأساس الذي يطبع بطابعه نظرية رولز عن العدالة هو مفهوم الإنصاف؛ ففي

هذه النظرية، يجري الحديث عن «العدالة بوصفها إنصافًا». ومن خلال هذا المفهوم تحديدًا، حاولت نظرية

العدالة عند رولز أن تحلَّ التوترات القائمة، أو التي يمكن أن تقوم، بين مفاهيم المساواة والحرّية والجدارة أو

الاستحقاق والحاجة. ولا تقتصر التوترات المفهومية على المفاهيم السابقة الذكر؛ فكلُّ نظرية للعدالة بحاجة إلى توضيح علاقة مفهوم

العدالة بمفهومي الحقّ والقانون من جهة، وبمفهوم الخير، من جهة أخرى. ألا يمكن القول إن العدالة هي

«إعطاء كل ذي حقٍّ حقّه»؟ وهل الحقوق التي يجري الحديث عنها، في هذا الإطار، هي حقوق «طبيعية»، أم

وضعية، أم الاثنان معًا؟ وإن علاقة العدالة بالخير ذات طابع معقّد وإشكالي، لكنّها تبقى، في جميع الأحوال،

علاقة غير قابلة للانفصام أو الانحلال، كما يؤكِّد روسّو، مثلاً. والسؤال الأساس، في هذا الإطار هو: هل

يمكن اعتبار العدالة بمنزلة الحلقة الوسيطة بين الحق - بوصفه أكثر المفاهيم الأخلاقية تعيّنًا – والخير، بوصفه

أكثر المفاهيم الأخلاقية تجريدًا؟ وهل ينبغي للعدالة أن تتأسّس على مفهوم واضح للخير، بوصفه غايتها؟ بدأت بعض نظريات العدالة، في الفلسفة المعاصرة، تناول جميع الأسئلة السابقة، وما يتّصل بها أو يماثلها، انطلاقًا

من زاوية مفهومية جديدة، تتمثَّل في مفهوم « الاعتراف » Recognition(). وهكذا، بدالً من الحديث عن العدالة

بوصفها إنصافًا، برز الحديث عن العدالة بوصفها اعترافًا. ولا تبدو صلة مفهوم العدالة بمفهوم الاعتراف

واضحة، كما هي حال صلته بمفهومَي الإنصاف والمساواة، على سبيل المثال. وعلى الرغم من أن تاريخ الفلسفة

والفكر عمومًا لا يزخر بالكثير من الأمثلة التي تربط ربطًا وثيقًا وواضحًا بين مفهومي العدالة والاعتراف،

فإن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت ظهور عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الذين تحدّثوا عن العدالة بوصفها

اعترافًا. ولا يعني هذا أن هذه النظريات ذات جدّة مطلقة، أو أنها لا تنبني على نظريات أو فلسفات أقدم منها؛

على العكس من ذلك تمامًا، فجميع النظريات التي تتحدّث عن العدالة من زاوية الاعتراف تحيل على فلسفة

هيغل التي تنبني بدورها، في هذا الخصوص، على فلسفتي روسّو وفيخته. وقد بلغ مفهوم «الاعتراف» درجةً من

التعقيد والغنى والعمق والسّعة، تسمح بالحديث عن فلسفة تؤسِّس لهذا المفهوم وتتأسَّس عليه، في الآن ذاته.

وسنعمل في ما يلي على توضيح الدلّالات اللّغوية والاصطلاحية الأوّلية لهذا المفهوم.

18 انظر: جون رولز، العدالة كإنصاف: إعادة صياغة، ترجمة حيدر حاج اسماعيل؛ مراجعة ربيع شلهوب (بيروت: المنظمة العربية

للترجمة، 2009)، ص.148

19 انظر: جان جاك روسّو، إميل، أو، تربية الطفل من المهد إلى الرشد، ترجمة نظمي لوقا، تقديم أحمد زكي محمد (القاهرة: الشركة

العربية للطباعة والنشر، 1958)، ص.213

مفهوم الاعتراف

«الاعتراف» هي الكلمة التي نستخدمها مقابل كلمات Recognition الإنكليزية، و Reconnaissance الفرنسية،

و Anerkennung الألمانية. وإذا كان من الصعب، أو حتى من المستحيل، غالبًا، إيجاد كلمة واحدة لترجمة أي

كلمة أجنبية – كما بيّنت اللسانيات الحديثة، ومن قبلها التجربة العملية والخبرات الخاصة – فإن ذلك يصحُّ،

بشكل نموذجي، في حالة الكلمات الأجنبية التي نترجمها هنا عمومًا بالاعتراف. وسنعمل في ما يلي على تحليل

بعض الدلالات اللّغوية والاصطلاحية الأوّلية لكلمة «اعتراف»، في اللّغة العربية، ومن ثم ننتقل إلى توضيح

دلالات الكلمات المقابلة لها، في اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية. يرتبط «الاعتراف»، في اللّغة العربية، بالمعرفة، لدرجة يمكن معها أحيانًا استبدال فعلي «اعترف» و«عرف»،

أحدهما بالآخر، من دون الإخلال بالمعنى. وينطوي معنى الاعتراف على المعرفة بالضرورة، فلا يمكن أن

نعترف إالّ بما لدينا به معرفة – تخيّلية أو فعلية – مسبقة. واعترافنا بشيءٍ ما يعني امتلاكنا معرفة مسبقة به. ويمكن

أن نميّز بين شكلين أو نوعين من الاعتراف: الاعتراف بفضل الآخر، والاعتراف بذنب أو بأمر سلبي اقترفته

الأنا. فلا يستقيم أن نعترف بفضلنا على الآخر، ولا أن نعترف بذنب اقترفه الآخر (إالّ إذا كنّا نقرّ بمسؤوليتنا

عن هذا الذنب، في الوقت نفسه)؛ فعندما نعترف بذنب ما، فهذا يعني أننا نقرّ، لدرجة أو لأخرى، بمسؤوليتنا

عن هذا الذنب. وانطلاقًا من هذا التّمييز بين نوعين من الاعتراف، يمكن الإشارة إلى النقاط المحورية الآتية: أولا - الاعتراف هو علاقة بينذواتية (Intersubjective): يحصل الاعتراف دائامً في علاقة مشتركة، فعلية

أو متخيلة، مع الآخر، أي في علاقة بينذواتية. وهكذا، يرتبط « الاعتراف ب » ارتباطًا وثيقًا ب « الاعتراف إلى ».

وبهذا الارتباط خصوصًا، يتميز فعل الاعتراف من فعل المعرفة الذي يمكن أن يقتصر على أن يكون علاقة

مع الأشياء، من دون الدخول في علاقة مماثلة لعلاقة فعل الاعتراف، مع ذات أو ذوات أخرى. غير أنه ينبغي

التّمييز في هذه العلاقة البينذواتية، بين « الاعتراف إلى الآخر » و« الاعتراف بالآخر »؛ ففي الحالة الأولى، نكون

أمام اعتراف بذنب ما، أو بما يشبه الذنب. وليس ثمة ندّية عمومًا بين المعترِف والمعترَف له في هذه الحالة. أمّا في

20 انظر: حسن حمزة، «المعجم العربي وهوية الأمّة،» تبي، السنة 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص.64

21 انظر: أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي،

طبعة جديدة محققة ومشكلة شكلا كاملا ومذيلة بفهارس مفصلة (القاهرة: دار المعارف، 1981)، مادة «عرف»، ص.2898

22 في شرحه للتعريف القانوني للاعتراف، يكتب حسن الجوخدار: «والاعتراف هو الإقرار على النفس؛ أمّا الإقرار على الغير فليس

اعترافًا، فان جاء على النفس وعلى الغير كان في شقه الأول اعترافًا وفي شقه الثاني شهادة بالمعنى الواسع، كأن يعترف المتهم باقترافه

الجريمة بالاشتراك مع شخص آخر». انظر: حسن الجوخدار، أصول المحاكمات الجزائية، 2 ج (دمشق: منشورات جامعة دمشق،

1991)، ج 2: في المراحل الإجرائية التي تمر بها التهمة، ص.171

23 ثمة ترجمات مختلفة لهذا المصطلح المهمّ، في الفلسفة المعاصرة، عمومًا، وفي فلسفة الاعتراف، خصوصًا؛ ففتحي التريكي يترجم

مصطلح intersubjectivité ب «التّذاوت»، ويشير إلى أنها تعني «علاقات التّبادل بين ذات وذات أخرى». انظر: فتحي التريكي، فلسفة

الحياة اليومية (بيروت؛ تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009)، ص 29. أمّا حسن حنفي، فيترجم مصطلح Intersubjectivity ب«الذاتية

المشتركة»، وينبِّه إلى أن الفلاسفة المعاصرين يستخدمون هذا المصطلح للإشارة إلى «وجود الآخر في الذّات»، انظر: حسن حنفي، «الهُوية

والاغتراب في الوعي العربي،» 1، العدد 1 (صيف 2012)، ص 15 تبي، السنة. وبدون التقليل من صحة هذه الرتّجمات أو من دقّتها،

فإننا نفضّل ترجمة هذا المصطلح ب «بينذواتي»، كما فعل محمد هناد في ترجمته لكتاب مايكل ساندل، انظر: مايكل ساندل، الليبرالية وحدود

العدالة، ترجمة محمد هناد؛ مراجعة الزبير عروس وعبد الرحمن بوقاف (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009). وفي شرحه لمعنى هذا

المصطلح، يكتب هناد: «يستعمل ساندل هذا المصطلح للدلالة على تأمل الأنا في علاقته بالآخر. لذلك، فهو أقرب إلى فكرة ‘ الجماعاتي ’.

وهذا المصطلح يقابله عند ساندل، مصطلح ‘ بينذاتي ’ Intrasubjective() الذي يخص تأمل الأنا في علاقته بذاته، وهو ما يسمّى بالتأمل

الذاتي أو التأمل في الذات. لذلك فهو أقرب إلى فكرة ‘ الفرداني ’ »، انظر: ساندل، ص 354. وإضافةً إلى شرح هناد، نحن نفضّل كلمة

«بينذواتية» لأنها، من جهة أولى، تشير إلى السمة البينية التي أصبحت موضع اهتمامٍ متزايد، على أكثر من صعيد، في الفلسفة المعاصرة؛

ومن جهة ثانية، توفّر سهولة أكبر في عمليات الاشتقاق اللغوي (تحويل الاسم إلى صفة مثالً).

الحالة الثانية من الاعتراف – وهي الحالة الأهم في نظريات الاعتراف أو في فلسفاته – فنكون أمام وضع أكثر

تركيبًا وتعقيدًا. ويمكن لهذا الاعتراف الأخير أن يكون متبادالً أو أحاديًا، أي من طرف واحد. كما يمكن أن

يكون بين أنداد، أو بين أفراد تتفاوت مكانتهم، وفقًا لتراتبية ما ينتمون إليها. ثانيًا - البُعد الإيجابي للاعتراف: الاعتراف فعل إيجابي، بالمعاني المنطقية والوجودية والأخلاقية؛ فالمعترف يقوم

بفعل أو بمبادرة ما، ولا يقتصر على أن يتلقّى شيئًا ما، إذ إن الاعتراف يتضمّن القيام بفاعلية ما. وعلى المستوى

الأخلاقي، تكون هذه الفاعلية محمودة. والسّمة الإيجابية للاعتراف بما اقترفناه من أخطاء تتجلى، بشكل

نموذجي، في القول المأثور «الاعتراف بالذّنب فضيلة». أمّا في حالة الاعتراف بفضل الآخر، فتسمّى هذه

الفاعلية عرفانًا. ويمكن لهذا العرفان أن يأخذ شكلي التّقدير أو الامتنان. ثالثًا - تشابك معاني الاعتراف والمعرفة والعرفان: تتقاطع معاني المعرفة والاعتراف والعرفان في مصطلح

«المعروف»؛ فالمعروف هو اسم مفعول ل «عرف»؛ أي هو ما نعرفه. والمعروف هو الفعل الحسن أو الفضل

أو الإحسان؛ ونحن نشعر عادة بالعرفان، أو نبادر إلى التعبير عنه، تجاه شخص ما قام بمعروف تجاهنا. وفي

الإعراب عن العرفان اعتراف بالمعروف أو بالفضل. والاعتراف بفضل الآخر أو بمعروفه هو عكس الجحود،

فالجاحد هو ناكر المعروف. رابعًا - الاعتراف والتضاد مع مركزية الأنا أو نرجسيّتها: يتضمّن الاعتراف غالبًا القيام بأمر لدينا نفور مبدئي

أو أولي من القيام به، لدرجة أو لأخرى. ولهذا، يحتاج الاعتراف إلى قدرة على التحمُّل والصبر. وانطلاقًا من

ذلك، يمكننا أن نفهم لماذا يتماهى، في المعجم العربي، معنى الاعتراف مع معنى الصبّر أحيانًا. ويصدق

ذلك، أكان في حالة الاعتراف بأمر سلبي يخصّنا، أم بأمر إيجابي يخصّ الآخر؛ ففي الحالة الأولى، يبدو النفور

من الأمر واضحًا وبديهيًا. فأن نعترف بذنب أو بشرٍّ أو بخطأ اقترفناه، يعني أن نقرَّ بأننا قمنا بأمر سلبي ما،

وأن نفسح بذلك مجاالً لانتقادنا وللكشف عن عيوبنا، وربمّا للانتقاص منَّا أو/ و لتعرّضنا لعقوبة ما؛ وهذا

أمر ضار ومؤلم أو مزعج، جزئيًا ونسبيًا على الأقل، بالنسبة إلى المعترِف. ولأن الاعتراف يتضمّن بالضرورة

تناقضًا مع جانب من رغبات المعترِف ومصلحته، فإننا نصدِّق ما يُعترف به، بسهولة نسبية. وعلى هذا

الأساس، يمكننا أن نفهم لماذا نُظر أحيانًا إلى الاعتراف الطّوعي أو الإرادي، في القانون أو القضاء، على أنه

«سيد الأدلة» أو «سيد البيّنات». ولا يقتصر هذا النفور أو التضاد الأولي على حالة الاعتراف بسلبياتنا،

بل يمكن القول إنه حاضر، شعوريًا أو لاشعوريًا، حتى في حالة الاعتراف بفضل الآخر. ففي كلتا الحالتين،

يتضمَّن الاعتراف، بالضرورة، مسًّا ما بالأنا أو بالأنانية النفسية للذّات، وبتمركزها حول نفسها، أي مسًّا

بما يسمّيه التحليل النفسي «النّرجسية». وقد ينطوي الاعتراف على معنى سلبي أخلاقيًا، حيث يمكن أن

يدل على الذّل والانقياد. وفي الواقع، يظل الطابع الأخلاقي الإيجابي هو المهيمن في معنى الاعتراف، على

الرغم من هذا المعنى السلبي المشار إليه، بل وبسببه أو بفضله أيضًا. فأن نقوم بالاعتراف، على الرغم من هذا

التعرّض للذل، ومن ذاك المسّ بالأنانية النفسية، لهو أمر محمود، غالبًا على الأقل. ولهذا، ومن حيث المبدأ،

ليس من السّهل عمومًا القيام بالاعتراف، أأخذ ذلك الاعتراف شكل الإقرار بذنب الأنا، أم شكل الإقرار

24 انظر: أحمد مختار عمر [وآخرون]، معجم اللّغة العربية المعاصرة (القاهرة: عالم الكتب، 2008)، مج 3، مادة 3345« - ع ر ف»،

ص.1487

25 جاء في لسان العرب: «عرفَ للأَِمرِ واعرْتفَ: صربَ»، انظر: ابن منظور، ص.2899

26 انظر: الجوخدار، ص.174

27 جاء في لسان العرب: «ويُقالُ: اعرْتفَ فلُانٌ إذا ذلَّوَانْقادَ»، انظر: ابن منظور، ص.2899

بفضل الآخر. وبدلا من هذا الاعتراف، بل وبالتّناقض معه، نجد لدى البشر عمومًا ميالً إلى الحديث عن

إيجابيات الأنا وسلبيات الآخر. خامسًا - الاعتراف بوصفه إقرارًا بوجود الآخر أو إضفاء قيمة إيجابية على هذا الوجود: لا يمكن، وينبغي أالّ

خيُتزل معنى الاعتراف إلى الاعتراف بالذّنب أو/و الاعتراف بالفضل؛ فثمة معنى مركزي ثالث لهذه الكلمة،

ويتمثَّل في اعتراف طرف ما بطرف آخر بوصفه كذا أو كذا، أو بوصفه يمتلك هذه الميزة أو تلك. والمثال

النّموذجي المع عن هذا المعنى نجده على الصعيد الدبلوماسي حين تعترف دولة ما بدولة أخرى. ويختلط، في

هذا النوع من الاعتراف، بُعدا الوجود والقيمة. فالاعتراف بدولة ما هو، في الوقت نفسه، اعتراف بوجود هذه

الدولة وبشرعية هذا الوجود. ومن الصعب، في هذا السياق، الفصل بين الوجود والشرعية. ويمكن المجادلة

بأنّه ليس ثمة وجود كامل لدولة ما إنْ لم تحظ باعتراف بهذا الوجود أو بشرعيته. غير أنه يمكن القول، في المقابل،

إن الاعتراف أو اكتساب الشرعية لا يعني بالضرورة تغيرًا أساسًا ومه على صعيد الوجود الفعلي. ونجد مثاالً

على ذلك في اعتراف الأمم المتحدة مؤخّرًا بفلسطين على أنها دولة. ونجد معنى مشابهًا لذلك في اعتراف الأب

بأبوّته لابنه، بعد امتناع أو نكران، كما حصل مع شدّاد وابنه عنترة، على سبيل المثال، في العصر «الجاهلي».

ويرتبط هذا النوع من الاعتراف عمومًا بوجود رغبة لدى الآخر (المُعترَف به) في أن يُعترف به، بوصفه كذا أو

كذا، أو أنه يحمل هذه الصفة أو تلك. وقد يخلق هذا الاعتراف وجود ما يُعترَف به، أو البُعد الاجتماعي منه، على

الأقل، أو قد ينقله من مستوى الوجود المعزول إلى مستوى القيمة المستحسنة. وإن إطلاق اسمٍ أو وصف على

شيءٍ أو حدث أو فعل ما يتضمّن تعيينًا أو تحديدًا لهُويته أو اعترافًا به، بوصفه كذا أو كذا. فإذا أخذنا ما حصل في

سورية منذ 15 أو 18 آذار/ مارس عام 2011، على سبيل المثال، نجد أنه سُمّي بأسماء ليست فقط متعارضة،

بل قد تكون متناقضة أيضًا، على الصعيد اللّغوي والقيمي (ثورة أو تمرد أو مؤامرة كونية أو حرب أهلية، أو

حرب إبادة... إلخ). فحتى عندما يتّخذ الاعتراف شكل التّمييز وتعيين الهوية، تكون هذه العملية ذات طابع

تقييمي بالضرورة. وهي عملية تأويلية، بالمعنى الأرسطي والقوي لكلمة «تأويل». وتمتزج، في هذا النوع

من الاعتراف، معاني التّمييز أو تعيين الهوية والإقرار، والقبول أو التقبُّل، والتقدير أو التقويم، في الوقت نفسه. هذا هو بعض أهم المعاني الأوّلية اللّغوية والاصطلاحية التي نجدها في كلمة «الاعتراف» العربية: البُعد

البينذواتي، البُعد الأخلاقي، البُعد المعرفي، والبُعد المرتبط بمركزية الأنا، والبُعد المرتبط بقبول وجود الآخر أو

بتقبُّله. وقد اقتصرنا على ذكر المعاني الأساسية التي سنجدها حاضرة في المقابل الأجنبي لكلمة الاعتراف. وإذا

كان هذا التطابق الجزئي في المعنى يسوِّغ استخدام كلمة الاعتراف في هذا السياق، فإن ذلك التطابق لا ينفي

الاختلاف الجزئي أيضًا بين هذه الكلمة ومقابلها الأجنبي، بل والاختلاف بين دلالات الكلمات الإنكليزية

والفرنسية والألمانية المقابلة لها. وسنبنيّ في ما يلي بعض المعاني الأساسية، اللغوية والاصطلاحية، لهذه الكلمات،

في اللّغات الثلاث المذكورة. تتعدّد معاني الكلمات الإنكليزية والفرنسية والألمانية الدالة على مفهوم «الاعتراف» وسياقات استخدامها، بطريقة

يمكننا الحديث معها عن غنى هذه الكلمات، وعن غموضها الدلالي، في الوقت نفسه. ففي التّحليل اللغوي

والاصطلاحي الذي قام به هيكي إيكاهيمو وأرتو ليتينن لكلمة الاعتراف في اللّغة الإنكليزيةِRecognition،

أشار الباحثان إلى غموض معاني هذه الكلمة عمومًا، وإلى الالتباس الدلالي الذي يرافق استخدامها غالبًا، وهو

28 يشرح ريكور هذا المعنى، فيكتب: « إنَّ قول شيء عن شيء آخر هو تأويلٌ بالمعنى القوي والكامل للكلمة». انظر: Paul Ricoeur, De

L’Interprétation: Essai sur Freud, Points. Essais; 298 (Paris: Éd. du Seuil, 2006), p. 32.

ما يبدو واضحًا في استخدام مؤلِّفين مختلفين لها للدلالة على معان مختلفة وغير متجانسة. وتتَّسم الكلمة

الفرنسية Reconnaissance أيضًا بالغنى والالتباس أو الاضطراب الدلّالي نفسه. ويشير الفيلسوف الفرنسي

بول ريكور، في بداية كتابه المهم عن الاعتراف، إلى أن الإحساس بالحيرة المتعلِّقة بالوضعية الدلّالية لمصطلح

«الاعتراف»، على صعيد الخطاب الفلسفي، هو الذي أثار البحث الذي أفضى إلى ذلك الكتاب. ونجد الأمر

نفسه في كلمة الاعتراف الألمانية Anerkennung؛ فإنوود يشير في عمله الممتاز معجم مصطلحات هيغلإلى

غموض كلمة الاعتراف في اللّغة الألمانية، والتباس معانيها. ويشير أنوود في الكتاب المذكور أيضًا إلى خمسة معان أساسية لفعل Recognize في اللّغة الإنكليزية: المعنى الأول

يتمثَّل في Identify، أي في تعيين هُوية شخص أو شيء ما أو تمييزه أو التّعرُّف عليه، والمعنى الثاني هو إدراك شيء

ما أو التحقّق منه Realize على أنه كذلك، لكنّ هذا الإدراك أو التحقّق لا يفضي بالضرورة إلى الاعتراف أو

الإقرار Acknowledgment() بما تمَّ إدراكه والتّحقّق منه. ويتمثَّل المعنى الثالثفي هذا الإقرار، أي في الموافقة

Admission() أو التّسليم to concede() أو الاعتراف Confession() بأن شيئًا ما أو شخصًا ما هو كذا. ومع

المعنى الرابع، يأخذ هذا الإقرار أو الاعتراف شكل الاستحسان أو التصديق أو الموافقة على (Endorsement

Approval, Ratification,). ويكمن المعنى الخامسوالأخير في إدراك شخص ما بعناية وبطريقة خاصة (take

notice of)، أو في إجلاله أو الاحتفاء به وإحاطته بمظاهر التكريم)to honour him(. وترتبط كلمة الاعتراف الألمانية Anerkennung() – وهي الكلمة المحورية في فلسفة الاعتراف الهيغلية والألمانية

عمومًا- بالمعاني الثلاثة الأخيرة من كلمة الاعتراف الإنكليزية، أكثر من ارتباطها بالمعنيين الأوّلين اللذين

يقابلان فعل Anerkennen أو فعل Wiedererkennen. ويبرز في هذين الفعلين الأخيرين البُعد المعرفي، بشكل

خاص وأساس، وهو البُعد المتمثِّل في «التعرُّف إلى» أو «التعريف»؛ ووحده فعل Anerkennen يتضمَّن ما

هو أكثر كثيرًا من مجرد المعرفة، كما شدَّد على ذلك أكسل هونيت.

ولتوضيح هذه النقطة، من المفيد الإشارة، مع باتشن ماركل، إلى التوتر القائم بين استخدامين مختلفين لمفهوم

الاعتراف، في نظريات الاعتراف المعاصرة. ويتمثَّل الاستخدام الأولفي الاعتراف من حيث هو تكرار

أو استئناف معرفة سابقة، مع وجود بُعد تقويمي أو معياري في تلقّي الموضوع المعروف. فالاعتراف، في هذا

29 Heikki Ikäheimo and Arto Laitinen, “Analyzing Recognition: Identification, Acknowledgement and Recognitive Attitudes Towards Persons,” in: Bert van den Brink and David Owen, Recognition and Power: Axel Honneth and the Tradition of Critical Social Theory (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2007), p. 33. François Dubet, «Injustices et reconnaissance,» dans: Alain Caillé (éd.), La Quête de reconnaissance: Nouveau 30 انظر: phénomène social total, avec des textes de Alain Caillé [et al.], textes à l’appui. Série bibliothèque du MAUSS (Paris: Éd. la Découverte, MAUSS, 2007), pp. 17-19. 31 Paul Ricoeur, Parcours de la reconnaissance: Trois études , Folio. Essais; 459 ([Paris]: Gallimard, 2005), p. 11.

وللكتاب ترجمة عربية: بول ريكور، سيرة الاعتراف: ثلاث دراسات، ترجمة فتحي إنقزو؛ مراجعة محمد محجوب (تونس: المركز العربي

للترجمة، 2010).

32 ميخائيل أنوود، معجم مصطلحات هيجل، ترجمه وقدم له وعلق عليه إمام عبد الفتاح إمام، المشروع القومي للترجمة؛ 186

(القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، «مادة الاعتراف والتّعرُّف»، ص.461-460

33 Michael Inwood, “Recognition and Acknowledgement,” in: Michael Inwood, A Hegel Dictionary , Blackwell Philosopher Dictionaries (Oxford, UK; Cambridge, Mass.: Blackwell, 1992), p. 245. 34 Patchen Markell, Bound by Recognition (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2003), pp. 204-205. 35 Axel Honneth, “Recognition: Invisibility: On the Epistemology of ‘Recognition’,” Aristotelian Society Supplementary Volume , vol. 75, no. 1 (July 2001), p. 115. 36 Markell, Bound by Recognition , pp. 39-43.

الاستخدام، هو معرفة، لكن بالمعنى الأفلاطوني لهذه الكلمة: أي استعادة معرفة سبق لنا امتلاكها. ويبدو ذلك

واضحًا إذا انتبهنا، بشكل خاص، إلى تركيب الكلمتين الإنكليزية والفرنسية. فكلتاهما تتكوَّن من البادئة « re »

التي تشير إلى معنى إعادة أو تكرار أو استئناف فعل أو شيء ما، وإلى كلمتي Cognition و Connaissance

اللتين تقابلان كلمة «معرفة» في اللّغة العربية. وهكذا، يمثِّل «تكرار المعرفة»، أو استئنافها أو «التعرُّف من

جديد» أحد المعاني «الحرفية» والأوّلية للكلمتين الإنكليزية والفرنسية. وليس للكلمة العربية «الاعتراف» هذا

التركيب وهذه الدلالة، على الرغم من صلتها القوية، من حيث الاشتقاق والدلالة، بكلمة المعرفة. ويظهر هذا

الاستخدام في وصف التعرُّف إلى هُوية شخص سبق لنا معرفته. ويرافق هذا التعرُّف ردّة فعل معيارية، قد تكون

إيجابية (كأن نهلِّل للقاء هذا الشخص من جديد) أو سلبية، بأن نُظهر امتعاضنا أو بأن نتجاهل هذا الشخص. ويكون الاعتراف، في الاستخدام الثاني، فعل خلق وإحداث وجود؛ فما نعترف به، وفقًا لهذا الاستخدام، ليس

مجرد شيء ذي وجود سابق على اعترافنا، وإنما هو شيء يرتهن وجوده بهذا الاعتراف، لدرجة أو لأخرى. فاعترافي

بالآخر صديقًا أو ابنًا، على سبيل المثال، هو شرط ضروري ليكون هذا الآخر صديقًا أو ابنًا لي بالفعل وبشكل

كامل. ويمكن لحالة الاعتراف الدبلوماسي بين الدول أن تجسِّد بامتياز هذا الاستخدام الثاني لمفهوم الاعتراف.

ويتَّخذ تيري بينكارد من هذا الاعتراف الدبلوماسي نموذجًا لإبراز الطابع المعياري لمفهوم الاعتراف الألماني

Anerkennung، ويشير، في الوقت نفسه، إلى غموض المصطلح لإنكليزي « Recognition »، في هذا الخصوص؛

فمصطلح الاعتراف الألماني، عند كلٍّ من فيخته وهيغل خصوصًا، يتضمن منح أو إسناد منزلة قيمية أو معيارية

normative status() إلى شخص ما أو شيء ما (كما هي الحال مثالً في الاعتراف الدبلوماسي بين الدول، أو في

منح ميدالية لشخص ما تقديرًا لخدماته، في مجال ما). ويستند لودفيغ سيب إلى كتاب ريكور في ما يتعلّق بالاعتراف، ليؤكِّد أن كلمة Reconnaissance الفرنسية

تمسك بدلالات كلمة Recognition الإنكليزية، بشكلٍ أكبر ممّا تفعله كلمة Anerkennung الألمانية؛ لأن هذا

الكلمة الأخيرة – وعلى العكس من الكلمتين الإنكليزية والفرنسية – لا تكاد تتضمّن، كما أشرنا، معنيي التّمييز

والتّعرُّف. ويصدق الأمر نفسه على كلمة الاعتراف العربية، لكن بدرجة أكبر. وعلى الرغم من أن كلمة

الاعتراف العربية لا تدل على معنى التّعرُّف، كما هي الحال أحيانًا مع الكلمة الإنكليزية، فإنَّ كلمة «التّعرُّف»

العربية قد تأتي، في المقابل، بمعنى الاعتراف. وتتميز كلمة الاعتراف العربية وكلمة Reconnaissance

الفرنسية بأنهما تتضمّنان معنى الامتنان Gratitude()، في حين أن هذا المعنى غائب، كليًا تقريبًا، عن الكلمتين

المقابلتين لهما، في اللّغتين الألمانية والإنكليزية. يحيل ريكور في تحليله اللّغوي لدلالات فعل يعترف onnaître() ولسياقات استخدامه، في اللّغة الفرنسية، على

37 Terry Pinkard, German Philosophy, 1760-1860: The Legacy of Idealism (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002), p. 121. 38 Ludwig Siep, “Recognition in Hegel’s Phenomenology of Spirit and Contemporary Practical Philosophy,” in: Hans-Christoph Schmidt am Busch and Christopher F. Zurn, eds., The Philosophy of Recognition: Historical and Contemporary Perspectives (Lanham: Lexington Books, 2010), p. 125.

39 ابن منظور، ص.2898

04 تضع سوزان كيلد شيلفي دراستها عن روسّو كلمة Gratitude الإنكليزية في مقابل كلمة Reconnaissance الفرنسية، وتشير إلى أن

هذه الكلمة الفرنسية تحيل، في اللّغة الإنكليزية، على كلٍّ من الاعتراف Recognition() والامتنان gratitude) (. انظر: Susan Meld Shell,

“ Emile: Nature and the Education of Sophie,” in: Patrick Riley, ed., The Cambridge Companion to Rousseau (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2001), p. 296.

قاموسين فرنسيين: أحدهما قديم (قاموس ليتريه، 1872-1859)، والآخر معاصر (قاموس روبير الكبير،

1985). ويبنيّ ريكور تناقض الانطباع الأول الذي يمكن أن يبرز عند الاطِّلاع على معاني كلمة الاعتراف

في القاموس الفرنسي. فمن جهة أولى، يمكن القول بوجود تعدّدٍ دلالي منظومٍpolysémie réglée() لكلمة

«اعتراف»؛ ويمكن، من جهة ثانية، تأكيد وجود فجوات دلالية بين معاني هذه الكلمة أو قيمها الاستعمالية.

وإن الرتّابط النسبي بين هذه المعاني أو القيم هو الذي يبرِّر وجودها كوحدة معجمية منفردة ومستقلّة نسبيًا؛ لكن

ذلك الرتّابط لا ينفي وجود نوع أو درجة من التنافر الدلالي، بين تلك المعاني أو القيم، وهو ما يظهر بوضوح

عند أَول مقارنة بينها. ويتضمّن قاموس ليتريهستّة عشر مدخالً فرعيًا لفعل «يعترف » Reconnaître()، بالإضافة إلى سبعة مداخل

فرعية له في حالته الانعكاسية)se reconnaître(؛ ففعل «يعترف» يعني التّعرُّف على ما سبق لنا معرفته

1«»، ومن خلال علامة أو إشارة أو سمة ما، على ما لم يسبق لنا معرفته 2«». كما يعني بلوغ معرفة حقيقة

شيءٍ ما أو إدراكها أو اكتشافها 3« ﺑ...» تعني أنه «لم يعد يراعي أو يأخذ في الحسبان ». وصيغة «لا يعترف إال

إالّ...».»4« كما يعني الاستطلاع أو الاستكشاف، أو التّعرُّف على، أو امتلاك معرفة بأرض أو بمكان ما

أو بالعقبات أو بالأخطار المحتملة (-6-5.)7 كما يعني أن نقبل أمرًا ما أو نسلِّم به على أنه حقيقة لا يمكن

رفضها 8«»، أو الخضوع لسلطة شخص ما 9«». كما قد يعني إشهار الدِّين أو إعلان العقيدة 10«». وقد يأخذ

شكل الإقرار بمساهمة شخص ما أو تقدير جهد أو عمل قام به 11«». ويشير الاعتراف، بوصفه مصطلحًا

عسكريًا، إلى التعريف أو التنويه بضابط أو بجندي ما 12«». وقد يتجلىَّ الاعتراف في الإقرار بالأبوّة تجاه طفل

ما 13« ». ويظهر أيضًا في التّعرُّف على توقيع ما أو علامة ما أو في الإقرار بدَين أو بدخل أو بضريبةٍ...إلخ

14«». وأخيرًا، لفعل «يعترف» Reconnaître() مرادفات عديدة أيضًا، مثل Confesser و Avouer 15«»، وهي

تُستخدم في سياقات متباينة أحيانًا، كما أن دلالاتها أو قيمها الاستعمالية أقلّ تنوّعًا، مقارنةً بدلالات وقيم فعل

Reconnaître؛ فهي، على سبيل المثال، لا تتضمَّن معاني التّعرُّف أو العرفان أو الامتنان. ويمثِّل هذا العرفان أو

الامتنان المعنى الأخير لفعل يعترف »16«. ويشدِّد ريكور على الانزياحات في المعنى، وعلى الفجوات والتّضارب، الجزئي والنسبي، بين بعض الدلالات؛

فعلى سبيل المثال، يبدو التنافر، الجزئي والنسبي، واضحًا بين المعنيين 1«2«» و»، حيث يبُرز المعنى الأوّل

بادئة التكرار أو الاستئناف « re »، في حين يتجاهل المعنى الثاني هذا الأمر، بل يتناقض معه. كما أن الانزياح

الدلالي واضح في الانتقال من القبول بسلطة ما، في المعنى 8«»، إلى الخضوع لها، في المعنى.»9« وتمثِّل هذه

الفجوات الدلالية بين المعاني المختلفة لفعل «يعترف» ما هو مسكوتٌ عنه le non-dit() في هذه المعاني. ويشكِّل

هذا المسكوت عنه، في الدلالة المعجمية، أحد منابع أو أحد بواعث التّأسيس الفلسفي للاعتراف، ولدلالته

الاصطلاحية المتميزة، جزئيًا ونسبيًا، عن دلالته المعجمية. وقبل الانتقال إلى توضيح بعض الدلالات الأوّلية الاصطلاحية لمفهوم الاعتراف، لا بدَّ من الإشارة إلى أن

قاموس ليتريهيختزل معاني الاعتراف، في حالة اسم المفعول (المُعترَف به أو المتعرَّف عليه « être reconnu »)، إلى

خمسة معانٍفقط. وتقابل هذه المعاني الخمسة، على التوالي، المعاني»1«، »8«، »13«، »15«، 16«» من المعاني

.>/http://littre.reverso.net/dictionnaire-francais< 1 القاموس متاح على الموقع الإلكتروني:4 42 Ricoeur, Parcours de la reconnaissance, pp. 21-24.

34 المصدر نفسه، ص.23

المذكورة أعلاه لفعل «يعترف». وقد عمل ريكور في كتابه على أن يبنيّ الثورة المفهومية التي تحقّقت، على الصعيد

الفلسفي، في الانتقال من فاعلية الاعتراف أو إيجابية فعله إلى سلبية طلبه أو السعي إلى تلقّيه أو الحصول عليه؛

وفي التحوُّل من الاعتراف، بوصفه امتنانًا و«واجبًا» أخلاقيًا، إلى الاعتراف، بوصفه «حقًّا» يُطالب به شخص ما

أو جماعة ما. ويتجاوز هذا الانتقال من «أخلاق الاعتراف» إلى «سياسة الاعتراف» الدلّالة المعجمية للاعتراف،

ويتأسّس بوصفه دلالة فلسفية أو اصطلاحية، متميزة ومستقلِّة نسبيًا. وإذا كانت مقدِّمة كتاب ريكور عن الاعتراف تتضمّن دراسة مفصَّلة نسبيًا، للدلّالة اللغوية للاعتراف

في القاموس الفرنسي، فإن بقية أجزاء الكتاب هي بمنزلة القاموس للدلّالة الفلسفية لمفهوم الاعتراف.

ويتأرجح المفهوم الفلسفي للاعتراف بين دلالتين رئيستين بارزتين، في اللّغة الفرنسية: أن يُعترَف بالشيء أو

بالشخص، بما هو عليه أو بهُويته être reconnu()؛ وأن خيَتبر الشخص، عن طريق الشّعور أو الفعل، الامتنان

être reconnaissant) (. وقد وفَّر معجم روبير الفرنسي لريكور أساسًا لغويًا أدق لتأسيس هذا القاموس

الفلسفي؛ ففي ذلك المعجم، نجد ثلاث دلالات أساسية لفعل «يعترف:» -»1«« يعرف موضوعًا ما أو يتعرُّف

عليه عن طريق الفكر، أو عن طريق ربطه بصور أو بإدراكات تتعلَّق به؛ هو تعيين الهُوية أو التّمييز أو معرفة شيء

ما بواسطة الذّاكرة أو المحاكمة الذهنية أو الفعل. -»2« يقبل شيئًا ما أو يتخذه على أنه حقيقة، أو بوصفه كذلك.

-»3« الإعراب عن الامتنان الذي ندين به تجاه شخص لشيء أو لفعل قام به». وانطلاقًا من هذه «الأفكار

الأمّهات» les idées mères) (، تتبَّع ريكور مفهوم الاعتراف، في تاريخ الفلسفة، وميّز ثلاثة محاور أساسية لهذا

المفهوم، تجسِّد المقابل أو المعادل الفلسفي للأفكار أو التعريفات المعجمية: الاعتراف بوصفه تعرُّفًا أو تحديدًا

لهُوية شيء ما أو شخص ما la reconnaissance-identification()؛ الاعتراف بوصفه اكتشافًا للذّات أو تعرّفًا

عليها la reconnaissance de soi()؛ الاعتراف بوصفه عملية تبادلية وتفاعالً إيجابيًا مشتركًا بين الأشخاص

la reconnaissance mutuelle) (. ولا بدَّ من الإشارة إلى أن المحور الأول هو أقرب إلى نظرية المعرفة منه إلى

نظرية الاعتراف، بالمعنى القوي أو المعاصر للكلمة. ولا نبلغ هذا المعنى الأخير إال مع المحور الثّالث؛ فمع هذا

المحور تحديدًا، نكون أمام نواة فلسفة الاعتراف المعاصرة، التي تنفصل، لدرجة كبيرة عن النظرية التقليدية في

المعرفة، لمصلحة توثيق ارتباطها بالأنطولوجيا وبالفلسفة السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وقد اعتبر بعض الباحثين أن المفهوم الرّيكوري للاعتراف يجسِّد نموذجًا هيرمينوطيقيا (Hermeneutical

model)، ويقابله كلٌّ من النّموذج الأنثروبولوجي Anthropological model() عند هونيت، والنّموذج

التّعبيري Expressivistic model() عند تشارلز تايلور Ch. Taylor(). ولتوضيح الصّلة بين نظريتي العدالة

والاعتراف، من المفيد القيام ببعض التوضيحات الإضافية للدلّالة الاصطلاحية لمفهوم الاعتراف في الفلسفة

المعاصرة عمومًا، وفي الفلسفة السياسية والاجتماعية والأخلاقية خصوصًا.

44 Paul Ricoeur, «La Lutte pour la reconnaissance et l’économie du don,» papier présentée à: La Journée de la philosophie de l’UNESCO (21 Novembre 2002), sur le site: <http://fgimello.free.fr/documents/don_paul_ricoeur.pdf>. 45 Ricoeur, Parcours de la reconnaissance , p. 30.

46 يخصِّص ريكور الدراسة الأولى من كتابه للمحور الأول، وفيه يدرس نظرية الاعتراف - المعرفة عند كلٍّ من ديكارت وكانط. ويبني

ريكور أن الاعتراف، بوصفه تحديدًا للهُوية Identification() عند ديكارت، يرتبط بفعل التّمييز Distinction()، في حين أنه يتعلَّق عند

كانط بعملية الرّبط relier() بين الحيسّ والذّهني. وهذان المعنيان لفعل يعترف Distinguer, Relier() موجودان – كما أشرنا آنفًا – في الدلالة

الأساسية الأولى لهذا الفعل في قاموس روبير. أمّا الدراسة الثالثة، في كتاب ريكور، فهي مخصَّصة للاعتراف المتبادل، وفقًا للمفهوم الهيغلي

Anerkennung(). وانطلاقًا من هذا المفهوم الأخير خصوصًا، تتأسَّس فلسفة الاعتراف المعاصرة.

47 María Pía Lara, «The Moral Foundation of Recognition: A Critical Revision of Three Models,» in: María Pía Lara, Moral Textures: Feminist Narratives in the Public Sphere (Berkeley, Calif.: University of California Press, 1998), pp.

يميّز إيكاهيمو وليتينن في تحليلهما – المتأثّر بفلسفة الاعتراف عند هونيت – لمفهوم الاعتراف، ضمن مفهوم

الاعتراف بالمعنى الواسع، بين الموقف الاعترافي Recognitive Attitude()، من جهة، وتعيين أو تحديد الهوية

Identification) (والتّعرُّفأو الإقرار Acknowledgment()، من جهة أخرى. فما يجمع بين هذه المفاهيم هو أنها

كلُّها تشير إلى حالات يعتبر فيها طرف ما (أ) طرفًا آخر (ب) أنه كذا أو كذا (ج). وفي جميع الحالات، يكون (أ)

شخصًا أو جماعة من الأشخاص؛ أمَّا (ب)، فيختلف ما يجسّده، في حالة الاعتراف، عن الحالتين الأخريين. ففي

حالة تحديد الهُوية، يمكن ل (ب) أن يكون شيئًا أو معيارًا أو شخصًا أو جماعة؛ وفي حالة الإقرار، يكون (ب)

معيارًا أو قيمة ما. أمّا في حالة الاعتراف، فيكون (ب)، على سبيل الحصر، شخصًا أو جماعة من الأشخاص. ويمكن لتحديد الهوية أن يكون ذاتيًا -identification(self) – حيث يكون (أ) و (ب) هما الطّرف نفسه – أو

خارجيًا، حيث يكون (أ) طرفًا مختلفًا عن (ب). وكما أشرنا سابقًا، لتحديد هُوية شيء ما، عن طريق التّسمية،

دور بالغ الأهمية، في كثير من الأحيان؛ فشتَّان، على سبيل المثال، بين تسمية حراك الجماهير الذي حدث مؤخَّرًا

في كثير من أرجاء عالمنا العربي «ربيعًا عربيًا» أو «مؤامرة كونية». وفي حالة الإقرار Acknowledgment()، يكون

ما نقرُّه أو نعترف به (ب) أمرًا معياريا Normative(): قيم أو قواعد أو معايير... إلخ. ويتمّ النظر إلى (ب) من

حيث مدى جودتها أو صحّتها أو حقيقتها أو أصالتها... إلخ. أمَّا في حالة الموقف الاعترافي، أو الاعتراف،

بالمعنى الضيق للكلمة (لأن الاعتراف بالمعنى الواسع يتضمَّن تحديد الهُوية والإقرار أو التّعرُّف)، فيكون (ب)

فيه، على سبيل الحصر، شخصًا أو مجموعة أو جماعة من الأشخاص. والمقصود بالشخص هنا إنسان من لحم

ودم، وليس شخصًا اعتباريًا. وعلى غرار هيغل، ومن بعده هونيت، يعتبر إيكاهيمو وليتينن أنه يمكن للموقف

الاعترافي أن يتَّخذ ثلاثة أشكال رئيسة: الحبّ، والاحترام، والتّقدير Esteem(). ولإبراز الاختلاف بين الاعتراف Recognition() والإقرار Acknowledgment()، يشير إيكاهيمو وليتينن إلى

أن الأشخاص يهتمّون باعتراف الآخرين بهم أو بعدم اعترافهم بهم؛ أمّا في حالة الإقرار، فلا يمكننا الحديث

عن وجود هكذا اهتمامٍ لدى المعايير والقيم. وينبغي التشديد هنا على الطابع الاصطلاحي والإشكالي

في الآن ذاته، للتّمييز بين الاعتراف والإقرار أو التّعرُّف. فعلى المستوى اللغوي المعجمي، نجد أن كلمة

Acknowledgment لها معظم الدلّالات الأساسية التي تمتلكها كلمة Recognition، حيث تعني، في ما تعنيه،

الاعتراف، والإقرار، والتّسليم أو القبول بشيء ما أو بحقيقة ما، والشّكر أو التّعبير عن الامتنان. كما أنها، مثل

كلمة Recognition، ترتبط، من حيث الاشتقاق اللّغوي، بالمعرفة Knowledge(). وفي محاولة لتوضيح معنى

كلمة الاعتراف في اللّغتين الألمانية والإنكليزية، أشار إنوود إلى أن ما يقابل الكلمة الألمانية Anerkennung

(الاعتراف)، في اللّغة الإنكليزية، هو Recognition و Acknowledgment في الوقت ذاته. وأشار إلى تشابك

دلالات المصطلحين الأخيرين لدرجة يصعب معها فضُّه. ولهذا قام إنوود بشرح مفهوم الاعتراف عند هيغل

تحت عنوان « Recognition and Acknowledgment »، ولم يكتفِ بوضع أحد المفهومين فقط. ويؤكِّد باتشن ماركل التشابه، وحتى التطابق أو التماثل الكامل تقريبًا، بين دلالات وقيم استعمال فعلي لِ

acknowledge و recognize، في اللّغة الإنكليزية العادية أو اليومية؛ لكنَّه يبُرز، في المقابل، الاختلاف بينهما

على المستوى الاصطلاحي، ويذهب إلى حدّ القول بوجوب الانتقال من «سياسة الاعتراف» إلى «سياسة

48 Ikäheimo and Laitinen, pp. 34-36. 49 Inwood, “Recognition and Acknowledgement,” p. 245. 50 Markell, Bound by Recognition , p. 32.

الإقرار»، أو باختصار من «الاعتراف» إلى «الإقرار». ويستند ماركل إلى فلسفة تايلور لصوغ مفهوم الاعتراف

بوصفه رؤية أو إدراك هوية الآخر واحترامها. وانطلاقًا من أطروحته القائلة باستحالة بلوغ الاعتراف المتبادل

- وهو يُعتبر السّعي إليه عمالً طوباويًا أو «دونكيشوتيًا »- وبعدم اتّساق هذا المفهوم أصالً، يرى ماركل أن

الظّلم المتعلّق بمسائل الهوية والاختلاف عمومًا لا يرتبط، بالرضّورة أو بالدّرجة الأولى، بتكوين صورة خاطئة

أو سلبية عن الآخر، وبعدم احترام هُويته واختلافه، وإنَمّا يرتبط أساسًا بطرق نَمذجَة العالم وتنظيمه، بما يسمح

بعلاقات تبعية غير منصفة بين الأفراد أو الجماعات. وترتبط معالجة الظّلم، في هذا الخصوص، بالتفاعل مع هذه

الطّرق، وبرؤية الشروط المحيطة بفعلي الخاص، وبقيامي بالاستجابة الملائمة لها، أكثر من ارتباطها بالمعرفة

وبالاعتراف بخصائص الآخر وهُويته وخصوصيته. ويشير ماركل إلى أربع سمات أساسية تميز الإقرار من

الاعتراف: الأولى، في حالة الإقرار، تكون العلاقة مع الذات أكثر من كونها علاقة مع الآخر، كما هي الحال

في حالة الاعتراف. الثانية، ما يتم إقراره أو التّسليم به لا يتعلّق بالهوية – كما هي الحال في الاعتراف – فالموضوع

الأساس للإقرار هو الرشّوط الأنطولوجية للإنسان، والمتجسِّدة في التّناهي Finitude() الخاصّ بالإنسان

عمومًا، وتناهي ذات من يقوم بالإقرار خصوصًا، بوصفه إنسانًا. الثالثة، ينبغي فهم هذا التناهي بمعناه العملي

لا بمعناه الإبستيمولوجي، أي ينبغي فهمه من حيث هو تفاعل مع معرفتي بالآخرين، وفعلي المؤسَّس على هذه

المعرفة، أكثر من كونه متجسِّدًا في هذه المعرفة نفسها، وفي نفي أو تأكيد إمكانية امتلاكها، وسمتها النّسبية أو

المطلقة. وتكمن سمة الإقرار الرابعة في كونه يتضمَّن تعايشًا وتكيفًا أو تفاهمًا مع ما تتّسم به، ب«الرضّورة»، الحياة

15 المصدر نفسه، ص.177

52 Patchen Markell, “The Potential and the Actual: Mead, Honneth, and the “I”,” in: Brink and Owen, p. 132.

35 يستند ماركل، في هذا التمييز، إلى مفهوم الإقرار عند كلٍّ من جيمس تيولي وستانلي كافل، ومفهوم الشّهادة Witnessing() لدى

كيلي أوليفر. فجيمس تيولي يفضِّل مفهومي الكشف Disclosure() المتبادل والإقرار Acknowledgment() المتبادل على المفهوم التقليدي

للاعتراف recognition()، لأنَّ «المفهوم التقليدي للاعتراف ذو صلة وثيقة بمفهوم الهوية الثابتة والأصلية والمستقلة بذاتها» (وقد كان تيولي

James Tully: «Struggles over Recognition and Distribution,» Constellations ,:وكافل من بين منتقدي هذا المفهوم أيضًا). انظر

vol. 7, no. 4 (December 2000), p. 479, and “Multinational Democracies: Introduction,” in: Alain G. Gagnon and James Tully, eds., Multinational Democracies (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2001), pp. 1-33.

ويؤكِّد كافل أن مفهوم الإقرار Acknowledgment() يتجاوز مفهوم المعرفة Acknowledge()؛ فعلى الرغم من أن الإقرار بشيء ما يتضمّن

معرفتنا بما نقرُّ به، فإن هذه المعرفة لا تفضي بالضرورة إلى حالة الإقرار، كما تختلف ردّات الفعل على ما يتمُّ معرفته. ووفقًا لكافل،

لا يحيل مفهوم الإقرار أساسًا، في العلاقات البينذواتية، إلى ما نعرفه عن الآخر، ولا إلى حجم هذه المعرفة ومدى دقّتها وصدقها...

إلخ، وإنما يشير، بالدرجة الأولى، إلى ما نفعله في حضور هذا الآخر، وإلى طريقة تفاعلنا معه، في ضوء المعرفة التي نمتلكها عنه. انظر:

Stanley Cavell, «Knowing and Acknowledging,» in: Stanley Cavell, Must We Mean what We Say?: A Book of Essays (Cambridge, [Eng.]; New York: Cambridge University Press, 1976), pp. 238-266.

ويبنيّ ماركل أن «مفهوم الإقرار عند كافل يتم إعداده في سياق تناول مشكلة الريبية في علاقتنا مع العالم، عمومًا، ومع البشر الآخرين

خصوصًا، وبالنسبة إليه، التعارض المهمّ ليس بين الاعتراف والإقرار، وإنَمّا بين المعرفة والإقرار». انظر: Bound by Markell,

Recognition , p. 32.

وفي الواقع، لا يتحدَّث كافل عن أي تعارض، مهمٍّ أو غير مهمٍّ، بين مفهومي الاعتراف والإقرار؛ لا بل هو يقوم أحيانًا بتعريف أحدهما

بواسطة الآخر. ففي كتابه مطلب العقل...، يقول «يمضي الإقرار ‹إلى ما وراء› المعرفة، ليس من حيث ترتيب المعرفة أو من حيث عمل

المعرفة، وإنَمّا من حيث كونه يناديني لكي أع عن هذه المعرفة في صميمها، وأعترفبما أعرف، وأقوم بشيء ما في ضوئه؛ ومن دون

ذلك تبقى هذه المعرفة بلا تعبير، وربما إذن بلا حيازة». انظر: The Claim of Reason: Wittgenstein, Skepticism, Stanley Cavell, Morality, and Tragedy (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1979), p. 428.

ويشير ماركل إلى القرابة بين مفهوم الإقرار عنده ومفهوم الشّهادة Witnessing() لدى كيلي أوليفر، والمعروض في كتابها: Kelly Oliver,

Witnessing: Beyond Recognition (Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 2001).

ومثلما يفعل ماركل بخصوص نموذج «الإقرار»، تعرض كيلي نموذج «الشّهادة المتبادلة» على أنَّه نموذج أخلاقي وسياسي بديل من

«نموذج الاعتراف» وأفضل منه. ويبُرز ماركل إحدى نقاط الاختلاف بينه وبين كيلي، والمتمثِّلة في تواضع النّتائج او الغايات المتوخّاة من

«سياسة الإقرار»، في مقابل التّفاؤل المبالغ فيه، لدى كيلي، بخصوص الإيجابيات التي يمكن أن تتحقّق، في حال سيادة الشهادة المتبادلة،

Markell, Bound by Recognition, pp. 37-38.:واقعيًا. انظر

الاجتماعية من غموضٍ وعدائية وصراع واضطراب واغتراب وسوء فهم... إلخ. وبذلك، لا تسعى «سياسة

الإقرار»، التي يدعو إليها ماركل، إلى تجاوز هذه السمات أو بعضها على الأقلّ، كما يفعل بعض أنصار «سياسة

الاعتراف». ولا بدَّ من الإشارة إلى أن هذا التّمييز بين Recognition و Acknowledgement ليس سائدًا أو

ضروريًا لدى معظم فلاسفة الاعتراف. ويشير ماركل نفسه إلى أن مفهوم الاعتراف عند هونيت لا يختلف أحيانًا

عن مفهوم الإقرار الذي يقترحه، بوصفه بديالً من مفهوم الاعتراف، وتجاوزًا له. ويشير إيكاهيمو وليتينن

في توضيحهما للعلاقة المعقَّدة وللاختلاف بين الاعتراف (في العلاقة بين الأشخاص) والإقرار (في العلاقة بين

الأشخاص والمعايير أو القيم)، إلى أهمية وضرورة تحليل الاعتراف وفهمه بلغة الموقف أو المواقف الاعترافية؛

إذ إن هذا التّحليل يساعد أولا في التّمييز بين التّصوُّر المونولوغيوالتّصوُّر الحواريللاعتراف. فوفقًا للتّصور

الأول، يمكن أن نكون أمام موقف اعترافي ذي ا اه واحد فقط: «أ» يعترف ﺑ «ب»، من دون أن يترافق ذلك مع

اعتراف مماثل من «ب» تجاه «أ». ومع التّصوُّر الحواري فقط، يتَّسم الاعتراف بالطّابع التّفاعلي أو التّبادلي، بحيث

لا يكون ثمَّة اعتراف، إذا لم يكن متبادالً بين الأطراف ذات الصّلة به: فالمعترِف «أ» ينبغي أن يكون، في الوقت

نفسه، معترَفًا به من قِبَل «ب». ثانيًا، يساعد تحليل الاعتراف بلغة الموقف في التّمييز بين « الاعتراف ذي البعد

الواحد » و« الاعتراف المتعدِّد الأبعاد ». وتأتي أحادية الموقف الأول من اختزاله الاعتراف إلى بُعدٍ واحد، يتمثَّل

غالبًا في الاحترام، بالمعنى الكانطي للمصطلح. ومع الموقف الثاني، يجري الحديث عن تعدُّد أبعاد الاعتراف

أو أنواعه: فإضافة إلى الاحترام، يتحدّث هونيت، مع هيغل، عن التقدير والحب أو الرعاية، كما تتحدث أنَّا

غاليوتي عن التسامح بوصفه اعترافًا. ثالثًا، يساهم تحليل الاعتراف بأنه موقف في التّمييز المهمّ بين أنواع

الاعتراف أو أشكاله من جهة، وسياقات أو مجالات تطبيقه، من جهة أخرى. فما مجال تطبيق الحب أو الاحترام

أو التقدير بوصف ذلك كله اعترافًا؟ هل يمتلك كل نوع من هذه الأنواع مجاالً محدَّدًا ومختلفًا عن مجال تطبيق

النوع الآخر، أم أن هناك تداخالً بين هذه الأنواع ومجالات تطبيقها، مع تنوُّع سياقات هذا التطبيق؟ رابعًا،

لا يشير الاعتراف، بوصفه موقفًا، إلى حالة باطنية ساكنة أو خاملة، وإنما يكون فعلا أو عمالتعبيريًا وغائيًا.

خامسًا، يمكن للاعتراف، بوصفه موقفًا، أن يتَّسق مع النظر إليه بوصفه «منح وضعية أو مكانة ما. وقد تأخذ

هذه المكانة طابعًا رسميًا متمثِاّلً في الاعتراف القانوني بمواطنية شخص ما أو مجموعة أو جماعة من الأشخاص.

ويمكن للمكانة أن تتمثَّل أيضًا في كون الشّخص محبوبًا أو محرتَمًا أو مقدُّرًا. كما يمكن للمكانة أن تكون سابقة

على الاعتراف الرسمي أو على التفاعل البينذواتي، وذلك من خلال القول بأن للإنسان، ومن حيث المبدأ، مكانة

أو منزلة قيمية ومعيارية إيجابية، ينبغي مراعاتها، مهما تكن الظّروف. حاول إيكاهيمو في تناوله للسؤال «هل هناك ظاهرة موحَّدة أو مفهوم موحَّد تسعى وراءهما الطّرق المختلفة

54 يصدق هذا الحكم، مثال، على تايلور، أكثر ممّا يصدق على هونيت الذي أشار إلى ديمومة بعض أشكال الصراع أو النضال من أجل

الاعتراف، في زمننا المعاصر؛ انظر: The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts, Axel Honneth, Translated by Joel Anderson, Studies in Contemporary German Social Thought (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1996), pp.

55 Markell, Bound by Recognition , p. 203.

56 لمفهوم الاحترام مكانة مهمّة في جميع نظريات الاعتراف المعاصرة. وبكلمات عامة، الاحترام، عند كانط، يعني النظر إلى الآخر،

والتعامل معه، دائامً، على أنّه غاية لا وسيلة، وعلى أنه شخص حرٌّ واعٍ وذو كرامة واستقلال ذاتي، ينبغي مراعاة مشاعره ومعتقداته

ورغباته وحاجاته. للمزيد بشأن مفهوم الاحترام عند كانط وعلاقته بمسألة العدالة، انظر: Kant, Respect and Victor J. Seidler,

Injustice: The Limits of Liberal Moral Theory, International Library of Philosophy (London; Boston: Routledge and Kegan Paul, 2010). 57 Anna E. Galeotti, Toleration as Recognition (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002). 58 Ikäheimo and Laitinen, pp. 37-51.

التي تتحدَّث عن الاعتراف؟» إظهار الوحدة التي ينطوي عليها مفهوم الاعترافوالأهمية المركزية لهذا المفهوم،

وتبنّى الأطروحة القائلة بوجود مفهوم موحَّد وجمعي وواسع، إلى درجة تسمح بتوحيد التيارات الرئيسة

المعاصرة التي تناقش مسألة «الاعتراف». ويميز إيكاهيمو بدايةً بين مقاربتين أو طريقتين نموذجيتين للنظر

إلى مفهوم الاعتراف: مقاربة نوعية أو أخلاقية، ومقاربة أُنطولوجية. ووفقًا للمقاربة الأولى، يفضي الاعتراف

إلى تغيير نوعي في المعترَف به، بما يجعله أفضل من ذي قبل؛ أمّا المقاربة الثانية، فترى أن الاعتراف يساعد على

إظهار الكينونة الحقيقية للمعترَف به. وعلى الرغم من التعارض الظاهر والكبير بين هاتين الرؤيتين للاعتراف،

يؤكّد إيكاهيمو إمكانية التوفيق بينهما، من خلال إعادة تأويل مفهوم الرّوح عند هيغل، بحيث يبنيّ هذا التأويل

أن الرّوح الهيغلية تحيل على اﻟ «نحن» بوصفنا أشخاصًا. وعلى هذا الأساس، يصبح مفهوم «الرّوح» عند هيغل

مرادفًا لمفهوم « personhood ». وانطلاقًا من هذا الفهم لمفهوم الرّوح عند هيغل، حاجَّ إيكاهيمو بأن النظر إلى

عمليات الاعتراف على أنها مواقف عملية نقوم فيها باعتبار فردٍ ما أو شيءٍ ما أنه شخص يبنيّ إمكانية التوفيق

بين الرؤيتين الأخلاقية والأنطولوجية للاعتراف. وتتجسَّد إمكانية التوفيق بينهما في القول إن المقاربة الأخلاقية

تبين أن الاعتراف يجعل حياتنا – بوصفنا أشخاصًا – أفضل، بطرق متعدِّدة، في حين أن المقاربة الأنطولوجية

ترى أن الاعتراف يجعلنا، بالدرجة الأولى، أشخاصًا. والأشخاص ليسوا مجرد حيوانات، لأنهم ينظِّمون عالمهم،

أو يعيشون هذا النظام، بواسطة معايير اجتماعية وقيمية. ويخلص إيكاهيمو إلى القول إن الاعتراف هو العامل

الأكثر أساسية في الأحكام المتعلِّقة بالخاصّية الأخلاقية للأفعال، والأشخاص، والعلاقات بين الأشخاص،

والحياة الاجتماعية، بشكل عام. وتحت عنوان «الاعتراف ومصائره»، يتناول تزفيتان تودوروف، في كتابه

المهم الحياة المشتركة، مفهوم الاعتراف من زاوية نفسانية، تحيل عمومًا على مفاهيم التحليل النفسي. ويؤكِّد

تودوروف فرادة فعل الاعتراف أو استثنائيته، سواء من حيث مضمونه – من حيث كونه أكثر فعل يؤِّ إلى

دخول الفرد إلى الوجود الإنساني – أو من حيث مرافقته لجميع الأفعال الإنسانية الأخرى. وما يهمنا، في

السياق الحالي، هو قيام تودوروف بتمييز وتحديد بعض أهمِّ الصيغ التي يمكن أن يتّخذها الاعتراف. وفي

تحديده لبعض المصادر الخارجية للتنوُّع الهائل في النشاط الذي يشمله الاعتراف، يكتب تودوروف: «يمكن

أن يكون الاعتراف ماديًا أو غير مادي، فيه من الغنى أو من الشرف، متطلِّبًا أو غير متطلِّب لممارسة السلطة على

الأشخاص الآخرين. ويمكن للتّطلع نحو الاعتراف أن يكون واعيًا أو غير واعٍ، ويستخدم آليات عقلانية أو

غير عقلانية». ويشير تودوروف إلى أن الاعتراف «يشمل جميع مناطق وجودنا» (العلاقات المهنية وعلاقات

الصداقة والحب، وعلاقات الحياة السياسية... إلخ). وقد يأتي الاعتراف ممّن هم أدنى منّا (اعتراف التلميذ

بفضل أستاذه) أو أعلى منّا (اعتراف المدير بجهد أحد موظفيه)، أو أنداد لنا (الاعتراف بين الأصدقاء)،

وفقًا لتراتبية معينة. ويميز تودوروف بين شكلين أو صيغتين للاعتراف: « اعتراف المطابقة » (الاعتراف

بالمساواة أو التشابه أو التماثل بين الأشخاص: كالاعتراف القانوني بالمساواة)، و« اعتراف التمايز أو الاختلاف »

(الاعتراف بتميز الشّخص وباختلافه عن الآخرين: كالاعتراف بتفوّق شخص ما، وتميزه في أمر ما). فهل نريد

59 Heikki Ikäheimo, “Making the Best of What We Are: Recognition as an Ontological and Ethical Concept,” in: Schmidt am Busch and Zurn, eds., pp. 343-367.

06 المصدر نفسه، ص.346-344

1 6 تزڤيتان تودوروف، الحياة المشتركة: بحث أنثروبولوجي عام، ترجمة منذر عياشي؛ مراجعة خليل أحمد خليل (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي

للثقافة والتراث «كلمة»؛ بيروت: المركز الثقافي العربي؛ دار الفارابي، 2009)، ص.123

26 المصدر نفسه، ص.124

36 انظر: المصدر نفسه، ص.126-125

أن يُعترف بتساوينا أو بتشابهنا مع الآخرين، أم بتميزنا عنهم؟ وهل ثمّة تناقض لا توسّط فيه، أم تكامل، بين

هاتين الصّيغتين من الاعتراف؟ ويشدِّد تودوروف على الاختلاف النسبي والمهمّ بين الاعتراف بوصفه « حكم وجود » (اعتراف طرف بوجود

طرف آخر)، وهو ما يسمّيه تودوروف الاعتراف بالمعنى الضّيق، والاعتراف بوصفه « حكم قيمة » (إسباغ قيمة

– إيجابية أو سلبية - على وجود شخصٍ ما). ومن الواضح أن الاعتراف الثاني مشروط بحصول الاعتراف

الأول، لكن، هل يمكن حصول الاعتراف الأول من دون حصول الاعتراف الثاني؟ ينبغي الانتباه هنا إلى

أن تودوروف يتحدَّث عن مرحلتين من الاعتراف، لا عن اعترافين متمايزين تمايزًا تامًّا؛ فالاعتراف، الذي

يصفه تودوروف بأنه «أوكسجين الوجود»، يتضمّن كلتا المرحلتين بالضرورة؛ فالهدف الأساس من هذا

التّمييز هو الإشارة إلى أن إنكار وجودنا هو أشد وقعًا علينا عمومًا من وسمنا بالسّوء الأخلاقي أو من رفضنا

على أساس وجود هذا السّوء. وفي الواقع، قد يكون التعامل السلبي أحيانًا للمدير مع مرؤوسيه ناتجًا، لا من

احتقاره أو من كرهه لهم أو رغبته في إهانتهم أو ما شابه، وإنما من عدم اعترافه بوجودهم، بالمعنى القيمي، أي

بمعنى أن ليس لوجودهم، من وجهة نظره، قيمة ليكون من الواجب مراعاتها أو أخذها بعين الاعتبار. وفي مثل

هذه الحالة، يتماهى حكما الوجود والقيمة في فعل سالب، بالمعاني المنطقية والوجودية والأخلاقية والاجتماعية

للسلب. ويشير تودوروف إلى الاختلاف النسبي بين « الاعتراف المباشر » و« الاعتراف غير المباشر »؛ فعندما

يكون لاعترافي المباشر بالآخر معنى أو قبول لدى هذا الآخر، فهذا يعني أنّه يعترف بي اعترافًا غير مباشر. فهو

يعترف بي اعترافًا غير مباشر، لأنّه يعترف باعترافي المباشر به. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنه ليس ثمة

اعتراف إذا لم يكن متبادالً، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ونحن بحاجة، ليس فقط إلى الاعتراف المباشر،

بل أيضًا إلى الاعتراف غير المباشر. ونحن بحاجة إلى من هم بحاجة إلينا، لأنَّنا بحاجة إلى حاجتهم إلينا؛ فهذه

الحاجة تمثِّل اعترافًا غير مباشر بنا. عمل الباحثان كريستيان لازُري وألان كاييه في دراستهما المعنونة ب «الاعتراف اليوم: الرهانات النّظرية،

الأخلاقية والسّياسية، للمفهوم«، على توضيح ما أسمياه «منطق الاعتراف» و«بناء مفهوم الاعتراف». وهما

يميّزان في تناولهما سؤال «ما الذي نعترف به؟» جانبين: «جانب موضوعي يتعلَّقبالسمّاتالقابلة لأن تكون

موضوعًا للاعتراف، وتكون أشبه بالمتغيرات المحورية؛ وجانب ذاتي يكمن في معرفة ما يرغبالأفراد في أن

يُعترف به». ونظرًا إلى أن التقاطع بين هذين الجانبين يمكن أن يُنتج عددًا غير متناه من السمّات التي قد يرغب

الأشخاص في أن يُعترف بها، لجأ الباحثان إلى تبنّي الأطروحة «الهيغلية-الهونيتية» التي تنصّ على وجود ثلاثة

أشكالٍأساسية للاعتراف، تغطي ثلاثة أنماط من العلاقات الاجتماعية المع ة عن الجوانب الجوهرية للحياة

الإنسانية: العلاقات الاجتماعية – بما فيها خصوصًا علاقات العمل – المرتبطة بتوزيع أشكال التقدير الاجتماعي

بين الأفراد؛ العلاقات القانونية المرتبطة بمكانة الملْكية والمواطنة؛ العلاقات بين الأشخاص داخل العائلة أو

64 Tzvetan Todorov, Life in Common: An Essay in General Anthropology , Translated by Katherine Golsan and Lucy Golsan; with a New Afterword by the Author, European Horizons (Lincoln: University of Nebraska Press, 2001), pp.

65 انظر: تودوروف،.139 ص

66 انظر: المصدر نفسه، ص -159.160

67 Christian Lazzeri and Alain Caillé, “Recognition Today: The Theoretical, Ethical, and Political Stakes of the Concept,” trans. Melissa McMahon, in: Jean-Philippe Deranty [et al.], eds., Recognition, Work, Politics: New Directions in French Critical Theory , Social and Critical Theory; v. 5 (Leiden; Boston: Brill, 2007), pp. 89-125.

86 المصدر نفسه، ص.92

علاقات الحب والصداقة. وعلى هذا الأساس، جرى الحديث عن ثلاثة مجالات أساسية للاعتراف: مجال

المهارة والكفاءة؛ مجال المواطنة أو الانتماء المدني؛ مجال الحب. والجدير بالذكر أن لتوضيح هذه المجالات،

لجأ الباحثان إلى نظريات وأفكار فلاسفة أو مفكرين لا ينتمون عمومًا إلى تيار فلسفة الاعتراف المعاصرة: رولز

وهابرماس، على سبيل المثال. ويمكن القول إن بعض نظريات الاعتراف المعاصرة قد جاءت لتتجاوز – بالمعنى

الهيغلي للمصطلح – نظريات هذين الفيلسوفين، في مجالات الفلسفة السياسية والاجتماعية والأخلاقية. ولهذا

سنختم تناولنا لدلالات مفهوم الاعتراف بعرض موجز ومكثف لمضامين مجالات الاعتراف الثلاثة، وفقًا لرؤية

لازُري وكاييه، ورؤية الفلاسفة الذين استندا إليهم. يرتبط المجال الأول للاعترافبالمهارة أو الكفاءة. وقد ا ذ الباحثان من تأويل رولز لما أسماه «المبدأ

الأرسطي»، ومن بعض الأفكار الاجتماعية -النّفسية في فلسفة جورج هربرت ميد، أساسًا لتوضيح هذا

المجال من الاعتراف. وينصُّ المبدأ الأرسطي على أن «مع تساوي الأشياء الأخرى، تتمتّع الكائنات البشرية

بممارسة قدراتها المتحقّقة (المهارات الفطرية أو المكتسبة)، وتزداد هذه المتعة بمقدار زيادة تحقق هذه القدرة،

أو كلما كانت ذات تعقيد أكبر». ويرى رولز في هذا المبدأ «قانونًا نفسيًا» من قوانين التحفيز، يمكن من

خلاله تفسير الكثير من رغباتنا وتفضيلاتنا وأفعالنا. وللمبدأ، إضافة إلى طابعه الفردي، طابع اجتماعي يتمثَّل

في تفاعلنا الإيجابي مع إدراك أو تحقيق الآخرين لقدراتهم ومهاراتهم، واستمتاعنا بممارستهم لها، وفي رغبتنا في

مجاراتهم، وفي إظهار مواهبنا وتحقيق قدراتنا المماثلة لها والكامنة فينا. فالتفاعل يتضمَّن الاستمتاع والاستحسان،

من جهة، والرغبة في المجاراة والمحاكاة، من جهة أخرى. بيد أن التّأثير والتّأثّر لا يكونان من اتجاه واحد. وقد

بنيّ ميد أن من يقوم بممارسة مهارته وقدراته يأخذ مسبقًا بعين الاعتبار نظرة أو تقويم الآخرين لما يقوم به،

بحيث تشكِّل هذه النظرة – المتخيلة والواقعية، في الوقت نفسه – حافزًا من حوافز قيامه بهذه الممارسة أو هذا

الفعل. وانطلاقًا من هذا التفاعل مع نظرات الآخرين وتقويماتهم، يشكِّل صاحب المهارات والقدرات نظرته

وتقديره لذاته، بحيث يساهم استحسان الآخرين أو تقديرهم لقدراته ومهاراته في صوغ تقويمه أو تقديره

الإيجابي لهذه القدرات أو المهارات، ولذاته عمومًا. ويساهم هذا التقويم الإيجابي – الفعلي أو المتخيَّل – في صوغ

توقّعات الأشخاص، ويكون حافزًا مه لتطوير هذه المهارات وتحقيقها، ولتقويم المكانة أو الموقع الاجتماعي،

وفقًا لمنظور نفعي أو أخلاقي أو اجتماعي. ويشير لازُري وكاييه إلى أن هذا التعدّد في منظورات التقويم

يفضي إلى بروز تأويلات مختلفة لهذا «الاعتراف الاجتماعي غير الرسمي»: من جهة أولى، هناك من ينظر إلى هذا

الاعتراف بإيجابية، ويرى أنه يساعد على زيادة التكامل بين أفراد المجتمع من حيث المهارات والمشاريع (رولز

وريتشارد سينيت، على سبيل المثال)، ومن جهة أخرى، هناك من يرى (ثورشتاين فيبلين وفيلفريدو

96 المصدر نفسه، ص.94-93

07 ينبِّه رولز إلى أنّه استخلص مضمون هذا المبدأ من خلال قراءته الخاصة لما يقوله أرسطو عن العلاقة بين السعادة والنشاط

والاستمتاع. وانطلاقًا من ذلك، هو لم يسمّه «مبدأ أرسطو» لأن نصوص أرسطو لا تشير، صراحةً وبوضوحٍ كامل، إلى هذا المبدأ. انظر:

رولز، نظرية في العدالة، ص 5.13

George Herbert Mead, Mind, Self and Society from the Standpoint of a Social Behaviorist, Edited, with 1 انظر:7

Introduction by Charles W. Morris (Chicago, Ill.: University of Chicago press, [1934]). 72 John Rawls, A Theory of Justice , Rev. ed. (Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 1999), p. 374. 73 Lazzeri and Caillé, p. 95. Richard Sennett, «Talent and the Specter of Uselessness,» in: Richard Sennett, The Culture of the New Capitalism, انظر:47

Castle Lectures in Ethics, Politics, and Economics (New Haven: Yale University Press, 2006), pp. 83-130. 75 Rick Tilman, “Veblen, Darwin, and Sociobiology,” in: Rick Tilman, Thorstein Veblen and the Enrichment of Evolutionary Naturalism (Columbia, Mo.: University of Missouri Press, 2007), pp. 186-217.

باريتو، على سبيل المثال) أن هذا الاعتراف هو جزء من تنافس واسع على الهيمنة والاحتكار، وهو ما يجعله

مصدرًا أو منتجًا لعديد من الصراعات أو النزاعات الاجتماعية. ولتوضيح الصيغة الثانية من الاعترافوالمتعلّقة بالمواطنة أو الانتماء المدني، يلجأ لازُري وكاييه إلى إبراز

ثلاثة نماذج متباينة في الفلسفة السياسية: الليبرالية المساواتية والواجباتية (أي المرتبطة بأخلاق الواجب

Deontological Liberalism) (، والممثَّلة برولز مثالً، والديمقراطية التداولية Deliberative Democracy()

والأخلاق التّواصلية كما تظهر في فلسفة هابرماس، على سبيل المثال، والنظرية الجمهورية التي نجد نموذجًا

قويًا لها عند فيليب بتيت.ِ وفقًا لرولز، ينبغي الانطلاق من واقع تعدُّد تصورات الخير في المجتمع، ومن ضرورة تمتّع كلّ فرد بحرّية اختيار

أحد هذه التّصورات وتحقيقه، شريطة أن ينسجم ذلك، أو أالّ يتعارض، مع تحقيق تصوّرات الخير لدى الأفراد

الآخرين. إضافة إلى ذلك، يتطلَّب المجتمع الحسن التنظيم توافر شروط علاقات مشاركة اجتماعية ودّية، قائمة

على الاحترام المتبادل والتعاون بين المواطنين. ويوفِّر هذان العاملان (الانسجام بين تصوّرات الخير، والعلاقات

الودية بين المواطنين) استقرارًا اجتماعيًا نسبيًا، يترافق مع قيام نظام اجتماعي يتصدى لأي انحراف، في هذا

الصدد، ويتجسَّد في مؤسسات تعمل على تطبيق مبادئ العدالة المتَّفق عليها. وعلى هذا الأساس، جاء تعريف

رولز لهذا المجتمع على أنه «مجتمع يُصمَّم لتحقيق الخير لأعضائه ويُنظَّم بفعالية من خلال تصور عام للعدالة.

بالتالي إنه مجتمع يقبل فيه كلّ شخص، ويعرف أن الآخرين يقبلون مبادئ العدالة نفسها، وأن المؤسسات

الاجتماعية الأساسية تفي بهذه المبادئ، ومعروف أنها تفي بها». تسمح مبادئ العدالة، وفقًا لرولز، بالتّحديد المناسب للخيرات الأوّلية Primary Goods() – الحقوق المدنية

والسياسية، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية – التي ينبغي توزيعها، وتحديد شروط حيازتها وممارستها. إالّ

أن ثمَّة خيرًا أساسًا يصعب تصنيفه وإلحاقه بالحقوق المذكورة، ويتمثَّل في ما أسماه رولز «الأساس الاجتماعي

لاحترام الذات». ويسمح هذا الأساس للمواطنين بامتلاك شعور بقيمتهم الخاصة، وبالوصول إلى قناعة عميقة

بأن مفهومهم للخير، ومشروع الحياة الذي يتضمَّنه هذا المفهوم، جديران بالسعي إلى تحقيقهما. ويترافق ذلك

مع تحديد لأهداف وغايات معينة، وشعور بالثقة بالقدرة على تحقيق هذه الأهداف والوصول إلى تلك الغايات.

وهكذا، يمثِّل الاعتراف الاجتماعي- السياسي بتصوّر الخير لدى الفرد شرطًا موضوعيًا أساسًا لامتلاك هذا

الفرد نوعًا من احترام الذات، وثقة بالقدرة على امتلاك الخيرات الأوّلية الأخرى. فهذا الأساس الاجتماعي

لاحترام الذات هو خيرٌ أكثر أولِّية من الخيرات الأوّلية الأخرى؛ إنَّه يمثّل خيرًا مؤسِّسًا، وبهذا المعنى هو

خيرٌ أولي ماورائي)Primary Meta-good(. وفي المقابل، إن قيام هذا الأساس واستمراره مرهون بمبادئ

العدالة، وبالتوزيع المنصف أو الملائم للخيرات الأوّلية الأخرى. ونحن ننتقل، مع هذا الشّكل من الاعتراف،

من الاعتراف الاجتماعي غير الرسمي إلى الاعتراف السياسي أو العمومي الرسمي، الذي يكمّل الاعتراف

الأول ويعزِّزه؛ لكن ينبغي التأكيد هنا أن هذا الاعتراف لا يُنتج احترام الذّات لدى المواطنين، بطريقة مباشرة،

76 Alasdair J. Marshall, Vilfredo Pareto’s Sociology: A Framework for Political Psychology , Rethinking Classical Sociology (Aldershot, England; Burlington, VT: Ashgate, 2007). 77 Lazzeri and Caillé, p. 96.

8 7 رولز، نظرية في العدالة، ص.544

79 Lazzeri and Caillé, p. 97.

وإنَمّا يقوم، من خلال الدستور والمؤسَّسات والقوانين، بوضع الأساس الاجتماعي لاحترام الذّات، وفقًا

لصيغ محدَّدة. ونجد لدى هابرماس تصوُّرًا مختلفًا لهذا الشّكل من الاعتراف؛ فهو لا يرى – مثلما يفعل رولز - أن الوسيلة

الأفضل للوصول إلى مبادئ العدالة والمعايير عمومًا تكمن في البدء من وضع تخيلي يقوم فيه أفراد معزولون

باختيار هذه المبادئ وتلك المعايير، على أساس قرار عقلاني. فالأَولْى عند هابرماس هو الانطلاق من الذاتية

المشتركة، أو من الوضع البينذواتي، لأن هذه الذاتية المشتركة، المتأسِّسة على عملية التواصل والمحاجَّة، تكفي

تحديد الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والحسم في ما بينها، إضافة إلى التنسيق بين الأفعال اليومية

لأفراد ينتمون إلى مجموعات مختلفة الأحجام (من الجماعات الصغيرة في أي مؤسسة، إلى جماعة المواطنين في

الدولة). وانطلاقًا من هذه الذاتية المشتركة، ومن التعاون الفعلي بين البشر، يمكن الوصول إلى قواعد هذا

التعاون، بواسطة النقاش العقلاني والمحاجات الجماعية العمومية التي يعرض كلُّ طرف فيها أفكاره وآراءه

ذات الصلة بموضوع النقاش، ويسعى إلى إقناع الأطراف الأخرى المشارِكة فيه، مع استعداده للتّخلي طوعًا

عن أي فكرة يبنيّ النقاش الحجاجي عدم صوابها أو عدم ملاءمتها. وتكون المعايير التي يتمّ الوصول إليها أو

الاتّفاق عليها مع ة عن الفهم العقلاني المشترك بين الأفراد. فالمبدأ الأول الذي يحكم تأسيس المعايير، في هذا

الإطار، هو «مبدأ الكلية أو العالمية» Universalization) (، على النمط الكانطي؛ فلكي يكون أي معيار مقبوالً

ومشروعًا، ينبغي أن يُع عن إرادة عامة أو، بكلمات كانط، عن قانون كلي. ولا تأتي كلّية أو عالمية أي معيارٍ

أو مبدأ من خلال فرضه على الآخرين أو إكراههم على قبوله، وإنما ينبغي أن تكون نتيجة للمناقشات العقلانية

والمحاجّات النقدية التي تفضي إلى القبول أو عدم القبول طوعًا بمبدأ أو بمعيار ما. وتفترض عقلانية هذه

المناقشات ضرورة وجود الاحترام بين أطرافها. شاقنلا لامج لخدن الامح، ابه مازتللااو الوهبق يغبني ةيقلخاأ دعاوق اتاهذب نمضتت ةَّجاحلام ةرويسر نإف، اذكهو

العمومي، سعيًا إلى بلوغ اتفاق ما أو توافق ما. فوجود حدٍّ أدنى من الاتفاق أو التوافق هو شرط لقيام هذه

المناقشات والمحاجَّات، قبل أن يكون غاية أو نتيجة لها. ولا يمكن لأي مناقشة أن تتمَّ إذا لم يعترفكلّ طرف

مسبقًا بمشروعية الطرف الآخر. وعلى الرغم من اتِّسام كثير من المناقشات، والسياسية منها على وجه الخصوص،

بالطابع الاستراتيجي، وابتعادها بالتالي عن أن تكون فعالً تواصليًا، بالمعنى الهابرماسي للمصطلح، فإن ذلك

لا ينفي صحة ومعقولية ما يسمّيه هابرماس «أخلاق التواصل»؛ فبالاستناد إلى هذه الأخلاق تحديدًا، نستطيع

القول إن هذا الفعل الاستراتيجي أو ذاك غير مسوّغ، وينبغي تجنّبه أو رفضه. وتنطوي هذه الأخلاق على

الاعتراف بالمساواة بين المتناقشين، ويصبح هذا الاعتراف اعترافًا سياسيًا، بقدر ارتباط النّقاش والمداولات

بوضع المعايير العمومية التي تنظّم حياة المجتمع.

80 المصدر نفسه، ص.98

81 Jürgen Habermas, Moral Consciousness and Communicative Action , Translated by Christian Lenhardt and Shierry Weber Nicholsen; Introduction by Thomas McCarthy (Cambridge: Polity Press, 1992), pp. 62-68, and Lazzeri and Caillé, p. 98.

82 ثمة تمييزٌ أساس ومشهور في فلسفة هابرماس، بين الفعل الاستراتيجي والفعل التّواصلي: «في حين أنّه في الفعل الاستراتيجي يسعى

شخص ما إلى التّأثير في تصرف شخصٍ آخر، بواسطة الرتّهيب أو الرتّغيب، لكي يجعلالتّفاعل يمضي وفقًا لرغبة الشّخص الأول؛ فإنَّه

في الفعل التواصلي، يسعى شخص ما إلى تحفيز شخص آخر، بطريقة عقلانية، عن طريق التّعويل على الأثر الملزم -الرابط لقوة المعنى

المتضمَّنة في فعل الكلام». انظر: Habermas, p. 58.

83 Lazzeri and Caillé, p. 99.

بالنسبة إلى المقاربة الثالثة للاعتراف السياسي أو المدني، يجد لازُري وكاييه أنها موجودة، بشكل نموذجي،

لدى فيليب بتيت، أحد أهمّ ممثلي المذهب الجمهوري في الفلسفة السياسية المعاصرة. وإضافة إلى كون المذهب

الجمهوري نظرية في الحكم السياسي، فإنه هو أيضًا، بل بدايةً، نظرية في الحرّية، كما يشير إلى ذلك بوضوح كتاب

بِتيت المركزي المذهب الجمهوري: نظرية في الحرّية والحكومة. وفي هذا الكتاب، يقدِّم بِتيت نظريته في الحرّية

بوصفها «نفي- الهيمنة». وقد يتبادر إلى الذهن أن نظرية بتيت في الحرّية تتبنّى «الحرّية السّلبية» التي تحدّث عنها

إيسايا برلين، وهي تشير إلى غياب العوائق والتدخلّات الخارجية. لكن مفهوم الحرّية عند بِتيت يتأسس،

بدايةً وتحديدًا، على نقد هذه الحرّية السلبية. وما يهمنا إبرازه، في هذا السياق، هو ما أشار إليه لازُري وكاييه،

وهو أن فكرة الاعتراف العمومي لدى بتيت تَظهر في التقاطع بين أطروحته الإيجابية المتعلّقة بالحرّية بوصفها

-«نفيالهيمنة»، وأطروحته السلبية النقدية بخصوص مفهوم «الحرّية السلبية».

يرى بتيت، مع برلين، أن عدم وجود تدخّل خارجي لا يترافق بالضرورة مع التمتع بالحرّية وبالديمقراطية؛ إذ

يمكن لسلطة تسلّطية ما أن تتسامح مع بعض الأفراد وأن تبتعد عن التدخّل المباشر في شؤونهم، بما يمنحهم

نوعًا ومجاالً من هذه الحرّية السلبية، على أن تظلّ هذه السلطة محتفظة بقوتّها القمعية، وبقدرتها على التدخّل،

عندما تشعر بأي خطر يتهدَّدها. وفضالً عن ذلك، يشير بتيت إلى أن تدخّل السلطة ليس سلبيًا دائامً أو بحدّ ذاته،

إذ يمكن لهذا التدخّل أن يحصل للحدّ من هيمنة ما، بما يسمح بمزيد من الحرّية للأشخاص الذين كانوا متأثرين

سلبًا بهذه الهيمنة. فمثالً، يبدو، غالبًا على الأقل، أن ثمّة ضرورة لدرجة ما من تدخّل الدولة، لضبط العلاقة بين

العامّل وأرباب العمل أو بين مختلف الأطراف الفاعلة اقتصاديًا. وكذلك هي الحال بخصوص تدخّل الدولة

لحماية الضعفاء أو المستضعفين أو المهمَّشين لأسباب قد تتعلَّق بجنسهم أو لونهم أو عرقهم أو عمرهم... إلخ.

وإيجابية «نفي-الهيمنة» لا تأتي فقط من كونه وسيلة لتحقيق بعض الخيرات والمنافع؛ فهذا النّفي هو خيرٌ بحدِّ

ذاته، لأنَّه يتنافى مع جميع أشكال التبعية التي تحاول الحطَّ من قدْر الإنسان؛ فتبنّي الحرّية بوصفها «نفي -الهيمنة»،

يعني النظر إلى الإنسان-الفرد على أنه قادر على أن يتمتّع بتقديره الخاص، وعلى أن يتَّخذ القرارات المناسبة في

ما يخصُّه، بعيدًا عن التدخلّات الخارجية الاعتباطية. ويرى بتيت أن الحرّية بوصفها «نفي الهيمنة» تنسجم مع

رغبة إنسانيةٍ عميقة وعالمية، وتتمثّل في الرغبة في المكانة والكرامة. وتبلغ هذه الحرّية ذروة تجسُّدها في «أن

نحيا بشرف»، وذلك يقتضي، وفقًا لبتيت، أن يبدأ هذا النوع من الحياة في المجال السياسي، من أجل أن يكون

في الإمكان حصوله، أو الوصول إليه، في المجالات الخاصة والاجتماعية. وبالنسبة إلى الشّكل الأخير من

الاعتراف، فهو يتعلَّق بالعلاقات ذات الطابع الشخصي أو الخاص بين الأفراد. وإذا كان الشّكلان الأولّان

من الاعتراف يتعلَّقان بما هو عامٌّ ومشترك بين البشر، فإن هذا الشّكل الأخير من الاعتراف يتعلَّق بما نراه

فريدًا أو خاصًّا. ويبرز ذلك في عاطفة الحب التي يكنُّها شخص ما لشخص آخر. ومثلما كانت الحرّية، في

الاعتراف العمومي عند بتيت، هي «نفيِ-الهيمنة»، فإن الحب بدوره -بوصفه يمثِّل أحد أشكال الاعتراف

الشخصي الخاص- قد يجسِّد، في العلاقة بين الرجل والمرأة، الترياق أو العلاج للهيمنة الذكورية القائمة غالبًا

84 Philip Pettit, Republicanism: A Theory of Freedom and Government , Oxford Political Theory (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1997). 85 Isaiah Berlin, “Two Concepts of Liberty,” in: Isaiah Berlin, Liberty: Incorporating Four Essays on Liberty , Edited by Henry Hardy; with an Essay on Berlin and his Critics by Ian Harris (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp.

86 Lazzeri and Caillé, p. 100. 87 Pettit, p. 96. 88 Lazzeri and Caillé, p. 101.

في هذه العلاقة. ويرى بورديو في دراسته الهيمنة الذّكورية، وتحديدًا في تجربة الحبّ أو الصداقة، نوعًا من «الهدنة

الإعجازية، حيث تبدو الهيمنة مهيمَنًا عليها، أو بالأحرى ملغاة، و[يبدو] العنف الرجولي مخفَّفًا »[...]. وفي

علاقات الحب والصداقة، ثمَّة اعتراف متبادل، بعيدًا عن حالة الرصّاع أو النّزاع مع الآخر. ففي علاقة الحبّ،

«اعتراف متبادل، وتبادل التبريرات للوجود ولمبررات الوجود، وشهادات متبادلة عن الثّقة». تغطّي هذه الأشكال أو المجالات الثلاثة من الاعتراف (الاعتراف الاجتماعي غير الرسمي، الاعتراف السياسي

أو العمومي الرسمي، الاعتراف الشخصي أو الخاص بالأفراد) معظم، وربمّا جميع، نماذج الاعتراف التي تتناولها

نظريات الاعتراف المعاصرة. والأسئلة التي يمكن أن يثيرها مثل هذه التصنيفات هي: ما العلاقة القائمة، أو

التي يمكن إقامتها، بين هذه الأشكال من الاعتراف؟ هل يمكننا الحديث عن تشابك بينها، أم أن ك منها

يشكِّل «جزيرة» منفصلة عن الأخرى؟ وهل يمكن إقامة نوع من التراتبية بينها؟ وهل تقتضي الإجابة عن

هذه الأسئلة أن نأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي... إلخ) الذي يجري

الحديث عن الاعتراف به، أم أن في الإمكان الوصول إلى هذه الإجابة، مع غضٍ للنظر، جزئيًا أو كليًا، عن مثل

هذا السياق؟ وما المكانة التي يشغلها، أو التي يمكن أو ينبغي أن يشغلها، مفهوم الاعتراف في الفلسفات أو

النظريات الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية المعاصرة؟

نحو دراسة العدالة بوصفها اعترافًا

يمكن القول، بخصوص السؤال الأخير، إن مفهوم الاعتراف أو فكرة الاعتراف أصبحا شائعين جدًّا في تلك

الفلسفات أو النظريات؛ والفكرة موجودة، بدرجة أو بأخرى، حتى لدى من لا يمكن تصنيفه على أنه من

مفكّري الاعتراف أو فلاسفته. وقد ظهر ذلك واضحًا في عرض الأشكال الثلاثة السابقة من الاعتراف، حيث

جرى اللجوء غالبًا إلى أفكار ونظريات مفكرين وفلاسفة لا يشغل لديهم مفهوم الاعتراف مكانة مركزيةً أو

محوريةً (رولز، هابرماس، بتيت، بورديو). فعلى سبيل المثال، إن فكرة الاعتراف، في نظرية رولز، مستنبطة من

مبادئ العدالة، وتالية عليها، وهي ثانوية مقارنةً بها. وكذلك حال فكرة الاعتراف في نظرية التواصل عند

هابرماس. وقد عملت نظريات الاعتراف المعاصرة على تجاوز نظرية العدالة عند رولز ونظرية التواصل عند

هابرماس، في ميدان الفلسفة السياسية والأخلاقية، وفي ميدان النظرية الاجتماعية النّقدية. وفي قولنا بوجود «نظريات الاعتراف»، نحن نختلف مع بول ريكور الذي قال في كتابه سيرة الاعتراف: «لا

وجود لنظرية للاعتراف جديرة بهذا الاسم، بالطّريقة التي توجد فيها نظرية أو عدّة نظريات للمعرفة».

وفي اختلافنا مع هذه الرّؤية، نحن نتّفق، مع بول كوبِن، في أن نظرية الاعتراف قائمة منذ فينومينولوجيا

الروح الهيغلية، ومع كريستوفر زيرن، في أن هذه النظرية أصبحت الآن «نموذج بحث ناضج ومؤسَّس

89 بيار بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني؛ مراجعة ماهر تريمش (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.162

90 المصدر نفسه، ص.165

91 Ricoeur, Parcours de la reconnaissance , p. 11. 92 Paul Cobben, The Nature of the Self: Recognition in the Form of Right and Morality , Quellen und Studien zur Philosophie; Bd. 91 (Berlin; New York: W. de Gruyter, 2009), p. 2.

93 ثمّة ترجمتان عربيتان لهذا الكتاب. الأولى هي ترجمةٌ قديمةٌ نسبيًا وغير كاملة: جورج ويلهام فريدريك هيجل، فينومينولوجيا الفكر،

ترجمة وتعليق مصطفى صفوان (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981)؛ والثانية هي ترجمةٌ حديثةٌ وكاملةٌ: غ يُورْغ فِلْهِلْم

فرِدْريشْ هيغل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم ناجي العوْنِّ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2006

جيدًا في الفلسفة». وعلى الرغم من تباين اهتمامات نظريات الاعتراف المعاصرة، وانشغالاتها، فإنها جميعًا

تتّفق في ما يتعلق بنقطة مهمَّة تمثِّل محورًا أساسًا من محاور هذه الاهتمامات والانشغالات، والمسلّمة أو الأساس

الذي تنطلق هذه النظريات منه، وهو الأطروحة القائلة إن اعتراف الآخرين بي ونظرتهم إلي يساهمان مساهمة

كبيرة ومؤثِّرة في صوغ علاقتي بذاتي وبالآخرين. وانطلاقًا من هذه الفكرة، تبحث نظريات الاعتراف في معنى

الاعتراف بالآخر، وأشكال هذا الاعتراف، وكيفية مساهمته في صوغ علاقة الإنسان بذاته وبغيره. وربمّا أصبح

من الواضح، جزئيًا ونسبيًا على الأقل، معقولية الربط الوثيق بين الاعتراف والعدالة، أو تناول العدالة انطلاقًا

من مفهوم الاعتراف ومن النظريات التي تتناوله. فكما هي حال الاعتراف، ترتبط العدالة عمومًا بالعلاقة بين

البشر، إنْ على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات، أو حتى على مستوى المؤسَّسات والكيانات الجمعية.

والسؤال هنا هو: إلى أي حدٍّ يمكن أن يصبح مفهوما العدالة والاعتراف قابلين للاستبدال، أحدهما بالآخر،

بحيث يكون ثمَّة عدالة بقدر ما يكون هناك اعتراف؟ وهل يمكن لمفهوم الاعتراف أن يغطّي جميع ميادين

العدالة وأبعادها ومستوياتها، كما يراهن هونيت، أم أن قدراته الدلالية لا تغطّي سوى ميدان العدالة الثّقافية،

كما تردّ بحزمٍ نانسي فريزر N. Fraser()؟ لقد اعتبر ألكسندر كوجيف في قراءته أو تأويله لفلسفة هيغل في فينومينولوجيا الروح، أن محرِّك التّاريخ

كامن في الرغبة في الاعتراف أو في النضال من أجل الحصول عليه. واستند فرانسيس فوكوياما إلى هذه القراءة،

ليقول إن انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية يمثِّل «نهاية التاريخ»، لأن هذه الديمقراطية تحقّق الاعتراف

الذي يصبو إليه مواطنوها، وهي بذلك تطفئ محرّك التاريخ، وتوقفه عن العمل نهائيًا. وبعد اتضاح وجهة

التاريخ وغايته، لم يبق أمام المجتمعات الأخرى، من وجهة نظر مؤلِّف نهاية التاريخ والإنسان الأخير، إالّ

اللحاق بركب المجتمعات الغربية الديمقراطية التي وصلت إلى «ذروة التقدّم التاريخي». لكن، إذا كان الصراع

من أجل الاعتراف صراعًا لتجاوز حالة ما من الظلم، فهل ثمّة إمكانية فعلية وحقيقية للتخلُّص أو الخلاص

من جميع أشكال الظّلم الأساس، وبشكل حاسم ونهائي؟ وهل تجسِّد الديمقراطيات الليبرالية الغربية «الجنّة

المنشودة» التي يختفي معها كلُّ ظلم، وكلُّ نضال من أجل إزالته وتحقيق العدل؟ إن تبنّي الأطروحة القائلة إن

النضال من أجل الاعتراف هو محرِّك التاريخ لا يفضي، بالضرورة، إلى الحديث عن نهاية حالية أو مستقبلية

وممكنة لهذا التاريخ. وهذا ما نجده، على سبيل المثال، عند إيكاهيمو الذي، مع تأكيده أن الاعتراف الاجتماعي

هو محرِّك التقدُّم التاريخي، لا يعتقد بإمكانية توقّف هذا المحرك عن العمل، ويرى – مع ماركل وتيولي – استحالة

توقّف النضال من أجل الاعتراف به وإشباع الرغبة فيه، بشكل كامل. يمكن لدراسة الدلّالات اللّغوية والاصطلاحية لمفهوم الاعتراف أن تكون تمهيدًا ملائامً لبحث موسَّع في

العلاقة بين العدالة والاعتراف. ويتطلَّب هذا البحث، الذي نعمل على إنجازه، الكشف عن الأساس الفلسفي

لنظريات الاعتراف المعاصرة، والمتمثِّل في فلسفة كلٍّ من روسّو وآدم سميث وفيخته وهيغل. وانطلاقًا من هذا

الكشف، يمكن تناول النظريات التي ترى العدالة من منظور الاعتراف. ويظهر ذلك، لدرجة أو لأخرى، في

94 Schmidt am Busch and Zurn, eds., Introduction, p. 1. 95 Alexandre Kojève, Introduction to the Reading of Hegel: Lectures on the Phenomenology of Spirit , Assembled by Raymond Queneau; Edited by Allan Bloom; Translated from the French by James H. Nichols, Agora Paperback Editions (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1980).

96 فرانسيس فوكوياما، نهاية التّاريخ والإنسان الأخير، ترجمة فؤاد شاهين، جميل قاسم ورضا الشايبي؛ إشراف ومراجعة وتقديم مطاع

صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1993

97 Ikäheimo, pp. 357-359.

« سياسة الاختلاف » التي نادت بها أيريس ماريون يونغ، وفي « سياسة الاعتراف » التي قال بها تايلور،

وفي « سياسة التعدّدية الثقافية » التي دعا إليها ويل كيمليكا. فكلُّ سياسة من هذه السياسات – التي تحيل،

في النهاية، على الرّغم من تعدُّد أو اختلاف أسمائها، على شيءٍ واحد، من وجهة نظر بريان باري، أحدّ أشدّ نقّاد

هذه السياسات- ترمي إلى رفع ظلم ما، وإحلال العدالة محلّه. ولا يمكن لأي بحث يتناول العلاقة بين

العدالة والاعتراف أن يتجاهل أبحاث هونيت التي تؤسِّس لما يمكن اعتباره أوسع نظرية عن الاعتراف، في

النظرية الاجتماعية النقدية والفلسفة السياسية والأخلاقية المعاصرة. وإضافة إلى كتابه الرئيس النّضال من أجل

الاعتراف: القواعد الأخلاقية للصراعات الاجتماعية، نجد في مناظرة أكسل هونيت مع نانسي فريزر، تعبيرًا

نموذجيًا عن مدى اهتمام نظريات الاعتراف المعاصرة بمسألة العدالة، وبالتّنوّع الكبير في الاتجاهات والأفكار،

في هذا الخصوص. وأخيرًا، يمكن لفكرة «العدالة بوصفها اعترافًا» أن تكون أساسًا لنظرية شاملة عن العدالة،

لا تقتصر على دراسة الأشكال الثّقافية-الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التقليدية من العدالة فحسب، وإنما

تتناول أيضًا مفهومي أو ميداني « العدالة العالمية أو الكونية » و« العدالة الانتقالية ».

98 Iris Marion Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990). 99 Charles Taylor, “The Politics of Recognition,” in: Charles Taylor [et al.], Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition , Edited and Introduced by Amy Gutmann (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994). 100 Will Kymlicka, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights , Oxford Political Theory (Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press, 1995).

101 بريان باري، الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية، ترجمة كمال المصري، 2 ج، عالم المعرفة؛ 382 و 383 (الكويت:

المجلس الوطني للثّقافة والفنون والآداب، 2011)، ج 1، ص.19

102 Nancy Fraser and Axel Honneth, Redistribution or Recognition?: A Political-Philosophical Exchange , Translated by Joel Golb, James Ingram and Christiane Wilke (London; New York: Verso, 2003). 103 Christian Nadeau, “Conflits de reconnaissance et justice transitionnelle,” Politique et Sociétés, vol. 28, no. 3 (2009), pp. 191-210, and Frank Haldemann, «A Different Kind of Justice: Transitional Justice as Recognition,» (Global Fellows Forum, NYU School of Law, 7 February 2006).