ظاهرة الإعراب بين المواضعات اللغوية والعلاقات التجاورية
The Phenomenon of I’rab: Between Linguistic Conventions and Relations of Proximity
الملخّص
تقوم هذه الدراسة على شرح تفصيلي لظاهرة الإعراب بين المواضعات اللغوية والعلاقات التجاورية، من خلال ثلاثة مستويات هي: الإعراب والمواضعات اللغوية، والإعراب والتفاعل اللغوي المعياري، والإعراب وتحقيق الإبلاغ والتواصل، وصولا إلى تأكيد ارتباط ظاهرة الإعراب بقطبي الإيضاح والإبانة؛ إيضاح الإشارات اللفظية والإبانة عن المواضعات اللغوية بيانًا لحاجات المتكلم الظاهرة والباطنة، وفق الأصول والمعايير التي تحكم سنن التواصل اللغوي بين هذا المتكلم والسامع، وتجذّر ظاهرة الإعراب في كيان اللغة الحيّة التي تجاوزت الثبات عند الأصول إلى استنطاق أسرار الكلام، بإرجاع الأصوات إلى علل وأسباب، وهي بذلك ترسّخ المعادلة العلمية القائمة على ثنائية اللغة المعربة والبناء الذهني .
Abstract
This study attempts a detailed discussion of the phenomenon of I’rab (conjugation) between linguistic conventions and relations of proximity through three levels: I’rab and linguistic conventions, I’rab and normative linguistic interaction, and I’rab and the task of communication and expression. The paper argues that the phenomenon of I’rab is related to the two poles of clarification and revelation—clarifying the phonetic signs and revealing the linguistic conventions—in order to fulfill the “manifest” and the “immanent” needs of the speaker, in accordance with the traditions and norms that govern the laws of linguistic communication between this speaker and the listener. The I’rab phenomenon has become rooted in the Arabic language, which means that it did not content to stay faithful to the origins, but went beyond that to investigate the codes of speech by referring phonetics to laws and purposes; thus, the Arabic language is proof of the academic theory that is based on the duality of the conjugated language and the mental structure. In order to employ it in a manner that best serves the Arabic language and its future prospects, this study argues that the I’rab phenomenon is specific to the Arabic language par excellence and that it is not only in need of further investigation, but also a rethinking.
- المواضعات اللغوية
- ظاهرة الاعراب
- العلاقات التجاورية
- I’rab
- Linguistic Conventions
- Relations of Proximity
تقوم هذه الدراسة على شرح تفصيلي لظاهرة الإعراب بين المواضعات اللغوية والعلاقات التجاورية، من خلال ثلاثة مستويات هي: الإعراب والمواضعات اللغوية، والإعراب والتفاعل اللغوي المعياري، والإعراب وتحقيق الإبلاغ والتواصل، وصوالً إلى تأكيد ارتباط ظاهرة الإعراب بقطبي الإيضاح والإبانة؛ إيضاح الإشارات اللفظية والإبانة عن المواضعات اللغوية بيانًا لحاجات المتكلم الظاهرة والباطنة، وفق الأصول والمعايير التي تحكم سنن التواصل اللغوي بين هذا المتكلم والسامع، وتجذّر ظاهرة الإعراب في كيان اللغة الحيّة التي تجاوزت الثبات عند الأصول إلى استنطاق أسرار الكلام، بإرجاع الأصوات إلى علل وأسباب، وهي بذلك ترسّخ المعادلة العلمية القائمة على ثنائية اللغة المعربة والبناء الذهني. وتأتي الدراسة ضمن اقتناع بأن ظاهرة الإعراب ظاهرة العربية بامتياز تحتاج إلى الاستنطاق، كما تحتاج إلى المساءلة والتوجيه نحو الاستغلال الذي يخدم هذه اللغة وآفاقها المستقبلية.
يبقى الإعراب ظاهرة محفوفة بالعديد من الأسرار والإشكالات، تتراوح بين الاصطلاحي، كالفارق بين النحو والإعراب وعلم النحو، والمعياري على اعتبار أن هذه الظاهرة هي نتاج عمل إجرائي لكثير من الأصول والحدود التي شكّلت على مرّ التاريخ معايير تستقيم بها الأصوات، وتتناسق بعللها المتتاليات اللفظية والعلاقات التجاورية، لتصوغ نظما فيه من الانسجام والاتساق ما يجعل التركيب العربي محتفظًا بما اختصت به العرب، تحقيقًا للإبلاغ المنشود، وللبيان والإفصاح عن
المعاني. وإذا كان هناك ما يعيق هذا التبين ويفسد الإعراب، فقد جرى الانتصار لكفة المعنى والإمساك بالتوجيه والتصويب. أمسكت ظاهرة الإعراب بمحوري الإيضاح والبيان وفق المعايير التي تحقق التواصل وتضمن كلية اللغة وحيويّتها، كما أمسكت بما يتطلبه ذلك من بلاغة وفصاحة، ومن اتساق وانسجام بين مستويات الخطاب. وقد أثارت الظاهرة مسألة التفاعل الموضوعي بين المعاني اللغوية والمعاني التركيبية لدور ذلك في الحفاظ على خصائص العربية، والأسس الجمالية التي تقوم عليها، بعيدًا عن الارتباط بنظرية إسقاط المعاني المعجمية أو المقامية، وإعلاء المعاني الوظيفية التي قد تُسْقِطُ في الأنماط الصورية والنماذج اللغوية الثابتة ممّا يتنافى وإبداع اللغة.
الإعراب والمواضعات اللغوية
تكرّم الإنسان العربي باللغة العربية، لغة القرآن والإعجاز، والسعة والمجاز، والبيان والإعراب، فهي الوسيلة الفاعلة في تحقيق التواصل بين المتكلمين، وتلبية حاجاتهم، أكانت حاضرة أم غائبة. ولم تكن العربية قادرة على تحقيق ذلك لولا قوانينها الضابطة، وأساليبها المفصحة، فدأب علماؤها جاهدين على الكشف عن هذه القوا ين وأسرار هذه الأساليب، وإرساء القواعد والأنظمة في سبيل الحفاظ على هذه اللغة من أيّ دخيل قد يشينها، معتمدين في ذلك على الشعر العربي ديوان العرب، وعلى القرآن الكريم وحديث الرسول، فكان لهم في ذلك النفع الكبير والمزية العظمى. يقول ابن جني (ت 92 3 ه): ولو كانت هذه اللغة حشوًا مكيالً، وحثوًا مهيالً، لكثر خلافها، وتعادت أوصافها: فجاء عنهم جر الفاعل، ورفع المضاف إليه والمفعول به، والجزم بحروف النصب، والنصب بحروف الجزم، بل جاء عنهم الكلام سدى غير محصل، وغفالً من الإعراب، ولاستغني بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه، والكلف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه. فالإعراب عند ابن جني ليس موقوفًا على الإشارات اللفظية، أو الانتحاء إلى سمت كلام العرب، وممّا ورد صحيحًا، بل هو مرتبط بقطبي الإيضاح والإبانة عن المواضعات اللغوية لتحقيق الفهم والإفهام بين السامع والمتكلم، لإيضاح المعنى والإبانة عنه صحيحًا ومضبوطًا، بعيدًا عن اللبس أو الإخلال، وإثبات ما مفاده أن الإعراب سليقة فُطر عليها الإنسان العربي في لغته من دون تكلف أو تعسّف. والإعراب من العلوم التي حظيت بأهمية بالغة عند علماء العربية المتقدمين الذين بيّنوا أهميته ومكانته وعلاقته بالمعنى، يدفعهم إلى ذلك الحرص على الدِّين الإسلامي واللغة العربية من التحريف أو اللحن حتى تبقى الآصرة موصولة بين المسلم وكتابه العزيز، تقول الدكتورة منيرة العلولا:
وحظي الإعراب بمكانة رفيعة عند الأئمة المتقدمين من علماء اللغة والنحو، حيث بيّنوا أهميته، ومكانته وعلاقته بالمعاني، واهتمامهم هذا إنما منبعه حرصهم على الإسلام وعلى لغة القرآن سليمة من كل لي أو لحن أو تحريف، لتظل الأمّة موصولة بكتابها الكبير. إن ارتباط العربية بالإعراب حقيقة ترسخت عند علماء العربية الذين أدركوا هذه المزية، وفطنوا إلى أسرارها، فنوّهوا بها ودافعوا عنها في مجالسهم ومناظراتهم. يقول أحمد بن فارس (ت 953 ه) في باب « ما اختصت به العرب من العلوم »: من العلوم الجليلة التي اختصت بها العرب الإعراب الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولولاه ما مُيّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منعوت، ولا تعجب من استفهام، ولا صدر من مصدر، ولا نعت من تأكيد. لم تكن ظاهرة الإعراب وليدة الابتكار، أو موجودة من عدم، أو مقتبسة من لغات الأمم الأخرى، بل ظاهرة أصيلة ارتبطت بالعربية ارتباطًا تاريخيًا معروفًا، والدليل على أصالتها ورودها في القرآن الكريم الذي وصل إلينا عن طريق الرواية الشفهية، ورسمه المكتوب قبل ظهور النحو والنحاة، وفي الشعر العربي القديم الذي يتوقف وزنه على مزاوجة الحركة للسكون اللذين يُعتبران من مقومات الإعراب. لقد كسب الإعراب خلوده في القرآن الكريم وحديث الرسول () والشعر العربي، وتهميشه مغالطة كبيرة في حق الكلام العربي الذي سيفقد الكثير من جماليته؛ ذلك أن الإعراب ليس زائدًا، وارتباطه بالكلام ليس اعتباطًا، وإنما له وظيفة أساسية في اللغة، به يتضح المعنى وتنكشف الصلات النحوية بين الكلمات في التركيب الواحد. يقول أحمد بن فارس: فلذلك قلنا: إن علم اللغة كالواجب على أهل العلم، لئلا يحيدوا في تأليفهم أو فتياهم عن سنن الاستواء. وكذلك الحاجة إلى علم العربية، فإن الإعراب هو الفارق بين المعاني. ألا ترى أن القائل إذا قال: (ما أحسن زيد) لم يُفْرَق بين التعجب والاستفهام والذمّ إالّ بالإعراب؟ ولم تقف وظيفة الإعراب عند عتبة الأصول، والثبات على الحدود والمعايير التي تحكم اللغة، بل تجاوزت ذلك إلى عتبات التحول، والاجتهاد في استنطاق أسرار هذا الإعراب، وتحديد وظائفه بقدرته على الإبانة عن المعاني، أي التبينّ والتوضيح، فسميّ إعرابًا لذلك، وبقدرته على التأثير في المتتاليات اللفظية بتغيير أواخر الكلم بما يلحقها من علامات أو أصوات، وهو بذلك يزيل عربَ
الكلام أي فساده، ليصير محببًا للسامع. ولما كان المتكلم كأنّه يتودد ويتحبب إلى السامع بإعرابهّ، سمّي إعرابًا. وهكذا توجّه بعض الدارسين إلى نقد الحدود المقدسة التي رسمها النحاة للنحو حتى أصبح علما للإعراب، وفي هذا التحديد تضييق لخناق البحث النحوي، وإفساح لدور الإعراب في كشف أسرار العربية بإرجاع الحركات إلى علل وأسباب، وهُم في الوقت نفسه يلحّون على انفتاح الرصيد المعياري للغة العربية على تأليف الكلام، وعلى تقفّي أثره في تحقيق الاتساق والانسجام على المستويين: اللغوي المفرد واللغوي المركّب، لتصوير ما في النفوس، والتعبير المقصود تحقيقًا للتواصل وللفهم والإفهام بين السامع والمتكلم. يقول مصطفى إبراهيم عن النحاة: وقد أطالوا بذلك مراقبة أواخر الكلمات، وربما اختلفوا فيها، وتجادلوا عندها. وطول هذه المراقبة ودأبهم عليها هداهم إلى كشف سرّ من أسرار العربية عظيم؛ وهو أن هذه الحركات ترجع إلى علل وأسباب يطرد حكمها في الكلام، ويمكن الرجوع إليها والاحتجاج بها. فالإعراب من الظواهر التي أكسبت اللغة العربية المكانة المرموقة، والمرونة في التعبير عن مختلف مجالات الحياة من دون التواء أو تعقيد، لأن من وظائفه الأساسية الوضوح وإزالة اللبس وإعطاء الكلمات حرية المواقع، وهو ما يساهم في تنوع التراكيب بحسب الموقف والمقام. لقد عُدَّ الإعراب ظاهرة تميّز اللغة العربية، وفارقًا بين المعاني، وكاشفًا عن الأسرار، ودليل إعجاز، كما اعتبُر، على حد تعبير القدماء، وشيًا للعربية، وحلية لها. يقول ابن قتيبة (ت ه 762): ولها (الإعراب) الذي جعله الله وشْيًا لكلامها، وحلية لنظامها، وفارقًا في بعض الأحوال
بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول، لا يُفرق بينهما، إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكلِّ واحدٍ منهما إالّ (بالإعراب). وقد أرسى البعض معادلة علمية تجمع بين طرفيها اللغة المعربة والبناء الذهني والعقلي، لتأتي التفصيلات التي ترسخ الجدلية الثنائية بين المتكلم العربي والرموز أو العلامات أو الأصوات الدالة والمُبينة عن القصد، وصوالً إلى تفاعل وتداخل الإعراب بما هو لغوي وحضاري واجتماعي. يقول سليمان ياقوت: فالإعراب إذن يمثّل قمة التطور اللغوي مصورًا في تكوين الجمل التامة، ويمثل أيضًا قمة التطور الحضاري والاجتماعي، لأن كتابة لغة معربة أو النطق بها يتطلب ذهنًا واعيًا وعقالً ناميًا ليطابق بين المعاني التي في نفس الإنسان وبين الرموز التي على أواخر الكلمات المنطوق بها، تلك الرموز التي تدل على ما يريد إظهاره من المعاني.
الإعراب والتفاعل اللغوي المعياري
إن ارتباط العربية بالإعراب ارتباط جوهري وعميق، يتفاعل فيه مدلول المكون اللغوي بالوظيفة النحوية التي يؤديها داخل التركيب العربي؛ ذلك أن الأدوات والكلمات ليست إالّ مباني تفرغ فيها العلاقات الإعرابية تأثيرها المعنوي، ومن ثم وظائفها النحوية. يقول ابن يعيش (ت 643 ه): و (اللغة) عبارة عن العلم بالكلم المفردة، و (الإعراب) عبارة عن اختلاف أواخرها لإبانة معانيها. يكشف هذا النص عن استحالة الفصل بين اللغة والإعراب، لما بينهما من روابط معنوية وتركيبية عميقة، كما يستحيل إحداث قطيعة بين ظاهرة الإعراب ومن يتكلم اللغة العربية، لأن الأطراف جميعًا ذوات مساهمة في تحقيق الإبلاغ والتواصل الذي ترمي إليه أي لغة إنسانية. يقول أحمد بن فارس في باب «الخطاب الذي يقع به الإفهام من القائل والفهم من السامع»: يقع ذلك بين المتخاطبين من وجهين: أحدهما الإعراب، والآخر التصريف. هذا فيمن يعرف الوجهين، فأمّا من لا يعرفهما، فقد يمكن القائل إفهام السامع بوجوه يطول ذكرها من إشارة وغير ذلك. وإنمّا المعوَّل على ما يقع في كتاب الله جل ثناؤه من الخطاب أو في سنّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو غيرهما من الكلام المشترك في اللفظ. إن الإعراب والتصريف أداتان من الأدوات التي تحقق التواصل بين المتكلم والسامع، ولن يعرف هاتين الأداتين إالّ من يتقن لغة الضاد إتقانًا تامًا، وإالّ غاب عنه التفاهم المنشود وتحقيق الحاجات؛ فغرض
المتكلم لن يتضح من دون إعراب، المعيار الذي يكشف صحة الكلام ورجحانه من نقصانه، والمقياس الذي يعرف به الصحيح من السقيم، فيتعلق به الذهن أو يمجّه. يقول أحمد بن فارس: فأمّا الإعراب، فبه متُيّز المعاني ويُوقف على أغراض المتكلمين. وذلك أن قائالً لو قال: (ما أحسنْ زيد) غير معربٍ، أو (ضربَ عمرْ زيد) غير معرب، لم يوقف على مراده. فإذا قال: (ما أحسن زيدا) أو (ما أحسن زيدٍ) أو (ما أحسنَ زيدٌ) أبان بالإعراب عن المعنى الذي أراده. وللعرب في ذلك ما ليس لغيرها، فهم يفْرُقون بالحركات وغيرها بين المعاني. فتأدية الكلام لوظيفته التواصلية رهين بقصد المتكلم، وهذا مستوى من مستويات عديدة تشكّل نظرية بديهية للفهم والإفهام. ولا نغفل في هذا النطاق التمييز الوارد لدى العلماء القدماء بين الكلام والكلم، فالكلام هو كل خطاب شكّلت مكوناته اللغوية منظومة دلالية مؤلفة تقصد إلى معاني يحصل الرضى عنها. أمّا الكلم، فيتراوح مدلوله بين ما يفيد وما هو غير مفيد، فالكلام بذلك لا يطلق إالّ على المفيد خاصة، يقول أبو الحسن علي الآمدي (ت 631 ه) في حقيقة الكلام: أمّا حقيقته، فهو ما دلّ بالوضع على معنى، ولا جزء له يدلّ على شيء أصالً، كلفظ الإنسان، فإن (إن) من قولنا: (إنسان)، وإن دلَّت على الشرطية فليست إذ ذاك جزءًا من لفظ الإنسان؛ وحيث كانت جزءًا من لفظ الإنسان، لم تكن شرطية، لأن دلالات الألفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلّم وإرادته. ونعلم أن المتكلم حيث جعل (إنْ) شرطية، لم يقصدْ جعلها غير شرطية. ويُعتبر القول كلامًا مفيدًا إذا ابتعد عن كل ما يشْكل المعنى، وزاغ بالنظام عن القواعد والضوابط
المتعارف عليها بين أفراد المجموعة اللغوية الواحدة، من فصل بين الإعراب والمعنى الوظيفي، أو إبدال بين الحركات من حيث المواقع، أو تغيير في الرتب المعهودة. وكلما حصل ذلك، ورد الشذوذ واختلفت التأويلات، وضاع المعنى وغاب القصد المنشود. يقول ابن الأثير (ت 637 ه): وكذلك لو قال قائل: (ما أحْسَنْ زَيدْ)، ولم يبينّ الإعراب في ذلك لما علمنا غرضه منه، إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنه، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بينَّ الإعرابَ في ذلك، فقال: (ما أحْسنَ زيدا)، و (ما أحسنُ زيدٍ؟) و (ما أحسنَ زيدٌ)، علمنا غرضه، وفهمنا مغزى كلامه، لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يُعرف به من الإعراب. فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو، إذ كان ضابطًا لمعاني الكلام، حافظًا لها من الاختلاف. فالكلام نتاج الفكر والنفس، وقائم بالأساس على مستويين أساسيين لأداء وظيفته، هما: المفردات اللغوية/المعنى اللغوي. يتشكل هذا المستوى من الحروف والأفعال والأسماء التي تتألف منها التراكيب، لكل منها معناه اللغوي الخاص، يدل عليه بمفرده أو بمعونة ملفوظات أخرى، كالحروف التي تشكل أدوات تحقيق الإتساق الداخلي للنص، فتؤدي بذلك معانيها المعروفة. وتُعَدّ المعاني اللغوية اللبنات التي يقوم عليها الكلام، والمتكلم مجبر على استحضار الحدود اللغوية باعتبارها ملكًا جمعيًا، يتعارف عليها أفراد المجتمع، ولا يملك الحرية الخاصة للتصرف فيها، كتغيير النطق أو استبدال الأشياء بمسمّيات أخرى، إالّ في نطاق الاتساع الذي تسمح به اللغة، على سبيل التجاوز الذي ينقل هذا الكلام من مستواه الحقيقي إلى مستوى مجازي، أو على سبيل الانتقال باللفظة المفردة في وضعها المتطور كبديل عن الوضع الأصلي. ومن تجليات احترام الحدود التفاعل الموجود بين الإعراب والمواضعات اللغوية، والذي يتمظهر على العديد من المستويات اللسانية، أو بالأحرى الحدود المعيارية التي تشكل المرجع الأساس لكل منشئ للكلام، وقد تم حصر هذا التمظهر في البنى اللغوية على الشكل الآتي: - أثر المعنى اللغوي للفعل في تحديد لزومه أو تعديه. - تحكّم المعنى اللغوي للفعل أحيانًا في تمييز الفاعل من المفعول، بتحقيق مناسبة معنوية لكل واحد منهما. - أثر ما يلحق المعنى اللغوي الأصلي للفعل أو ما يقع مقامه من تغريّ في تشكيل الملفوظات من حيث مراعاة المعنى المقصود في التعدي أو اللزوم، أو من حيث الحرف المعدّى به. - أثر ما يلحق المعنى اللغوي للفظ في ما هو إعرابي، أي في تحديد موقعه التركيبي لإزالة كل ما يعيق الفهم والإفهام بين المتكلم والسامع.
العلاقات التجاورية/ المعنى التركيبي
لا يستقيم التبينّ اللغوي إالّ باستيفاء المواضعات اللغوية لمعانيها، وباحترام العلاقات التجاورية لحدود اللغة. ومن مظاهر هذه الاستقامة الدور الفاعل لآلية الإعراب في الدلالة على المعاني التركيبية، ورصف مفردات اللغة، وفق طرق معيّنة في صوغ التركيب الذي يستحضر الأركان الأساسية، ويحقق تراتبية المعاني، والتعبير عن المعاني غير المفردة بشكل متكامل. ويقوم صوغ الكلام على محوري الانتقاء والنظم؛ فالمتكلم ينتقي من الألفاظ ما يلائم فكره ومشاعره، أي ما يلائم المقام، كما ينتقي الصيغ الملائمة لتلك الألفاظ والمواقع والأصوات الدالة، وينظم الكل وفق معنى تركيبي يفهمه المتلقّي، وتُعَدّ هذه الأصوات أو العلامات الإعرابية من أقوى الدوال على المعاني التركيبية. يقول الدكتور محمد حسن: والشاهد هنا هو أن العلامات الإعرابية تتغريّ تبعًا للمعنى التركيبي (المكون من العلاقات التي يريدها أو يقررها منشئ الكلام بين مفردات الجملة)، وأن المتلقّي يتصور المعنى التركيبي الذي أراده منشئ الكلام أخذًا من تلك العلامات، فمن الطبيعي أن يتغريّ تصوره للمعنى إذا تغريّ الضبط الإعرابي. وهذا أحد وجوه صدق العبارة المشهورة (الإعراب فرع المعنى). بينما توجّه بعض الدارسين المحدثين إلى إسقاط آلية الإعراب باعتبارها مجرد قرينة واحدة لا تفي بالمعنى التركيبي، بعيدًا عن بقية القرائن. ومنطلق هذا التوجّه قائم بالأساس على المقارنة بين المعنى الوظيفي للكلمة والإعراب، وعلى اعتبار أن الصلة وثيقة بينهما. فما دام الكشف عن العلاقات السياقية هو الغاية من التحليل الإعرابي، وما دامت قرينة التعليق هاته من أصعب القرائن، وهي قرينة معنوية تحتاج إلى التأمل، ويحس الناس إزاءها بصعوبة كبيرة، اتجه الدكتور تمام حسان إلى المعنى الوظيفي للفظة على حساب المعنى اللغوي والتهوين من قيمة العلامة أو الصوت في إدراك المعنى التركيبي. يقول حسان:
هذا الإعراب الكامل التفاصيل يبينّ إلى أيّ حدّ نستطيع الاتكال في التحليل اللغوي على ما أطلقنا عليه اصطلاح (المعنى الوظيفي). فهذا المعنى الوظيفي يحدد الفهم صوتيًا من حيث إن الحرف مقابل استبدالي، وصرفيًا من حيث إن المبنى إطار شكلي يتحقق بالعلامة، ونحويًا من حيث إن العلاقة السياقية تكشف لنا عن ترابط المباني التي تحققت بالعلامات في سياق النص. أمّا ما فوق ذلك من معنى الكلمة المفردة أو معنى المقام، أي المعنى الدلالي الكامل، فذلك ما لا يوصل إليه بواسطة المبنى فقط. ويبقى في نظرنا المعنيان اللغوي والتركيبي دالين على كلية اللغة التي لا تستقيم بالواحد من دون الآخر، بل إن نظرية إسقاط آلية الإعراب بالتهوين من شأن المعنى المعجمي أو المقام، وإعلاء قدرة المعنى الوظيفي القائم على وصف الكلمة نحويًا وصوتيًا وصرفيًا، على كشف العلاقات التجاورية أو بالأحرى المعنى التركيبي، لتسقط في التعامل اللغوي القائم على النمطية والبعيد عن سنن التوسع في التراكيب والتصرف فيها، هذا التوسع الذي يعدّ من خصائص اللغة العربية، وملمحًا جوهريًا من ملامح جمالها ووظيفتها الفنية، يقول الدكتور محمد حسن: والتزام النمطية بالصورة الجامدة يجرد العربية من إحدى أهم خصائصها ومزايا وجود الإعراب فيها، وهي إمكانية التصرف في نسق كلمات الجملة بالتحريك تقديماًاو تأخيرًا وحذفًا أو ذكرًا ووصالً أو فصالً؛ تحقيقًا لأغراض بلاغية أو مقامية. ومن التذرع إلى الباطل، ومن سوء التقدير أيضًا أن يُعدّ ما يوفر تلك الخصيصة، وهو الإعراب، تعقيدًا يطالبون بالاستغناء عنه. ويُعتبر التمكن من الإعراب وسيلة أساسية للتمكن من ذات المعنى، لأن الأمر بعيد عن السطحية التي يمكن تصورها، وقائم على ترابط العناصر وتداخل المستويات. ويمكن في هذا الصدد قراءة مؤلفات بعض المفسرين الذين تشرفوا بخدمة القرآن الكريم والاطلاع على مكنوناته، لنقف بإجلال أمام إتقانهم خاصية الإعراب، وما يستلزم ذلك وجوبًا من ضبط اللغة لفظًا وتركيبًا وصيغة في سبيل الكشف عن أسرار التعبير وجماليته. يقول السيوطي في معرفة الإعراب: ومن فوائد هذا النوع معرفة المعنى؛ لأن الإعراب يميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين.... وعلى الناظر في كتاب الله تعالى الكاشف عن أسراره النظر في الكلمة وصيغتها ومحلها، ككونها مبتدأً أو خبرًا أو فاعالً أو مفعوالً، أو في مبادئ الكلام أو في جواب، إلى غير ذلك.
فقد تتوالى على اللفظة الواحدة حركات مختلفة، الشيء الذي يغريّ بنيتها، وبالتالي يقلب معانيها ووظائفها من تركيب إلى آخر، وذلك بحسب قصد المتكلم، وما يرمي إليه من معان. يقول الزركشي (ت 794 ه): قالوا: والإعراب يبينّ المعنى؛ وهو الذي يميّز المعاني، ويوقف على أغراض المتكلمين؛ بدليل قولك: (ما أحسن زيدًا)، و (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، وكذلك فرقوا بالحركات وغيرها بين المعاني، فقالوا: (مِفْتَح) للآلة التي يفتح بها، و (مَفْتَح) لموضع الفتح، و (مِقَص) للآلة، و (مقَص) للموضع الذي يكون فيه القصّ. ويقولون: (امرأة طاهر من الحيض) لأن الرجل يشاركها في الطهارة. كما قد يحدث تداخل بين الوظائف النحوية في التركيب الواحد، فيؤدي إلى إشكال لدى القارئ أساسه هذا الخلط في الجانب النحوي، ويترتب عنه سوء فهم، وخطأ في التحليل، وفي اكتناه دلالة الأسلوب، ولا مناص من التفقه في خصائص كل باب نحوي، وما يمكن أن ينتج من تداخله بباب نحوي آخر. يقول ابن جني في باب « نقض الأوضاع إذا ضامّها طارئ عليها»: من ذلك لفظ الاستفهام، إذا ضامّه معنى التعجب استحال خبرًا. وذلك قولك: (مررت برجل أيّ رجل). فأنت الآن مخبر بتناهي الرجل في الفضل، ولست مستفهِما. وكذلك (مررت برجل أيَمّا رجل)؛ لأن (ما) زائدة. وإنما كان كذلك لأن أصل الاستفهام الخبر، والتعجب ضرب من الخبر. فكأن التعجب لما طرأ على الاستفهام إنما أعاده إلى أصله: من الخبريّة. لقد اعتبُر الزهد في الإعراب خاصة والأبواب النحوية عامة خطأ فادحًا يعرّض الدارس لمغالطة الحقيقة العلمية التي تربط اللغة العربية بظاهرة الإعراب، ويعرّضه للصد عن المعاني التي تبقى مغلقة، ولضياع غرض المتكلم الذي يُعتبر عنصرًا أساسًا في تحقيق عملية تواصلية هادفة وبنّاءة. يقول عبد القاهر الجرجاني ت (71 4 ه): وأمّا زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدّم، وأشبه بأن يكون صدًّا عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه. ذاك لأنهم لا يجدون بدًّا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذ كان قد عُلم أن الألفاظ مغلقة
على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورُجحانه حتى يُعْرَض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يُرْجع إليه، لا ينكر ذلك إالّ من ينكر حِسَّه، وإالّ من غالط في الحقائق نفسه. إن أول ما يجب أن يحيط به الدارس هو الإدراك المعنوي الجيّد لما يدرسه، لأن المكوّنات اللغوية تصبح عناصر فاعلة دلاليًا ونحويًا وإعرابيًا عند صوغها وفق القواعد المتعارف عليها، والضوابط التي تحّولها إلى رسالة قابلة للإدراك. يقول ابن هشام (ت 761 ه): وأول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردًا أو مركّبًا، ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور على القول بأنها من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه. يتبين من خلال هذا النص استحالة الجمع بين الإعراب والمكون اللغوي غير المفهوم، لأن الإعراب في حد ذاته كشف عن المعنى، فالإحاطة به وبقواعده لا تعني التمكن اللغوي، كما أن الإتقان المحدود للغة لا يؤدي إلى معرفة الإعراب وإتقانه. نستنتج إذًا أن الإعراب واللغة مكونان فاعلان في إدراك المعنى، وكل قصور في الجانب الواحد منهما يؤثّر سلبًا في الجانب الآخر، يقول أبو القاسم الزجاجي (ت 7 33 ه): والدليل على صحة ما قلنا من معنى اللغة والإعراب، والفرق بينهما، أنه ليس كل من عرف الإعراب وفهم وجوه الرفع والنصب والخفض والجزم، أحاط علما باللغة كلها ولا فهمها. ولا من فهم من اللغة قطعة ولم يُرضِ نفسه في تعلّم الإعراب، عرف الإعراب، ولا درى كيف مجاريه، وهذا بينّ واضح. قد يكون للكلمة الواحدة إعراب معينّ، لكن سرعان ما ينقض هذا الإعراب بآخر مختلف عنه بمجرد انضمام هذه الكلمة إلى أخرى، أو إلى أخريات شكّلت معها تركيبًا ذا مدلول معينّ، فينبغي أخذ ذلك بعين الاعتبار عند الكشف عن المعنى ما دام هذا التحول من التركيب الأحادي (شكرًا على سبيل المثال) إلى التركيب المكثف، يساوي تحوالً على مستوى الدلالة. يقول ابن هشام: قد يكون للشيء إعراب إذا كان وحده، فإذا اتصل به شيء آخر تغير إعرابه، فينبغي التحرز في ذلك.
كما ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الكلمة يختلف إعرابها بحسب المحل أو الموقع الذي تحتله. يقول ابن هشام: وكذلك يختلف إعراب الشيء باعتبار المحل الذي يحل فيه. فكما تختلف الكلمات بحسب معناها المعجمي، تختلف أيضًا بحسب وظائفها النحوية، ومحلاتها الإعرابية، وكما تختلف التراكيب من حيث المدلول المعنوي، نجدها تختلف أيضًا من حيث العلاقات الإعرابية، بل إن الكلمة تكتسب مدلولها اللغوي بفعل طول التركيب الذي يستلزم بشكل آلي حضور المحل الإعرابي. يقول الزجاجي: إنما ذِكرُ سيبويه اختلاف الألفاظ لاختلاف المعاني، حجةٌ لاختلاف الإعراب للمعاني، كما خالفوا بين الألفاظ للمعاني نحو: (ذهب وجلس) كذلك (أكرمني أخوك)، و (أكرمت أخاك). هما يختلفان. وكذلك فرّق بين الفاعل والمفعول به، والمضاف والمضاف إليه في الإعراب، إذ اختلفت معانيهن. إن الكلمة الواحدة كما يذكر ابن جني لا تشجو ولا تؤثر في قلب سامعها إذا لم تكن لها ضميمة تطيل الكلام وتجعله ممتعًا، يستعذبه هذا السامع، ويرق له. فالتلفظ بالكلمة فعالً كانت أو اسما أو حرفًا لا يعدو أن يكون صوتًا من دون فائدة، بل إنها تكتسب مدلولها مع مثيلاتها، وهو ما يشكل تركيبًا يستحق الإعراب والتمييز بين المعاني. يقول ابن يعيش (ت 643 ه): لأن الاسم إذا كان وحده مفردًا من غير ضميمة إليه لم يستحق الإعراب، لأن الإعراب إنما يؤتى به للفرق بين المعاني، فإذا كان وحده كان كصوت تصوت به، فإن ركّبته مع غيره تركيبًا تحصل به الفائدة، نحو قولك: (زيد منطلق) و (قام بكر)، فحينئذ يستحق الإعراب لإخبارك عنه.
الإعراب وتحقيق الإبلاغ والتواصل
إن عملية الإبلاغ وتحقيق التواصل بين المتكلم والمتلقّي ليست بالسهولة التي يمكن تصورها؛ ذلك أن المجتمع العربي لم يكن يقصد إلى تحقيقها في أدنى مستوياتها، ولم يكن يستخف بها باعتبارها شيئًا ثانويًا، بل كانت هذه العملية ركنًا من أركان الكيان العربي، وعمودًا من أعمدة تثبيت الذات العربية التي اعتنت بتجميلها بمختلف وسائل الإقناع والتخصيص، من وضوح دلالي وإشارة صائبة واختزال مستحسن
وتمهيد مشوّق، حتى تكون عملية الإبلاغ هاته بيانًا نافعًا وإعرابًا شديدًا. يقول الجاحظ (ت 552) ه: وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفيّ هو البيان الذي سمعت الله عز وجل يمدحه، ويدعو إليه ويحثّ عليه. بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم. لقد كان المتكلم يستغل كل طاقاته الذهنية، ومؤهلاته العلمية، وموروثه الثقافي لكي تكون عملية الإبلاغ أو الإقناع بالفعل بيانًا نافعًا وإعرابًا سديدًا، لأن مدار الأمر هو الكشف عن المعنى بالدلالة الحسنة، وتحقيق الفهم والإفهام، بإفشاء الحقائق للسامع. يقول الجاحظ: والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يُفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان، ومن أيّ جنس كان الدّليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنمّا هو الفهم والإفهام؛ فبأيّ شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع. هكذا نسجل أن العملية الإبلاغية العربية كانت تجنح دومًا إلى التوضيح والتخصيص، وإلى تجنّب كل ما من شأنه أن يسيء إلى اللفظ ويشينه، أو يجعل المعنى سرابًا كلما اقتربت منه عرفت حقيقته. وقد ارتكزت العربية في تحقيق ذلك وتدعيم بيانها على جملة من الضوابط التي شكلت علوم البلاغة، ومن القواعد التي تزخر بها كتب النحو والإعراب. يقول الجاحظ أيضًا على لسان بشر بن المعتمر: وإيّاك والتوعّر، فإنّ التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويَشين ألفاظك. فكل من جعل الإبلاغ هادفًا والفهم والإفهام ميًَّا، والبيان محققًا نُعت بالبليغ. يقول الجاحظ: وهذا هو تأويل قول الأصمعي: (البليغ من طبَّقَ المفصِل، وأغناك عن المفِّ). يستحضر الجاحظ من دون شك في هذا التوسع الواضح في مفهوم البيان المعنى اللغوي للمصطلح الذي يعني في أولياته الانكشاف والوضوح والظهور. ولاشك أن الجاحظ يطرح هذه المفاهيم في علاقتها من باب الاشتراك في الكثير من المعاني بمصطلحات أخرى. نذكر على وجه الخصوص الفصاحة والبلاغة، على اعتبار أن الفصاحة ترتبط بالملفوظات في علاقتها ببعض، وبما هو متداول على ألسنة الفصحاء، ووارد بكثرة في استخداماتهم اللغوية.
أمّا البلاغة، فتستعين بالفصاحة لتبليغ المعنى من نفس السّامع المبْلغَ اللائق. وأمّا البيان، فظاهر أنه أعمّ وألمّ من الفصاحة والبلاغة، لأنهما من مادته، وداخلان في حقيقته. يقول الدكتور بدوي طبانة: وتكون غاية البيان كما صرح هي الفهم والإفهام بأيّ دلالة من دلالات اللفظ أو الإشارة أو الخط أو العقد، أو الحال التي تسمى نصبة. وتكون البلاغة تعني الأدب والتعبير، وعلى هذا يكون مفهوم (البيان) أعم من مفهوم (البلاغة). إن التوسع في مفهوم البيان قد ترك الباب مفتوحًا لكل ما من شأنه أن يكشف قناع المعنى، ويحيل الدلالة إلى أوضح وأفصح، ويخصص الخطاب الذي يقع به الإفهام من القائل والفهم من السامع، وهذا الأمر من الأبواب التي تطرق إليها اللغويون والنقاد والبلاغيون وعلماء التفسير، إالّ أن المثير للانتباه هو اهتمام البعض بما يحقق هذا الفهم والإفهام/التواصل والإبلاغ كل في نطاق تخصصه، وفي نطاق ما يخدم الخطاب، من ذلك ما أورده ابن فارس في الباب الذي يقع فيه التواصل بين المتخاطبين، والذي يتم في نظره من وجهين. يقول: يقع ذلك بين المتخاطبين من وجهين: أحدهما الإعراب، والآخر التصريف. هذا فيمن يعرف الوجهين، فأمّا من لا يعرفهما فقد يمكن القائل إفهام السامع بوجوه يطول ذكرها من إشارة وغير ذلك. وإنما المعوّل على ما يقع في كتاب الله جل ثناؤه من الخطاب أو في سنّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو غيرهما من الكلام المشترك في اللفظ. من الواضح اقتصار ابن فارس على الإعراب والتصريف في عملية الفهم والإفهام على الرغم من إشارته إلى وجوه أخرى يمكن للقائل إفهام السامع بها، من إشارة وغيرها، مع الً ذلك بطول الحديث عنها. ولا يخفى دور الإعراب في التمييز بين المعاني والوقوف على أغراض المتكلمين، كما لا يخفى دور الصرف في إمداد النحو بالصيغ التي يحتاج إليها لتحقيق ذلك. أمّا ابن الأثير، فقد خصص فصلين للحديث عن موضوع علم البيان، وعن آلاته وأدواته، وهي آلات كثيرة حصرها في ثمانية أنواع، نذكر منها، على وجه الخصوص، آلتين مهمتين في تحقيق التداخل بين المواضعة اللغوية والعلاقة المعيارية لتحقيق الإبلاغ المنشود:
الأولى معرفة علم العربية من النحو والتصريف. يقول ابن الأثير:
أمّا علم النحو، فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في تعليم الخط، وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ليأمن معرّة اللحن، ومع هذا
فإنه وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخصّ منه شيئا بالوضع، بل جعل الوضع عامًّا... وأمّا التصريف، فإنه إذا لم يكن عارفًا به لم تفسدْ عليه المعاني كلامه، وإنما تفسدُ عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة. الثانية معرفة ما يحتاج إليه من اللغة. يقول ابن الأثير عن ذلك: النوع الثاني وهو قولنا: إنه يحتاج إلى معرفة اللغة ممّا تداول استعماله، فيردُ بيانه عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلامِ على جيّدها ورديئها في المقالة المختصة بالصناعة اللفظية. إن إهمال التفاعل الموجود بين المواضعات اللغوية والعلاقات التجاورية يؤدي، كما ذكرت سابقًا، إلى السقوط في النمطية، وإفشال عملية الفهم والإفهام من قبل السامع والمتكلم، والاستخفاف بوظيفة اللغة، وإبقاء الدارس العربي مخريًّا بين النمطية الصورية التي تقتل ما اختصت به العرب، وبين المقومات الأسلوبية التي تعج بها المتتاليات التركيبية. يقول الدكتور محمد حسن: وهكذا ينقلب مراد منشئ الكلام إلى ضده في ذهن المتلقي دون حاجز يمنع ذلك، وتبطل وظيفة اللغة. بقي أن يتشبث جاحدو قيمة الإعراب والداعون إلى الاستغناء عنه؛ بالتزام النمطية في التراكيب اللغوية وهذا هو البديل الذي توهموه فأغراهم بمحاربة الإعراب. إن حرص المتكلم العربي على البيان والكلام المعرب، وتفضيل الكلمة الفصيحة على الغريبة، والخفيفة الصوت على المتنافرة الحروف، والمطبوع القائم على البديهة، والارتجال على المتكلف القائم على الصنعة والتكلف، كل ذلك يعكس المكانة التي يحتلها المعنى في نفس هذا المبدع العربي، والدور المهم الذي يؤديه في تحقيق تواصل فعال؛ فالنصوص العربية تخفي وراء الأسلوب المزخرف والمحسنات البديعية والزخرف اللفظي عناية بالغة بالمعنى، وإالّ مجّتها الأسماع، ولفظتها الأذواق؛ ذلك أن المعهود عند العرب تشريف المعنى على حساب اللفظ، فما رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إالّ كشف للوظائف النحوية والعلاقات الإعرابية، ذلك بأن الرفع علم الفاعلية والإسناد، والنصب علم المفعولية، والجر علم الإضافة. يقول ابن جني: فإن العرب فيما أخذناه عنها، وعرفناه من تصرّف مذاهبها؛ عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها.... فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ وحِلْيتها لم يُقصد بها إالّ تحصين المعاني وحياطتها. فالمعنى إذًا هو المُكرَّم المخدوم، واللفظ هو المبتذل الخادم. فلا يمكن تصور إبداع أدق إبلاغًا من دون لفظ. كما أنه لا وجود للفظ من دون معنى، ذلك أن الارتباط
معهود بين اللفظ والمعنى، وكل ما من شأنه تحريف المعنى خضع للتصويب والتثقيف، حفاظ ا على حرمة هذا المعنى وتشريفًا له. يقول ابن جني: إعلم أنه لما كانت الألفاظ للمعاني أزمة، وعليها أدلّة، وإليها موصِّلة، وعلى المراد منها محصِّلة، عُنيت العرب بها فأولتها صدرًا صالحًا من تثقيفها وإصلاحها. وقد أدرك المتكلم العربي إدراكًا عميقًا العلاقة الجدلية الموجودة بين اللفظ والمعنى، والتفاعل بينهما هو الذي يصنع الكلام المعرب والمفاهيم الذهنية المقبولة. وكلما كان هذا التفاعل صحيحًا كانت الدلالة حسنة، وكان الإعراب سائغًا، وأيّ خلل في تحقيق ذلك فمردّه إلى اللفظ الذي لولاه لما وجد المعنى، ويولّد غموضًا في عملية الفهم والإفهام، ويجعل الكلام حشوًا ليس إالّ. يقول السيوطي: إذا دار الاختلال بين أن يكون في اللّفظ أو في المعنى كان في اللفظ أولى، لأن المعنى أعظم حرمة إذا اللفظ خدم المعنى، وإنما أتى باللفظ من أجله. ذكره ابن الصائغ في (تذكرته) وبنى عليه ترجيح زيادة (كان) في قوله: وجيرانٍلنا كانوا كرام. على القول بأنها تامّة، لأن المعنى حينئذ: وُجِدَ فيما مضى، وذلك معلوم فتصير الجملة حينئذ حشوا لا معنى له. إن الزخرف اللفظي والوشي الكلامي لم يكونا مقصودين لذاتيهما، بل يضمران عناية بالغة بالمعنى لما لهما من دور في جعل الكلام معربًا مخصصًا، وفي التأثير في السامع وجعله ينصاع لرغبات الخطاب الإقناعية. وخير مثال على ذلك الشاعر العربي الذي كان يجهد ذاته في انتقاء الكلمات الرقيقة لتكون مدخالً مشوّقًا لقصيدته، أو بالأحرى لموضوعه أو غرضه قصد استمالة القلوب، وشدّ الأذهان. يقول ابن جني: نعم، وفي قوله: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح من الفصاحة ما لا خفاء به. والأمر في هذا أسيْر، وأعرف وأشهر. فكأنّ العرب إنمّا تحيلّ ألفاظها وتدبجها وتشيها، وتزخرفها، عناية بالمعاني التي وراءها، وتوصُّالً بها إلى إدراك مطالبها، وقد قال رسول اهللّ صلى عليه وسلم: (إنّ من الشعر لحكما
وإن من البيان لسحرًا). فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم، التي جُعلت مصايد وأشراكًا للقلوب، وسببًا وسُلَّما إلى تحصيل المطلوب، عُرف بذلك أن الألفاظ خدَم للمعاني، والمخدوم - لاشك - أشرفُ من الخادم.
ولهذا لم تكن غاية النحويين إالّ كل شعر فيه إعراب كما يقول الجاحظ. الإعراب والتوجيه
يمكن اكتناه هذا التفاعل القوي بين اللفظ والمعنى، والوقوف على مدى اهتمام المتكلم العربي بالمعنى، حرصًا على بقاء الكلام معربًا، من خلال بعض الأمثلة التطبيقية؛ فإلحاق العرب مثالً لكلمة «حوقلت» بباب «دحرجت» على اعتبار التشابه في عدد الحروف والتوافق الحاصل من حيث الحركات والسكنات، ومن حيث السمت، وكذلك من حيث التشابه الحاصل في مصدر كلتا الكلمتين «الدحرجة والحوقلة» على اعتبار أن المصدر أصل الفعل، ليس إالّ صناعة لفظية، وإلحاقًا لكلمة بأخرى من حيث البناء على سبيل التوسع الذي كانت تعمد إليه العرب في محاوراتها وطرق كلامها. نجد المتكلم العربي يقدّم كذلك، ودومًا، حروفًا في أبينة الأفعال سماّها حروف المعاني أو حروف المضارعة، دلالة على من يقوم بالفعل، مثل الهمزة في «أفعل» والنون في «نفعل» والتاء في «تفعل» والياء في «يفعل»، واعتنى بها وجعلها بمنزلة عيون الأفعال تحصينًا لها في غالب الأمر، وحفاظًا عليها من الحذف، كل ذلك يعكس تمكّن المعنى في نفوس العرب وتقديمه على حساب اللفظ. يقول ابن جني: ويدلّك على تمكّن المعنى في أنفسهم وتقدّمه للّفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى في أول الكلمة، وذلك لقوة العناية به، فقدّموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكنّه عندهم.... أفلا ترى إلى حروف المعاني: كيف بابها التقدم، وإلى حروف الإلحاق والصناعة: كيف بابها التأخر. فلو لم يعرف سبق المعنى عندهم، وعلوّه في تصورهم، إالّ بتقدم دليله، وتأخّر دليل نقيضه، لكان مغنيًا من غيره كافيًا. وعلى هذا حشوا بحروف المعاني فحصّنوها بكونها حَشْوًا، وأمنوا عليها ما لا يؤمن على الأطراف، المعرضة للحذف والإجحاف.... فهذا يدلّك على ضنّهم بحروف المعاني، وشُحّهم عليها: حتى قدّموها عناية بها، أو وسّطوها تحصينًا لها. وحروف المعاني تدخل في علم الأدوات الذي نشأ في أحضان تفسير القرآن الكريم، حيث كان الخوض والتفصيل في المعاني العديدة والمختلفة للأداة الواحدة واردًا في النصوص القرآنية. وقد نما هذا العلم حتى استقل بخصائصه المتميزة. يقول الحسن بن قاسم المُرادي (ت 749 رابطًا بين فعل الكلام ومعاني حروفه ه):
فإنّه لما كانت مقاصد كلام العرب، على اختلاف صنوفه، مبينًا أكثرها على معاني حروفه، رصُِفت الهمم إلى تحصيلها، ومعرفة جملتها وتفصيلها، وهي مع قلتها، وتي الوقوف على جملتها، قد كثر دورها، وبعُد غورها، فعزَّت على الأذهان معانيها، وأبتِ الإذعان إالّ لمن يعانيها. والربط بين علامات الإعراب والمعاني، أي الإمساك بعروة المعنى والارتياح لصحة الإعراب، من المسائل التي تنبّه إليها النحاة المتقدمون، وتعرّضوا في مواضع كثيرة لبيانها، ولم يجدوا في كلام العرب وشعرها إالّ ما يجسّد المطابقة الكلية بين المعنى والإعراب، وإالّ ما الإعراب فيه مطابقة للمعنى، لأن الإعراب لا يفسد المعاني، وإذا كان من ذلك شيء فليس من كلام العرب. إن تقدير المتكلم العربي للكلمة، حرفًا كانت أو اسما أو فعالً في التركيب الواحد، في سبيل ضبط المعنى، ليس إالّ من باب الصناعة اللفظية التي تجوز هذا التقدير، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ما يطرأ على ذلك من تغير في الحال. أمّا من حيث الصناعة المعنوية، فالأمر مختلف، والمذهب مستصعب. لنقرأ المثالين التاليين: قام زيد. زيد قام. (زيد) في الجملة الأولى يسمّى فاعالً، وفي الجملة الثانية يسمّى مبتدأً، ولا يجوز لك أن تعتبره فاعالً على الرغم من أنه فاعل في المعنى حقيقة. فالمعنى واحد في الجملتين، هو قيام زيد، إالّ أن الصنعة اللفظية اقتضت اختلاف المحل، وبالتالي اختلاف الإعراب، وهكذا ترى سعة طريق اللفظ وضيق طريق المعنى، كما يقول ابن جني. وبذلك يقر ابن جنّي بأثر الإعراب في توجيه المعنى، وضرورة التوافق بينه وبين غرض المتكلم، وأن التباين في الإعراب ينجم عنه حتما تباين في المعنى. وخصص له بابًا سماّه « امتناع العرب في الكلام بما يجوز في القياس »، وضح فيه اهتمام العرب بالمعنى، فهو عندهم الغاية الأولى، لا اللفظ، والقول بالإعراب مجرّدًا. فقد انتفعت اللغة وأهلها بفوائد الإعراب الكثيرة التي لا يمكن الاستغناء عنها، وحُرمت منها اللغات المبنية. يتحدث الدكتور فاضل صالح السامرائي عن اختلاف المعاني باختلاف الإعراب، وعن الغرض من الإعراب الذي حصره في بعض الوجوه. يقول: وأهم هذه الأغراض هي: ١. الإبانة عن المعاني: ذلك أن الأصل في الإعراب، أن يكون للإبانة عن المعاني.... ٢. السعة في التعبير: وذلك أن يكون للمتكلم سعة في التقديم والتأخير، إذ إن الكلمة تحمل معها مركزها في الجملة بعلامتها الإعرابية.
ولم يكن اهتمام العرب بالألفاظ وتهذيبها إالّ لكونها البنى الموصلة إلى المعاني؛ فحسن هذه البنى رهين بسعة هذه المعاني، فهي لم تكن مقصودة لذاتها، وإنمّا الكشف عن المعنى هو القصد، وإلى هذا أشار ابن جني في الباب الذي سماّه « في الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى »، تقول الدكتورة منيرة العلولا: إن العناية بالإعراب والاهتمام به ليس مقصودًا لذاته، وإنمّا لأنه هو الطريق إلى المعاني الضابط لها، الكاشف عنها، وممّا يؤكد هذا المفهوم للإعراب عند النحاة الأئمة أن الإعراب إذا كان يوهم بمخالفة المعنى، تُرك الإعراب ومحُل على المعنى. لقد أعطى المتكلم العربي للإعراب مكانة بارزة في عملية التفسير، فهو موجود في ثنايا الكلام للتفريق بين الفاعلية والمفعولية والإضافة وغير ذلك. أمّا عندما يحصل اعتراض بين الإعراب والمعنى، نجد هذا المتكلم يلجأ إلى عملية التقدير، وتصحيح الإعراب حتى ينضبط المعنى ويحصل التطابق المنشود، وتلك عملية اعتبرها العلماء القدامى مسألة محفوفة بالمخاطر لما يترتب عنها من إسقاطات أو تأويلات قد تكون خاطئة، وينتج عنها الفهم الخاطئ للتركيب وفساد المعنى، ممّا يتناقض والبيان الذي هو من خصائص العرب، وصحة المعنى الذي تحرص اللغة العربية دومًا عليه، يقول ابن جني: ألا ترى إلى فرق ما بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى؛ فإذا مرّ بك شيء من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه، ولا تسترسل إليه؛ فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب على سَمْت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه، وإن كان تقدير الإعراب مخالفًا لتفسير المعنى تقبَّلت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصحَّحت طريق تقدير الإعراب، حتى لا يشذّ شيء منها عليك، وإيّاك أن تسترسل فتفسد ما تُؤْثر إصلاحه.ِ ومن الأبواب التي ألم 77ّبها كثيرًا أبو علي الفارسي (ت 3 ه) وأثارها ابن جني في خصائصه « تجاذب المعنى والإعراب للشيء الواحد »، فقد يحصل أن يتجاذب الإعرابُ والمعنى شيئًا واحدًا، وذلك بأن يكون في الكلام ما يجعل المعنى يطلب أمرًا، والإعراب مانعًا له، كما في قوله تعالى: ﴿ إنّه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرّائر ﴾، فالمعنى يقضي بتعلق الظرف (يوم) بالمصدر (رجعه) فنقول: إنه على رجعه في ذلك اليوم لقادر، لكن الإعراب يرفض ذلك بدعوى خرق القاعدة التي تنص على عدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله، أو بين الصلة والموصول الأجنبي. وفي قوله تعالى: ﴿لمقتُ الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذْ تُدْعون إلى الإيمان فتكفرون ﴾ المعنى يطلب تعلق (إذ) بالمقت، والإعراب يرفض ذلك ما دام هذا التعلق يعني الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. وفي قوله تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بُعثر ما في القبور. وحصّل ما في الصّدور. إن رهبّم بهم يومئذ لخبير ﴾
المعنى يقتضي عمل (لخبير) في (إذا)، والقاعدة تنص على أنه لا عمل لمتأخر في متقدم، فيحصل بذلك تجاذب بين المعنى والإعراب للشيء الواحد، الشيء الذي يدفع المتكلم العربي إلى عملية التقدير التي تصبح متنفسًّا وحيدًا لتقويم الإعراب حتى ينصاع للمعنى الذي ينبغي أن يبقى سليما، ويحصل التوافق المنشود بينهما، وهكذا نلاحظه يقدّر في الآية الأولى فعالً كعامل دلّ عليه المصدر، وفي الآية الثانية فعالً دلّ عليه (المقت). إن تجاذب المعنى والإعراب للأمر الواحد هو من الأبواب التي تطرّق إليها العلماء القدماء، والتي ينبغي الإلمام بها، والتلطف في النظر إليها، ما دامت تمس المنظوم والمنثور العربيين، وما دامت ملمحًا من الملامح الجوهرية التي يرتكز عليها التركيب العربي، فلا كلام من دون الإمساك بعروة المعنى، ولا كلام من دون تصحيح الإعراب، ولا كلام من دون تطابق وتفاعل سليم بينهما. يقول ابن جني: هذا موضع كان أبو علي - رحمه الله - يعتاده، ويُلمّ كثيرًا به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه. وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين: هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه. فمتى اعتورا كلامًا ما أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإعراب. وقد كان من تشبث المتكلم العربي بصحة الإعراب أن ظهر في الأدب العربي ما يُعرف بالأبيات المشكلة الإعراب، ويُقصد بها الأبيات الشعرية التي يوجد فيها إشكال يحتاج من القارئ إلى التأمل، وتُعرف هذه الأبيات كذلك بأبيات الألغاز والأحاجي نظرًا إلى ما تثيره من جدل إعرابي مكثّف بحسب المنطلقات المذهبية، والتوجهات الفكرية في سبيل حصانة المعنى وضبطه. وقد كان الفصحاء يغضّون الطرف عن الخطأ في العروض والقافية من دون التسامح مع من لا يحفل بزيغ الإعراب. يقول ابن جني. وأبيات الإعراب كثيرة، وليس على ذكرها وضعنا هذا الباب. ولكن اعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران: زَيْغ الإعراب، وقبح الزحاف، فإن الجفاة الفصحاء لا يحفِلون بقبح الزحاف إذا أدَّى إلى صحَّة الإعراب. إن الارتباط بين الإعراب والمعنى ارتباط جوهري وعميق، ينمّ عن اتصال القاعدة بالتطبيق في المنظومة الفكرية واللغوية عند الإنسان العربي، وعن ترابط العلاقات الإعرابية والمكونات اللغوية داخل التركيب العربي، وعن توافق الوظائف النحوية لهذه المكوّنات اللغوية والروابط المعنوية التي تعتبر أساس الأسلوب العربي، ومن دونها يصبح لغوًا لا فائدة ترجى منه، وأصواتًا تتنقل عبر الأثير، لا تعلق بها الأذهان، لأنه يخلو من أي مقصدية تلبّي الحاجة، أو أي دلالة حسنة ينتشي لها السامع. ويكفي أن تقرأ هذا الخبر الذي يكشف عن العلاقة الجدلية بين الإعراب والمعنى. يقول أبو القاسم الزجاجي عن أبي محمد القاسم بن محمد الأنباري:
لما أراد المتوكل أن يأمر باتخاذ المؤدّبين للمنتصر والمعتز جعل ذلك إلى إيتاخ، فأمر إيتاخّ كاتبه أن يتوىلّ ذلك،... فلما اجتمعوا قال لهما الكاتب: لو تذاكرتم وقفنا على موضعكم من العلم فاخترنا. فألقوا بيتًا لابن غلفاءذريني إنّما خطئي وصوبْي عليّ وإنّ ما أنفقت مال فقالوا: ارتفع (مالُ) ب (ما)، إذ كانت في موضع الذي. ثم سكتوا، فقال لهم أحمد بن عبيد من آخر الناس: هذا إعراب فما المعنى؟ فأحجم القومُ فقيل له: فما المعنى عندك؟ قال: أراد ما لومك إياي وإنما أنفقت مالا ولم أُنْفِقْ عِرضا، فالمالُ لا يلُام على إنفاقه.
خاتمة
نسجل في ختام هذا العمل ارتباط ظاهرة الإعراب بقطبي الإيضاح والإبانة، إيضاح الإشارات اللفظية والإبانة عن المواضعات اللغوية، بيانًا لحاجات المتكلم الظاهرة والباطنة، وفق الأصول والمعايير التي تحكم سنن التواصل اللغوي بين هذا المتكلم والسامع. كما نسجل تجدّر ظاهرة الإعراب في كيان اللغة الحيّة التي تجاوزت الثبات عند الأصول إلى استنطاق أسرار الكلام، بإرجاع الأصوات إلى علل وأسباب، وهي بذلك ترسّخ المعادلة العلمية القائمة على ثنائية اللغة المعربة والبناء الذهني. وقد كشف التفاعل اللغوي المعياري عن دور الأدوات والكلمات كبنى دالة من خلال العلاقات الإعرابية، وما ينجم عنها من وظائف نحوية، كما كشف الترابط العميق بين هذه العلاقات والبنى التركيبية عن استحالة الفصم بين ظاهرة الإعراب ومنشئ الكلام في إطار الخطاب الذي يقع به الإفهام من القائل والفهم من السامع. وتأدية الكلام لوظيفته التواصلية شديدة الارتباط بغرض المتكلم، وقد تحدثنا عن ذلك باعتباره حدًّا من حدود عديدة شكّلت في نظرنا النظرية العقلية للفهم والإفهام، على اعتبار أن التبينّ اللغوي لا يتبدى إالّ من خلال ثنائية المفردات اللغوية/المعنى اللغوي، والعلاقات التجاورية/المعنى التركيبي. وتبقى هذه الثنائية دالة على كلية اللغة التي تناقض نظرية إسقاط آلية الإعراب من خلال إسقاط المعنى المعجمي أو المقام، وإعلاء المعنى الوظيفي الذي يسقط في النمطية والصورية ويبعد بالمتكلم عن السعة كخصيصة جوهرية من خصائص اللغة. وقد استحضرنا البيان إلى جانب الإعراب، ودورهما في الكشف عن المعنى، وعلاقة ذلك بالبلاغة التي تستعين بالفصاحة في تحقيق الإبلاغ والتواصل. وعلى الرغم من ذلك، فقد أبان العمل عن اهتمام اللغويين والنقاد والبلاغيين وعلماء التفسير بذلك في نطاق التخصص بما يحقق الإفهام من المتكلم والفهم من السامع، وبما يخدم الخطاب.
وكل إهمال للتفاعل المتبادل بين المواضعات اللغوية والعلاقات التجاورية يسقط مرة أخرى في النمطية بما لا يخدم عملية الفهم والإفهام، وإجلاء جمالية المتتاليات التلفظية والتركيبية. وقد أبانت العلاقة الجدلية بين اللفظ والمعنى/الشكل والمضمون التفاعل الموجود بينهما، وعلاقة ذلك بظاهرة الإعراب التي فتحت أبوابًا نحوية على اختلاف المسمّيات عند أهل اللغة وفقهائها. وقد عمل النحاة على أساس المطابقة الكلية بين المعنى والإعراب من خلال آلية التوجيه، أي الإمساك بعروة المعنى والارتياح لصحة الإعراب. وتبقى في نظرنا ظاهرة الإعراب ظاهرة العربية بامتياز تحتاج إلى الاستنطاق، كما تحتاج إلى المساءلة والتوجيه نحو الاستغلال الذي يخدم هذه اللغة وآفاقها المستقبلية.
المراجع
ابن الأثير الكاتب، أبو الفتح ضياء الدين. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. قدم له وحققه وعلق عليه احمد الحوفي وبدوي طبانة. ط 2. القاهرة: دار نهضة مصر،.1973
ابن الأنباري، أبو البركات عبد الرحمن بن محمد. أسرار العربية. عني بتحقيقه محمد بهجة البيطار. دمشق: المجمع العلمي العربي،.1957
ابن جني، أبو الفتح عثمان. الخصائص. تحقيق محمد علي النجار. [د. م.]: المكتبة العلمية، [د. ت.].
ابن عصفور، أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد. المقرب. تحقيق أحمد عبد الستار الجواري وعبد الله الجبوري. بغداد: مطبعة العاني، 971.1 (احياء التراث الإسلامي؛ 3)
ابن عقيل، بهاء الدين عبد الله بن عبد الرحمن. شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ط 0.2 القاهرة: دار التراث،.1980
ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكريا. الصاحبي. تحقيق السيد أحمد صقر. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي،.1977
ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم. تأويل مشكل القرآن. شرح السيد أحمد صقر. ط.3 بيروت: دار الكتب العلمية،.1981
ابن هشام، أبو محمد عبد الله بن يوسف. مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب. حققه وخرج شواهده مازن المبارك ومحمد علي حمد الله؛ راجعه سعيد الافغاني. ط.5 بيروت: دار الفكر،.1979
ابن يعيش، أبو البقاء يعيش بن علي. شرح المفصل. 0 1 ج في 2 مج. بيروت: عالم الكتب، [د. ت.].
ابن يللبخت، أبو موسى عيسى بن عبد العزيز. شرح المقدمة الجزولية الكبير. درسه وحققه تركي بن سهو بن نزال العتيبي. 3 ج. ط.2 بيروت: مؤسسة الرسالة،.1994
الأشموني، أبو الحسن علي بن محمد. شرح الأشموني على ألفيه ابن مالك المسمى منهج السالك، إلى ألفيه ابن مالك. حققه محمد محي الدين عبد الحميد. 3 ج. القاهرة: دار الكتاب العربي،.1955
البغدادي، عبد القادر بن عمر. خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط.4 القاهرة: مكتبة الخانجي،.1997
الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. البيان والتبيين. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط 7. القاهرة: مكتبة الخانجي،.1998
جبل، محمد حسن حسن. دفاع عن القرآن الكريم: أصالة الإعراب ودلالته على المعاني في القرآن الكريم واللغة العربية. بسيون، غربية: البربري للطباعة الحديثة، [د. ت.].
الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن. دلائل الإعجاز. قراءة وتعليق محمود محمد شاكر. ط.3 القاهرة: مطبعة المدني،.1992
الحريري، أبو محمد القاسم بن علي. شرح ملحة الإعراب. تحقيق وتعليق بركات يوسف هبود. بيروت: المكتبة العصرية،.1997
حسان، تمام. البيان في روائع القرآن: دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني. القاهرة: عالم الكتب،.1993 ______. اللغة العربية: معناها ومبناها. الدار البيضاء، المغرب: دار الثقافة، [د. ت.].
______. مناهج البحث في اللغة. الدار البيضاء: دار الثقافة،.1979
الزجاجي، أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق. الإيضاح في علل النحو. تحقيق مازن المبارك. ط. 5 بيروت: دار النفائس،.1986
______. مجالس العلماء. تحقيق عبد السلام محمد هارون. ط.3 القاهرة: مكتبة الخانجي،.1999 الزركشي، أبو عبد الله محمد بن بهادر. البرهان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: المكتبة العصرية، [د. ت.].
الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر. المفصل في صنعة الإعراب. بيروت: دار ومكتبة الهلال، 993.1 السامرائي، فاضل صالح. معاني النحو. 4 ج. عمان، الأردن: دار الفكر للطباعة والنشر،.2000
سيف الدين الآمدي، علي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام. بيروت: دار الكتب العلمية،.1983 السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. الإتقان في علوم القرآن. تحقيق شعيب الأرنؤوط؛ عناية وتعليق مصطفى شيخ مصطفى. بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، 008 2.
______. الأشباه والنظائر في النحو. تحقيق عبد العال سالم مكرم. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1985 ______. المزهر في علوم اللغة وأنواعها. شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه محمد أحمد جاد المولى، علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: المكتبة العصرية،
الصبان، أبو العرفان محمد بن علي. حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك. حققه وضبطه وصححه وخرج شواهده إبراهيم شمس الدين. 4 ج. بيروت: دار الكتب العلمية،.1997
طبانة، بدوي أحمد. البيان العربي: دراسة في تطور الفكرة البلاغية عند العرب ومناهجها ومصادرها الكبرى. ط 5 مزيدة ومنقحة. بيروت: دار العودة،.1972
______. علم البيان: دراسة تاريخية فنية في أصول البلاغة العربية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، [د. ت.]. العلولا، منيرة بنت سليمان. الإعراب وأثره في ضبط المعنى: دراسة نحوية قرآنية. الإسكندرية، مصر: دار المعرفة،.1993
الفرزدق، أبو فراس همام بن غالب. شرح ديوان الفرزدق. ضبط معانيه وشروحه وأكملها ايليا الحاوي. 2 ج. بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1983
الكيشي، محمد بن أحمد بن عبد اللطيف. الإرشاد إلى علم الإعراب. تحقيق ودراسة عبد الله علي الحسيني البركاتي ومحسن سالم العميري. مكة المكرمة؛ الرياض: جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي،.1989
المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد. كتاب المقتضب. تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة. القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي،.1994
المُرادي، الحسن بن قاسم. الجنى الداني في حروف المعاني. تحقيق فخر الدين قباوة ومحمد نديم فاضل. ط.2 بيروت: دار الآفاق الجديدة،.1983
مصطفى، إبراهيم. إحياء النحو. ط.2 القاهرة: دار الكتاب الإسلامي،.1992
ياقوت، أحمد سليمان. ظاهرة الإعراب في النحو العربي وتطبيقاتها في القرآن الكريم. الإسكندرية، مصر: دار المعرفة
الجامعية،.1994