Return to Article Details Ethnic Nationalism and the Fall of Empire

القومية العرقية وسقوط الإمبراطوريات:

Ethnic Nationalism and the Fall of Empire

هاني عوّاد

Hani Awwad

الملخّص

لقد كانت الشعوبية هي الأساس الأهمّ لتشكيل مبدأ تحقيق المصير القومي، ولم تكن للأطروحات الإثنية حتى ذلك الوقت هذا الأثر التعصبي. ويمكننا أن نلاحظ أن الصورة التي اعتمدتها الحركات الفكرية العربية في أول ظهورها للمجتمع، كانت صورة مجتمع ثقافي وتاريخي يشمل التوافق مع الأقليات الداخلية، ويحافظ على الارتباط السياسي العضوي مع الأتراك ، وهو ذاته ما كان العثمانية « تحت عنوان يدعو إليه المصلحون الإسلاميون مثل رشيد رضا، الذي يقابله توماس مساريك في تشيكوسلوفاكيا الذي أصرّ –هو وجملة من المثقفين- على أن التشيك والسلوفاك كانا جزءًا من الشعب اليوغسلافي، فقد تعريف الهوية القومية « كان الميل في هذه الحقبة إلى من خلال مصطلحات فضفاضة تتخطّى الحدود القائمة، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو حتى اللغوية.

Abstract

Populism was the main basis for the formation of principle of national self-determination, and at that time appeals to ethnicity did not have an inflammatory effect. We can see that the image of society adopted by the Arab intellectual movements when they first appeared was an image of a cultural and historical community in harmony with internal minorities and that preserved the organic political tie with the Turks, which was the same Ottomanism under the rubric being advocated by Islamic reformists such as Rashid Rida, whose counterpart in Czechoslovakia Tomas Masaryk—along with a group of intellectuals—insisted that the Czechs and the Slovaks were a part of the Yugoslavian people, who lacked a definition of national identity.

الكلمات المفتاحية:
  • القومية العراقية
  • الشعبوية
  • المصلحون الإسلاميون
Keywords:
  • Ethnic Nationalism
  • Populism
  • Islamic Reformers

الكتاب

أوروبا الوسطى وروسيا والشرق الأوسط، 1923-1917 الكاتب: أفييل روشفالد ترجمة: عاطف معتمد وعزّت زيان مكان النشر: القاهرة تاريخ النشر 2012: الناشر: المركز القومي للترجمة عدد الصفحات 548:

مقدّمة

المدوّنة التاريخية لهذا العمل الموسوعي

المقارن هي تسع سنوات تمثّل المرحلة

الانتقالية التي تحوّلت فيها الإمبراطوريات القديمة

إلى دول قومية Nation-State()، وغريّت بفعل ذلك

نظرة ملايين البشر لأنفسهم، وأحدثت انفجارات رمزية اخترعت «أوطانًا» جديدة، وعصبيات حكمت آلياتها تطوّر بقاع جغرافية واسعة على مدار

القرن العشرين، وما زالت تعمل عملها حتى الآن.

بالعلوم الاجتماعية والإنسانية.

أخذ المؤلف أفييل روشفالد على عاتقه تقديم رؤية

مقارنة للنزعات القومية التي برزت في أواخر

عهد الإمبراطوريات (إمبراطورية الهابسبورغ،

وإمبراطورية رومانوف، والإمبراطورية العثمانية)

وإبان انهيارها، ولذلك جاءت نتائج عمله ذي الطبيعة

الموسوعية نافية للاستثناءات الثقافوية التي تغصّ بها

كتابات بعض المستشرقين، ومتجاوزة لمنطق الفرادة

الذي ساهمت في تدشينه الحركات الفكرية القومية

المحدثة حينها. والواقع أنه من الممكن للمهتمّ بتاريخ

تشكّل الهوية الحديثة في العالم العربي -العثماني أن يثيره

العثور على شبيه لشخصية الإصلاحي الإسلامي رشيد رضا، ولكن بلغة وإثنية أخريين في مقاطعة من مقاطعات الإمبراطورية الروسية أو الهنغارية- المجرية، وهو ما يكشف ندرة الأبحاث الجادّة التي

تموضع رؤية العرب لأنفسهم في الصيرورة الثقافية والتاريخية التي حكمت عالم الإمبراطوريات وهو على شفا الانهيار. خيَالُ القارئ أن روشفالد، حينما همَّ بتقيصّ شأن

نشوء قوميات ما بعد الإمبراطوريات، قد ترك خلفه

ميراثًا ثقيالً من الأدبيات المنهجية المتعلقة بظاهرة

القومية، وركّز بدالً من ذلك على رصدِ لحظةِ الولادة من خلال المتابعة التاريخية للوقائع، فنجده في أحد مواضع الكتاب يقرّع مفردات ما بعد الحداثة حول

) Collective Discourse(مركزية الخطاب الجماعي

في تشكيل الهويات الشعبية (ص. 202)، ونجده في موضع آخر ينتقد العلاقة النظرية التبسيطية بين التحديث ونشوء الدولة الحديثة ببيروقراطيتها الموالية للاشيء غير الدولة وبين نشوء الظاهرة القومية، كما يذهب إلى ذلك أرنست غلنر (ص. 391-393)، وينحاز عوضًا عن ذلك إلى مسألة البحث عن المعنى

في الجغرافيا والتاريخ وفقًا للتقليد الفيبري. لكن الميل إلى تجاهل التمييزات المنهجية لدى المؤلف والاستغراق في البحث عن منشأ السرديات التاريخية يقابله إلزامه لنفسه بتمييز مبسّط بين «قومية مدنية»

تعني الانتماء لهوية قائمة على مجموعة من القيم السياسية والولاء المشترك لدولة محددة المعالم قائمة بالفعل أو يُنتظر قيامها (ص. 33)، وبين «قومية

إثنية» تشير إلى هوية جماعية تدور حول أسطورة أصل بيولوجي مشترك هو ذاته امتداد لمبدأ القرابة في المجتمع الكبير (ص. 34). والواقع أن الغرض الأساس للكتاب هو التساؤل عن ظروف فشل اكتمال المشاريع «القومية اللبرالية» بالرغم من بروز تصوّرات ورؤى ناضجة لها في الفترة المدروسة،

والانحدار الشامل نحو قومية فاشية قائمة أساسًا على

التطهير العرقي والتضحية بالأقليات. وسيكتشف القارئ أن الصيرورة التاريخية نفسها التي نجح روشفالد في الإحاطة بها قد كشفت التناقض الكامن في تصنيف الظاهرة القومية إلى فاشية وليبرالية، وهو

ما سيقوم هذا النص بمناقشته لاحقًا.

في البدء كانت «الشعوبية»

يركّز روشفالد في الفصول الثلاثة الأولى على الصورة التي تمثّلها رعايا الإمبراطوريات عن أنفسهم عشية

الحرب العالمية الأولى. في ذلك الوقت، لم تكن المسألة القومية جديدة كليًا على العالم؛ إذ سبق أن منحت الثورة

الفرنسية قوةً متزايدة لفكرة أن الشعوب لا الدول هي التي تمثِّل المستودع الحقيقي للحقوق السياسية (ص. 0)5 ولم تكن شعوب الإمبراطوريات، وعلى الأخص تلك القريبة من المركز الأوروبي، بمعزل عن آثار التحوّل العميق في مفاهيم الأمّة والولاء والهوية

الاجتماعية والسياسية، وهو التحوّل الذي ألقى

بظلاله على شرعيتها؛ فبعد أن كانت الأمّة في عهد

الإمبراطوريات القديمة تعني الطبقة المالكة للأرض والمؤمنة ب«حقوق الدولة التاريخية»، قادت الصيرورة المجتمعية النخب الإمبراطورية – جمُبرة -ً على إشراك

ممثلين للإثنيات في الحكم اللامركزي. هكذا يتوصّل

روشفالد إلى أن سياسة السيطرة الإثنية التي انتهجتها أسرة الهابسبورغ «تضمنّت عنصرًا شعبيًا/ديمقراطيًا

قويًا» (ص. 9)4 وفي روسيا أخذت التضامنية، التي

حاول النظام القيصري بثّها عبر الولاء لشخص

الإمبراطور وجيشه، تتضاءل لمصلحة «الشعور القومي الروسي». وفي الفترة الأخيرة من عمرها، انتقل المثقفون من حرّاس ل«تقاليد الدولة التاريخية»

إلى صفِّ القوميات الإثنية التي تضم فلاحين فقراء ليس لديهم إحساس جماعي قوي وارتباط بالتاريخ السياسي، وبدأوا باجتراح «تومهّات عاطفية عن تواريخ قومية مجيدة من صنع خيالاتهم» (ص. 64)

مع ذلك، فإنه من الصعب استنتاج أن المسألة القومية

اتخذت شكل مشروع هوية قومية ذات طموح

سياسي حتى النصف الأول من الحرب العالمية

الأولى. وفي الواقع، سنجد أن مفهوم «تحقيق المصير

القومي» سوف تطرأ عليه تغريّات كلية في غضون

سنوات قليلة؛ ففي هذه الفترة، لم يكن من المفكّر

فيه وسط النخب السياسية والفكرية، التي أصبحت

بعد الحرب قيادات حركات قومية انفصالية،

قيادة مشاريع أمم تحت سقف دولة قومية، بل كان

التصوّر السائد يجمع بين رغبة النخب الإثنية في

مشاركة معقولة في الحكم والحصول على الامتيازات

الاقتصادية والاجتماعية من دون القطع مع رموز

الإمبراطوريات. ويمكن القول إن نظام «الملة»

العثماني عربّ عن تطلّعات شعوب الإمبراطوريات

بصفة عامة، وكان جذّابًا لأغلب الاتجاهات الفكرية

والسياسية في الإمبراطوريات الثلاث. ويلاحظ

المؤلّف مثالً أن نظام الملّة كان نموذجًا سلسًا ل«مفهوم

الماركسيين النمساويين في الاستقلال الذاتي الداخلي

الخارج عن نطاق التشريع الوطني»، إذ طالب هؤلاء

بأن يكون لدى كلِّ مجموعة إثنية ممثّل لها بمرتبة

سفير (ص -53.)55 وحتى في البلاد التي شغلتها

المسألة القومية سنوات طويلة قبل الحرب -مثل

بولندا- كان الجناح القومي من الحزب الاشتراكي

البولندي هو من بنى مفهومًا شامالً للهوية القومية

بناء على التعريف السياسي/الإقليمي للمواطنة،

وبغضّ النظر عن الحدود بين إثنيات الإقليم، بينما قام

الاتجاه الديمقراطي من الحزب (الحركة الديمقراطية

القومية) – وهو الاتجاه الأضعف آنذاك - ببناء مفهوم

غير متسامح تمامًا من القومية، وعرَّف «رفاهية الأمّة»

بأهنّا القيمة الأخلاقية والسياسية العليا، مع تعريف

الأمّة من خلال مصطلحات بيولوجية زائفة (ص

)92. ومن المفارقات التي يوردها روشفالد أن

حركة المثقفين والضبّاط الأتراك التي انبثقت منها

لاحقًا «تركيا الفتاة»، كان أحد محرّكاتها المركزية

اعتبارهم أن نظام الملّة يشكّل امتيازًا للإثنيات

الأخرى، وأهنّم في المقابل لا يمثّلون ملّة (ص. 128) هكذا، وبحسب روشفالد، فإن «الشعوبية» هي النظرة الأنضج التي كانت الإثنيات ونخبها الفكرية والاجتماعية ترى فيها إطارًا وجامعًا هوياتيًا. وقد

كانت هذه النظرة مفهومة في ظلِّ انعدام التجانس الثقافي والإثني (نسبة الروس في إمبراطورية رومانوف كانت 34 في المئة بينما لم تتعد نسبة الألمان في إمبراطورية الهابسبورغ 34 في المئة (ص. 57))، الأمر الذي دفع الإمبراطوريات إلى العزوف عن استخدام سياسات الهوية في سبيل تعبئة الناس، بل بالعكس من ذلك جرى ابتداع صيغ هوياتية أكثر غموضًا وتركيبًا تستند إلى رموز كالإمبراطور وجيشه

في روسيا والنمسا، وكالسلطان في الدولة العثمانية،

وكان الولاء لهذه الرموز يشكّل رابطًا متخيالً وفعّاالً

يُدين له الناس بالولاء. وبالرغم من وجود محاولات

للتشديد على عنصر من عناصر الهوية، فإن القيادات الإمبراطورية سرعان ما كانت تكتشف أنها تثير مشكلات تهدد بالتمرد الإثني؛ فعلى عكس الدول القومية الحديثة في غرب أوروبا، كانت العلاقة في أقاليم الإمبراطوريات بين الدِّين والإثنية مائعة جدًا،

إذ في أواخر أيام الدولة العثمانية – مثالً- كانت إثارة الوعي القومي الإثني تهدد بالفصل بين المجتمعات الدينية (خاصة ما يتعلق بالإسلام السنّي والأقليات)

وبأن تتعرض الهوية الدينية ذاتها لأن تصبح هوية إثنية (8 ص 7، هامش.)60 في نموذج تشيكيا، نرى أنَّ النزعة العضوية-الإثنية لم تكن واضحة في خطاب جميع التيارات الفكرية والسياسية (يمينًا ويسارًا). وكانت خطابات

الأحزاب منحازة أكثر إلى الخطاب الدولتي، وكان التمايز في أقصى حالاته لدى النزعات القومية في تشيكيا في زمن الحرب العالمية الأولى بين «قومية تسعى إلى الانفتاح على القيم الإنسانية الكونية» في مقابل قومية مرتبطة أكثر بفكرة الدولة وقدسيتها و«حق الدولة التاريخي». وحتى عندما تطوّرت الهوية

القومية بفعل سياسات «الم جيْرة» (منَِالمجَر) التي

رافقت الحرب العالمية الأولى، فإنّ أيًا من التيارين لم

يذهب إلى تبنّي قومية ذات أصول إثنية، بل بالعكس،

فقد «كان يبدو أن تطوّر الوعي القومي الكرواتي

وتمتين الروابط الصربية-الكرواتية يسيران جنبًا إلى

جنب» (ص. 106-110) لقد كانت الشعوبية هي الأساس الأهمّ لتشكيل مبدأ

تحقيق المصير القومي، ولم تكن للأطروحات الإثنية

حتى ذلك الوقت هذا الأثر التعصبي. ويمكننا أن

نلاحظ أن الصورة التي اعتمدتها الحركات الفكرية

العربية في أول ظهورها للمجتمع، كانت صورة مجتمع

ثقافي وتاريخي يشمل التوافق مع الأقليات الداخلية،

ويحافظ على الارتباط السياسي العضوي مع الأتراك

تحت عنوان «العثمانية» (ص. 137)، وهو ذاته ما كان

يدعو إليه المصلحون الإسلاميون مثل رشيد رضا،

الذي يقابله توماس مساريك في تشيكوسلوفاكيا

الذي أصرّ – هو وجملة من المثقفين - على أن التشيك

والسلوفاك كانا جزءًا من الشعب اليوغسلافي، فقد

كان الميل في هذه الحقبة إلى «تعريف الهوية القومية

من خلال مصطلحات فضفاضة تتخطّى الحدود

القائمة، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو حتى لغوية»

(ص. 138-139). وفيما يبدو أن المزاج الفكري في

المنطقة كان يتطوّر باتجاه هذه الصورة المركّبة للهوية،

إلى أن أطاحته الرصاصات التي أُطلقت في سراييفو

في حزيران/ يونيو 1914 وأشعلت الحرب العالمية

لمصلحة هوية قومية أكثر تبسيطية وأكثر إقصائية.

الهويات المباغِتة في زمن الحرب

إن أهوال «الحرب العظمى» وما شابها من تحشيد سيقَ

فيها البشر بطريقة غير مسبوقة إلى التجنيد الإجباري،

وصدمات المعارك وعصبية القتال، وانتشار المجاعة

ومصادرة الممتلكات، وسحب النساء إلى العمل

العسكري واغتصابهن في أثناء الانتصار أو الهزيمة،

وتدفّق اللاجئين دخوالً وخروجًا، كل ذلك أدّى إلى

جعل ملايين البشر من أقلِّ الطبقات تعليامً وأبعد

الأقاليم، «يدركون أن حياتهم اليومية كانت مرتبطة

بالسياسة بطريق لم يتخيلوها من قبل» (ص. 155) لقد قادت الحرب الناس إلى طرقِ تفكيرٍ جمعية

جديدة وغير مألوفة لإيجاد تحوّل في النظام الاجتماعي

أو السياسي الذي يعطي معنى للتضحيات الهائلة

لصراعات الحروب (ص. 119). وفي وسع أحدهم

أن يطلق عنان مخيلته لآلاف مؤلفة من الجنود من

أسرى الحرب يتعرضون لأيديولوجيات جديدة

(مثل الشيوعية في روسيا)، أو يبصرون الرموز

العظيمة مثل الجيوش والمعاقل الإمبراطورية تسقط

أمام أعينهم، لتنهمر عليه أسئلة المعنى والوجود في

وقت لم يكن هنالك أي تصوّر واضح لشكل الهوية. في الواقع، اختزلت الحرب العالمية الأولى المراحل

التي كانت تمرّ بها الحركات القومية، وباغت سؤال

الهوية جماهير لم تكن معنية بإعادة تعريف نظرتها

إلى نفسها، وهو الأمر الذي أدّى إلى إفراز أجندات

اجتماعية وأيديولوجيات سياسية وتعريفات للهوية

متباينة وفي كثير من الأحوال متناقضة. والحال، أنه

كان هنالك اختلافات كثيرة في تصوّر ما الذي يكوّن

«الأمّة»، ومن الذي ينتمي إليها، وأين يجب أن تقع

حدودها الجغرافية والديموغرافية (ص. 220). ومن

الصعب الاستنتاج أن الهوية القومية المرتكزة على

الإثنية كانت حتمية. واجهت الإمبراطوريات في النصف الأول من

الحرب العالمية الأولى اختبار شحن رعاياها من

مختلف شرائحهم الاجتماعية، وتبنيّ سريعًا أن الصيغ

الهوياتية المركّبة لم تنضج بعدُ لتصبح نافعة في التحشيد

الحربي؛ فالنظام الإمبراطوري كان معزوالً عن أي

مفهوم للهوية القومية، وبالتالي كان غير قادرٍ على

إطلاق شرارة الحماسة الجماعية التي تساعد السكان

على تحمّل الحرمان والمتطلبات القاسية للحرب

الشاملة (ص. 158)

هكذا فشلت «تركيا الفتاة»، التي كانت أصولها

أبعد من أن تكون من طروحات التجانس الإثني،

في اعتماد «العثمانية»، إذ اتضح سريعًا أن «العثمانية»

مصطلح متخم بالمعاني والدلالات، ولا يوفر

إطارًا مبسّطًا لإثارة الأمجاد (ص 127)، كما أن

فكرة «الجامعة الإسلامية» التي عادت واستعادتها

كشعار في الحرب فشلت أيضًا، فالإسلام السنّي

– كدين رسمي للإمبراطورية - لم يرتبط بنيويا بأي

هوية إقليمية أو إثنية معيّنة (ص. 0)7 وقد كان

الوضع على تخوم الإمبراطورية النمساوية-المجرية

والإمبراطورية الروسية أكثر تعقيدًا لأن حدود

الإمبراطوريات لم تكن متطابقة مع التقسيمات

الثقافية والإثنية للشعوب، فوجد آلاف الرجال

أنفسهم يقاتلون أقرباءهم في المناطق المجاورة.

وفي ظلِّ «انعدام المعنى»، حصلت موجات هائلة

من الاستسلام الجماعي والفرار إلى صفوف العدوّ

(ص. 160-163). ومع أن حالات التمرّد وعدم

الانصياع اتخذت في أحيان عديدة طابعًا إثنيًا، فإن من

التسرّع القول إن الدافع الأساس لهذه الظواهر كان

كذلك، فحتى الوحدات العسكرية الروسية المحترفة

– التي شكّلت القلب النابض للقومية الروسية

الصاعدة- لم تكن هي الأخرى أكثر تحمسًّا للقتال،

وفي بعض الحالات كان للإحساس بالزمالة الحميمة

داخل الوحدة العسكرية دور أكثر أهمية من «الوطنية

في الحفاظ على المعنويات والنظام في ظلِّ الضغوط

الشديدة للحرب. فمنذ مواجهة زيادة احتمال الموت

المرعب تصبح ‹روح الجماعة› والاتصال المباشر بين

المحاربين بعدًا أكثر أهمية في تجربتهم من أي ارتباط

آخر مع أي ‹مجتمع متخيل›» (ص. 164) لقد كانت أغلب الهويات الجديدة (أكانت إثنية أم

اجتماعية) عبارة عن أشكال مائعة ومؤقتة (ومتناقضة

أحيانًا) لتعريف الذات، وكانت في إعادة تشكيل

مستمر بسبب التطورات الثقافية والاجتماعية الجارية

(ص. 201). ومن المفارقة أن الجماهير التشيكية

واجهت خيارَي مواجهة الطبقات الثرية بغضِّ النظر

عن عرقياتها، أو مواجهة حكّامها من غير التشيك،

وقد دفع التناقض بين «القومية التشيكية» والراديكالية

السياسية الاجتماعية الثورية المتأثرة أصالً بالبلشفية

(حيث عمّت إضرابات عامّلية على مستوى المدن

النمساوية-المجرية وصلت إلى حدّ تشكيل مجالس

شعبية (سوفيتات؛ على النموذج الروسي))، وهو

الأمر الذي دفع النخب التشيكية إلى الهروب إلى الهوية

التشيكوسلوفاكية الجامعة (ص. 174). وقد حصل

الأمر نفسه مع الطبقة الوسطى الكرواتية التي قبلت

الاندماج مع الصرب خوفًا من «الكوادر الخضراء»،

وهم جيش مشكّل من عصابات الفلاحين الكروات

أساسًا، لتجد البرجوازية الكرواتية أن الاستنجاد

بالجيش الصربي سيكون أفضل من الثورة الاجتماعية

التي تهدد ب«بلشفية قروية». هكذا يتضحّ أن شروط

تأسيس دولة يوغسلافيا الموحَّدة تحددت بسبب

التفكك الكرواتي الداخلي وانتهازية النظام الصربي

(ذي التعصّب الإثني التاريخي) وليس بسبب القوة

الشاملة لتضامن الصرب والكروات والسلوفينيين

(ص. 182) إذا أردنا أن نلخّص ما يقوله الكتاب في فترة الحرب

العظمى، يمكن القول إن انهيار الرموز المعنوية

والمادية للإمبراطوريات حثّ الجنود والناس إلى

البحث عن أقرب الروابط التي يمكن أن تشكّل لهم

ملجأً، ودفعتهم مرغمين إلى المشاركة في السياسة.

وبالرغم من أن جميع الثنائيات التي تصوّرتها

الجماهير: ثنائيات الفقراء والأغنياء، وماُلّك الأراضي

والفلاحين والرأسمالية والبروليتاريا، كانت فعّالة

ومولّدة للاضطرابات، فإن الثنائية الأهم في «عقول

الجماهير كانت تتحدد بالتفاوت في السلطة وليس في

الثروة المادية في حدّ ذاتها، أي إن الصعوبات المادية

المرتبطة بالحرب لم تولّد الصراع الطبقي تلقائيًا ولكنّها

أكدت التمييز الشعبي بين من يملكون السلطة ومن

لا يملكونها»؛ ففي تشيكيا كان المفهوم السائد يتمثّل

في أن الألمان (كمجموعة) يتمتعون بالسلطة في حين

أن التشيك (كمجتمع) محرومون منها، بالرغم من أن

البرجوازية التشيكية كانت الأكثر استفادةً ماديًا من

اقتصاد الحرب (ص.175) وما كان من الممكن لهذه الثنائية أن تصبح سائدة لولا ضغوط الحرب؛ فقد كانت المجاعة ونقص السلع الأساسية لا يُعتبران من جانب الجماهير نتيجة

طبيعية للحرب بصفة عامة، بل نتيجة خاصة لعدم المساواة بين الإثنيات، ففي الإمبراطورية النمساوية المجرية، اعتقد النصف المجري أن النصف الألماني من الإمبراطورية لا يرغب في أن يشاركه أحد بضائعه ومحاصيله الأساسية، وهو ما جعل شعوب السلاف تعتقد أن أسباب قهرها كان على خلفية إثنية (أو على

الأقلّ كان هذا التفسير هو الأقرب إلى الأذهان)، وهو ما قاد إلى أعمال عنف واسعة النطاق في المدن التشيكية استهدفت الألمان واليهود (حيث كان يهود البراغ أقرب إلى الألمان منهم إلى التشيك من ناحية اللغة والثقافة). هكذا، ومنذ البداية، أخذ تسييس المشاعر الاقتصادية التشيكية طابعًا قوميًا لا اجتماعيًا

ثوريًا (ص. 173)، فالملاحَظ آنذاك، في حالة تشيكيا

وغيرها، أن «الطبقة» قد «تعمل كإطار متخيل أكبر من القرية المباشرة بين المجموعات الإثنية التي لم يتولد لديها بعدُ إحساس قوي بالهوية القومية المتميزة،

وعادة ما كانت تفعل ذلك في «داخل حدود» مجموعة إثنية لا عبر الحدود الثقافية واللغوية» (ص. 203) من المثير أن يكشف روشفالد في كتابه عن التشابه البنيوي للحركات القومية التي وُلدت من رحم

الحرب العظمى، وقادت التمردّات الأساسية ضد

الأنظمة الإمبراطورية، فيبين أن الميليشيات العسكرية

التي شكّلت قوّات ضاربة للنزعات القومية كان

أغلبها من أسرى الحرب أو من الجنود الهاربين من المعارك الذين بحثوا لأنفسهم عن ملاذ هوياتي لتضحياتهم. ولا عجب أن يكون أغلب مقاتلي الكتيبة التشيكوسلوفاكية التي قامت بدور حيوي في تأسيس أسطورة تشيكوسلوفاكيا، والكتائب البولندية على اختلاف قياداتها، وقوّات «الثورة

العربية» بقيادة الشريف حسين والملك فيصل، هم

من الجنود المسرّحين أو الهاربين أو المنسحبين، أو

من أسرى حرب الجيوش إمبراطورية الهابسبورغ،

أو الإمبراطورية الروسية، أو العثمانية بالتتالي. لقد

قاد تفكك الجيوش الإمبراطورية التي كانت الرمز

الذي يربط رعايا الإمبراطورية بها إلى انفجارات

رمزية أخذت لنفسها طرقًا متشابهة إلى حدٍّ بعيد في

تعبيرها عن المعنى (ص 284 وما بعدها). كما أن

ظروف الحرب وفّرت فرصًا ل«مجموعة صغيرة

ذات دوافع قوية من الشخصيات القومية لتكوين

منظمات بالمنفى وفرق متطوعين لعبت على الصراع

بين القوى العظمى للدفاع عن قضاياها»، فبرزت

على سبيل المثال اللجنة اليوغسلافية، واللجنة القومية

البولندية، والمجلس القومي التشيكي-السلوفاكي،

هذا بالإضافة إلى الحركة الصهيونية، وكلّها عملت

على إثارة قضايا حق تقرير المصير القومي بشكلٍ غير

مألوف، وفي مثل هذا الوقت وُلدت فكرة «المنفى»

بوصفها تفكيرًا خارج الصندوق (الفصل الخامس). هكذا انتهت الحرب العالمية الأولى وكان أبرز

ضحاياها، بالإضافة إلى الملايين من البشر، فكرة

«الشعوبية» نفسها التي كان من الممكن أن تشكّل

أساسًا لمواطنية عابرة لحدود الإثنيات، ولكنَّ المؤلّف

-مع ذلك- يؤكّد أن القضاء على فكرة الشعوبية

المتجاهلة للإثنيات لم يكن يعني بتاتًا الاستسلام

لفكرة القومية الإثنية كمبدأ لحق تقرير المصير،

وسوف يكون لسنوات ما بعد الحرب والسياسات

الإمبريالية دور أساس في رسم الجغرافيا السياسية

القومية للمنطقة.

الأثنوغرافيا وإنتاج الجغرافيا السياسية لعالم ما بعد الإمبراطوريات

لم تكن سنوات الحرب العالمية الأولى ببطشها

وأهوالها غير المسبوقة كافية لرسم خريطة القوميات

الإثنية في المنطقة، بل احتاج الأمر إلى سياسات السيطرة الإمبريالية، والتناقض بين القوى الدولية

التي سمحت باختراع هويات من العدم أحيانًا، أو ساهمت، في أحسن الأحوال، في أن تقوم شخصيات وتيارات فكرية باغتنام الفرصة لتحقيق مصالح

شخصية مغلّفة بتومهّات/دعايات إثنية. والحال، أن السياسات الإمبريالية كانت سابقة على انتهاء الحرب وانتصار الحلفاء؛ فقد كانت ألمانيا من أوائل الدول التي انتهجت سياسات «التجريب الثقافي» المعتمدة أساسًا على العمل على توعية

الإثنيات بتواريخها الثقافية والعرقية المتومهّة؛ إذ

أجرى العلماء الألمان أبحاثًا إثنوغرافية للبحث عن

الأصول وإعادة اكتشاف التراث المحيلّ، مدفوعين باعتقاد يفيد بأن إتاحة الفرصة للإثنيات في منطقة الشرق الأعلى سوف يساهم في تقبّل هذه الإثنيات

للثقافة والقيم الألمانية. ولكن السياسات الألمانية -بحسب روشفالد- كانت عشوائية ولم تؤدِّ إلى

تحقيق الأهداف المرجوة منها، بل بالعكس من ذلك، أيقظت غضب وتمرّد العديد من الإثنيات الناشئة من

العدم (ص. 250) ورثت القيادة السوفياتية بعد الحرب هذه السياسة، ومارست -بتأثير كبير من لينين- غرس الخصوصية الثقافية الإثنية الرسمية في أرجاء الاتحاد السوفياتي عبر فرض الأسماء والإثنية على الشعوب بالرغم من تراثها الثقافي والتاريخي الشديد التنوع والتعقيد والتداخل والتشابك، بما يستعصي على التصنيف البسيط بحسب أي معيار موضوعي حقيقي. وكان

النظام التعليمي لكلِّ جمهورية سيدور حول مهمة الترويج للغة «قومية» معيارية متجانسة. والواقع أن هذه السياسة تعمّدت أن يكون رسم الحدود

السياسية واللغوية والمؤسسية بين المجموعات

الإثنية تحكميًا ومصماّمً لجعل رعايا هذه السياسات

معتمدين على الدولة السوفياتية في الحفاظ على هويتهم (ص. 349)

وبالاعتماد على الأبحاث الإثنوغرافية أيضًا، استلهم ويدرو ويلسون مبدأه الشهير «حقّ تقرير

المصير القومي»، والمفارقة أنه مخالف بشكل أساس للهوية الأميركية القريبة أكثر إلى حالة «الشعوبية»،

ثمّ أصبحت «الويدرو ويلسونية» حُلامً للقوميات

التي باغتها الاستقلال. ويرى المؤلّف أن التناقض الأساس في هذه المرحلة كمن في أن القوميات الوليدة التي كانت في طور التكوّن ورثت سياسات العالم

الإمبراطوري وأدواته في الحرب العالمية الأولى، واستخدمتها في محاولة تحقيق تصوّراتها وتخيلاتها

التي لم تنضج بعدُ. وأدت بمساعدة السياسات

الإمبريالية إلى إنتاج جغرافيا سياسية جديدة أغلقت باب التطوّر لدى الهويات، واستبعدت الأشكال

التفاوضية والحوارية لتشكيل قوميات مدنية غير

قائمة على الإثنية؛ فالشكل الذي أُرسي فيه مبدأ «حق تقرير المصير القومي» أدى إلى عدم وجود أي هامش للهويات الغامضة أو المتعددة الأبعاد (ص -371

من ناحية أخرى، عنى انقسام الإمبراطوريات «تشظي الوحدات الاقتصادية الكبيرة إلى وحدات أصغر، وبالتالي فإن التصميم على بناء اقتصاد قومي يعتمد على ذاته في كل الدول الجديدة أو الموسعة أدّى إلى زيادة الحواجز الجمركية، مما أدى إلى عرقلة

تدفق السلع والخدمات، وفصل المنتجين عن أسواقهم، وهو الأمر الذي أدّى إلى تعزيز موقف

القوميين اليمينيين المتلهفين للتضحية بالأقليات أو الدول المجاورة من أجل مصالح شعوبهم» (ص. 334-335). وقد أدّى هذا في ما أدى إلى حملات

إبادة جماعية وحملات غير مسبوقة من التطهير العرقي أصابت عددًا من الإثنيات، كان أشهرها

مذبحة الأرمن. بهذه الطريقة عمَّ التصوّر القومي الحديث شعوب

الأنظمة الإمبراطورية، وقد أدى إلى نتائج مخيبة للآمال حين دخل هذا الجزء من العالم في محُّى

البحث عن الهوية ردًا على الهويات الأخرى الناشئة

حديثًا؛ ففي روسيا سرعان ما أعاد الإصلاحيون

المسلمون الاعتبار للهوية الإسلامية -في التركية مواجهة التتر، والخصوصيات الإثنية وسط آسيا وعبر القوقاز التي فشلت بسبب عدم وجود «بنية تحتية ثقافية» وبسبب القمع السوفياتي (ص 348، و 220 وما بعدها). أمّا بالنسبة إلى الدول القومية الوليدة التي حصلت

على استقلالها المفاجئ كنتيجة للحرب، فقد ورثتها النخب القديمة التي كانت تدير الإمبراطورية بحكم الخبرة والنفوذ، وهو ما جعل الأقليات الإثنية المهمّشة، مثل السلوفاك، يشعرون بأنهم قد

خُدعوا. وبالرغم من أن الحقوق الفردية لمواطني

تشيكوسلوفاكيا من الإثنيات كلها كانت محترمة،

فقد كان الشعور يوحي بأن هنالك ظلامً مرتبطًا بتوزيع السلطة. وقد تبنيّ أن إعطاء الحقوق المتساوية

للمواطنين لا يكفي ما لم حتُلّ مسألة الهوية، فبقيت أنظمة التعليم الجامعي مرتبطة باللغة التشيكية لا بسبب سياسات الهوية بل لأهنّا كانت كذلك من قبل

(ص. 398) بالنسبة إلى العرب، أدى اختفاء الإطار العثماني الشامل برئاسة السلطان/الخليفة إلى أن فكرة «الأمّة»

ما عادت تقابل أي هيكل سياسي قائم. وهكذا تُركت

النخب الاجتماعية والمثقفين العرب يبحثون عن أُطر مرجعية بديلة، وبسبب صمود النخب القديمة واقتصار خبرة الحركات القومية على «مهاجمة قوّة

الدولة بدالً من ممارستها»، ظهر ميل إلى العودة إلى الشخصيات وأساليب النظم القديمة في أثناء محاولتها إحكام سلطتها على الدول القومية الجديدة الهشّة. لذلك ظهرت فجوة بين الشكل الأيديولوجي

والمضمون الثقافي في كل شيء، من الشكل الرسمي لوجهاء الحضر إلى تكتلاتهم السياسية، «حيث جمعوا

بين الطربوش والمعطف في مركّبٍ مربكٍ من الزي

الشرق أوسطي والغربي». ولأنَّ النخب استنسخت رموز الإمبراطوريات وأساليبها (عبر تأكيد رمزية

الجيش)، فقد أنتج هذا لاحقًا أحزابًا جديدة تجمع «ما

بين الاعتناق العلني للسلطوية والتصوّر الجمهوري

لرابطة الوحدة العربية». وحتى في البلاد التي يطغى عليها التجانس الإثني مثل بولندا، سرعان ما انتقلت جماهيرها إلى حالة من الاغتراب الجماعي في مقابل الاستبداد، لأهنّا همشت بناء الدولة وإرساء نظام

يجمع عليه الأغلبية (ص. 412-416)

خاتمة

تندرج قيمة هذا العمل في نجاحه في رصد الف رتة الزمنية القصيرة من التغّيرّ المتفجّر، وهي

الف رتة التي ساهم فيها الإرث التاريخي لتقاليد الإمبراطوريات وسياساتها وسياسات الحروب الإمبريالية في بلورة الأن امط الأيديولوجية والثقافية والمؤسسية التي حكمت أجندات سياسات القومية في عالم الإمبراطوريات لبقية القرن العشرين وما بعده. وبالرغم من القيمة النقدية الكبيرة والجهد المهم

لدى المؤلّف في عمله بشأن القوميات في فترة الحرب العالمية الأولى، فإن ما يؤخذ على الكتاب استغناؤه – تقريبًا - عن النظرية في معالجة مسألة الهوية. ومن

المفارقة أن يكون هذا العمل أكبر من الفرضية التي بدأ روشفالد بها الكتاب ثم ختمه بها، بالتساؤل عن فشل «القومية الليبرالية»، من دون التساؤل النقدي

عامّ إذا كانت هذه التوليفّة معروفة مسبقًا أو موجودة حتى عند الأمم الأخرى. وبناءً على هذه المقدّمة اللا -يتوصل تاريخية،

روشفالد، مستفيدًا من يائيل تامير وإشعيا برلين،

إلى أن (1) «القومية لا تتوافق تمامًا مع منطق الدولة

الحديثة ولكنّ الدولة لا تستطيع العمل بدونها تمامًا»،

وأن (2) الشكل الديمقراطي الليبرالي للدولة الحديثة لا يكفي لاستمرار التماسك السياسي والالتزام بالقيم المشتركة في المجتمع الليبرالي، ولا بد من وجود قدر من الإحساس المشترك بالهوية، وأن (3) الحرية والمساواة، أو الحرية الفردية والسيادة الجماعية، في حالة توتر دائم بعضها مع بعض، ويعني توافر المزيد من إحداها حتمية توافر القليل من الأخرى، ولا يستطيع أي شخص أن يثبت أين يقع التوازن التام بصورة قاطعة؛ فالقومية الليبرالية هي تناقض في المصطلحات ولكن هذا لا يبطلها، وإن الجمع بين القومية والليبرالية داخل حدود كيان واحد يتطلب استعدادًا للاعتراف بوجود توتر ما بين المبدأين (ص

ما من شكّ في أن استنتاجات روشفالد صحيحة، لأن لمفهوم الليبرالية صيرورته الخاصة، تمامًا مثله

مثل مفاهيم القومية والديمقراطية (والمؤلّف لا يفرّق أيضًا بين مفهوم الليبرالية ومفهوم

الديمقراطية، وفي أكثر من موضع يقوم كل مفهوم بعمل الآخر، وهذه مغالطة منهجية سببها عدم العناية بالمفاهيم)، والمزاوجة بين هذه المفاهيم لم يكن أصليًا بل جرى تركيبه عبر تراكم تاريخي طويل في

أميركا وأوروبا الغربية، ومن الخطأ المنهجي الإيغال في التاريخ لاستئصال تركيب حديث مثل «القومية الليبرالية»، لأن المتوغّل نفسه سوف يكتشف – كما اكتشف المؤلّف- أن إثنيات الإمبراطوريات في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم تكن

تفكّر بنموذج معياري للشكل الذي تريد أن تحكم

به نفسها، كما أنها تفاجأت أصالً من مباغتة «حقِّ تقرير المصير» لها، وتصرفت وفق مبدأ الحفاظ على قدر معقول من الامتيازات السابقة، أو اكتساب امتيازات جديدة، وفق الظروف والممكنات التي فتحتها الفرصة السانحة وتناقضات الدول الإمبريالية.

الهوامش

1 والحال أن الكاتب لا يخفي استلهامه لتمييز أشعيا برلين حول

Isaiah Berlin, «Two concepts of Liberty,»:القوميات. انظر in: Isaiah Berlin, Liberty: Incorporating Four Essays on Liberty, Edited by Henry Hardy; with an Essay on Berlin and his Critics by Ian Harris (Oxford: Oxford University Press, 2002), pp. 166-217.

2 توضّح الحالة البولندية الانفصال بين الديمقراطية والليبرالية

والتناقض الكامن بينهما في الفترات المبكّرة من صيرورة «تحقيق

المصير القومي». ويبنيّ روشفالد أن الديمقراطية نمت عند الجناح

الديمقراطي كمزيج من الشعبوية والنخبوية؛ النخبوية بوصفها

قادة الفكر والشعوبية بمعناها التخلص من روح الارستقراطية

المنزِّهة للحرية الفردية والأنانية، وكان ذلك يعني الحصول

على مجتمع متجانس، وطرد الأقليات (وخصوصًا اليهود) من

المواقع الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة، بمعنى أنه في بولندا لم

ترتبط الحركة الديمقراطية بالوطن بل ارتبطت بنزعات فاشية،

على العكس تمامًا من الاتجاه القومي الذي اجترح مبكّرًا في بولندا

تصوّرًا يفكّر في المواطنة على أنها انتماء للإقليم (ص. 99-100)،

وهو التصوّر الأقرب إلى مفهوم المواطَنة الحديث.

للاطّلاع على الفصل بين الديمقراطية والليبرالية في الجذور

الأولى لنشوء التيارين، راجع الحوار الذي دار بين مؤسس الفكر

الليبرالي جون ستوارت مِل واللورد أكتون، وهو الحوار الذي

ناقشه عزمي بشارة، انظر: عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة

لبيان ديمقراطي عربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 2010)، ص.181-179 فقد كان الأول منصبًا للدفاع عن الحقوق الفردية، ولكنّه لم

يكن يرى أن الديمقراطية فاعلة في البيئات غير المنسجمة ثقافيًا

أو طائفيًا أو دينيًا، وغير صالحة في المجتمعات المتعددة الهويات،

في حين كان الثاني يرى أن تعددية الجماعات وتوازنها يدعمان

الديمقراطية. لذلك يتوصل بشارة إلى أن ليبراليي القرن الثامن

عشر هم، بمنظار اليوم، قوميو تلك المرحلة، لذلك تعفف العالم

الأنغلو-سكسوني لاحقًا عن الخوض في النظرية القومية، لأن

المسألة القومية، بما هي مسألة ثقافية، كانت أمرًا مفروغًا عبره منذ

قرون. 3 يترجم المترجمان Populism بال«الشعوبية» وليس «الشعبوية»

كما هو متعارف عليه في الكتابات المعاصرة. وبالرغم من

الاعتباطية في استخدام الترجمة، لأن المترجمين في فهرس

المصطلحات يحددان المعنى بالمعنى المعاصر اليوم وهو مغازلة

«العامّة» في سبيل التحشيد السياسي، من الممكن أن تكون

الشعوبية أنسب من ناحية الترجمة، فالكتاب يستخدم لفظ

“ Populism ” للدلالة على الرغبة في تشكيل جامع هوياتي عابر

للإثنيات يكون أساسًا لتحقيق المصير السياسي. وفي أواخر عصر

الإمبراطوريات قبل الحرب العالمية الأولى، لم يكن قد تطوّر بعدُ

الخطاب القائم على تعبئة النّاس عبر الديماغوجيا وهو ما نطلق

عليه اليوم الشعبوية، بل كان مجمل الخطابات الناشئة خطابات

نخبوية لسبب بسيط هو أن الطبقات الدنيا لم تكن قد انخرطت

بعدُ في الحقل السياسي في المنطقة المدروسة تحديدًا. والكتاب

يورد عددًا من الأمثلة التي حاولت من خلالها حركات مغازلة

الفالّحين وقوبلت بعدم الاكتراث. وليس من الصعب استنتاج

أن عناصر الخطاب الشعوبي الذي استلهمته الحركات الفكرية

الناشئة آنذاك مستوحى من خطاب الإمبراطوريات نفسه

(مثالً: في الإمبراطورية العثمانية كانت فكرة صدور الدستور

العثماني الذي استمرّ سنة واحدة فقط ملهمة لأغلب الحركات

القومية، انظر ص 07)، والعنصر الشعبوي فيه قائم على مقارعة

ثقافة الأرستقراطية بثقافات الشعب الذي اعتبرتها النخبة

الأرستقراطية متخلّفة. بشأن عناصر الشعبوية يمكن مراجعة:

Ghita Ionescu and Ernest Gellner, eds., Populism; its Meaning and National Characteristics ([New York]: Mac- millan, [1969]).

4 إقرأ: حالة الثورة السورية وتطوّرها بعد سنة واحدة من

اندلاعها إلى حالة من الاحتراب الطائفي، والتصوّر الشعبي

الواسع النطاق الذي ينظر إلى العلويين كمجموعة تحكم في مقابل أكثرية (مجتمع سُنّي) محكومة.