تقرير عن المؤتمر الثاني حول الإسلاميين ونظام الحكم الديمقراطي
Report on the Second ACRPS Conference on Islamic Movements and Democratic Governance
الملخّص
في المرحلة الانتقاليّة للمجتمعات العربيّة التي اندلعت فيها الثّورات وحركات الاحتجاج المرشّحة للاتّساع، وانطلاقًا من سياسة المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات في ربط عمليّة البحث في ميدان الفكر والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة وعلم السّياسة، بالمجتمع، وبالقضايا العربيّة الملموسة في هذه المرحلة، عقد خلال الفترة الواقعة بين 6 و8 تشرين الأوّل / أكتوبر 2012، مؤتمرًا علميًّا بعنوان: "الإسلاميّون ونظام الحكم الدّيمقراطيّ .. تجارب واتّجاهات". جاء هذا المؤتمر ذو الأهمية البالغة، في مرحلة انتقالٍ مفصليّةٍ في تاريخ الأقطارِ العربيّة، حيث أخذت مجموعةٌ من أنظمة الحكم العربيّة الاستبداديّة التي استمرّت في الحكم لعقودٍ طويلةٍ، تتهاوى تباعًا، أمام سلسلةٍ من الثّورات الشّعبيّة العارمةِ غير المسبوقة في التاريخ العربيّ، قديمه وحديثه.
Abstract
The Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS) convened the second academic conference on “Islamic Movements and Democratic Governance: Experiences and Prospects”, held from October 6-8, 2012. The conference was held in the context of the transition period for Arab countries in which revolutions and protest movements have erupted, and is directly linked with the ACRPS’s policy to link research work in the social sciences and the humanities to society and current tangible Arab issues. This critical conference came at a crucial transitional phase in the history of the Arab countries, given the string of dictatorial Arab regimes that had been toppled in succession following a series of forceful popular revolutions unprecedented in Arab history, modern or ancient.
- الإسلاميون
- الحكم الديمقراطي
- التاريخ العربي
- Democratic Governance
- Arab History
- Islamists
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدوحة 30-28 أيلول/ سبتمبر 2013
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة من 28 إلى 03 أيلول/ سبتمبر 2013 مؤتمرًا ثانيًا بعنوان "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي"، تركّز هذه المرّة على "التيارات الإسلامية ومسائل المواطنة والدولة والأمّة: التجربة التاريخية والتصورات الراهنة والآفاق المستقبلية". وكان المؤتمر الأول قد عُقد خلال الفترة الواقعة بين 6 و 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2012 بالعنوان ذاته، "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي"، تركّز على "التجارب والاجتّاهات"، وصدرت أبحاثه عن المركز في كتاب ضخم.
جلسة افتتاحية
افتُتح المؤتمر بجلسة قدّم فيها الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز، محاضرة بعنوان
حول الإسلاميين ونظام الحكم الديمقراطي
"التيارات الإسلامية ومسائل المواطنة والدولة والأمّة: التجربة التاريخية والتصورات الراهنة والآفاق المستقبلية"
"‹نحن› و‹هم› ومأزق الثقافة الديمقراطية في عصر الثورة". وقد بدأ فيها باستقصاء الأجندات البحثية التي تقف خلف ما ازدهر في العقود الثلاثة الأخيرة من أبحاث بشأن الموضوعات المتعلّقة بالإسلام والديمقراطية؛ تلك الأبحاث التي غالبًا ما أُجريت بناءً على أجندات مؤسّسات أكاديمية غربية وليس بناءً على جدول أعمال التحوّل الديمقراطي في الوطن العربي نفسه. أمّا الأبحاث العربية، فكانت مستقطَبة حول تفسير "الاستثنائية العربية" الصامدة في وجه موجة التحوّل الديمقراطي العالمية، إمّا بتحميل المسؤولية للإسلام وإمّا بتبرئة الإسلام من هذه التهمة. بعبارة أدق، يرى بشارة أن البحث كان يتركّز على السؤال: لماذا لا يحصل تحوّل ديمقراطي في العالم العربي؟ وكان يتّخذ مسارًا "ثقافويًا" يقارب الثقافة السياسية بوصفها عائقًا رئيسًا أمام
التحوّل الديمقراطي، أو بوصفها عامل ا مصيريًا في التحوّل الديمقراطي، أو يجد أن الدين يؤدي دورًا أكبر من الأيديولوجيات الأخرى في صنع الثقافة السياسية، أو يعتبر الأحزاب السياسية الإسلامية تيارات دينية قبل أن تكون أحزابًا سياسية أيديولوجية مثل بقية الأحزاب الأيديولوجية. يمعن بشارة في نقد مثل هذه الأطروحات الثقافوية الزائفة التي تطرح موضوعًا وهميًا هو "الإسلام والديمقراطية"، في حين أن الموضوع الفعلي الذي يمكن معالجته بالأدوات العلمية هو "التيارات السياسية الإسلامية والديمقراطية". ويبنيّ بشارة، بناءً على تجربة الأعوام القليلة الماضية الدالّة التي شهدت انطلاق ديناميات عملية تحوّل اجتماعي كبرى، أن ثقافة المجتمعات السياسية لم تكن عنصرًا فاعل ا في إعاقة التحوّل الديمقراطي، بقدر ما كانت عنصرًا منفعل ا. كما يعيد السؤال إلى نصابه بعيدًا عن الزيف: الثّقافة السياسية للتيارات والأحزاب السياسية القائمة، أكانت دينية أم غير دينية، وفعل هذه الثقافة في قواعدها الجماهيرية. وبذلك، تعود إلى نصابها العوائق الرئيسة أمام التحوّل الديمقراطي: أجهزة الدولة البيروقراطية وفسادُها، وفي مقدمتها جهاز الأمن، وتفاعلها مع الريوع النفطية وغير النفطية الفاعلة سياسيًا وثقافيًا على مستوى الإقليم بصيغة تعاضد الدول والقوى الاجتماعية الرجعية المعادية للتحوّل الديمقراطي. وعلى هذا الأساس تتسق الأجندة وتتمحور حول التحولّات الجارية في المنطقة العربية، وكيف يمكن أن تقود إلى تحوّل ديمقراطي يضمن مشاركة المواطنين في العملية السياسية، ويضمن الحريات المدنية الأساسية في آن معًا. تستكشف محاضرة بشارة بعد ذلك معنى التعددية السياسية الفعلي ومدى اختلافه عن الشروخ المجتمعية والانقسامات العمودية التي تمنع التعددية السياسية، وهذا ما يدعوه بشارة الانقسام إلى هُويات، أو الانقسام إلى "نحن" و"هم"، ومنه الانقسام العلماني الديني. ومثل هذا الانقسامات تستورد جدلية العدو والصديق إلى داخل الكيان السياسي لتحل محل التعددية السياسية وحتى محل التعددية الأهلية للمجتمعات التقليدية. يأتي بشارة من ثمّ إلى موضوع التيارات الأيديولوجية والديمقراطية، مستفيدًا من المختبر العملي الدائر الآن وما يجري فيه من تجارب أمام أعيننا. ويبدأ بالحركات الإسلامية، مذكّرًا بمسار ظهورها ودخولها إلى العملية السياسية، ومؤكدًا أن المطلوب منها هو القبول بالعملية الديمقراطية وسيلة للوصول إلى الحكم. وليس التّخلي عن موروثها الفكري والثقافي أو عن أيديولوجيتها، ذلك لأن كلّ عاقل يفترض أن الاندماج في العملية السياسية، واتّباع قنوات التعاون والحوار، والتنافس مع تيارات سياسية أخرى في أطر أوسع، لا بدَّ في النهاية أن يؤثّر ذلك كله في الأيديولوجيا نفسها، وهذه هي أبجديات ما يدعى بالتغذية الراجعة. تبقى القضية الأهمّ التي يلحظها بشارة في هذا السياق هي أن الحركات الأيديولوجية العربية، بيسارها ويمينها وقومييها وإسلامييها، لم تمارس تواصل ا في الفضاء العمومي، أي عبر الممارسة السياسية للخطاب، لأن الاستبداد لم يتح لها الفرصة لذلك. وظلّت مراجعاتها نظرية، أثبت الواقع أنها سطحية وهشّة. فمن السهل أن تكون معارضًا وأن تطالب بالديمقراطية، ومن السهل أن تكون معارضًا محكومًا من نظام دكتاتوري، وأن تتنصّل من تاريخ الدكتاتوريات التي كنت تدعمها. ينطبق هذا على ذلك الجزء من اليسار الذي لم يكن ديمقراطيًا، ووقف ضدَّ الديمقراطية في دول عديدة، وغريّ رأيه بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، أو خلال هذا الانهيار، أي إنه تغريّ بعوامل خارجية لا بفعل قناعات عميقة ناجمة عن الممارسة. وينطبق ذلك بدرجة أكبر على القوميين الذين حسبنا أنهم قاموا بمراجعة لمراحل وجودهم في الحكم،
فإذا بهم، وفي خضمّ نشوء التحالفات مع جهاز الدولة القديم للتخلّص من خصومهم، يقدّسون أسوأ مظاهر مرحلة حكم التيار القومي، ألا وهو الطابع الأمني العسكري المستهتر بحقوق الإنسان، والشعارات الجوفاء، ويهملون الجانب الإيجابي في تلك الفترة، وهو البعد المتعلّق بمشروع بناء الأمّة، والحقوق الاجتماعية، واحترام الفئات الشعبية، حتّى في مرحلة الصراع مع الحركات الإسلامية في حينه، وهي الحركات التي اضطُهدت ولوحقت وزُجّ بأعضائها في غياهب السجون. وبما أن ليس في الأحزاب الأيديولوجية العربية من يمكنه الادّعاء أنه أكثر من الآخر ديمقراطية أو ليبرالية، يبرز سببان رئيسان إذًا لضرورة التحالف في المرحلة الانتقالية، أولهما منع حصول شرخ يؤدّي إلى انقسام المجتمع على مستوى الهوية، وبالتّالي إلى احتراب تبرّر فيه الغاية الوسيلة بدل التنافس بوسائل مشروعة منضبطة ومجمَع عليها سلفًا. وثانيهما، غياب الثقة بالثقافة الديمقراطية لكلّ حزب من الأحزاب. وفي ظلّ غياب الثقافة السياسية الديمقراطية للنخب الحزبية، فإن كلّ حزب يعتبر الثورة فرصة للوصول إلى الحكم لا فرصة لبناء الديمقراطية. يرى بشارة أخيرًا أن ثمّة كلامًا خاصًا وضروريًا يمكن توجيهه إلى الحركات الإسلامية. من ذلك قضية الإطار المرجعي للأمّة والمواطنة أو للعمل السياسي الديمقراطي؛ هذا الإطار الذي يجده بشارة في الدولة الوطنية التي تشكّل أمّة غير الأمم الدينية والثقافية، وغير القومية، هي أمّة المواطنين. ومن ذلك أيضًا تمييزُ الحدود بين الخاص والعام، إذ يبقى محلّ استغراب محيلّ ودولي ذلك الاستحواذ الذي يحظى به المجال الخاص المتعلّق بحياة المواطن على تفكير حركة سياسية، وعلى تفكير قواعدها الاجتماعية. وفي هذا السياق، كما في سواه، تبقى مراجعة الثقافة والموروث الحضاري العربي الإسلامي في مسألة المواطنة والدولة والأمّة فرض عين علميًا بحثيًا، لما لها من أثر في ثقافتنا السياسية عموماً. الفكر الإسلامي ومفهوم الدولة وقضايا المواطنة بعد الجلسة الافتتاحية، شهد اليوم الأول للمؤتمر ثلاث جلسات علمية، شملت كل واحدة منها محورين في قاعتين منفصلتين قدمت فيهما أوراق بحثية ناقشها الحاضرون. تناولت الجلسة الأولى في مسارها الأول الذي ترأسه كمال عبد اللطيفموضوع الفكر الإسلامي ومفهوم الدولة. واستُهلّت بورقة قدّمها الباحث المغربي محمد همامتحت عنوان "الحاكمية في فكر الحركة الإسلامية ما بعد الربيع العربي، بين الخفاء والتجيلّ: مدخل إلى تفكيك نموذج ثيوقراطي"، سعى فيها إلى التشديد على أن مفهوم الحاكمية، بما هو نزعة لاهوتية جبرية تجرِّد الإنسان من حرية الإرادة والفعل والقرار، وتجعله مستلبًا للذات الإلهية، ما زال هو المعنى المترسخ في فكر الحركة الإسلامية في عمومها. ويماثل هذا المعنى اللاهوتي الجبري للحاكمية الحتمية المادية أو الطبيعية التي تقوم عليها بعض المدارس الفلسفية والعلمية. وقد انطلق همام في بحثه من فرضية أن القرآن الكريم يتضمن أشكاالً متعددة من الخطاب الإلهي تستجيب لحالات التكوين البشري المتنوعة. ووقف على ثلاثة مستويات للحاكمية في الخطاب القرآني، من خلال الأطروحة الفكرية للمفكر السوداني أبي القاسم حاج حمد: "الحاكمية الإلهية"، و"حاكمية الاستخلاف"، و"الحاكمية البشرية". وقام بعملية فرز للمستويات الثلاثة، بما يساهم في تفكيك مفهوم الحاكمية في وعي الحركات الإسلامية، وفي الوعي الديني الإسلامي بعامة، بما يعني بناء خطاب ديني جديد يستوعب الحالات البشرية المختلفة، كما يستجيب للخطاب الإلهي للبشرية في تعدديتها الدينية والثقافية وفي أحاديتها في الوقت ذاته، وفي استعداداتها الذهنية. ويدعو البحث صراحةً إلى التخلص من مفهوم الحاكمية
بما هي لاهوت جبري، والتخلص من الإلحاح على استعادة تراث ماضوي لمنظورات الذهن البشري في فترات بائدة، مثل "الخلافة"، و"الاستخلاف"، و"التكفير" و"الجاهلية" و"حكم الله"؛ ذلك أن الوعي بالبعد المنهجي والمعرفي للحاكمية البشرية، يعني الوعي أيضًا بطبيعة الإنسان اليوم؛ إنسان ما بعد الربيع الديمقراطي الذي يحمل سمات التحرر من علاقات الماضي ومن أطره التقليدية، ويستمد قوّته من نفسه، ومن انتمائه إلى جماعته، وليس من فئة تختار نفسها باسم "الله"، أو باسم "حاكميته"، أو باسم "خلافته"، أكانت فئة حاكمة أم فئة معارضة. الحاكمية البشرية، إذًا، ليست إلهية، وليست استخلافية، وهذه الادعاءات تشوّه مفاهيم الدِّين، وتوجِد حالات انفصام نكد بين المسلم وذاته، وبينه وبين الآخرين، مما يفرّق بين الناس، ويمزق العلاقات الداخلية للمجتمعات، وهي العلاقات التي من المفترض أن تكون قائمة على التكريم والعدل والمواطنة والتنوع. وقد خلص البحث إلى أن أطروحة الحاكمية نمت في مشروع الحركات الإسلامية على فهم ديني خاطئ يتعارض مع منهجية القرآن، وعالمية الرسالة، وانفتاح الإسلام على التعدد البشري والتنوع الثقافي. كما حوَّلت هذه الأطروحة الفقهية/ الحركية الإسلام إلى فلسفة دوغمائية ضد الإنسان، تجعل الإسلاميين، في أعين الآخرين، أوصياء على الدِّين وعلى الناس بعصبية دينية تراثية حادة، وهو ما يتطلب من الحركات الإسلامية جهدًا نفسيًا وفكريًا كبيرًا، يتفاعل مع أشواق إنسان الربيع الديمقراطي الذي أنهكه الاستبداد، فثار ضده وضد الوسطاء، أيًا كانوا، وضد الأطر والأحكام الكابحة، من أجل تحرر يتيح له القدرة الخلاّقة على النقد والتحليل والعيش الكريم. كان المتحدّث الثاني طيبي غماري الذي قدّم ورقة عنوانها "أزمة الإسلام السياسي المعاصر: إشكالات التحوّل من جماعة المؤمنين إلى دولة المواطنين"، رأى فيها أن الفكر السياسي في الدول المسلمة خضع لثنائية الحداثي/ التّقليدي، التي تتأسّس على تناقض مشروعين سياسيين كبيرين: المشروع الوطني الذي يتبنّى أصحابه مبدأ استحالة صلاح الأمّة الإسلامية إالّ بما صلح به الغرب، ومشروع الدولة الإسلامية الذي تبنّى أصحابه مبدأ استحالة صلاح الأمّة الإسلامية إالّ بما صلح بها سلفها. وقد تحكّمت هذه الثنائية في تشكيل التيارات السياسية الأساسية في العالم الإسلامي؛ إذ يعتبر الإسلام السياسي من أهم هذه التيارات، وهو الذي ظلّ يحاول، أكثر من نصف قرن، الوصول إلى السلطة، وإقامة الدولة الإسلامية. ورأى غماري أن أهمّ ما يميز تجارب الإسلاميين خلال الخمسين سنة الماضية، هو فشلهم في التّحوّل من المعارضة إلى الحكم، إذ في كلّ مرّة، تنقلب القوّة التنظيمية والسياسية والشعبية التي يتمتّعون بها في المعارضة إلى ضعف غالبًا ما يتحوّل إلى التطرّف ثم العنف والإرهاب. والسؤال، بعدما أصبح فشل الإسلاميين في الحكم والتّسيير المرض المزمن الذي أوهن الإسلام السياسي: ما هي الإشكالات التي تصنع أزمة الإسلام السياسي وتعوق تحوّل الأحزاب الإسلامية من جماعة للمؤمنين إلى دولة مواطنين؟ لفكّ هذا الإشكال، افترض غماري أن قوّة الإسلام السياسي في المعارضة تعود إلى كونه يسريّ المؤمنين من الناشطين الإسلاميين، أمّا ضعفه في الحكم فيعود إلى كونه يضطر إلى تسيير المواطنين الذين ليسوا بالضرورة من الناشطين. وفشل الإسلاميين في تطوير نظرية سياسية تستوعب جميع المواطنين على اختلاف قيمهم ومللهم ونحلهم، وتسمح للإسلاميين بالانتقال من تسيير جماعة المسلمين إلى تسيير دولة مواطنين، وهو الأمر الذي يؤدّي في النهاية إلى حتمية فشل الإسلام السياسي الحاكم. وقد حاول غماري في ورقته أن يبنيّ أهمّ نقاط قوّة التيار الإسلامي المعارض، وأهمّ الإشكالات التي صنعت ضعفه.
ختَم عبد العزيز راجلهذه الجلسة بورقة عنوانها "مسألة الحاكمية: بين النصّ والتأويل"، رأى فيها أن "نظرية الحاكمية" داخل الخطاب الإسلامي السياسي أحدثت انقسامات واجتّاهات متباينة ما بين الخط الإخواني (حسن البنا) والخط القطبي (سيد قطب) الذي انبثق عنه الخطّالسلفي الجهادي، ليطوّر في ما بعد أفكاره ومواقفه. كما جعل كلّ من سيد قطب والمودودي من مفهوم "الحاكمية" العنوان البارز في مشروعهما السياسي الإسلامي، وطوّقاه بمجموعة من النصوص القرآنية التي تنصّ على وجوب تحكيم الله، كما صبغا المفهوم بطابع سياسي بارز. حاول راجل في دراسته الوقوف على مدلول الحكم في النصّ القرآني الذي تأسّس عليه تأويل مفهوم الحاكمية، ثمّ أردف بالحديث عن التأويل السياسي للمفهوم من خلال نموذج أبي الأعلى المودودي، ونموذج سيد قطب، والنموذج السلفي الجهادي، ثمّ تحدّث عن التأويل "المعرفي" المستخدَم لآليات المعرفة الحديثة وأدواتها، مع التمثيل بنماذج من أصحاب هذا الاجتّاه النقدي لمفهوم الحاكمية الإلهية من خلال بعض كتاباتهم. وختم بخلاصة عامة دعا فيها إلى "حاكمية كتاب" بمضامين منطلقة من النصّ ومنفتحة على العصر، تحمل معنى آخر، ولا تتصادم أو تتقابل مع الدولة المدنية والديمقراطية والحريات. ذلك أن مفهوم "حاكمية الكتاب" أكثر استيعابًا لثقافة العصر، وأكثر انسجامًا مع متعلّقات الحداثة السياسية، وأبعد عن استلاب قيمة الإنسان الوجودية، إذ إنها لا تجرّد الإنسان من حرية الإرادة والفعل والقرار. أمّا الجلسة الموازية التي ترأسها عبد الوهاب القصّاب، فكان موضوعها الفكر الإسلامي وقضايا المواطنة، شارك فيها الباحث التونسي مرشد القبّي بورقة عنوانها "حقوق غير المسلم في مشروع الدولة الإسلامية: مواطنة تامّة أم منقوصة؟"، عرض فيها لواحدة من المسائل الشائكة الكثيرة التي تعترض الإسلاميين عند محاولة التقريب والمواءمة بين منظومة التشريع الإسلامي والمنظومة الدستورية والقانونية الحديثة، وذلك في سياق جهدهم التنظيري لتأسيس مشروع "الدولة الإسلامية": وضعية غير المسلم في الدولة الإسلامية المنشودة. وقد اختّذ الباحث نموذجًا لهذا الجهد التنظيري كتابات فتحي عثمان ولؤي صافي وحسن الترابي وراشد الغنوشي وفهمي هويدي. والسؤال المحوري المطروح في الورقة هو: هل يتمتّع غير المسلم بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها المسلم على قاعدة المساواة التامة من دون استثناء أو تمييز، علامً بأن الأساس الذي تنبني عليه الدولة المنشودة هو الشريعة الإسلامية كما يفهمها الإسلاميون؟ وهو يلحظ أن الناظر في مشاريع التأسيس للدولة الإسلامية المنشودة يقف على أوجه من التحفظّ يبديها الإسلاميون في إقرار بعض الحقوق لغير المسلمين في مجالات معيّنة، وهذا ما يدعو إلى طرح عدد من الأسئلة الأخرى، مثل: ما هي مبرّرات هذا التحفّظ؟ ما هي المخارج التي يحاول المنظّرون الإسلاميون استنباطها في عملية التأصيل التشريعي والقانوني للتوفيق بين الوفاء لإسلامية الدولة ومرجعيتها الدينية السيادية من جهة واحترام حقوق غير المسلمين على قاعدة المساواة كما تقتضيها شروط المواطنة الحديثة من جهة أخرى؟ هل تعدّ آراؤهم في هذا الصدد تطويرًا للتراث الفقهي المتّصل بأهل الذمة ونظام الملل أم عمل اًاجتهاديًا يتجاوزه؟ هل يمثّل هذا الجهد الذي يبذله الإسلاميون توسيعًا لمفهوم المواطنة الذي ارتبط نظريًا وتاريخيًا بمرجعية الدولة الأمّة في الفضاء الغربي أم تضييقًا له؟ بعد ذلك، عرض الباحث نائل جرجسورقة تحت عنوان "غير المسلمين في المجتمعات العربية بين الواقع القانوني والفكر الإسلامي الحديث"، رأى فيها أن مسألة الأقلّيات الدينية وانتهاك حقوق المنتمين إليها هي من أبرز القضايا الشائكة التي
طالما أسفرت عن تدخلّات خارجية ونزاعات أهلية وزعزعة للوحدة الوطنية. وقد أثارت هذه المسألة حديثًا اهتمام الباحثين والناشطين الحقوقيين والمنظّمات الأخرى، فضل ا عن إثارتها اهتمام الدول نفسها المعنية بتحقيق استقرارها السياسي ووحدة أراضيها. وتضمّن بحث جرجس استعراضًا تحليليًا ونقديًا لكيفية تعامل المشرّع وكذلك الجهاز القضائي في الدول العربية مع غير المسلمين، مع التركيز على المواد الدستورية والقانونية المنتهكة للحقّ في الحرية الدينية وفي المساواة أمام القانون. وقد انطلقت الدراسة من استعراض الآثار الناجمة عن التطبيقات المختلفة لهذه القوانين على حياة المواطنين مع تسليط الضوء على اجتهادات المحاكم الدينية والانتهاكات في هذا المجال، وصوالً إلى استعراض أجوبة بعض المفكّرين الإسلاميين الليبراليين لمعالجة الوضع القانوني لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية وتحسينه، ولا سيما موقف الإسلام أو الشريعة الإسلامية من مشاركتهم في الحياة السياسية ومساواتهم مع المسلمين واحترام حقوقهم الثقافية والدينية. وتبرز أهمّية ذلك في ظلّ وصول عدد من التيارات السياسية الإسلامية إلى السلطة في ظلّ الثورات المختلفة التي يشهدها العالم العربي والإمكانية المتاحة من أجل تحقيق انتقال سياسي مبني على احترام التعددية الدينية واستئصال أنواع التمييز كافّة بين مواطني المنطقة العربية. وقد سلّطت الدراسة الضوء على تأثير الدين الإسلامي في الوضع القانوني لغير المسلمين في الدول العربية وما يتبعه من انتهاكات مختلفة لحقوقهم المدنية والسياسية قبل أن تعالج انتقادات المفكّرين الإسلاميين المعاصرين لهذا الواقع القانوني والحقوقي وأجوبتهم وحججهم المختلفة، من أجل ضمان احترام حقوق غير المسلمين. خُتمت هذه الجلسة بورقة للباحث المنجي السرباجي بعنوان" المواطن والمؤمن والإنسان: قراءة نقدية في منزلة المواطنة في الإعلانات العربية والإسلامية لحقوق الإنسان"، سعى فيها إلى تقديم قراءة نقدية لمنزلة المواطن في أهمّ الإعلانات العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، كمدخل لفهم إشكالية المواطَنة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. ولاحظ أن هذه النصوص لا تستحضر الحقوق السياسية الموجَّهة لحماية مواطَنة الفرد ومشاركته الفاعلة في الشأن السياسي إالّ بشيءٍ من التردُّد والتقييد، وأن هناك التباسًا في المواقف بشأن كونية حقوق الإنسان، وأن هذا التوجُّه العام لإعلانات بعضها رسمي وصاغته الحكومات، يجد له سندًا كذلك في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، خاصة منه المقرَّب من الحركات الإسلامية. يستخلص الباحث نتيجتين أساسيتين: الأولى هي أن أهمّ الإعلانات العربية والإسلامية بشأن حقوق الإنسان لم تتمكّن من أن ترسِّخ، بوضوح ومن دون قيود، الحقوق السياسية للمواطن. والثانية أن هذا القصور يعكس نقائص جوهرية في جزء كبير من الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. وهو يربط هذه النقائص بمحدودية الاستفادة من ترجمة مفاهيم المواطنة والسيادة والديمقراطية وغيرها إلى السياق العربي الإسلامي، وبمحدودية توظيف الأدوات والمناهج العلمية لتحليل المعيش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي؛ تشخيصًا للأزمات، وتوصيفًا للحلول، في عصر ما عادت فيه مباحث الفلسفة السّياسية معزولة عن مباحث العلوم الاجتماعية بكلّ تخصّصاتها. كما يرى أن من شأن هذه النقائص أن تحبط كلَّ جهد من أجل قراءة لحقوق الإنسان تقبل بكونيتها من دون أن تسقطها على سياقات ثقافية مخصوصة، وتضفي بذلك على نظم استبدادية معادية لمقتضيات المواطنة مشروعية هي بأمسِّ الحاجة إليها، اتقاءً لعدوى الانتقال الديمقراطي في العالم العربي. ترأَّس خالد الحروبالمسار الأول من الجلسة الثانية، وكان عنوان هذا المسار "الفكر الإسلامي
وقضايا المواطنة في تجارب وحركات"، واستُهل بورقة الباحث عصام مسلط بعنوان "مفهوم السياسة والحكم لدى الإخوان المسلمين ودورهم في اللعبة الديمقراطية المعاصرة (غزة نموذجًا)"، حاول فيها التعرّف إلى مفهوم الإخوان للحكم وممارسة السياسة واللعبة الديمقراطية التي أوصلتهم إلى سدّة السلطة في مصر وتونس والمغرب وغزّة. وعرض فيها فكرة الجماعة ومؤسّسها حسن البنّا، وظروف تأسيسها، وأسباب انتشارها، وتركيبتها، وفكرها وأيديولوجيتها، وطبيعة القيادة داخلها، وموضوع الإخوان والسياسة، وموقف الجماعة من السياسة والعلاقات الداخلية والخارجية، وخاصة علاقة الجماعة بالأنظمة السياسة. وتناول الباحث أيضًا مداخل التحوّل الديمقراطي بحسب الرؤية الإخوانية، واستغلالها مداخل الثقافة السياسية والتعدّدية السياسية ومنظّمات المجتمع المدني والإصلاح المؤسّساتي والتأثيرات الخارجية من أجل الوصول إلى المدّ الجماهيري ومن ثم إلى الحكم والسيطرة. وقد عرض الباحث لأنموذج غزّة وتجربتها في الحكم منذ أكثر من ستّ سنوات، وهو ما يجعلها أقدم أنموذج إخواني يستلم السلطة عن طريق الديمقراطية بداية، قبل أن يتحوّل إلى السيطرة العسكرية. وتناول في هذا السياق ميثاق حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ثمّ منطلقات الحكم في غزّة، وتحوّل حماس من الأيديولوجيا إلى تجربة الحكم والسياسة، وحماس وعلاقاتها الداخلية والخارجية، والمأزق الوطني الحالي وسبل الخروج منه. تحت عنوان "التجمع اليمني للإصلاح: قراءة في تجربته التاريخية، وجدلية الديني والسياسي، ورؤاه في المواطنة والدولة والأمة"، حاول الباحث نبيل البكيري التعرّف إلى حقيقة تجربة إخوان اليمن التي تُعَدّ من أولى تجارب الإخوان المسلمين السياسية على مستوى العالم العربي وأكثرها إثارة للاهتمام والجدل، خاصة محاولتها صوغ أول دستور في المنطقة. وعرضت دراسة البكيري أيضًا للمنعطفات التاريخية الفارقة التي مرّت بها تجربة الإخوان في اليمن، وصوالً إلى "التجمع اليمني للإصلاح". حاول البكيري، في سياق استعراضه هذا، تمييز السياسي من الديني في هذه التجربة، ورسم مسار للعلاقة بينهما في خطاب الحركة وأدبياتها، منذ سنة 8194 حتى سنة.2011 قدّم الباحث هشام خباشورقة عنوانها "الثابت والمتحول في مواقف الإسلاميين المغاربة من الدولة المدنية: نموذجا ‹العدل والإحسان› و‹العدالة والتنمية›"، وهي عبارة عن دراسة ميدانية هدفت إلى الكشف عن أوجه الاختلاف والتماثل بين مواقف أعضاء حركة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية (حركة الإصلاح والتوحيد) من الدولة المدنية، وإيضاح مدى استعداد أعضاء كلتا الحركتين لتغيير مواقفهم من الدولة المدنية، إن هم واجهوا وضعيات إحراج معرفي تتضمّن مواقف مضادّة. ويخلص الباحث، بناءً على رصده ضروب الثبات والتحول لدى الحركتين المشار إليهما، إلى رفض أي تعميم جزافي يحصر جميع الإسلاميين في داخل رؤية واحدة ووحيدة للعالم، تُوحدهم مهما اختلفت مشاربهم السياسية؛ إذ يتبين من معطيات الدراسة الكمّية والكيفية، وجود عدّة اختلافات بين هذين النموذجين من الإسلاميين المغاربة. وبناءً عليه سيكون من باب المبالغة والقفز على الوقائع وسم جلّ مواقفهم بالمتصلّبة والثابتة، مادام يوجد من بينها ما هو قابل للتفاوض والتحوّل، وهو ما يؤرشّ بوضوح إلى المرونة الذهنية التي يتمتعون بها والتي تمكّنهم من التكيف مع سياقات تبدو بعيدة عن خلفيتهم الإسلامية، وتؤكّد قدرتهم على نهج نوع من البراغماتية السياسية لحلّ ما يواجههم من مشكلات. ترأَّس محجوب الزويريالمسار الثاني للجلسة الثانية وعنوانه "الفكر الإسلامي ومفهوم الدولة في سياق عربي وعالمي". وقد حاول الباحث
الكويتي مشاري حمد الرويحفي ورقته التي جاءت تحت عنوان "إسلامي وواقعي، أم ليبرالي، أم بنيوي: مسارات الدولة والأمّة في التنظيم الدولي المعاصر"، تقديم إجابة عن السؤال: "هل تسمح المساحة التنظيمية لمستوى ما فوق الدولة، أي مستوى التنظيم الدولي المعاصر، بتطوير مفهوم للأمّة يكون مقبوالً نصًا وفقهًا وتاريخًا؟" وجاءت هذه الإجابة على هيئة معايير للإجابة وإطار وجودي ونظري، أو على هيئة أرضية بحثية قادرة على خدمة الأبحاث المهتمة بهذا السؤال: تقديم مفهوم تشغيلي للأمّة الإسلامية طبقًا لعناصر العمل الجماعي المعنوي والمؤسساتي، وهي بدورها تتبلور في ثقافة مشتركة وعلاقات وأدوار اجتماعية بدالً من معاملتها كهوية عابرة للحدود يصعب تشغيلها مفاهيميًا وبحثيًا؛ تقديم الدولة كفاعل بمحددات فعل واضحة: سلوك، ومصلحة، وهوية؛ إعادة تقديم "مستويات التحليل" كخريطة وجودية؛ أي خريطة لموضع الكيانات والعلاقات بينها، بدالً من استخدامها كأداة بحثية "بريئة معرفيًا"؛ إعادة توصيف هياكل التنظيم الدولي المعاصر طبقًا لتوصيفات عامة مستقاة من العلوم الاجتماعية بشكل عام، وهو ما يسمح بالمحافظة على اتصال عابر للمستويات المختلفة (الدولة، الأمة الإسلامية، النظام الدولي)، وفي الوقت نفسه يعربّ عن جميع المستويات طبقًا لخصائص كلٍّ منها ومحدداته؛ تقديم نظريات العلاقات الدولية (البنيوية، الليبرالية، الواقعية) كمرآة لنطاق التغيير في المحددات المذكورة. ورأى الرويح أن دور الباحث الإسلامي للعلاقات الدولية هو إعادة توصيف التنظيمات والعلاقات طبقًا للمنطلق الإسلامي نفسه، بما يفتح أمام خيارات صانع القرار الإسلامي وحركة الدولة ذي التوجه الإسلامي آفاقًا أوسع على المستوى النظري على الأقل. وربما تمثلت زبدة الورقة في دعوتها إلى إضافة مفهوم "الأمّة" بوصفه مستوى تحليليًا بين "الدولة" و"المجتمع الدولي"، على غرار مفهوم "الإقليم" الذي أضافته مراجعات المدرسة الإنكليزية للعلاقات الدولية؛ وذلك للتمكُّن من فهم سلوك الحركات الإسلامية المعاصرة. في الورقة التي قدّمها الباحث الجزائري الطاهر سعود، تحت عنوان: "القُطري والدولي في تجربة الحركة الإسلامية: الحركة الإسلامية في الجزائر نموذجًا"، يرصد الباحث انقسامًا في الحركة الإسلامية في الجزائر على صعيد الفكرة وفي مستوى التنظيم، كما في مستوى المناهج المتّبعة للوصول إلى تحقيق الأهداف المرسومة، وذلك على الرغم من الأرضية المرجعية الجامعة. وتبرز الدراسة هذا التعدد والتباين داخل الحركة الإسلامية الجزائرية من خلال معطى القطْرية والدولية؛ ذلك أن بعض أجنحة الحركة الإسلامية وفعالياتها في الجزائر كان يتبنّى خيار القطْرية أو المحلية. ويرى أنه الأنسب في تسيير الحالة الدعوية والحركية في الجزائر، بينما كانت لأجنحة أخرى (الجناح الدولي) مقاربات مغايرة إزاء هذه القضية، وقضايا أخرى كانت سببًا للتمايز والافتراق، بل وللاستقطاب والصراع. وقد ناقش الباحث هذه المسألة من خلال تجربة "جماعة البناء الحضاري" التي عُرفت بعد ذلك تحت تسمية "الجزأرة" ودافعت عن محلية الفكر والتنظيم والخصوصية الجزائرية بخلاف "جماعة الإخوان المسلمين" التي تعتبر نفسها تنظيامً دوليًا عابرًا للحدود الوطنية. وفي ورقة بعنوان "الإسلام السياسي ومأزق الدولة الحديثة: دراسة للجذور الاجتماعية للإسلام السياسي وتحولّات الخطاب"، وهي دراسة حالة تتخذ المغرب نموذجًا، حاول الباحثان محمد الكوخيوإبراهيم أمهال تحليل الجذور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لظاهرة الإسلام السياسي وعلاقتها بالتحولات التي عرفتها المجتمعات العربية/ الإسلامية في القرن العشرين وبروز الدولة الحديثة. كما حاولا إثبات فرضية
تفسرّ ظاهرة "الإسلام السياسي" بوصفه ردة فعل تاريخية حديثة من طرف البنى الاجتماعية التقليدية على فشل عملية التحديث وتكريس مأزق الدولة الحديثة؛ إذ أدَّى كلّ فشل في عملية الانتقال من المجتمع التقليدي نحو المجتمع الحديث إلى تكريس خطاب هوياتي ديني أكثر تشددًا ورفضًا للتحديث ومقاومة له. وقد اتخذت محاولة الإثبات هذه منحى تجريبيًا تمثّل في دراسة الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لأعضاء الحركة الإسلامية وقواعدها التنظيمية، من خلال دراسة نتائج عيّنة مختارة وتحليلها. وهذه العيّنة التي لها صفة التمثيلية للواقع المراد دراسته متعلقة بحزب العدالة والتنمية (المغربي) الذي يقود الحكومة المغربية الحالية. وقد عمد الباحث أيضًا إلى تحليل الخطاب الفكري للإسلام السياسي في قضايا الدولة والمجتمع، وتحولات هذا الخطاب ارتباطًا بالتحولات البنيوية العميقة في المجتمع والدولة، وذلك من خلال دراسة تحولّات الخطاب الدعوي والسياسي لحركة التوحيد والإصلاح التي انبثق منها حزب العدالة والتنمية المغربي. كرر المسار الأول في الجلسة الثالثة، التي ترأسها الدكتور حسن المهندي، عنوان " الفكر الإسلامي ومفهوم الدولة ". وقد قدم الباحث أشرف عثمان محمد الحسن ورقة بعنوان "الدولة في منظور الخطاب الإسلامي: قراءة في خطاب القطيعة مع الدولة"، انصرف اهتمامه فيها إلى تتبّع العلاقة بين أزمة الدولة في الشرق الأوسط العربي والصعود الإسلامي على خلفية فكرة موجّهة هي أن البحث في الدولة وفهم أزماتها وكيف التقت أزماتها البنيوية بالأزمات الجديدة التي يفرضها وصول الإسلاميين إلى دول الربيع العربي ربما يشكل مدخل ا لتحليل وفهم الأزمة المجتمعية الشاملة التي تعيشها مجتمعات الشرق الأوسط العربي. ولا يأتي اشتغال الورقة على الحركات الإسلامية من كونها القوة الأكثر شعبية والأضخم في الانتشار التنظيمي والاختراق الأيديولوجي، بل يأتي من رؤية الباحث في الحركات الإسلامية طريقة لمفهمة أزمة الدولة عبر تحليل الخطاب الأيديولوجي لهذه الحركات والذي يشكك في أساس الدولة القائمة بداية ومن ثم شرعيتها وأحقيتها في البقاء والاستمرار تاليا. قدّم الباحث علي السيد محمد أبو فرحة ورقة بعنوان "في المنهجيات: التشوهات الفكرية في بناء مفهوم الدولة المدنية"، سعى فيها إلى الوقوف على الاجتهادات الفكرية التي ساهمت في بلورة مفهوم "الدولة" كفكرة رئيسة؛ والنّظر في حقيقة إلحاق صفة "المدنية" به، في ضوء السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية والزمنية والمكانية المختلفة. كما تناول الباحث التعاطي العربي مع هذا المفهوم قبل ما يسمّى "ثورات الربيع العربي"؛ وذلك بحشره في ثنائيات عدّة. وأخيرًا، حاول الوقوف على حدود الصّلة بين مفهوم "الدولة" من ناحية، ومفاهيم "المدنية" و"الدينية" و"العسكرية" من ناحية أخرى؛ وذلك للوقوف على ما ينتظره المواطن العربي من الدولة وصيغتها المؤطِّرة لسلوكه. وخلص إلى أن تبنّي عدد من الباحثين مصطلح "الدولة المدنية" كصيغة جديدة لتأطير المجتمعات العربية في أعقاب الثورات العربية، يفتقر إلى التماسك النظري، وخاصة أن مدلولات لفظ "المدنية" متباينة بدرجة أو بأخرى. ورأى الباحث عبد الغني عماد في ورقته المعنونة "الإسلاميون والدولة: محددات التجديد ومعالمه في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة" أن من الخطأ تحليل الفضاء السياسي الإسلامي بمعزل عن سياق تفاعله مع الواقع الذي يتحرك فيه، وأن الفرضية الأكثر انتشارًا اليوم تعتبر أن أصل المسألة ليس كامنًا في النصوص المؤثرة في بناء الذهنية السائدة، بقدر ما هو متغلغل في صميم البنية الاجتماعية التقليدية التي أعاقت استكمال العملية التحديثية في المجتمعات العربية. وهذا يعني أن الظاهرة الإسلامية السياسية من حيث النشأة والتكوين، لم تهبط علينا من خارج
سياق المجتمع أو تجليات حركته التاريخية، وهي، من ثم، تحمل بذور التعبير عن أزمات وحاجات سياسية وثقافية واجتماعية، وقد نجحت في "استثمار أبرز مكوّنات الرأسمال المركزي للجماعة". وهذا يتطلب مستويين من المعالجة التحليلية والمنهجية: يتمثّل الأولفي تغليب المقاربة الدينامية للظاهرة الإسلامية الحركية ودراستها بعيدًا عن النظرة الستاتيكية. ويتمثّلالثانيفي تحرير المقاربة التحليلية للظاهرة الإسلامية من التنميط المسبق والقراءة المؤدلجة التي أدت إلى تناولها كظاهرة مبتورة ومفصولة عن سياقات التطور السوسيوتاريخي والسياسي في المجتمعات التي تعمل فيها. وتتمثّل الإشكالية التي تعالجها هذه الدراسة في التحدي الذي أطلقه الربيع العربي حول إمكان الانتقال من مشروع " الدعوة" إلى مشروع " الدولة"، وإدماج متطلبات هذا الانتقال في منظومة المشروع الحركي الإسلامي. ولعل هذه الإشكالية هي أخطر ما يواجه الإسلاميين اليوم وتمثّل الامتحان الأصعب أمامهم. والفرضية الأساسية التي يسعى البحث إلى اختبارها ومناقشتها تنطلق من اعتبار أنه كلما ترسخت المنظومة الديمقراطية وزادت درجة الانفتاح السياسي وفتح المجال أمام إدماج حقيقي للتيارات الإسلامية في المشهد السياسي، حدثت في المقابل تغيرات بنيوية في خطابها الفكري والسياسي تجاه "مشروع الدولة"، ذلك أن المشاركة في السلطة "تروّض" الأيديولوجيا، وتدفع بالفاعلين السياسيين إلى ترشيد الشعارات وعقلنتها وتحرِّرهم من أوهامها وتضعهم مباشرة في مواجهة حقائق ووقائع وضرورات الإنجاز المطلبي. رأى الباحث الإسلامي محمد حبشفي ورقته الموسومة "التيارات الإسلامية ومسائل المواطنة والدولة والأمَّة: سؤال الأمَّة" أن الصعود الإسلامي لا ينذر بأي كارثة، وأنه سياق طبيعي للحوادث، وأن هذا التيار الصاعد وإن بدا أيديولوجيًا صلبًا، فإنه غير مؤدلج في تفصيلات العملية السياسية، ومن الممكن تمامًا أن يصير إلى خيارات مدنية واقعية تكرس شكل ا مدنيًا وديمقراطيا من البناء الاجتماعي، يأذن بالتعدّد والتشاركية والمواطنة التامة على الرغم من الشعارات القاسية التي يرفعها التيار الإسلامي في غمار ثوراته. ومن ثمة ستنخرط الأغلبية العظمى من رافعي الشعارات الثورية الإسلامية في أحزاب واقعية تؤمن بالتغيير الديمقراطي، وربما تحمل رؤى سياسية متناقضة ولكنها متفقة على احترام الشعار الإسلامي الثوري والتاريخ الإسلامي المجيد. ورأى الباحث أيضًا أن بقاء تيار إسلامي ينشد الخلافة وفق تصورات السلفية الجهادية أمر مؤكد، لكن يمكن بعد زوال الاستبداد أن يتحرك في إطار مجتمع الحريات ولا يتخذ طابعًا دمويًا، على الرغم من أنه سيحتفظ بقسوته وإقصائيته وفتاواه وتكفيريته. وقد تناولت الورقة بالنقاش سؤال الأمّة في ضمير الشارع العربي المتحرك في ثورته، ووجدت أن هذا الشارع مسكون بالتوق إلى مشروع الأمّة الموحَّدة القوية القادرة التي كانت خلال قرون طويلة في موقع الريادة في العالم، ومن حقها أن تعود كذلك. كما تتبّعت تاريخ الجدل في الأمّة والدولة والمواطنة، والصعود الإسلامي وشعار حاكمية الله، والتيار الإسلامي في مثلثه التقليدي: الإصلاحي والمحافظ والراديكالي، ومصطلح الأمّة وتعدّد مدارس التأويل، والدولة الحديثة ومبدأ الوحدة الإسلامية، وإسقاطات مفهوم الأمّة على المواطنين غير المسلمين في الدولة الحديثة، وسوى ذلك من القضايا الشائكة والإشكالية. ترأس الدكتور مروان قبلانالمسار الثاني من الجلسة الثالثة وجاء بعنوان " الفكر الإسلامي والمواطنة "، قدّم فيه الباحث زين الدين خرشيورقة بعنوان "المواطنة في خطاب الأحزاب الإسلامية وممارساتها: سياسة ضد المواطنة"، تناول فيها إشكالية المواطنة لدى الأحزاب الإسلامية، من خلال تحليل خطاباتها وممارساتها السياسية المختلفة. ورأى أن تصوّر هذه الأحزاب وخطابها وممارساتها بشأن
السياسة ومفرداتها (الدولة، الديمقراطية، القانون، التعدّدية، الحرية، سيادة الشعب...)، يغيب عنها اعتبار المواطنة أولوية فكرية وسياسية واجتماعية، يتأسّس عليها مشروعها المجتمعي، وهو الأمر الذي يحول دون التّحقّق الفعلي والكامل لفكرة المواطنة لديها؛ إذ هي موضوع غير مفكَّر فيه، وغير مسلّم بمقدماته الفلسفية التي تأسّست على مفهوم الفرد، بوصفه ذاتًا حرّة ومستقلة. وقد خاضت الورقة في أربع قضايا متداخلة هي: موقف الإسلاميين المتردّد والخائف من الديمقراطية؛ المواجهة بين الدّين والدولة حول رهان حيازة السيادة واحتكار صلاحية التشريع؛ الخطاب الشعبوي وما يتضمّنه من تصور يقوم على نفي السياسي في المجتمع بأن يقدّمه في شكل كيان متلاحم ومنسجم وخال من النزاعات الأيديولوجية والصراعات السياسية؛ التصوّر الأخلاقي للسياسة، الذي يفرز ممارسةً وخطاباتٍ تعتقد أن السمّات الأخلاقية والدّينية كافية وحدها لتحصين الحقل السياسي والمجتمع من الفساد والانحراف. قامت الباحثة دلال باجس، في ورقتها التي حملت عنوان "التمكين السياسي للمرأة في فكر الحركات الإسلامية بين النظرية والممارسة: الإخوان والنهضة نموذجان"، بدراسة مفهوم التمكين السياسي للمرأة لدى الحركات الإسلامية دراسة نظرية، ثمّ تطبيقية عملية. وخلصت إلى مجموعة من النتائج التي تشير إلى تقدّم ملحوظ في دور المرأة السياسي في هذه الحركات فكرًا وممارسة. غير أنها رأت في الوقت ذاته أن هذا الدور لا يرقى إلى المستوى الذي تنشده النساء الإسلاميات أنفسهن، دع عنك المرأة على تنوّع أطيافها في المجتمع. وقد لجأت الباحثة إلى منهج دراسة حالة مقارنة، إذ قامت بالتركيز على حزبيْ الحرية والعدالة في مصر والنهضة في تونس من خلال إجراء مقابلات مع قياديات في كلا الحزبين، إضافة إلى تحليل مضمون الخطابات السياسية والفكرية لكلا الحزبين وحاضنتهما الفكرية. وقد عمدت الباحثة إلى تقسيم دراستها إلى ثلاثة محاور رئيسة: تناولت في الأولالتمكين السياسي للمرأة عند الحركات الإسلامية نظريًا، فعرضت أبرز الآراء الفقهية والفكرية التي تستند إليها الحركات الإسلامية لتبرير موقفها من التمكين السياسي للمرأة وحدوده وفقًا لرؤيتها لمفهوم المواطنة، ومدى نضج هذه الآراء الفقهية والفكرية عبر عقود من المشاركة السياسية. وتعرضت فيالثانيللتمكين السياسي للمرأة من الناحية العملية، فاستعانت بالإحصاءات التي بيّنت مدى مشاركة المرأة سياسيًا في هذه الحركات ومدى ترشيحها للمناصب السياسية على صعيد الأحزاب داخليًا، وفي برلمانات دولها ومناصبها السياسية الحساسة. أمّا الثالثفجاء محورًا نقديًا، تطرّقت فيه الباحثة إلى العلاقة بين النظرية والممارسة، وذلك من خلال استعراض أبرز العراقيل التي تحول دون إجراء تطبيق كامل لرؤية الحركات الإسلامية النظرية في ما يتعلّق بحقوق المرأة السياسية، ومدى صدق العزيمة في التمكين السياسي للمرأة في هذه الحركات. تناول الباحث فؤاد بوعلي، في ورقته المعنونة "الهوية والمواطنة في خطاب الحركة الإسلامية الأمازيغية نموذجًا: المواطن والمؤمن والإنسان"، مسألة العلاقة بين الهوية والمواطنة، من خلال تأطير هذه المسألة نظريًا على النّحو الذي تبلورت به في أدبيات الحركة الإسلامية، وكيفية مقاربتها للمسألة الأمازيغية، خاصة بعد التعديلات الدستورية الأخيرة في المغرب. وقد شدد على ما بات معروفًا من أن المجتمع العربي والمغربي بالخصوص، يشهد إعادة النّظر في تركيبته الهوياتية، بكيفية تقطع مع التدبير القديم للدولة القومية، وتُعيد إنتاج نمط جديد من الأنسجة الاجتماعية، يكون فيه ل"المفاصلة الهوياتية" الدور الأسمى. وبما أن مناقشة التعدّد الهوياتي انحصرت في الحالة المغربية في مستواه اللّغوي الثّقافي، طُرح أمام الحركات الإسلامية إشكال مقاربته وفق طرح يحافظ على
الانتماء الإسلامي والعربي وعلى الخصوصية الإثنية المغربية. وفي هذا الإطار، خلُص جلّ الأدبيات المنسوبة إلى التنظيمات وأعلام الحركة الإسلامية إلى ضرورة المزايلة بين اللّغة والثقافة الأمازيغيتنيْ من جهة - باعتبارهما رصيدًا هوياتيًا مشتركًا لجميع المغاربة- والحركة الأمازيغية باعتبارها اتجاهًا أيديولوجيًا وسياسيًا من جهة أخرى. ذلك أن الحفاظ على الهوية يتحقّق من خلال المحافظة على حقوق المواطنة وواجباتها، وهذا ما جعل الجواب عن المواطنة الأمازيغية يجري من خلال مسارين اثنين: مسار الأسلمة ومسار الميثاق. تحدث شمس الدين ضو البيتعن "الإصلاح الديني والإصلاح السياسي في المقاربات التقليدية والتجديدية وما بعد السلفية لمسألة المواطنة في الفكر الإسلامي السوداني"، وأشار إلى ما أدّت إليه التطوّرات والحوادث التي ترتّبت على صراع المواطنة في السودان، والتجارب التاريخية التي مرّت بها المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى في العقود الماضية - خاصة التجارب الفاشلة للحركات الإسلامية في الحكم، وانتفاضات الربيع العربي التي وضعت حركاتٍإسلامية أخرى في مواجهة استحقاقات الحكم في سياق ديمقراطي، والوعي المتنامي بالحقوق في هذه المجتمعات- من إدراك متصاعد لدى الحركات الإسلامية التي تعمل في المجال السياسي بأنه لا بدّ من إصلاحات سياسية تأخذ بمفهوم المواطنة التي تقوم على المساواة التامّة بين سكّان الوطن الواحد، من دون تفريق أو تمييز بسبب النّوع أو الثقافة أو الدّين أو العرق. وقد انعكست هذه الإصلاحات السياسية في تخيلّ بعض هذه الحركات عن إصرارها على تطبيق الشريعة والنّص عليها في دساتير هذه البلدان. كما خطَت هذه العملية بالفكر السياسي الإسلامي خطوات مهمّة من فكر التشبّث بالهوية إلى مجالات النهوض والتقدم، ومن مرحلة التشخيص والتجريب إلى مرحلة التّأسيس للإصلاح الدّيني، والانتقال بالمجتمعات العربية والإسلامية إلى مرحلة ما بعد السلفية.
تجارب وأسئلة أيضًا وأيضًا
استُهل اليوم الثاني من المؤتمر بجلسة في مسارين. ترأّس الدكتور النور حمد المسار الأول بعنوان " التجربة التاريخية". وقدّم فيه الباحث بلال شلش ورقة بعنوان "التجربة التاريخية: النبوية والراشدة مصدر تشريع لدولة النبهاني"، تناول فيها استخدام تقي الدّين النّبهاني- مؤسّس حزب التحرير ومنظّره الأول - التجربة التاريخية للأمّة الإسلامية في "عهد النّبوّة" و"الخلافة الرّاشدة" نموذجًا محتذىً للدولة الإسلامية، منطلقا من كون الشريعة الإسلامية لم تترك تفصيل اإًالّ أتت إليه. وبنيّ في هذا السياق رؤية النّبهاني للتاريخ الإسلامي وإشكاليات كتابته، ومبرّرات استخدامه التاريخ مصدر تشريع، وتأثير الواقع المعاصر الذي عاشه في قراءته واستخدامه لهذا التاريخ، وقدرته على الوصول إلى نموذجه للدولة الإسلامية مشرّعًا له بالتجربة التاريخية، من دون انتقائية وتكييف وتجاوز، من خلال عرض عددٍ من النماذج لهذا الاستخدام. وختم بمناقشة إشكاليات استخدام النّبهاني للتاريخ دليل ا شرعيًا، وإظهار التمّايز والاختلاف بين نظرة النّبهاني ونظرة الصحابة إلى هذه التجربة. كانت المداخلة الثانية من نصيب الباحث موسى محمد الباشا، بورقة تحت عنوان "ما صلاحية دولة المدينة ونظام الخلافة الراشدة كنموذجين لدولة إسلامية معاصرة؟". حاول الباحث في مداخلته الإجابة عن سؤال العنوان عبر الإجابة عن أسئلة أخرى تمسّ الإطار التنظيمي الذي أوجده الرسول الخاتم في يثرب، وما إذا كان كيان دولة مارس من خلالها سلطة زمنية كما يزعم بعض التيارات الإسلامية السياسية، كما تمسّ جوهر طبيعة مرجعية الشرعية (لاهوتية أمْ ناسوتية) التي تسنَّم
بمقتضاها مَنْ نُعِتوُا بصفة "الخلفاء الراشدين " سدَّة الحكم، وأمسكوا بمقاليد السلطة، ومارسوا صلاحيات النظر والتقرير في أمور المسلمين العامة الدينية والدنيوية، وما إذا كانت تلك المرجعيات عينها تصلح لأن تكون مصادر لشرعية تؤسس بموجبها وتمارس وفقًا لها السلطة العامة في دولة إسلامية معاصرة من جهة أخرى؟ كان محمد الغاليالمتدخّل الأخير في هذا المسار، فقدّم ورقة بعنوان "بناء الدولة الحديثة بين نظرية إمارة المؤمنين وطروحات الإسلام السياسي في المغرب: قراءة في فرص التعايش والاندماج ومخاطر التنازع". استكشف الغالي في هذه الورقة آفاق الدولة المعاصرة المغربية ومستقبلها في ضوء نظام ملكي يسود ويحكم، بناءً على نظرية إمارة المؤم ين من جهة، وأطاريح الإسلام السياسي الصاعد من جهة أخرى، وذلك في محاولة لفهم أبعاد عدم تمكّن الحقل السياسي المغربي من أن يتطور تطوّرًا مستقلاًّ عن الحقل الديني (إمارة المؤمنين)، والقيام بقراءة مستوعبة لعناصر البزوغ القوي للإسلام السياسي بوصفه فاعل ا جديدًا في الحياة السياسية، ومدى استيعابه في ميزان القوة المؤسّساتي، والمستقبل الذي ينتظره في مشروع الدولة المغربية. وقد توسّل الباحث للوصول إلى غايته تحليل مجموعة من النصوص التي أنتجها الفاعلون الأساسيون في الحياة السياسية المغربية، وتحليل مجموعة من أنساق الفعل والسلوك لتحديد استراتيجية أهمّ الفاعلين، واعتماد دراسة ميدانية اعتمدت على عيّنة من المواطنين والمواطنات (تضم 600 مستجيب) لقياس اتجاه آرائهم في ضوء نظام القيم المجتمعي الصاعد، وذلك في موضوع علاقة الدِّين بالسياسة. أمّا المسار الثاني للجلسة الأولى من اليوم الثاني (الرابعة في جدول أعمال المؤتمر) التي ترأّستها الباحثة حصّة العطية، فكان موضوعها "في أسئلة الديمقراطية والدولة المدنية". واستهل شمس الدين الكيلانيالمسار بمداخلة عنوانها "الإسلام المعاصر وفكرة الدولة: الديمقراطية بين التجاذب والتنافر"، حاول فيها مقاربة موقف الإسلاميين من الدولة الدّيمقراطية ومفاهيمها، بدلالة التحولّات التي صاحبت هذا الموقف في سياق التحولّات التاريخية ومواضعاتها، انطلاقًا من المشكلات التي أحاطت بتطوّره، والوضعيات السياسية التي تمرّ بها البلاد العربية، وذلك في مسعى لوضع أطروحات الإسلاميين في سياقاتها التاريخية داخل أنساقها الاجتماعية في كلّ محطّة من محطّات تحولّها. وبنيّ بذلك أن علاقة الإسلاميين بالفكرة الديمقراطية لا ترتبط فقط بتقدّم أطروحاتهم وبصدق توجهاتهم وحدهم، بل تتعلّق أساسًا بمستقبل الديمقراطية في بلداننا، وبطريقة أداء القوى السياسية والفاعلين الاجتماعيين داخل عملية التحوّل الديمقراطي، وأن البيئة السياسية الاجتماعية الثقافية -في تحولّها مع حواملها الاجتماعية، في غمرة الانتقال إلى الديمقراطية- هي الكفيلة بتهيئة المناخ المواتي للتّكيف مع العملية الديمقراطية ومقتضياتها. بعد ذلك، قدّم الباحث امحمد جبرونورقة عنوانها "الدولة الإسلامية من القرآن إلى السلطان ومن الأمّة إلى العصبية: تحليل تاريخي للتحوّل"، رصد فيها تحوّل الدولة الإسلامية، منذ تأسيسها إلى أن رسخت أركانها خلال العصر الوسيط، تحوُّلين جوهريين، هما تحوُلّها من دولة القرآن (السلطة الأخلاقية) إلى دولة السلطان (السلطة القهرية)، وتحوُلّها من دولة الأمّة إلى دولة العصبية. وقد بنيّ الباحث في دراسته أن ثمة ما يضفي على التحوُّل السياسي العميق الذي شهدته الدولة الإسلامية طابعًا موضوعيًا، ويُظهر أنه لم يكن انحرافًا سياسيًا وأخلاقيًا، كما يتصوَّر الكثير من الإسلاميين، بل كان ضرورة تاريخية اقتضتها روح العصر وظروفه. في المداخلة الأخيرة، عرض سعود المولىورقة بعنوان "المرجعية والحزب والدولة المدنية والمواطنة في الفقه الشيعي المعاصر"، تناول فيها
المرجعيات الفكرية للعلماء الشيعة في ما يتعلق بالقضايا المشار إليها وما بين مدارسهم من اختلافات وفوارق. ومن أبرز تلك المرجعيات الإمام موسى الصدر، ومحمد باقر الحكيم، ومحمد باقر الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، وحسن فضل الله، وسواهم.
قضايا الأصالة والمعاصرة في أسئلة الحركات الإسلامية
كان موضوع المسار الأوّل من الجلسة الخامسة الذي أدارته الأستاذة وضحى الهاجري"قضايا الأصالة والمعاصرة في الفكر السياسي الإسلامي الحديث". وقدّم توفيق سيفورقة بعنوان "مكانة العامة في التفكير الديني"، رأى فيها أن التفكير السياسي السائد بين الإسلاميين ومعظم القوى السياسية العربية، يقوم على أرضية فلسفية متعارضة مع الديمقراطية. ولكيْ تتحوّل هذه القوى إلى محرّكات للتحوّل الديمقراطي، فإنها بحاجة إلى التخيلّ عن المصادر الثقافية والتقاليد الفلسفية التي سبق استعمالها كتبرير للاستبداد، تحت اللافتة الدينية أو القومية أو الاشتراكية أو غيرها، ذلك أن النظام الديمقراطي ينتمي إلى أرضية فلسفية تقدّم مبرّرات مقنعة لمن أراد الاقتناع به، واختياره يستوجب العودة إلى الأرضية الفلسفية التي بُني عليها. وقد بدأ الباحث بعرض أبرز المكوّنات القيمية للنموذج السياسي الديمقراطي، ثمّ عرض الأرضية الفلسفية التي ينتمي إليها الخطاب الديمقراطي مقارنة بنظيره السائد بين الإسلاميين التقليديين في ما يتعلق بثلاث من أبرز قضايا الاجتماع السياسي: مضمون الرابطة الاجتماعية وغرض الدولة، والمواطنة، ومبدأ تفويض السلطة. وختم الباحث باعتقاده أنْ لا جدوى من مطالبة الفقهاء بتطوير نظرية سياسية دينية، لأهنّا خارج الإطار الموضوعي لعلم الفقه، ولأن الموضوع ليس بين انشغالات المجامع الفقهية. ودعا بدل ذلك إلى مشاركة جميع الناس في تطوير الفكرة الدينية، وخصوصًا المنظور السياسي الذي يحقّق الجمع الملائم بين القيم الدينية العليا وحاجات العصر. تناول نوري دريسفي ورقته الموسومة "مفهوم الأمّة في الفكر العربي المعاصر: بين التجاذبات الأيديولوجية السياسية ورهانات الحداثة ودولة القانون" انعكاسات أدلجة الخطاب السياسي الإسلامي لمفهوم "الأمّة"، وتحويله من بناء تاريخي إلى مورد سياسي للتعبئة الأيديولوجية والسياسية، وتكريسه اجتّاهًا ماضويًا يعتمد على أسطرة التاريخ عوض الاتجاه به إلى المستقبل. وسعى الباحث في دراسته إلى عمل نقدي لاسترجاع المفهوم من قبضة الخطاب الديني والسياسي- الأيديولوجي، لكي يعيد بعثه ضمن سياقاته التاريخية ورهاناته الحداثية التي تشكَّل فيها وبها في الفلسفة السياسية المعاصرة، وذلك بقصد تخليص مفهوم "الأمّة العربية الإسلامية" من ترسّباته الأيديولوجية وتكلّساته الدينية، وأوهامه اليوتوبية، ووضعه في صلب المشروع الحداثي في دول العالم العربي، بمقاربة أكثر واقعية وانسجامًا مع عالم معولم وسريع التغريّ وشديد التأثير. ختم نايف الشمري هذا المسار بورقة بحثية عنوانها "نحو إعادة بناء منهجية النظر في الفكر السياسي الإسلامي"، حاول فيها نقد المنظومة الأصولية التقليدية وإيجاد منظومة مستقلّة حاكمة على الفقه السياسي تكون بديلة منها. وقد بدأت الورقة بالحديث عن بعض أسباب ضعف الإنتاج الفقهي السياسي، ثمّ تناولت حتمية استقلالية الفقه السياسي عن نظرائه كالفقه العبادي والمالي والجنائي. وبعد ذلك عرّجت سريعًا على ماهية المنظومة الأصولية التقليدية وشرْح أهمّ أصولها، مع التركيز على الإشكاليات والموانع التي حالت دون انسجام الشريعة الإسلامية من حيث هي أصول ومقاصد مع الديمقراطية من حيث هي أداة عمل سياسي مجرّدة. وأخيرًا جرى تناول معالم المنظومة المنهجية المقترحة للحاكمية على الفقه السياسي.
جلسة نقاشية: من حق الإسلاميين أن يفشلوا
وعليهم أن يتعلموا من فشلهم
اختُتمت أعمال المؤتمر بجلسة نقاش مفتوح بمشاركة جميع المحاضرين والحضور. وقد ترأسها الباحث سعود المولىواستهلها بمقدمة أوضح فيها أن الجلسة النقاشية تسعى إلى استخلاص النتائج التي كانت ثمرة أعمال المؤتمر خلال يومين. وطرح السؤال عن طبيعة التحديات والعثرات التي تعترض نهوض الأمّة، مؤكدًا أن خلاصات المؤتمر تكشف مجموعة من العناوين والعناصر البالغة الدقة والأهمية. أشار كمال عبد اللطيف في مداخلته إلى أن أعمال المؤتمر ونقاشاته تحمل الكثير من الجدّة والجدّية، ويرجع ذلك إلى تعدّد الأصوات والرؤى وزوايا النظر ومناهج المعالجة. واقترح أن يكون المؤتمر القادم أكثر تخصّصًا، وأن يكون عدد الأوراق المشاركة أقل، لكي يتاح الوقت الكافي للنقاش. أمّا رضوان زيادة، فقد تحدّث عن التجربة الديمقراطية لدى الحركات الإسلامية. وفي هذا السياق، استعرض نماذج من تجارب الإسلاميين، وخاصة في تونس ومصر، وأوضح حجم النجاح والفشل فيها، وأوصى بضرورة إتاحة الفرصة للإسلاميين للمشاركة السياسية والتفاعل. وتحدّث عماد عبد الغنيعن التطوّر الذي جرى في خطاب الإسلاميين، كما أشار إلى أهمية مسار بعض التجارب الإسلامية ونتائجها. وأشار نايف الشمريإلى أن بعض المداخلات طالبت الإسلاميين بالتخيلّ عن أصولهم بدل التجديد. وأضاف أن موقف معظم دول الخليج من الثورات والتحولّات كان دائامً سلبيًا. وتساءل امحمد جبرون: أليس من حقّ الإسلاميين أن يفشلوا؟ وأضاف أن هناك ضعفًا في الثقافة الديمقراطية العربية. وأشار فهمي هويدي إلى أن عنوان "الديمقراطية والإسلام" يوحي بأن الإسلاميين يولدون غير ديمقراطيين، أو كأنّ الجميع ديمقراطيون ما عدا الإسلاميين، ثمّ أشار إلى معوقات فشل الإسلاميين في مصر، ومنها الأخطاء التي ارتكبوها، وأن هذا من حقّهم، ثمّ دور القوى الدولية، ودور الدولة البيروقراطية أو الدولة العميقة. وأكّد هويدي أن المقاومة الموجودة حاليًا في الأمّة دليل على أهنّا حية ولم تمت، وعلى أن لديها رغبة في النهوض. ونبَّه محمد الغاليإلى أن ما حدث في الوطن العربي هو انتقال سياسي ولم يكن انتقاالً ديمقراطيًا. وفي السياق نفسه، تحدّث الناشط محمد لطفيعن الارتداد والميوعة اللذين يحدثان اليوم في دول الربيع العربي وتقف وراءهما دول وقوى معروفة بعدائها للديمقراطية وتحرّر الشعوب. وتحدّث الحسين عبوشيعن أهمية التحوّل الذي جرى في العالم العربي، ذلك أن الثورات العربية رسّخت الإحساس بالذات عند المواطن العربي، وجعلته حاضرًا في المجال العام. وطالب شمس الدين ضو البيت بإعطاء الإسلاميين الفرصة للحكم، معتبرًا الانقلاب على الإسلاميين انقلابًا على الديمقراطية. وتحدّث الدكتور عزمي بشارة في مداخلته عن أهمية الجانب النظري في تناول تجارب الإسلاميين، وأشار إلى أن السؤال في الحقيقة ينبغي أن يشمل أيضًا غير الإسلاميين وعلاقتهم بالديمقراطية، مثل اليسار والقوميين والليبراليين. وأضاف أننا نعيش اليوم ثورة مضادّة تسعى إلى إجهاض رغبة الشعوب في التحرّر والاستقلال. وأكّد أن الشعوب لن تعود إلى مجالها الخاص بعد خروجها إلى المجال العام. ولفت الانتباه إلى شجاعة الشعوب وتحمّلها غير العادي لجميع أشكال القهر والقمع، وخاصة فئة الشباب التي تمثّل المتغير الجديد في المعادلة؛ هؤلاء الشبّان غير المنظّمين وليس لهم صوت، لكن حاجتهم إلى الديمقراطية حاجة حيوية وأساسية. شهد المؤتمر، علاوة على ذلك كلّه، ندوة فكرية بعنوان "الأزمة في سورية وآفاق الثورة"، أدارها محمد المصري، وشارك فيها كل من جمال باروت وحمزة المصطفى ومروان قبلان وحازم نهار، وذلك بمناسبة صدور كتاب عزمي بشارة سورية: درب الآلام نحو الحرية.