Return to Article Details On the Transformations of the Concept of Arab Nationalism by Hani Awwad [Arabic]

في تحوّلات مفهوم القومية العربية لهاني عواد

On the Transformations of the Concept of Arab Nationalism by Hani Awwad [Arabic]

شمس الدين الكيلاني

Chamseddin Alkilani

الملخّص

يُفصح هاني عوّاد بوضوح، في كتابه تحوّلات مفهوم القومية العربية من المادي إلى المتخيّل، عن أنّه يريد أن يقارب أبحاث المفكرين العرب في المسألة القومية من خلال منهجية تاريخية منفتحة على دروس المنهجيات الحديثة. ويبحث عن الخلاصة التي توصّل إليها هذا الفكر في تفحّصه المسألة القومية العربية، فيُعرِّف القارئ، منذ البداية، بالمشكلة التي صدمت الفكر العروبي وجعلته يواجه صعوبات الواقع العربي المتخلف والمجزَّأ بالتحليق النظري والأيديولوجي.

Abstract

Hani Awad in his book “The Concept of Arab Nationalism from the Material to the Imaginary” clearly expresses his desire to approach the research of Arab thinkers on the question of nationalism by means of a historical method that is open to the lessons of modern methodologies. He seeks the conclusion that this thinking has reached in his investigation of the question of Arab nationalism, and from the outset, he makes the reader familiar with the problem that shocked pan-Arab thought and made it confront the difficulties of the underdeveloped and divided Arab reality by theoretical and ideological brilliance.

الكلمات المفتاحية:
  • القومية العربية
  • الأيديولوجي
  • المتخيل
Keywords:
  • The Concept of Arab Nationalism
  • the Imaginary
  • modern methodologies

الكتاب: تحولّات مفهوم القومية العربية من المادي إلى المتخيّل

الكاتب: هاني عوّاد مكان النشر: بيروت تاريخ النشر: 2013

الناشر: الشبكة العربية لأبحاث والنشر

عدد الصفحات: 191

يُفصح هاني عوّاد بوضوح، في كتابه تحولّات مفهوم القومية العربية من المادي إلى المتخيّل، عن أنّه يريد أن يقارب أبحاث المفكرين العرب في المسألة القومية من خلال منهجية تاريخية منفتحة على دروس المنهجيات الحديثة. ويبحث عن الخلاصة التي توصّل إليها هذا الفكر في تفحّصه المسألة القومية العربية، فيُعرِّف القارئ، منذ البداية، بالمشكلة التي صدمت الفكر العروبي وجعلته يواجه صعوبات الواقع العربي المتخلف والمجزَّأ بالتحليق النظري والأيديولوجي. كان العرب يشعرون بهويتهم

العربية منذ القرن الثالث هجري. وتردِّد صدى هذا الشعور في خضم مواجهة الشعوبية، واحتفظوا به زمن العثمانيين، من دون أن يضطروا إلى صناعة الأيديولوجيا القومية لتبرير تلك المشاعر وقبل أن يشرعوا في الدعوة إلى الوحدة العربية. ولم تظهر بذور هذه الأيديولوجيا والدعوة إ في القرن التاسع، لتنضج في القرن العشرين. وهذا يعني أنَّ العرب كانوا يدركون، بلا توسطات نظرية وأيديولوجية، أنهم جماعة ذات هوية خاصة حتى وهُم تحت السيطرة السياسية العثمانية. ثم ظهرت لديهم اليقظة قومية

في ثوبها الثقافي كإحياء أدبي ولغوي وتاريخي أوالً، لتأخذ ثانيًا شكل ا سياسيًا بارزًا، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في سياق تشكيلهم الجمعيات الثقافية والسياسية، فركزوا نشاطهم السياسي القومي، في بداية هذه المرحلة السياسية، على مشروع الشراكة العربية-التركية التي تجمع بين فكرة لامركزية الدولة العثمانية والدستور الديمقراطي. لكن تجربة تحالفهم الصعبة مع جمعية الاتحاد والترقي التركية، وتنكُّر هذه الجمعية، بعد تسلُّمها السلطة في العهد الدستوري سنة 0819، لعهودها الخاصة بمشروع الشراكة العربية-التركية الرامي إلى بناء دولة على أسس دستورية ديمقراطية، وانتهاجها بدالً من ذلك سياسة التتريك، كلّ ذلك دفع النخب العربية إلى الاتجاه نحو مطلب الاستقلال واتحاد المشرق العربي، فكان المؤتمر العربي الأول في باريس سنة 9131، وهو المؤتمر الذي جمع قادة الجمعيات العربية، ولاسيما جمعية العربية الفتاة، ووجهها السياسي حزب اللامركزية العثماني، فكان المؤتمر بمنزلة المحطة المفصلية، إذ طرحت فيه تلك النخب فكرة الشراكة العربية-التركية الدستورية والحكم الذاتي للولايات العربية المشرقية. بعدها، انتقلت تلك النخب نحو المطالبة بالاستقلال واتحاد بلدان المشرق العربي، وانضووا تحت راية الشريف حسين لهذا الهدف، حتى إذا ما انفصلت بلاد المشرق العربي عن العثمانيين، عمل الانتداب الأجنبي على تجزئتها من الناحية الإقليمية، فأصبحت الكيانات الناشئة، مع الأيام، ثابتة بقوة استمرار مؤسسات الدولة القائمة وما صاحبها من تشكيلات إدارية وخصوصيات قطْرية، ومن دعم النظام الدولي لحدود الدولة القائمة. هكذا، اختلفت حال العرب في المشرق، في التجزئة الجديدة القائمة على أسس التبعية الكولونيالية، عن تقسيمهم إلى ولايات في العهد العثماني الذي قام في ظلّ التأخر التاريخي وسيادة العلاقات ما قبل الرأسمالية وما يرافقها من ركود اقتصادي وسياسي واجتماعي، لكنه ترك الحدود مفتوحة أمام تنقّل الأشخاص والسلع. يراقب عوّاد شقاء وعي النخب القومية التي تحلم بالوحدة، لكنها تصطدم، منذ الربع الأول للقرن العشرين، بواقع نكبة التجزئة إلى جانب المشروع الصهيوني، ومعهما تلك القوة الدولية الكاسحة التي تفرض عليه وقائع جديدة بالقوة القاهرة. وأمام هذا الافتراق بين الحلم وكابوس الواقع المجزّأ، اتجه بعض المثقفين القوميين، كتعويض عن قتامة الواقع وبؤسه، نحو التحليق الأيديولوجي؛ فالمثقف القومي الذي برز في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وجد نفسه أمام دولة فعلية/ واقعية حديثة لا يعترف بها، ولا يتعامل معها بجدّية كي يناضل في سبيل تحويل مؤسساتها وأطرها القانونية لتلاقي إمكانية الانخراط في تجمع عربي على غرار التجمع الأوروبي على الأقل. تعامل المثقف القومي مع الدولة الوطنية/ القطرية (الواقعية) من جهة والدولة القومية التي يصبو إليها من جهة أخرى، كنقيضين لا جامع بينهما: الأولىتتخذ لديه موقع الشر المطلق، بينما يُنظر إلى الثانية، الدولة القومية، على أنها الخير المطلق، وكلٌّ منهما ينفي الآخر ولا يفضي إليه. لهذا، لا يرغب المثقف القومي في الانخراط في مشكلات الدولة الوطنية/ القطْرية كي يجد سبيل ا يرتفع به نحو تكوين تجمّع عربي جديد من خلال تحولات مؤسساتها نفسها، بل يضع نفسه في موقع النفي لها، فيسخّر طاقاته كي يدمجها، بقرار ثوروي، بدولة أخرى ولو بالقوة، على طريقة محمد عزة دروزة، أو بالدولة القاعدة، على طريقة نديم البيطار. هذا الافتراق والتجافي بين الواقعي والتخيُلّي، بين صعوبات الواقع الذي تجابه الوعي القومي وبين سلاسة اليوتوبيا تبزغ الأيديولوجيا وتستطير، وذلك طردًا كلما اتسعت تلك الفجوة

بين الواقع والمثال من أجل تغطية تلك الفجوة بينهما أو من أجل علاجها. انطلاقًا من ذلك، يتناول عوّاد بالتحليل تحولات الأيديولوجيا القومية العربية الكبرى في تعرجاتها الثلاثة، فينمذجها في أربعة مفكرين هُم على التوالي: محمد عزة دروزة في اللحظة الفكرية الأولى، ونديم البيطار وقسطنطين زريق في اللحظة الأيديولوجية الثانية، وأخيرًا عزمي بشارة في اللحظة الثالثة التجديدية النقدية التي فتحت خطًا جديدًا أنهت فيه التنابذ بين القومي والديمقراطي. ولقد ترك عوّاد جانبًا اللحظة الأولى لانطلاق الفكرة العربية التي عربّ عنها خير تعبير المؤتمر العربي الأول سنة 3191 في باريس، وكان أبرز من حضره عبد الغني العريسي وعبد الكريم الخليل ونجيب عازوري وتوفيق السويدي وعبد الحميد الزهراوي، وخلت مقرراته من الديباجات الأيديولوجية التي سنصادفها لدى قوميي الثلاثينيات والأربعينيات، أمثال دروزة، على الرغم من حضوره المؤتمر، وزريق والأرسوزي وعفلق. ركّز المؤتمر في مقرراته ومقالات أغلب المشتركين فيه على السياسة القومية لا على التبريرات الأيديولوجية. وع عن المشاعر العمومية للعرب، مشاعر الإنسان العربي العادي، من دون تضخيم في العنصر الأيديولوجي، فكان شغله الشاغل الشأن السياسي العربي ومصير العرب السياسي في الدولة العثمانية ومكانتهم فيها والخيارات الممكنة الأخرى المفتوحة أمامهم. ومزج بين الفكرة العربية والديمقراطية واللامركزية العثمانية. عقب هذا المؤتمر، انتقل الفكر القومي في بداية القرن العشرين، على أثر ابتلائه بالانتداب والتجزئة، إلى السياسة العملية التي يمكن تلخيصها بالشعار التالي: الاستقلال الوطني نحو الاتحاد كصيغة للتجمع العربي المرتقب. ولخَّصت مقررات المؤتمر الوطني السوري سنة 2019 وعي تلك النخب بمسألة الجمع بين الدستورية والاتحادية. وقد عربّ زين نور الدين زين عن توجّهات أصحاب الفكرة العربية آنئذ، حين قال: «كان قادة العرب يؤمنون بأنه يستحيل على الحكومة التركية أن تدير إدارة فعالة شؤون إمبراطورية مترامية الأطراف تتألف من قوميات وشعوب ولغات مختلفة متباينة في العادات والتقاليد، إذا كانت الحكومة مركزية، كانوا يرغبون في أن يروا قيام حكومة دستورية ديمقراطية تمثّل جميع طبقات الشعب تمثيل ا حقيقيًا؛ فقد كانت الحكومة التركية، آنذاك، حكومة دستورية بالاسم لا بالفعل. ذلك لأن العناصر البشرية المختلفة التي كانت تقطن الإمبراطورية العثمانية لم تكن تتمتع بالحقوق نفسها، وبالإمكانات نفسها التي كان الأتراك يتمتعون بها». يطرح عوّاد في فصول كتابه إشكاليّتين رئيستين: تتساءلالأولىعامّ إذا كان الفكر القومي العربي قد أجرى -ضمن صيرورته الثقافية- نقدًا داخليًّا استطاع من خلاله مواكبة مشكلات الواقع العربي على مدار القرن الفائت؛ وتنظر الثانية في قدرة الفكر القومي العربي، عبر إنتاجه المعاصر، على تشييد مشروع سياسي اجتماعي يعيد التفكير في قضيّته المتمثّلة في بناء أمّة حديثة. ويتفرع من ذلك سؤالان: هل تجاوزت الفكرة القومية العربية في أطروحاتها العقبات المعرفية ليتيسر لها وصل ما هو منقطع بين ما تنطوي عليه أيديولوجيتها من أحلام وبين واقع التجزئة الصلب، وذلك بالتوصل إلى استراتيجيا ملائمة تردم الهوة بين الممكن والطموح، وكيف جدّدت صلتها بواقعة الدولة الوطنية/ القطْرية؟ وهل مازال يحكم علاقتها بهذه الدولة النفي والإنكار من دون استراتيجيا مجدية للعمل على تكوين تجمّع عربي فعال يكون له دور مهم في العالم، أم أنها ردمت تلك الفجوة، وجدَّدت علاقتها بالواقع بطريقة

مختلفة بحيث أصبحت لديه الدولة القطْرية واقعة لا مناصَ من التعامل معها بصورة جدية؟ ومن ثم يحيل عوّاد تلك الأسئلة والإجابات عنها إلى مناقشة نتاجات أربعة مفكرين من أعلام الفكرة العربية هُم: دروزة، ثم حلقة قسطنطين زريق – ونديم البيطار- ويتوج بحثة بدراسة أطروحات الدكتور عزمي بشارة التجديدية التي زاوجت بين الديمقراطية والمسألة القومية بطريقة تجعل الواحدة منهما تحيل إلى الأخرى في مشروع حداثي يرتكز على المواطَنة وعلى مفهوم أمّة المواطنين. ويحاول عوّاد، في تناوله الفكر القومي العربي، أن يقاربه في صيرورته التاريخية في سياق علاقته المعقدة ب«مشكلات» الواقع العربي الحقيقية، وفي تحولاته الأيديولوجية في خضم مواجهته لذلك الانفصال بين الدولة الواقعية والدولة المُتخيلة، وإدراكه العميق للفجوة الحضارية التي باتت تفصل واقع العرب القومي عن أوروبا.

دروزة: البحث عن الأصول/ الجوهر

قدَّم عواد في الفصل الأولفرضيات جديدة عن مساهمة دروزة النظرية في تشكيل الأيديولوجيا القومية العربية، فاعتبر في الفرضية الأولى أنه «نموذج لمفكر يسترجع التاريخ ليرفض الحاضر»، وأنه قدَّم خلاصة لصيرورة «الفكر القومي العربي في بداياته» ضمن خصوصية فلسطينية تفتقر إلى سلطة مركزية وإلى دولة، في خضم مواجهة الكولونيالية التي حرمت فلسطينَ بناء كيانها الخاص حتى في ظل الانتداب كحال لبنان وسورية والأردن، فيضطر دروزة جرّاء ذلك إلى استنطاق «الثقافة القومية» في مواجهة حالة الاستعمار الكولونيالي والاستيطاني المركّب. ويأخذ عوّاد عليه أنه تمثّل، في أثناء تشكُّل المنظومة الصهيونية، النموذج الذهني الذي قدمته إليه هذه المنظومة عن نفسها، وشكَّل أيديولوجيته القومية بناء عليها، وأقام، على هذا الأساس، نموذجًا للقومية في صورة الجوهر العربي المتمثّل في الجنس العربي. أمّا الفرضية الثانية التي تحمل نوعًا من المجازفة النظرية، فتتمثّل في اعتقاد عوّاد أن «تمثُّل النموذج القومي عبر مرآة الصهيونية سوف يعكسه إلى حدٍّ بعيد في قراءته للتاريخ»، فكتب: «نفترض في هذا البحث أن دروزة في أثناء تطور وعيه القومي، تأثر بقوة بالترسيمة الذهنية الأولى للصهيونية، كما تمثّلها واستبطنها لتشييد فكرته عن القومية العربية في المجال الفلسطيني»، وذلك تحت ضغط الاستعمار الذي لا يترك للمقاومين فرصة التعرف إلى تخيلهم لنفسهم» (ص 22 -.)24 استخدم عوّاد في بحثه المنهجيات الحديثة، الفلسفية منها والأنثربولوجية، بشأن المُتخيَّل والصورة، وهي التي خطت خطوة كبيرة مع دلتاي وباشلار وكون، من دون إغفال العروي. وقد عمل دروزة على تأصيل الرابطة القومية على مفهوم «الجنس العربي»، وهي الصورة نفسها التي عكستها، برأيه، الصهيونية في خطابها عن نفسها. وشيّد قوميته في نموذج ذهني قائم على فكرة الجنس العربي، أو على جوهر جنس عربي ثابت صلب مضاد لجوهرية جنس يهودي. ولقد أخذت هذه الفكرة من دروزة – بحسب عوّاد - ستة كتب: دروس في التاريخ العربي منذ أقدم الأزمنة حتى الآن؛ تاريخ الجنس العربي؛ عصر النبي وبيئته قبل البعثة؛ العرب والعروبة في حقبة التغلب التركي؛ نشأة الحركة العربية الحديثة؛ الوحدة العربية. وكان هدف دروزة في توحيده الجنس العربي بالسامي هو «إقصاء» الآخر اليهودي. بل يذهب عوّاد في فرضياته إلى حد أبعد، عندما يؤكد «أن الفكرة القومية كما تمثّلها دروزة عن الصهيونية، كانت بمثابة النظارة التي قرأ وكتب من خلالها تاريخ الدعوة الإسلامية في مرحلتها

الأولى، حتى طالت نبي الإسلام، ليحرص على إثبات نقاء دمه» (ص 23 و 36). لعل تركيز بحث عوّاد على أصل تصورات دروزة القومية في تأثير الصهيونية الانعكاسي جعله هيُمل الجوانب الأخرى لفكر دروزة المنتمي إلى جيل القوميين العقائديين من العرب الذين برزوا في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، وإلى أصحاب العقائد والأيديولوجيات الصلبة؛ إذ إن دروزة كان ذا فكر منتمٍ، إلى حد كبير، إلى التربية الفكرية ذاتها التي كانت لجماعة عصبة العمل القومي، ولزكي الأرسوزي وعفلق، وأيضًا لقسطنطين زريق، وكان ذلك متماشيًا مع إطلالة الفكر الفاشي والعنصري في الغرب في ثلاثينيات القرن العشرين، ووجد من يمثّله في بلادنا، أنطون سعادة وجماعة مصر الفتاة، كما تزامن مع بروز الطبعة الأولى من تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا لمصلحة عصبة نخبوية احتكرت تمثيل الإسلام، مع نشأة جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا سنة 2819، وكذلك مع بروز الأيديولوجيا البلشفية الشيوعية التي وجدت لها استطالات في البلاد العربية. كان عقد الثلاثينيات العصر الذهبي عالميًا وعربيًا لظهور المجموعات العقائدية المتشددة والأحزاب العرقية، مع التعلق الشديد بالزعامات الملهِمة. وفي هذا المناخ، عاش دروزة الذي لا يمكن أن نحصر جهده في التركيز على تأثير عامل واحد، ولا على بُعد واحد. لقد دشن دروزة، من بين المفكرين القوميين العرب، حقبة التبشير ب«الوحدة الاندماجية»، والتعويل على الزعيم الملهَم وعلى استخدام القوة لإنجاز هذه الوحدة. هذه هي الثلاثية التي بقيت تلازم الفكر القومي حتى سبعينيات القرن العشرين، وما زالت تجد لها أصداء بين القوميين إلى الآن!

نديم البيطار: آليات بناء دولة الوحدة

يذهب عوّاد إلى أنه إذا كان نديم البيطار قد مضى إلى الحدّ الأيديولوجي الأقصى من علمانيته القومية ومن افتراضاته ذات الطابع البنيوي المغلق على نموذج ثابت لطريق الوحدة، إذا صحَّ التعبير، فإن قسطنطين زريق، ممثل ا للاتجاه الثاني، ذهب إلى نقيض النظرة الثابتة البنيوية للتاريخ، إذ أدرك الحوادث في سيولتها وتحولّاتها ضمن محطات تاريخية كبرى، جعل فيها من حاضر الغرب مستقبل اللعرب. وردَّ زريق القومية العربية -بحسب عوّاد- إلى دائرة الأخلاق لا إلى دائرة السياسة، وحصرها في الحيّز الخاص، وأقصاها عن الحيّز العام. لم تكن هذه النقلة لتجري لولا أنَّ زريق استبدل الدعوة القومية بدعوة أخرى للتحديث، واقتبس الأساليب الحديثة في تطويع واستغلال الموارد والإنتاج والتنظيم، واللحاق بركب الشعوب المتقدمة تقنيًا وعلميا؛ فالآلة، برأيه، هي التي تحرك المجتمع وتضمن له الحرية والاستقلال! ولعلنا نستطيع هنا أن نقول، على هامش بحث عوّاد، إن زريق وضع القومية بأحد تجلياتها في سياق التحديث، ولهذا رفض الحديث عن أمة عربية في وقتنا الراهن -على الرغم من قوله بالرسالة الخالدة التي اقتبسها عنه عفلق- أو في الماضي السحيق على طريقة الأرسوزي وعفلق، بل سلك الطريق الذي سلكه الدكتور عزمي بشارة، في ما بعد، عندما ربط تشكّل الأمة زمنيًا وتكوينيًا بالحداثة. درس عوّاد في الفصل الثانيخطاب نديم بيطار القومي الذي نقل مركز الثقل في بحثه من الأمّة إلى السلطة، في سبيل الوصول إلى «قانون» نشوء الوحدة القومية وشروطها الناجعة. غير أن البيطار ينتسب بحق إلى الحقبة الناصرية، إذ طابقت نظريته «الوحدوية» النموذج «الناصري»: الدور

المركزي لمصر الوحدوية، وزعامة عبد الناصر الملهمة والمحركة لها، وذلك حين انتقل النظر في زمن عبد الناصر إلى مستوى جديد من العلاقة في الواقع، كانت تبدو فيه دولة الوحدة قريبة المنال، وراهنة بمعنى أنها أصبحت ضرورية وممكنة، ثم انتقلت بفضل انخراط مصر بقيادة الزعيم عبد الناصر في مشروع الوحدة من مجال الأحلام إلى مجال الممارسات التاريخية، ولا سيما بعد تحقيق الوحدة بين مصر وسورية (22 شباط/ فبراير 8195). غير أن عوّاد وضع البيطار إلى جوار قسطنطين زريق، ربما على سبيل المقارنة، أو ربما لأنه توسم فيه مفكرًا للحقبة نفسها وللتربة الأيديولوجية نفسها التي ينتسب إليها زريق. كما وضعه في مصاف «الجيل الثاني» من المفكرين القوميين العرب، وإن وقف في وقت مبكر على الحد الفاصل بين التربتين الفكريتين للجيلين الأول والثاني، أي «الحقبة الكلاسيكية التي نظرت إلى مقومات القومية في العالم العربي من لغة وتاريخ ودين، مركِّزة على السؤال التنويري الأخلاقي، والحقبة الجديدة التي ركزت على تقنيات السلطة وغاصت في ميدان سوسيولوجيا المجتمعات العربية المتعددة » (ص. 50) يعود الكاتب إلى الجيل الثاني الذي أوصل الفكر القومي العربي، في صيرورته وجدله مع مشكلات الواقع، إلى تجاوز تركيز الجيل الأول على العناصر الأولية المشكّلة للأمة: اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة، لينصبَّ اهتمامه على البحث في الدولة والسلطة القوميتين. فكان نديم البيطار نموذجًا للمفكّر الذي انتقل في بحثه إلى القوانين الناظمة لعملية التوحيد القومي، أو التي تتحكم في طريقة قيام الدولة-الأمة، بدل البحث عن مقوّمات الأمة، وعن أصولها وعوامل تكونّها، أكان في اللغة أم في التاريخ أم العِرق.. إلخ. وقد توصّل إلى تلخيص تلك القوانين في ثلاثة مبادئ هي: إقليم قاعدة يرتكز عليه العمل الوحدوي، وسلطة مشخصنة تقود عملية التوحيد وتحشد الجمهور، وخطر خارجي يحفز على الوحدة ويدفع الدولة القطْرية إلى التجمع. قرأ البيطار تجارب الأمم، وخلص إلى «أن الأمة ليست سبب الدولة بل نتيجتها. فالدولة هي التي خلقت الأمة، وليست الأمة هي التي خلقت الدولة»، فتجاوز بذلك الفكرة القديمة التي تُرجع نشوء الدولة القومية إلى يقظة الشعور القومي أو إلى هوية قومية سابقة. وقد دفع هذا القلب للأطروحات إلى صوغ فكرة الهوية بطريقة تنزلها من عليائها إلى أرض السوسيولوجيا، فغدت الهوية لديه -في أحسن أحوالها- «طرق تفكير وشعور وسلوك متماثلة ومهيمنة نسبيًا، وتتغير مع حركة التاريخ وتحولاتها الجذرية»، مع قوله بتعددية التواريخ. ويضيف إلى قوانينه تلك تأثير النكبة الفلسطينية في بعث الروح الوحدوية والتغيير. غير أن عوّاد يرى أن «قوانين» نديم البيطار نفسها يمكن أن تُستَخدم لتوطيد الدولة القطْرية وزعامتها، «أي إن الآليات التي يستنبطها البيطار لدراسة نشوء الدولة القومية قد تُستخدم.. لتدعيم الدولة القطْرية». وهو يتساءل: «ماذا لو لم تتوافر تركيبة (السلطة – الأيديولوجيا الانقلابية). ويجد أن لا إجابة حاسمة عن هذا التساؤل عند البيطار! لهذا، ينظر إلى قول البيطار إنه لا بد من أيديولوجيا انقلابية وحدوية، على أنه شكل من أشكال العودة إلى المفهوم التقليدي للقومية العربية (ص. 36). ويلاحظ أيضًا أن جيل البيطار قد أهمل في تركيزه على سلطة الدولة دور الشعب والجمهور، وذلك لاعتقاد البيطار أن وعي الجماهير منصرف نحو الحاجات المباشرة واليومية. الإنتلجنسيا وحدها هي التي تأخذ هذا الواقع التاريخي وتغريّه لأن وعيها يتجاوز اليومي والحاجات المباشرة، ويرتفع نحو الأفكار الكبرى والتصورات المستقبلية، وذلك لتجديد المجتمع والإنسان نفسه. يرى عواد أنَّ البيطار استلهم

الروح النتشوية في لجوئه إلى المنهج التاريخي المقارن، وأنّه ينفي التاريخ الكلي لصالح التاريخ المتعدد وتبرز لديه فكرة «العود الأبدي» النتشوية تحت سلسلة «التاريخ كدورات أيديولوجية». كما يشير الكاتب بطريقة خاطفة، ومن دون تعمق، إلى تجاهل البيطار مسألة الديمقراطية. وباختصار، فإن جديد البيطار- لدى عواد – في قراءة التاريخ، هو ارتكازه على الموقف النتشوي، وتبيئة هذا الموقف عربيًا (ص 70.- 71)

ق سطنطين زريق، العلم والتقنية

واستعارة حاضر الغرب

ينتقل عواد إلى قسطنطين زريق الذي قام، خلافًا للبيطار، باستبعاد المنهج البنيوي اللاتاريخي لمصلحة التوقف في المنهج التاريخي، ثم أحال الفكرة القومية العربية إلى السلّم التاريخي الذي يقف الغرب في ذروته ليقتبس نموذجها من حداثته. درس عواد قسطنطين زريق تحت عنوان «من القومية إلى الأداتية: طروحات النهضة العربية عند قسطنطين زريق»، فوجد أنه تجاوز في كتابه نحن والتاريخمسألة الهوية العربية إلى قضية التقدم الحضاري، وعمل فيه على التبشير بالإنجاز الحضاري الغربي: العقلانية والأداتية وتنظيم المجتمع وترتيبه على نسق منظَّم، مقدمًا بذلك تصورًا خطيًا للتاريخ، وغافل ا عن أشكال من الهيمنة أفرزتها العقلانية الحديثة. لكن عواد اعترف لزريق بأنه حمل في وقت مبكر تصورًا للقومية أكثر نضجًا من معاصريه، وذلك في كتابه الوعي القومي، إذ نبّه زريق إلى أن الظاهرة القومية مرتبطة بالحداثة التي ولدت في أوروبا، فالقومية لم تولد منذ بداية التاريخ بل ربطها بالزمن الحديث: «فهي قائمة فينا بالقوة، أي إمكانًا وقابلية، لا (بالفعل)..» (ص. 85)، واعتبر القومية بنت اليوم، وهي وسيلة للبناء لا غاية في حد ذاتها. ولا بد لها كي تتحقق من تنظيم ونظرية قومية ونخبة ملائمة. بل يرى عوّاد أن زريق لم يطُل به الزمن حتى ركَّز جهوده الفكرية على مسألة التحديث، وغدا يفكر بطريقة تقنوية، معطيًا اقتباس التكنولوجيا وما يرافقها من سلوك وانضباط أهميتهما الكبرى، ولم يعطِ اهتمامًا موازيًا للمسألة السياسية وللحكم الديمقراطي الرشيد. ثم إنَّ تمسكه بضرورة النظرية القومية حوَّل هذه النظرية إلى مصاف العقيدة، وجعلها على التصاق بالقيم الروحية، وعامل ا مطهرًا للروح، فغدت القومية لديه بمكانة عقيدة تتسع لتشمل الحياة بأوسع معانيها. وهذا طبيعي إذا عرفنا أن زريق هو الذي سبق عفلق في القول ب«رسالة خالدة» للأمة العربية، وأخذها عنه الأرسوزي. ومن هنا، كما يقول عوّاد، اقترنت النظرية القومية لديه بالتربية/ الأخلاق. لا ينسى عوّاد تذكيرنا بانفتاح زريق على تجربة الغرب في الحداثة، ودعوته إلى اقتباس وسائله وتقنياته للتقدم العربي. وقد دلل على ذلك بالقول إن وراء اقتصاد الغرب علم الغرب، أو طريقته في التفكير، ووراء علم الغرب فلسفته. ويحتل اقتباس التقنية، وما يصاحبها من تدريب للعقل في كل مجالات الحياة، مكانة مهمة في برنامجه للتحديث. وظن زريق – كما يقول عوّاد - أنه بدعوته إلى اقتباس التقنية والآلة يعوض عن مسألة الهوية التي جعلها في الحيّز الخاص (ص. 107) كان يمكن لعوّاد أن يدلنا على ما يجمع بين هؤلاء الثلاثة: زريق والبيطار ودروزة، وهو إعطاؤهم أهمية قصوى للأيديولوجيا الجامعة في نظرياتهم القومية، وفكرة النخبة الطليعية التي تحمل هذه الأيديولوجيا، واستصغار الجمهور، وإهمال المسألة الديمقراطية.

أطروحات عزمي بشارة التجديدية:

الديمقراطية مشروع العروبة

بحث عوّاد، في كتابه الذي بين أيدينا، في ثلاثة مستويات لخطاب بشارة: حاول أولا فهم مراجعة بشارة لفكرة القومية العربية، بوصفها جماعة مُتخيَّلة يؤسس لها المُتخيَّل الذي يتأسس على أدوات تخيُّل حديثة، مادته اللغة، ليصبح فعل التخيُّل الجمعي مشروعًا سياسيًا لبناء أمة مواطنية حديثة؛ وعمل ثانيًا على استكشاف طبيعة الإنجاز الفلسفي الذي حققه بشارة عبر تأصيله جدلية العلاقة المركّبة بين القومي والديمقراطي في المجال العربي، بحيث تخرج القومية العربية من ميدان النظر إليها كأداة أو غاية، كما كان يتعامل معها القوميون العرب سابقًا، إلى صيرورة حداثية لا يمكن فصلها عن مركّبات الحداثة الأخرى مثل الديمقراطية؛ ورصد ثالثًا تجديد بشارة النظري في الفكر القومي العربي، وذلك بقلب مقولة دعاة القومية العربية الكلاسيكية: أمة ممتدة من المحيط إلى الخليج، لتصبح في أنضج لحظة من الصيرورة الثقافية للفكر القومي العربي أممًا مواطنية وقومية ثقافية جامعة (ص. 114). قرأ عوّاد باغتباط العارف المحطة الفكرية التي دشنها بشارة، ووجد في أطروحاته «القومية» نقلة معرفية وسياسية تؤسس لمرحلة من التجديد الفكري، فيها الكثير من الأجوبة عن المسائل التي تركها الفكر القومي وراءه تتراكم بلا حل. وهو يوضح في دراسته كتاب بشارة المسألة العربية أنه يمكن عدّ دراسة عزمي بشارة الأكثر تقدمًا في صيرورة الفكر والخطاب القومي العربي، ولا سيما بعد نجاحه في تركيب علاقة بين المسألة الديمقراطية من جهة والمسألة القومية من جهة أخرى. وهو ما عجز عنه أسلافه ومعاصروه من القوميين والديمقراطيين. ويوضح أن صوغه مفهوم المجتمع المدني شكّل لب دراسته عن المسألة العربية، ذلك أنَّ المفهوم المعياري للمجتمع المدني لم يكن في سيرورة الحداثة في الغرب إ وجهًا آخر للأمة، وهما – أي المجتمع المدني والأمة – وليدا العملية التاريخية نفسها، والمجتمع المدني في الغرب هو مرحلة متطورة من الأمة. من هنا يراقب بشارة ما أفضى إلى «المسألة العربية»، تلك المسألة التي تتمثّل في أن «أكبر قومية معاصرة لم تحظ بحق تقرير المصير بالتحول إلى أمة ذات سيادة، ولم تحظ بحق تقرير المصير بالتحول إلى أمة من المواطنين» (ص. 28)1 لقد تجاوز بشارة في مشروعه العائق الذي عاناه القوميون والديمقراطيون العرب، وذلك بالعمل على تركيب علاقة حميمة بين القومية والديمقراطية في المجال العربي تحيل كل واحدة منها إلى الأخرى. كما وقف ضد استيراد النماذج الجاهزة من الديمقراطية من دون أن تؤخذ بالاعتبار مسألة بناء الأمة، وضد فريق رأى أن مسيرة طويلة تنتظرنا للانخراط فيها، ولأن مسيرة طويلة من البناء تسبق التفكير في صوغ نظام ديمقراطي!وأنه لا بد من قيام حركة وطنية بالتوازي مع فرض مبادئ تشكّل وعاء يمنع التفسخ إلى هويات محلية، ويقطع الطريق أمام استثمار سياسات الهوية؛ ذلك أن التعددية بلا أطر مرجعية ترافق عملية البناء تعني تعميقًا للصراع الطائفي والإثني والعشائري. وعنده أن الشرط الأول للديمقراطية هو الوعاء الذي يحتويها، والبنية التي تشكّل فيها أو تُبنى من خلالها، فإذا كانت أغلبية الحالات الديمقراطية قد نشأت بعد استكمال تشكّل الأمة، فإن من المفروض في الحالة العربية أن يقع استدراك الفوات التاريخي بالتزامن بينها. يقول عوّاد إن «الجمع بين مركّبي المفهومين هنا، لا يتأتى إالّ بإدراك النقلة التي أجراها المؤلف في فهم القومية بوصفها صيرورة بناء الأمة وليس بوصفها غاية أو أداة كما نُظر إليها سابقًا. وعندما تصبح القومية العربية صيرورة، لا يتسنّى عندها

النظر إليها إالّبوصفها مركّبًا من مركّبات الحداثة، لا يجوز فصلها عن المركّبات الأخرى كالديمقراطية. إذن، فالقومية العربية صيرورة، والديمقراطية صيرورة أخرى، والحداثة هي الصيرورة الكبرى التي تتفاعل فيها مركّباتها تفاعل ا يفضي إلى مجتمع مدني نحو الداخل وأمة نحو الخارج. وتوصل بشارة عبر نقده للمفهوم الدارج للمجتمع المدني إلى الفصل نظريًا بين الأمة والقومية، إالّ أن صيرورة المجتمع المدني فصلت بينهما لتصبح المواطنة هي تذكرة الدخول إلى الأمة؛ فالأمة لديه هي مجموع المواطنين الذين يشكلون سيادة، أو على الأقل أولئك الذين يطمحون إلى بناء السيادة. ويرى عوّاد أن بشارة طوّر أطروحة أندرسن بالقول إن اعتبار القومية جماعة مُتَخيلة لا يكفي للتعبير عن خصوصيتها، ويلزم للتخصيص والتعميم أمران: الأولأدوات التخييل، والثاني تخيل حدود سياسية وإدارية وإدارية ولغوية وجغرافية. لكن أكثر التعريفات خصوصية للقومية هو تخيُّلها ذات سيادة وذات إرادة سياسية، وهو البُعد الكفيل بتعريف القومية وإعادة تعريف الأمة، والذي يجعل اللقاء بين فكرة الأمة وفكرة القومية أمرًا طبيعيًا. ويتوصل بشارة بمنهج متماسك إلى أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية في الفضاء العربي إالّ بالتمسك بالهوية العربية، وهي الرابطة الحداثية الوحيدة التي تجمع أغلبية المواطنين، فتبرز لدينا معادلة جديدة: القومية العربية ضرورة للديمقراطية العربية. والهدف إذن هو الديمقراطية، والقومية ضرورة متلازمة لأي مشروع وطني عربي ديمقراطي يحقق المواطنة. إنها المسألة العربية كما يلخصها بشارة: «أكبر قومية معاصرة لم تحظ بحق تقرير المصير بالتحول إلى أمة ذات سيادة، ولم تحظ بفرصة الصراع – بعد ذلك - للتحول إلى أمة المواطنين». يشير عوّاد إلى أن بشارة قدَّم مفهومًا أو تصورًا نظريًا عن ال «نحن» السياسية، في ال «نحن» الثقافية المتمثلة في القومية، مع التذكير دائامً بأن هذا التمييز خاص بالقوميات المتأخرة التي لم تحقق نفسها سياسيًا بعدُ. وتحيل القومية إلى الجماعة المُتخيلة أو الحاضنة الثقافية التي ينتمي إليها الأفراد. على هذا الأساس، فإننا هنا أمام نوعين من ال«نحن»، الأول سياسي مبدأه المواطنة، والثاني ثقافي ومركزه الشعور، ولا شك في أن الثورات العربية أعادت إثبات حقيقة هذا الشعور، إذ تدحرجت الثورة التونسية مثل كرة النار لتعم العالم العربي. بالتالي، يتخذ نضال الحركات الوطنية في الحالة العربية اتجاهين: الأول يدفع بالهوية الثقافية، القومية، في مواجهة الروابط ما قبل القومية. والثانييدفع بالنضال السياسي إلى تحقيق مبدأ المواطنة القائمة على الحقوق الفردية. والمهم هنا أن الطريق إلى بناء الأمة والتسريع في تشكيل المواطنة هو الديمقراطية الليبرالية، لأنه الطريق الوحيد الذي التي نعرف أنه يتعامل مع الأفراد بوصفهم أفرادًا، بغضّ النظر عن انتماءاتهم العضوية والثقافية. من هنا، فإن هناك صيروتين، صيرورة تشكّل الأمة على أساس المواطنة، استنادًا إلى الأيديولوجيا الديمقراطية، وصيرورة الهوية الثقافية الضامنة للبقاء في مسار الحداثة. وتجمع الصيرورتان صيرورة كبرى تتلاقيان فيها في سبيل إرساء «مجتمع مدني» نحو الداخل، وأمة نحو الخارج (ص. 155). لم ينظر بشارة إلى العروبة كحتمية بل هي، كما يذهب عوّاد، خيار ممكن لو أن الدولة القطْرية العربية نجحت في عملية بناء الأمة. لكن الدولة، على العكس من ذلك، انغرست عموديًا في المجتمع، في الروابط ما قبل القومية. ولم تجسد بيروقراطيتها العقلانية بقدر ما حافظت على العلاقات الموروثة. لذلك تصبح العروبة خيارًا سياسيًا ضروريًا، لا بد للحركات الوطنية من

رفعها كسقف مرجعي للإجماع من أجل حل الأزمات الهدامة. ويلحظ عواد كيف عالج بشارة المسألة العربية بوجهيها، الأولالمتعلق بضرورة التمسك بالهوية العربية بوصفها صمغًا لاصقًا يأوي التعدد الهوياتي في المجتمعات العربية، والثانيالمتعلق بإعادة التأسيس لمسألة بناء الأمة على مستوى الدولة القطْرية. ويؤكد عوّاد هنا أن توجيه بشارة النظر نحو حدود الدولة القطرية هو نقلة أساسية في الخطاب القومي العربي تُدرج في باب التجديد، لأنّ الفكر القومي العربي التقليدي نبذ الدولة القطْرية، ولم يعرف كيفية التعامل معها فكريًا إالّ كمرحلة انتقالية نحو الوحدة أو كإرث استعماري، وبالتالي لم يطور نظرية في الحكم ولا مطالب دستورية، ولا توقعات عن الدولة القائمة. وبالمجمل، هرب المثقف القومي التقليدي من نظرية الدولة. ويعود ذلك إلى مساواته بين شرعية الدولة العربية القطْرية وبين وجودها. وقد أدى عدم الاعتراف بشرعية الحدود القطْرية إلى تعامله معها على أنها غير موجودة، فأنتج مقاطعة للميدان السياسي الجديد نشأ عليه. وهذا بدوره أدى إلى الفصل بين الأمة والمجتمع المدني، ما قاد القومية إلى التحول إلى أيديولوجية حزب أو دولة، وإلى توكيل التحديث إلى الدولة التسلطية (ص. 25)1 ولعل بشارة يتلاقى في ذلك جزئيًا مع المثقفين المغاربة الذين نظروا بتحفظ تجاه موقف المشرقيين العدائي والمتجاهل للدولة القطْرية أو الدولة الوطنية، بينما نظر المغاربة إليها كإنجاز لا بد منه للتطلع إلى تجمع عربي. وفي سياق تحليله موقف بشارة هذا، يقارن عوّاد أطروحة بشارة بأطروحات القوميين العرب السابقين، ويجد أنها أدت إلى المساواة التي أنشأها القوميون السابقون بين الفكرة القومية والوحدة الاندماجية، ولم يفكروا بممكنات أخرى، وذلك لنبذهم الدولة القطْرية، وتشييدهم مشاريع أخرى تتجاهل الوقائع السياسية للدولة الوطنية/ القطْرية، وهو أمر يقود «إلى مغادرة المفكر القومي العربي الميدان السياسي، والتقوقع خلف الأوراق والكتب حينًا، والانزواء خلف أحزاب وتشكيلات شعاراتية، وكل هذا وذاك باسم الجذرية» (ص. 115). والحال أن الدولة القطْرية/ الوطنية هي أمر واقع، فكان لا بد للخطاب القومي من التعامل مع مسألة تعدد الأمم الذي خلفته الحدود القطْرية. يرى عوّاد أنَّ التطور الذي يمثّله بشارة في أنضج لحظة من الصيرورة الثقافية للفكر القومي العربي يتمثّل في قلب مقولة القوميين العرب الكلاسيكية إلى: أمم مواطنية وقومية ثقافية جامعة. ويختم عواد بحثه بالتشديد على أنه قد توصل بقراءته هذه «إلى أن فكرة القومية العربية انتقلت مع بشارة من غاية إلى وسيلة، وإلى كونها صيرورة حداثية، لا يمكن فصلها عن مركّبات الحداثة الأخرى، وأهمها الديمقراطية» (ص. 161). لقد قدَّم عواد لوحة فكرية غنية بالجدة والإثراء عرض فيها لتحولات الفكر القومي العربي خلال قرن من تاريخه، وتفحص فيها أطروحات أبرز رجالات الفكر القومي، فكشف عديدًا من الجوانب الجديدة، وقدّم افتراضات ثرية منحت قارئه المتعة والفائدة.

الهوامش