Return to Article Details The Fate of the Translation of Sciences in Arab Culture since Muhammad Ali: An Attempt at the Study of the Politics of Trans

ترجمة العلوم ومصائرها في الثقافة العربية محاولة في سياسات الترجمة

The Fate of the Translation of Sciences in Arab Culture since Muhammad Ali: An Attempt at the Study of the Politics of Trans

ثائر ديب

Thaer Deeb

الملخّص

تستكشف هذه الدراسة حيثيات الإنتاج الفكري في عصر محمد علي من حيث اتجاهاته العددية والنوعية بغية تبيّن موقع الترجمة العلمية فيه؛ كما تفصّل في بنية وتطور ما تدعوه منظومة الترجمة آنئذ، لتتوقف عند مصائر مشروع ترجمة العلوم بعد محمد علي، تلك المصائر التي نجمت عما اتسم به من خصائص لها علاقة بالبنى الثقافية والسياسية والاجتماعية-الاقتصادية وليس بالترجمة بمعناها التقني.

Abstract

This study revisits the well-documented history of the translation of sciences into the Arabic language, starting with Muhammad Ali in Egypt, in an attempt to present a new reading and interpretation of the “politics of translation”. Referring to the influences and intentions that encase the process of translation, the politics of translation is what makes the context in which the translation takes place pivotal. Inherent to this is the specific context in which a text emerges and to which the translation comes as a response, as well as the form and type of response, which is affected, in turn, by the translator’s ideology and his or her epistemological and social formation. The degree of congruence between what is intended by the translator and what actually materializes, both in terms of the intended audience of the translation and its relation to the original text, is also of significance. In his pursuit to investigate the fate of the translation of sciences in Arab culture, Deeb explores the conditions of intellectual production during Muhammad Ali’s time in terms of the amount and type of translations produced under his rule. He also investigates, in detail, the structure and evolution of the “translation system” of that era, focusing on what became of the translation of sciences after Ali, fates that were determined by the cultural, political, and socio-economic features of translation, not by translation in the technical sense.

الكلمات المفتاحية:
  • منظومة الترجمة
  • الثقافة العربية
  • العلوم
  • سياسات الترجمة
Keywords:
  • Translation System
  • Arabic Language
  • Sciences
  • Translation Policies

تعيد هذه الدراسة النظر في وقائع معروفة، هي وقائع ترجمة العلوم إلى اللغة العربية، انطلاق ا من عصر محمد علي في مصر، فتراها في ضوء ما يمكن تسميته «سياسات الترجمة» التي قد تنطوي على قراءة وتأويل جديدين ربما يكون لهما أثرهما في تعميق الآثار الإيجابية لتلك العملية وتخطّي آثارها السلبية. تشير «سياسات الترجمة» إلى ما يكتنف عملية الترجمة من مؤثّرات ومقاصد وما يتأتّى عنها من مفاعيل، الأمر الذي يجعل السياق الذي تتم فيه الترجمة حاضرًا أشدّ الحضور بأسئلته التي تأتي الترجمة استجابة لها، وشكل هذه الاستجابة أو نوعها إذ تتأثر بأيديولوجية المترجم وجماع تكوينه المعرفي والاجتماعي الذي يؤثّر في خياراته كما يؤثّر في أدائه ومقاصده، ومدى التطابق بين ما يتوخّاه لترجمته من آثار ومفاعيل وما يتحقق فعلا، أكان على صعيد الذات المترجَم لها أم على صعيد العلاقة بالآخر المترجَم منه، ما إن يتموضع النتاج في سياقاته المستقلة. هكذا، تستكشف هذه الدراسة حيثيات الإنتاج الفكري في عصر محمد علي من حيث اتجاهاته العددية والنوعية بغية تبينّ موقع الترجمة العلمية فيه؛ كما تفصّل في بنية وتطور ما تدعوه «منظومة الترجمة» آنئذ، لتتوقف عند مصائر مشروع ترجمة العلوم بعد محمد علي، تلك المصائر التي نجمت عامّ اتسم به من خصائص لها علاقة بالبنى الثقافية والسياسية والاجتماعية- الاقتصادية وليس بالترجمة بمعناها التقني.

مقدّمة

مثّلت الترجمة، ولا تزال تمثّل، سياقًا رئيسًا ووسيلة أساسية في تحصّل العرب على العلم منذ بداية أزمنتهم الحديثة وإلى الآن، من دون أن يتبدّى من وراء ذلك ما يدلّ على تباشير مساهمة حقّة في الإنتاج والإبداع العلميين العالميين. ولعلَّ هذا يكون سببًا كافيًا لتناول ترجمة العلوم إلى العربية بالدراسة المستفيضة المدقِّقة، بحثًا عن أسباب هذا الاستعصاء في الإبداع العلمي، بخلاف مراحل قديمة من تاريخ العرب كانت علومهم فيها هدفًا للنقل والترجمة تستنير بها بقية الشعوب. فمن لا ينتج العلم ليس أمامه سوى أن ينقله ويترجمه. ولو أننا قسنا الحركة العلمية في بلد ما بتعداد الأبحاث العلمية المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة، وقدّرنا وزن هذه الأبحاث بما يمثّله كجزء من الببلوغرافيا العلمية العالمية، فإننا لا نجد ذكرًا مميّزًا للعالم العربي إالّ ضمن تلك النسبة المئوية الضئيلة التي تشير إلى «بقية العالم» في مقابل النسب المئوية اللافتة الخاصة بالبلدان المنتجة للعلم. ولا نقصد من هذا، بالطبع، أن نقلّل من شأن الترجمة التي تظلّ موجودة في جميع الأحوال، بل تشتدّ باشتداد التقدّم العلمي، وإنما نقصد مواجهة السؤال المتعلّق بوزن الترجمة قياسًا بالإنتاج والإبداع في مجتمع من المجتمعات، بما يشير إلى أفق تطور هذه الترجمة، أي ما إذا كانت تمثّل منطلقًا وحافزًا يشجّع على المساهمة في إنتاج العلم بدالً من الاقتصار على نقله أم أهنّا مجرد مواصلة للنقل من دون أن يبدو في الأفق ما يشير إلى نقلةٍ باتجاه آخر. من اليسير أن نلمح في التاريخ ذلك الاقتران الذي لا يكاد يرقى إليه الشكّ بين محاولة النهضة وازدهار الترجمة، وفي مقدمتها ترجمة العلوم، بخلاف مراحل النكوص، حيث تخبو الترجمة وترتبك وتضطرب بارتباك العلاقة بالآخر واضطرابها. ولقد تكرّر هذا الاقتران المشار إليه مرتين على الأقل في التاريخ العربي. أولاهما هي حركة الترجمة التي شهدها العصر العباسي، وكانت حافزًا ل «تشكّل العلم العربي» بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، كما يشير عنوان أحد الفصول الأساسية في كتاب صادر حديثًا عن ترجمة العلوم في التاريخ القديم والوسيط، حيث خلقت هذه الترجمة تقاليد علمية وفكرية كان لها أبعد الأثر في الحضارة الإسلامية، ومن ثمّ في الحضارة الإنسانية كما هو معروف. أمّا الثانية، فهي حركة الترجمة، العلمية أساسًا، التي شهدها عصر محمد علي في مصر 849-1805(1)، وبدت ممهِّدة لمساهمة ونهضة جديدتين، إالّ أنها انتهت إلى الإخفاق نظرًا إلى جملة من الأسباب والخصائص التي سنأتي إليها. لقد تبنّى محمد علي حركة ترجمة شاملة لا مثيل لها في تاريخ الفكر العربي إالّ حركة الترجمة الشهيرة أيام

المأمون. ولعلّ في مقدورنا أن نعدّ ترجمة العلوم التطبيقية والبحتة، التي اقترنت بمحاولة النهضة في عصر محمد علي وكانت في القلب من هذه المحاولة، أهمّ وأكمل تجربة من هذا النوع في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، لا لأن هذه التجربة لم تتكرر بأي مقياس من المقاييس فحسب، وإنما أيضًا لأن نجاحاتها العابرة وإخفاقاتها المقيمة رسمت ملامح صورة العلم في العالم العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكامل القرن العشرين، ولا تزال ترسمها إلى الآن. لذا، كان من الطبيعي أن تتمّ دراستها دراسة ممحّصة إذا ما كان لنا أن ننطلق من صورة الحاضر في تلمّس مستقبل مختلف ونحن نقف على مشارف قرن جديد وألفية جديدة. وعلى هذا الأساس، فإن ما يقف عليه هذا البحث هو: -1 حيثيات الإنتاج الفكري في عصر محمد علي من حيث اتجاهاته العددية والنوعية، بغية تبنيّ موقع الترجمة العلمية التي شكّلت أساسه؛ -2 بنية وتطور ما يمكن أن ندعوه «منظومة الترجمة» التي تكوّنت في عهد محمد علي وبلغت أرقى تطورها في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى أوائل أربعينياته؛ -3 مصائر هذا المشروع بعد محمد علي وصوالً إلى لحظتنا الراهنة من ترجمة العلوم، ومدى التطابق والافتراق بين اللحظتين؛ -4 تلمّس ما اتّصفت به ترجمة العلوم في عصر محمد علي من خصائص ميّزتها وكان لها الأثر البالغ في المصائر التي انتهت إليها. أمّا ما نتوخّاه من ذلك كلّه، فهو أن ننظر من خلال مثال محدّد، هو ترجمة العلوم في عصر محمد علي، إلى العلاقة التي تربط الترجمة العلمية، بل العلم عمومًا، بنظام المعرفة العام وما يربطهما معًا بالبناء الاجتماعي ككل. وبعبارة أخرى، فإن المراد هو النظر في علاقة الحوار والتفاعل أو السجال والتصادم بين العلم وبقية أنظمة المجتمع وأنساقه، حيث لا يوجد العلم، ولا التقنية، إالّ منغمسين في المجتمع وفي اللحظة التاريخية المعنية.

الإنتاج الفكري ومكانة الترجمة العلمية في عهد محمد علي

من حسن الحظّ أن ثمّة أكثر من حصر للكتب المنشورة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أكانت مؤلَّفة أم مُترَة، وهو ما يسمح بتتبع الوزن الذي حظيت به الترجمة قياسًا بالإنتاج العام، خاصة أن هذه الإحصاءات- على الرغم من اختلافها- تتفق على تحليل اتجاهات التأليف والترجمة أيام محمد علي. فلو أخذنا الكتب المنشورة بين عشرينيات القرن التاسع عشر وأربعينياته مرتبةً بحسب كل فرع من فروع المعرفة، لوجدنا التالي:

الفترة العشرينيات

الأربعينياتالثلاثينياتالعشرينياتالفترة
الموضوع
161627اااللغات
525625العلوم الاجتماعية
502613اآلديانات
525211الآداب
75249العلوم البحتة
72689اجلعلوم التطبيقية
13506التاريخ والجغرافيا
91-4املفلسفة
1051المعارف العامة
---م الفن
404342105المجموع

المجموع وإذا أخذنا الكتب المترجمة في كل موضوع من موضوعات المعرفة خلال هذه الفترة ذاتها، والنسبة المئوية ملِا تُرجمَ في كل موضوع، نلاحظ ما يلي: الفترة العشرينيات الثلاثينيات

النسبة المئويةالمجموعالأربعينياتالثلاثينياتالعشرينياتالفترة
الموضوع
%4.612741اااللغات
%11.1291649العلوم الاجتماعية
%3.810811اآلديانات
%7.3191081الآداب
%21.45637181العلوم البحتة
%34.99144425اجلعلوم التطبيقية
%14.23714203التاريخ والجغرافيا
%2.3615-املفلسفة
%0.411--المعارف العامة
-----م الفن
%10026113810221المجموع

المجموع الثلاثينيات الأربعينيات

الأربعينيات المجموع النسبة المئوية

كان أول كتاب تُرجِمَ عن الفرنسية إلى العربية وطُبعَ في المطبعة العربية التي أنشأتها الحملة الفرنسية على مصر هو كتاب مرض الجدريمن تأليف دي جينيت وترجمة رفاييل زخور، ليتلو بعد ذلك صمت طويل دام حتى دارت مطبعة محمد علي في بولاق سنة822.1 ومن هنا ما نلاحظه من أن مجموع ما نشُرَ في العشرينيات لم يتجاوز 051 كتب، من بينها 21 كتابًا متُرجمًا. أمّا في الثلاثينيات، ومنذ أوائلها، فقد «بلغت البلاد درجة عظيمة من التقدم والنظام فأُسست ترسانات الإسكندرية وأنشئ أسطول بدل الذي أحرقته الدول في نافارين ووفد على مصر أثناء ذلك عدد عظيم من كبار الأوروبيين ومشاهيرهم. وفي سنة 8301 أنشأ كلوت بك حكيمباشي الجيش مدرسة الطب واستبالية الخانقاه وأنشئت مدرسة السواري بالجيزة والطوبجية بطرة والبيطرية بشبرا». وقد ترتّب على ذلك ازدهار التأليف والترجمة ونشر الكتب في الثلاثينيات، حين وصل العدد إلى 021 من الكتب المترجمة، أي خمسة أمثال ما تُرجمَ ونشُرَ في العشرينيات (21 كتابًا)، وذلك لسدّ حاجة المدارس، فضل ا عامّ ساهمت به عودة البعثات التي كان محمد علي قد أرسلها إلى البلدان الأوروبية لتلقّي علومها ومعارفها، حيث وصلت هذه المساهمة إلى ذروتها في الأربعينيات، فكان مجموع ما نَُِ هو 044 كتب، ووصلت المترجمات إلى 813 كتابًا. والمبعوثون هؤلاء هم صفوة النهضة المصرية وعمادها. وقد كان «مجموع ما أرسل إلى فرنسا من سنة 8261 إلى سنة 8331 مائة وأربعة عشر مبعوثًا» فإذا أضفنا عدد المرسلين إلى دول أخرى في تلك الفترة يصل العدد إلى 31 8 مبعوثًا إلى فرنسا والنمسا وإنكلترا. وقد تسبب هؤلاء في ازدهار الحياة الثقافية في مصر، وجنت البلاد ثمرة ذلك في سنتي 8401 و 8411، ليأتي من ثمّ نوع من الانكسار في سنتي 8421 و 8431 (حيث لم يُنشر سوى 34 و 28 كتابًا على التوالي في هاتين السنتين)، وذلك نظرًا إلى الحالة السياسية التي تلت تحييد سلطة محمد علي وتقييدها سنة 8411 وانعكاس ذلك على الإنتاج الفكري. من الملاحظ في الكتب المنشورة في الثلاثينيات تفوّق كتب العلوم التطبيقية (86 كتابًا من بينها 24 كتابًا متُرجمًا)، وأغلبها كتب في الطب، ويليها ما نشُرَ في اللغات (61 كتابًا من بينها 4 كتب متُرجمة)، ثم في مجال العلوم الاجتماعية (56 كتابًا من بينها 4 كتب مترجمة)، وتأتي المعارف العامة في أسفل القائمة، حيث نشُر فيها 5 كتب فقط ليس من بينها أي كتاب متُرجم. وهذا ما يسري تقريبًا على الأربعينيات، إذ تحتل العلوم التطبيقية رأس القائمة (27 كتابًا من بينها 24 كتابًا متُرجمًا)، تليها اللغات، ثم العلوم البحتة، وتأتي المعارف العامة في ذيل القائمة، وحتى الأربعينيات لم يصدر أي كتاب في الفن. لاحظ الدارسون، في إثر النظر في تواريخ الترجمة والطبع، أن النهضة العلمية في مصر بدأت بترجمة كتب الطب التي بلغت أوجها في الثلاثينيات، قبل ترجمة كتب العلوم الهندسية التي بلغت أوجها في الأربعينيات من القرن التاسع عشر. كما لاحظوا، من تتبّع توزيع تخصصات المبعوثين وقَرهْنِا باتجاهات الترجمة في مصر محمد علي، أن العلوم التطبيقية والبحتة كانت موضع رعاية محمد علي الكاملة والشاملة، ولم يكن

للآداب أي نصيب رسميّ في ثقافة النصف الأول من القرن التاسع عشر. لقد بلغ عدد المُترجمات في مجال العلوم (التطبيقية والبحتة) 147 كتابًا، أي بنسبة 56 في المئة من مجموع ما تُرجمَ خلال النصف الأول من القرن، في حين بلغ عدد المُترجمات في مجال العلوم الاجتماعية (اجتماع، سياسة، اقتصاد، قانون، تاريخ وجغرافيا) 66 كتابًا، أي بنسبة 25 في المئة، أمّا في مجال الإنسانيات (معارف عامة، فلسفة، ديانات، لغات، آداب) فقد كان المجموع 84 كتابًا، أي بنسبة 19 في المئة.

منظومة الترجمة في عهد محمد علي: البنية والتطور

يرجع الفضل الأكبر في نقل العلوم الحديثة إلى مصر والعالم العربي إلى ما تُرجم من هذه العلوم خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر أيام محمد علي. أمّا قبل ذلك، في القرن الثامن عشر، فكان العلم والتعليم في حالة مزرية من الانكماش والضعف. وبمجيء الحملة الفرنسية إلى مصر، تفتحت الأذهان على العلوم الحديثة من كيمياء وطبيعة وجغرافيا وتاريخ وإدارة واقتصاد وفنون، وهو ما عربّ عنه عبد الرحمن الجبرتي أصدق تعبير في كتابة الشهير عجائب الآثار في التراجم والأخبار. بالطبع، لم تُنقل هذه العلوم إلى العربية دفعة واحدة، بل سبقتها الحاجة إليها؛ فبعد تولية محمد علي حكم البلاد، تطلّع إلى تكوين جيش قوي، فأنشأ المدارس الحربية وأتبعها بالمدارس الطبية – بشرية وبيطرية – حفاظًا على صحة الجيش من جنود وخيول. ثمَّ احتاج إلى الحصون والقلاع والأسلحة، فأنشأ المدارس الهندسية والفنية، وأرسل بعثات تمثّل تخصصاتها العلوم الحديثة من عملية وتطبيقية وفنية. والحال أن هذه الحاجات وتتاليها هي التي ترسم تاريخ الترجمة الحديثة في بداياته، حيث يمكن أن نقسم هذا التاريخ إلى ثلاث مراحل: (1) مرحلة المترجمين السوريين الذين ظهروا مع الحملة الفرنسية على مصر، وكانوا طلائع المترجمين في عصر محمد علي في الفترة بين سنتي 8221 و 8311، أي حتى عودة بعثته الأولى من الطلبة المصريين في أوروبا؛ (2) مرحلة المبعوثين المصريين في أوروبا، وهي تبدأ نحو سنة 8311 وتنتهي بنهاية عهد محمد علي سنة 8491؛ (3) مرحلة خريّجي مدرسة الألسن التي أنشأها محمد علي سنة 8351 وظلّت تخرّج المترجمين حتى أغلقها عباس الأول سنة 849 1، علامً أن هذه المراحل متداخلة ومتفاعلة في ما بينها. في بادئ الأمر، استعان محمد علي بالمترجمين السوريين لسدّ حاجات المدارس الحديثة من الكتب. وقد أورد جمال الدين الشيال دراسة تفصيلية لحياة هؤلاء المترجمين والكتب التي ترجموها، وهي لا تعدو أن تكون بعض الكتب العلمية التي كانت من أوائل ما وُجِدَ مطبوعًا باللغة العربية في ذلك الحين مؤذّنًا بفجر جديد لهذه اللغة، فضل ا عن أن القاموس الطلياني العربيالذي وضعه رفاييل زاخور السوري كان فاتحة خير في توجيه الأنظار لمحاكاة مثل هذا الصنيع. وكان محمد علي قد استخدم هؤلاء المترجمين ريثما يتوافر لديه السند من المصريين، أكان من المبعوثين- حيث كان من أهمّ أهداف محمد علي أن يقوم هؤلاء بترجمة الكتب في فروع المعرفة المختلفة إلى اللغتين العربية والتركية لاستخدامها في مدارسه الحديثة- أم من المدارس وخريجيها، خاصةً مدرسة الألسن.

تلك لمحة بحسب المراحل التاريخية للترجمة في عصر محمد علي. أمّا بنية هذا النشاط الترجمي، إذا ما نظرنا إليها في أرقى اللحظات التي بلغتها في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن التاسع العاشر، فكان عمادَها أمران اثنان: المدارس الخصوصية التي أقامها محمد علي، والمبعوثونالذين أرسلهم إلى البلدان الأوروبية. فعلاوة على مدارس الطب التي كان محمد علي قد أنشأها قبل الثلاثينيات، كان هناك بعض المدارس التي أنشئت في الثلاثينيات وتسبّبت في تنشيط حركة الترجمة، مثل مدرسة الطوبجية (المدفعية) في طره 831(1)، وكان فيها مطبعة تقوم على طبع كتبها الدراسية المؤلَّفة والمتر ة، وكذلك مدرسة الإدارة (8341) التي كان من أهمّ أهدافها تخريج موظفين ومترجمين يقومون بنقل الكتب التي ترغب الحكومة في نقلها من الفرنسية والإيطالية إلى العربية أو التركية، إلى جانب مدرسة التاريخ والجغرافيا 1834(أيضًا) التي أُحلِْقَتْ بمدرسة المدفعية. ويعتبر جمال الدين الشيال المدرستين السابقتين بمنزلة الخطوات التمهيدية التي سبقت مدرسة الألسن (1835). يُضاف إلى ذلك وجود مدارس أخرى، مثل مدرسة الزراعة (8361) التي نصّت لائحتها على أن «المدرس الأول، الباشخوجة، عليه أن يقضي بقية ساعات اليوم في ترجمة دروس النبات والموضوعات الأخرى التي يحيل الناظر إليه ترجمتها من الفرنسية إلى العربية». أمّا مدارس الهندسة، فثمة إشادات بجهدها في الترجمة من قبل لجنة تنظيم المدارس، لما ساهم به مدرسوها في ترجمة الدروس وطبع المُترَجْمات بالمطبعة الحجرية الملحقة بالمدرسة. تمثّل مدرسة الألسن ذروة ذلك كلّه، حيث غدت، بفضل نشاط الطهطاوي أساسًا، ملتقى ثقافة الشرق والغرب، تجمع بين دراسة اللغات الأجنبية والأدب والنحو والقصص والتاريخ الغربي، حتى إذا ظفر الطلبة بنصيب موفور من الثقافتين، مضوا ينقلون الثقافة الغربية ممثلةً في تلك الكتب التي ترجموها في جميع الفنون والصناعات والعلوم، متأثرين بمثلهم الأعلى رفاعة الطهطاوي. كانت الغاية من إنشاء مدرسة الألسن إعداد مترجمين لمصلحة الحكومة، وتكوين قلم للترجمة من خريجيها، وإنْ كان إنشاء هذا القلم قد تأخرّ حتى الأربعينيات، حيث أنشئ ملحقًا بمدرسة الألسن وتحت إشراف الطهطاوي الذي يجمع فيه خريجي مدرسة الألسن ويراقب إنتاجهم على أيدي أساتذة متخصصين. وقد قُسِمَ قلم الترجمة إلى الأقلام التالية: (1) قلم ترجمة الكتب المتعلقة بالعلوم الرياضية؛ (2) قلم ترجمة كتب العلوم الطبية والطبيعية؛ (3) قلم ترجمة المواد الاجتماعية أو " الأدبيات " كالتاريخ والجغرافيا والمنطق والأدب والقانون والفلسفة.. إلخ؛ (4) قلم الترجمة التركي. ويشرف على كل قلم من هذه الأقلام ضابط خريج من مدرسة الألسن ومعه عدد آخر أدنى رتبة من خريجيها. أمّا تزويد المترجمين بالكتب المراد ترجمتها، فكان يتم نتيجة ما يقوم به ديوان المدارس من طلب إلى نظّار المدارس الخصوصية في كلّ عام بإعطائه بيانًا بالمؤلّفات التي جدّت في المواد التي تدّرس بمدرستهم، حتى إذا وجدها رفاعة في مكتبة مدرسة الألسن وزّعها بين المترجمين وإالّ بعث في طلبها من أوروبا.

هذا بالنسبة إلى المدارس. أمّا في ما يتعلّق بالمبعوثين، فقد أرسل محمد علي بعثات للتخصص في الحرب برًّا وبحرًا، وفي الترجمة والقانون والسياسة والطب والصيدلة والزراعة والطبيعة والكيمياء والمعادن والرياضة والميكانيكا، بالإضافة إلى فروع متنوعة من الفنون والصنائع. وكان من أهمّ الأهداف المنشودة من إرسال أعضاء تلك البعثات ترجمة الكتب في مجال تخصصهم، إذ حرص محمد علي على الاستفادة السريعة من العائدين بإعطائهم كتبًا يترجمونها وهم ما زالوا في الحجر الصحي. وكان يضطر أحيانًا إلى استعمال العنف، حيث «فرضت الحكومة على كلّ عضو من البعثات ترجمة جميع الكتب التي درسها حتى ينتفع بها سائر الطلبة، فاتسعت أعمال الترجمة، واضطرت الحكومة إلى أن تغلق على هؤلاء المدرسين أبواب القلعة لا يبرحونها حتى ينتهوا ممّا كُلِّفوا بأدائه، فإذا فرغوا من مهمتهم سلموا المترجمات إلى المطبعة الأميرية لتصبح بعد قليل كتبًا في أيدي طلبة المدارس». بل إن محمد علي لم يقتصر على هذا في الحثّ على الترجمة، فقد أصدر في 01 أيلول/ سبتمبر 8341 أمرًا لكل من المبعوثين في الخارج أن يترجموا الكتب التي يدرسونها في أوروبا أوالً بأول في أثناء إقامتهم في البعثة وأن يرسلوها إلى مصر. والحال أن ما ساهمت به المدارس الخصوصية من ناحية، وما أنجزه طلبة البعثات، وهم لا يزالون في دور التحصيل أو عقب عودتهم إلى البلاد، من ناحية أخرى، قد كان لهما الفضل في ما وصل إلينا من مترجمات في الثلاثينيات. علاوة على المدارس والبعثات، اشتملت منظومة الترجمة في عهد محمد علي على مصححينكانوا يقومون على إصلاح الدروس والكتب المتر ة قبل طبعها، وكانوا عادة من مشايخ الأزهر. ومع أن هؤلاء المشايخ عرقلوا الخروج من إسار البلاغة التقليدية، فإنهم أدّوا دورًا إيجابيًا في ترقية أساليب التعبير، أكان في النثر العلمي أم في النثر الفني؛ ففي حين كانت تروق هؤلاء ضروب السجع التي قد تصل في بعض الأحيان إلى حد مضحك فعلا، فإن دائرة السجع ضاقت حتى انحصرت في عناوين الكتب وفي ما يُكتب لها من مقدمات. أمّا النصوص نفسها، فكادت أن تخلو من السجع التقليدي. وإضافةً إلى المصححين، ظهرت الحاجة لاحقًا إلى المراجعينحين ظهر مترجمون من غير الأطباء والمهندسين المتخصصين في الخارج، وذلك بعد إنشاء مدرسة الألسن التي لم تكن تُدرَّس فيها العلوم بصفة أساسية وإنما اللغات. ولذا، حرص ديوان المدارس على تعيين مبيّضين ومصححين ومحررين بقلم الترجمة حتى إذا ما تمّت الترجمة لكتاب أُرسِلَ إلى الديوان لبتّ أمر طباعته. لا بدّ من أن نذكر ضمن هذه المنظومة محمد علي نفسه، أكان بما عُرِف عنه من استعجاله الترجمة ومكافأة المجيدين فيها ومعاقبة المهملين، أم بسيطرة الدولة ممثلةً في شخصه أو من ينوب عنه على أركان النشر جميعًا، بدءًا من التكليف بالترجمة أو التأليف حتى التوزيع، مرورًا بالأمر بالطبع وتحديد عدد النسخ، لكأن الترجمة بالنسبة إلى محمد علي كانت مسألة حياة أو موت.

مصائر المشروع بين الماضي والحاضر

لو أردنا أن نشير بكلمة واحدة إلى مصير الترجمة بعد محمد علي لكانت هذه الكلمة هي الاندحار؛ فإذا ما عادت بعض اللحظات العابرة من الترجمة، فإن تلك الترجمة لم تكن علمية في أساسها، وهو ما يسري منذ غياب محمد علي إلى الآن. فعلى عكس النهضة والتقدم والنشاط الذي امتاز به عصر محمد علي، يبدأ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتراجع مستمر حتى نهاية حكم سعيد سنة 8631، حين بدأت الخمسينيات وقد أُلغيت مدرسة الألسن وتشتت مترجموها على مختلف النظارات، وكلّفوا بأعمال إدارية لا تمتّ إلى الترجمة بصلة. أمّا عقلها وقلبها، الطهطاوي، فكان منفيًا في السودان. وإذا ما كان حكم عباس الأول (854-18491) قد ألغى مدرسة الألسن، فإن حكم سعيد (863-18541) ألغى ديوان المدارس، مثبتًا ما عُرِف عنه من كراهية للعلم والمتعلمين، حيث أشيع عنه قوله إنَّ من الأيسر حكم أمّة جاهلة قياسًا بحكم أمّة أهلها من المتعلمين المستنيرين. وإذا ما كان عدد المُترَْ ات الصادرة في الخمسينيات (74 كتابًا) لم يهبط إلى أكثر من ذلك، فإنَّ السبب هو إعادة الطباعة، فضل ا عن تأثر الترجمة بعودة الطهطاوي من منفاه في الخرطوم عند تولي سعيد الحكم سنة 8541، «حيث نجح في سنة 8561 في إنشاء مدرسة مستقلة (بالقلعة)... كانت في أصل نشأتها مدرسة حربية لأركان الحرب... وبعد قليل أنشأ بها قلامً للترجمة، رأسه تلميذه صالح مجدي فاقترب بمدرسة أركان الحرب هذه من مدرسة الألسن القديمة». يلاحَظ مع بداية الستينيات من القرن التاسع عشر نوع من تغريّ الاتجاه والخطة إذا جاز التعبير؛ فقد تأثّرت حركة الترجمة والمترجمات المنشورة بمسعى الخديوي إسماعيل لترجمة القوانين الفرنسية، إذ أنشأ قلامً للترجمة سرعان ما أهمله حين تمّ له ما أراد. بل إن هذا القلم ولد ضعيفًا لأن إسماعيل لم يتبع خطوات جدّه في إنشاء مدرسة الألسن أوالً لتمدّ قلم الترجمة بالمترجمين الذين يحققون الغرض الذي من أجله أقيم القلم. ولقد «بلغ من ضعف هذا القلم وقلّة الكفايات فيه أنه لما أحيلت إليه ترجمة بعض اللوائح والإرشادات الصحية، أعادها رفاعة بك محتجًا بأن بها مصطلحات طبية لا يمكن ترجمتها إالّ بمدرسة الطب، وطلب إليه ترجمة بعض الأوراق إلى اللغة التركية فردّ رفاعة بأن القلم ليس به سوى مترجمين للغة الفرنسية»، وكان رفاعة دائم الشكوى لقلّة المترجمين، وأنهم أصبحوا أسماء بلا أجسام. عمومًا، كثيرًا ما يُدعى عصر إسماعيل (879-18631) عصر النهضة الثانية، إذ فاقت نسبة التأليف نسبة الترجمة، وشهد مجال الترجمة ازدهارًا على الرغم من كلّ شيء. إالّ أن هذه النهضة كانت أدبيةً أساسًا، وما صدر في الترجمة إنما كان يعكس الاهتمام بتدريس اللغات. أمّا في الثمانينيات، فأُنشئت مدرسة الألسن سنة 8781 وظلّت مفتوحة حتى سنة 885.1 وفي سنة 8811 تقرر إنشاء مكتب للترجمة والتحرير توىلّ إدارته أديب إسحق ثم مصطفى رضوان، وظلّ مفتوحًا حتى سنة 8991 وتلاه مدرسة (أو مكتب) للترجمة سنة 885 1 لم يكن مترجموها كما ينبغي، الأمر الذي أدّى إلى الاستعانة بالمترجمين السوريين. يكفي إجراء مقارنة بين حصيلة ما نشُر في كل موضوع خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر

والنصف الثاني منه حتى تتضح حقيقة ما جرى بعد محمد علي؛ ففي النصف الأول تصدّرت كتب اللغات وكتب العلوم التطبيقية رأس القائمة (491 كتابًا لكل منها)، ثمّ ما نشُر في العلوم الاجتماعية (331 كتابًا) ثم الآداب (151 كتابًا) والديانات (09 كتابًا) والعلوم البحتة (09 كتابًا) والجغرافيا (87 كتابًا) والفلسفة (23 كتابًا)، وجاءت المعارف العامة في ذيل القائمة (16 كتابًا)، ولم يصدر في الفن أي كتاب. ولو قسمنا هذه الموضوعات بحسب أقسام المعرفة الثلاثة، لوجدنا أن نسبة الإنسانيات تبلغ ضعف ما نرُشِ في كلٍّ من المجالين الآخرين (العلوم والعلوم الاجتماعية)، من دون أن يلغي ذلك أن نهضة محمد علي كانت نهضة علمية حربية، ذلك أن سبب تفوق الإنسانيات في عهده يكمن في حاجات ما أنشأه من مدارس حديثة للغة العربية وآدابها. أمّا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فنجد أن حصاد ما نَُِ من الموضوعات المختلفة قد احتلت فيه الديانات مركز الصدارة (2604 كتب) يليها الأدب (4716) ثمَّ اللغة (2613) والعلوم الاجتماعية (0241) ثمّ التاريخ والجغرافيا (0371) فالفلسفة (546) ثمّ العلوم البحتة (804) والتطبيقية (314) والمعارف العامة (286) وأخيرًا الفنّ (31). وبحسب التقسيم الثلاثي، نجد أن الإنسانيات شك لت 66 في المئة، والعلوم الاجتماعية 24 في المئة والعلوم 0 1 في المئة فقط. وهذا انعكاس واضح للحالة السياسية والثقافية والاقتصادية التي مرت بها مصر خلال حكم كلٍّ من عباس الأول وسعيد. بل إن التفوق في مجال الإنسانيات لا يعطي مؤشرات بازدهار الحالة الثقافية، لأن ما نشُر خلال تلك الفترة كان اجترارًا لما صدر خلال النصف الأول من القرن في مجال الأدب والدين واللغة. أمّا مجموع ما تُرجم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهو 544 من مجموع 8953 كتابًا، ولم يتجاوز ما تُرْجمَ من العلوم التطبيقية والبحتة 814 كتابًا. الحال، أن وضع الترجمة العلمية لم يختلف كثيرًا إلى الآن؛ فما فعلته حركة الترجمة العربية على امتداد عقود متتابعة هو «التقوقع في مجال واحد» على حدّ تعبير الدكتور جابر عصفور، حيث التركيز على الأدب والإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وهو ما ترتب عليه ضمور حركة الترجمة في مجالات كثيرة من المعرفة الإنسانية، وعلى رأسها مجالات العلوم التطبيقية وما يتصل بها من معارف وعلوم بينية لا تتوقف عن النماء والولادة. وذلك أمر يتناسب، بحسب الدكتور عصفور، وهامشية العلم في ثقافتنا، ويقدم الدليل المباشر على أن العلم لم يصبح إلى اليوم مكونًا أساسيًا من مكونات هذه الثقافة، وتأكيد ذلك أننا لا نزال نتحدث عن الثقافة بمعزل عن العلم، كما لو كان العلم غير الثقافة، وكما لو كانت الثقافة يمكن أن تقوم من دون العلم. ولقد ترتب على ذلك نقص لافت في أعداد المترجمين الأكفاء في مجالات العلوم، وعدم الاهتمام بالتخصص في الترجمة العلمية أو تدريس تقنياتها النوعية ضمن برامج دبلومات أو شهادات الترجمة التي تمنحها أقسام اللغات في الجامعات العربية. بل إن الدكتور جابر عصفور يصل إلى حد القول إنه «لولا بعض الجهود الفردية المتناثرة التي يقوم بها بعض رجال العلم المهتمين بالثقافة العامة، وإشاعة الثقافة العلمية في المجتمع، لكان الكتاب العلمي المترجم نسيًا منسيًا في ثقافتنا».

وإزاء غياب التوازن بين المعارف الإنسانية في المجالات العلمية والاجتماعية والإنسانية، فإنّ المرء لا يسعه إالّ أن يلاحظ التناقض بين التدخّل المفرط للدولة أيام محمد علي وغياب أي تخطيط شامل في هذه الأيام بحيث تتم مراعاة الأولويات ووضع السياسات وتحديد ما ينبغي أن يتُرجَم وما ينبغي أالّ يتُرجَم. ولقد ترتّب على ذلك ما نراه اليوم من ضعف شديد يبلغ حدّ الفوات في مجال العلم، بعد أن توهمنا لفترة إمكانية حرق المراحل الثقافية، أو البدء بالنتائج من دون المقدمات، أو إمكانية إغفال الأصول الكبرى في ثقافات العالم. ولعلّ الأهم من ذلك كله، وإزاء تلك الفورة العلمية الناشطة في عهد محمد علي وما يشبه الموات العلمي في هذه الأيام، أن نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، في مسعى لمعالجة سليمة لا تكرر أخطاء الماضي.

خصائص الترجمة العلمية في عهد محمد علي: بذور الإخفاق

يشكّل حكم محمد علي الطويل (849-18051) واحدًا من أهم الفصول في تاريخ مصر والعالم العربي. فعلى الرغم من أن كثيرًا من إصلاحاته لم تعش إلى ما بعد عهده، بل سقطت أحيانًا في عهده بالذات، فإنه نجح مع ذلك في ترك بصماته على كامل تطور العرب الحديث. فقد كان الهدف الرئيس لمحمد علي أن يخلق قوة عسكرية، وأن يدعم مركزه الشخصي على حساب كبار ملاّك الأرض من ناحية والمصالح الأجنبية من ناحية أخرى. ولقد لاحظ أن ثمة دينامية تميّز البلدان الأوروبية في أيامه وتهبها قوة ومنعة، وتكمن في العلم والتكنولوجيا وتطويرهما الدائم، وتصوّر أن من الممكن نقل هذه الدينامية عن طريق الترجمة، فاستعجل هذه الأخيرة أشدّ الاستعجال، حتى قيل إنه اضطر في إحدى المرّات إلى أن يقسم كتابًا بحّد سيفه إلى ثلاثة أجزاء ويوزعه على ثلاثة مترجمين لإنجاز ترجمته في ثلث المدة. غير أن ترجمة العلوم في أيامه تميزت بعدد من الخصائص، وأحاطت بها جملة من الظروف أفضت إلى إخفاقها من دون تحقيق ما أراده لها محمد علي، فما بالك بما أراده لها ذلك العقل النهضوي الوضّاء، رفاعة الطهطاوي، الذي تجاوز كثيرًا في طموحاته ما كان يبتغيه ذلك الباشا الذي أرسله إلى باريس طلبًا للعلوم. أول ما يلفت الانتباه في خصائص الترجمة في عهد محمد علي هو أنها كانت أوامرية وفوقية وسلطوية في توجهاتها وخياراتها؛ فقد ارتبطت بأحلام محمد علي الإمبراطورية وبمقتضيات بناء جيشه. وها هو الرأي الصريح لأكبر مدافع عن محمد علي في القرن التاسع عشر، وهو كلوت بك الذي يقول: «الجيش وما يرتبط به من الفروع العديدة هما اللذان دفعا بمصر في تيار الحركة المدنية التي ما برحت تسوقها إلى الأمام». وبحسب الدكتور لويس عوض، فإن كل ما استحدثه محمد علي في مصر من أدوات الدولة الحديثة، أكان في باب التنظيم والإدارة أم في باب العلوم والتكنولوجيا، كان مجرد وسائل لخدمة مطامعه العسكرية. وإن آخر ما كان محمد علي يفكر فيه هو بناء الإنسان على أرض مصر. ولذا، ما إن دالت دولته حتى زال الصرح العمراني الكبير الذي شيده على الرمال. وغاصت مصر في ظلمات العصر الوسيط زمن عباس الأول. وهذا هو الاتجاه الذي يسير فيه الدكتور مصطفى ماهر أيضًا، إذ ينقل عن عزت عبد الكريم أن محمد علي كان رافضًا «تعميم التعليم بين أبناء العامة» وأنه كان يستخدم هذا التعليم في حدود مصلحته.

ممّا يلفت الانتباه أيضًا في ترجمة العلوم أيام محمد علي أنها كانت تقنية تخصصية، بمعنى أنها تحاول أن تستعير العلم التطبيقي الجاهز، متوقفةً عند نتائج العمل العلمي وثماره ومهمِلةً ظروف إنتاجه. وليس أدلّ على ذلك من استعجال محمد علي عملية ترجمة العلوم واعتباره الترجمة المهمة الأساسية لبعثاته التي أرسلها إلى أوروبا، وذلك في لحظة تاريخية لم تكن بعيدة كثيرًا في الزمن عن ذلك التطور الذي اعترى البلدان الصناعية الأوروبية بعد منتصف القرن التاسع عشر خاصةً، وقادها باتجاه الاستعمار والإمبريالية، أي باتجاه سوف يشكّل عقبة كأداء أمام تطور أي بلد أو منطقة تطورًا متمحورًا على الذات ومنفتحًا على الآخر في آن معًا، أكان على المستوى العلمي أم على بقية مستويات البنية الاجتماعية، وهو ما يجعل تجربة محمد علي عمومًا، ومنها تجربته العلمية، مفوَّتة تاريخيًا، أو متأخرة في الزمن، تسير باتجاه الإخفاق في اجتماع للعوامل الداخلية والتأثير الاستعماري الخارجي في آن معًا. إلى هذا، فإن ترجمة العلوم في عهد محمد علي لم تأتِ مقترنة بتغريّ في ما يدعوه توماس كون " النموذج " أو «الإطار المفهومي» السائد؛ هذا التغريّ الذي عادةً ما يسبق ولادة العلوم والمجالات العلمية وتشكيلها النظري، ويوجه عمل العلماء والباحثين، ويخضع له من ثم كامل التطور اللاحق. وعلى الأقل، فإن الترجمة ونقل العلوم، ومحاولة الإصلاح ككل، لم تؤدِّ، أو لم يتح لها أن تؤدي، إلى تغريّ النموذج السائد. وكما يشير أحد الذين رصدوا تجربة النهضة، فقد اتخذت الدعوة إلى الإصلاح، منذ البداية، شكل الدعوة إلى أخذ «العلوم البرّانية» كما يقول الطهطاوي. ذلك أن النظرة الأولى، بعد إدراك الخلل في الدولة العثمانية، رأت أن ما يحتاج المجتمع الإسلامي إليه لا يعدو أن يكون بعض العلوم «الاستعمالية»، كما يقول الطهطاوي أيضًا، أي بعض الإجراءات، إنما من دون المسّ بالأساس العقائدي للمجتمع، ومن دون السماح للتغلغل الفكري الأوروبي بالسريان في جسمي الدولة والأمّة وعقليهما. غير أن هذه النظرة الأولى القائلة بوجوب أخذ العلوم مع ترك الأفكار والمؤسسات ما لبثت، في ما يبدو، أن تحولت إلى شعور بالتأخر. ويكفي لإدراك ذلك أن نقارن بين الطهطاوي وشكيب أرسلان، إذ قدّم الأول لائحة بالعلوم التي يحتاج المسلمون إليها للنهوض (8341) وكأن إيجادها يحل المشكلة، في حين طرح الثاني السؤال بشكل حاد: لماذا تأخر المسلمون وتقدَّم غيرهم؟ وعلى الأقل، فإنه بدءًا من منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، بدأ الإحساس بأن المشكلة ليست بالبساطة التي طُرِحَت بها في القرن التاسع عشر، حين شُخِّص «التأخر» عن أوروبا -التي كانت ولا تزال مثال التقدم- على أنه يكمن في افتقادنا العلوم البرّانية الغربية -التكنولوجيا- وربما بعض المؤسسات الاجتماعية- الاقتصادية- القانونية.

لقد فُهمت النهضة إذًا في عصر محمد علي، بما في ذلك لدى رفاعة الطهطاوي، صاحب أشد العقول تقدمًا واستنارة في تلك الفترة، على أنها أخذ للعلوم البرّانية الغربية وإبقاء للعلوم الجوانية الشرقية، أي أخذ التكنولوجيا والإبقاء على المعتقد بحسب المصطلحات الحديثة. وعلى سبيل المثال، فإن الطهطاوي كان قد درس أعمال فلاسفة الثورة الفرنسية، فولتير وروسو ومونتسكيو وكوندياك، وكان يعيش في عصره مع أكثر العقول تقدمًا في ذلك الحين، ومع ذلك لم ينتق للترجمة من كتب فولتير سوى تلك التي كان في وسعها أن تعود بالفائدة على الباشا محمد علي، إذ تتضمن سير العظماء، أمّا مؤلفاته الفلسفية، فلم تترجم، بل حُذِّر منها في بعض الأحيان. وهكذا لم ترافق يقظة المصريين إلى ضرورة الأخذ بالعلوم الحديثة، التي غدت سياستهم الرسمية بفضل محمد علي، تلك الدعوة إلى الأخذ بالفلسفات الحديثة لتجديد الحياة الفكرية. ولذا، فإن النموذج أو الرؤية السائدة ظلت كما هي لم يخترق أساسها أي شيء على الرغم من كل ما جرى. لقد أعطى محمد علي لأهل الكلام الاحتكار في الميدان الأيديولوجي والديني. وكان هؤلاء - كما هو معروف- يمثلون تيارًا مكتفيًا بالتأويل السلفي التقليدي المتوارث والمنغلق على نفسه، ولم يتعرض لأدنى تهديد ذلك الربط في ذات السلطان بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، حتى إن محمد علي نفسه، وهو في أوج انتصاره، لم يجترئ على سحب ولائه الرسمي أو إنكار تبعيته الشكلية للسلطان. يرى سمير أمين أن من هنا بدأت تلك الظاهرة التي يدعوها «الازدواجية في الثقافة المصرية»، حيث يقوم جنبًا إلى جنب تأويل جامد ومحافظ للإسلام من جهة وأخذ للعلوم الحديثة بصورة براغماتية ومتشظية من جهة أخرى، «فأصبح المجتمع المصري يعاني منذ ذلك الوقت من اسكيزوفرنيا [فصام]: فمن جهة تسود العلوم والفنون الأوروبية في ميدان الإنتاج والإدارة ومن الجهة الأخرى تسود أفكار مجمدة باسم الدين في ميدان الثقافة والممارسات السياسية... ففي هذه الظروف لم يدع الأخذ بالعلوم ‹الأوروبية› إلى الأخذ معًا بالفلسفة... أي فلسفة التنوير أو حتى الإحساس بالحاجة الضرورية لتجديد التراث تمشيًا مع تطور المجتمع. فاصبح التراث شيئًا ميتًا لا حياة فيه ولا يحس بحاجة إلى التطور والتجديد. وتدريجيًا انكمش مضمون التراث ليقتصر على الدين. وهذا التقوقع أعطاه مضمونًا سلبيًا أي مضمون مجرد ‹الرفض› لما هو أجنبي دون محاولة للتغلب على التحدي من خلال الاستعارة والتجديد». بالطبع، إن استمرار النموذج السائد أو تغريّه يرتبط بالإطار الاجتماعي الأشمل. وهذا ما يصل بنا إلى آخر ميزة نعدّها بين ميزات ترجمة العلوم في عصر محمد علي، حيث كانت هذه الترجمة منفصلةً، بمعنى أنها لم تترافق مع تغير في الإطار الذهني والإطار الاجتماعي الذي يحتويه، أي في تلك العوامل والآليات والبنى التي تمكّن العلم من الرسوخ والشيوع وتشجّع تقدّمه أو تعمل على النقيض من ذلك. وبدا الأمر كما لو أنه مقتصر على ضرب من النواة العلمية الصلبة لا علاقة لها بنموذج أو إطار نظري يلائمها ويحتويها ويؤثر فيها ولا بهيكل اجتماعي يحتويهما معًا ويلائمهما ويؤثر فيهما. وكما يقول أحد الذين رصدوا تجربة محمد علي، فإن التغيرات في التكنولوجيا تؤدي إلى تغيرات في النظام الاجتماعي والسياسي وفي العقلية وفي الرؤية

إلى الدين، فإذا ما فشلت تلك التغريّات الأخيرة، التي يمكن تصنيفها بأنها تغريّات في البنيان الفوقي، في أن تتجسد بسبب الولاء لأنماط من الحياة عفا عليها الزمن، وتكوينات عشائرية، وعادات قديمة في الاستهلاك، وسيطرة رجال الدين، فإن التغييرات التكنولوجية والاقتصادية لن يكتب لها البقاء، ومن الأمثلة على ذلك «فترة محمد علي في مصر، عندما وقع صدام بين التغييرات التكنولوجية والاقتصادية التي أدخلها وبين البنيان الاجتماعي والسياسي للبلاد، فانتهت بهزيمة الإصلاحات، رغم أن الضربة القاضية قد وجهتها قوى خارجية». إذ يتعمق الدكتور سمير أمين في الأساس الاجتماعي-الاقتصادي لإخفاق تجربة محمد علي، فإنه يرى أن خيار محمد علي نفسه، رغم ميوله الوطنية على المستوى الشخصي، قد كان له نصيبه من المسؤولية في فشل المشروع، وأدى في الواقع إلى التبعية. ذلك أن الخيار الذي كان يمكن من خلاله تحقيق الهدف كان هو الخيار العكسي، «أي الاعتماد على البرجوازية المتوسطة» بدالً من أرستقراطية ملاّك الأرض التي راح محمد علي يهادنها شيئًا فشيئًا ويتحالف معها. بمعنى آخر، حاول محمد علي أن يحدّث الدولة والاقتصاد على أساس علاقات الإنتاج القائمة، وهي التجربة التي ستتكرر لاحقًا وسيتكرر فشلها أيضًا، وستظلّ تتكرر ما لم يتم استخلاص الدروس اللازمة.