Return to Article Details Uneasy Identity in Edward Said’s Out of Place: A Memoir

الهوية المضطربة في خارج المكان :لإدوارد سعيد

Uneasy Identity in Edward Said’s Out of Place: A Memoir

محمد الداهي

Mohamed Eddahi

الملخّص

تسبر هذه الدراسة ما تنطوي عليه السيرة الذاتية التي كتبها إدوارد سعيد من أبعاد متعدّدة: بُعد فكري، تمثّل في رصد سعيد تجربته التعليمية، واسترجاع مساره الثقافي وإبراز مدى تورّطه في تجربة الكتابة، وبيان مدى قدرته على المزاوجة بين انتمائه إلى ثقافة مهمّشة وشعب مضطهد وبين ممارسة الوعي النقدي لتفكيك بنى الثقافة الغربية وكشف مضمراتها وتوجّهاتها، وبلورة منهجه النقدي الذي دعاه «النقد الطباقي »؛ وبُعد وجودي، يتمثّل في الرغبة في الانتصار المجازي على شبح الموت المؤرّق بسبب الإصابة بالسرطان؛ وبُعد وطني، تتفاعل فيه سيرة الفلسطيني الذاتية مع القضية الوطنية في مختلف مراحلها ومحطاتها حرصًا على تشخيص آلام الشعب الفلسطيني وآماله وإبراز مدى سعيه إلى تحقيق أهدافه. كما يقف بين دوافع الباحث إلى مقاربة خارج المكان بيان ما تحفل هذه السيرة من مقوّمات فنية وقضايا فكرية تُبرز ذلك الأثر القوي الذي تركه في هوية سعيد المركّبة والمتحولة ترحاله بين فضاءات متعدّدة، ومعايشته ثقافات وحركات مختلفة، وتشبّعه بالقيم الإنسانية الكونية إلى جانب تشبّعه بهويّته الفلسطينية، فضلا عن هويّات جزئية متعدّدة أخرى تجعل من هويّته الجامعة ذلك الكلّ المركّب والمضطرب الذي صاغته تجربة المنفى وما تحمّله من غربة فكرية وتمزّق ثقافي وقلق وجودي.

Abstract

Al-Dahi examines Edward Said’s autobiography from various perspectives. It first focuses on the memoir’s intellectual dimension, which traces Said’s educational experience and his intellectual evolution. It stresses the depth of his engagement in the writing process, as well as his ability to join his origins in a marginalized culture and an oppressed people with his capacity for critical engagement with the deconstruction of the structures of Western culture, exposing its unspoken foundations and tendencies. The ultimate goal of this process was to formulate his method of criticism, which he termed “contrapuntal criticism”. Secondly, the memoir’s existential dimension is brought into focus, centered on Said’s desire to register a symbolic victory over the specter of death, after his diagnosis with cancer. Finally, the autobiography’s focus on nationalism is analyzed, where story of the life of a Palestinian interacts with the national cause in all its phases, bringing to light the sorrows and the dreams of the Palestinian people, registering their attempts to achieve their national goals.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسطيني
  • الهوية المضطربة
  • السيرة
  • تمزق ثقافي
  • المنفى
Keywords:
  • Identity
  • Edward Said
  • Palestinian people
  • contrapuntal criticism

تسبر هذه الدراسة ما تنطوي عليه السيرة الذاتية التي كتبها إدوارد سعيد من أبعاد متعدّدة: بُعد

(الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين)

فكري، تمثّل في رصد سعيد تجربته التعليمية، واسترجاع مساره الثقافي وإبراز مدى تورّطه في

تجربة الكتابة، وبيان مدى قدرته على المزاوجة بين انتمائه إلى ثقافة مهمّشة وشعب مضطهد وبين

ممارسة الوعي النقدي لتفكيك بنى الثقافة الغربية وكشف مضمراتها وتوجّهاتها، وبلورة منهجه

النقدي الذي دعاه «النقد الطباقي»؛ وبُعد وجودي، يتمثّل في الرغبة في الانتصار المجازي على

شبح الموت المؤرّق بسبب الإصابة بالسرطان؛ وبُعد وطني، تتفاعل فيه سيرة الفلسطيني الذاتية

مع القضية الوطنية في مختلف مراحلها ومحطاتها حرصًا على تشخيص آلام الشعب الفلسطيني

وآماله وإبراز مدى سعيه إلى تحقيق أهدافه. كما يقف بين دوافع الباحث إلى مقاربة خارج المكان

بيان ما تحفل هذه السيرة من مقوّمات فنية وقضايا فكرية تبُرز ذلك الأثر القوي الذي تركه في

هوية سعيد المركّبة والمتحولة ترحاله بين فضاءات متعدّدة، ومعايشته ثقافات وحركات مختلفة،

وتشبّعه بالقيم الإنسانية الكونية إلى جانب تشبّعه بهويّته الفلسطينية، فضالً عن هويّات جزئية

متعدّدة أخرى تجعل من هويّته الجامعة ذلك الكلّ المركّب والمضطرب الذي صاغته تجربة المنفى

وما تحمّله من غربة فكرية وتمزّق ثقافي وقلق وجودي.

مقدّمة

تتسم مؤلفات إدوارد سعيد الغزيرة والمتنوعة بالصبغة الإنسية. كان، في منأى عن الانتماءات

القطْرية والعرقية، يدافع عن الإنسان الكوني المنفتح إيجابًا على ثقافة الآخر، والمقتنع بمدى ملاءمة

مقومات المغايرة والاختلاف والتنوع في الحياة البشرية. وليس غريبًا أن يصدر هذا الموقف عن مثقف اكتوى

1 ظل إدوارد سعيد وفيًا للمدرسة الفكرية الإنسية Humanisme() التي تمثّلها أعمال ليو سبتزر L. Spitzer()، وإريك أورباخ (E.

.)E. R. Curtius(وإرنست روبير كورتيس Auerbach)

بحرقة التوتر الحاد بين ثقافتي الشرق والغرب. ومع ذلك كان، في قرارة نفسه، يشعر بأنه لا ينتمي إلى أي

منهما، يرحل في ربوعهما الرحبة مرتشفًا رحيقهما، وحريصًا على المتح ممّا يجمعهما ويوحدهما من دون اكتراث

بالحدود والفواصل. اضطلع إدوار سعيد، في الآن نفسه، بإعادة الاعتبار إلى الثقافة الشرقية، مصححًا النظرة النمطية والمشوهة التي

يحملها الإنسان الغربي تجاه الإنسان الشرقي. كان الأول يتعامل مع الثاني كما لو كان همجيًا ومتوحشًا ينبغي

الحذر منه. وحجّة إدوارد سعيد في هذا السياق «أن الاستشراق، في جوهره، مذهب سياسي فُرض فرضًا على

الشرق لأن الشرق كان أضعف من الغرب، وإنه تجاهل اختلال الشرق الراجع إلى ضعفه». هكذا أضحى

الاستشراق جهازًا ثقافيًا يُصدر أحكامًا جاهزة وأوهامًا مزيفة حيال الثقافة الشرقية، من دون اتخاذ المسافة النقدية

اللازمة لفهم طبيعتها، واستيعاب تحولّاتها، وتمثّل دورها الحقيقي في الركب الحضاري والمسار التاريخي العام. لقد سعى إدوارد سعيد، من خلال تشريح ثنائية الشرق والغرب، إلى فضح الزعامة الثقافية الغربية التي تكرر

القول ب«التفوّق الأوروبي على التخلّف الشرقي»، وهي فكرة عنصرية وإمبريالية تؤطّرها المركزية العرقية

لجعل الشرق تابعًا دومًا للمركز ودائرًا في فلكه لبواعث اقتصادية وسياسية. و«المسألة، في عمومها، هي أن مجرد

وصف شيء ما بأنه شرقي كان يتضمن حكامً يسبق النطق به على فهمه». لم يستند إدوارد سعيد إلى الفرضيات الفاسدة في تقويم عمل المستشرق، وإنما أراد أن يقيم الحجة على أن

مفهوم الشرق نفسه مختلف. وهذا ما يحتّم على المستشرق الانطلاق من فرضيات جديدة للتأكد من صدقيتها

وسدادها اعتمادًا على معطيات موثوق بها عوض الانسياق وراء الصور النمطية والأبنية الثقافية الموروثة. حرص إدوارد سعيد في مؤلفاته كلها، على التفكير في صيغ ثقافية بديلة للتحرر من الثقافة الاستعمارية والتخلص

من الأساطير التي ما زال الغرب يروّجها عن الشرق. راهن، بهذا الصنيع، على اضطلاع المثقف العربي بدور

جديد حتى يساهم في تحليل الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية، متسلحًا بالوعي النقدي المستقل أو الوعي

النقدي المعارض. خلّف إدوارد سعيد كتبًا كثيرة تعنى، على وجه العموم، بالصراع الثقافي بين الغرب والشرق. ولما أصيب بمرض

سرطان الدم اللمفاوي، عكف على كتابة سيرته الذاتية خارج المكان على نحو متقطع استغرق ما يربو على

خمس سنوات. وممّا توخّاه منها تكريس ما يلي:

الطابع الفكري

كتب إدوارد سعيد سيرته الفكرية أسوة بكتّاب آخرين (ميخائيل نعيمة، عباس محمود العقاد، جبرا إبراهيم جبرا،

عبد الله العروي، جان بول سارتر، بول ريكور، ريمي هيس، عبد الكبير الخطيبي) اعتمدوا النوعَ الأدبي نفسه

لرصد تجاربهم التعليمية، واسترجاع مسارهم الثقافي، وإبراز مدى تورّطهم في شرك الكتابة إلى أن أصبحوا

2 إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني، (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص.321

3 المصدر نفسه، ص.59

4 المصدر نفسه، ص.235

5 ومن ضمنها أن الشرق الحقيقي يختلف عن الصور التي يرسمها المستشرق له. تعذّر على المستشرقين الغربيين في معظمهم فهم حقيقة

الشرق الباطنة. انظر في هذا الصدد: المصدر نفسه، ص.488

6 إدوارد سعيد، خارج المكان (مذكرات)، نقلها الى العربية فواز طرابلسي (بيروت: دار الآداب للنشر والتوزيع،.)2000 7 انظر في هذا الصدد: محمد الداهي، شعرية السيرة الذهنية، تقديم سعيد يقطين (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.)2008

أعلامًا بارزين يشار إليهم بالبنان. وممّا حفز إدوارد سعيد على استرجاع ماضيه الشخصي التوقف عند أهم

المحطات التي كان لها نكهة خاصة في حياته، وبيان مدى قدرته على المزواجة بين انتمائه إلى ثقافة مهمشة وشعب

مضطهَد (البعد الوطني) وبين ممارسة الوعي النقدي لتفكيك بنى الثقافة الغربية وتعرُّف مضمراتها وتوجهاتها

(البعد الكوني)، وحرصه على التوفيق بين اهتماماته الأكاديمية وآرائه السياسية للتدليل على اضطلاعه بدوره

الثقافي في نقد الثقافة المهيمنة التي لا تقصي الآخر من حساباتها فقط وإنما تحط من قدره وشأنه أيضًا.

الطابع الوجودي

تُقبل عيّنة من الكتّاب على السيرة الذاتية سعيًا إلى الانتصار المجازي على شبح الموت الذي أضحى يؤرق حياتهم

بسبب إصابتهم بمرض عضال (السرطان). وفي هذا الصدد يمكن أن ندرج تجربة إدوار سعيد (خارج المكان)

وحسين البرغوثي (الضوء الأزرق، 2004،، 2004 سأكون بين اللوز) وعبد القادر الشاوي (من قال أنا،

2006) وغيرهم كثير. فكلُّ واحد من هؤلاء يواجه، بطريقته الخاصة، «المرض العضال وحيدًا مع الوجع

المستمر حتى الملل» بحسب التعبير المستعار من سورين كيركغارد. ولا يجد أي كاتب من هؤلاء بدًّا من

اللجوء إلى الكتابة لمقاومة المرض واستبعاد شبح الموت من مخيلته إلى أجل غير مسمى. وينبغي أالّ يغرب عن

أذهاننا أن الدافع الرئيس الذي يراود الكاتب نفسه في مثل هذه الحال هو البحث عن معنى الوجود، وتمثّل قانون

اللعبة، والتأكد ممّا إن كان قد حقق مبتغاه من الحياة الدنيا أم أنه أخطأه لأسباب متفرقة، وهو الإحساس نفسه

الذي انتاب جوليان بيندا J. Benda) (حين بلغ آخر جزء من المشروع السِرّيَيّ الذاتيّ (المنتظم في القرن، 1937):

«ها أنذا قد بلغت نهاية قصتي، وكأني بذلك أشارف موتي. فلأطرح إذن على نفسي السؤال الذي يبدو لي أنه

ينبغي أن يثيره كل من كان على شفا الموت ولا يريد لحياته أن تكون بلا شكل، وإنما يريدها خاضعة لقانون ما.

هذا السؤال هو أتراني كنت كما كنت أود أن أكون».

الجانب الوطني

تفاعلت السيرة الذاتية الفلسطينية مع القضية الوطنية في مختلف مراحلها ومحطاتها حرصًا على تشخيص

آلام الشعب الفلسطيني وآماله، وإبراز مدى سعيه إلى إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية تنبذ أساليب العنف

والعنصرية والإقصاء. ومن بين الكتّاب الذين كرّسوا «السردية الوطنية» لمواكبة مختلف المحن التي مرّ بها

الشعب الفلسطيني نذكر أساسًا إدوارد سعيد (خارج المكان)، وجبرا إبراهيم جبرا (البئر الأولى، 1993)،

وفدوى طوقان (رحلة جبلية رحلة صعبة، 1985؛ الرحلة الأصعب، 1993)، وأنيس صايغ (أنيس صايغ عن

أنيس صايغ، 2006) وغيرهم. وما يميّز أعمال هؤلاء أنهم أعادوا تمثيل الواقع بطرق فنية، وأضفوا مسحات من

التخييل على الوقائع المحكية، سعيًا إلى المزواجة بين الحقيقة والجمال، واستيعاب كنه اللحظات الهاربة وإعطائها

معنى. وكان وكدهم، على اختلاف مشاربهم، هو إنقاذ الهوية الثقافية الفلسطينية من الدمار والتلاشي والمسخ،

والدفاع عن الوطنية بصفتها فلسفة لهوية شعب عانى الأمرّين من أساليب القهر التشريد والإبعاد وما زال، على

مر الأعوام، يكد ويناضل من أجل استرجاع حريته وكرامته وسيادته فوق أرضه على نحو يجعله، في الآن نفسه،

8 أحمد دحبور، «حسين البرغوثي كما أراد بين اللوز والرؤيا»، من المقدمة التي صدرت بها السيرة الذاتية لحسين البرغوثي، انظر: حسين

جميل البرغوثي، سأكون بين اللوز: سيرة ذاتية (بيروت:‏ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص.8

9 جورج ماي، السيرة الذاتية، تعريب محمد القاضي وعبد الله صولة (قرطاج، تونس: بيت الحكمة، 1992(، ص.64

يصون مقوّمات هويته ويتفاعل إيجابًا مع الهويات الأخرى. ف «الهوية التي طال إرجاؤها وإنكارها تحتاج لأن

تخرج إلى العلن وتأخذ مكانها بين الهويات الإنسانية الأخرى». لقد حفزنا على مقاربة خارج المكان، من بين أمور أخرى، بيانُ ما يحفل به هذا المشروع السيرذاتي من مقومات

فنية وقضايا فكرية، والاستئناس بما يأتي: - إبراز ما لترحال إدوارد سعيد عبر فضاءات متعددة، ومعايشته لديانات وثقافات وحركات مختلفة، وتشبّعه

بالقيم الإنسية والكونية من تأثير قوي في هويته المركّبة والحركية. - تعليل موقفه الجريء من الولايات المتحدة الأميركية بالنظر إلى تجنّسه بجنسيتها، وتشبّعه بثقافتها وقيمها من

جهة، وبحكم تشبّثه بهويته الفلسطينية، وبلورته لمنهج نقدي (ما يسمّيه النقد الطباقي) أعاد من خلاله تفكيك

الثقافة الغربية من جهة ثانية.

ما يوحي به «خارج المكان»

انتقى إدوارد سعيد بعناية عنوان «خارج المكان» لبيان سمة متأصلة في طبعه، وإبراز ما ترتّب على جغرافية

الترحال من عدم الاستقرار في مكان معنيّ. كان قد اتضح له، من خلال القسط الأوفر من حياته المبكرة، أنَّ

خطأً ما قد وقع على خلقته وتكوينه جعله لا يؤدي دوره في الحياة على الوجه الأحسن. كان أحيانًا يتصرف إزاء

ما يحدث له بالعناد والفخر، ويتصرف حيالها أحيانًا أخرى بنوع من الخجل والتردد وفقدان الإرادة. وغالبًا ما

كان يشعر بأنه في غير مكانه: «غير أن الغالب كان شعوري الدائم أني في غير مكاني»، «كنت دومًا في غير

مكاني». وممّا أكسبه فقدان الثقة بالنفس قسوة والده وتربيته الجامدة. لم يترك له متنفسًا للإحساس بذاته

واستقلاليته. وبفقدان فلسطين ازداد إحساسه بفراغ المكان وصعوبة العودة إلى الموطن الأثير، وهو ما أذكى

في أحشائه مشاعر الضياع والحسرة، وحفزه على إيجاد مكان بديل لعله يعوض جسامة خسارة مهبط وجدانه

وانقطاع الصلة به. وكان، في هذا الصدد، يؤْثر مدينة القاهرة، بحكم اتسامها بالتوافق والتماسك رغم كثرة

المنغصات والارتدادات، واحتضانها جزءًا كبيرًا من حياته المبكرة، وتمثيلها الرمزي للهوية العربية. وقد ساهم ترحاله عبر أمكنة متعددة (القدس والقاهرة ولبنان والولايات المتحدة الأميركية) في تكوين هويته

المتعددة، وتغذية روحه بعناصر ومواد ثقافية متنوعة، وجعل ذاته، بحكم التمازج الثقافي، غير مشدودة إلى مكان

بعينه، وغير مقيدة بهوية ثابتة ووحيدة. فعلاوة على انتقاله من موطن إلى آخر، كان يحمل اسمين منتسبين إلى

ثقافتين مختلفتين («إدوارد» الاسم الإنكليزي المفخم وشريكه العربي «سعيد»)، الأمر الذي جعله حائرًا بأمره،

ومرتبكًا – أحيانًا - في إيثار اسم على آخر تبعًا لطبيعة المقام الذي يكون فيه. وقد لزمه ما يزيد على خمسين سنة

لكي يتعود على الاسم الإنكليزي، ويخفف من حدة الحرج الذي يسببه له. كان إدوارد سعيد يشعر، مع مرّ الزمن، بأن «هويته مضطربة»: «أنا الأمريكي الذي يبطن هوية عربية أخرى

لا أستمد منها أي قوة بل تورثني الخجل والانزعاج». وكان يرى أن هوية ستان هنري وألكس ميلر «صلدة

10 إدوارد سعيد، تأملات حول المنفى ومقالات أخرى، I، ترجمة ثائر ديب، ط 2 (بيروت: دار الآداب، 2007)، ص.244

11 سعيد، خارج المكان، ص.25

12 المصدر نفسه، ص.42

13 المصدر نفسه، ص.125

كالصخر ومتطابقة مع الواقع»، في حين أن هويته مهتزة بحكم انفصاله عن الواقع المعيش، وابتعاده عن

موطنه الأصلي، وحنينه إلى أرومته العربية، وعدم استساغته تأدية دور المواطن الأميركي على أكمل وجه.

ونتيجة هذا الاضطراب في حياته كان يشعر، على الدوام وأينما حل وارتحل، أنه إنسان لا وطن له، وبأن جسده

مجبر على الاكتواء بجمرة العذاب التي تزداد مع مر السنين توقدًا وتوهجًا. ولما ألمّبه المرض الخبيث، أضحى

لا يستطيب العيش في أي مكان حتى ولو كان بيته. انتابه شعور الهيام على وجهه بصفته إنسانًا «غير سوي» لا

يستقر في أي مكان: «الآن لم يعد يهمّني أن أكون ‹سويًا› و‹في مكاني› (‹في مكاني› في البيت مثالً). بل إني لا أملك

بيتًا ولا أشعر أبدًا كأني في بيتي في أي مكان، خصوصًا في مدينة نيويورك حيث سأعيش إلى حين وفاتي».

التصدير

صدّر إدوارد سعيد مؤلفه بمقدمة لإثارة جملة من القضايا الجوهرية التي يمكن أن نختزلها في النقاط الآتية: - بواعث الكتابة عن الذات تتحكم في الكتابة عن الذات دوافع كثيرة، يمكن أن ختُتزل عمومًا في طائفتين: تضم طائفة المقاصد العقلانية،

ثم طائفة تستقطب الدوافع الانفعالية والعاطفية. ويمكن أن يصنف مؤلَّف خارج المكان ضمن الطائفة الثانية،

وخاصة في إطار صنف «يتصل بالحاجة إلى العثور على معنى الحياة المنقضية أو استعادته». بعد أن أصيب إدوارد

بسرطان الدم اللمفاوي المزمن، شعر بأهمية تدوين ماضيه الشخصي الذي أضحى، بالنسبة إليه، أقصر وأصعب

ممّا مضى. فهو لم يسع إلى وضع كل قطعة من هذا الماضي في أ حجية puzzle() الحياة الرحبة والمعقدة، وإنما حاول أن

يعطي تفاصيل حياته الشخصية قيمة ومعنى إضافيين بحكم المسافة الزمنية التي تفصله عنها، ويستحضر ما عاشه

بتلقائية ومن دون مناقشة أو تعليل، ويتحمل فترات العلاج الحرجة والقلقة والرتيبة، ويقاوم الألم الجسدي الحاد،

ويعارك الكرب الذهني، ويستعرض شريط ما قاساه في مشوار حياته إلى أن حقق جزءًا من أمانيه ومطامحه. وأدّت

ذاكرته دورًا أساسًا في استجماع شتات الذكريات والتجارب المختلفة، والتوغل في «عالم مفقود ومنسي» لاستكناه

أسراره المخفية وأطيافه الهاربة. وتشتغل الذاكرة بفاعيلة أكثر وحرية أكبر عندما تنغمر في بعث ما تدّخره في منأى

عن قيود العقل وهموم اليومي وإسقاطاته. ومع ذلك، فإنَّ ما تستحضره يكون بأمسّ الحاجة إلى تعزيزه بدعامات

أخرى (على نحو ما كتبه إدوارد سعيد عن السياسة والجماليات) لملء ثقوبه وفُرجه. - هشاشة الزمن عاد إدوارد سعيد إلى الأمكنة التي احتضنت تجاربه الأولى (خاصة في القدس والقاهرة) وذلك بعد ما

يربو على أربعة عقود. تغيرت، في إثرها، معالم المكان، وتبدلت ملامح الجسد بفعل العمر والمرض. ما يهم، في

هذا الصدد، هو الانطباع الذي خلّفته هذه الأمكنة في نفسية إدوارد سعيد بعد انصرام أعوام عن ابتعاده عنها.

شعر بالحزن والأسى لما صده المستوطنون الصهيونيون عن اقتحام المنزل الذي تملكه عائلته في القدس الغربية،

14 المصدر نفسه، ص.125

15 المصدر نفسه، ص.357

16 ماي، ص.48 17 زار القدس صحبة زوجته مريم وولديه بعد خمس وأربعين سنة. وحرص على زيارة الأمكنة التي أمضى فيها طفولته المبكرة. هكذا

زار منزل عائلته في القدس الغربية، ثم منزل والدته في الناصرة، ثم منزل خاله الطبيب منير الشماس في صفد.

18 زارها إدوارد سعيد سنة 1993، أي بعد ثلث قرن من مغادرتها.

ولو من أجل أن يلقي عليه نظرة خاطفة، وعندما تعذّر على أحمد حامد التعرف على إدوراد بالرغم من العمل

في منزل أسرته في القاهرة ما يقارب ثلاثة عقود. وعقب احتكاك إدوارد سعيد بهذه الأمكنة من جديد، شعر

بهشاشة الزمن الذي يمضي إلى غير رجعة، ويتعذر استرجاعه على حاله، ويصعب قهر سلطته وجبروته. وبحكم غياب إدوارد سعيد عن هذه الأمكنة مدة طويلة، أصبح غريبًا عن أهلها، بل أضحى غير مرغوب فيه

لكونه يشكّل تهديدًا مفترضًا لاحتمال منازعتهم في ملْكيتها. لا تهم، في هذا الصدد، قيمة المكان المادية والنفعية،

وإنما ما يتولد عنه من انفعالات وظلال دلالية. إن مثل هذا الإحساس هو الذي يعطي الأمكنة قيمتها ورمزيتها،

ومن دونه لن يكون لها أي معنى في الوجود، ومن ثمة يتوطد التكافؤ)valence( بينهما (أي بين المكان

والإحساس) للدلالة على انهيار القيم وتفاقم ظاهرة التمليك ولو على حساب تجريد الآخر من حقوقه المشروعة. - اللغة اضطر إدوارد سعيد إلى كتابة سيرته باللغة الإنكليزية. وعلى الرغم من إتقانه لها وتمك نه من ناصيتها، شعر

بالانفصام بسبب سرد ما عاشه في حياته المبكرة بواسطة لغة مغايرة للغته الأُم. ومع اختلاف اللغتين (العربية

والإنكليزية) في تشخيص التجارب الثقافية المتباينة والفروق البنيوية الدقيقة، استطاع إدوارد سعيد، بحكم

تعلمه اللغة الإنكليزية منذ حداثة سنه، من التغلب على مثل هذه المصاعب، سعيًا إلى جعل اللغة أداة طيعة

لاستعادة ذكرياته وأهوائه ومشاعره وأحلامه. - جغرافية الترحال اتّسمت حياة إدوارد سعيد بالترحال بين أمكنة عديدة (القدس والقاهرة وضهور الشوير ونيويورك وبوسطن)،

وهو ما ساهم في تكوين هويته المتعددة والمركّبة، وتنمية وعيه بروافد ثقافية ثرَّة ومتنوعة. وأهم مكان استأثر

باهتمامه، وشغل باله أكثر هو المدرسة التي ما زال منبهرًا بقيمتها في حياته، ومنشغالً بتدوين ما علق بها من ذكريات.

جنس الكتاب

صنّف إدوارد سعيد مؤلفه ضمن صنف «مذكّرات». ولئن حل إشكاالً يتمثّل في إقامة ميثاق سيريّ ذاتي

مع القارئ (ما يتضمنه الكتاب هو حكي استرجاعي لماضيه الشخصي)، فهو لم يتوغل أكثر لتحديد هوية ما

يكتبه وتمييزه من غيره. والحوادث المعاصرة والتاريخ في المذكرات تحظى بأهمية أكبر كثيرًا ممّا تحظى به شخصية

الكاتب، في حين تتسم خارج المكانبما يلي: - تتعلق الوقائع المحكية بحياة الكاتب أكثر ممّا تحيل على حوادث تاريخية. - يتقاطع التاريخي والسِرّيَيّ الذاتي في ما يشبه الومضة الكهربائية. ومع ذلك، تظل الحدود بين المذكّرات والسيرة الذاتية زئبقية لكونهما تتداخلان وتتقاطعان في ما بينهما. ويزداد

19 استعار غريماس وفونتاني هذا المفهوم من مجال الكيمياء ويقصد به «عدد الذرات المضافة إلى تركيبة الجسم». ويعني به في السياق

السيميائي «مجموع المحددات الانفعالية التي تفرض على الموضوع». انظر: ألجيرداس ج. غريماس وجاك فونتنيي، سيميائيات الأهواء

من حالات الأشياء إلى حالات النفس، ترجمة وتقديم وتعليق سعيد بنكراد (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2010)، ص.73

20 ماي، ص.127

21 المصدر نفسه، ص 133

الأمر صعوبة إن احتكمنا إلى الدافعيَن الأكثر عقلانية، وهما دافع الشهادة والتبرير؛ «فدافع الشهادة يمكن أن

تنشأ عنه، إن تعلق الأمر بشهادة المرء على ما رأى، مذكرات من قبيل مدام بوفاري، أو تنشأ عنه، إن تعلق الأمر

بشهادة المرء على ما فعل، كتب وقائع أو تحقيقات من قبيل حياة الشهداء لجورج دوهاميل، وخلافًا لذلك،

يمكن أن تنشأ عن دافع الشهادة هذا سير ذاتية تطمح إلى أن تكون مثاالً في الجد والوضوح، من قبيل السِرّيَ

الذاتية التي وضعها روسو وباندا إن تعلق الأمر بشهادة المرء على نفسه. أمّا دافع التبرير، فقد يتعلق أيضًا بتبرير

فعل أو قول أو فكرة بعد حصولها. وما مذكرات الساسة والقادة وذوي النفوذ في هذا العالم إالّ تبرير». على الرغم من صعوبة التمييز بين الصنفين، ينبغي بيان ما يحفل به كلُّ صنف على حدة من سمات خاصة بالنظر

إلى مقصدية السارد، وطريقة سرده للوقائع، ونسبة حضور ذاتيته، وغايته من تشخيص الحوادث التاريخية.

وبهذا الصنيع سنتفادى وضع جميع أصناف الكتابة عن الذات في « خانة واحدة» كما لو كانت مسكوكة على

المنوال نفسه، في حين أن كلَّ من يقْدم على استرجاع ماضيه يعمد إلى اختيار استراتيجيا كتابية معيّنة تسعفه

على استعادة ما عاشه وعاينه. وبما أنه ليس هناك جنس نقي، فلا مناص من تبنّي أشكال أخرى لرؤية الذات

ومعاينتها من زوايا ومنظورات مختلفة (وهذا ما يؤدي إلى تنوع أشكال الكتابة عن الذات وأصنافها: السيرة

الذاتية، واليوميات، والمذكرات، والتخييل الذاتي..).

المسار الذهني

لا يقلّ المسار الذهني للسارد أهمية عن مساره العائلي؛ فعلاوة على تركيز إدوارد سعيد على الشجرة العائلية

ومختلف وشائجها لبيان أصله ونسبه، ركز منظوره أيضًا على تكوينه التعليمي والثقافي، حرصًا على إبراز

كيف تفتّح ذهنه، وارتقى ذوقه، ونمت مؤهلاته المعرفية والموسيقية والرياضية، وتدرّج في الأسلاك التعليمية

للحصول على ألقاب علمية. من بين المدارس التي ارتادها في بداية مشواره التعليمي نذكر أساسًا مدرسة «الجزيرة الإعدادية» التي كان

يديرها طاقم إنكليزي، ولم يكن فيها أي عربي مسلم. كانت المدرسة تستقطب تلاميذ من جنسيات مختلفة

(أرمن وأقباط وإنكليز). وتحقق لسعيد، بواسطة هذه المدرسة، أول اتصال بالسلطة الاستعمارية من خلال اللغة

الإنكليزية القحة. وتتمثّل أجمل ذكريات يحتفظ بها عن المدرسة في انتظار والدته هيلدا له في نهاية اليوم الدراسي

لتتجاذب معه أطراف الحديث، وتعزز ثقته بنفسه. التحق، في ما بعد، بمدرسة القاهرة للأطفال الأميركيين بصفته ابن رجل أعمال أميركي. كانت هذه المدرسة

تستوعب أبناء موظفي الجالية الأميركية في القاهرة. ووجد التعليم الأميركي منظَّامً وجذابًا ومسلّيًا، على عكس

ما عاينه من جمود وصرامة في الأسلوب المعتمد من جانب مدرسّي «إعدادية الجزيرة». يتمثّل الخيط الرابط بين السنوات التي أمضاها متعلامً في شعوره بأنه كائن معطوب وفزع وضعيف الثقة بالنفس،

وهو ما كان يقوّي ميله إلى والدته التي كانت تحدب عليه، وترفع من معنوياته: «كانت أمي تبث فيّعذوبة سائغة

وشعورًا بالندم يقوي من عزيمتي. كنت أرى نفسي في عينيها كائنًا مباركًا وكامالً ورائعًا. إطراء واحد منها عن

ذكائي المتفوق أو عن موهبتي الموسيقية أو عن وسامة ملامحي، يشيلني شيالً، ويمنحني شعورًا، ولو مؤقتًا،

بالانتماء إلى عالم خير واسع».

22 المصدر نفسه، ص.136

23 سعيد، خارج المكان، ص.73

أمضى رفقة والديه وشقيقاته معظم سنة 1948 في فلسطين. وسُجل في مدرسة «سان جورج» في القدس بعد

أن فاتته شهور عديدة في المدرسة الأميركية. فوجد نفسه، للمرة الأولى والأخيرة في حياته، أنه ضمن صبيان

يشبهونه، في حين كان- في المدرسة الأميركية- يشعر بأنه غريب ومجربَ على دفع الأقساط المدرسية فحسب. لما قارب الرابعة عشرة من عمره، دخل إلى مدرسة «فكتوريا كولدج» في خريفّ 1949. ومع أنه لم يكن فيها

تلاميذ إنكليز، كان معظم طاقمها مكونًا من أساتذة إنكليز، كانوا يسعون إلى غرس أيديولوجيا الإمبراطورية

البريطانية وتوطينها في عقول المتعلمين. كان هؤلاء، بدورهم، لا يحترمون أساتذتهم ولا يوقّرونهم بدعوى أنهم

من مشوَّهي الحرب لما كانوا يعانونه من رعشات وعرجات وتشنجات. وفي المقابل، كان هؤلاء يتعاملون مع

الأطفال المسلمين كما لو أنهم جماعة من الجانحين الذين يستحقون العقاب والتوبيخ. غادر إدوارد سعيد القاهرة سنة 1951 إلى ما يعتبره منفاه الأميركي. وقد صادف ذلك حدوث صدوع بين

فرعي العائلة في القدس والقاهرة بسبب النكبة التي حلت بفلسطين. ولما وصل إلى أميركا، قرر أن يبدأ حياته

من جديد، سالكًا سبالً متعددة مشرعة على الربح والخسران في آن واحد. وعلى الرغم ممّا حققه من نجاح، ظل

الندم يراوده حسرة على عدم بقائه في العالم العربي أو متابعة مشواره الدراسي في أوروبا، أمالً في الاستمتاع بحياة

أفضل. وفي هذا الصدد ينعت المدة التي أمضاها في أميركا (ما ينوف على سبعة وثلاثين عامًا)، بكونها فاقمت

من «ضياعه المتراكم بدالً من مراكمة الفوائد». درس إدوارد سعيد في مدرسة «ماونت هيرمون» التي تُعتبر امتدادًا لحياة القاهرة في الولايات المتحدة الأميركية.

وحقق فيها نتائج باهرة في جميع ضروب النشاط العلمية والرياضية والموسيقية رغم إحساسه بأنه منبوذ وشاذ.

وكان حين اعتمر القلنسوة ولبس العباءة السوداء باعتباره من صفوة التلاميذ الأميركيين المتفوقين، يشعر،

بحكم انتمائه إلى جزء من العالم، بحال من المخاض الفوضوي، وبأنه في غير مكانه. انتقل في خريف 1953 إلى جامعة برنستون. وبات يشعر، أكثر من أي وقت مضى، بأنه مستقل في قراراته وقادر

على تدبير حياته بنفسه. كانت برنستون في الخمسينيات جامعة ذكورية. وبفضل النضال الطلابي، تحقق لدى

الطلبة مكسب دخول «الجنس اللطيف» إلى جامعتهم بعد الساعة السابعة مساء في أيام السبت. كان الطلاب

يرتدون زيًا موحَّدًا، ويتكلمون بالطريقة عينها إلى حد كبير، ويمارسون العادات الاجتماعية ذاتها. وقد أتاحت

سنوات الدراسة الجامعية لإدوارد سعيد التحري الذهني في حقول كاملة من المعرفة، وبلورة أسلوبه في التفكير

المتماسك والمستقل. وهو ما حفزه على مواصلة حلمه بأن يكون مثقفًا وأستاذًا. وكانت سنواته الخمس التي أمضاها في جامعة هارفرد (1963-1957)، بوصفه طالب دراسات عليا في

الأدب، استمرارًا فكريًا لبرنستون في ما يتعلق بالدراسة الرسمية. كان معظم الطلبة يشعرون بأنهم في غير

مكانهم، بسبب قلقهم من المؤسسة وغياب أي قدوة تحفز جهودهم، وتشحذ طموحاتهم. وهذا ما حض إدوارد

سعيد، أسوة بزملائه، على تطوير إمكاناته ومؤهلاته الفكرية في منأى عن البرنامج الدراسي المعتمَد. فعكف

على قراءة كتب كان لها أثر إيجابي في أطروحته التي أعدّها عن جوزف كونراد، ومن ضمنها نذكر أساسًا: العلم

الجديد لفيكو، والتاريخ والصراع الطبقيلجورج لوكاش، ومؤلفات سارتر وهايدغر وميرلو بونتي. نستنتج من هذا المسار الذهني ما يلي:

24 المصدر نفسه، ص.276

- لقد ساهمت عناصر وعوامل منتمية إلى ديانات وأقطار وثقافات مختلفة في تكوين شخصيته، وبلورة هويته

الحركية والمركّبة، وتنمية مواهبه العلمية والرياضية والموسيقية. - تابع إدوارد سعيد، بحكم جنسية والده الأميركية وثرائه، تعليمه في المدارس الأجنبية التي كان لها الفضل،

بالنظر إلى سمعتها وكفاءة أطرها، في تعزيز معارفه، وإكسابه مهارات ومؤهلات مناسبة، وتوسيع رؤيته للعالم،

وتحسين قدراته التواصلية، خاصة باللغة الإنكليزية. وعمد، نظرًا إلى وفائه لهويته العربية ووعيه بتعاظم دور

اللغة العربية في تعزيز تواصل العرب في ما بينهم ونشر أفكارهم على نطاق واسع، إلى استثمار سنتي تفرغه

الأكاديمي (1973-1972) في بيروت في تعلم اللغة العربية وثقافتها على يد الأستاذ أنيس فريحة. - كان، في مشواره التعليمي، مشاكسًا ومتقلّبًا وعديم الثقة بالنفس. واستطاع، بمؤهلاته ومعدلاته المتوسطة،

أن يتدرج في مختلف أسلاك التعليم إلى أن أصبح علَامً مشهورًا يشار إليه بالبنان أينما حل وارتحل. وحين يتناهى

اسمه المتألق إلى من رافقه في المدرسة يتعجب أيما تعجب، بدعوى أن إدوارد سعيد لم يكن تلميذًا نجيبًا أو نبيهًا،

ولم تكن له مؤهلات مختلفة عن باقي التلاميذ.

الموضوعات

من بين الموضوعات التي استأثرت باهتمام السارد أكثر من سواها، نذكر ما يلي: - العلاقة بالأم كانت هيلدا أفضل من والده وديع في مجالي اللغة والإحساس. وكانت تتقن اللغتين العربية والإنكليزية بحكم

تكوينها الجامعي وتفوقها الدراسي. ودأبت على مراسلة ابنها باللغة الإنكليزية على مدى الحياة. كانت تحوطه

بالعطف، وتغدق عليه جُرعًا زائدة من العناية والاهتمام، وهذا ما حفزه، في المقابل، على أن يعيد إليها حبها

أضعافًا مضاعفة. كانت المأوى الذي يلجأ إليه ليتفيّأ ظلال المحبة الصافية والحنان النفّاذ. وكان حين يقصدها

يسعى إلى «الرفقة الفكرية والعاطفية»، خاصة أنه محروم من الأصدقاء، وعلاقاته بشقيقاته الأصغر منه سنًا

(روزماري وجين وجويس وغريس) غير مرضية ولا مريحة. وفي المقابل، كان لشدة جبنه وخجله، ينفر من

والده (الذي وصفه وصفًا كاريكاتوريًا) لقسوته وصرامته وصعوبة مجاراة طبعه الرجولي. ورغم ما قدّمه

والده له من خدمات في منتهى السخاء والعناية والعطف، فإنه لا يغفر له قطّ العقوبات الجسدية التي عززت

لديه عقدة الخوف الذي حاول، معظم حياته، التغلب عليه. وممّا كان يتذمر منه تأنيب والده له، وحرمانه من

الإرث بوصفه الابن الوحيد والوارث المحتمل للتجارة العائلية: «تلك التي باعها بهدوء في السنة التي نلت فيها

شهادة الدكتوراه في الآداب». وعلى الرغم من كرم الوالد وفضله على ابنه، كان لا يستجيب لطلباته إالّ بعد

وساطة والدته. وظلت حاجة إدوارد سعيد إلى ظلال والدته حتى في سن متقدمة من حياته؛ فهي تشكّل مرجعًا

أساسًا له في معظم الأوقات على نحو لا يستطيع فهم أبعاده ومراميه. وعندما تعرض لحادثة سير في سويسرا

سنة 1957 (قُتل سائق دراجة نارية وأصيب هو بجراح خطِرة) دفعته غريزته إلى الاتصال بأمه ليسرد لها ما وقع

25 المصدر نفسه، ص.36

26 «كان له ظهر ضخم وصدر برميلي نافر، يوحي بالعصيان، رغم قصر قامته، ويوحي بالثقة الطاغية، بالنسبة إلي على الأقل. على أن

أبرز صفاته الجسدية مشيته المتيبسة كقضيب والمنتصبة على نحو يكاد أن يكون كاريكاتوريًا». انظر: المصدر نفسه، ص.85

27 المصدر نفسه، ص.97

له: «ذلك أن شعوري بأني أبدأ حياتي بأمي وبها أنهيها». وعندما طلّق زوجته الأولى، ارتأى أن يخابر أمه لثقته

بقدرتها على إخراجه من الارتباك القوي الذي وقع فيه. وبعد مرور شهر على تشخيص المرض الخبيث، وجد

نفسه مرغامً، تحت ضغط نفسي رهيب، على كتابة رسالة إلى أمه المتوفاة قبل سنة ونصف سنة. لكنه لم يواصل

كتابتها بسبب شدة الحرج والارتباك. وكانت أشد فتراته هلعًا عندما ترك أمه متوجّها إلى أميركا. لقد شعر بأول

انفصال عنها، وبانتزاعه القسري من حضنها الدافئ. كان عزاؤه الوحيد، في غمرة حزنه ووحدانيته، تبادل

الرسائل مع والدته التي ما فتئت، في جميع محطات حياته، تساعده على مواجهة المصاعب، وتمدّه بما يلزم من

شحنات الحنان والعطف والحماية. نعاين في كثير من الأعمال التخييلية تعلُّق الطفل بأمه، وكراهيته للأب البيولوجي. وتشتد في بعضها الكراهية

والمنافسة بين الطرفين (على نحو خارج المكانلإدوارد سعيد)، ويُغفل ذكر الأب في بعضها الآخر (يُعوض في

لعبة النسيان، 2003، لمحمد برادة بخال الطفل الهادي)، أو لا يُستحضر إالّ في حالات نادرة. كانت لرولان

بارت، في ما يخصّ الحالة الأخيرة، علاقة خاصة بأمه، آثر أن تلازمه وتظل بجانبه إلى أن فارقت الحياة. وكرّس

لها حيّزًا كبيرًا في محكياته الذاتية لاستحضار اللحظات الجميلة التي جمعتهما (خاصة في اللعبة النيرة، 1980)،

في حين لا يذكر الأب إلا في لقطة يتيمة في مؤلفه رولان بارت بقلم رولان بارت، 1975، وهي ظاهرة نفسية

تستمد نسغها من الأسطورة التي نقلها سفوكليس وتجلو عقدة نفسية عالمية يطلق عليها اسم عقدة أوديب.

وهي، بالنسبة إلى فرويد، تمثّل الرغبة اللاواعية التي تنتاب الطفل لإقامة علاقة جنسية مع أمه (الجنس المخالف)

وامتلاكها بعد قتل منافسه الأب البيولوجي. ومن تجليات هذه العقدة في خارج المكاننذكر أساسًا ما يلي: - كانت لإدوارد سعيد، منذ نعومة أظفاره حتى كبره، علاقة خاصة بأمه. وقد حرص، دومًا، على الاحتماء بها

وامتلاكها من دون أن ينافسه أحد في حبها؛ فهي ملاذه الوحيد للتزود بالثقة اللازمة، والاطمئنان إلى وسامته،

وتنمية قدراته ومؤهلاته في الحياة، وتبديد شبح العزلة الذي راوده في حياته جلّها. - دخل في صراع قوي مع أبيه إلى حد كراهيته صراحة وعلانية، إمّا بدافع من عامل الغيرة (منافسته في التعلق بأمه)

وإمّا لعدم قدرة الأب على إشعاره بكينونته ودعم استقلاليته، وتلبية حاجاته ومطالبه من دون مزايدة أو محاسبة.

كان يؤْثر عليه أمه لكونها تحدب عليه، وتوفر له ما يحتاجه ويريده، وتعرف كيف تطمئنه وتزيل الغمّة عن قلبه.

- تربّعت الأم على عرش السرد نظرًا إلى منزلتها الرفيعة في قلب إدوارد سعيد، في حين لم يُستحضر الأب إالّ

للضرورة القصوى. هكذا يجسد إدوارد سعيد الطبيعة الإيروتيكية في تعلّقه بأمه، ويدخل في صراع مع أبيه

لتصفية الحساب معه وقتله رمزيًا. عندما أحس إدوارد سعيد بالتوتر النفسي في إثر إصابته بالمرض العضال، أضحى أكثر من أي وقت مضى يبحث

عن وسيلة تسعفه في استرجاع حالته الطبيعية. ووجد ضالته في السرد لكتابة «رواية صادقة لما حدث» له،

خاصة في حياته الباكرة في فلسطين ولبنان ومصر، ولبعث الحب الذي يكنّه لأمه من مرقده سعيًا إلى «العثور عليها

مجددًا (») وإن كان في قرارة نفسه، شأنه شأن رولان بارت، يعي أنه لا يستطيع تذكّر ملامحها واستحضارها

28 المصدر نفسه، ص.357

29 لمزيد من الاطّلاع، انظر: حميد لحمداني، النقد النفسي المعاصر: تطبيقاته في مجال السرد (الدار البيضاء، المغرب: دراسات سال،

1991)، ص.24-9

30 سعيد، تأملات حول المنفى، ص.383

31 رولان بارت، العلبة النيرة رسالة عن التصوير الشمسي، ترجمة إدريس القري؛ مراجعة محمد البكري (الدر البيضاء: فضاءات

مستقبلية، 1998)، ص.60

كاملة. يتعرف عليها شيئًا فشيئًا لكنه، في آخر المطاف، يخطئ كيانها. قام رولان بارت بجمع صور والدته بعد

وفاتها، وقرر إدوارد سعيد أن يكتب رسالة إلى والدته المتوفاة. وفي كلتا الحالين نعاين، علاوة على التعلق بالأم،

الإصرار على التعرف عليها في كليتها وشمولها. ومع ذلك، لم يستطع كلُّ واحد منهما إالّ استجماع سماتها المتفرقة

عبر الزمن بطريقة خلافية لا جوهرية: إنها تقريبا هي! - تذوق الموسيقى وممارستها من الفنون التي كان لها دور كبير في نمو شخصية إدوارد سعيد وشحذ إرادته وارتقاء ذوقه، نذكر أساسًا

الموسيقى. كان في صغره متعودًا على تتبّع البرامج المذاعة لتوسيع مداركه في مجال الموسيقى. كما كان للكتابين

اللذين عثر عليهما في المنزل (كتاب غوستاف كوبيه الكامل في الأوبرا، وكتاب أرنست نيومان ليالي الأوبرا) دور

كبير في إغناء محصوله الثقافي في ما يخص الأعمال الأوبرالية. وفي أواخر الأربعينيات، تمكن من حضور الحفلات

الأوبرالية التي كانت تنظَّم في دار الأوبرا القاهرية. وأول أوبرا شاهدها وهو في سن الثالثة عشرة من عمره

كانت أوبرا أندريه شينييهلجيوردنو. وأعظم تجاربه الموسيقية قاطبة تتمثّل في استمتاعه بروعة أداء كليمنس

كراوس وفلهلم فورتفانغلر خلال سنتي 1950 و 1951. ويعتبر إغنايس تيغرمان أهم موسيقار أثّر في حياته،

وهو عازف بيانو بولوني مدير المعهد الموسيقي وأستاذ مقيم في القاهرة منذ منتصف الثلاثينيات. - المرض تتواتر موضوعة مرض السرطان في مختلف مفاصل الكتاب، وذلك لكونه أصاب الأسرة، مسببًا تفك ك أواصرها

(سبب في وفاة السارد ووالده ووالدته وعمته..)، وهو ما حرض السارد أساسًا على كتابة سيرته الذاتية؛ فبقدر

ما كان يزداد مرضه كان يصر على استرجاع تفاصيل حياته الماضية لمقاومة هواجس تدهور صحته وتفاقم آلامه.

وبمجرد أن علم أنه مصاب بداء سرطان الدم، شعر أنه تحت سطوة «أشد الأفكار سوداوية عن العذاب والموت

الداهمين». لقد لازمه المرض منذ حداثة سنه. كان يحس بأن جسده مثقل وإشكالي بسبب العلل التي ألمّت به،

ومن بينها علة تخص قدميه: «وقد جاء التشخيص المبكر أنهما مسحاوان»، ثم رعشة غير إرادية كانت تمتلكه

برهة وجيزة كلما هم بالتبول، ثم علة أصابت معدته، وكانت مصدر أمراض وآلام جمة لازمته طوال حياته. عانى والده ورمًا خبيثًا في كاحله أورثه، بعد استئصاله، عرجًا. وكان المرض الخبيث هذا قد لازمه منذ

سنة 1948 إلى حين وفاته سنة 1971. وقد ساءت حالته الصحية تدريجيًا بعد أن ألمت به أمراض جانبية،

كالمشكلات المعوية والتهابات المسالك البولية. أصيبت والدته بسرطان الثدي. وقد رفضت العلاج الكيميائي بسبب مضاعفاته الجانبية. توفيت في أميركا التي

كانت تتحاشاها دومًا بعد أن انقضت مهلة تأشيرة الدخول المؤقتة. وممّا يتذكره إدوارد توسلها إليه لاستجلاب

النوم: «ساعدني على النوم، يا إدوارد». وممّا نجم عن مضاعفات المرض حرمانها من النوم ليالً. كانت

تستعين بالحبوب والمسكنات ونصائح الأقارب والأصدقاء، لكن بلا جدوى. لا تقل حدّة معاناة المريض عامّ يشعر به ذووه من أسى وحسرة؛ فحين يجتاح المرض الخبيث الأسرة يحدث

32 المصدر نفسه، ص.61

33 سعيد، خارج المكان، ص.301

34 المصدر نفسه، ص.93

35 المصدر نفسه، ص.357

بها تصدعات كثيرة لخطورته ومتطلباته وتبعاته، وهذا ما جعل أفراد أسرة إدوارد يتقاسمون الشعور نفسه

وهم يعانون مرض والدهم: «لم تكن ردود شقيقاتي مختلفة عني: ‹إنه زحف المرض الذي يرعبني›، قالت لي

روزي مرة بكرب عظيم. وحين سمعت جويس بأن حياة أبي في خطر، لدى وصولها إلى المطار، أصيبت بنوبة

من الحصار المدمر. وحدها جين بدت قادرة على التماسك، فلازمت أبي، خلال الأشهر الثلاثة التي قضاها في

المستشفى، مبدية شجاعة فائقة، أعترف ببساطة أني لم أكن أملك شجاعة تجاريها». - الحنين إلى فلسطين رغم جنسية إدوارد سعيد الأميركية، وابتعاده عن بلده فلسطين، ظل وفيًا له باعتباره موطنه الأصلي ومهبط

وجدانه. وظلت علاقته به متقطعة طوال حياته. كان يزوره بين الفينة والأخرى إمّا لمواصلة مشوار التعليم

الأولي، أو لتمضية عطلة الصيف، أو لزيارة أفراد العائلة. كان نصف نشاط العائلة التجاري في فلسطين (شركة

التعليم الفلسطينية) يتعلق ببيع الكتب ونشرها. أمّا النصف الآخر فكان في القاهرة وهو يعنى بالتجهيزات

المكتبية والقرطاسيات. وعندما تعرضت الشركة للنهب والإحراق على أيدي الإخوان المسلمين بسب جنسية

مالكها الأميركية قرر هذا الأخير الانفصال عن شركائه في فلسطين وإعادة بناء شركته الخاصة. وحين استقرت أسرة إدوارد سعيد في أميركا مع بداية الخمسينيات، أخذت صورة فلسطين تتلاشى تدريجيًا إلى

أن اختفت مدة طويلة. وعلاوة على ابتعاد أمه عنها (رغم ميولها القومية)، كانت تنزعج من موضوع فلسطين،

وتبدي كراهيتها للفلسطينيين والساسة معًا. وانقطعت صلة إدوارد سعيد بالفلسطينيين خلال مدة إقامته

بالولايات المتحدة. ولم يعد لفلسطين ذلك الحضور البهيّ الذي كان لها عندما كانت أسرة إدوارد سعيد قريبة

من جغرافيتها: «هذه كلها سمحت لي بأن أعيش حياتي الأمريكية المبكرة على مسافة بعيدة من فلسطين النائية

الذكرى، بما هي حسرة مستمرة وغضب مبهم». لقد حفزت سعيدًا منزلتُه الثقافية أن يتخذ موقفًا إيجابيًا من القضية الفلسطينية ويدافع عنها في المحافل الدولية.

ومن بين المؤتمرات التي دُعي إليها مؤتمر لندن الذي عُقد سنة 1991، قبيل انعقاد مؤتمر مدريد. ولئن شعر

إدوارد بالموقع التفاوضي الضيق في خضم التداعيات السلبية لحرب الخليج، فإنه آثر أن يثير جملة من الأسئلة

التي تدفع في اتجاه حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. انتهى المؤتمر إلى خيبة أمل مروعة بسبب تضارب

المواقف، وتكرار الحجج المألوفة، وعدم الإصغاء إلى الأصوات المختلفة. أحس سعيد، بفضل عمته نبيهة، بما يثيره موضوع عذاب اللاجئين من مرارة في النفس. كانت أول من

أشعرته بمآسي ومشقات عدم الانتساب إلى وطن مستقل يحميه، ويعطي طاقة إضافية لوجوده، ويضمن له

كرامة العيش.

تجليات الفضاء

لا يوجد الفضاء، كما باقي مكوّنات السرد، إالّ بفضل اللغة؛ فهو، إذًا، لغوي بامتياز، وهذا ما يجعله متميزًا من

فضاءات السينما والمسرح لكونها تدرَك مباشرة بواسطة العين والأذن، في حين أن الفضاء الروائي المستحضر

المصدر نفسه، ص.317

المصدر نفسه، ص.182

بواسطة الكلمات المطبوعة «يتشيد بوصفه موضوعًا فكريًا»، مستوعبًا التمثلّات الذهنية، والبيئة النفسية

(غير المحدودة نظريًا)، والأحلام، والأهواء، والأحاسيس. وما يميز حياة السارد تنقلاته عبر مدن ولغات وبيئات شديدة التنوع والاختلاف. وهذا ما جعله، عمومًا، يشعر

بالنفي والضياع وعدم الاستقرار والكآبة (اكتئاب السفر الحصاري). ويشغل كل فضاء ارتاده مكانة خاصة في

مخيلته ونفسيته، بالنظر إلى طبيعته الظرفية والعلاقات والأجواء العائلية. ومن بين الفضاءات التي كان لها دور

في حياته، تبعًا لما احتضنته من تجارب ثرّة واستوعبته من أهواء جياشة، نذكر أساسًا ما يلي: - القدس تمثّل هذه المدينة مهبط وجدان إدوارد سعيد ومسقط رأسه، وهذا ما بوأها، رغم ابتعاده عنها واختفائها تدريجيًا

من أحاديثه، منزلة خاصة في وجدانه. وهي، بالنظر إلى ظروف الانتداب البريطاني والاستعمار الصهيوني،

تعكس ما تعانيه فلسطين قاطبة من ضياع وحسرة وتفكك. كان والده وديع يكره القدس لأنها تذكّره بالموت.

ورغم كراهيته للولايات المتحدة، ما فتئ يعلن أسفه على العودة إلى الوطن الأصلي. وحين يكون السارد في

القدس يشعر بالتماسك الداخلي نظرًا إلى وجود أفراد عشيرته وتآزرهم، بينما كانت الحياة في القاهرة تفتقر

إلى دفء العلاقات الإنسانية. ورغم صغر القدس وبساطتها، كانت أكثر من القاهرة تنظيامً. وتتسم القدس

-علاوة على ما سبق- بالحرية والطلاقة والسرور. لكن ما يأسف عليه السارد أنها مواصفات مؤقتة وزائلة،

وقد تبنيّ له ذلك في ما بعد. لما زار إدوارد القدس سنةّ 1948 لمواصلة الدراسة، كانت المدينة متوترة بسبب المنافسة الشديدة بين الأديان،

وإلحاح المستعمر الإنكليزي على أذونات المرور، وهو ما كان يحول دون تنقّل الفلسطينيين بحرّية من مكان

إلى آخر. - القاهرة احتجبت القدس والقاهرة عن السارد بسبب الاستيطان الإسرائيلي في ما يخص الأولى، ولأسباب واهية حالت

دون زيارته للمدينة الثانية خلال خمس عشرة سنة (1975-1960). واضطر، بسبب منفاه الأميركي ومرضه

المزمن، إلى استرجاع ذكرياته المتقطعة في هاتين المدينتين، لما يوحيان به من مشاعر دافئة. ولقد كان لهذه الذكريات،

بالنسبة إلى السارد، دور كبير في استجلاب النوم بعد أن تقطّع بسبب تفاقم المرض العضال على صحته، وفي مقاومة

الأرق واستجماع خيوط اليقظة والتحدي سعيًا إلى استيعاب حياته الماضية والتلذذ ببعض الذكريات الهاربة. تمثّل القاهرة فضاء مشرعًا على دلالات أكثر غنى وكثافة لتعدد أجناسها، وكثرة سكانها وتفاوت مواقعهم

الاجتماعية، وتباين جغرافيتها. لقد تمكن السارد، بفضل غنى أسرته، من اكتشاف ما تتمتّع به القاهرة من مرافق

ترفيهية (خاصة ما يخص الموسيقى والرياضة)، ومطاعم فاخرة ومصنفة، ومتنزهات خضراء. ورغم ذلك، كان

يحس بأنه محمي ومحروم ومحتجز في عالم صغير (يقضي معظم وقته في المنزل) بسبب توجس والدته ممّا يحدث في

القاهرة من أعمال اغتيال واختطاف واعتداء، وهذا ما كان يقلقها، مُستحثة ابنها على عدم التأخر في العودة إلى

البيت، وتجنب الجلوس قرب سواه من راكبي الحافلات.

38 Jean Weisgerber, L’Espace romanesque, bibliothèque de littérature comparée (Lausanne: Éditions l›àge d›homme; [Paris]: [Centre de diffusion de l›édition], 1978), p. 10.

39 المصدر نفسه، ص.12

- نيويورك جاء إدوارد سعيد إلى نيويورك بإحساس مؤقت، على أساس أن يمضي ردحًا من الزمن ثم يعود إلى وطنه. لكن

إقامته دامت زهاء سبع وثلاثين سنة، وهو ما قوّى لديه الإحساس بالضياع والغربة والضآلة: «لقد حوّلتني

ضخامة نيويورك الهائلة، وبناياتها الشاهقة الصامتة والمغلقة، إلى ذرّة تافهة، فأخذت أتساءل عن موقعي من هذا

كله، فإذا عدم اكتراث أحد بوجودي يمنحني شعورًا غريبًا، وإن يكن موقتًا، بالتحرر لأول مرة في حياتي».

وكان يفكر في الانتقال إلى بوسطن، التي عاش فيها فترة جميلة حين كان طالبًا، رغبة منه في إيجاد مكان آخر يُدفن

فيه بعيدًا عن نيويورك. كان في تنقله عبر أرجاء الولايات المتحدة الرحبة يحس باضطراب هويته بحكم انفصاله المادي والمعنوي عن

وطنه الأصلي، وعدم اكتراث الآخر لوجوده، وعدم تأقلمه مع الحياة الجديدة. ولئن انخرط في أجوائها حرصًا

على بناء حياته الخاصة، والبقاء طوال عمره مجهوالً قدر المستطاع كما الأميركيين أنفسهم، فإنه ظل يشعر بأنه

غريب عنهم شكالً وسحنة وسلوكًا، وهذا ما جعله يشعر بالمفارقة بين وطنية مزيفة مثبتة في السجلات الرسمية

ووطنية أصيلة راسخة في الوجدان. وفي خضم هذا التمزق الداخلي، كان يترقب رسائل والدته الموحية، أو

هتيسفن لعى باييإج عْقو نم اله الم، ةئفادلا اتاهرابع.لعى هضرتوح، صاخ بحب هرمغتو، هتبرغ ددبت تناك

الالتفات اليائس إلى الماضي هروبًا من تعاسة الحاضر وخيبته. وكان ممّا دفعه إلى النقمة على الولايات المتحدة،

علاوة على ما سبق، إصابته هو وأمه بمرض السرطان. أصبح لا يطيق العيش فيها، وفي المقابل ازداد شوقه إلى

الفضاءات التي احتضنت طفولته ويفاعته. - ضهور الشوير من بين الفضاءات الأثيرة لدى الأسرة قرية ضهور الشوير في لبنان. كانت الأسرة تقصد هذا المنتجع صيفًا

لتمضية أيام العطلة. وكان الأب يحرص على استئجار منزل متواضع لا يتوفّر على مظاهر الزينة والبذخ، في

حين يستوحي شروط حياة ريفية متقشفة. كان يبحث أساسًا عن سكينة تنسيه ما يستتبعه عالمه التجاري من

منازعات وتوترات واتصالات هاتفية وأزياء رسمية: «والأغرب من ذلك هو إحساس أبي بأن الضهور هي

الملاذ من المتاعب المتزايدة للحياة التجارية في مصر الناصرية». وعندما كان على وشك الموت، أعرب عن

رغبته في أن يدفن في ضهور الشوير. لم يكن أي واحد من أهل البلدة مستعدًا لبيعه قطعة صغيرة من الأرض،

وهو ما خيّب أمله في تحقيق رغبته وأمنيته.

لم يستسغ الابن هذا الفضاء لأنه، فضالً عن اتسامه بالملل، يقترن لديه بالعزلة والشعور بالعجز، ولا يوفر له ما

يحتاج إليه من إغراءات حتى يُشبع غرائزه واستيهاماته المتيقظة. وممّا نفّره منه أيضًا تبرّمه بأوامر والده ونصائحه

المملة وبرامجه المحكمة والدقيقة. ومن الإيجابيات التي جناها من عزلته وانزوائه توغله في عالم المطبوعات،

وتخصيص وقت ثمين من أوقات فراغه للمطالعة. توطدت، مع مر السنين، علاقة سعيد بإيفا التي حببت إليه الفضاء وحفزته على الاشتياق إليه. وأصبح، أكثر

من أي وقت مضى، مشدودًا إليه لكونه، قبل أن تعكر الحروب والنزاعات هويته المتميزة، يشكّل حلم يقظة

متواصالً. انجذب الحبيبان واحدهما إلى الآخر بتلقائية. ودامت علاقتهما، على نحو متقطع، زهاء خمس سنوات.

وتواصلت أيضًا حين استقرت إيفا في الإسكندرية عند شقيقتها الأرملة. وكان يتردد على زيارتها خلال المدة التي

04 المصدر نفسه، ص.181

14 المصدر نفسه، ص.329

أمضاها في القاهرة (1958-1957) قبل الالتحاق بجامعة هارفرد بحجة متابعة أعمال أبيه هناك. وباعدت

الحياة بينهما بسبب تحفّظ والديه من محبوبته لكونها أكبر منه سنًا (تفوقه بسبع سنوات)، ولبُعد المسافة بينهما،

واختلاف أنماط الحياة التي يعيشها كل واحد منهما. اتضح للسارد، مع مر السنين، أنه كان يعيش صحبة أسرته في ضهور الشوير حياة رعوية مزيفة على شفير

هاوية سحيقة. يُعَدّ هذا المنتجع جزءًا من بلد أكثر تقلبًا واضطرابًا جرّاء الحروب والمنازعات التي أثّرت سلبًا

في مسيرته التنموية، ومردوده السياحي. وعندما زار ضهور الشوير بعد سبع وعشرين سنة، فوجئ بما أحدثته

الحروب من شقوق وفجوات في منزله؛ لقد أضحت القرية موقعًا عسكريًا سوريًا محصَّنًا يسكن فيه الجنود

والضباط، وتهدم عدد كبير من بيوتها، وأصبحت قبلة لوافدين جدد يأتون إليها بعد الحرب الأهلية هربًا من

ورش البناء الصاخبة والمحمومة في بيروت.

أوجه الهوية

الهوية هي جماع من المميزات التي تسعف في تمييز الفرد والجماعة. وتصنف هذه المميزات في مراجع معيّنة على

النحو الآتي: - المراجع المادية: الملْكية (الاسم، الأرض، الأشخاص، الأشياء، المال، السكن، اللباس)، والموارد (القوة

الاقتصادية والمالية والفكرية)، والتنظيم المادي (تدبير الأرض والسكن والتواصل) والمظاهر الفيزيائية (توزّع

السكان، العلامات المميزة). - المراجع التاريخية: الأصول (الولادة، القرابة، التحالف، أساطير الخلق)، والحوادث المهمة (عوامل التطور

والتأثير والمثاقفة والصدام)، والآثار التاريخية (المعتقدات، العادات، القوانين، المعايير.) - المراجع النفسية-الثقافية: النظام الثقافي (الدين، الأيديولوجيا، القيم)، والذهنية (الرؤية إلى العالم، العادات

الجماعية)، والنظام المعرفي (السمات النفسية الخاصة، المواقف، نظام القيم.) - المراجع النفسية-الاجتماعية: مواصفات اجتماعية (القدرات، العيوب)، وموارد المآل (الحفز، الاستراتيجيا،

التكيف، التصرف). ألح كلود ليفي شتراوس على ضرورة الخروج من المركزية الإثنية التي لا تتعدى الإنسانية، بموجبها، حدود

القبيلة أو المجموعة اللغوية. وفي المقابل، عندما تعمم الهوية تنعدم مكامن الاختلاف الثقافي (الهوية على النمط

الكانطي المتعالي). هكذا نجد أنفسنا أمام هويتين يتجاذبهما قطبان متباينان: أحدهما قطب الفرادة المنقطعة،

وثانيهما قطب الوحدة الشاملة التي تعير اهتمامًا للفواصل والاختلافات. ساهمت عوامل الهجرة والترحال والمثاقفة في إضفاء مزيد من الدينامية على الهوية حتى غدت أكثر انفتاحًا على

الهويات الأخرى، وأكثر اتصاالً بها وتفاعالً معها. وقد سقنا هذه المعلومات الأولية عن الهوية لنبنيّ أن على

الرغم من اتساق مميزاتها وتماسك مراجعها، فقد تتعرض لأزمة ما بسبب حرمان أو مس شابَ أحد مكوناتها.

42 Alex Mucchielli, L’Identité , Que sais-je ? (Paris: Presses universitaires de France, 1986), pp. 8-9.

34 انظر في هذا الصدد:

Jean-Marie Benoit, «Facette de l’identité,» dans: Laboratoire d›anthropologie sociale, L’Identité , séminaire interdisciplinaire, 1974-1975, [Collège de France, Laboratoire d›anthropologie sociale]; dirigé par Claude Lévi-Strauss, Figures (Paris: B. Grasset, 1977), p. 14.

44 المصدر نفسه، ص.15

وممّا أفضى إلى تأزم هوية إدوارد سعيد معاناته من تجربة المنفى: «يا لها من تجربة فظيعة. إنه الشرخ المفروض الذي

لا التئام له بين كائن بشري ومكانه الأصلي، بين الذات وموطنها الحقيقي: فلا يمكن البتة التغلب على ما يولده

من شجن أساسي». ويشبّه التجربة نفسها بالموت، لكنها تختلف عنه بكونها خالية من نعمته الأخيرة.

واعتبرها أيضًا عزلة تُعاش خارج الجماعة بإحساس بالغ الحدة. ربما ينزلق الفرد من حيث لا يعلم، من شدة تأذّيه بألم المنفى، إلى المغالاة القومية وأهواء الجماعة (ما يصطلح

عليه إدوارد سعيد باللغة الجماعية والراعدة؟)، وهو ما يعزّز لدى الإنسان في الآن نفسه الاعتداد الأعمى

بذاته وكراهيته للآخر ومعاداته. كابد المنفيون مقاومة الإحساس بالغربة والعزلة والضيم، واستطاعوا أن يبدعوا أدبًا خاصًا بهم للتعبير عن

مطامحهم ومشاعرهم. وما يؤلمهم أكثر هو شعورهم، في إثر عودتهم إلى أوطانهم، بالغربة المضاعفة والإحساس

بالضياع. وخير مثال يمكن أن نستدل به في هذا السياق تجربة المنفى عند المثقف الفلسطيني راشد حسين. لقد

عاش راشد سنوات طويلة في نيويورك يعمل في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة. ثم عاد إلى

العالم العربي لكنه لم يطق الغربة والتعاسة اللتين انتابتاه على التوالي في كلٍّ من سورية ولبنان ومصر. ثم رجع

مكرهًا إلى نيويورك إلى أن فارق الحياة بطريقة مأساوية، مختنقًا بدخان حريق شب في الفراش والأشرطة. وأغرب مصير من مصائر المنفى هو أن تتجدد عملية اقتلاع الهوية على أيدي المنفيين، وهو ما ينطبق بالتمّام

على الهوية الفلسطينية التي تعرضت، عبر مراحل التاريخ، لأبشع عمليات الاجتثاث والاستئصال من جانب

الصهيونيين الذين لا يطيقون أن توجد بجانبهم «قصة أخرى من قصص الاستلاب والضياع»، وهو ما

أدى إلى تشريد الفلسطينيين وطردهم، ومعاداة الهوية الوطنية الفلسطينية، وصدها بكل جبروت وعنف عن

استجماع شتاتها وطاقتها في أفق استكمال شروط الدولة الوطنية الديمقراطية المستقلة. ساهمت تجربة المنفى في بلورة الهوية الدينامية لدى إدوارد سعيد. وبقدر ما تعرضت هذه الهوية لأزمات (أزمة

الهوية) ارتقت في مراقي النضج (نضج الهوية) للنظر إلى الذات والآخر بتجرد وموضوعية ومن دون انفعال أو

جفاء. ليست الهوية، في مثل هذه الحالة، «خصيصة ثابتة، وإنما هي حقيقة تتجدد بفضل ما تملكه من سيروات

ذاتية للتماهي والتمثّل والرفض الانتقائي، فهي تنحت نفسها وتعيد تنظيمها تدريجيًا وتتبدل دون انقطاع». وما ساعد إدوارد سعيد على تجديد هويته وإنضاجها تحلّيه بكثير من السمات، نذكر منها أساسًا المرونة،

والانفتاح، والتمتع بروح المسؤولية، والتضامن، والأخذ والعطاء. لكن تعرّض هوية شعبه للإقصاء والرفض

قوّى لدى مواطنيه الإحساس بالغربة والعزلة، وانتفى عندهم «الإحساس بالأمان الهوياتي». وعليه، أضحى

الشعب الفلسطيني غير مطمئن على حاله ومستقبله بسبب ما يتعرض له من قمع وتشريد واحتلال. ويأمل أن

ينصفه التاريخ حتى يشعر ب«الأمان الأنطولوجي» (استرجاع الثقة بالنفس) الذي يُعتبر قاعدة أساسًا لإقامة

دولة ديمقراطية مستقلة والتخلص من مراغم الثقافة المهيمِنة (الاستلاب والمثاقفة المكرهة).

45 سعيد، تأملات حول المنفى، ص.117

46 المصدر نفسه، ص.118

47 المصدر نفسه، ص.121

84 المصدر نفسه، ص.123

94 المصدر نفسه، ص.120-119

05 المصدر نفسه، ص.123

51 Mucchielli, p. 89.

25 مفاهيم مستلهمة من: المصدر نفسه، ص.99-98

تخضع الهوية، بحكم ديناميتها وهجنتها، لسيرورة التحوّل من البنوة إلى التبنّي. وهي، على هذا النحو، شبيهة ببنية

ثقافية تناصّية تتفاعل مع هويات أخرى «بانسجام حينًا وتنافر حينًا آخر»، وتستولد أنماطًا لها الدوام ما إن

تظهر إلى الوجود حتى «تطالب بشرعية تسمو على اللحظة، وشرعية عتيقة من نبض الحياة، وهذا السبب هو ما

يجعل الحياة دائامً على تعارض كامن مع النمط». ينبغي، في إطار السيرورات الثقافية السريعة، أن يُضفى مزيد

من الشرعية والاعتراف على الثقافات واللغات المحلية، سعيًا إلى تعزيز مقوّماتها في إطار هوية وطنية موحَّدة،

وحمايتها من سلبيات الثقافة العالمية المهينة التي تطمس كل ما هو خصوصي، مكرسة تبعية المحيط وامتثاله للمركز. وممّا يقلقل الهوية المنغلقة على نفسها انتقالُ الشعوب، بحكم سيرورات التقدم والتحضر، من نظام القرابة

الذي يقوم على روابط طبيعية (الطاعة والخوف والاحترام والحب) إلى منظومة جديدة (نظام التقرب) تنهض

على قواعد مؤسساتية (الوعي النقابي والإجماع والزمالة الجامعية والاحترام المهني وهيمنة الثقافة السائدة):

«فمخطط القرابة يعود إلى شعاب من صلب الطبيعة وصلب ‹الحياة›، في حين أن التقرب يعود بالحصر إلى

الثقافة والمجتمع». لقد اضطرت الهوية، بفعل التحولّات الثقافية والاجتماعية السريعة، إلى التخلي تدريجيًا عن مخلفات المركزية الإثنية

(الروابط العشائرية والأشكال السلطوية الطبيعية) والانفتاح إيجابًا على الهويات الأخرى حرصًا على استجلاب

ما يقوّي عضدها، ويضفي الحركية على مكوّناتها، ويجعلها مواكبة للمستحدثات العالمية على المستويات جميعها.

وهذا ما يقتضي دمقرطة الحياة الثقافية والنسيج اللغوي، حتى تظل الهوية محافظة على حركيتها وتعدّدها ضمن

بنية موحَّدة ومتماسكة تحسن تدبير الاختلاف بنوع من الإنصاف والتفاهم والتوافق.

اضطراب الهوية

مع أن فلسطين بدأت تختفي تدريجيًا من أحاديث أسرة إدوارد سعيد بحكم البعاد والانشغال بأمور مغايرة أملتها

طبيعة الحياة الجديدة، فقد تركت، مع مر السنين، جراحًا في نفسية هذه الأسرة وغيرها من الأُسر الفلسطينية، وأثّرت

في معارفها ومشاعرها، محدثة تغيرات عميقة في مجرى التاريخ. وممّا ابتليت به هذه الأُسر، على اختلاف مشاربها

ومستوياتها الاجتماعية، هو التفكك الذي تفاقم مع حرب 1967. وأضحت، بمقتضاه، غير مرتاحة في أيّ فضاء

انتقلت إليه اضطرارًا، وإن توافرت فيه شروط العيش المستحبة. وأصبحت هويتها المشتركة مضطربة ومزيفة لكونها،

وإن تجنست بجنسية أخرى، تحسّ بأنها مقتلَعة من جذورها، وغير قادرة على الاندماج في بيئة مخالفة. يُعتبر إدوارد سعيد ثمرة هذه الثقافة الهجينة التي ظلت، وإن ساهمت في صقل مواهبه وتنمية مؤهلاته وتوسيع

رؤيته للعالم، نشازًا بالنسبة إليه لكونها لا تخاطب طبعه ووجدانه، ولا تمتّ إلى ثقافته الأصيلة بصلة. وعوض أن

تعزز هذه الثقافة إدماجه بالحياة الجديدة، عمقت لديه الإحساس بالضياع والتمزق. واستفحل هذا الإحساس

3 5 سعيد، تأملات حول المنفى، ص.245

54 ما يطلق عليه جورج سيميل السيرورة الثقافية العصرية، انظر: إدوارد سعيد، العالم والنص والناقد، ترجمة عبد الكريم محفوض

(دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2000)، ص.24

55 يميز عبد الكبير الخطيبي بين الهوية الموحِّدة والهوية الموحَّدة؛ فالأولى ذات طبيعة ميتافيزيقية واختزالية تُرجع العناصر كلها إلى عنصر

أساس، ولا تغدو أن تكون العناصر الأخرى، بموجبه، فروعًا تصدر عنه، في حين تتيح الثانية للعناصر جميعها حرية التحرك. وعليه،

«ليست علاقة الوحدة بالتعدد كعلاقة الكل بالأجزاء، وإنما هي كعلاقة الهوية بالاختلاف». عندما نأخذ مثاالً للإنسان المغربي، نعاين أنه

يحمل في أعماق كينونته ماضيه قبل الإسلامي والإسلامي والبربري والعربي والغربي. ولهذا يجب أالّ نغفل هذه الهوية المتعددة التي تكون

الكائن المغربي. انظر في هذا الصدد: عبد الكبير الخطيبي، نحو فكر مغاير، ترجمة وتقديم عبد السلام بنعبد العالي (الدوحة: منشورات

وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2013)، ص.19-18

56 سعيد، العالم والنص والناقد، ص.24

حين أصيب بالسرطان، وأحس، أكثر من أي وقت مضى، باقتراب أجله. لم يجد بدًّا، في هذه الحال، من استجماع

خيوط ما عاشه، على وجه الخصوص، في مدينتي القدس والقاهرة حتى يكون له سندًا ومناعة لمقاومة تداعيات

المرض، والتغلب على هواجس الإحباط والخيبة والعجز. تعرّض الشعب الفلسطيني، عبر مراحل التاريخ، لعمليات التفكك والإذلال والانقسام. ومن تجلياتها صهينة

الذاكرة الفلسطينية، والإقدام على اجتثاث مقوماتها وطمس معالمها. وإذا كان السارد لا يذكر وطنه فلسطين

إالّ لمامًا خلال مشواره الجامعي، فقد أورثه شعورًا بالإحباط والهشاشة بحكم خسارته له، واستحواذ آخرين

(الصهاينة) عليه لا للاستمتاع بجماله وخيراته فحسب، وإنما لتدمير هويته واجتثاث مقوماته التاريخية والحضارية

أيضًا. كثيرة هي الوقائع التي يستحضرها السارد بمرارة وكآبة على نحو يبنيّ جسامة ما خلّفته من جراح في

نفسية الشعب الفلسطيني ووجدانه، ومن ضمنها نذكر أساسًا ما رافق مذبحة دير ياسين من أعمال وحشية

لإذلال الفلسطينيين وإحباط عزائمهم وهممهم: نقل الفتيات عاريات إلى معسكر الصهيونيين، وارتكاب مجازر

راعبة في حق الأبرياء. فمثل هذه الحوادث المستبشعة حتُ دث شروخًا في الذاكرة، وتُذكي مشاعر الكراهية، وتحفز

على الانتقام والثأر سعيًا إلى إعادة الاعتبار إلى الذات (ما يصطلح عليه بول ريكور بالذاكرة الجريحة).

وبحكم معايشة السارد أديانًا مختلفة، فهو، وإن كان مسيحيًا، لا ينظر بعصبية وازدراء إلى من يخالفه الرأي أو

يناصبه العداء. وبهذا الصنيع لا يدافع عن مواطَنة عرقية بل يتوخى مواطَنة مدنية لا تميز بين الأفراد إالّ وفق ما

يتمتعون به من حقوق ويؤدّونه من واجبات. وقد أسعفه ترحاله أو العيش خارج المكان في تكوين هويته الممتدة

والحركية التي تحضه أكثر على تحطيم الحدود الوهمية، وممارسة النقد بحرّية، ومساءلة السلطة المتعسفة أيًا كان

مصدرها ونفوذها، وفضح الصورة النمطية والسطحية التي يحملها الأميركيون تجاه الإنسان العربي. إن تجربة المنفى التي عاشها إدوارد سعيد جعلته يشعر بأن هويته مضطربة بحكم معاناته الغربة والتمزق وعدم

الاستقرار، وهو ما حفزه دومًا على تشبيه تجربته في الحياة بتجربة كونراد التي تمثّل رجع الصدى لما عاشه،

هو أيضًا، من قلق وجودي وتمزق ثقافي وغربة فكرية، حتى تكاد تكون تجربتهما متماثلة إلى حد ما. وما يميز

تجربة إدوارد سعيد من نظيرتها أنها أكثر منها عنفًا وقسوة وتأزمًا. فقد جرت نقلة كونراد من بولندا إلى إنكلترا

ضمن العالم نفسه (أوروبا)، في حين تحققت نقلة إدوارد سعيد عبر عالمين متناقضين (العرب والغرب)، واعترته

الصدمة جرّاء احتكاكه بأجناس مختلفة، وارتياده فضاءات متباعدة ومتباينة، وتأرجحه بين الثقافتين الأصيلة

والمكتسبة، وتحدثه بلغتين مختلطتين يصعب الفصل بينهما. هذا الخليط كله كوّن منه مثقفًا ناقدًا: «حتى حين يكون النقد متعارضًا مع التضامن أو ما يتوقعه الآخرون باسم

الولاء للوطن». وقد صدرت عنه، في هذا الصدد، مواقف شجاعة حيال كثير من القضايا العسيرة والشائكة

(وفي مقدمتها القضية الفلسطينية). كما أطلق على هذا النوع من الصوت اسم «الدنيوية» (ما يصطلح عليه فيكو

وأورباخ بالعلمانية)، معرّفًا إياها بكونها موقفًا «عارفًا وشجاعًا حيال استكشاف العالم الذي نعيش فيه». وقد

سبب له موقفه من القضية الفلسطينية كثيرًا من الازدراء والعداء إلى حدّ أن عصبة الدفاع عن اليهودية وصفته

بالنازي سنة 1985، وأُرضْمت النار في مكتبه بالجامعة، وتلقى هو وأفراد عائلته سيالً من رسائل التهديد

بالقتل. وفي المقابل، أضحى هدفًا للعداء القومي اليساري المتطرف بدعوى إفراطه في ليبراليته الداعية إلى تقرير

مصير الشعب الفلسطيني والتعايش بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين العرب.

57 سعيد، تأملات حول المنفى، ص.379

85 المصدر نفسه، ص.380

95 المصدر نفسه، ص.379-378

الهوية المركّبة

ليس مصادفة، كما أشرنا سابقًا، أن يستحضر إدوارد سعيد اسم الروائي البولوني الكبير كونراد. وقد سبق أن

نشر أول كتاب عنه سنة 1966. وكان معجبًا بتجربته في الحياة، ومنجذبًا إلى عوالمه لكونهما يشتركان معًا في

النفي المكاني واللغوي. عاش كونراد في فرنسا، وكتب عن تجربته الحياتية باللغة الإنكليزية (وهي لغته الثالثة

بعد البولونية والفرنسية). وفي اتساق مع التجربة نفسها، سلخ إدوارد سعيد، الفلسطيني الأصل، جل حياته في

القاهرة وأميركا، وعاشها في لغة (اللغة العربية) لكنه كتب عنها بواسطة لغة أخرى (اللغة الإنكليزية). وتولّد

عن هذا النزاع بين اللغتين شعور بعدم التناغم بين ماهيته (عالمه الحميمي) التي تجسدها اللغة العربية وبين

صيرورته (تربيته الاستعمارية) التي تشخّصها اللغة الإنكليزية. وحين بادر إلى كتابة سيرته الذاتية، شعر بأنه،

من خلال عمليتي الاستذكار والنسيان معًا، يقوم باستبدال اللغة القديمة باللغة الجديدة. ورغم إحساسه بأن

اللغتين معًا بمنزلة توأمين يتعايشان في ما بينهما داخل جسد واحد، كان مغتاظًا من الغربة المزدوجة التي يسببانها

له: «فلا أنا تمكّنت كليًا من السيطرة على حياتي العربية في اللغة الإنكليزية، ولا أنا حققت كليًا في العربية ما قد

توصلت إلى تحقيقه في الإنكليزية». لقد عاش إدوارد سعيد في ظروف كانت فيها اللغتان موجودتين معًا

ومتضاربتين ومتنافستين من دون أن تكون إحداهما رجع صدى للأخرى، أو تدّعي أنها متفوقة عليها. وهذا ما

عاينه لدى والدته التي كانت تتحدث باللغتين، وإن كانت تميل إلى اللغة الإنكليزية، وما حفزه، بعدما تحكم في

ناصية اللغة الإنكليزية، على تحسين مؤهلاته التواصلية والفكرية باللغة العربية. لقد ساهم ترحاله في فضاءات متعددة واختلاطه بأجناس مختلفة (أرمن وأتراك وأقباط ويهود وعرب وأميركان

وفرنسيين وهنود..) في بلورة هويته المركّبة والمتعددة؛ فهو فلسطيني الأصل والمولد، لكنه يحمل الجنسية

الأميركية، ويعيش في مصر حياة على الطراز الأوروبي. تنتمي أمه إلى الناصرة، وأصلها من صفد ووالدتها

لبنانية. أمّا والده فهو فلسطيني الأصل، أميركي الجنسية، وماسوني المنزع، بروتستانتي الديانة. أمضى وقتًا طويالً

في أميركا مزاوالً مهنًا عديدة إلى أن أصبح رجل أعمال ذائع الصيت. واضطر إلى تغيير اسمه (من وديع إبراهيم

إلى ولْيم أ. سعيد) حتى يكون منسجامً مع جنسيته الأميركية. تزوج إدوارد سعيد، بعد الزوجة الأولى، امرأة من

أصل لبناني هي مريم قرطاس. حار في اسميه المتناقضين (إدوارد/سعيد) اللذين سبّبا له تمزقًا وارتباكًا جرّاء

إحالتهما على ثقافتين متباينتين. لم يكن قادرًا على تحملهما دفعة واحدة. اضطر، بحسب مراغم الظروف، إلى إيثار

أحدهما على الآخر حرصًا على كسب ثقة الآخر ومودته، ونفي صفة «الأجنبي» عنه. ظل إدوارد -طوال حياته- يشتكي من اضطراب هويته؛ فهو من حيث الجنسية مشدود إلى أمريكا، في حين

أنه من حيث الوجدان مرتبط بهويته العربية. لم يستطب العيش في أي مكان لكونه، رغم ما يوفره له من رخاء

ورفاه، لا يستجيب لنداء القلب ولا يحرك سواكن وجدانه. وإذا كان يحن إلى موطنه الأصلي، فإنه لم يشعر بأي

إحساس يدفعه إلى العودة إليه بعدما عاين ما طرأ عليه من تحولّات مفجعة، وما أصاب أهله من جفاء وغلظة في

الطبع. ومع حلول الأربعينيات لم يصبح من «الشوام» وإنما من «الخواجات»، بما تتضمّنه هذه اللفظة من لسعة

عداء حيال الآخر المختلف عن مسلمي مصر. وإذا كان يعتبر نفسه عربيًا، فثمة مؤشرات تشي بأنه أجنبي. وقد

عانى هو وأفراد أسرته متاعب جوازات السفر وبطاقات الإقامة بسبب الوضع المتغير في مصر والعالم العربي،

وهو ما أدى إلى هشاشة هوية الأسرة وجنسيتها، وقوى لديها الإحساس بضآلتها وعدم استقرارها، وشكّل

تهديدًا لمصالحها بوصفها من الأجانب الموسرين.

0 6 سعيد، خارج المكان، ص.8

كان ممّا تعلمه إدوارد سعيد من تجربته ومن تجربة كونراد، اللتين تتقاطعان في كثير من المفاصل، هو أن المثقف

الترحالي خلاصة هويات متعددة ومتضاربة. ويرى، في هذا الصدد، أن «الصيغ الثقافية هي، في الأحوال جميعها،

هجينة كلها، مختلطة، وغير صافية». لا توجد، في نظره، هوية صافية وجامدة وثابتة؛ فالهوية، أيًا يكن طبعها

ومعدنها، تتغذى من عناصر اجتماعية مختلفة وروافد ثقافية متنوعة. وهذا ما يساهم في تواصل الشعوب وتلاقح

ثقافاتها، ويدعم أطروحة التعايش في ما بينها اعتمادًا على أرضية مشتركة ومتوافق عليها (وفي هذا الصدد يدعو

إدوارد سعيد إلى حل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي بتوافق الطرفين معًا على التعايش في ما بينهما على أرض

واحدة من دون كراهية أو تعصب). وفي المقابل، هناك من يغالي في الدفاع عن هوية صافية، والحرص على عدم

اختلاطها بهويات أخرى، وهو ما يفضي إلى تنامي مشاعر الحقد والكراهية والعنصرية تجاه الآخر. يصرّح السارد في أكثر من موقع ومناسبة، بأنه يكره أميركا. وهو الشعور نفسه الذي يتقاسمه مع والده ووالدته.

فمع أن والده يُعتبر مواطنًا أميركيا ورجل أعمال ناجحًا، ما فتئ يصدع بكراهيته لأميركا والأميركيين (أكره

أميركا والأميركيين). لم تستسغ والدته القدوم إلى أميركا. كانت، وهي في طريقها إلى العالم الجديد أول

مرة على متن سفينة، متخوفة من هذه الرحلة المجنونة التي قد تحول دون عودة الابن إلى وطنه حين يكبر.

ورغم حرصها على تحاشي أميركا وامتعاضها منها، دُفنت فيها: «توفيت أمي وقد رفضت تأشيرة إقامة قصيرة

الأجل، فدُفنت في أميركا التي كانت تتحاشاها دومًا، وتكنّ لها الكراهية أساسًا، وإن تكن ارتبطت بها ارتباطًا

لا فكاك منه من خلال زوجها أوالً، ثم من خلال أولادها، قبل أن ترتبط بها من خلال مرضها الأخير ».

ومع أن الابن حمل الجنسية الأميركية، فإنه كان يحلم دومًا بالعودة إلى القاهرة حتى يتخلص من صفة «اللاعربي»

و«الأميركي اللاأميركي». لم يستطع التأقلم مع الحياة الجديدة رغم طول المدة التي أمضاها فيها. ومع أنه تطبّع

بطباعها وعاداتها، وأتقن اللغة الإنكليزية، فإنه لم يجن من سنين إقامته في نيويورك إالّ الضياع المتراكم. ومن

الأمور التي حملته على كراهية أميركا، نذكر ما يأتي: - سبّبت له نكبة 1948 حسرة كبيرة، وأثقلت كاهله بمشاعر التوحش والتألم واليأس، وأربكته أيما إرباك. كان

وقْع هذا الأزمة على حياته قويًا وصادمًا، لأنها اقتلعته من جذوره وطوحت به في عالم مجهول. وتبنيّ له تدريجيًا،

من قلب العالم الجديد، حجم الدعم والمساندة الأميركيين لإسرائيل، وهو ما جعله يشعر بهول المفارقة بين كونه

مواطنًا أميركيا وانتسابه إلى فلسطين، وما حفزه على مناصبة العداء لمن يناصر الإسرائيليين. لقد كره ترومان على

الدوام لدوره الحاسم في تسليم فلسطين إلى الصهيونيين، واستنكر تأييد اليانور روزفلت الحماسي للدولة العبرية.

ورغم إعجابه بمواقف مارتن لوثر كينغ، فإنه لم يغفر له حماسته لانتصار إسرائيل في حرب حزيران/ يونيو.1967 - أصيب هو وأمه بداء السرطان. عانت والدته (التي أضحت شخصًا بلا جنسية بعد احتلال فلسطين) جرّاء

الدخول إلى التراب الأميركي بسبب مشكلات التأشيرة وتعقيداتها رغم كونها أرملة مواطن أميركي وأحد قدامى

محاربي الحرب العالمية الأولى، وأمًا لخمسة مواطنين أميركيين. وبحصولها على جواز السفر، بعد تدخّل السفير

اللبناني في القاهرة لمنحها الجنسية اللبنانية سنة 1956، تعرضت لمضايقات بسبب تنامي مشاعر الكراهية والحقد

حيال الإنسان العربي، ولاجتياز صفوف الانتظار أمام مكاتب الهجرة: «أن تكون لبنانيًا أضحى فجأة معادالً لمشبوه

1 6 انظر: سعيد بنسعيد العلوي، «النزعة الإنسية في فكر إدوار سعيد،» بصمات (الدار البيضاء)، العدد 2 (2007)، ص 18. وهي

Edward W. Said, Culture et impérialisme, trad. de l’anglais par Paul قولة لأدوار سعيد أخذها الباحث سعيد بنسعيد العلوي من:.Chemla ([Paris]: Fayard; «Le Monde diplomatique», 2000), p. 51

2 6 سعيد، خارج المكان، ص.277

36 المصدر نفسه، ص.174

بممارسة الإرهاب. وهذا لسبب غير مفهوم، وجدت أمي المكابرة الصعبة الإرضاء نفسَها تحوم حولها الشبهات

من جديد». ونظرًا إلى كثرة التعقيدات وعوامل الإذلال، آثرت أن تتحمل مشقات الحياة وعناء المرض في

بيروت إلى أن تموت بها عوض أن تنتقل إلى نيويورك أو واشنطن، رغم ما تتمتعان به من رفاهية وجاذبية وتقدّم.

لم يملك إدوارد سعيد أدنى شعور بانتمائه إلى أميركا التي اقترنت لديه على الدوام بالمنفى والاقتلاع القسري:

«ف›هنا›، تعريفًا، هو المنفى والانزياح والاقتلاع القسري». وفي المقابل، كان يعاني فصامًا نفسيًا تجاه فلسطين،

وهذا ما جعله يشعر بأنه منعزل ومعرّض لاعتداءات شتى من دون أن يكون له ما يكفي من السلاح لمقاومتها

أو ردعها. وازداد إحساسه بالوحدة والعزلة والمرارة عندما أصيب بداء السرطان الفتاك. ولم يجد سلواه ومتنفسه

إالّ في استرجاع الذكريات الجميلة التي عاشها في القدس والقاهرة قبل أن يجترفه منفاه الأميركي الذي سبّب له

الإحساس بالندم رغم ما حققه فيه من منجزات. وما إقدامه على الكتابة عن الذات إالّ وجه من وجوه هذا الندم،

ورغبة ملحة في استعادة تجربة المغادرة والفراق تحت وطأة زمن متسارع ويشرف على الانقضاء. - شغل إدوارد، نظرًا إلى صعوبات الاندماج في الحياة الجديدة، موقع إنسان منفي، ينتمي إلى ثقافة الهامش. وممّا

زكى هذا الوضع انتماؤه إلى فلسطين ودفاعه عن قضيتها العادلة، وتكريسه صورة المثقف الذي يستميت لقول

الحق في مواجهة السلطة ونقدها، وتنامي المد العنصري تجاه العرب «مع مد الحزب اليميني المحافظ الذي أحرق

مكتبه في يوم ما». ولم يجد إدوارد بدًّا، والحالة على هذا النحو، من ممارسة الصراع الثقافي لمناهضة السياسة

الأميركية، ومقاومة أساليب التدجين والتطويع، وإنقاذ الذات من التلاشي والتفسخ والذوبان. وفي خضم هذا

الصراع غير المتكافئ، شعر إدوارد بضآلته وتفاهته، وتعرّض لنقد جارح وفتاك، وأصابته سهام الكراهية وما

يرافقها من مشاعر الإقصاء والتهميش والعدوانية والخسران. وتعزى هذه الكراهية المنفعلة لدى السارد إلى تشبثه بجذوره العربية ورفضه تمثيل دور المواطن الأميركي. وهذا

ما قوّى لديه الإحساس بوجود مفارقة بين حياته الشخصية (هوية مزورة ومُؤدلَجة) وحياته العائلية (مجاراة

الحياة الأميركية بحكم جنسية الأب وتعاظم ثروته). وفي هذا الصدد، لا تحدَّد الهوية بجواز السفر والأوراق

الرسمية وإنما هي شعور المرء بانتمائه إلى وطن يعتز بهويته الثقافية والتاريخية، ويرد العجز على الصدر، ويضمن

الكرامة لمواطنيه. ولم تحجب هذه الرؤية الانفعالية الوجه الآخر لأميركا، وهو الوجه الذي يتمثّل في قوتها

الاقتصادية، وفاعلية تعليمها، وتقدم مستواها المعيشي والترفيهي والثقافي. لقد جعلت حرب 1967 من إدوارد سعيد إنسانًا آخر؛ إذ ارتدّت به الصدمة إلى نقطة البداية. ونظرًا إلى نزعته

المعادية للسلطوية، وحاجته إلى التحدث بصوت مرتفع، رفض أي شكل من أشكال المصالحة، وسعى إلى تدمير

النظام القائم والمتعسف. هكذا، يتضح أن ظروف الحرب وتداعياتها لم تؤد إلى إبادة البشر فقط، وإنما إلى تنامي

مشاعر الكراهية والانتقام بين الطرفين المتنازعين؛ فإدوارد يمثّل صوت الفلسطيني المقهور والمقتلَع من جذوره

والمهضوم الحقوق. ولم تعمل الحروب المتتالية إالّ على ذر الملح في جراحه، وهذا ما يذكي جذوة كراهيته تجاه

القوى التي تسعى إلى استئصاله ومحوه من الوجود. فلا يمكن أن يبادر إلى المصالحة ما دام مخاطبوه يؤْثرون سفك

دمه على محاورته والتفاهم معه قصد الوصول إلى نتائج مرْضية للطرفين ومتوافَق عليها.

64 المصدر نفسه، ص.173

65 المصدر نفسه، ص.272

66 شيلي واليا، صدام ما بعد الحداثة: إدوار سعيد وتدوين التاريخ، ترجمة عفاف عبد المعطى (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)،

ص.67

خاتمة

عاينّا، من خلال ما تقدم، جرأة الصدع ب « كراهية أميركا» لبواعث متعددة. وإذا كانت هذه العبارة تبنيّ أساسًا

مشاعر المتلفظ حيال الآخر، فهي، في المقابل، تضمر ما يكنّه الآخر أيضًا من مشاعر الكراهية تجاه الذات؛ إنها كراهية

متبادلة وحادّة «لكونها ردّة فعل عنيفة بسبب انعدام الحل الملائم وانتفاء قرار محتمل لمعالجة المشكلات التي تراكمت

مع مر الزمن». وفي ما يلي بعض البواعث التي ساهمت في تأجيج فتيل الكراهية بين العرب والصهيونيين: - كان إدوارد سعيد، وهو في معترك أميركا، يشعر بأنه مهمَّش ومقصي لعدم قدرته على التخلي عن ثقافته

الأصلية والذوبان في الثقافة السائدة. وعندما تنضاف صفتا «الفلسطيني» و«العربي» إلى الصفة الملازمة لطبعه

منذ التحاقه بأميركا (منفي)، تتعمق الهوة بينه وبين الحياة الجديدة لكونه يحمل آراء شاذة عن نسقها ومنظومتها،

وتتأجج مشاعر كراهيته حيالها لإحساسه بالتهميش والضآلة والغربة. فهو، في نظر الأميركيين، شخص غير

مرغوب فيه لكونه يتسلح ب «سرد مضاد» و«ثقافة مقاومة» لدحض مزاعمهم العرقية والأيديولوجية. وإذا حمل

الجنسية الأميركية، يشعر بأنه مواطن من الدرجة الثانية لا يتمتع بالحقوق التي يضمنها له الدستور الأميركي.

وبقدر ما يكتوي بكراهية الآخر يناصب العداء له ويمقته، وهذا ما يبين أن الطرفين معًا يحتكمان إلى الصخب

الإعلامي والأيديولوجي لإعلاء صورة الذات والاستخفاف بصورة الآخر، عوض أن يمارس الاثنان " النقد

المزدوج» بحثًا عن صيغ للتفاهم المتبادل والحوار السليم. - من أسباب هشاشة الهوية احتدام المواجهة مع الآخر بصفته مصدر تهديد للهوية الخاصة بالجماعة والذات

على حد سواء. وفي هذا الصدد يمتعض إدوارد سعيد من إصرار إسرائيل وأميركا على اجتثاث الهوية الفلسطينية

وإذلال الفلسطينيين، والمس بكبريائهم، وطمس آثارهم على وجه البسيطة. وفي لجّة هذا الصراع المحتدم بين

طرف يشعر بهشاشة هويته (تعرُّض الهوية الفلسطينية لمختلف أشكال الإذلال والتهميش والتدمير) وطرف

يدعم العنف المؤسس (يحتفي بانتصاراته التي تتجسد في شكل أعمال عنيفة): «فما حيُتفل به بوصفه مجدًا يُعتبر

بًالنسبة للطرف المناوئ إذلاال (»)، وهو «ما يخزن جراحًا حقيقية ورمزية في أرشيف الذاكرة الجماعية »،

ويؤجج مشاعر الكراهية والحقد تجاه الآخر باعتباره عدوًا خطِرًا يروم الإجهاز على حشاشة منافسه المحتمل.

- وفي استرجاع السارد حوادث الماضي، يتضح مدى خطورة المجازر التي ارتكبها الصهيونيون في حق الشعب

الفلسطيني بهدف استئصاله والقضاء عليه نهائيًا، وهو ما ترك جراحًا غائرة في ذاكرته الجماعية، ما فتئت، مع مر

السنين، تزداد ألما وتغورًا بسبب تمادي الآخر في وحشيته، وحرصه على تطبيق سياسته الاستيطانية التوسعية.

ويستحيل تضميد هذه الجراح، أكانت رمزية أم مادية، من دون قبول الطرف المناوئ لمبادرات السلم والمصالحة،

واعترافه بحق الشعب الفلسطيني في استرجاع أراضيه المغتصبة وإقامة دولته الحرة والمستقلة. - يؤكّد المشروع السِرّيَيّ الذاتي في خارج المكان مدى تشبّع صاحبه بالقيم الكونية والنزعة الإنسية والمنهجية

الديمقراطية. لقد ظل، طوال حياته، محافظ ا على صورة المثقف الترحالي الذي يشيد بهويته المتعددة والمركّبة

والدينامية، ويتفاعل إيجابًا مع كل ما هو محلي وقومي وعالمي، ويرى «ذاته في ' الآخر ' ويرى ' الآخر ' في ' ذاته ' دون

أن يقع في التبسيط أو يسقط في المحاكاة الفارغة».

67 «Jean Baudrillard: Une ultime réaction vitale,» propos recueillis par François Ewald, Magazine littéraire, no. 323 (Juillet -Août, 1994), p. 22.

86 هو عنوان كتاب: عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، ترجمة أدونيس [وأخرون] (بيروت: دار العودة، 1980). يدعو الكاتب إلى نقد

مزدوج «ينصب علينا كما ينصب على الغرب، ويأخذ طريقه بيننا وبينه، فيرمي إلى تفكيك مفهوم الوحدة التي تثقل كاهلنا والكلية التي تجثم

علينا. وهو يهدف إلى تقويض اللاهوت والقضاء على الإيديولوجية التي تقول بالأصل والوحدة المطلقة». المصدر المذكور، ص.9

69 Paul Ricoeur, La Mémoire, l›histoire, l›oubli, l›ordre philosophique (Paris: Éd. du Seuil, 2000), p. 99.

07 المصدر نفسه، ص.99

17 عبد الله تركماني، «إدوارد سعيد: المثقف الكوني والهوية المركبة،» بصمات، العدد 2 (2007)، ص.60