Return to Article Details Standard Amazigh: Between the Invention of a New Language and the Manufacturing of Ideological Illusion

الأمازيغية المعيارية بين اختلاق لغة جديدة وصناعة الوهم الأيديولوجي

Standard Amazigh: Between the Invention of a New Language and the Manufacturing of Ideological Illusion

محمد الكوخي

Mohamed el-Koukhi

الملخّص

* باحث مغربي في قضايا الهوية واللغة الأمازيغية.

Abstract

This study begins with a historical introduction of the evolution of the “Amazigh question” from the late 1960s to the present, and its role in shaping an individual’s consciousness, culture, history, identity, and awareness of self and surrounding. For some, the Amazigh language has become the essence of the entire Amazigh question. This paper discusses the controversies surrounding the language and the complexities embedded in the question of linguistic identity for the population of the Greater Maghreb. This study is an endeavor to answer questions such as: is Amazigh a single language with different dialects, or is it composed of multiple and different languages that are bound by common traits? Can we even speak of a unified Amazigh language in the context of the great linguistic diversity characterizing the Greater Maghreb? What is behind the oft-repeated calls to standardize and regulate this language in preparation for its unification?

الكلمات المفتاحية:
  • الوهم الأيديولوجي
  • قومية
  • المعيارية
Keywords:
  • Amazigh
  • Ideological Illusion
  • Nationalism
  • Standardization

بعد التقديم التاريخي لتطور «القضية الأمازيغية» منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي

وحتى اليوم، والأطوار التي دخلت فيها هذه القضية وتحولّاتها من قضية ثقافية أو قومية أو

مزيج منهما، تتناول هذه الدراسة «اللغة الأمازيغية» التي كثر الكلام عنها وعن دورها في

تشكيل وعي الإنسان في المنطقة وثقافته وتاريخه وهويته ووعيه بذاته ومحيطه، حتى غدت

لدى البعض اختزاالً للقضية الأمازيغية بمجملها. تطرح الدراسة الإشكاليات المرتبطة باللغة الأمازيغية ووضعيتها المعقَّدة والمركَّبة، وذلك

في إطار أكبر من التعقيد والتشعب الذي تعرفه قضية الهوية اللغوية لسكان المغرب الكبير

عمومًا؛ وتحاول الإجابة عن تساؤلات من قبيل: هل «الأمازيغية» لغة واحدة متعددة

اللهجات؟ أم هي لغات متعددة ومختلفة تجمع بينها قواسم مشتركة؟ وهل يمكن أصالً

الحديث عن «اللغة الأمازيغية الموحَّدة» في سياق التعدد اللغوي في المغرب الكبير؟ وما هي

حقيقة الدعوات التي تتكرر باستمرار لتعيير هذه اللغة وتقنينها تمهيدًا لتوحيدها؟

مقدّمة

ظهرت القضية الأمازيغية إلى الوجود أول مرة أواخر الستينيات من القرن الماضي، وذلك في

سياق التحولات الجذرية التي عرفتها البلدان المغاربية في القرن العشرين، ونشوء الدولة الحديثة

في المنطقة نتيجة التدخل الاستعماري، مع ما رافق ذلك من تحولّات عميقة على مختلف المستويات

الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهو ما أدى إلى بروز سؤال الهوية أول مرة في المنطقة كتعبير

عن المخاض العسير لتلك التحولّات.

في هذه الظروف ولدت القضية الأمازيغية كردّة فعل على الخطاب الهوياتي المتبنَّى من طرف دولة

الاستقلال في البلدان المغاربية، حيث نسبة مهمة من الناطقين باللغات الأمازيغية، وخاصة في

المغرب والجزائر. كانت القضية الأمازيغية في بداياتها الأولى عبارة عن قضية ثقافية، حملتها مجموعة من النخب المتعلمة من

أبناء الفئات التقليدية في المناطق الناطقة باللغات الأمازيغية، وهي المجموعة التي حاولت إيصال صوت

أولئك المهمَّشين والمقصييّن في لغتهم وثقافتهم في الفضاء العام، عن التعليم والإدارة والإعلام...إلخ،

وإيصال صوت المكوِّن الثقافي الأمازيغي الذي هو جزء رئيس من مكوِّنات الهوية المغاربية، وهوية الإنسان

بشكل عام في بلاد المغرب الكبير. وكان هؤلاء في مجملهم باحثين في قضايا التراث والثقافة الأمازيغية،

ينتظمون في جمعيات ثقافية غرضها التعريف بهذا التراث الثقافي الذي يشكّل جزءًا مهماًّ من هوية المجتمع

وتاريخه، وإن يكن مغيَّبًا عن الفضاء العام. هكذا بدأت القضية التي ستأخذ في ما بعد أبعادًا وامتدادات

أكبر ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين، حيث سيتزايد عدد المهتمين بها بشكل كبير وملحوظ، وستتحوّل

من قضية ثقافية إلى قضية ذات أبعاد سياسية، مع ارتفاع الأصوات المنادية بالاعتراف السياسي بالقضية،

ودسترة اللغة والثقافة الأمازيغية ضمن دساتير ديمقراطية. مع مجيء عقد التسعينيات والتزايد الكبير في عدد الجمعيات والناشطين في مجال القضية الأمازيغية، وتحت

تأثير الحوادث التي عرفتها القضية في الجزائر أوائل الثمانينيات، وخصوصًا ما تلا حوادث الربيع الأمازيغي

(تافسُّوت بالأمازيغية) الدموية في منطقة القبائل شمال الجزائر سنة 9801، إضافة إلى اضمحلال الخطاب

الوحدوي للحركات الوطنية المغاربية، وفشل مسلسل الوحدة المغاربية في ما عُرف باتحاد المغرب العربي

في أواخر الثمانينيات، ستعرف هذه القضية تغريّات كبيرة على مستوى الخطاب المتداول، حيث ستبرز أول

مرة إرهاصات نزعة قومية جديدة تبدأ التشكّل ببطء طوال عقد التسعينيات، وتحاول إعادة قراءة القضية

من منظور قومي مختلف تمامًا عن المنظور الثقافي السابق الذي كان يرمي إلى التعريف بالقضية، وتقديم

اللغة والثقافة الأمازيغية كجزء – جزء فقط ضمن أجزاء أخرى – من واقع الهوية التعددية لمجتمعات

شمال أفريقيا المتميّزة بالميزتين الرئيستين: التعدد والانصهار، أو ما كان يُع عنه حينها بفكرة «الوحدة

في التعدد»، أي انصهار المكوِّنات الثقافية المتعددة في إطار واحد يشكّل هوية الإنسان في المنطقة، عبر

صيرورة تاريخية طويلة امتدت آلافًا من الس ين. هذه النزعة القومية التي ستبدأ في النمو شيئًا فشيئًا ابتداءً من ذلك الوقت، ستعيد تعريف القضية الأمازيغية

من جديد، لا بوصفها قضية واقع تهميش لغوي وثقافي ترافق مع تهميش اقتصادي واجتماعي لشريحة من

سكان شمال أفريقيا في أوطانهم، وإنما على أساس كونها قضية قومية تتجاوز حدودها الوطنية إلى حدود

إقليمية، لتصبح تعبيرًا عن صراع مفترض على أرض شمال أفريقيا، بين ذات «أمازيغية» أصلية (بالمعنى

القومي للكلمة)، وأخرى «عربية» دخيلة (بالمعنى القومي للكلمة). هذه الثنائية ستشكّل الأساس

الذي ستبني عليها النزعة القومية الأمازيغية مجمل خطابها، وستحاول تأصيله على جميع المستويات التي

تقوم عليها كل نزعة قومية: أعني بذلك التأصيل العرقي (ادّعاء وجود عرق أمازيغي خالص يُرمز إليه

عادة بمصطلحات «الإنسان الأمازيغي» و«الشعب الأمازيغي»)، واللغوي (ادّعاء وجود لغة أمازيغية

خالصة، واحدة، وموحَّدة)، والثقافي (ادعاء وجود ثقافة أمازيغية أصلية وخالصة)، والتاريخي (صناعة

أساطير تاريخية بشأن الهوية والذات والآخر). هذا الخطاب الذي يهدف في عمقه إلى تقسيم المجتمعات المغاربية إلى قسمين متصارعين يختلفان على

مستوى العرق واللغة والثقافة والتاريخ (الأمازيغي الأصلي والعربي الدخيل)، على حد تعبيرهم، يرتكب

أخطاء فادحة تقوم على أساس عملية تشويه متعمَّد لواقع التعدد والتنوع الكبير لهوية سكان شمال أفريقيا،

بما في ذلك التنوع الكبير الذي يعرفه المكون الأمازيغي نفسه، وذلك خدمةً لمصالح نخب قومية بدأت

في التشكّل حديثًا، وصارت تطمح إلى الحلول مكان النخب القومية السابقة للحركات الوطنية المغاربية

ذات التوجه العروبي، وهو ما يشكّل أيضًا خطرًا مستقبليًا على السّلم الاجتماعي وعلى التعددية الثقافية

في المنطقة، كما أنه يشكّل عائقًا كبيرًا أمام أي محاولة مستقبلية لتأسيس أنظمة ديمقراطية تقوم على أساس

مفاهيم المواطنة، واحترام التعددية، وحقوق الإنسان، وعائقًا أيضًا أمام أي محاولات مستقبلية لتحقيق

الوحدة المغاربية المنشودة. أثّرت النزعة القومية العربية في المغرب الكبير في نظيرتها الأمازيغية بشكل ملحوظ، وهي التي نشأت

أساسًا كردّة فعل معكوسة على الأولى، بحيث كان مجمل ما أنتجته القومية الأمازيغية نتيجة عملية قلبٍ

وعكس لشعارات القومية العربية بشأن الوطن والهوية والوحدة المنشودة، من دون أن تقدم أي جديد،

أكان على مستوى الخطاب أم على مستوى الممارسة. على مستوى الخطاب، لم يتعدّالأمر تعويض شعارات قومية سابقة، من قبيل: «العروبة»، و«الشعب

العربي»، و«الوطن العربي»، بشعارات أخرى مقابلة لها، من قبيل: «الأمازيغية» (تامازيغت)، و«الشعب

الأمازيغي» (إيمازيغن)، و«الوطن الأمازيغي» (تامازغا)... إلخ، وكلها – العربية منها والأمازيغية –

شعارات قومية تقوم على أساس تصوّرات مغلوطة عن الهوية وأبعادها، خصوصًا في منطقة مثل المغرب

الكبير، عُرفت منذ الأزمان الغابرة بتعدديتها، وتنوّع مكوّناتها البشرية والثقافية. ومنذ ظهور الحركة الأمازيغية والكلام يكثر في أوساطها عن «اللغة الأمازيغية» ودورها في تشكيل

وعي الإنسان في المنطقة وثقافته وتاريخه... إلخ، وعمومًا في تشكيل هويته ووعيه بذاته ومحيطه. بل

إن البعض عادة ما يختصر القضية الأمازيغية بمجملها في مسألة «اللغة الأمازيغية» إلى درجة التماهي

المطلق بينهما. لكن هذا التناول يطرح عددًا من الإشكاليات المرتبطة بتلك اللغة نفسها (أي الأمازيغية) ووضعيتها

المعقَّدة والمركَّبة، وذلك في إطار أكبر من التعقيد والتشعب الذي تعرفه قضية الهوية اللغوية لسكان

المغرب الكبير عمومًا؛ فهل «الأمازيغية» لغة واحدة متعددة اللهجات؟ أم هي لغات متعددة ومختلفة

تجمع بينها قواسم مشتركة؟ وهل يمكن أصالًالحديث عن «اللغة الأمازيغية الموحدة» في سياق التعدد

اللغوي في المغرب الكبير؟ وما هي حقيقة الدعوات التي تتكرر باستمرار لتعيير هذه اللغة وتقنينها

تمهيدًا لتوحيدها؟

التعددية اللغوية الأمازيغية: اللهجات الأمازيغية أم اللغات الأمازيغية؟

الفارق بين اللغة واللهجة

يعتقد كثير من خبراء المسألة اللغوية في المغرب الكبير أنهم يدركون جيدًا ماذا تعني مصطلحات

من قبيل: «لغة» و«عائلة لغوية» و«لهجة» و«لكنة»، وغيرها من المفردات التي تُستخدم في كثير من

الأحيان، من دون تحديد المعنى المقصود منها بالضبط. وفي الواقع يبدو أن هذه المصطلحات ليست

سهلة التعريف وتمييز بعضها من بعض، وكذا الأمر بالنسبة إلى غيرها من المصطلحات الأخرى المتعلقة

بمجال اللسانيات والدراسات اللغوية، وذلك في ظل فوضى الدلالات والتوظيف، وبسبب وجود

خلط كبير في استخدام هذه المفاهيم، أكان ذلك عن غير قصد بسبب الجهل بالقواعد المعرفية لعلم

اللسانيات، أم عن قصد لتحقيق أغراض أخرى مبنية في الأساس على اعتبارات سياسية وأيديولوجية،

أكثر منها معرفية. قبل البدء في دراسة واقع المكوِّن اللغوي الأمازيغي، لا بد أوالً من التمييز بين مفهومي اللغة واللهجة.

وللقيام بذلك، يعتمد علماء اللسانيات – عادة - على مقياس أساس ومهم، يطلقون عليه اسم «معيار

التفاهم المتبادل» (إضافة إلى اعتمادهم على مقاييس أخرى ذات طبيعة لسانية محضة أقل أهمية ومرتبطة

بالنحو والتركيب). وهذا المعيار يقوم على تحقيق اللغة للوظيفة الأساسية من وجودها، ألا وهي التواصل.

وهذا يعني أننا نستطيع القول بأنه إذا لم يتمكن متحدثان من تحقيق الدور الرئيس للغة، أي تحقيق التواصل

(بمعنى أنهما لا يستطيعان فهم بعضهما البعض)، فهذا يعني أنهما يتكلمان «لغتين» مختلفتين ومستقلتين،

حتى لو وجدت بين تلك اللغتين قواسم مشتركة معجمية ونحوية. أمّا إذا استطاعا التواصل رغم وجود

اختلافات معيّنة في المعجم أو في طريقة النطق أو اللكنة، أو حتى في بعض القواعد النحوية، فإن ذلك

يعني أنهما يتكلمان «لهجتين» مختلفتين ولكنهما تنتميان إلى اللغة المشتركة نفسها التي غالبًا ما تسمّى اللغة

المعيارية، أي لغة القراءة والكتابة والتعليم. إذن، إن مسألة التفاهم المتبادل وإمكانية التواصل شرط أساس للحديث عن لغة موحَّدة ومشتركة.

ومن دون تحقّق هذا الشرط اللازم، لا يمكن الكلام على وحدة اللغة، لأن في ذلك تناقضًا صارخًا

مع أهم ما في اللغة نفسها، وهي وظيفة التواصل والتفاهم. أمّا اللهجات، فهي بذلك – وبحكم

تعريفها - مجرد تنويعات مختلفة من اللغة نفسها: تنويعات على مستوى المعجم، والنحو وطريقة

النطق، لكن من دون المساس بجوهر اللغة في هذه المستويات المختلفة، وهو ما يحافظ على دورها

الأساس في التفاهم. ويمكن إعطاء المثال لهذا الفارق في ظاهرة القلب والحذف في الحروف والتغييرات في الصياغة والعبارات،

وفي بعض الأحيان في القوالب النحوية نفسها، التي تعرفها بعض اللهجات التي تختلف باختلاف مناطق

انتشارها، لكن من دون أن تؤدي تلك التغييرات كلها إلى المساس بجوهر اللغة، أي معيار التفاهم المتبادل

والتواصل المشترك بين الناطقين بها. ولعل أفضل مثال لذلك هو الصورة التي تقدّمها اللهجات العربية

المختلفة والمنتشرة على رقعة جغرافية شاسعة، فتؤدي إلى ظهور اختلافات عديدة من هذا النوع على تلك

اللهجات، لكن هذه الاختلافات لا تؤدي إلى القطيعة التواصلية وإلى غياب التفاهم المتبادل بين الناطقين

بها ما دام المشترك أكبر كثيرًا من عوامل الاختلاف والتمايز (اللهم إالّ إذا استثنينا العربية الدارجة في

شمال أفريقيا، وبالضبط في المغرب والجزائر، وهي وإن تكن منتمية في مستويات معيّنة إلى اللغة العربية،

1 Jean-Louis Dessalles, Aux origines du langage: Une Histoire naturelle de la parole (Paris: Hermès science publications, 2000), pp. 64–73.

فإنها تختلف عنها في مستويات أخرى، وهو ما يتسبب في شبه قطيعة تواصلية بينها وبين بقية اللهجات

العربية الأخرى). لذلك، حينما يمسُّ الاختلاف والتمايز الجوهر التواصلي للغة، أي معيار التفاهم المتبادل، فإن هذا يعني

أن الأمر لا يتعلق بلهجات مختلفة، وإنما بلغات متمايزة. هذا في ما يخص الفارق الاصطلاحي بين

مفهومي اللهجة واللغة، أمّا في ما يخص نشأتيهما، فإن علماء اللسانيات يقولون بأنه لا يوجد فارق كبير

بين اللغة واللهجة في طريقة التكوين على أساس أن كل لهجة - تقوم على الأصوات الكلامية وتعتمد

على الاصطلاح والاتفاق الجماعي للمجموعة التي تستخدمها- يمكن لها أن ترتقي من مستوى الكلام

(الثقافة الشفوية) إلى التعبير عن حاجات المجتمع ووظائفه الحيوية (اللغة المدونة)، في ما يتعلق بالتفاهم

والتعامل والتبادل، وبالتالي يمكن الارتقاء بلسان تخاطب ما من لهجة إلى لغة، مادام أن كل لغة كانت في

أساسها عبارة عن لهجة محلية، وتطورت بفعل توافر أوضاع ملائمة لذلك. إذا عدنا إلى اللسانيات الأنثروبولوجية، وحاولنا أن نفهم كيف نشأ هذا الاختلاف بين اللغات

المتعددة، سنجد أن الأمر مرتبط بالتحوّل من لهجات محلية إلى لغات مختلفة، حيث ظلت المجموعات

البشرية منذ ما قبل التاريخ تغريّ مواقعها باستمرار وتهاجر من مكان إلى آخر، وكثيرًا ما كان ذلك

يؤدي إلى انفصال مجموعات معيّنة عن المجموعات الأصلية، ويؤدي التباعد الجغرافي والتغيرات

المستمرة التي تعرفها اللغة من جيل إلى جيل، إضافة إلى تأثير اللغات الأخرى، إلى ظهور اختلافات

بين اللغات الأصلية، وبقية اللغات الجديدة المتفرعة منها. وفي البداية تكون هذه الاختلافات طفيفة،

ومع الوقت تزداد حدتّها بالتدريج، إلى أن يصل الأمر في لحظة تاريخية معيّنة – تحت ضغط العوامل

الجغرافية والتاريخية المختلفة – إلى حدوث قطيعة تواصلية بينها. وعندها يصير التحوّل من لهجات

محلية إلى لغات مختلفة. وحينما يستمر هذا الانفصال مدة طويلة من الزمن، يصبح من الصعب جدًا

حدوث عملية تواصل مشتركة باستخدام هذه اللغات المختلفة، حتى ولو بقي هناك جزء لغوي

مشترك على المستوى المعجمي أو النحوي، لأن هذا المشترك يكون بلا معنى ما دام لا يقوم بوظيفته

الأساسية، وهي التفاهم المتبادل. وبذلك يتحوّل المشترك اللغوي من أساس للتواصل، إلى مجرد

علامات على الشجرة اللغوية، بانتظار أنثروبولوجيين يبحثون في أصول اللغات العالمية وتفرعاتها.

وهذا السيناريو حدث باستمرار على مر التاريخ البشري؛ فكثير من اللغات تشترك في أصل واحد،

لكن الناطقين بها لا يستطيعون التواصل في ما بينهم باستخدامها. وعلى سبيل المثال، تشترك لغات

أوروبية عدة في أصل واحد، كاليونانية والإيطالية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية والمالطية

والرومانية، وغيرها من اللغات، في أصل لغوي لاتيني مشترك، إضافة أيضًا إلى واقع اشتراكها في

جزء كبير من المعجم اللاتيني، لكن هذا لا يعني أنها ليست لغات مختلفة، أو أن الناطقين بها قادرون

على التواصل والتفاهم في ما بينهم باستخدامها.

التعدّدية اللغوية الأمازيغية

هذا على المستوى العام، أمّا في ما يخص الوضعية اللغوية في منطقة المغرب الكبير، فإن الخلاف كبير جدًا في

شأن استخدام هذه المصطلحات بين النخب القومية على اختلاف انتماءاتها، عروبية أو أمازيغية، إذ ينظر

دعاة القومية العربية إلى واقع لغوي يتميز بوجود لغة عربية موحدة، مع وجود بعض اللهجات الأمازيغية

المحدودة الانتشار، والتي لا ترقى إلى مستوى اللغة، في حين يذهب دعاة القومية الأمازيغية إلى وجود

واقع لغوي يتميز بالصراع بين لغتين رئيستين: اللغة العربية واللغة الأمازيغية، وذلك في إطار تصوّراتهم

للصراع الوجودي الشامل بين الثقافتين الأمازيغية (الأصيلة) والعربية (الدخيلة) في المنطقة. ويجري الحديث كثيرًا في أوساط الحركة الأمازيغية عن وجود «لغة أمازيغية موحَّدة» يتحدث بها الشعب

الأمازيغي في منطقة المغرب الكبير، على أساس أنها مسلَّمة غير قابلة للنقاش، وأنها أمر واقع لا جدال

فيه، بل إن موضوع الدفاع عن «وحدة اللغة الأمازيغية» هو من أولويات هذه الحركة. ويلخَّص هذا

الموقف في الشعار القائل إن «الحركة الأمازيغية لازالت صامدة من أجل وحدة وطنية، باعتبار الهوية

واللغة الأمازيغية وحدة واحدة، غير قابلة للتجزئة أو التقسيم أو الإدماج أو الاستيعاب والإبادة». في

نظر أصحاب هذا الطرح، تُعتبر اللغة الأمازيغية وحدة واحدة لا يمكن تقسيمها أو تجزئتها. لكن هذا الطرح المغالي في اللاواقعية يصطدم بصخرة الواقع التعددي، وهذا ليس فقط على مستوى منطقة

المغرب الكبير عامة، وإنما أيضًا على مستوى كل بلد من بلدان هذه المنطقة على حدة، حيث تنقسم هذه

اللغات إلى ما يتراوح بين 11 و 42 فرعًا لغويًا مختلفًا بحسب الدراسات اللسانية المختلفة، وتنتشر على

امتدادٍ جغرافي شاسع. على سبيل المثال، تنتشر في المغرب، البلد الذي فيه أكبر عدد من الناطقين بتلك اللغات، حوالى ثلاث

لغات مختلفة هي: السوسية (تاشلحيت في سوس والأطلس الكبير والصغير)، والزيانية (تامازيغت

في الأطلس المتوسط)، والريفية (تاريفيت في منطقة الريف). وفي الجزائر أيضًا تنتشر حوالى خمس لغات

مختلفة هي: القبائلية (منطقة القبائل)، والشاوية (منطقة الأوراس)، والمزابية (منطقة المزاب)، والتواركية

(الطوارق في الصحراء الجنوبية)، و الزناتية (في عدة مناطق متفرقة خاصة في الواحات الداخلية). وفي

ليبيا نحو أربع لغات مختلفة هي: الزواغية (منطقة صبراتة)، وسوكنة (منطقة الجفرة)، وأوجلة (منطقة

الواحات)، بالإضافة إلى التواركية (الطوارقية)، في الصحراء الجنوبية. وتوجد لغة واحدة متداولة على

الأقل في كلٍّ من تونس (في جزيرة جربة وقرى الجنوب)، وموريتانيا (الزناكية في الجنوب الشرقي)،

ومصر (واحة سيوة). إن هذا الواقع اللغوي التعددي يتناقض بشكل واضح مع هذا النوع من الأطروحات الاختزالية،

لذلك كان لا بد لأصحابها من محاولة تجاوز هذه التناقضات عن طريق الحديث بصورة مكثفة عن تعدد

«اللهجات الأمازيغية» في إطار وحدة «اللغة الأمازيغية»، بدل الحديث عن تعدد «اللغات الأمازيغية»

نفسها. وفي هذا الإطار، يُنظّر الباحث المغربي محمد شفيق لهذا الخطاب بالقول: «إن الأمازيغية ليست

لهجة بالمفهوم العربي، وليست ديالكت (لهجة) بالمفهوم الأوروبي، بما أنها لا تنحدر من أي لغة ولا

تنتمي إليها، إنما هي قائمة بذاتها، لها قوانينها ولها أسسها اللغوية كجميع اللغات. وكما هي الحال

بالنسبة إلى سائر اللغات الأخرى، فللأمازيغية لهجات محلية، مثل القبائلية والريفية وتامازيغت

2 أحمد أرحموش، «الهويات، الحقوق الثقافية واللغوية: مسار رهان وتحديات،» ورقة قدمت إلى: ندوة المنتدى الاجتماعي المغربي الثانية،

الرباط، 004.2

3 الترتيب هنا بحسب عدد الناطقين.

4 الترتيب هنا بحسب عدد الناطقين.

الأطلس وتاشلحيت وتاماشقت، وتوجد بين هذه الإنجازات المحلية فوارق واختلافات لا تمس

جوهر النحو الأمازيغي، وإنما تطفو على مستوى البنيات الظاهرية، وخصوصًا على مستوى النطق».

ويستمر هذا الطرح في ادّعاء أن «الفوارق التي تميز اللهجات بعضها عن بعض، فوارق فونولوجية

بالدرجة الأولى، أحدثها طول عهد الأمازيغية بالوجود أوالً، وضعف عمل التدوين ثانيًا، ومن هذه

الزاوية يمكن القول من الممكن إرجاع النطق باللفظ إلى أصله الأول (...) وقد أشرت سابقًا إلى أن

وحدة اللغة الأمازيغية أمر واقع ملموس، تحجبه أحيانًا فوارق فونولوجية، لا ينخدع لها إالّ الجاهل

لأبسط قواعد اللسانيات». بحسب هذا الطرح، تبدو الفوارق والاختلافات في الأمازيغية فوارق شكلية، وتقتصر على طريقة

النطق، من دون أن تمس جوهر النحو الأمازيغي. لكن الواقع يقول غير ذلك، لأن الاختلافات بين

اللغات الأمازيغية لا تقتصر على طريقة التلفّظ، بل تتعداها إلى جميع المستويات الأخرى المعجمية، وحتى

النحوية. وتجدر الإشارة هنا إلى الفوارق الكبيرة الموجودة بين لغة واحة سيوه في مصر وبقية لغات شمال

غرب أفريقيا، بسبب التأثر الكبير لتلك اللغة بروافد مصرية قديمة، أكان على المستوى المعجمي أم على

المستوى النحوي أو الصرفي. وحتى داخل المجموعة اللغوية الواحدة، ثمة فوارق بنيوية عديدة، كما هي

الحال بين اللغات «التواركَية» عند الطوارق، والمنتشرة في منطقة الصحراء الكبرى، والمتأثرة بشكل كبير

باللغات النيجرية والمالية أكثر من تأثرها ببقية اللغات الأمازيغية في شمال غرب أفريقيا، المعروفة هي

الأخرى بتأثرها على نحو مماثل بالبنى اللغوية العربية وبالمعجم العربي إلى حد بعيد. وحتى تلك اللغة الليبية القديمة التي عُثر على نقوش لها منذ أزيد من قرن ونصف قرن (منذ سنة 8421)،

لم يستطع أحد فك رموزها تمامًا، ولا تزال مستعصية على الفهم إلى الآن، رغم العثور على نصوص مرافقة

لها بالبونية (الفينيقية القرطاجية) واللاتينية. ولو كان ما قاله الباحث شفيق صحيحًا من أن الفوارق بين

اللغات الأمازيغية شكلية فقط، لجرى فك رموز تلك اللغة القديمة بسهولة تامة، ما دام - هو نفسه -

ينقل عن الباحث الفرنسي أندريه باسيت قوله إن: «بنية اللغة الأمازيغية وعناصرها وأشكالها الصرفية

تتسم بالوحدة إلى درجة أنك إن كنت تعرف حق المعرفة لهجة واحدة منها، استطعت في ظرف أسابيع

أن تتعلم أي لهجة أخرى. تدلك على ذلك التجربة، إذ اللغة هي اللغة نفسها (...) وتتجلى وحدة اللغة

الأمازيغية في الزمن أيضًا، لأن بطء التطوّر الحضاري ساعد على استقرار المعطيات اللغوية». فلو كان

ذلك صحيحًا لما استعصت تلك اللغة على الفهم رغم مرور حوالى قرن ونصف قرن على اكتشافها؛ فما

دامت اللغة هي اللغة نفسها، وما دام بطء التطور الحضاري أدّى إلى استقرار المعطيات اللغوية، فلماذا إذا

هذا العجز عن الفهم وفك رموز تلك اللغة، على الرغم من الادّعاءات الكثيرة بأن هذه اللغة ربما كانت

هي أصل اللغات الأمازيغية الحالية؟ وحتى لو قبلنا مع الباحث شفيق أن الفوارق في اللغات الأمازيغية هي فوارق فونولوجية بالأساس، وأنها

كلها تشترك في البنى النحوية ذاتها، فمن قال إن «النحو» هو جوهر اللغة وأساسها؟ فكما بينّا في ما سبق

5 محمد شفيق، «استقراء الأمازيغية الفصحى من الأمازيغية المتداولة»، ورقة قدمت إلى: أعمال الدورة الأولى للجامعة الصيفية، أغادير،

9801، ص.191

6 محمد شفيق، «حول المعجم الأمازيغي،» ورقة قدمت إلى: أيام الثقافة الأمازيغية (الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، الرباط،

-1623 تشرين الثاني/ نوفمبر 9901)، ص.58

7 محمد شفيق، لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين (الرباط: دار الكلام، 9891)، ص.59

أن جوهر اللغة هو مقياس التفاهم المتبادل، كيف يمكن إذا أن نقول بوحدة لغة لا يستطيع الناطقون بها

أن يحققوا التفاهم في ما بينهم إالّ إذا استخدموا لغات أخرى؟! على سبيل المثال، إن معظم المغاربة الناطقين بلغة «تاشلحيت»، أو «تاريفيت»، أو «تامازيغت»، لا

يستطيعون التواصل في ما بينهم باستخدام هذه اللغات المختلفة، وفي غالب الأحيان يلجأ هؤلاء إلى

العربية الدارجة كلغة مشتركة للتواصل والتفاهم. ومن الأمثلة الشخصية لذلك أنني، على الرغم من

كوني أتكلم لغة «تاشلحيت» بطلاقة، على اعتبار أنها لغتي الأم ولغة أمي، فإني كنت وما أزال عاجزًا

عن فهم اللغتين الريفية (تاريفيت) والزيانية (تامازيغت)، رغم القرب الجغرافي الكبير معها. وحتى

محاولاتي العديدة لفهم القبائلية باءت كلها بالفشل، وذلك رغم قدرتي المتواضعة على استيعاب معاني

بعض الكلمات المشتركة التي يعود جزء مهم منها إلى جذور عربية. ولا أزال أتذكر إلى الآن ذلك اليوم

الذي تعرفت فيه إلى أحد الزملاء في الجامعة، وقد بدا لي من لكنته وهو يردّ التحية أنه أمازيغي، فحدثته

بال «تاشلحيت»، لكنه صمت قليالً قبل أن يردّ عليّ بلغة غير مفهومة، لم أستوعب منها شيئًا، اتضح لي

من نبرتها أنها «تريفيت»، فما كان منّا إالّ أن أخذنا نتحدث بالعربية الدارجة، بعد أن اتّضح لكلانا أن لغتينا

الأمازيغيتين المختلفتين غير قادرتين على القيام بدورهما الأساس في إنجاز عملية التواصل. لقد فتحت تلك الحادثة عينيّ على حقيقة اختلاف اللغات الأمازيغية المتقاربة جغرافيًا داخل البلد

نفسه، وضمن المجموعة البشرية ذاتها، ناهيك عن اللغات الأخرى المتباعدة جغرافيًا، كتلك المنتشرة في

الصحراء الكبرى، أو في أقاصي مصر وليبيا وباقي مناطق المغرب الكبير الشاسعة. كما أنني ما زلت أتذكر

ردّة فعل كثيرين، وأنا منهم، على قرار إلغاء نشرات الأخبار التي كانت تُبث باللغات الأمازيغية الثلاث

من التلفزيون المغربي، والمعروفة بنشرة اللهجات، وتعويضها بالنشرة الأمازيغية الموحَّدة التي انتهى بها

الأمر إلى أن تحولت إلى خليط عجيب وغريب من اللغات المختلفة، لا يكاد متابعها أن يخرج منها بمعلومة

واحدة مستقيمة.

التقسيم اللساني للغات الأمازيغية

في الواقع، أدّت أبحاث عديدة في علم اللسانيات أُجريت في منطقة شمال أفريقيا إلى تزايد الاقتناع بعدم

وجود شيء اسمه لغة أمازيغية موحَّدة، وبأن الفرع اللغوي الأمازيغي من الأسرة اللغوية الآفروآسيوية

ينقسم بدوره إلى عدة لغات مختلفة تنتشر على امتداد منطقة شمال أفريقيا والصحراء الكبرى. وقد ذهب

براس في السابق إلى أن «التواركَية» يمكن اعتبارها لغة مستقلة لا مجرد لهجة أمازيغية، وبنى هذا الطرح

على أساس معيار التفاهم المتبادل بين «التواركَية» وبقية لغات شمال غرب أفريقيا؛ إذ اكتشف أن غياب

هذا المعيار يجعل من مسألة التفرقة اللغوية بينها أمرًا لا مناص منه. كما لاحظ أن «التواركَية» تنقسم

بدورها إلى وحدات لغوية فرعية عدة هي: «تاماهيغت» المنتشرة في جنوب الجزائر وجنوب ليبيا،

و«تاماجيغت» في النيجر، و«تاماشيغت» في مالي. هذا في حين اقترح الباحث الألماني فيلمز تقسيما يطغى

8 Karl-G. Prasse, Manuel de grammaire touaregue (tǎhǎggart) , 3 vols. (Copenhague: Editions de l’Université de Copenhague, puis Akademisk forlag, 1972-1974), vol. 1: I-III: Phonétique, écriture, pronom (1972), vol. 2: IV-V: Nom (1974), and vol. 3: VI-VII: Verbe (1973).

عليه الطابع الجغرافي، إذ اعتبر الأمازيغية مقسمة إلى أربع وحدات كبرى: تتكوَّن الأولىمن الشلوح

(سوس والأطلس الكبير والصغير)، وزيان (الأطلس المتوسط)، وزمور وأيت ندهير. وتتكوَّن الثانية من

بني يزناسن، وصنهاجة وبني سنوس والريف. أمّا الثالثة، فتتألف من مزاب وورغلة ونفوسة والشاوية

وسيوه والتوراكَ، في حين تتألف الوحدة الرابعة من القبايل وحدها. يلاحَظ أن فيلمز في هذا التقسيم لا يشمل جميع اللغات الأمازيغية، بل يُقصي لغة زناغة (صنهاجة) في

موريتانيا. أمّا تلك المنتشرة في الجنوب التونسي، وفي جربة، فلا يذكرها أصالً. كما أن فيلمز أثار جدالً

كبيرًا في أوساط علماء اللسانيات، إذ رفض كثيرون اعتبار «القبايلية» مجموعة مستقلة، واعتبروها جزءًا

من «الزناتية» المنتشرة بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. في حين رأى فيها البعض الآخر أحد تنويعات

الزناغية (الصنهاجية) المتأثرة ب «الزناتية»، بينما جرى رفض دمج «التواركَية» مع باقي لغات المجموعة

الثالثة، على اعتبار وجود تنوع كبير في صفوف «التواركَ»، إضافة إلى أنهم لا ينحصرون في منطقة الهكَار في

الجزائر، بل ينتشرون في منطقة شاسعة من الصحراء الكبرى. تقدم الباحثة المغربية مفتاحة عمور تقسيما آخر مختلفًا مبنيًا على أسس إثنية وراثية، مع الأخذ بعين الاعتبار

مجموعة من الخصائص الأخرى ذات الطابع السوسيو- لساني، والفونولوجي والمورفولوجي والنحوي

لتلك اللغات المدروسة. وأخيرًا تقترح الباحثة الروسية ألكساندرا أيخنفالد تقسيم اللغات الأمازيغية

إلى أربع وحدات كبرى على أساس مورفولوجي (الضمير والصفة والنوع)، ونحوي (ترتيب مكوِّنات

الجملة والمميزات البنيوية للفاعل والمفعول به). وقد جاء هذا التقسيم كالآتي: تتكوّن الوحدة الأولى

من أمازيغية الغرب (الزناغية في موريتانيا)، والثانية من أمازيغية الجنوب (التواركَية في الصحراء)،

والثالثة من أمازيغية الشرق (ليبيا ومصر)، والرابعة من أمازيغية الشمال في المغرب والجزائر وتونس

وليبيا (زواغة). إن داخل كل مجموعة لغوية كبيرة خلافات حول التقسيمات الفرعية، وحول حدود التماس بين تلك

المجموعات، وانتماء كل لغة إلى مجموعة محددة بعينها؛ فعلى سبيل المثال، يوجد خلاف كبير حول موقع

لغتي أوجلة وسوكنة في ليبيا، حيث يذهب البعض إلى أنهما مجموعة لغوية واحدة، في حين يذهب

باحثون آخرون إلى أن هذه المجموعة اللغوية غير موجودة أصالً، ويقترحون تقسيما آخر يضع لغة أوجلة

في مجموعة واحدة مع لغة غدامس، في حين تكون لغة سوكنة في مجموعة واحدة مع لغة سيوه في مصر. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة دراسات حديثة تحاول معالجة موضوع التقسيمات الفرعية في المجموعة

9 Alfred Willms, Die dialektale Differenzierung des Berberischen , Afrika und Übersee: Beiheft; 31 (Berlin: Reimer, 1980), p. 31. 10 N. Louali, «Le Système vocalique touareg,» Pholia , vol. 7 (1992), pp. 83-115. 11 M. Ameur, «A propos de la classification des dialectes berbères,» Etudes et Documents Berbères (Paris), no. 7 (1990), pp. 15-27. 12 A. Y. Aikhenvald, “A Structural and Typological Classification of Berber Languages,” in: Siegmund Brauner and Ekkehard Wolff, eds., Progressive traditions in African and Oriental studies , Asien, Afrika, Lateinamerika (Special Issue); 21 (Berlin: Akademie-Verlag, 1988), pp. 37-43. 13 “A Language of Libya,” in: Raymond G. Gordon, ed., Ethnologue: Languages of the World. 15th ed. (Dallas, Tex.: Summer Institute of Linguistics, 2005), on the Web: <http://www.ethnologue.com/language/auj>. 14 Maarten Kossmann, Essai sur la phonologie du proto-berbère , Grammatische Analysen afrikanischer Sprachen; 12 (Köln: R. Köppe, 1999), pp. 79-84.

اللغوية الأمازيغية من منظور أكثر شموالً لعلم اللسانيات، إحداها الدراسة التي قدمها الباحث الهولندي

مارتن كوسمان (Kossmann) سنة 9991، وهي تقترح تقسيم الأسرة اللغوية الأمازيغية إلى خمس

مجموعات فرعية هي: الأمازيغية الشمالية والتواركية (الطوارقية)، والزناغية (الصنهاجية) ونفوسة/

سيوة، وغدامس/أوجلة. وتقترح أن المجموعة الأمازيغية الشمالية يمكن تقسيمها إلى مجموعتين فرعيتين

هما: الزناتية والأطلسية/القبائلية اللتان تُعتبران لغتين منفصلتين، وتحتوي كل واحدة منهما على تنويعات

مختلفة من اللهجات المحلية. كما قدّم الباحث البريطاني بلينتش سنة 0062 دراسة في إطار تصنيف اللغات الآفروآسيوية، مقترحًا

وضع المجموعة اللغوية الأمازيغية ضمن أسرة لغوية أكبر تتكوّن من النوميدية الشرقية (المعروفة بالليبية

القديمة)، والغوانشية (لغة جزر الكناري القديمة)، والمجموعة الأمازيغية. هذه الأخيرة تنقسم إلى ست

مجموعات فرعية هي: الأمازيغية الأطلسية الشمالية (تاشلحيت وتامازيغت)، والأمازيغية الشرقية (سيوة

وأوجيلة وسوكنة وغدامس والكفرة وفزان)، والتواركية (الطوارق)، والأمازيغية الغربية (الزناغية)،

والزناتية (الريفية والمزابية والزناتية الشرقية في الواحات)، والقبايلية (منطقة القبائل). ويُعتبر هذا

التصنيف من أفضل ما هو موجود اليوم، ويبدو أكثر شمولية، ويأخذ بعين الاعتبار معظم المعطيات

اللسانية والجغرافية والأنثروبولوجية المختلفة. بناءً عليه، يمكن القول إن مشكل تقسيم اللغات الأمازيغية وتصنيفيها لا يزال بعيدًا عن الحل، ما دامت

تلك المحاولات كلها غير مكتملة، حيث يجري غالبًا اعتماد معطى واحد وإقصاء معطيات أخرى عديدة،

وهو ما يؤدي إلى نتائج متباينة، وحتى متناقضة في بعض الأحيان. أيًّا تكن الأمور، وسواء اتفقنا مع تلك التصنيفات أم لم نتفق، فإن بين علماء اللسانيات والدارسين للغات

الأمازيغية شبه إجماع على عدم وجود شيء اسمه «لغة أمازيغية موحدة» إالّ في أذهان بعض النخب

القومية؛ إذ اتفق الجميع على أن الفرع اللغوي الأمازيغي ينقسم إلى عدة لغات مستقلة ومختلفة. ومع

أنهم اختلفوا بدورهم في عدد هذه اللغات، وفي المجموعات الفرعية التي تنتمي إليها كل لغة على حدة،

فإنهم لم يختلفوا قط في عدم وجود لغة أمازيغية موحَّدة، لأن القول بوجودها يتعارض مع الحقائق الواقعية

الواضحة للعيان.

الأمازيغية المعيارية: لغة نخبوية تُصنع في المختبر

عرف الخطاب القومي الأمازيغي خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين تحولّات عدة،

وذلك في سبيل تجاوز جملة التناقضات التي يفرضها واقع التعدّد الثقافي واللغوي الكبير في البلدان

المغاربية، ليس فقط بين المكوِّين اللغويين العربي والأمازيغي، وإنما أيضًا، وأساسًا، ما يتعلق بالتعدّد

الكبير في المكوّن الثقافي الأمازيغي نفسه. كان أول تلك التحولّات وأهمها محاولة تجاوز موضوع التعددية

في المكوّن الأمازيغي من خلال الحديث المكثّف عن «وحدة» الإنسان واللغة والثقافة والتاريخ الأمازيغي.

51 المصدر نفسه، ص.84-79

16 Roger Blench, “The Afro-Asiatic Languages: Classification and Reference List,” (Document, Cambridge, 2006), on the Web: <http://www.rogerblench.info/Language/Afroasiatic/General/AALIST.pdf>.

وهكذا، اتخذ الخطاب القومي الأمازيغي نزوعًا مزدوجًا عرقيًا / ثقافيًا من خلال الحديث عن شعب

وثقافة أمازيغيين أصليين وموحَّدين من جهة، ومنفصلين عن سائر المكوِّنات من جهة أخرى. في هذا

السياق، اخرتُعت لغة أمازيغية موحَّدة في مختبرات بعض المعاهد والأكاديميات لم تكن موجودة من

قبل، وأُطلق عليها اسم «الأمازيغية المعيارية». وبالطريقة عينها اخرتُعت كتابة أمازيغية موحَّدة، لخدمة

الأغراض السابقة نفسها، أي عملية «التوحيد القسري» للمكوِّن الثقافي الأمازيغي، تمهيدًا لعزله وفصله

عن المكوِّنات الأخرى لهوية الإنسان في شمال أفريقيا، وجعله هوية قائمة بذاتها ومنفصلة عن غيرها،

وهو ما يجري اختصاره في الشعار الذي ترفعه الحركة القومية الأمازيغية وهو أن «الهوية الأمازيغية،

هوية الشعب الأمازيغي ابن الأرض الأمازيغية تامازغا، وهي الأرض واللغة الأمازيغية، والتاريخ

الأمازيغي». وهذه الأصول والأركان الأمازيغية هي واحدة وموحَّدة وغير متعددة: «أرض واحدة،

وهوية واحدة، وشعب واحد، ولغة هويّاتية واحدة، وتاريخ واحد» (أنظر مثالً بيانات الحركة الثقافية

الأمازيغية في المغرب). إن عملية التوحيد هذه ضرورية للغاية بالنسبة إلى هذا النزوع القومي، حتى يكون بمقدوره تبرير مقولاته

بشأن الأرض واللغة والتاريخ، وهي المقولات التي يقوم عليها خطابه بالكامل. أمّا الخطوة المنطقية التالية

التي تأتي بعد «توحيد الذات»، فهي بالضرورة عزلها عن «الآخر»، هذا الآخر الذي جرى اختصاره في

المكوّن الثقافي العربي وصار يوصَف بكونه «دخيالً» في مقابل الذات الأمازيغية «الأصلية»، ضمن ثنائية

عربي / أمازيغي التي ستصبح عنوانًا للصراع القومي على هوية الإنسان في بلاد المغرب الكبير. لما كانت نخب القومية الأمازيغية تعي جيدًا عمق الاختلافات بين اللغات الأمازيغية المتعددة إلى درجة

القطيعة التواصلية بينها، فإنها – شأنها شأن بقية النخب القومية الأخرى – تلجأ إلى الاحتيال للقفز على

واقع التعدّد اللغوي ومحاولة تجاوزه، كما قامت بذلك من قبلها نخب القومية العربية في المغرب الكبير،

حيث ادعت كلها أن اللغات الأمازيغية القائمة ليست سوى «لهجات» لا ترقى إلى مستوى اللغة، لتبرير

واقع تهميش هذه اللغات وإقصائها، وتعويضها بلغة أخرى «أسمى». وإذا كان موقف نخب القومية العربية في المغرب الكبير تجاه اللغات الأمازيغية مفهومًا على اعتبار أن

الاعتراف بها لغات قائمة بذاتها يشكّل تهديدًا للشعارات القومية بشأن «عروبة المغرب العربي» و«وحدة

اللغة العربية والوطن العربي من المحيط إلى الخليج»، فإنه من غير المفهوم تمامًا أن تقوم نخب الحركة

الأمازيغية بمحاولة استهداف تعدد تلك اللغات، وهي التي كانت، ولزمن طويل، ترفع شعارات

التعددية اللغوية، والدفاع عن اللغات الأمازيغية من خطر الانقراض، حينما يتعلق الأمر بالعلاقة مع

اللغة العربية، لكنها ترفض تلك التعددية حينما يتعلق الأمر بالواقع اللغوي الأمازيغي ذاته، وتدافع بغرابة

عن لغة أمازيغية موحدة لا توجد إالّ في أذهان بعض النخب؛ فما الذي تغير الآن حتى صارت هذه النخب

تعيش التناقض الصارخ وتطالب بإعدام هذه اللغات تحت مسمّيات وحدة اللغة الأمازيغية، وهي التي

طالما رفعت ذلك الشعار الشهير عن «الوحدة في التعدد»؟ الجواب بسيط للغاية: إنه التحوّل نحو النزعة

القومية التي ترى في أي تعدّد أو تنوّع خطرًا عليها، وعلى مقولاتها في ما يتعلق بوحدة اللغة والعرق

والثقافة والتاريخ.

مشروع الأمازيغية المعيارية

من بين المشاريع العديدة لاستهداف واقع التعدد اللغوي الأمازيغي، ما يُعرف باللغة الأمازيغية «المعيارية»

أو «الأمازيغية الفصحى» التي تُعرف بأنها اللغة الأمازيغية «الموحَّدة» التي يراد منها تجاوز هذا التعدد

ما دام أن «الأمازيغية كيان لساني موحَّد ومشترَك يتجاوز اللهجات المحلية»...، على حد تعبير أحمد

بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب، وهو المؤسسة الرسمية المكلفة من قِبل السلطة

السياسية في المغرب بمعالجة القضية الأمازيغية. ويرى بوكوس أن تقسيم الأمازيغية إلى لغات عدة مختلفة

- كما هو واقع الحال منذ آلاف الس ين وحتى اليوم – يحول دون تعييرها، وبالتالي يؤدي إلى إضعافها،

ومن ثم يجري الدفاع عن لغة معيارية موحَّدة تحت غطاء ضرورة التنميط والتقعيد اللغوي للأمازيغية

حتى يسهل تدريسها ودمجها في الحياة العامة وفي جميع ضروب نشاط المجتمع. في السنوات الأخيرة، قدّم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب (أُسس سنة 001 نسخة جديدة 2)

من الأمازيغية أسماها «الأمازيغية المعيارية»، في محاولة منه لتقعيد الأمازيغية وتعييرها تمهيدًا لتوحيدها.

ويشتغل المعهد منذ مدة على تطوير هذه النسخة المعيارية من اللغة الأمازيغية من خلال مركز بحثي

مخصص لهذا الغرض، هو مركز التهيئة اللغوية الذي وضِعت له أهداف تتلخص في سعيه على المدى

المتوسط إلى إنجاز مجموعة من الأعمال المرتبطة بتوحيد اللغة الأمازيغية في المجال المعجمي والنحوي.

ويسعى على المدى القريب إلى معايرة الخط، ووضع المعجم الأساس العام للغة الأمازيغية، والإعداد

المصطلحي في مجال المعاجم الخاصة الحديثة، والجمع في ميدان المعجم التقليدي. في هذا الإطار، نشر المعهد نماذج أولية للنحو والمعجم الجديد للأمازيغية المعيارية الموحَّدة، في إطار

خطة شاملة من المعهد تهدف إلى اعتماد هذه النسخة الجديدة كنسخة رسمية للأمازيغية الموحَّدة، وذلك في

أفق دمجها مستقبالً في مجالات الإعلام والمدرسة والإدارة. هذا الرأي يتضمن جانبًا من الحقيقة في ما يتعلق بنقل اللغات الأمازيغية من مستوى الكلام (الثقافة

الشفوية) إلى مستوى اللغات المقعّدة التي تعربّ عن حاجات المجتمع، خاصة أن معظم هذه اللغات لاتزال

في مستوى التعبير عن الأشياء، ولم تخضع بعدُ لعملية انتقال إلى مستوى التعبير عن المفاهيم المجردة؛

وذلك بسبب استمرار ارتباطها بالواقع الاجتماعي في مستوياته الدنيا، واستمرار إقصائها عن المجالات

الحيوية التي ستضمن تطورها ورقيها، كالتعليم والاقتصاد والقضاء والإعلام، التي تسيطر اللغة الفرنسية

على معظمها. إالّ أن هذا الرأي يحمل آثارًا خطِرة أخرى تهدّد اللغات الأمازيغية نفسها؛ فبدل تطوير هذه

اللغات المتعدّدة انطلاقًا من المعطيات الموجودة على الأرض والتي يتداولها الناس في حياتهم اليومية، يراد

تصفية تعدّدية تلك اللغات، وتذويبها في لغة واحدة جديدة توصف بأنها اللغة الأمازيغية الفصيحة في

مقابل اللهجات الأمازيغية العامية. هذه اللغة الافتراضية التي لا وجود لها في الواقع ولا يفقهها أحد، لغة اخترعتها قلة قليلة من نخبة

71 أحمد بوكوس، «في اللغة الأمازيغية،» ورقة قدمت إلى: أيام الثقافة الأمازيغية، ص -19.22

81 الموقع الإلكتروني الرسمي للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب: <http://www.ircam.ma>.

19 Fatima Boukhris [et al.], La Nouvelle grammaire de l’amazighe , publications de l’institut royal de la culture amazighe. Série manuels; 2 (Rabat: Institut royal de la culture amazighe, 2008).

ذات نزوع قومي، لا لشيء سوى لتعربّ عن أوهام مرتبطة بإرادة الاستعلاء النخبوي واحتقار لغة

العامة التي ليست سوى «لهجة» لا ترقى إلى مستوى اللغة، رغم أن تلك النخب نفسها تستخدم

تلك «اللهجات» في التواصل بعضها مع بعض، كما نلاحظ في التلفزيون، حيث كلما استضيف

أشخاص من لغات أمازيغية مختلفة في أحد البرامج الحوارية، يضطر كل واحد منهم إلى استخدام

لغته الخاصة. ومن المفارقات العجيبة ما قاله أحمد عصيد، أحد منظّري هذا الاتجاه في المغرب، حين

كتب ذات مرة لينتقد العلماء الأمازيغ في سوس، وعلى رأسهم المختار السوسي، الذين كانوا يحرصون

على تعلم العربية والكتابة بها، ووصفهم بأنهم كانوا يحتقرون لغتهم الأم، وأنهم إنما فعلوا ذلك

بحثًا عن «امتياز ورفعة مقام تمنحها إياه المعرفة بلغة سرية لا يعرفها العوام»، فصار هو ومعه

بقية النخب الأمازيغية الجديدة المنتسبة إلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يدافعان عن لغة سرية

يسمّونها «الأمازيغية المعيارية» لا يفهمها العوام، والذين يتداولون مجموعة من اللغات المتعددة

والمختلفة التي تعلموها من آبائهم وأجدادهم على امتداد آلاف الس ين، في موقف من التناقض

يكشف بوضوح الأهداف الموضوعة لمشروع «معيرة الأمازيغية» الذي تسهر عليه نخب المعهد

الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب، حيث يجري الدفاع عن اللغة الأمازيغية المعيارية بأنها ستعمل

على: «تحسين التواصل بين المكوّنات الأمازيغية المتعددة، وبالتالي تسهل وحدتها، كما أنها ستعزّز

الشعور بالهوية الأمازيغية الموحّدة، وتشكّل قاعدة ثقافية ولغوية للهوية الوطنية الجامعة». إذًا،

إن الدور الأساس المنوط بهذه اللغة المختلقة هو التعبير عن أطروحة قومية تقول بوحدة اللغة

والهوية الأمازيغية، وتجاوز الواقع اللغوي التعددي للغات الأمازيغية المختلفة. ولو قبلنا بمنطق اللغة الموحدة، فسيكون على الناطقين باللغات الأمازيغية أن يتعلموا لغة جديدة لا

يفهمونها، لأن لغتهم الأم لا قيمة لها في نظر النخب القومية من أبناء جلدتهم الذين طالما رفعوا شعارات

الدفاع عن التعدد اللغوي من خطر «الإبادة العروبي»، فصاروا هم أنفسهم يشكّلون خطرًا كبيرًا على ذلك

التعدد وعلى إمكانية استمراره مستقبالً. هنا يجيبنا أحد منظّري هذه اللغة النخبوية ردًّا على المعترضين عليها، بأن مسألة نشوء لغة أمازيغية موحّدة

ومعيارية «هو أمر طبيعي تمامًا حدث في كل لغات العالم...»، ومطالبًا من لا يتقنون هذه اللغة الجديدة

بمحو أميتهم اللغوية، وهو جواب مثير للسخرية، إذ يعلم الجميع أن مسألة تطور اللغات الحية والمتداولة

في المجتمعات هي مسألة متعلقة بالسياق العام للمجتمع ودينامية تطوره على جميع الأصعدة السياسية

والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس فقط رهن نزوات جماعة متعلمة تقرر منفردة تطوير اللغة، أيًّا

يكن موقع هذه الجماعة ودورها. هذا من دون أن ننسى أن تطور اللغات خاضع لمعايير خاصة مرتبطة

بالمستويات اللسانية والبنيوية لهذه اللغة، وبالمحيط الاجتماعي والثقافي الخاص بها، وهذا ما يعني أن

الصيرورة الخاصة بتطور إحدى اللغات تخضع عمومًا لشرطين أساسين: الموضوعي المتعلق بالسياق

التاريخي العام، والذاتي المتعلق ببنية اللغة ذاتها ومجالها التداولي الخاص.

0 2 أحمد عصيد، الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسي: حوار حول إشكاليات المرجعية الدينية والعلمانية والمسألة اللغوية، سلسلة

الدراسات الأمازيغية (الدار البيضاء: الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، 9981)، ص.95

21 Ahmed Boukous, “Aménagement de l’amazighe: Pour une planification stratégique, » Asinag , no. 3 (2009), pp. 4-13.

22 أحمد عصيد، «محاربة الأمية في الأمازيغية،» الصباح (المغرب)،.2012/11/26

الشروط الموضوعية لتطور اللغات الحية

أمّا في ما يتعلق بالشرط الأول المرتبط بموضوع السياق التاريخي العام لتطور اللغات الحية، فلم يسبق

في تاريخ الأمم والشعوب أن قررت مجموعة من الناس إنشاء لغة جديدة بالكامل فجأة، وفي فترة زمنية

قصيرة، لأن اللغة منتوج اجتماعي، حيث إن تاريخ تطوّر اللغات الحية هو في الحقيقة تاريخ تطور الشعوب

الناطقة بهذه اللغات والتحولّات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة التي مرت بها عبر تاريخها

الطويل. وبالتالي، فإن اللغة هي تعبير عن تلك التحولّات، ومرآة تعكس مدى التقدم الذي عرفه أحد

المجتمعات في مرحلة تاريخية معيّنة، وهو ما يعني أن عملية تطوير اللغة الحية هي دينامية اجتماعية معقّدة

تتداخل فيها عوامل اجتماعية متعدّدة، وليست قرارًا خاصًا خاضعًا لرغبات نخب معيّنة ونزواتها، سياسية

أكانت أم ثقافية. إن أحد أبرز الأمثلة لعبثية قرار نخبة ثقافية بصناعة لغة جديدة خارج السياق الاجتماعي والتاريخي

لنشوء وتطور اللغات وحاضنتها الطبيعية، هو نموذج اللغات الاصطناعية التي تُعَدّ أنجحها عمومًا

«لغة الإسبرانتو» (Esperanto) التي طوّرها في أواخر القرن التاسع عشر مجموعة من المثقفين والأدباء في

أوروبا من لغات مختلفة، منها الفرنسية والإيطالية والإسبانية والإنكليزية والألمانية وغيرها، كمشروع

لغة عالمية جديدة يمكنها أن تصير لغة التواصل بين جميع البشر. وقد قام هؤلاء بنشر أعمال أدبية كثيرة

بهذه اللغة، وخلّفوا تراثًا أدبيًا وفكريًا متميّزًا على مدى حوالى قرن ونصف قرن من الزمن. لكن هذه

اللغة التي طمح أصحابها إلى أن تكون اللغة العالمية الموحدة، انتهى بها المطاف إلى التقوقع وانحسار

تداولها في بضع مئات من الأفراد في وقتنا الراهن. والسبب الرئيس في ذلك هو كونها لغة مصطنعة غير

طبيعية، ولا توجد لها قاعدة بشرية واجتماعية تضمن بقاءها واستمرارها مثل بقية اللغات الطبيعية

الأخرى. ولم يشفع لها تراثها الأدبي والفكري الراقي في ذلك، لأن قوا ين تطوّر اللغات وارتقائها لا

تقاس بالمستوى النخبوي وإنما بالقاعدة الاجتماعية التي تتداول تلك اللغات. ولم تكن «الإسبرانتو»

هي اللغة الاصطناعية الأولى والأخيرة في العالم، وإنما سبقتها لغة «الفولابوك»، وتلتها لغات اصطناعية

أخرى عديدة، منها «الإنترلينغوا» و«الإيدو» و«النوفيال»... إلخ، وكلها لغات شبه ميتة اليوم، ولا

تكاد تكون معروفة إالّ لدى أقلية نخبوية ضيقة من الناس، في حين أن لغات أخرى حية تطوّرت

بشكل طبيعي في سياق تطور المجتمعات الحاضنة لها، وصارت اليوم لغات عالمية متداولة، كاللغة

الإنكليزية مثالً. عرفت اللغة الإنكليزية تطورًا كبيرًا بداية من القرن السادس عشر، بعد بزوغ فجر الاكتشافات الجغرافية،

ودخول بريطانيا في القرون التالية على خط التجارة الدولية والحركة الاستعمارية، وهو ما جعل الإنكليزية

تنتشر في رقعة جغرافية أوسع، وخصوصًا بعد انتشارها في أميركا الشمالية وأستراليا والهند، وتدخل عليها

مجموعة من التغييرات في النطق والبنية لمواكبة التحولّات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي عرفتها

أوروبا في تلك الفترة. وستعرف هذه الدينامية منعطفًا كبيرًا بعد بزوغ فجر الثورة الصناعية. وفي موازاة

ذلك، عرفت الحركة العلمية والفكرية تطورًا كبيرًا في بريطانيا، وهو ما فرض على اللغة الإنكليزية ضغوطًا

كبيرة في اتجاه تطوير معجمها وابتكار مفردات جديدة من خلال عمليتي الاشتقاق والاقتراض من لغات

أخرى خاصة اللاتينية، كما ساهم النشاط العلمي في ترشيد اللغة لتصير في النهاية الإنكليزية الحديثة كما

هي متداولة في الوقت الحاضر.

هكذا، يمكننا أن نرى كيف تؤثر التغريّ ات التاريخية والتحولّات في البنى الاقتصادية والاجتماعية

والسياسية في عملية نشوء اللغات وتطورها داخل حاضنتها الطبيعية التي هي المجتمع. لكن السؤال

الملح هنا يدور حول علاقة عملية تعيير الأمازيغية، التي تقوم بها بعض الهيئات والمعاهد الرسمية في

بعض البلدان المغاربية، وخاصة في المغرب، بالسياق العام للتحولّات التي تعرفها هذه المجتمعات

في حياتها اليومية؟ وما مدى قدرة هذه المؤسسات على أن تقود بمفردها عملية تطوير اللغات

الأمازيغية وتعييرها؟ ربما تكون الإجابة غاية في التشاؤم؛ فالمغرب هو بالمناسبة البلد المغاربي الوحيد الذي توجد فيه مؤسسة

رسمية لهذا الغرض، وهي المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي هو مؤسسة حكومية نخبوية لها دور

استشاري فقط، وتكاد تكون معزولة عن القطاعات الحيوية في الدولة كالاقتصاد والإدارة والإعلام،

وهي القطاعات التي لا تزال تتحكم فيها نخب فرنكوفونية متنفذة موروثة من عهد الاستعمار. كما

يعاني المعهد اختلالات عميقة بسبب الطريقة التي جرى بها إنشاؤه وإقصاء مكوِّنات عديدة من الحركة

الأمازيغية والفاعلين الثقافيين المغضوب عليهم من طرف النظام السياسي. كما ظل يعاني صعوبات عديدة

في التواصل مع المجتمع المدني وأطيافه المتعددة بسبب سيطرة تيار الأيديولوجيا القومية على المعهد، وهو

ما جعله في النهاية معزوالً عن المجتمع وهمومه وتطلعاته. ويعاني أيضًا اختلالات بنيوية عديدة، فكيف

يراد منه كمؤسسة أن يقود عملية تطوير تاريخية للمكوِّن اللغوي الأمازيغي تحت سقف محدود ومضبوط،

ومن دون نقاش اجتماعي حقيقي وشامل بشأن مسألة الهوية اللغوية للمغاربة والحكامة اللغوية، وموقع

الفرنسية كلغة مهيمنة في هذه الخريطة، وعلاقتها ببنية النظام السياسي والنخب المتحكمة في دواليب القرار

في مختلف القطاعات الحيوية للدولة؟ أمّا في ما يخص الشرط الثاني لتطور اللغة، والمتعلق ببنية اللغة ذاتها (عملية الاشتقاق والتركيب)، ومجالها

الحيوي (عملية الاقتراض)، فإن أي لغة في سياق التطوّر تكون مجبرة على اشتقاق مفردات جديدة للتعبير

عن مستجدات حديثة تتطلب إعادة صوغ المعجم، وفي أحيان أخرى إعادة صوغ البنى التراكبية والنحوية

للغة ذاتها، وإن بوتيرة أبطأ من وتيرة التطور المعجمي. وفي حالات عديدة تكون عملية الاشتقاق

اللغوي غير كافية لوحدها في هذا الصدد، فيجري اللجوء إلى عملية الاقتراض من لغات أخرى، وذلك

وفق شروط لغوية وتاريخية وثقافية محددة مرتبطة بالمجال الحيوي الذي تتداول فيه هذه اللغة وعلاقتها

ببقية اللغات الأخرى في المجال نفسه، والتي تتم منها عملية الاقتراض. فعلى سبيل المثال، قامت اللغة

الإنكليزية في سياق تطوّرها في العصر الحديث باقتراض جزء كبير جدًا من بنيتها ومعجمها الحاليين

من لغات أخرى عديدة، على رأسها اللاتينية والفرنسية والنورمانية واليونانية. ويجري تقدير نسبة هذا

الاقتراض بحوالى 77 في المئة إلى 80 في المئة من الإنكليزية الحالية، وهي نسبة مرتفعة جدًا مقارنة بنسبة

الاشتقاق من الإنكليزية القديمة (Old-English)، وجذورها في الجرمانية البدائية (Proto-German).

هكذا، يمكن أن نرى أن عملية الاقتراض اللغوي تخضع لضوابط المجال الحيوي للغة نفسها، وفي الاطار

الجغرافي والحضاري والتاريخي الذي تتداول فيه هذه اللغة.

23 Thomas Finkenstaedt and Dieter Wolff, Ordered Profusion; studies in Dictionaries and the English Lexicon , with Contributions by H. Joachim Neuhaus and Winfried Herget, Annales Universitatis Saraviensis Reihe Philosophische Fakultät; 13 (Heidelberg, C. Winter, 1973), p. 54. 24 Thomas Raynesford Lounsbury, History of the English language , Handbooks for students and general readers (New York: Henry Holt and Company, 2007), p. 42.

وفي ما يخص المكوِّن اللغوي الأمازيغي، فإنه ظل يتعايش ويتفاعل مع المكون اللغوي العربي في الرقعة

الجغرافية نفسها، ولفترة طويلة تمتد أزيد من ألف سنة. وقد أدّى هذا التفاعل المزدوج إلى عملية انصهار

لغوي بينهما أنتجت العربية الدارجة المتداولة حاليًا في البلدان المغاربية، خاصة في المغرب والجزائر، حيث

تُعَدّ هذه اللغة مزيجًا فريدًا في البنية التركيبية والنحوية والمعجمية، مع غلبة المكوِّن العربي على المعجم

والمكوِّن الأمازيغي على البنى اللسانية. وقد بلغ هذا التفاعل درجة متقدمة، خصوصًا في عملية الاقتراض

اللغوي، إذ قامت اللغات الأمازيغية باقتراض عدد مهم من المفردات العربية، وحتى العبارات والبنى

النحوية من العربية، وذلك على امتداد فترة زمنية طويلة تزيد على ألف سنة. وعلى سبيل المثال، يبلغ هذا الاقتراض المعجمي من العربية في أعلى نسبة مسجلة له حوالى 83 في المئة في

اللغة القبايلية (شمال الجزائر)، وحوالى 53 في المئة في الشاوية (شمال شرق الجزائر)، وهي نسب عالية جدًا

تجعل هذه اللغات أقرب إلى العربية منها إلى بعض اللغات الأمازيغية الأخرى، خاصة تلك البعيدة عنها

جغرافيًا، في حين تبلغ نسبة المعجم العربي في أقل نسبة مسجل لها حوالى 52 في المئة في لغة «تاشلحيت»

(جنوب المغرب)، التي تُعتبر أكثر اللغات الأمازيغية من حيث عدد الناطقين بها، وهي نسبة مهمة لا

يستهان بها، رغم البُعد الجغرافي الكبير بين منطقة انتشارها في سوس والأطلس الكبير، والمنطقة التي جاء

منها هذا التأثير العربي. لكن هذه السيرورة من الاقتراض اللغوي، وهي شكّلت دائما خزانًا مهماًّ لتطور اللغات الأمازيغية

طوال السنوات الألف الماضية، يراد القضاء عليها من خلال مشروع «الأمازيغية المعيارية» الذي

يسعى القائمون عليه إلى القضاء على المعجم الأمازيغي - العربي المشترك، واستبدال المفردات

والتعابير ذات الجذور العربية بأخرى بديلة اخرتُعت حديثًا، وذلك بدعوى زائفة عن النقاء اللغوي

للأمازيغية. ومن بين الأشياء العديدة التي ينتهجها منظّرو الأمازيغية الموحَّدة محاولة تصفية الكلمات

العربية من المعجم الأمازيغي المتداول باعتبارها كلمات «دخيلة» وغير أصلية، في ما يسمّونه منهج

«طرد الكلمات العربية»، ويعربّون عنه بالفرنسية ب: la chasse aux mots Arabes (اقتناص الكلمات

العربية)، وهو ما يعني محاولة التخيلّ عن جزء مهم من المعجم اللغوي الأمازيغي الذي يبلغ نسبًا

مهمة تصل في حدها الأقصى إلى نحو 83 في المئة (أزيد من الثلث) في القبايلية في الجزائر، وفي حدها

الأدنى إلى نحو 52 في المئة (حوالى الربع) في لغة «تاشلحيت» في المغرب، ومحاولة تعويضها بكلمات

أخرى توصف بأنها «أصلية» رغم أنها اخرتُعت حديثًا في مختبرات الأكاديمية البربرية في باريس

أو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في الرباط، أو في أروقة بعض الجمعيات والمنتديات الأخرى

التي لا علاقة لها باللغات الأمازيغية المتداولة لدى الناس في حياتهم اليومية، حيث يُعَدّ المعجم

العربي مجالها الحيوي للاقتراض منه كلما لزم ذلك. وللمثال جرى اختراع كلمات عديدة لتجاوز

المعجم العربي المقترض أمازيغيًا من قبيل: «أزول» للتحية، «تنميرت» للشكر، «إنغميسن» للأخبار،

«إيليل» للبحر، «تنونت» للكرة... إلخ.

25 Gabriel Camps, «L’Origine des berbères,» dans: Centre de recherches et d’études sur les sociétés méditerranéennes, Islam, société et communauté: Anthropologies du Maghreb , [rédigé] par Catherine Baroin [et al.]; sous la direction de Ernest Gellner, les cahiers du C.R.E.S.M.; 12 (Paris: Editions du Centre national de la recherche scientifique, 1981), pp.

كيف يمكن تطوير اللغات الأمازيغية من دون إعدامها؟

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف يمكن نقل اللغات الأمازيغية من مستوى اللغة الشفوية إلى

مستوى اللغة المدونة؟ أي كيف يمكن تعيير اللغات الأمازيغية تمهيدًا ومواكبةً لاندماجها في الفضاء العام

وانفتاحها على الإعلام والتعليم والاقتصاد والحياة الثقافية العامة؟ أي، باختصار، إنهاء حالة الحصار

المحكم الذي تتعرض له، والإقصاء المتعمد والتهميش الذي ظلت تتعرض له عقودًا طويلة في المنطقة

المغاربية منذ لحظة الاستقلال إلى اليوم. هناك مستويان لمعالجة هذا الموضوع الشائك: المستوىالأولسياسي/ مؤسساتي يتعلق بالجهة التي يحق

لها أن تقوم بهذه العملية، والثانيلساني/ لغوي يتعلق بالدينامية اللغوية التي يجب اعتمادها في هذه العملية.

على مستوى القرار السياسي

يُعتبر المغرب البلد الوحيد الذي أقر بالأمازيغية «لغة رسمية» إلى جانب العربية في دستور البلاد

الجديد، بعد أن كانت لها صفة «اللغة الوطنية»، في حين تم ترسيمها «لغة وطنية» في الجزائر. وهناك

نقاش حالي في ليبيا يدور حول ترسيم الأمازيغية في الدستور الجديد لما بعد الثورة. وقد كان هناك محاولات

عديدة لتدريس اللغات الأمازيغية في بعض المناطق بالمغرب والجزائر منذ تسعينيات القرن الماضي، كما

كان هناك تجارب عديدة لإدخالها في مجال الإعلام. والمغرب هو البلد الوحيد الذي بدأت فيه رسميًا

عملية «معيرة» اللغة الأمازيغية و«توحيدها» من خلال تبنّي الدولة رسميًا لجزء من مشروع التيار القومي

الأمازيغي، وذلك عبر مؤسسة رسمية أُنشئت لهذا الغرض هي المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. لكن

هذه المؤسسة التي أسست سنة 0012 بظهير ملكي (قانون)، شابها العديد من العيوب، سواءٌ في الشكل

أو في المضمون، وهو ما يفقدها القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في موضوع حساس مثل الهوية اللغوية

للمغربيين خصوصًا، والمغاربيين عمومًا. إن أولما يعاب على هذه المؤسسة هو مشكل كونها مؤسسة «معيّنة» من طرف الملك، وليست «منتخَبة»

من طرف الشعب، وهو ما يجعلها مؤسسة غير ديمقراطية ولا تملك الشرعية التمثيلية اللازمة لاتخاذ

قرارات مصيرية تهم حاضر الشعب المغربي والشعوب المغاربية ومستقبلها عمومًا. فلو كانت هذه

المؤسسة منتخَبة مباشرة من طرف الشعب، أو على الأقل من طرف البرلمان، لكانت لها صفة تمثيلية وطابع

ديمقراطي يعطيان قراراتها ومشاريعها صفة الشرعية السياسية الضرورية. وخلاصة القول، إن المعهد

الملكي للثقافة الأمازيغية مؤسسة غير ديمقراطية وغير شرعية، ولا تحظى بالإجماع الشعبي، ولا حتى

بالحد الأدنى الضروري منه، وهو ما يطرح سؤاالً جوهريًا حول حق هذه المؤسسة ومن يديرونها في تقرير

مصير الشعب المغربي وهويته اللغوية والثقافية. المشكل الثانيهو الخصوصية الوطنية لهذه المؤسسة، حيث إنها تعمل تحت إشراف الملك المغربي كمؤسسة

استشارية له، لكنها تتعامل مع موضوع ذي أبعاد إقليمية يهم المنطقة المغاربية كلها لا المغرب وحده.

62 المملكة المغربية، «دستور المملكة المغربية، 0112،» الباب 1، الفصل 5، في: الجريدة الرسمية (الرباط) (02 تموز/ يوليو.)2011

72 «ظهير شريف رقم 299-01-1 (71 أكتوبر 0012) صادر في 92 رجب الخير 1422 يقضي باحداث المعهد الملكي للثقافة

الأمازيغية،» المادة 2، في: الجريدة الرسمية (1 تشرين الثاني/ نوفمبر.)2001

لذلك، يصبح التساؤل مشروعًا عن الحدود الجغرافية الحقيقية لمشروع «معيرة» الأمازيغية و«توحيدها»،

هل هو مقتصر على الحدود الوطنية للدولة المغربية، أم يتعداها ليشمل المنطقة المغاربية كلها؟ وإذا كانت

الأمازيغية المعيارية والموحَّدة للمعهد هي لغة جميع الناطقين باللغات الأمازيغية في العالم، فبأي صلاحية

يكون لمؤسسة محلية أن تتخذ قرارات إقليمية كبيرة كهذه؟ وإذا كانت هذه «الأمازيغية الموحَّدة» خاصة

ةفص اله نوكت فيكف، هاوس نود برغلامب« ةدَّحولام»اصلأ وهي تقصي من اعتبارها عشرات اللغات

الأمازيغية الأخرى المنتشرة في منطقة جغرافية شاسعة من مصر شرقًا إلى موريتانيا غربًا؟ هكذا يتضح

التناقض الواقع بين الخطاب والممارسة، بين ادّعاء أن هذه اللغة الجديدة المصنوعة في المختبر هي اللغة

الأمازيغية الموحَّدة وحقيقة كونها في أحسن الأحوال لغة وطنية محلية لبلد واحد هو المغرب، ولن نتعجب

لو قررت كلٌّ من الجزائر وليبيا مستقبالً، وربما بلدان أخرى، صناعة نسخها الخاصة من الأمازيغية

الموحَّدة، ليصبح لدينا نسخ عدة من لغات جديدة مختلقة، تدّعي كل واحدة منها أنها هي وحدها «اللغة

الأمازيغية المعيارية والموحَّدة». المشكل الثالث هو ذلك المتعلّق ببنية المعهد الداخلية ومكوّناته، حيث يسيطر عليه تيار واحد ضمن الحركة

الأمازيغية، هو التيار القومي الذي يتبنّى أيديولوجيا الانعزال والتقوقع، ويؤمن بقاعدة الانفصال في

ثنائية عربي/ أمازيغي التي تحكم المشهد الثقافي واللغوي لمنطقة المغرب الكبير، في مقابل تيار التعدّدية

الثقافية الذي يؤمن بقاعدة الاتصال بدل الانفصال في العلاقة بين المكوّنات الثقافية المتعدّدة لهوية الإنسان

في المنطقة. هذا التيار الذي يحتكر الهياكل التنظيمية للمعهد كان، ولا يزال، أقلية في المجتمع المغربي، ولا

يحظى حتى بالإجماع داخل الحركة الأمازيغية نفسها، وبالأحرى في المجتمع المغربي عمومًا، والدليل على

ذلك رفض قوى عديدة مشروع المعهد وطريقة تأسيسه. هكذا صارت أغلبية مشاريع المعهد ومقرراته تحمل لونًا واحدًا للتيار القومي وأساطيره بشأن الشعب

واللغة والثقافة والتاريخ، وتستهدف كل ما هو عربي في هوية الإنسان في المنطقة، أو حتى لما هو تعدّدي

ضمن المكوّن الهوياتي الأمازيغي نفسه.

على المستوى اللساني واللغوي

يمكن القول إن الحل الأنسب لتطوير اللغات الأمازيغية المتعددة هو من خلال تطوير كل لغة منفصلة

وتقعيدها على حدة، بحسب المعطيات اللسانية والسوسيوثقافية لكل منطقة من المناطق التي تنتشر فيها

تلك اللغات، بدل محاولة التوحيد القسري لها، أو اختلاق لغة جديدة تتجاوزها جميعًا. هذا الطرح يبدو

لنا أنه الأقل تكلفة والأكثر واقعية ونجاعة، وله عدة امتيازات لا تتوافر في البدائل الأخرى المطروحة،

وهي أنه يتوافق مع المعطيات الجغرافية والثقافية والتاريخية والبشرية التي تُعَدّ الخلفية الضرورية لتطور

أي لغة وارتقائها. كما أن هذا المشروع سيتوفّر على جميع مقوّمات التمثيلية اللغوية والثقافية للناطقين

بتلك اللغات، وسيحظى بدعمهم وتشجيعهم في سبيل تطوير لغاتهم الأم؛ إضافة إلى أن هذا الطرح

يتماشى مع السيرورة الديمقراطية الجهوية واللامركزية السياسية، والحكامة الجيدة، وديمقراطية القرب

التي تضمن تمثيلية أفضل للمواط ين، وإشراكهم في اتخاذ القرارات وتشكيل السياسات التي تمس شؤون

حياتهم اليومية.

وعلى سبيل المثال، فإن لغة «تاشلحيت» المستقلة بذاتها، والمتداولة في منطقة سوس الواسعة جنوب

المغرب، والتي يشكل الناطقون بها حوالى ثلث عدد الناطقين باللغات الأمازيغية في العالم، يمكن تطويرها

وتقعيدها بتكلفة ضئيلة، وبناء على مقوّماتها السوسيوثقافية والتاريخية والمعطيات اللغوية على الأرض،

من دون الحاجة إلى إعدامها واستمرار تهميشها وإقصائها بدعوى أنها مجرد لهجة لا ترقى إلى مستوى

اللغة. وهذه اللغة بالتحديد تملك تراثًا مكتوبًا غنيًا يتمثّل في عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات

والمدوّنات التاريخية التي تمتلئ بها الخزانات والمكتبات المحلية للمدارس العتيقة في منطقة سوس وبعض

الخزانات الخاصة ببعض الأُسر العلمية العريقة في المنطقة. إن هذا التراث المكتوب، الذي قلَّ أن تتوفّر أي لغة أمازيغية أخرى عليه، يمكن استخدامه كقاعدة

انطلاق مهمة لتطوير هذه اللغة وتقعيدها في أفق معيرتها كلغة مستقلة وحيّة تمتلك قاعدة بشرية مهمة

تضمن استمراريتها ومستقبلها. وهذا يتطلب جهدًا بحثيًا وعلميًا في إنقاذ تلك المخطوطات والكتب من

الضياع والإهمال وتحقيقها وطبعها، تمهيدًا للقيام بأبحاث لسانية ولغوية لاستخراج المعطيات النحوية

والمعجمية والبنيوية لهذه اللغة ومجالها التداولي الخاص، وهو ما لا تريد النخبة المنتسبة إلى المعهد الملكي

للثقافة الأمازيغية القيام به بشكل جدي، لأنه متعارض مع أيديولوجيتها بشأن اللغة الموحَّدة، خاصة أن

هذا التراث مكتوب كله بالحرف العربي، وفيه نسبة مهمة من المعجم العربي المقترض في سياق التفاعل

التاريخي الطويل بين المكوّين اللغويين العربي والأمازيغي في المنطقة، والممتد قرونًا طويلة، لأن ذلك

سيضرب في الصميم مشروع الحرف المختلق والمعروف ب»حرف تيفيناغ».

خاتمة: خلاصات وآفاق

لقد أصبحت معركة «توحيد الأمازيغية وتعييرها» التي تخوضها النخبة القومية داخل الحركة الأمازيغية،

معركة حياة أو موت بالنسبة إلى واقع التعددية في الهوية اللغوية لسكان شمال أفريقيا، وأيضًا للغات

الأمازيغية المتعددة التي يراد لها أن تبقى مقصية دائما عن حقها في الوجود، وأن يستمر تهميشها وإبعادها

عن واقع الحياة الاجتماعية، تحت شعارات كونها مجرد لهجات، وأنها ناقصة ولا ترقى إلى مستوى اللغة،

لذلك صار من الضروري أن يُدافَع عن حقها في الوجود والتطور الطبيعي، وأن يُرفع عنها التهميش

والإقصاء اللذين تمارسهما النخب القومية جميعها باختلاف ولاءاتها وانتماءاتها الأيديولوجية، العروبية

منها والأمازيغية. سنكتشف بعد بضع سنوات أننا أضعنا وقتًا طويالً وجهدًا كبيرًا وتمويالً ضخما على مشاريع وهمية تتعلّق

ب«اللغة الموحَّدة» ولا تعربّ إالّ عن أعراض انحرافات أيديولوجية لنخب تحلم بنقاء العرق واللغة والثقافة

والتاريخ. وسنكتشف بعدها أن وضعية اللغات الأمازيغية المتداولة سارت نحو الأسوأ، وزاد تهميشها

وإقصاؤها عن المجال العام، لمصلحة لغة نخبوية جديدة صُنعت في المختبر ولا يعرفها أحد. وسيقوم

الناس مجددًا بردّة الفعل الطبيعية والمتوقّعة تجاهها، وهو التهميش وعدم المبالاة بها، فيصير معظم الناطقين

باللغات الأمازيغية أميين في لغاتهم ومطالبين بمحو أميتهم، لكنهم لن يفعلوا ذلك طبعًا، وبالعكس،

ستعامَل تلك اللغة الجديدة بتجاهل تام ومقاطعة شعبية تجعل منها لغة غريبة، غير متداولة وميتة في

أحسن الأحوال.

ولعل من المفيد أن نختم هذا الموضوع بموقف واحد من أهم الباحثين الجادين في المسألة الأمازيغية، وهو

الباحث الجزائري سالم شاكر الذي يقول: «إن فكرة اللغة الموحَّدة في مجموع التراب الشاسع التي تنتشر

فيه، وعند جميع متكلّميها هي مجرد سراب، وإن من الخطورة بمكان التفكير في إنشاء أمازيغية كلاسيكية

[...] ستكون بلا شك بعيدة كل البعد عن الاستعمال اليومي».

28 Salem Chaker, Berbères aujourd’hui (Paris: L’Harmattan, 1989), p. 139.