القومية ونظرياتها لأوموت أوزكرييميل
Nationalism and its Theories by Umut Ozkirimli
الملخّص
يسند المؤلف قوله بمرحلة جديدة من مراحل الجدل النظري حول القومية إلى ما شهدته نهاية ثمانينيات القرن العشرين من حجج وَصَفها بالجوهرية مرحلة تفكك جمهوريات الاتحاد السوفياتي والدول المجاورة وتدفق الدراسات النقدية تجاه التيار الكلاسيكي السائد حول القومية، وسعي الدارسين الى استكشاف طرائق جديدة للتفكر في الظاهرة الوطنية. وهو يلاحظ تأثر المقاربات الجديدة بالانعطافة الثقافية في العلوم الاجتماعية بسبب ظهور حركات اجتماعية جدية في الربع الأخير من القرن العشرين تحدّت التجانس المزعوم للثقافات والهويات الوطنية في الغرب.
Abstract
The author bases his idea of a new stage in the theoretical debate over nationalism on the events of the late 1980s which he takes as fundamental evidence, such as the coming apart of the Soviet Republics and the neighboring states and the flood of critical studies opposed to the classical trend on nationalism. Researchers tried to discover new ways to think about nationalism. He notices the influence on new approaches of the cultural turn in social sciences because of the emergence of serious social movements in the last quarter of the twentieth century that challenged the presumed homogeneity of cultures and national identities in the West.
- القومية
- الظاهرة الوطنية
- الغرب
- Nationalism
- West
- Nationalist Phenomenon
الكتاب: نظريات القومية – مقدمة نقدية الكاتب: أوموت أوزكيريملي ترجمة: معين الإمام مكان النشر: بيروت تاريخ النشر: 2013 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عدد الصفحات: 744
ينهي أوموت أوزكيريملي، بعد نقاش متنوع المصادر والأفكار وتقليب النظريات بشأن القومية، بالسؤال عن الدراسات القومية وموقع الاهتمام بها اليوم، ملمحًا إلى انقسام هذا النقاش وتشعّبه على الرغم من استمرار تمحوره حول سؤال التاريخ: متى ظهرت الأمة؟ وهو يعترف بأن المجادلات الجديدة المتعلقة بتعريف القومية والأمة والعلاقة مع التحديث، وما يرافق ذلك من جدل عنيف، تعيق فهمنا للقومية اليوم ولا تعززه، مقترحًا التوقف عن التفكير في سؤال قِدَم الأمم، والتحرك نحو الأمام لتفسير جوانب الظاهرة الوطنية والقومية، ودراسة الحالات التي لا تنجح فيها القومية في حشد الجماهير، وفتح مجال دراسات القومية أمام فضاءات وميادين بحثية جديدة، واعتناق وجهات نظر إبيستيمولوجية (معرفية) جديدة، واستثمار رؤى علم النفس الاجتماعي والطب النفسي في دراسة «القومية والعواطف»، وتناول قضايا مثل «القومية والإنترنت» و«الوطنية الغريبة»... إلخ. (ص 80813 و.)3823 و وإذ يحاجج المؤلّف في عدم إمكان تحديد تاريخ أصول الأمم بصورة يقينية، لأن الحديث يجري «عن عمليات تاريخية، لا عن حوادث محددة»، ويدور حول «إشكالية تحديد الأمة»، فإنه يضع تحت طائلة الشكّ مدى مساهمة السؤال «متى ظهرت الأمة؟» في فهم القومية، ويقسم النظريات والمقاربات القائمة حول الأمة، على هذا الأساس،
إلى فئات مختلفة تراوح بين أتباع النظريات البدائية والمتواترة بقولهم إن الأمم خالدة، إلى الحداثيين بنفيهم وجود أمم قبل الحقبة الحديثة، إلى أتباع المقاربة الإثنية-الرمزية القائلين بوجود الأمم في عصور التاريخ كلها.. مكررًا سؤاله: هل يمكن أن توجد نظرية شاملة للقومية؟ ومعتقدًا أن أفضل طريقة لفهم القومية هي المقاربة «البنائية الاجتماعية» بوصفها في آن معًا ظاهرة سياسية وثقافية ترتبط بالحياة اليومية المعيشة، وتتصل بواقع العالم المعاصر (ص -351355). ومن الواضح أنَّ «التطورات البارزة التي اجتاحت العالم مؤخّرًا -بدءًا بالحروب والتطهير العرقي في البلقان والمذابح الجماعية في وسط أفريقيا، مرورًا بالنزاعات الأهلية في جنوب ووسط آسيا، وبتعاظم الخوف الرهابي من الأجانب في أوروبا، وانتهاءً بالتطورات الأخيرة في العالم العربي- أدت كلها الى تحليل وإعادة تحليل النظرية القومية وتطبيقاتها في سبيل غايات جديدة» (الغلاف الأخير).
تكاثر الإصدارات
يعرض أوزكيريملي لأهم المناقشات والمجادلات المعاصرة عن الأمة والقومية، محللًا المذاهب والمقاربات التي طرحها أبرز المنظرين القوميين منذ القرن الثامن عشر حتى أوائل القرن الحادي والعشرين. وهو يذكر، في شأن ذاك الفيض المتدفق من الكتابة حول القومية، أنَّ البحث على موقع مكتبة أمازون على الشبكة الإلكترونية أفرز 0833 عنوانًا متعلقًا بكلمة قومية في سنة 9991، يقابله 86.360 عنوانًا في سنة 2008، في حين أفرز البحث على موقع مكتبة الكونغرس الإلكتروني أكثر من 0.000 1 عنوان حول القومية في سنة 2008 في مقابل 293 عنوانًا في سنة 2000 (ص. 9) يورد المؤلف هذه الأرقام ليؤكد إعادة اكتشاف القومية، «بوصفها موضوعًا للاستقصاء الأكاديمي، مع انتشار النزاعات الإثنية والقومية في معظم أرجاء العالم في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الحرب الباردة» (ص 19)، على الرغم من تقلص عدد النزاعات الإثنية والقومية، إذ تم احتواء 15 نزاعًا مسلحًا بين سنتي 2001 و 2006، وحل ستة منها، وعدم التوصل إلى حل 26 نزاعًا متعلقًا بتقرير المصير (ص 20). يحاول المؤلف تفسير هذا التباين بين البيانات المتوافرة والمدركات الأكاديمية والشعبية الشائعة، ويشير في هذا الصدد إلى تفسير الباحث ديفيد د. لايتين الذي يرى أنَّ ثمّة «تحيزًا انتقائيًا» يتجىلّ في أنَّ الانتباه المركّز على الحالات العنفية يفوق كثيرًا ذاك المسلّط على الحالات السلمية، في حين أن «البحث الكمي يدحض الاعتقاد الشائع بأن الاختلافات الإثنية والقومية تعّد خطرة بحد ذاتها» (ص 20). ومع هذا، فإن القومية تبقى مهمة «بوصفها مبدأً ناظامً جوهريًا للنظام بين الدول، ومصدرًا نهائيًا للشرعية السياسية، وإطارًا معرفيًا وخطابيًا متوافرًا وجاهزًا، وسياقًا مسلاّمً به للحياة اليومية» (ص. 21). وهذا ما اقتنع به علماء الاجتماع ومنظّرو السياسة، بعد إهمالهم القومية طوال معظم أعوام القرن العشرين. ويذكر المؤلّف أنه باستثناء الأعمال الريادية لمؤرخين، أمثال كارلتون هيز وهانز كوهن ولويس سنايدر و إي. ه. كار، لا نجد إالّ في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي جدالً أكاديميًا حيويًا حول الدول القومية، استحثته تجربة التحرر من الاستعمار، وحفزه ظهور الدول الجديدة في آسيا وأفريقيا. وعدّت أغلبية الدراسات التي دعمت نسخة من نموذج بناء الأمة الصاعدة آنذاك، القومية متزامنة مع عمليات التحديث، ونتيجة أو منتجًا جانبيًا للانتقال من المجتمع «التقليدي» إلى المجتمع «الحديث»، ثم انتقل الجدل إلى مستوى جديد كليًا في ثمانينيات القرن مع نشر كتاب جون أرمسترونغ الأمم ما قبل القومية (8219)، وكتاب جون
برويلليالقومية والدولة (8219) وكتاب بندكت أندرسن الجماعات المُتخيَلة 83(19)، وكتاب إرنست غيلنر الأمم والقومية (8319)، وكتاب إريك هوبزباوم وتيرنس رينجر اختراع التراث 83(19) وكتاب أنتوني سميثالأصول الإثنية للأمم (8619). وقد صدرت أول مرة في سنة 9741 مجلة أكاديمية تعنى بالقومية وأدبياتها. يشير المؤلّف إلى سببين وراء التطور المتأخر للأدبيات المكتملة عن القومية، أولهما حالة اللامبالاة تجاه موضوع القومية كمادة للاستقصاء، والصرامة العلمية للفروع المعرفية التي عدتهّا هامشية في مقابل الدولة والديمقراطية والعدالة والتنمية، وثانيهما اختزال مفهوم القومية إلى تطرف الحركات الانفصالية والسياسات اليمينية. لكن هذا لم يحُل دون بروز القومية اسامً شائعًا في الحقل المعرفي تحت مسمى «دراسات القومية» الذي تندرج في إطاره أدبيات ضخمة وشديدة التنوع (ص 24 و 25 و.)27 من هذا الواقع المثير، ألقى المؤلف الضوء على المجادلات النظرية المعاصرة حول القومية وسلسَلهَا في الفصول الأربعة الأولى من الكتاب، مكرسًا الفصل الخامس للمقاربات الجديدة للقومية، في حين أضاء الفصل السادس على فهم القومية، لتنتهي صفحات الكتاب بثبت تعريفي ومراجع وفهرس عام، في حين تخللته صفحات إطارية عن أبرز المنظّرين الواردة أسماؤهم في متن الكتاب، ومؤلفاتهم، وعناوينها وعناوين أماكن الإصدار، إضافة الى عناوين مراجع إضافية لم ترد في الكتاب بغية تحقيق المزيد من الفائدة.
مراحل التفكير بالقومية
تحت عنوان «خطابات ومجادلات بشأن القومية»، يعطي الفصل الأوللمحة تاريخية عن القومية منذ نهاية القرن الثامن عشر بوصفها أيديولوجيا وحركة اجتماعية وسياسية، وعن ارتقاء فكرة القومية، محددًا أربع مراحل من التفكير في القومية ودراستها: في القرنين الثامن والتاسع عشر، حين ولدت فكرة القومية، حيث مساهمات مفكرين أمثال كانط وروسو وهيردر وفيخته وميل ولورد أكتون وماركس وإنغلز ولينين ولوكسمبورغ وباور وستالين ومؤرخين مثل دوركهايم وفيبر. وفي المرحلة الثانية -1918 9451، يستقصي أعمال كارلتون وهيز وكوهن ولويس سنايدر، حين أصبحت القومية مادة استقصاء أكاديمي. أمّا المرحلة الثالثة من سنة 9451 إلى سنة 8919، فشهدت مساهمات منظرّي التحديث مثل دانييل ليرنر ودويتش وإيلي خدوري حيث أصبح الجدل النظري حول القومية أكثر كثافة وتنوعًا. وفي المرحلة الرابعة، من سنة 8919 إلى يومنا، تجاوز النقاش الجدل الكلاسيكي بشأن القومية. منطلقًا من سؤال ما إذا كانت القومية قد رُزِقَت مفكرين عظماء، يرصد المؤلّف ما إذا كان من ساهموا فكريًا في العقيدة القومية «عظماء» أم لا، مُرجعًا تأكيد أغلبية دراسات القومية على إعادة أصول العقيدة القومية إلى الفكر الرومانسي الألماني (8 ص 3)، أي إلى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، مع وضوح تأثرهم بكتابات أسلافهم الفلسفية، ولا سيما كانط، الذي يرى خدوري أنه شرح القومية «بتعابير التغيرات الزلزالية الهائلة في الفلسفة الأوروبية» (ص 8.)3 أما روسو فقد ساهم في فكرة «تقرير المصير»، وكان صاحب فكرة «الإرادة العامة»، وضرورة مبادلة البشر إرادتهم الأنانية بالإرادة العامة، لمواجهة احتمال خطر طغيان إرادة الآخرين، وهذا يعني أن يصبحوا مواطنين ويكفّوا عن أن يكونوا بشرًا 0 طبيعيين (ص. 4). وركز المفكر الألماني هيردر على «فرادة الثقافات الوطنية» ولغة الآباء التي يسكن فيها «عالم كامل من التراث والتاريخ ومبادئ الحياة وقلبها وروحها» (ص 41)، متميزًا بذلك عن روسو ومفكري عصر التنوير. ومثله
آمن الفيلسوف فيخته ب«فرادة الأمة الألمانية» في كتابه الشهير خطابات إلى الأمة الألمانية، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها بين سنتي 1 807 و 8081، في أعقاب الهزيمة التي ألحقتها فرنسا ببروسيا في معركة يينا سنة 8061، وإن تكن الثورة الفرنسية أهم مصدر سياسي لفكرة القومية، نظرًا إلى أن الأمة أصبحت في سياق الثورة الفرنسية المصدر الشرعي الوحيد للسلطة السياسية، هذه العقيدة السياسية التي ندركها اليوم بوصفها قومية ترسخت في أواخر القرن التاسع عشر (ص 46). وثمة جدل كبير حول مساهمة الماركسيين والليبراليين في المسألة القومية، شأنهم شأن المنظّرين الاجتماعيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. يميز هانز كوهن، من المرحلة الثانية المشار إليها آنفًا، بين نوعين من القومية بقوله: «ولدت القومية الغربية من رحم عصر الأنوار، ولذلك اتصلت اتصاالً حميامً بمفاهيم الحرية الفردية والتعددية الثقافية، أما القومية اللاحقة في وسط أوروبا وشرقها وفي آسيا، فكان لها توجّه مختلف»، إذ اعتمدت على التأثيرات الخارجية، فافتقدت الثقة بالنفس، وعانت عقدة الدونية، وعوضتها بالغلو والمبالغة في الثقة بالذات. ولد كوهن في براغ سنة 8911 وانتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية، ومن أهم كتبه فكرة القومية: دراسة في أصولها وخلفيتها، 9441، وله دراسات أخرى في هذا المجال. ويذكر المؤلف أن اهتمام كوهن بالقومية يعود إلى مدينته براغ، التي كانت عند بداية القرن العشرين، وكما يقول كوهن نفسه، «أهم بر أوروبي للصراعات والتوترات ومضامين القومية الحديثة. هنا اصطدمت التطلعات الجرمانية والسلافية وجهًا لوجه، ووجدت ساحات معاركها الرئيسة». لكن هذه التعددية في الحضارات القومية، وصدامها وتنافسها أعطت براغ «شخصية عالمية كوزموبوليتانية ومحفزة ثقافيًا» (ص 77). أمّا التأثير التكويني الآخر في أفكار كوهن، فكان اعتناقه الصهيونية في صيف 0819 تحت تأثير كارل بوبر وكتابات آحاد هاعام، لكن أمله خاب في الصهيونية في فلسطين التي انتقل للعيش فيها سنة 2519 بسبب اندلاع العنف بين اليهود والفلسطينيين. تعَدّ المرحلة الممتدة من سنة 9451 إلى سنة 8919 الحقبة الأكثر كثافة وغزارة في الأبحاث المتعلقة بالقومية. ويعيد المؤلف ذلك إلى كونها مرحلة تحرر من الاستعمار، يمكن للقومية فيها أن تقوم بوظيفة تتمثّل في «أن توفر هوية جامعة في زمن التغير السريع» (ص 83). وكان دانييل ليرنر، صاحب كتاب موت مجتمع تقليدي (8195)، نموذجًا أصليًا للتفسيرات الوظيفية، إذ ركّز على انتقال المجتمعات من القيم التقليدية إلى الحداثة عبر مرحلة انتقال تكون القومية فيها أيديولوجيا الانتقاليين (ص-83 84). أمّا إيلي خدوري، بنزعته المحافظة العميقة وهجومه على القومية، فكان معلامً بارزًا من معالم ارتقاء الجدل النظري حول القومية. ولد خدوري في بغداد سنة 2619، ومارس التدريس في واشنطن وتوفي فيها، ويُعتبر من أهم المرجعيات العالمية في ما يتعلق بالشرق الأوسط، وأبرز مؤلفاتهالقومية - 0 196 والقومية في آسيا وأفريقيا 691. 0 -
البدائية
يتناول الفصل الثاني من الكتاب مفهوم «البدائية» الذي يشير إلى الاعتقاد بأن الجنسية الوطنية جزء «طبيعي» من البشر وأن الأمم وجدت منذ الأزل. وهو يرى أن ثمة نسخًا أربع مختلفة من المقاربات البدائية: «القومية»، و«الاجتماعية -أو الحيوية» «السيوسيولوجية- البيولوجية»، و«الثقافية»، و«المتواترة»، باعتبار أن دعاة النظرية البدائية لا يشكلون فئة متراصة وحيدة الكتلة. ويعرض المؤلف، في هذا السياق، لمقاربة فاندنبيرغ للنظرية الاجتماعية- الحيوية المتعلقة بالإثنية والعرق والقومية ورؤيته أن الإثنية والعرق كليهما تعبيران موسعان لمصطلح القرابة. كما يتناول إدوارد شيلز
وكليفورد غيرتز ومقاربتهما الثقافوية، وأفكارهما عن الهويات والارتباطات البدائية كحقائق مقبولة وبديهية وأصيلة وسابقة على التجارب والتفاعلات كلها. وكان غيرتز قد توفي سنة 2006، ويُعتبر أشهر العلماء الأنثروبولوجيين الأميركيين وأكثرهم نفوذًا على مدى العقود الماضية، وتعبر أعماله الحدود الفاصلة بين العلوم الاجتماعية والإنسانية. وهو يعتقد، مثل ماكس فيبر، أن الإنسان حيوان عالق في شباك من الدلالة نسجها بنفسه، والثقافة في رأيه هي هذه الشِّباك، ومن ثم «فإن تحليلها ليس علامً تجريبيًا يبحث عن قانون بل تفسيري يبحث عن معنى» (ص.211) أمّا نظرية التواتر، فتقول إن الأمة سمة مستمرة وجوهرية للحياة البشرية على مدى التاريخ المدوّن. ويميز سميث بين نوعين منها: «التواتر المستمر» الذي يرى جذور الأمم الحديثة ممتدة في الماضي السحيق، و«التواتر المتكرر» الذي يرى الأمة رابطة بشرية يمكن العثور عليها في كل مكان على مدى التاريخ. ويُعتبر أدريان هاستينغز أشهر مؤيدي التواتر في مجال دراسة القومية. وهو يشدد على أن «الإثنيات تتحول طبيعيًا الى أمم عند نقطة تنتقل فيها لهجاتها المحلية من الاستعمال الشفهي إلى الكتابي إلى الحد الذي تستخدم فيها بانتظام لإنتاج الأدب، ولا سيما ترجمة الكتاب المقدس» (ص 117)، مشيرًا إلى أن إنكلترا تمثّل النموذج الأولي للأمة والدولة القومية بمعناه الكامل. وأدريان هاستينغز هو لاهوتي، ومؤرخ كنسي، وكاهن، ويُعتبر أبرز الخبراء المتخصصين بالمسيحية في أفريقيا، وأبرز مساهماته في الجدل حول القومية كتابه الصادر سنة 9971 بعنوانبناء الأمة، ويتضمن سلسلة محاضراته في جامعة كوين في بلفاست. لم يغفل المؤلف التُّهم الموجَّهة إلى المقاربات البدائية، والمتعلقة بطبيعة الروابط الإثنية والوطنية، وأصول الروابط الإثنية والوطنية، وتاريخ ظهور الأمم، ومسألة العاطفة والشعور، من دون أن يغفل الإشارة الى رؤية القوميين أن الجنسية الوطنية سمة متأصلة في الحالة البشرية، وأن البشر منقسمون إلى أمم متميزة يمكن تحديدها موضوعيًا. وينتهي الفصل بتسليطه الضوء على النظرية البدائية اليوم، لنسمع صدى كلمات بروبيكر في سنة 9961 وهي تعلن أن النظرية البدائية «حصان مات منذ عهد بعيد ومع ذلك يواصل كتّاب الإثنية والقومية حثه بالسياط»، وتدحض ادعاء أصحاب هذه النظرية بأن الجماعات الإثنية كيانات بدائية لم تتغير. أمّا ستيفن غروسبي، وهو من أشد دعاة النظرية البدائية، فيتهم هاستينغز «بالتواتر الذي يفتقد اليقين» بزعمه أن إسرائيل التوراتية توفر مثاالنموذجيًا للأمم اللاحقة (-130 ص 131)، في حين اعتبر هوبزباوم أن «النظرية البدائية تُعَدّ خطرة على المؤرخين وعلماء الاجتماع في آن، تربك التحليل الاجتماعي – الثقافي عبر الفشل في التمييز بين الأمة الطامحة جوهريًا إلى تشكيل دولة، ومجموعات من المجتمعات المحلية المشتتة سياسيًا بسبب بنيتها التركيبية، كما أنها تشوّش التحليل الاجتماعي – السياسي عبر الإخفاق في التمييز بين الواقع الوطني المُتحَقق وبين الإمكانية الوطنية غير المحددة» (ص 135).
الحداثة
يتضَاد الحداثيون في نظرتهم إلى موقع القومية ونشوء الأمم مع أصحاب نظريات البدائية والمجتمعات المتواترة، ويُموضِع هؤلاء تجسُد القومية في نقطة الدائرة الحداثوية، بوصفها نتاج أنماط حديثة محددة مثل الرأسمالية والتصنيع والتمدين والعلمانية وظهور الدولة البيروقراطية الحديثة، أي إنه لم يكن ثمة مكان للأمم أو القومية في الحقبة ما قبل الحديثة. في هذا الإطار، يناقش المؤلف ثلاث فئات من نظريات الحداثيين، تتناول التحولات الاقتصادية، والتحولات السياسية، والتحولات الاجتماعية/ الثقافية، عارضًا لمؤلفات الجيل الجديد من الماركسيين
وإعطائهم ثقل ا أكبر لدور الثقافة والأيديولوجيا واللغة في تحليلاتهم. ومن أبرز هؤلاء توم نيرن في كتابه تفكك بريطانيا: الأزمة والقومية الجديدة (8119)، ومايكل هيكتر في كتابه الذي صدر سنة 9751 الاستعمار الداخلي: الطرف السلتي في التطور القومي البريطاني 1966-1536. يرى نيرن أن القوميات تحتوي على بذور التقدم والنكوص في آن، وهذا الغموض ربما هو سبب بقائها، إذ إن جوهر القومية غامض وملتبس من الناحيتين السياسية والأخلاقية، لكنه يضيف أن أعظم فشل مُنيت به الماركسية التقليدية هو الاعتقاد الراسخ بأن الطبقة تحظى دومًا بأهمية أكبر في التاريخ من الفوارق الوطنية (ص-147 814)، لكن نيرن تخلى بعد سنوات عن موقفه، وتبنّى موقفًا أكثر تعاطفًا مع نظرية البدائية. وفي باب التحولات السياسية لتفسير القومية، يعالج المؤلف آراء من كتبوا في هذا المجال، ومنهم جون برويللي وكتابه القومية والدولة (8219)، وبول آر. براس، وإريك هوبزباوم. يرى برويللي أن القومية تتعلق قبل كل شيء بالسياسة والسياسة بالسلطة (ص 016)، إضافة إلى وظائف مختلفة تؤديها الأفكار القومية، وهي التنسيق والتعبئة والشرعية تجاه الدولة التي تعارضها (ص 165). ويشدد براس على الطبيعة الأدواتية للإثنية والقومية عمومًا، إذ تصبح هاتان الفكرتان أداتين ملائمتين في أيدي النخب المتنافسة لتوليد الدعم الجماهيري، في سعيها من أجل الوصول إلى الثروة والسلطة والمكانة (ص 166). ويلاحظ براس أن التعبئة الطائفية تتحقق بسهولة كبيرة في نمطين اثنين من الأوضاع: حيث توجد نخبة دينية وشبكة مدارس دينية، وحين تعترف سلطات الدولة باللغة المحلية بوصفها أداة شرعية للتعليم والإدارة (ص.017) أمّا المؤرخ الماركسي هوبزباوم، فيرى أن الأمم والقومية نتاج ل«الهندسة الاجتماعية»، وما أسماه «اختراع التراث» (ص 174)، معتبرًا أن الفترة ما بين سنتي 8017 و 9141 هي ذروة التراثات المُخترَعة، ومنها تطور التعليم الأساس، وابتكار المراسم الشعائرية العامة، وإنتاج النصب التذكارية العامة (ص 176)، مميّزًا بين القوميات التي ظهرت في أواخر القرن العشرين، و«لم تعد مسارًا رئيسًا للتطور التاريخي»، بل غدت سلبية ومثيرة للنزاع والخلاف، وتلك التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، وكانت «توحيدية وجسدت الحقيقة المركزية للتحول التاريخي»(ص. 180) وفي باب التحولات الاجتماعية-الثقافية، ناقش المؤلف أفكار إرنست غيلنر (الفيلسوف وعالمِ الاجتماع والأنثروبولوجيا) وبندكت أندرسون، وميروسلاف هروش. ووصف كتاب غيلنر الفكر والتغيير (6419) بأنه الأكثر نفوذًا وتأثيرًا (طُبع تسع عشرة مرة وبيع منهِ 016 ألف نسخة في سنة 8319)، وتكمن أصالته «في مداه النظري الواسع». وهو ينقل عن غيلنر قوله «أنا حساس في العمق لسحر القومية الطاغي، وأستطيع أن أعزف بفمي نحو ثلاثين أغنية من فولكلور بوهيميا» (ص. 831)، معتبرًا أن القومية مبدأ سياسي أساسًا، مفسرًا غياب الأمم والقوميات في العصور ما قبل الحديثة بالإشارة إلى العلاقة بين السلطة والثقافة، مؤمنًا بأن يكون لكل ثقافة دولة كي تحمي نفسها من الأخريات «وهذه هي القومية»، مميزًا بين ثقافات برية جامحة في مرحلة ما قبل القوميات، وثقافات مدجنة في الحقبة الحديثة (ص 88 1)، مفترضًا – أي غيلنر - خمس مراحل «على الطريق من عالم الإمبراطوريات غير الإثنية والوحدات المصغرة إلى عالم الدول القومية المتجانسة»: نقطة الانطلاق؛ التحريرية الوحدوية القومية حيث تتعرض الحدود والبنى القديمة للضغط من الاهتياج القومي؛ انتصار التحريرية الوحدوية الوطنية والتدمير الذاتي، وفيها تنهار الإمبراطوريات المتعددة الإثنيات؛ و«الليل والضباب»، وهو تعبير نازي وفيها تعلّق
المعايير الأخلاقية، ويطبق مبدأ القومية الذي يتطلب وحدات وطنية متجانسة بنوع جديد من الوحشية، وتحل عمليات القتل والترحيل الجماعي محل الدمج والهضم؛ والمرحلة ما بعد الصناعية التي أعقبت سنة 9451، وفيها «يؤدي مستوى مرتفع من إشباع المبدأ القومي، بمصاحبة وفرة عامة وتقارب ثقافي، إلى إضعاف، لكن ليس إلى اختفاء، خبث القومية» (ص.)-190191 في سنة 83 19، نشر أندرسن كتابه الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، وصف فيها الأمم بأنها «جماعات متخيلة»، مؤكدًا أن «القومية ظهرت قرب نهاية القرن الثامن عشر نتيجة تكثيف تلقائي لنقطة تقاطع معقدة بين قوى تاريخية منفصلة، وما إن وجدت حتى أصبحت نماذج يمكن محاكاتها في تشكيلة واسعة التنوع من البيئات الاجتماعية بواسطة تشكيلة واسعة من الأيديولوجيات ذات الصلة» (ص. 194)، معرّفًا الأمة بأنها «مجتمع سياسي متخيّل». وهو متخيّل لأن أفراد حتى أصغر الأمم لن يعرفوا أبدًا إخوانهم، كما أنه متخيّل بوصفه محدودًا لأن لكل أمة حدودًا ثابتة ومعينة تقع خلفها أمم أخرى (ص. 194). ووفقًا لأندرسن، فإن التخيل لا يعني الاختلاق والتزييف (ص 196)، لافتًا إلى الظروف التي تؤدي إلى ظهور مثل هذه الجماعات المتخيَلة، مُبتدئًا بالجذور الثقافية للقومية، ومستشهدًا بانحسار الجماعة الدينية والممالك الوراثية في أوروبا وما وفرته من حيّز تاريخي وجغرافي لنهوض الأمم في القرن السابع عشر (ص 196)، ليخلص إلى أن «الخيال يزحف بطريقة صامتة وهادئة ومتواصلة لينتشر في الواقع ويخلق تلك الثقة المشهودة بوجود مجتمع غير مميز الملامح يعتبر من معالم الأمم الحديثة» (ص. 199). يناقش المؤلّف، في القسم الأخير من فصل الحداثة، أفكار ميروسلاف هروش كأول باحث أكاديمي عمل على التحليل الاجتماعي-التاريخي الكمي للحركات القومية في إطار منهجي مُقارَن، وربط تشكيل الأمة بعمليات التحول الاجتماعي، ولا سيما انتشار الرأسمالية وغيرها من العوامل. وقد عرف قارئ الإنكليزية كتابات هروش عبر كتابات هوبزباوم ونيرن ومثلهما غيلنر (صدر كتاب هروش الشروط الاجتماعية للانبعاث القومي في أوروبا سنة 8 196 في براغ، وتلاه كتابهالأمم الأوروبية الصغيرة:أمم شمال اوروبا وغربها سنة 971.)1 في تحليله المقارن للتركيبة الاجتماعية للجماعات الوطنية بين الأمم الاوروبية الصغيرة، يتناول هروش أوضاع ثماني دول قومية كانت في بداية القرن التاسع عشر في أوروبا، بلغاتها الأدبية المتطورة، وثقافاتها الرفيعة وتجانُس نخبها الحاكمة إثنيًا، هذه الدول هي إنكلترا وفرنسا وإسبانيا والسويد والدنمارك والبرتغال وهولندا ثم روسيا، تجاورها أمتان بازغتان هما ألمانيا وإيطاليا المتطورتان ثقافيًا ومتجانستان إثنيًا، ولكن من دون سقف سياسي. وكان هناك في الوقت ذاته أكثر من ثلاثين «جماعة إثنية غير مهيمنة» يلفت هروش الانتباه إلى ارتباطها بشرق أوروبا وجنوبه، وشعورها باهتياج قومي (بدايات سنة 8001) واكتشافها وجود نواقص ستزول بقيام أمة المستقبل. ويعدد هروش من هذه الحالات اليونان، إيرلندا، التشيك، الكروات، الفلمنك، الويلز، لاتفيا، إستونيا... إلخ، مطلقًا على هذه الحركات تسمية حركات وطنية، نابذًا وصفها بالقومية، فالقومية ليست سوى شكل من الأشكال الكثيرة للوعي الوطني التي ستظهر في مسار هذه الحركات (ص 206 و 207 و.)208 يفرد المؤلف صفحات لنقد الحداثيين على يد دعاة البدائية والإثنية – الرمزية، وبعض الحداثيين أنفسهم. غير أنه يرى، على الرغم من ذلك، أن الحداثة تبقى العمود الفقري لبعض التحليلات البالغة التأثير والنفوذ في ما يتعلّق بالقومية.
الإثنية - الرمزية
يشير هذا التعبير – عنوان الفصل الرابع من الكتاب - إلى «مقاربة تشدد على دور الأساطير والرموز والذكريات والقيم والتقاليد التراثية، في تشكيل الإثنية والقومية وبقائهما المستمر والتغيير الذي يطرأ عليهما»(ص 257). ووفقًا لتعريف أبرز مناصري هذه النظرية، أنتوني سميث، فإن هذه المقاربة تشدد على الحاجة إلى إجراء تحليل للهويات الثقافية الجمعية على مدى حقب قد تدوم قرونًا عدة، معتبرًا أن «المشكلة في النظريات الحداثية... تتمثّل في كونها تقدم تعريفًا، لا للأمة بحد ذاتها، بل لنوع خاص من الأمم: الأمة الحديثة... ولذلك فهو جزئي ومتمركز على أوروبا اعتقادًا بتفوقها الثقافي، وما نحتاج إليه هو تعريف مثالي-نمطي للأمة، يتعامل معها بوصفها صنفًا تحليليًا عامًا يمكن تطبيقه من حيث المبدأ على القارات والعصور التاريخية كلها» (ص. 265) أمّا جون أرمسترونغ، فيشدد في كتابه أمم قبل القومية (8219) «على أهمية المدة الزمنية الطويلة لدراسة القومية بهدف استكشاف ما يدعى الأمة»، نافيًا وجود الأمم قبل القومية، ومتفقًا مع أندرسن وهوبزباوم على أن الهوية الوطنية ليست سوى اختراع، في حين يغمز الأنثروبولوجي النروجي فريدريك بارث من ميول الجماعات بالتعريف عن نفسها ليس بما تملكه من سمات وإنما بالاستثناء تجاه الأجانب، وهو ما أدى الى نفور كثير من علماء الاجتماع من تحليل الهوية الإثنية بسبب تشابكها مع الولاءات الدينية (ص. 261-262) تعرضت النظرية الإثنية-الرمزية لانتقادات شتى، عرض مؤلف الكتاب خمسة منها، تراوحت بين اتهامهم بالارتباك المفهومي، وبإقلالهم من أهمية الفوارق بين الأمم الحديثة والمجتمعات الإثنية المبكرة، ونفي الحداثيين وجود أمم وقوميات في الحقب ما قبل الحديثة، وافتقار التحليلات الإثنية-الرمزية إلى التفاصيل التاريخية والصرامة التحليلية، إضافة إلى تشييئهم الأمم. ويخلص أوزكيريملي إلى أن الإثنية-الرمزية تدور حول الاستمرارية والعودة والاستحواذ أو الطريقة التي يقيد بها الماضي الحاضر (إسرائيل نموذجًا).
مقاربات جديدة
يسند المؤلف قوله بمرحلة جديدة من مراحل الجدل النظري حول القومية إلى ما شهدته نهاية ثمانينيات القرن العشرين من حجج وصَفها بالجوهرية (مرحلة تفكك جمهوريات الاتحاد السوفياتي والدول المجاورة)، ودفق الدراسات النقدية تجاه التيار الكلاسيكي السائد حول القومية، وسعي الدارسين الى استشكاف طرائق جديدة للتفكر في الظاهرة الوطنية. وهو يلاحظ تأثر المقاربات الجديدة بالانعطافة الثقافية في العلوم الاجتماعية بسبب ظهور حركات اجتماعية جدية في الربع الأخير من القرن العشرين تحدّت التجانس المزعوم للثقافات والهويات الوطنية في الغرب. كما يعرض لطروحات الكاتبات النسويات وسعيهن إلى تقديم فهم للقومية يأخذ الجندر (النوع الاجتماعي) بالاعتبار عبر استكشافهن أمتهن على الصعد البيولوجية والرمزية والأيديولوجية. كما يعرض لتعقيبات الباحث الماركسي الفرنسي إيتيان باليبار، وتحديدات مايكل بيليغ في كتابه قومية مبتذلة (9519)، ليكمل نقاشه للانتقادات الموجهة إلى المقاربات الجديدة تلك، ومن أبرزها عجزها عن تفسير العواطف الحماسية التي تولدها القومية، وجزئيتها وتشظيها، ومبالغتها في انحطاط الأمم والقوميات. يؤكد المؤلف، في نهاية الكتاب الذي لم يأت قط إلى ذكر القومية العربية، على وجوب «أن نستمر في طرح الأسئلة، والتنقيب في عمق منطق القومية، والارتكاز إلى التقدم المفهومي والنظري الذي حققه السابقون، من دون أن نكتفي به، كي نزيل الضباب الذي لا يزال يلفها مع بزوغ فجر قرن جديد» (ص. 383)