روسّو بلسان عربيّ بين صفاء النص وكُدورَتِه
Rousseau in Arabic: Between Clarity and Opacity in Text
الملخّص
«[ولكن] لالصطالح حكمانًافذًا يسوق األلفاظ إىل املعنى الغريب فتنقاد، فإذا مرت عليها األيام وصقلتها األلسنة واألقالم جاءت منطبقة عليه بال إهبام وال إهيام». أديب إسحق، الدرر. «ياء اإلضافة يف قويل وطني هي السبب يف حبّي لوطني». أديب إسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية.
Abstract
Through an examination of the translation of Rousseau into Arabic, this study addresses the question of translation in its entirety. The importance of this study lies in its focus on the translation of French works, particularly since the French language was among the first European languages to be encountered by the pioneers of the linguistic, literary, and intellectual renaissance in Arab countries. Moreover, Rousseau was among the first Western figures to be widely read in the Arab world, which led his language to be adapted to Arabic, his symbolisms to Arab symbolisms, and his thought to Arab thought and culture. The study primarily focuses on Rousseau’s The Social Contract, Discourse on the Origin of Inequality, and The Confessions.
- أصل التفاوت
- الترجمة
- التنوير
- روسو
- العقد الاجتماعي
- Rousseau
- Enlightenment
- Origins of Inequality
- Social Contract
الأدبي والمعرفي للنص وأثره في ترجمته المنصفة.
الناس، والاعترافات.
تعالج هذه الدراسة من خلال معاينة ترجمة روسّو إلى العربية قضية الترجمة برمّتها، انطلاق ا
من كون الترجمة ليست مشروطة، فقط، بذات المترجم واجتهاده في التأويل ووضعه الخاص
قُبالة أثَر بلسان أجنبي، بل إن هذه «الوحدة المفكرة والكاتبة» مشروطة أيضًا بحاملها
البنيوي «المتطور» باطّراد مع تراكم المعارف وتحولّاتها النوعية. وضمن تصور للجنس وتحوز الدراسة أهميتها من اعتنائها بترجمة الأثر الفرنسي، كون اللسان الفرنسي من بين
الألسن الأوروبية التي احتك بها، أوالً، رواد النهضة اللغوية والأدبية والفكرية في البلاد
العربية، وكان روسُو، كذلك، من أول أعلام الغرب الذين استقبلهم العرب، فكيّفوا
لغتَه في لغتهم، ورمزيتَه في رمزيتهم، وفكرَه في فكرهم وثقافتهم، مع الاعتناء في الدراسة،
على وجه الخصوص، بنصوص العقد الاجتماعي، وخطاب في أصل التفاوت وأسسه بين
«[ولكن] لالصطالح حكمانًافذًا يسوق األلفاظ إىل املعنى الغريب
فتنقاد، فإذا مرت عليها األيام وصقلتها األلسنة واألقالم جاءت منطبقة عليه بال إهبام وال إهيام».
أديب إسحق، الدرر. «ياء اإلضافة يف قويل وطني هي السبب يف حبّي لوطني».
أديب إسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية.
مقدمّة
تفعل الترجمة على نحو ما تفعل أجيال الإنسان الصانع قديما وهي تصقل الأداة تباعًا وتكرارًا، بلا
نهاية. وفي كل أوان من تلك الصيرورة، كان كل شيء يتغير: المصقول والصاقل والعالم المحيط،
أي، على صعيد الترجمة، المُترجَمُ عنه، والمترجِم، والثقافة المترجَم إليها، فكل شيء يتغير لغة وفكرًا وتربية
ومخياالً؛ ذلك أن الترجمة ليست مشروطة، فقط، بذات المترجم واجتهاده في التأويل ووضعه الخاص قُبالة
أثَر بلسان أجنبي، بل إن هذه «الوحدة المفكرة والكاتبة» التي تظهر بمظهر الحائزة على استقلال ذاتي
وكأنها العنكبوت ينسج بيته من غدده - وهي كذلك بنسبة ما وعلى نحو ما - مشروطة أيضًا بحاملها
البنيوي «المتطور» باطّراد مع تراكم المعارف وتحولّاتها النوعية. وهي بنية محدِّدة لفعل الترجمة الذي هو
أشمل من أن يخُتزل في حدود تجربة أدبية جوّانية تمتحنها شخصية أدبية ب«معية ذاتها»، أيًّا تكن فرادتها.
والمقصود أن الترجمة المتفقهة، وهي التي يحققها أهل الاختصاص، تتعينّ، في نهاية المقام، بعوامل ثقافية
ومعرفية برانيّة، وبسياق تواصلي وتذاوتُي (ما بين ذاتي) في لحظة تاريخية ما. وهكذا، فإن ما يُنعت ب«معاناة» المؤلِّف أو المترجم الوجدانية له في مقابل معرفي قوي يقابله في مجال
«الاحتكاك» والتثاقف بين معقوليات لسانية وبين رمزيّاتِ فَهْمٍ وتأويل مختلفة وغير متكافئة، فنكون إزاء
قطبين (أو أكثر) يتفاعلان ويتبادلان عناصرهَما اللسانية والرمزية المتبلوِرة في أثر «أصلي» من جهة أولى،
وفي أثر «مستقبلٍ» من جهة ثانية. ينطبع القطب الأول بطبائع «عقل تأسيسي» ينطوي هو بنفسه على
طبائع مؤسَّسَة، وينطبع القطب الثاني بطبائع «عقل مؤسَّس» ينطوي بدوره على طبائع تأسيسية. ومعلوم
أن لالاند، واضع هذين المفهومين، يذهب في معجمه الفلسفيإلى أن «العقل التأسيسي » كلي وثابت
ومستديم، و«العقل المؤسَّس » جزئي وخصوصي ومتحول وظرفي. ولئن نستقي منه هذين المفهومين
فنحن نرى الواحدَ منهما، على صعيد الترجمة، منطويًا على الآخر. فلو طبّقنا ذلك على نصٍّ أصْلٍ لكان
بمنزلة النص التأسيسي، وكان النص المترجَم إليه بمكانة النص المؤسَّس. وهذا معنى القطبين الرئيسين
في الترجمة، متى كان هناك لسان ولغة قُبالة آخرَيْن. ولكن يجب أالّ نغفل البتّة عماّ هو مهم، وهو أن قطب
اللسان المنقول عنه ينطوي بدوره على قطبين: قطب تأسيسي بارز قبالته قطب ثان مؤسَّس مستتر أو
مغموط، وقطب اللسان المنقول إليه ينطوي بدوره على واحد مؤسَّس بارز قبالته ثان تأسيسي مستتر أو
مغموط. ومفاد الأمر، هنا، أن للذات والبنية منزلتين ووظيفتين نسبيتين في عمل الترجمة، ونسبة هذه قد
تزيد فتنقص نسبةُ تلك بمقتضى تدخّل عوامل وتأثيرات فعّالة متعددة ليس أقلَّها الوسطُ المعرفي المحيط
وقرارات صاحب الترجمة. وما يحدد مقدار تلك النسبة هو الجنس الأدبي والمعرفي الذي يصنَّف فيه النصّ
الأصلي، فبقدر ما يكون النص أدبيًا تَرْجح نسبة الذات على نسبة البنية، أو قُلْ نسبة المؤسَّس على نسبة
التأسيسي، يكون النصّ علميًا أو فلسفيًا تَرْجح نسبة التأسيسي على المؤسَّس. وهذا ما يمكن أن نطلق
عليه تسمية « الترجمة المنصفة ». أمّا إذا أُخِذ ما هو أدبي مأخذًا علميًا أو أُخِذ ما هو علمي مأخذًا أدبيًا اختل
التوازن والإنصاف، على نحو ما سنرى من خلال اختبار ترجمة روسّو إلى العربية. صحيح أن لكل منظومة لسانية عريقة، مثل العربية، قوا ين وعوامل نموها وتطورها الذاتيين. وإذْ
تميزت العربية منذ القدم بضرب من الاقتدار أدام بنيتها وقواعدها ومفرداتها طوال قرون متتابعة، فإن
هذه الديمومة هي بالذات ما أفقدها عنفوانها وكاد يميتها، أو لنقُل أعاقها، على الأقل، في حقول معرفية
عدة لأسباب، منها ما هو من صميم ذاتها وما هو خارج عنها. ولكن صحيح أيضًا أن تحولّات اللسان
وطفراته الكبرى جرت في أثناء الأزمات والثورات اللغوية والمعرفية داخل ثقافة ما، كما جرت حين
طرأ على اللسان طارئٌ كبير ذو طابع مزدوج جوّاني وبرّانيفي آن واحد، وهذا الطارئ الفعّال هو الترجمة
لكونها زرعًا مفهوميًا ومصطلحيًا ورمزيًا من الخارج يفترض نحتًا واشتقاقًا من الداخل حتى ليظهر النصُّ
المترجَم، على محكّها، بمظهر اختراع جديد. وحدها القطيعة الكبرى، منذ بدايات القرن التاسع عشر،
بعثت اللسان العربي من تحت الرماد وقلبته وغربلته وجددته، ووفّقت، نسبيًا، بينه وبين العصر على الرغم
من عوائق عدة، منها القصور السياسي العام. أمّا ما يقود الناقدَ صوب هذا الضرب من الطرح، فأمران اثنان: أولهما هو ما بدا لنا نزعةً إنشائية شائعة
في الترجمات العربية، لا لمؤلفات روسّو فقط، وإنما لغالب الآثار الأجنبية في مجال العلوم الإنسانية أيضًا.
وأكثر الظن أن مأتى هذه النزعة هو ضرب من المقاربة البيانية التي تعتبر الأثر نصًا ومجُالً وكلمات وصورًا
ومجازات وأسلوبًا، لا غير؛ فلا تقتضي ترجمته سوى فقه اللغتين وفقه علومهما، بصرف النظر عن شروط
تأليف الأثر الأصلي وإنتاج المعرفة المحددة له والحافة به. فإذا كان ذلك كذلك، نحَتْ الترجمةُ منحى أدبيًا
إنشائيًا، وتوهم المترجمُ نفسَه مبدعًا، وفقد الأثرُ خاصيّاته المعرفية، وهي الغرض الأول من التأليف في
الإنسانيات، ومنها الفلسفة كما سيأتي بيانه. وأمّا ثانيهما، فهو أن أثر المترجم ينخرط في شبكة من علاقات متنوعة الطبائع، قائمة وصلْا وفصلا،
بين ثقافات وألسن ولغات وخطابات استدلالية، وتجارب ذاتية أيضًا، تضعه، أي المترجم، إزاء حركة
تواصلية، ولكنها ليست مجرد حركة خطية مستمرة أو «ناعمة» (رخوة / Soft)، كما صار يُقال اليوم،
وإنما هي حركة تراوح بين الصفاء والكدورة (Opaqueness)؛ بين الخطية Linearity() والتأوّد (تشوه
بصري، اعوجاج Distortion) (). ولما كان اللسان الفرنسي من بين الألسن الأوروبية التي احتك بها، أوالًّ، رواد النهضة اللغوية والأدبية
والفكرية في البلاد العربية، وكان روسّو، كذلك، من أول أعلام الغرب الذين استقبلهم العرب، فكيّفوا
لغتَه في لغتهم، ورمزيتَه في رمزيتهم، وفكرَه في فكرهم وثقافتهم، لَزِمَنا أن نختبر المسائل والمشكلات
التي بسطناها آنفًا بالنظر في ترجمات عربية معاصرة نقلت روسّو إلى العربية، ومنها، على وجه الخصوص
وبحسب الأهمية التي يوليها لها المترجمون العرب، العقد الاجتماعي، وخطاب في أصل التفاوت وأسسه
بين الناس، والاعترافات، صارفين النظر عماّ سواها حتّى نتمكن من التقريب والموازاة والمقارنة بين
ترجمات متزامنة محمولة على آثار معيّنة واحدة لمؤلّف واحد، فيحصّل بذلك للمقاربة المنتهجة هنا مزيدًا
من المعقولية والصلوحية.
الترجمة أمام إشكالية السكون والدينامية في فلسفة روسّو
لنبدأ بالتذكير، حثيثًا، ببعض المشهورات في شأن كتاب أصل التفاوت، لما في التذكير من فائدة توضيحية
بالنسبة إلى ما سيأتي قوله. وأوّله أن أصل التفاوتيرفعه نظر بالغ الأصالة في الإنسان والتاريخ من
منظور معرفتين مستحدثتينْ في العصر الكلاسيكي الغربي، أُولاهما الأنثروبولوجيا الفلسفية التي
استنبطت شفرةً ومفاتيحَ لعلوم الإنسان بها نقَلتْ خطابَ العقل الكلي إلى البنى الثقافية والسياسية
المحكومة بمبدأ الأصل والاختلاف. وأمّا ثانيتهما، فهي فلسفة التاريخ المحكومة بمفهوم مركزي، وهو
. وأكثر) Perfectibilté de l’homme /Perfectibility of Man(لدى الإنسان قابلية الكمال مفهوم
الاحتمال أن يكون روسّو أول من ابتكره، أو على الأقل أول من صاغه في نسق نظري. ولهذا المفهوم
طابع جدلي براديغمي معتاص Complex()، بفضله سعى روسّو إلى تفسير الحركة المزدوجة والمفارقة
التي حركت الإنسان في اتجاهين اث ين: التقدم ماديًا وتقنيًا، والتقهقر أخلاقيًا وسياسيًا. وهو لم يتقهقر
إالّ لأنه «تقدم» على النهج الذي سنّته له «تنظيمات» ومؤسسات وضعية منخرمة. واللافت للنظر أن
فرح أنطون، وهو كما هو معلوم من أول قارئي روسّو العرب، قد ترجم مفهوم قابلية الكمال ترجمة دقيقة
في عبارة عربية مسهبة، وهي « تدَرُّجُ العالمِ في مراقي الكمال شيئًا فشيئًا ». ولهذا الضرب من الترجمة ما
يبرره تمامًا في سياق الكلمات والعبارات الحافة باللفظ الفرنسي داخل النص الروسّوي نفسه، كعبارة
« التقدم عبر النُّمُوّات [التطورات] المتتابعة للذهن البشري » (progrès dans les développements
successifs de l’esprit humain). وزعْمُنا هو أن أنطون أدرك مفهومًا هو أعوص ما حوت
الفلسفة الروسّوية للتاريخ وللتربية، فهو مفهوم لا يُدرَك إال بإدراكها شاملة، وهي لا تُدرَك إالّ بإدراكه
إدراكًا دقيقًا تامًا. لقد حدس أنطون، على نحوٍ ربما كان أوعى من تحليلات عدد من معاصريه الغربيين،
أن الوضع الطبيعي إنما هو معيار، على هديه يريد الإنسان المستقبل، وليس واقعة تاريخية تقع وراءه
فيحنّ إليها. هكذا تجنّب أنطون سوء فهم كان متداوالً حتى بين نقّاد وشرّاح اعتبروا تفكير روسّو
ماضَوِيًا، وأن فيه دعوة إلى العودة إلى حالة الطبيعة وإلى «المشي على أربع قوائم كالبهائم»، بحسب مجاز
شهير أطلقة شيخ الفلاسفة فولتير. والدليل على زعمنا أن المفكر العربي تبين منزلة مفهوم «قابلية
الكمال» الحقيقية في فكر روسّو المتحرك بالمفارقات، هو ترجمته إعلان حقوق الإنسان لثورة 1 789
التي ذيل بها مقاالً في مجلة الجامعة يلخص أصل التفاوتويترجم منه مقتطفات ذات نزعة «طبيعانية».
وفي هذا المقال، يعمد أنطون مرتين إلى تأكيد أن الإعلانالثوري غير مستقل عن كتاب أصل التفاوت
المنشور سنة 7551، أي ثلث قرن قبل الثورة الفرنسية، بل إن كليْهما ينبني على الآخر ويعضده،
ولكأننا بأنطون قد أدرك أن هناك علاقة بين النظرية (روسّو) والممارسة (ثورة 789 1)، أي بين العقل
والحدث، ففي رأيه «رفَع» إعلانُ حقوق الإنسان«العالمَدرجةً» في «سُلّم الكمال». إذن، ركز أنطون نظرَه الرومانسي في كتابيْ أصل التفاوتوالاعترافات، فأخذ عن الأول رؤى ومفاهيم،
واستلهم من الثاني روحه، واقتبس رموزه، وربما ترجمه أو ترجم منه، على حد زعم سلامة موسى،
ترجمةً ضاعت نسختُها، بل ذهب بعيدًا بأن «تبنّى» إنشائية الاعترافاتوتماهى معها كتجربة وجدانية كنا
1 انظر: فرح أنطون: «الإنسان وما صنع التمدن به،» و«حقوق الإنسان،» الجامعة: السنة 1، العدد 2 (نيسان/ أبريل 8991)، والسنة
3، العدد 4 (تشرين الثاني/ نوفمبر 9011)، ص 051-2502 و 2 على التوالي. أعادت دار صادر ببيروت نشر مجلة الجامعة نسخًا في
سبعة مجلّدات مصوّرة.
2 بالنسبة إلى النص الفرنسي، انظر: Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les Jean-Jacques Rousseau, hommes , introduction, commentaires et notes explicatives par Jean-Louis Lecercle, les classiques du peuple (Paris: Editions sociales, 1977), p. 105.
بالنسبة إلى الترجمة العربية الأحدث، انظر: جان جاك روسو، خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر، ترجمة بولس غانم؛ تدقيق
وتعليق وتقديم عبد العزيز لبيب (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0092)، ص.112
3 فولتير، «رسالة إلى روسو،» (03 آب/ أغسطس.)1755
4 أنطون، «حقوق الإنسان،» ص -250.251
5 انظر: سلامة موسى: تربية سلامة موسى (القاهرة: سلامة موسى للنشر والتوزيع، [د. ت.])، ص 57-54، و«نزعتان في الأدب
والفلسفة،» في: سلامة موسى، الأدب للشعب (القاهرة، المكتبة الأنجلو مصرية، 9561)، ص.128
قد تعرضنا إليها بالشرح في مناسبة سابقة. ثم انتقل بعدها إلى تجربة رومانسية من طراز مختلف، وهي
تجربته مع نيتشه، ففحص مؤلفاته فحصًا دقيقًا لافتًا، ولخِّصها، وترجم منها مقاطع كثيرة، و«اقتبس من
فلسفته»، كما يقول، رائعته الأدبية الخطِرة مريم قبل التوبة. نرى على هذا النحو كيف أن القران بين
الوجدان والثورة عند أنطون هما اللذان حدّدا قراءته الآداب الأوروبية عمومًا وأدب روسّو خصوصًا،
ونقْلَها إلى العربية، خلافًا لبعض السابقين له الذين ذهبوا، وهم في شروط وسياقات معرفية وثقافية مختلفة
نسبيًا، مذهبًا آخر في نقلهم لروسّو: فأمّا الطهطاوي، وهو المصلح المحترس في الظاهر على الأقل، فقد انكبّ على تعاليم كتاب إميلالتربوية
بالتلخيص والاقتباس والترجمة، فكان نقله عنه بالغربلة والاصطفاء، ثم بإعادة تركيب العناصر المنقولة،
مسوغًا إياها تسويغًا إسلاميًا صارمًا. والحال أن التربية كانت، بلا منازع، العمود الفقري لبرنامج
الإصلاح، فكان عمل الطهطاوي كعمل صيدلاني ماهر يتلاعب بالعقاقير. إن الغائية البرنامجية بعناصرها
البراغماتية هي التي وجّهت هذا الضرب من النقل، حتى لكأننا به يريد، بصورة حصرية، تحديثًا «وسائليًّا»
به ينقذ عالمه الشرقي القديم والمأزوم، لا غير. وأمّا أديب إسحق، وقد ظهر إنتاجه في الفترة التي تلت قليالً بوادر الإصلاح (الطهطاوي) وسبقت قليالً
بوادر أزمته وأثر الرومانسية في أدباء ومفكرين عرب (أنطون)، فكان يريد من التنوير أن يكون « ثورةَ
أنْفُس» بعبارته المكثفة والبليغة والمجاوِزة لشعارات التنوير الأوروبي نفسه. وكان ينبغي لهذه «الثورة»
أن تلازمها، في منطق الكلمات والأشياء، «فورةٌ» في اللسان واللغة، فتكونان كلتاهما تُرجْمانًا عن الأخرى.
لا مُشاحّة أن أديبنا الرائد غريّ أساليب التحرير والإنشاء والبلاغة في جميع أغراض (تيمات) الأدب
عمومًا والشعر خصوصًا رثاءً ومدحًا وهجاءً ووصفًا، وأدرج التراجيديا الكلاسيكية والدراما ولغتَيْهما،
ومصطلحات النقد الحديث، ولغة الصحافة، وخطابة السياسة الحديثة في فضاء الثقافة العربية، ووضع
مصطلح « النهضة العربية » - وهو المتحّدر من أسرة كاثوليكية أرمينية الأصل - وشحن اللغة العربية، بلا
أدنى مبالغة، بنفحات رمزية وذهنية، منها معنى تاريخ الأفكار الذي لم يُبْتكَرْ بعدُ، كما شحنها، وبوهج لا
سابق له، غير حمُاكٍلا لقدماء العرب سوى في قوا ين اللسان وألفاظه، ولا لتحديثيّي الغرب سوى في روح
العصر الكلية وفي مصطلحات علومه، ناقدًا للمتقدمين ومحترسًا شديد الاحتراس من مقاصد المتأخرين؛
واصطنع (بمعنى طوّع) من اللفظ العربي المتقادم معانيَ غريبة في الأصل عنه، وهو القائل بمناسبة تعريبه
لفظَ «توليرانس » Tolérance) (بلفظ تساهل، ويقصد به التسامح، كما صرنا نقول اليوم: «ولا أجهل أن
هذين الحرفين - لفظ التعصب ولفظ التساهل غير وافيَينْ بالمراد منهما اصطلاحًا وإنْ في إيلاء الأول معنى
الغلوّ في الدِّين والرأي توسعًا عظيما، وفي إشراب الثاني ضدّ ذلك المعنى خروجًا عن الحدّ اللغوي، ولكن
6 Abdelaziz Labib, “Présence de Rousseau dans la Renaissance arabe,” dans: Jean-Jacques Rousseau, politique et nation: Actes du IIe Colloque international de Montmorency, 27 Septembre- 4 Octobre 1995 , organisé par la Ville de Montmorency et le Musée Jean-Jacques Rousseau; Présentation générale de Robert Thiéry, Colloques, congrès et conférences sur l’époque moderne et contemporaine; 5 (Paris: H. Champion; Montmorency: Musée Jean-Jacques Rousseau, 2001).
7 سيمتد نشر هذه الرواية ذات الطابع الأدبي المارق عن المركز أو المتزندق بداية من سنة 9061، وطوال ثلاث سنوات، على أجزاء
عديدة في مجلة الجامعة، انظر مقدمة الرواية في: الجامعة، السنة 5، العدد 6 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1906
8 أديب إسحق، «الثورة،» في: أديب اسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، جمعها وقدم لها ناجي علوش، ط 2 (بيروت: دار الطليعة،
9821)، ص 134 وما تلاها.
للاصطلاح حكامً نافذًا يسوق الألفاظ إلى المعنى الغريب فتنقاد، فإذا مرت عليها الأيام وصقلتها الألسنة
والأقلام جاءت منطبقةً عليه بلا إهبْام ولا إيهام ». ومع أن موقعه الأدبي كرائد من رواد التجديد اللغوي، ونَقّاد، وشاعر، ومسرحيّ ومترجم لراسين،
يفترض، وهو الذي نعته فيكتور هيغو ب«عبقري الشرق»، أن تكون قراءته لروسّو قراءة إنشائية وابتداعية
النزعة، فإنها جاءت، في هذا الباب حصرًا، منطبعة بطابع الشكلانية الحقوقية والسياسية (العلم المدني):
فما بقي من آثاره ومن مخطوطاته التي هنُبت وأُتلفت يوم دفنه بسبب تعصّب زعماء طائفته ضد تفكيره
ومواقفه، تبينّ كيف أنه ساهم في «تحريك سواكن» المِعمْاريّة اللغوية العربية القديمة، أو قُلْ صناعتها بما
اصطنع من مصطلحات استقى معانيها من القاموس السياسي والمدني الذي لكتابات روسّو ومعاصريه،
وهيّأ بها ما يسمّيه « حركة الأفكار »، وهي في رأيه «حركة لانهائية» عابرة للثقافات والأزمنة،
ومنحها ما يواتيها من كلمات عربية. بهذه الطريقة، انزرعت وانتشرت علامات لغوية، ومفاهيم فكرية
دقيقة، وتصورات ذهنية أعمّ، غير مألوفة، فخلخلت ما كان ساكنًا في الثقافة العربية لعهود طويلة وبعثت
فيه حركة جديدة. ومن أُمَّهاتها الرئيسة المقتبسة من روسّو قول إسحق ب«الاستقلالية»، وهي الناموس
الذاتي autonomie() الذي للفرد والقائم على «الناموس الطبيعي». ولا شك أن معنى «الناموس
الذاتي» أدقّ تعبيرًا وأفصح معنى من استخدامنا الحالي للفظ «الاستقلالية»، عدا أن السابق مركّب
من لفظين. وعند إسحق، كما هو الشأن عند روسّو، يتأتى مفهوم الاستقلالية مشتقًا، منطقيًا ووجوديًا، من قيمة
كونية، وهي الحرية التي جعل كلاهما منها أُسًّا محركًا لمجمل تفكيره ومأموله. وفصّل إسحق المعرِّب
حينًا، والمترجِم حينا آخر، مفهوم الحرية الحديث، فميز، بالشرح والنقد، بين «الحرية الطبيعية» و«الحرية
المدنية» و«الحرية السياسية» و«الحرية الشخصية»، و«حرية الفكر الشاملة » التي وصفها بالشمول
لكونها أفقيّةَ البُعْدِ وعابرةً لسائر ضروب الحرية. وإذا ما أنزل إسحق الحرية و«الحق الطبيعي» منزلة
القيمة والمثال، فإنه أنزل «الناموس الطبيعي الحقيق بالاتّباع» منزلة القانون الساري في الكون والسابق
لكل مدنية. ولكن المؤسسة الوضعية هي التي أغفلته وحادت عنه. ويقضي الناموس الطبيعي ب«الحفظ
الذاتي» أو «استبقاء الذات »conservation de soi()، وهو حفظ الفرد لشخصه وحرمة جسده
وضميره ووسائل عيشة الطبيعي، كما يقضي ب«الحفظ النوعي»، وهو حفظ الإنسانية جمعاء. ويقوم
9 أديب اسحق، الدرر، وهي منتخبات الطيب الذكر الخالد الاثر المرحوم أديب اسحق، عني بجمعها جرجس ميخائيل نحاس
(الاسكندرية: مطبعة المحروسة، 8861)، ص.8
10 Elie Kedourie, “The Death of Adib Ishaq,” Middle Eastern Studies , vol. 9, no. 1 (January 1973), pp. 95-109.
11 انظر: «حركة الأفكار،» في: اسحق، الدرر، ص.55
12 المصدر نفسه، ص.56
13 المصدر نفسه، ص 4، واسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، ص 72-68، 89-84 و.95-94
14 راجع مقاله «الحرية» وفيه يفصل ضروب الحرية، في: أديب اسحق، «الحرية،» في: اسحق، الدرر، ص 3 وما تلاها.
5 1 اسحق، الدرر، ص 1.66
61 المصدر نفسه، ص.116
71 اسحق، «الحرية،» ص.4
81 المصدر نفسه، ص 4 و 91 وما تلاها.
9 1 اسحق، الدرر، ص 911 وما تلاها.
02 المصدر نفسه، ص 911 وما تلاها.
القانون الطبيعي على التشارط الوجودي والتبادل النفعي بين الذاتي والنوعي. ويدرج إسحق مفهوم «حب
الذات»amour de soi()، وهو من المبادئ المفرسّة لنزوع الفرد إلى «الهيئة الاجتماعية»: فحبك
لذاتك يقودك إلى حبك لغيرك، عكسًا للحب الشخصي amour propre() المدمر للرابطة المدنية. نحن
إذن إزاء طراز جديد من الفكر واللغة والمصطلح في تفسير «التنشئة الاجتماعية» و«الميثاق الاجتماعي»،
طراز مارق مروقًا راديكاليًا عن التمثلات والتعليلات «الشرقية» الموروثة، ومنها التفسيرات الدينية على
وجه الخصوص، فنكون أيضًا إزاء ضرب من الأنثروبولوجيا السياسية الكافية لتفسير كل شيء يخص
مدنيّة الإنسان بلا إضافة ولا «يد خارجية». ولكأننا بإسحق يعتبر أنه ما عاد هناك من حاجة إلى السماء
لفهم أو فعل ما في الأرض. ولا تكمن قيمة مساهمات إسحق الجادة والخطرة في كونه قد ترجم آثارًا
غربية فحسب، بل تكمن في ما زرعه وما نشره وما كيَّفه وما نقده من أفكارها ومصطلحاتها عبر صحفه
المختلفة ومقالاته ذات المنزع الموسوعي. إن روحًا سياسية جديدة وأدبًا «جمهوريًا» جديدًا قد تعرف إليهما
إسحق في مصادرهما الأوروبية وبثّهما في ثقافته بطريقة منسقة؛ فلقد كتب في مبادئ «الجمهورية»
وأعلامها، وشرح شرحًا منيرًا مفهومَي «الوطن والأمّة» في أفق فلسفة «التقدم» التي استفاض في
شرحها وتطبيقها على مجالات مختلفة. وتوسل في ذلك، على الصعيد المعرفي، «نور العقل» و»الفهم
الطبيعي» «والعواطف الطبيعية ». وعلى هذا الصعيد الذي أجملناه إجماالً، يلج بنا إسحق إلى الكون
اللغوي السياسي لروسّو كما أقامه في أصل التفاوت، وبالخصوص في العقد الاجتماعي. ولم يأخذ إسحق،
كما سبق وقلنا بالنسبة إلى فرح أنطون، بظاهر أقوال روسّو، بل أغلب الظن أنه قرأ كلا الكتابين، أي أصل
التفاوتوالعقد، بعدسة الآخر، وربما لم ير بينهما مجرد قطيعة باهتة وعقيمة كما كان شائعًا بين بعض النقاد،
بل رأى أيضًا تواصالً بفضل مفهوم «الكمال» و«التدرج». ومهما يكن من أمر التأويل هنا، فإن مقولة
«التقدم» المشحونة، في ظاهرها على الأقل، بعلامة السلب عند روسّو تصير مشحونة بعلامة الإيجاب
عند إسحق. وهذا ما يفصل، في العمق، بين الرجلين في مجال «الفلسفة السياسية»، والمصطلح موجود
عند رائد النهضة العربية؛ فلئن ذهب إسحق مذهب روسّو الراديكالي في قوله ب«الديمقراطية المباشرة»
وانتقاده للديمقراطية «النيابية» التي قال بها منتسكيو انطلاقًا من مبدأ أن الإرادة غير قابلة للتنازل، فإنه
لم يكن مجرد «ناقل»، بل كان مبتكرًا، وكان ناقدًا نابهًا للأصول التي أخذ عنها، فهو لام روسّو لومًا شديدًا
على تقييده للحرية من جهتين معًا: من حيث تعريفها الوجودي، ومن حيث التضييق عليها بالقانون أو
حتى بالإرادة العامة. فضالً عن ذلك، نقد أنطون روسّو في جوهر فلسفته السياسية بأن أشار إلى التناقض
الكامن في مفهوم الميثاق الاجتماعي؛ فهو يسلبك من جهة ما يهبك من جهة أخرى، بل ويسلبك الآن ما
21 اسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، ص.175 -153
22 المصدر نفسه، ص -153 75 1، واسحق، الدرر، ص.4
23 إسحق، الدرر، ص 42.8
24 يتكرر مفهوم «الجمهورية» و»الجمهوري» في عدة نصوص لأديب إسحق. انظر على سيبل المثال: المصدر نفسه، ص -1.4 راجع
نقده لنابليون بونابارت وغدره بالجمهورية (المصدر المذكور، ص.)4 انظر أيضا: أديب اسحق، «غمبتا،» في: اسحق، الكتابات السياسية
والاجتماعية، ص 13.6
5 2 اسحق: 53 الدرر، ص، والكتابات السياسية والاجتماعية، ص 73 وما بعدها.
6 2 اسحق، الدرر، ص.5
72 المصدر نفسه، ص.5
82 المصدر نفسه، ص.9
92 المصدر نفسه، ص 72 2، واسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، ص.357
0 3 أديب اسحق، “ مجلس النواب، ” في: اسحق، الكتابات السياسية والاجتماعية، ص 722 وما بعدها.
قد لا يهبك غدًا. كما نقد مفكرُنا الشرقيُّ جان جاك روسّو في موقفه الذي أنزل المرأة منزلةَ الدونية في
الحياة المدنية. ولم يكتف بنقد روسّو، بل نقد أيضًا كامل القرن الثامن عشر، من مونتيسكيو إلى روبسبير،
لقصوره عن إقرار مبدأ «وجود المساواة مع الفارق». أمّا رأينا، بعد هذه الإطلالة القصيرة على منزلة الترجمة عند أديب إسحق، فهو أن قيمة الترجمة ليست
عرضية أو هامشية، بل هي مركزية و«برنامجية»؛ إذ يوليها دورًا فعّاالً في تجديد اللسان واللغة العربيّينْ وفي
تثوير الأنفس واستنهاض الأفهام. فلا غرو، إذن، أن نرى أديبًا يتطرق مرارًا إلى قضايا الترجمة وأثرها في
«حركة العصر». كان هذا حظُّ روسّو من الاستقبال لدى جيل من رواد «التنوير العربي»، أي روسّو مقذوفًا به في خضم
الحياة الفكرية ومعترك الفضاء العمومي. وكان ما استعرضناه على جهة التلخيص واستنتاج الواقعة
الدّالة: فنقول إن الخاصية الغالبة على هذا الاستقبال، أكان على صعيد الترجمة اللّسانية الصرف، أم الرمزية
أم الفكرية أم القيميّة، هي المنحى الرومانسي، أو قُلْ الترجمة المُرتَمْنسَة. ومن دلائل ذلك، إنْ لم يكن من
أبلغها عبارةً، موقف فرح أنطون التالي الذي يستحق، في حد ذاته، دراسة أدبية مستقلة: فنحن نراه - وهو
الناقل ل أصل التفاوتو«المترجم» لالاعترافاتوالمقتبسَ منهما ومكيِّفَهما في البيئة الثقافية العربيةِ -
يعقد مع نفسه عهدًا، وهو في السابعة عشرة من عمره، سماّه «عهد الصِّبا»؛ وهو أن يزور لاشرْمات
بمدينة شمبيري في فرنسا، أي البيت الذي عشق فيه روسّو مدام دو فارينس فتحدث عنه وعن نفسَيْهما
طويالً في الاعترافات. وتحقق لأنطون حلمه ولكن، لسوء الحظ، في إثر مناظرة تاريخية في مصر قابلت بينه
وبين محمد عبده ورشيد رضا بشأن تأويل فلسفة ابن رشد ومنزلة النبوة والفلسفة فيها، فهُزِم أنطون كما
هيُزَم «الغرباء»، وخرج من مصر مضطَهدًا. وفي طريقه إلى أميركا مرورًا بفرنسا، استذكر ذلك العهد فغريّ
مسلكه حتى يزور لاشرمات؛ فلنصغِ إليه وقد «أحس بقشعريرة في بدنه»، وهو على عتبة لاشرمات، وكان
ذلك صبيحة يوم من أيام ربيع 906:1 «جان جاك! جان جاك! هو ذا شخص [...] أضرّته مبادئُك
وجاء يشكو ضررَه لك. منذ 51 سنة أتمنى زيارتك وها أنذا في بيتك. ولا تسلني هل هذه الزيارة زيارة
تثبيت أم زيارة وداع، فإنني جئتك ضجرًا تعبًا من خدمة لا يجني صاحبُها إذا خلص النية فيها سوى
الاضطهاد والعدوان». إذا كان ذلك هو ملمح «روسّو النهضة العربية»، فبأي ملمح سيطل علينا روسّو الذي استقبله وترجمه
المثقفون العرب في عصر المدارس والجامعات ومؤسسات الترجمة والنشر العصرية؟ فأمّا أصل التفاوت، فعرف منذ منتصف القرن الماضي أربع ترجمات عربية كاملة على الأقل. وإذْ
31 راجع مقاله الرائد المنير حول «حقوق المرأة»، الصادر في: التقدم، العدد 881(11 1)، نشره ناجي علوشفي: اسحق، الكتابات
السياسية والاجتماعية، ص 1. 72-165
32 اسحق، الدرر، ص 1.07
33 فرح أنطون، «حب روسو ومدام وارين: زيارة صاحب الجامعة بيتهما في شمبيري،» الجامعة (نيويورك)، العدد 1 (تموز/ يوليو 34 صدرت أولى ترجمات أصل التفاوتالكاملة سنة 9541، وهي من عمل شيخ المترجمين عادل زعيتر، وتلتها ثلاث ترجمات تونسية:
ترجمة محمد العربي ([د.ت.])، وترجمة نور الدين العلوي (0052)، وترجمة محمود بن جماعة (009.)2 وتتطلب ترجمة العلوي تعليقات
مطولة ومستقلة بذاتها تقلّبها من جهات عدة؛ وهي كثيرة الأخطاء، منها ما يتصل بالتحرير والناشر، ومنها ما يعود إلى المترجم، ويصل
بعض الأخطاء أن يقلب المعنى الذي يريده روسو حتى ولو كان ظاهرًا. وهناك ترجمات أخرى، منها ترجمة بولس غانم التي اهتممنا بها
في إطار أعمال المنظمة العربية للترجمة (لجنة الفلسفة).
تَسْتوْقِفُنا من بينها الترجمة الراقية التي أنجزها بولس غانم، وهي الصادرة في بيروت سنة 9721، فلأن
المصادفات شاءت لنا أن نختبر تلك الترجمة بقدر ما تختبرنا هي بدورها. وكان ذلك عندما ضبطت المنظمة
العربية للترجمة (لجنة الفلسفة) في سنة 0072 مجموعة من أمّهات المؤلفات الغربية الكلاسيكية المترجمة
إلى العربية والتي اعتبرتها مؤهلة لأنْ تُستعاد ترجماهتُا العربية أو حتُ ينَّ أو تُراجَع، وكانت ترجمة بولس غانم
تلك من بينها، فأُوكِل إلينا بالمهمة الثقيلة، فتكفّلنا بها من باب هو، بالأحرى، أقرب إلى التدقيق والتحقيق
منه إلى التصويب. لا مشاحّة في أن ترجمة بولس غانم لأصل التفاوتتمتاز بفصاحة العربية وصفائها، فهي خدمت
اللسان العربي بقدر ما طوّعت مفرداته ومترادفاته الكثيرة لمعانٍومفاهيم مستحدثة، واختبرت
بالخصوص قدرته على التعبير عن فلسفة للتاريخ يعتمل في طيّاتها العميقة قلق طبيعي من نوع حديث.
غير أن النّاقد أو المحقق يتبيّنان أن مسحة أدبية تغلب على ترجمة غانم، وهي غير مواتية بحكم طبيعة
مؤلَّف روسّو والغرض منه. من الجائز أن نعلّل هذا التوجه الأدبي في الترجمة بأسلوب روسّو نفسه في
الكتابة، ولكن هذا الأسلوب هو الذي أوهم المترجمين وأوقعهم في شراك الأدب بالنسبة إلى المؤلفات
النظرية. وبالمكافحة بين النصَّينْ، الفرنسي والعربي، يلفي المرءُ الفصاحةَ وقد صارت كدورةً في المفهوم،
وانح الً في المصطلح، كأنْ تحلّ «النيةُ» في محلّ «الإرادة » volonté()، و«المعارفُ» في محل «الأنوار»
Lumières() في سياقات بيّنة لا تحتمل التأويل، أو يحل معنى «الخلق» في محل معنى «الصنع » faire()،
أو الكائن «المخلوق» في محل «الكائن» être() ليس إالّ. ويحصل أيضًا أن جيَُزّأ المفهوم الروسّوي
الواحد إلى ألفاظ كثيرة، فيُشار إلى «الميتافيزيقا» ب«التعليلات الفلسفيّة ذات الأفكار المجرّدة»، أو أن
جتُاوِز البلاغةُ مطابقةَ الكلام للمقصود لتصير طلبًا لرونق التركيب العربي وتوازناته الصوتية فتحل
«النفوس المضطربة القلقة» énervées() في محل «النفوس المضطربة»، ويصير ما ليس سوى «أسباب»
«أسبابًا وعوامل»، ولا مسوغ لذلك اللهم أن تندرج الكلمات والعبارات في كمائم المحسّنات البديعية
ومرسَل الكلام. ولكن لمعترض أن يعترض: ما حيلة المترجم إذا كان الغموض وعدم الدقة عائدين إلى لغة روسّو؟
والجواب هو أن روسّو كان ينتقي كلماته بعناية فائقة ويشحذ مصطلحه فيدققه. غير أن المصطلح إذا
ظهر، في وهلة أولى، بمظهر عدم الدقة، فمرد ذلك إلى أن روسّو يضعه في حركة دائمة. إن روسّو مفكر
دينامي وجدلي، وبالخصوص في أصل التفاوت، والحال أن منهج الفكر الاستدلالي يواتيه الثبات البنيوي.
وقد بلغ الهوس بروسّو مبلغًا كبيرًا خوفًا على أصل التفاوتممّا قد يطرأ على ألفاظه من تصحيف في
أثناء طباعته، بل وخيّل إليه أن بعض خصومه من «حزب الفلاسفة» قد يحرّف مخطوطته، فأمضى وقتًا في
نسخها مرات. ولكن لنترك روسّو وهوسه بخصومه! لنسأل: ماذا كان له أن يقول لنا أو كيف كان يحتج به علينا لو
أنه رأى كيف أن بعضًا من مترجمينا العرب يُسقِط مصطلحَ «خطاب» من عنوان « خطاب في أصل
5 ا بلغ عمل التدقيق والغربلة 3 ولمّ - الذي أتيناه في تحيين وتدقيق ترجمة بولس غانم -، ترددنا بين أن ننصرف عن متابعة شوطًا غير هينّ
عمل خطر كهذا أو نقدّم ترجمة جديدة بالكلية. غير أن انجذابنا إلى تجربة تُرمجُ انية تأويلية موضوعية لا تخلو من متعة ذهنية عدا عناء
المسؤولية ومشقة المهمة، حثّنا على فصل النزاع الداخلي وعلى لجم غطرسة «الأنا المعرفية» فسلّمنا بأن نكتب ترجمة على الترجمة، أو ترجمة
للترجمة إن شئنا، بل وأكثر من ذلك تأويالً للتأويل!. انظر: روسو، خطاب في أصل التفاوت 2).009(
التفاوت... »؟. أَلاَ إن وجود هذا اللفظ في العنوان ليس من باب البلاغة أو الاحتذاء بالمألوف،
بل العكس تمامًا هو الصحيح، وذلك أن كلمة discours الأجنبية تتضمن معنى التفكير الاستدلالي،
والنسقية، و«المعقولية» المعرفية... إلخ. وفي القرن الثامن عشر الذي كانت تسوده النقدويّة والشكوكيّة
والتجريبيّة، ويسوده، لهذا السبب بالذات، منهجُ التقصي والبحث enquête / inquiry()، وأدبُ الرسالة
والمحاورة والخاطرة والمحاولة، وحتى «الأفكار» «الجوالة» والدوارة (ديدرو)، وفيه صار للقارئ قاموس
فلسفي محمول (فولتير)، وفيه صار المفكرون يعزفون عن «تقاليد» الفرضيات والاستدلالات النسقية
والبرهانية باعتبارها دغماطيقية، فإن لكلمة « خطاب » - في مثل ذلك القرن - دلالة فلسفية، بل وحتى
ميتافيزيقة، خطِرة وحاسمة، إذْ بفضلها يستأنف روسّو جوانبَ معيّنة من تفكير القرن السابع عشر، ومن
دونها لا يمكن لفلسفة التاريخ التي يؤسسها الخطاب في أصل التفاوتأن تقوم أصالً. زد على ذلك أن
المؤلَّف يخاطب به مؤلِّفُه أصحاب المناظرة وأعيان مدينة جنيف ومواطنيها.
ترجمة العقد الاجتماعي قُبالة اختصاصَيْ الفلسفة والقانون السياسي
وأمّا المؤلَّف الروسّوي الذي انكب عليه المترجمون العرب أشد الانكباب، فهو العقد الاجتماعي؛ إذ عرف
هذا الكتاب عديد الترجمات إلى العربية، منها المنتخبات، ومنها النص الكامل، ومنها ما هو ترجمة عن
الأصل، ومنها ما هو ترجمة عن ترجمة إنكليزية. وممّا طاولته اليد ورجعنا إليه بالدرس والتثبت والمقارنة،
فأربع ترجمات نستعرض منها ثلاثًا فقط لاتصالها بالغرض من هذا البحث: الأرجح أنأولى الترجماتالكاملة المعروفة هي ترجمة عادل زعيتر الموسومة ب العقد الاجتماعي أو مبادئ
الحقوق السياسية المطبوعة سنة 9541 في القاهرة. وقد «قرأ هذه الترجمة وفق أحكام منظمة الأونسكو:
توفيق الصباغ وكمال الحاج»، كما تنص على ذلك صفحة العنوان الثانية. ومعلوم أن عادل زعيتر مترجم
من الطراز الأول، وقد نقل من الفرنسية إلى العربية سبعة وثلاثين مجلدًا، منها مؤلفات لروسّو وفولتير
ومونتسكيو وأرنست رينان، وغيرهم. ومعلوم أيضًا أن هذا المترجم رجل قانون وعارف مدقق باللغة
العربية وقواعدها وفنونها، حتّى أنك إنْ قرأتَالعقد الاجتماعيكما ترجمه زعيتر غاب عنك أنك تقرأ
ترجمة، لفصاحة ألفاظها وقوة مبانيها وجملها. ولكن إن قيل لك إنك تقرأ ترجمة لالعقد الاجتماعي
الذي ألّفه روسّو في سياق القرن الثامن عشر التنويري ومن منظوره، فالأرجح أنك تطمح إلى العودة
إلى الأصل لاستفساره واستبيان بعض المعاني، وخاصة بعض المفاهيم الفلسفية التي يحصل لك أن يختلط
عليك أمرها. وأمّا ثانية الترجمات، فهي تلك التي وضعها بولس غانم وقرأها خليل رامز سركيس ونشُرت في سنة
9721 في بيروت برعاية اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع أيضًا. وهي لا تبعد كثيرًا عن الأولى، أي عن
6 3 انظر مثلا: جان جاك روسو: أصل التفاوت بين الناس، ترجمة عادل زعيتر (القاهرة: دار المعارف، 954 1)؛ أصل اللامساواة بين
البشر وأسسها، ترجمة محمد العربي (نابل: بابيروس، 983 1)، وأصل التفاوت بين الناس، ترجمة نور الدين العلوي (تونس: دار المعرفة، 7 3 نستعيد في ما يلي بعض الأفكار التي كنا قد بلورناها بشأن تاريخ ترجمة آثار روسو إلى العربية، وسقناها في تقديمنا لترجمة أصل
التفاوتوالعقد الاجتماعي.
ترجمة زعيتر، اللهم من جهة الأسلوب أو بعض التفصيلات ذات الطابع البلاغي. وما أجملناه سابقًا من
قول في ترجمة غانم ل أصل التفاوتوحدودها، يصدق كذلك على ترجمته للعقد الاجتماعي، فلها هي
كذلك فصاحة العربية وصفاؤها. غير أن المسحة الأدبية الغالبة عليها ختُِلّ بالبنية المفهومية للنص، فيتحول
البيان إلى كدورة وتتحول شفافية التخاطب المعرفي إلى عائق. ويأتي ذلك من أمرين: من سطوة اللفظ على
المصطلح؛ ومن «ألعوبة» المترادفات التي تجعل ألفاظَالعقد الاجتماعيقابلةً للاستبدال، في حين أنها لغة
اصطلاحية دقيقة وراسخة ترسم حقلا دلاليًا ليس من الجائز اختراقه ومجاوزته. زد على ذلك أن هذا
التأليف النسقي الفذ في تاريخ الفلسفة السياسية والحقوقية أخضعه صاحبُه لهندسة رياضية صارمة. فإذا
جاز القبول بمروقات «أدبية» في ترجمة سائر مؤلفات روسّو، فإن العقد لا يقبل بها البتّة. لنستذكر فقط أن
الاشتغال به اقتضى عشرين سنة من حياة روسّو، ذلك أنه كان ينوي تأليف عمل ضخم أطلق عليه تسمية
التنظيمات السياسية Institutions politiques()، وشرع في التخطيط له في السنة التي أمضاها سكرتيرًا
لسفارة فرنسا في البندقية بين أيلول/ سبتمبر 7431 وآب/ أغسطس 744.1 وإذ أعياه أمر إتمام مؤلَّفه،
قدّر، في سنة 759 1، أن مشروعه قد لا يرى النور كامالً إلاّ بعد المزيد من الس ين الطويلة، أقر العزم على
أن «يستخلص منه ما يمكن أن يكون منفصالً، ثم أن يحرق الباقي ». وهكذا، عكف على مخطوطته
طوال أكثر من سنتين كاملتين ليؤلف كتابه المشهور. وما يظهر فيه من بلاغة ينبغي أالّ يوهم بأن مقتضياته
أدبية، وإنما هي فلسفية وحقوقية. فإن العقد مؤلَّف محكَم البناء أعدّ له روسّو إعدادًا رصينًا، وتطلّب منه
تبحرًا في قراءة المصادر المتنوعة، فاستقصى من الكتب والوثائق والمراسلات ما لم يحصه شراحُه إحصاءً
تامًا، فجاء تأليفُه تأليفًا مبتكرًا في مبادئ القانون والسياسة، متصفًا ب القصدية الفلسفية والاستقلالية
البنيوية والاكتمالالنسقي. ومن مفارقات شخصية روسّو الفكرية أن انشغل هذا الكاتب الوجداني
بالمسألة السياسية انشغاالمعرفيًا، بل إنه نهج فيها نهج البرهان العقلي والحجاج المنطقي المعلومينْ عند
سائر المؤلفين، والأرجح أنه زاد على العديد منهم بأن أجاد لغة الرياضيات الدقيقة فاستخدمها، ملِا في
عبارتها من مطابقة تزيد الاستدلال تميزًا ووضوحًا كافيين، وبالخصوص في الفصل الأول من الكتاب
الثالث من العقد. ولم يكن ذلك ظنًا منه أن ثمة تماهيًا بين النظام الرياضي والنظام العملي، وإنما قصد
التبيين بالمثال، فبلغ مقصده، ألا وهو التمييز بين السيادة والحكومة من ناحية، وإيضاح نسبية الحكومات
وتحوّل قيمة المواطن بحسب امتداد الدولة وتعداد سكانها، من ناحية ثانية. وثالثة الترجماتهي ترجمة عبد الكريم أحمد التي راجعها توفيق اسكندر. وقد تمت عن ترجمة إنكليزية لا
عن الأصل الفرنسي. وقد صدرت في القاهرة عند دار سعد للطباعة والنشر، ضمن سلسلة «الألف كتاب»
الشهيرة التي كانت من مشاريع العهد الناصري في مصر. وللأسف، أغفلت هذه الطبعة تاريخ النشر،
لكن رقمها في السلسلة، وهو 941، يجوّز لنا أن نعينّ تاريخ الطبعة بالتقريب مع أرقام تواريخُها معلومة؛
38 L. Luporini, «Entrée «Institutions politiques»,» dans: Raymond Trousson et Frédéric S. Eigeldinge, dirs., Dictionnaire de Jean-Jacques Rousseau , Champion classiques. Références et dictionnaires; 4 (Paris: H. Champion, 2006), p. 446.
لم نعثر على العبارة التي يستشهد بها ليبوروني. ولكن ما يقوله روسو في «التنبيه» الذي يتصدر العقد الاجتماعيكاف: «استخلصت هذه
الرسالة الصغيرة من عمل أوسع كنت في عهد بعيد قد شرعت في إنشائه من غير أن أحسب حسابًا لقدراتي، ثم أهملته منذ وقت طويل.
ومن بين شتَّى الشذَّرات التي يمكن استخراجُها ممِّا قد تمّ إنشاؤه، فإنّ أكبرَها حجما وأقلّها تبخيسًا أمام عموم القراء هي، على ما يظهر
لي، هذه الشذرة. عدا ذلك لم يبق شيء».
9 3 انظر مقدمة المترجم في: جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة عبد العزيز لبيب (بيروت: المنظمة
العربية للترجمة،.)2011
فنرجح أن يكون تاريخ هذه الترجمة المصرية في منتصف الستينيات من القرن العشرين.)1965-1964(
ولهذه الترجمة خاصيات، من أهمها: اعتمادها على طبعة إنكليزية مشهود لها، قدّم لها السير إرنست باركر
تقديما مسهبًا ومتميزًا، وأصدرها سنة 9471 في أوكسفورد، ثم أعيد نشرها باستمرار حتى يومنا هذا،
وهي تجمع بين ثلاثة مؤلَّفات في مجلد واحد: الرسالة الثانية في الحكم المدنيلجون لوك، والعقد الأصلي
لديفيد هيوم، والعقد الاجتماعيلجان جاك روسّو. ومن المفارقة أن يكون لهذه الترجمة عن الإنكليزية،
مقارنة بغيرها التي تمت عن الأصل الفرنسي، ما سبق وما لحق، فضلُ الدقة في اللفظ والمصطلح والمعنى.
والحاصل أنها عرّبت اللفظَ وترجمت المعنى، وهو ما ثبت عندنا بالمكافحة بين ثلاثة نصوص: العربي
والإنكليزي والفرنسي. فهل لهذه المفارقة من تفسير؟ والجواب هو أن الترجمة الإنكليزية، وهي حديثة
العهد وعنها نُقل العقد الاجتماعيإلى العربية، وإذْ شرحت نصًا كلاسيكيًا ويرَسّت اعتياصه الأصلي بقدر
ما أعادت كتابته واستوضحه، فإنها يسرت عمل المترجم العربي، وهو ما يصدق على جنس الترجمة بعامة،
ما دامت الترجمة، في حدّ ذاتها، ضربًا من التفسير والشرح والتأويل. وبعد هذا كله، ما الذي يبرر إقدامَنا على ترجمة جديدة للعقد الاجتماعياشتغلنا عليها مدة سنتين وأصدرتها
المنظمة العربية للترجمة سنة 0112؟ ألم تثبت لنا، من خلال استعراضنا السابق، القيمة اللغوية والمعرفية
و«التاريخية» التي للمساهمات السابقة؟ وجوابنا أن تاريخيّتها هي التي ترسم حدودها الطبيعية القصوى،
ككل الترجمات السابقة واللاحقة. ورأْيُنا أن طابع الترجَمة العلمي يزاد بالتراكم والتجاور، بالنقد
والتكامل، غير مبال بأي نزعة سكونية واتّباعية. فترجمة العقد الاجتماعيلروسّو ليست مجرد اجتهاد
يأتيه مترجم فرد، في علاقته بهذا المؤلَّف، بل إنها تتأصل في بنية معرفية أشمل وتتحدد بمكوّناتها، في
سياق الدراسات والشروح العربية المتخصصة، أكان في روسّو أم في عصره، أو التي لها دراية وافية بتطور
المشكلات السياسية منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم والتي تفرضها نظرية روسّو التعاقدية ومسائلها
الجوهرية، كالسيادة والديمقراطية والتمثيلية والانتخاب. والحال أنه قد مضى ما يقارب الستين سنة على أول ترجمة عربية لالعقد الاجتماعي، حينما كانت علاقة
الفكر العربي المعرفية والبنيوية بروسّو لا تزال متلعثمة، ذهب رأينا إلى أنه صار يلزم معاودة المحاولة
لينكشف روسّو مجددًا في مرآة الثقافة العربية ومرآة المعارف العربية المتخصصة والمكتسبة في شأنه، ونحن
في بداية القرن الواحد والعشرين. إن الترجمة «تعكس» الحالة المعرفية التي عليها لسان ما وثقافة ما إزاء
ثقافة أخرى، وخصوصًا إزاء علَم من أعلامها أو مادة من موادها. وهكذا، فإن الفكر الروسّوي بعد
العراك العربي معه ليس هو عين الفكر الروسّوي قبل العراك. فغنيّ عن البيان أننا مدينون كثيرًا للترجمات
السابقة التي عدنا إلى دقائقها وتفصيلاتها، فلكَم استفدنا منها لا بمجرد الاحتذاء وإنما بالاجتناب
والاختلاف. وملَّا كان لكل ترجمة طابعها وأسلوبها المخصوصان عليها، اخترنا أن يكون لترجمتنا طابع
الفلسفة السياسية والحقوقية. استحضرتْ ترجمة 011 2 تفسيرات العقد الاجتماعيوشروحَه واختبرتْ اللفظَ والمصطلحَ الروسّوي
على محكّ النص، وأكثر من ذلك استخدمت سائر الترجمات العربية السابقة لها (-1954 9801)،
واستعانت بترجمة أوكسفورد إلى الإنكليزية (9471)، فكانت تلك الترجمات بالنسبة إليها بمنزلة قواميس
الخطأ والصواب. ولرفع الالتباسات عن المفاهيم الرئيسة في العقد، عادت ترجمتُنا إلى التعريفات الدقيقة
04 المصدر نفسه، ص.65-64
والشروح المستفيضة الواردة في قاموس جان جاك روسّو في طبعته الأخيرة (Dictionnaire de Jean-
Jacques Rousseau) (006.)2 وتجنبًا، أيضًا، لما قد يطرأ من خلط وتشويش على فهم معاني اللفظ
الفرنسي، أكان متروكًا أم جاريًا، اعتُمِد قاموس الأكاديمية الفرنسية في طبعة 7621، أي في العهد الذي
عاصره وكتب فيه روسّو، علما بأن سنة 762 1 هي السنة التي أُحرق فيها العقد الاجتماعيفي باريس وفي
جنيف، وحُكم بالقبض على مؤلِّفه. وتيسيرًا للدخول في خطابات التنوير ومثله وقيمه، اعتمدنا القاموس
الأوروبي للأنوار)Dictionnaire européen des Lumières((997.)1 ولقد فضّلنا في هذه الترجمة،
بقدر ما يكون الأمر جائزًا من حيث فصاحة اللغة لفظًا وبناء وتركيبًا، وبقدر ما تكون الوسيلة مبلغة
للمقصود الروسّوي مصطلحًا ومعنى، أن نستخدم ما تواضع عليه الكتّاب والمترجمون والفلاسفة العرب
لعصرنا هذا، في نقل فلسفة القرن الثامن عشر عمومًا وفلسفة روسّو خصوصًا. وفي أثناء هذه التجربة ومعاناتها، رسمت لغةُ روسّو مواطنَ تحدّ أمام اللغة العربية في ما يتصل على الأقل
بأمهات المفاهيم السياسية والحقوقية. ومن الصعوبات التي واجهتها هذه الترجمة في نقلها المفاهيمَ والمعانيَ،
نسوق، في ما يلي، وصفًا لما يمكن نعته ب« اختبار الترجمة » أو ب« التشريح اللساني المقارن »: لنسلّم مؤقتًا بعباريتَْ « جسم اجتماعي » و« جسم سياسي » تيسيرًا للتواصل بيننا. فإذا كان لنا ذلك، سألنا
الآن: ب مَ ينبغي أن نترجم إلى العربية مفهومِcorps social, politique / social, political body؛ وهو
مصطلح دقيق في العقد الاجتماعييوجِب منا أن نأخذه برويّة وأن نمحصه؟ فأمّا من جهة دلالاته اللغوية
الأصلية المستخلصة من قواميس اللغة الفرنسية «القديمة» (762-16061)، فمنها ما يهمّ القصدَ
الروسّوي مثل: شمولية البدن (جسم واحد)، ووحدة نسيجه، وبالتالي هويته واستقلاله وإمكان التعرف
إليه وتعريفه ونعته (كما نُعرّف وننعت جوهرًا فردًا، زيدًا أو عمرًا). ويُطلَق اصطلاحًا على « الكلّالذي
لجماعة»، وذلك لأنه مهما بانت الأعضاء وتمايزت بعضها عن بعض، بقيت اللحمةُ سارية بينها، وبقي
الكل المعنويقائمًا. ولقد حارت ترجمتُنا بين جسد وجسموترددتْ، ثم انتهى بنا الأمر إلى اجتناب كلمة «جسد» لأنَّ لها
مقاصد فلسفية ولاهوتية (ثيولوجية) جتُاوِز مجرّد العضوية ومجرد الحياة اللتين يقصدهما روسّو في العقد
الاجتماعي، إذْ من الجائز أن يكون الجسدُ رغبةً، أو وعيًا، أو لاوعيًا، أو مخيلة... إلخ. ومن هذا المنظور
يمكن لمصطلح «الهيئة» في اللغة العربية أن يؤدي الدلالات الفلسفية والسياسية التي يؤديها مفهوم الجسم
مع تنزيه «الهيئة» من العضوانية والجسدانية وممّا يعلق بهما من ترسبات دينية وعرفانية غربية. وهذا ما قد
يبدو من الوهلة الأولى موافقًا للتصور غير العضواني الذي يقول به روسّو: ليس المجتمع ومؤسساته
معطى طبيعيًا ولا كائنًا حيًّا وإنما هو اختراع بشري، فالمجتمع والدولة والحكومة هيئات اصطناعية،
وبالتالي، فإن الكل المدني اصطناعي بدوره. يتبع ذلك أن مفهوم هيئة يواتي مفهوم corps كما يستخدمه
روسّو في العقد الاجتماعي. وعلى الرغم من ذلك، كان ينبغي في مواضع كثيرة من العقد ترجمة كلمة corps بكلمة جسملا بكلمة
هيئة. ورأيُنا أنْ ليس القصور اللغوي هو الذي ألجأ روسّو إلى كلمة corps، بل الأرجح أنه قصد إلى ذلك
قصدًا لتثبيت مفاهيم الحياة والحركة والعنفوان والتواصل والتكامل داخل كلٍّ جامعٍ شاملٍ أوحد، وهو
41 بالنسبة إلى تحليل مفهوم الجسم الاجتماعي، استعدنا هنا بلورتتنا لهذه المسالة التي أوردناها في مقدمة الترجمة في: المصدر نفسه، ص
ما لا يمكن كلمة هيئة أن تؤديه، إذ هي في العربية مجرد الصورة والشكل والتناسق الخارجي، وإنما كلمة
جسم هي التي تؤديه. صحيح أن المجتمع المدني ليس جسما في نظر روسّو، بسبب أن الجسم لا يتطابق تمامًا مع التكوين المصطنع
للاجتماع البشري، ومع ذلك فإن المجتمع يعمل مثلما يعمل الجسم. وليس أدل على ذلك من أن روسّو
يعمد من بداية العقد حتى نهايته إلى إجراء مقارنات وقياسات بين الهيئات المدنية والسياسية، الأصلية
كما الفرعية، الكبرى كما الصغرى، وبين جسم الإنسانبالخصوص، وربما به حصرًا. وقد يذهب روسّو
أحيانًا – كما في الخطاب في الاقتصاد السياسي - إلى حد وضع مماثلة قياسية دقيقة بين أعضاء الجسم
وأعضاء المجتمع المدني، بين وظائف هذه ووظائف تلك. وإن في المماثلة هذه ما يزيد على الحاجة البيانية
والبيداغوجية ليبلغ مقصدًا أعمق: تعريف الأشياء لا يحصل فقط بما هي هي (كينونتها، هويتها الذاتية)،
وإنما بما هي مأمولة أيضًا، أي كما يجب أن تكون، فكلما استقامت المماثلة اجتماع/ جسمقارب المجتمعُ كمالَه
الدستوري. ومعلوم أن أعظم الإنشاءات اليوتوبية النظرية ألّفت، مثل روسّو، بين النزعة الاصطناعية
المتشددة والتمثيل العضوي. وتكمن قوة الجسم المجازية والتربوية والإبيستيمية في كونه يُنْبئُنا بعكس
ما هو، أو لنقل بالمسكوت عنه، ألا وهو «النفس» أو «الروح» أو «الكل المعنوي» الذي نتأوّله بتوسط ما
نلاحظه في الجسم من حركة وحياة وعنفوان وتداع لأعضائه وتعاضد بين أجزائه. وهذا الكل المعنوي
هو، على وجه الضبط، مراد روسّو في العقد الاجتماعي. يتبع ذلك باللزوم أننا تركنا مفهوم الجسد بسبب ما يعتمل فيه من توتّر وجداني، وتركنا كذلك مفهوم
الهيئة لانحصاره في النظام الخارجي وقصوره عن تصوير الحياة والنمو والإرادة.
«اعترافات» روسّو بين ثابتها المفهومي ومتحوّلها البياني
لا شك البتة في أن مادة الاعترافاتوصورتها تندرجان في جنس الأدب. وفي جنس الأدب أيضًا تُصنَّف
السيرةُ الذاتية ويُصنَّف البورترييه الذاتي. وإذا ما صرفنا النظر عماّ زعمه سلامة موسى في شأن ترجمة
ل الاعترافات، ربما قام بها فرح أنطون ولم تصلنا، ألفينا أن لهذا الكتاب ترجمتين حاصلتين بالعربية،
وهما ترجمة مراد وهبه (أواخر خمسينيات القرن العشرين) وترجمة رامز خليل سركيس. 982(1)
وعَدا أن القصد الأدبي هو الغالب على كلتيهما، فلا شيء يجمع بين الترجمتين؛ إنهما من كونَينْ فكريّينْ
وروحيّينْ ورمزيّينْ ولغويّينْ مختلفين. الأولىيُراد لها أن تكون «أمينة» و«كاملة» ونازعة إلى الاتباعية؛
والثانية تنزع منزعًا ابتداعيًا وتأويليًا نخبويًا. ولكأنَّ ك من العقلينْ المؤسَّسَينْ، في كلتا الترجمتين،
غريب إزاء الآخر. إن لالاعترافاتخصوصية أدبية وشعورية بالغة كما هو معلوم؛ فهي إرهاص ل«رومانسية احتجاجية»
مارقة على الأخلاق السائدة، وباعثة لإثيقا حياة جديدة لا اتّباعية ولا امتثالية، بل هي ممَُكِّنة للأنا
الفردي من حساسيّة ذوقية ومن قيم التمرد والتحرر. فحريّ بنا أن نشير إلى أن الاعترافاتتُرجمت
42 جان جاك روسو، اعترافات جان جاك روسو، ترجمة حلمي مراد، كتابي؛ 43-39، 5 ج (القاهرة: المؤسسة العربية الحديثة، 43 جان جاك روسو، الاعترافات، ترجمة من الفرنسية إلى العربية وقدم له وعلق عليه خليل رامز سركيس، مجموعة الروائع الإنسانية
(بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع،.)1982
ونشُرت أواخرَ الخمسينيات في مصر ضمن سلسلة كتابي، وهي سلسلة شعبية واسعة الانتشار.
وصدرت الطبعة في سبعة إصدارات شهرية في شكل كتاب روائي للجيب. وما إن يلقي المرء بنظرة
أولى على هذه الطبعة حتى تذكّره الأغلفة الملوّنة والصور والرسوم التي تزين النص بسلسلة شعبية
أكثر ممّا تذكّره بروسّو، فيلسوف شامبيري الرومانسي وعشيق مدام دو فارينس. فالإصدارات كلها،
عدا الأولى، تُفتتح بملخص للحلقات السابقة ثم ختُتتم، عدا الأخيرة، بإعلان عن الحلقة المقبلة بطريقة
تترك القارئ مشدودًا إلى ما سيتلو من حوادث. إن مثل هذه الطبعات يجعلنا نسارع إلى الاعتقاد بأن
الاعترافاتماثلت المطبوعات الواسعة الانتشار في الميادين العامة في مدينة القاهرة، وبأنها وجدت
طريقها إلى جمهور عريض ناطق بلغة الضاد، ولكنها لغة بسّطت المعنى وضربت في العمق بنية
النص لفظًا وأسلوبًا ومصطلحًا، إذ أسبغت على «السيرة الذاتية» صبغة «القصة»، وعلى «الذاتية
الفلسفية» صبغة «البطولة». ومع ذلك، وربما بفضل هذا التشوه أو الكدورة الأدبية، للمرء أن يتصور
أثر هذه الترجمة في نشر قيم الحساسية الفردية المتمردة بين جمهور القرّاء العرب، وفي بلورة ضميرهم
الجمعي والعمومي. وفي المقابل، نشُرت في بيروت بالتعاون مع اليونسكو ترجمات قيّمة لأمهات الآثار التي لروسّو، ومنها
الاعترافاتالتي أنجز ترجمتها خليل رامز سركيس وأصدرها سنة 9821، كما ذكرنا. ولقد صارت هذه
الترجمة أصالً لمفارقة في الكتابة عجيبة سنتوقف عندها ونستوضحها ولو قليالً. تُلخَّص المفارقة في قولة هنري عويس إن «جان جاك سركيس يترجم خليل رامز روسّو إلى العربية». ولم
يخطئ عويس في حكمه، فأيّ منهما الكاتب الأصلي وأيّ منهما المترجم الناقل؟ ولا يأتي هذا السؤال من
باب الحذلقة ولا الأحكام المتسرعة، وإنما تسوقك إليه اضطرارًا قراءتك لترجمة الاعترافاتعلى نحو ما
صاغها سركيس في ثوب عربي شفاف ومعقّد النسيج في آن واحد. وإذ يقلب الناقدُ الأدبي، من جهات
عدة، أقوالَ هذه الترجمة العربية المبدعة، يلفي أن عبارة الشاعر اللاتيني التي صدّر بها روسّو كتابه – وهي
«في الدخيلة، ومن تحت الجلد» Intus, et in Cute() – تصدق تمامًا على القران الذي به قرن سركيس
نفْسه ونفَسه بنفْس روسّو ونفَسِه؛ فهو يلج عميقًا إلى بعدين اث ين في الوقت ذاته: بُعد روسّو في اعترافاته،
وبُعد اللسان العربي في تنويعاته ولُطَيْفاته. السيرة الذاتية، زمانية التاريخ الكوني، موسيقى البيان العربي، عناصر ثلاثة مجتمعة في الطبعة العربية
الصادرة سنة 982.1 ومع أن الأدب العربي الكلاسيكي، كطوق الحمامة لابن حزم الأندلسي مثالً،
أو كنصوص من الذوق الصوفي، يحوي تعبيرات بسيكولوجية مرهفة الحس، فإن ترجمة الاعترافات
هذه تؤكد مرة أخرى أن اللسان العربي واللغة العربية مقتدران على نقل السيكولوجيا الحديثة المعتاصة
والمتمازجة مع القلق الأوغستيني الرقيق الكامن في طيات الثقافة الغربية وإثراء الحقل الدلالي والرمزي
العربي. وهكذا يمكن للترجمات الكبرى أن تتكفل، إلى جانب نهجها الأمين والدقيق، بنهج تأويلي أصيل.
فأمّا التأويل، كما نحاول تبيّنه في ترجمة 982 1، ففيه ثلاث مشقات: أُولاها مشقة المراوحة بين سبيلين
اث ين، سبيل اللسان الفرنسي وسبيل اللسان العربي، والتبحر في كليهما، ودراية بالثقافة الحاملة للواحد
44 Labib, “Présence de Rousseau dans la Renaissance arabe”.
5 4 الخطاب في أصل التفاوت بين الناس 972(1)؛ العقد الاجتماعي 972(1)؛ الاعترافات 982(1)، و هواجس المتنزه المنفرد بنفسه
منهما والمحمولة عليه. و ثانيتها مشقة معاشرة جان جاك روسّو، وهو الرجل الذي أحبه كثيرون وما طاقوا
عشرته كثيرًا، فنفروا منه ونفر منهم. وثالثتها مشقة أن يزن المرء الحرفَ بالمعنى وأن يزن المعنى بالحرف.
فكيف ننقل المعنى من غير أن نخذل الحرف العربي، وكيف نحترم الحرف العربي من غير أن نخون المعنى
الأصلي؟ هذا إنْ حصل لنا المعنى أصالً وأحطنا به. ولذلك، جاءت لذة النص السركيسي في طبعة 9821 وليدة معاناة المفكر، وحرية الرجل الأصيل،
وواجب المترجم المنصاع لمسؤوليته حتى ليخيَّل للقارئ أن للأثر المترجَم إلى العربية - وهو ما سمّيناه
القطب المؤسَّس - كونُه الإبداعي المكتمل والمستقل بذاته. ولكن، أيعني الاكتمال والاستقلال طوْقًا جميالً
وانغلاقَ النص على ذاته كما تنغلق اللوحة الفنية وتنفرد؟ لا شك البتة، عند شراح روسّو، في أن مادة الاعترافاتوصورتها تندرجان في الجنس الأدبي، كما
سبق وقلنا. ومع ذلك، فإن لها غورًا فلسفيًا جتُمع عليهما أغلبُ الدراسات الروسّوية. بل ومن شراح
روسّو من يرى في الأدب الروسّوي – أكان فيهيلويزا الجديدة، أم فيالاعترافات، أم في هواجس
المتنزه... إلخ -. «مناسبة» ل خطاب فلسفيفي الذات والحياة وزمن التاريخ والحساسية. ولا
ريب أن لهذه الفلسفة مفاهيمها ومقولاتها تفعل فعل القالب أو الحاوي الذي يستقبل الحدوس
والتجارب والظواهر الذاتية التي تمرّس بها روسّو. حقًّا إن سيرة روسّو محكومة بقانون الحركة
والتدفق والتحول؛ وهو قانون يعربّ عنه الأدب أكثر من سائر الأجناس الذوقية والمعرفية والعملية،
غير أن الحركة نفسها محمولة على صفيحة، أو قُل على بنية ثابتة الأوتاد، وهذه الأوتاد هي المفاهيم
والمقولات. ومعنى ذلك أن التنوع البلاغي الذي أبدع فيه سركيس إبداعًا قَلّ نظيره في الترجمات
كان له أن يزداد بيانًا وصلوحية معرفية لو احتوته مفاهيم روسّو الثابتة المنزرعة في بنية الاعترافات
الثابتة. والأرجح أن هذه المفاهيم، كما تتعين في قاموسروسّو وفي فلسفته، عادة ما لا تحتمل أن
تتُرجم بغير مصطلحات متواضع عليها عربيًا؛ أمّا ما يُراد لها من تنوع في المعاني، فهذا ما تستحدثه
بنفسها سياقات النص العربي المختلفة على نحو ما تفعل سياقات النص الفرنسي نفسه. من ذلك،
على سبيل المثال والتجريب، أن مفهوم طبيعة nature() متنوع المعنى والدلالة عند روسّو بتنوّع
السياقات والمقاصد التي يأتي فيها في طيّ النص الفرنسي الأصلي. هذا صحيح، ولكن هل يعني
أنه «ينبغي» لنا أن نترجم لفظ nature إلى العربية بألفاظ «طبيعة» حينًا، و«سجية» أو «فطرة» أو
«سليقة» أحيانًا أخرى، فننوع المفردة العربية، حتى ولو ضحينا بجوهرها أو قُل بماهيتها المجردة،
أم نترجمها، على العكس من ذلك، بلفظ واحد، وهو «طبيعة»، فنحفظ الجوهر ونسقط شتى المعاني
ولطيفاتها ليدركها الفهم بحسب الاستخدام والسياق؟ وهَهُنا مسائل شائكة يطول الخوضُ فيها
حتى ليصدق عليها الحكمُ ونقيضه. ورأينا أن النقد والمطارحات والحوارات كفيلة بأن توجِد الحل
الممكن والمنشود، وذلك بمعاودة الصقل والتصحيح باستمرار وإلى ما نهاية؛ فوحدها الممارسة
النظرية والنقدية داخل «المجموعة العلمية» كفيلة بتحويل مفردات اللسان الجارية بين الناس –
بما في ذلك أقلها شأنًا وأكثرها ابتذاالً وألصقها بالدنيوي والمدنس – إلى مفاهيم ومقولات ناطقة
ابه ةغلبمو اله ةلقانو ةنّيعم ةفرعمب.اولادت اهرثكأ يه ةفسلفلا ميهافم صوعأ نأ فيك ءرلام ىري لأا
بين الجمهور، بدءًا بكلمة «وجود» و«شيء» و«كل» و«أنا»؟ ألا يرى أيضًا كيف أن المستحدثَ من
المصطلح والمفاهيم في كل «فلسفة خاصة» لا يجاوز العشرات المعدودات، هذا إذا كان المحصول كثيرًا؟
على الجملة، أي بصرف النظر عن هذه التجربة الرتّ جمانية أو تلك، وباستثناء مصطلحات تخصّصية
وسياقية، فإن اللسان هو لسان كل الناس، واللغة هي لغة مشتركة داخل كل مجموعة علمية معيّنة. أمّا
ما أُحكِم بناءُه بصرامة المنهج العلمي في نظام معرفي أو آخر، فليس مأتاه اللفظ وإنما الاستدلال وبنية
الفكر وعملية التعقل idéation(). فعمق الفكر وصوابه ليسا البتة في ما استعجم من اللغة، إذ الاستعجام
مضاد للمنطق أصالً (الكلمة المعقولة / اللوغوس)، بل إن انتقاء مستعجم الكلام أو متروكه قد يكون
للتستر على وهن الاستدلال و كدورة التفكير واللغة. وأمّا الرأي القائل إن الترجمة هي مطلق بدء وإبداع
نص منقول إليه ب« مناسبة » نص منقول عنه، فهو رأي خوارقي وخمُاطر يحيد بنا بعيدًا عن شرط الترجمة
العام، فضال عن موقفه السكوني الحاد fixism / fixisme() المخالف للتراكم المعرفي وزمانية الأدب وقيمة
التجربة ال مْجُانيّة؛ وهو سكون يحاكي السكون الذي ينسبه روسّو إلى أجيال البدائيين الذين يعيد كل
جيل منهم البدء من النقطة التي بدأ منها جميع الأجيال السابقة. والحال، كما سبق وقلنا، إن الترجمة صقل
متواصل، وهو ما يضعنا مجددًا قبالة المجاز الذي استهْلَلْنا به مقالنا هذا: إنما فعل الترجمة الحق كفعل أجيال
الإنسان الصانع قديما، وهي تصقل الأداة تباعًا وتكرارًا، بلا نهاية. وفي كل أوان من تلك الصيرورة، كان
كل شيء يتغير: المصقول والصاقل والعالم المحيط.
المراجع
1 - العربية
كتب
اسحق، أديب. الدرر، وهي منتخبات الطيب الذكر الخالد الاثر المرحوم اديب اسحق. عني بجمعها
جرجس ميخائيل نحاس. الاسكندرية: مطبعة المحروسة،.1886 ______. الكتابات السياسية والاجتماعية. جمعها وقدم لها ناجي علوش. ط.2 بيروت: دار الطليعة، أنطون، فرح. ابن رشد وفلسفته. تقديم طيب تيزيني. بيروت: دار الفارابي،.1988 ______. الجامعة (اسكندرية – نيويورك – القاهرة، 1910-1899). 7 مج. بيروت: دار صادر،
[د. ت.]. حنفي، حسن [وآخرون]. المعرفي والأيديولوجي في الفكر العربي المعاصر: بحوث ومناقشات الندوة
الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، خوري، رئيف. الفكر العربي الحديث: أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي. بيروت:
].[د.ن،.1946 روسو، جان جاك. أصل التفاوت بين الناس. ترجمة عادل زعيتر. القاهرة: دار المعارف،.1954 ______. ______. ترجمة نور الدين العلوي. تونس: دار المعرفة،.2005 ______. أصل اللامساواة بين البشر وأسسها. ترجمة محمد العربي. نابل: بابيروس،.1983 ______. الاعترافات. ترجمة من الفرنسية إلى العربية وقدم له وعلق عليه خليل رامز سركيس. بيروت:
اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 982.1 (مجموعة الروائع الإنسانية) ______. اعترافات جان جاك روسو. ترجمة حلمي مراد. 5 ج. القاهرة: المؤسسة العربية الحديثة،
960-1958[.]1 (كتابي؛ 43-39) ______. خطاب في أصل التفاوت وفي أُسسه بين البشر. ترجمة بولس غانم؛ تدقيق وتعليق وتقديم
عبد العزيز لبيب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 ______. العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية. نقله إلى العربية عادل زعيتر. ط.2 بيروت:
مؤسسة الأبحاث العربية، 995.1 ______. في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي. تعريب عمار الجلاصي وعلي الأجنف. تونس:
دار المعرفة للنشر،.1980
______. في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي. ترجمة عبد العزيز لبيب. بيروت: المنظمة
العربية للترجمة،.2011 ______. مقال في أصل اللامساواة بين البشر وأسسها. تعريب محمود بن جماعة. صفاقس، تونس: دار
محمد علي الحامي، 009.2 (أضواء) ديفد هيوم وجون لوك. العقد الاجتماعي. تقديم أرنست باركر؛ ترجمة عبد الكريم أحمد؛ مراجعة توفيق
إسكندر. القاهرة: دار سعد للطباعة والنشر، [د. ت.]. (الألف كتاب؛ 419) الطهطاوي، رفاعة رافع. الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي. دراسة وتحقيق محمد عمارة. 4 ج.
بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1977-1973 عبود، مارون. رواد النهضة الحديثة. بيروت: دار الثقافة،.1996 العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 موسى، سلامة. الأدب للشعب. القاهرة، المكتبة الأنجلو مصرية،.1956 ______. تربية سلامة موسى. القاهرة: سلامة موسى للنشر والتوزيع، [د. ت.]. هيكل، محمد حسين. جان جاك روسو: حياته وكتبه. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1960
دوريات
سان بيير، برناردن دو. « بول وفرجيني.» ترجمة فرح أنطون، الجامعة: السنة 3، العدد 9، آب/ أغسطس أنطون، فرح. «الإنسان وما صنع التمدن به.» الجامعة: السنة 1، العدد 2، نيسان/ أبريل.1899 ______. «حقوق الإنسان.» الجامعة: السنة 3، العدد 4، تشرين الثاني/ نوفمبر 1.901 ______. «مريم قبل التوبة»، الجامعة: تشرين الأول/ أكتوبر 1].909[-1906 ______. «مشروع جديد في اللغة العربية.» الجامعة: السنة 3، العدد 9، آب/ أغسطس.1902
2 - الأجنبية Books
Anthologie de la littérature arabe contemporaine. 2, Les Essais. Choix, présentation, traduction et introduction par Anouar Abdel-Malek. Préface de Jacques Berque. Paris: Editions du Seuil, 1965. Baczko, Bronisław. Rousseau, solitude et communauté. Traduit du polonais par Claire Brendhel-Lamhout. Paris; La Haye: Mouton; Paris: École pratique des hautes études, 1974. (Civilisations et sociétés ; 30)
Burgelin , Pierre. La philosophie de l’existence de J.-J. Rousseau. Paris: Presses universitaires de France, 1952. (Bibliothèque de philosophie contemporaine. Histoire de la philosophie et philosophie générale) Cassirer, Ernst. Le Problème Jean-Jacques Rousseau. Trad. de l’allemand par Marc B. de Launay; préf. de Jean Starobinski. [Paris]: Hachette, 1987. (Textes du XXe siècle; 13) Sharabi, Hisham. Arab Intellectuals and the West: The Formative Years, 1875-1914. Baltimore: Johns Hopkins Press, [1970]. Hourani, Albert. Arabic thought in the Liberal Age, 1798-1939. London; New York: Oxford University Press, 1962. ______. La Pensée arabe et l’Occident. Trad. de l’anglais par Sylvie Besse Ricord. Paris: Groupe Naufal Europe, 1991. Jean-Jacques Rousseau, politique et nation: Actes du IIe Colloque international de Montmorency, 27 Septembre- 4 Octobre 1995. Organisé par la Ville de Montmorency et le Musée Jean-Jacques Rousseau; Présentation générale de Robert Thiéry. Paris: H. Champion; Montmorency: Musée Jean-Jacques Rousseau, 2001. (Colloques, congrès et conférences sur l’époque moderne et contemporaine; 5) Laroui, Abdallah. L’Idéologie arabe contemporaine: Essai critique. Préface de Maxime Rodinson. Paris: F. Maspero, 1977. (Les Textes à l’appui) Trousson, Raymond et Frédéric S. Eigeldinger (dirs.). Dictionnaire de Jean-Jacques Rousseau. Paris: H. Champion, 2006. (Champion classiques. Références et dictionnaires; 4) Groethuysen, Bernard. Philosophie de la Révolution française; précédé de Montesquieu. Paris: Gallimard, 1956. (Bibliothèque des idées; 1) Starobinski, Jean. Jean-Jacques Rousseau: La Transparence et l’obstacle. Paris: Plon,
Periodical
Kedourie, Elie. « The death of Adib Ishaq.» Middle Eastern Studies: vol. 9, no. 1, January 1973.