Return to Article Details Language and History: Which One is Betraying the Other?

اللغةُ والتّاريخ ... أيّهما يخون الآخر؟

Language and History: Which One is Betraying the Other?

رامي أبو شهاب

Rami Abu Shihab

الملخّص

مؤلف كتاب إمبراطوريات الكلمة نيقولاس أوستلر هو مؤسس جمعية اللغات المهدَّدة بالانقراض في العالم، ومستشار الحوسبة، وتكنولوجيا اللغات لدى المفوضية الأوروبية. وهو يهدف من كتابه إلى أن يكون تاريخًا للُّغات في العالم، ولا سيما اللغات الكبيرة اللغات كلها، من منظور أن اللغات كلها لها تاريخ، ولكن القليل منها موثَّق.

Abstract

The author of Empires of the Word, Nicholas Ostler is the founder of the Foundation for Endangered Languages and an IT and language technology consultant at the European Commission. In his book he aims for the world’s languages to have a history, not just the major languages, but all languages, from the perspective that all languages have a history, but few of them are documented.

الكلمات المفتاحية:
  • اللغة
  • التاريخ
  • الآخر
  • نيقولاس أوستلر
Keywords:
  • History
  • Other

الكتاب: إمبراطوريات الكلمة: تاريخ للغات في العالم الكاتب: نيقولاس أوستلر ترجمة: محمد توفيق البجيرمي مكان النشر: بيروت تاريخ النشر 2011: الناشر: دار الكتاب العربي عدد الصفحات 792:

مؤلف كتاب إمبراطوريات الكلمة نيقولاس أوستلر هو مؤسس جمعية اللغات المهدَّدة بالانقراض في العالم، ومستشار الحوسبة، وتكنولوجيا اللغات لدى المفوضية الأوروبية. وهو يهدف من كتابه إلى أن يكون تاريخًا للُّغات في العالم، ولا سيما اللغات الكبيرة ص (761)، لا اللغات كلها، من منظور أن اللغات كلها لها تاريخ، ولكن القليل منها موثَّق. فاللغات عامة تعكس قوة الأمم وهويتها، وكذلك

شخصيتها، ومدى ما تتميز به من قدرة على الابتكار؛ إذ إن لها تقاليد وأنماطًا سلوكية، أهمها ثنائية الحضور والتلاشي التي تعدّ إشكالية نتيجة الصراع بين اللغات، وما ينطوي عليه من أنساق الهيمنة التي تسبب لبعض اللغات انزياحات تعدّ جزءًا مركزيًا من أطروحة الكتاب الذي يرمي أوستلر من خلاله إلى الوقوف على الأنماط والآليات (الميكانيكيات) التي تحكم السلوك اللغوي في سياق مُقاربة تاريخية تحليلية.

الحضور والتلاشي

ينهض الكتاب على استقصاء اللغات التي تشكلت، ومن ثم نمت خارج الحدود (الأوطان) التي انبثقت منها، لتصبح لغات مُرتحلة في المكان والزمان، حيث كان النجاح حليف بعضها، بينما عرف معظمها الفشل. فلغات كالعربية والصّينيّة والإغريقيّة تمكنت من البقاء فتية، على الرّغم من جميع العوائق والصعوبات التي واجهتها، في حين أن هنالك لغات لم تتمكن من تجاوز حدودها الجغرافية، مع أن أصحابها اكتسحوا الأرض من مشرقها إلى مغربها، كما هي اللغة الألمانية في القرن الخامس الميلادي. وفي السّياق عينه، تأتي اللغة الهولندية في جزر الهند الشرقية، وأخيرًا اللاتينية التي لم تفلح في أن تكون حاضرة في الشرق الأوسط على الرغم من الوجود الروماني، في حين تلقفها سكان بلاد الغال والإسبان. إذن، هنالك أنماط سلوكية لارتحال اللغات، حضورها وتلاشيها، وهنا يبرز التاريخ أداة للتحليل، ولكن في سياقات متعددة. يتكون الكتاب من ثلاثة محاور، يتصدّرها قسم أولي، يعالج طبيعة تاريخ اللغات من خلال نظرة لغوية، تحكم التّأريخ الإنساني، وما يتعالق به من تقنيات القراءة والكتابة. وممّا يلُاحَظ أن المحور الأولحمل عنوان «اللغات على اليابسة»، في حين أن المحور الثانيحمل عنوان «اللغات في البحر»، بينما جاء المحور الثالثوالأخير بعنوان «اللغات اليوم أو غدًا». وهنا لا يخُفى على القارئ فعل الإحالة إلى اليابسة والبحر، فكلاهما يحمل قيمة مكانية، في حين جاء القسم الأخير في سياق زمني، من منطلق أن تاريخنا الحاضر لم يُنجز بعدُ، وبذلك، فهو لا يحمل سِمة مُنجزة، وتحديدًا عبر الإحالة إلى مركزية، أو إلى فلسفة ثقافية ما. هذا النهج يدفعنا إلى التساؤل عن الأسباب والدوافع التي جعلت أوستلر يرتضي هذا التقسيم، أو هذه المنهجية التي تنظر إلى بعض اللغات على أنها آتية من اليابسة، في مقابل أخرى آتية من البحر، في حين جعل بعض اللغات ترتهن لزمننا المعاصر في سياق الحضور والتّأثير! للإجابة عن التساؤل السابق، نلاحظ أن المؤلف يتّجه إلى البحث في اللغات التي جاءت من اليابسة، وهو هنا، ينطلق من فلسفة، أو منهجية ما، فيتداول الزمان والمكان، فالزمان يحيل إلى المكان الذي ابتدأت منه اللغة؛ فالسّبق التاريخي لتشكّل اللغة ونشوئها وتطوّرها يرتبط بارتحالها من المناطق الداخلية التي كانت منبع التّشكل الحضاري الأسبق الذي شهدته الأرض. وهنا تبدو منطقة الشرق الأوسط، أو الصحراء، مُفتتحًا أوليًا ومركزًا لنُشوء اللّغات. فاللغات الأكادية والسّومرية والفينيقية والآرامية والعربيّة تمثّل الدّائرة الأولىمن دوائر السّبق التاريخي الحضاري، ثم تليها الصّينية والمصرية والسّنسكريتية والإغريقية والرّومانية، وما تبعها من نشوء لغات أخرى، منها لغة الغال والكلتية والألمانية والسلّافية والفرنسية والإنكليزية، لتشكل مجتمعة الدائرة الثانية التي ابتدأت بانتهاء اللغة اللاتينية وما قام على أنقاضها من لغات، كالإنكليزية والفرنسية، وسائر اللّغات الأوروبية الحديثة، أي «اللّغات في البحر»، وهي شديدة الارتباط بنشوء الإمبراطوريات وتكونّها؛ فهذه اللّغات عبرت البحر لتُشكّل عوالم بوساطة الهيمنة العسكرية، ونموذجها الإنكليزية التي فرضت حضورها على مستعمرات العالم الجديد، بمحاذاة الإسبانية والفرنسية. وهكذا يتنبه أوستلر، ويتساءل في الوقت ذاته عن الحيوية الكامنة في اللّغات، وسلوكها العصي أحيانًا على التفسير، ولا سيما عوامل انتشار بعض اللغات

في العالم! في حين يفشل بعضها الآخر إلى درجة أنها قد تتحول إلى شبح! فاللغة صورة، وتعبير عن الحكاية الشخصية الحقيقية لشعب ما، وهو ما يفسر جانبًا من سلوكها (ص. 23)، أو ربما لا منطق يحكم مسار التاريخ البشري، بكل ما يحمله من تناقضات، الأمر الذي يجعل التّكهن بمستقبل اللغات أمرًا في غاية الصعوبة!

عالمية اللغة

يحيل الباحث عالمية اللغة وحضورها إلى عدد من العوامل، أبرزها العامل الكولونيالي الذي يعدّ مركزيًا في شيوع لغة ما وتحولّها إلى العالمية. وقد يصدق ذلك إبان فترة المدّ الكولونيالي، بيد أن هنالك عامالً آخر حيُاذي القيمة الكولونيالية، ويُقصد به الهجرات وما تحتمله معها من مهاجرين ينتقلون من مكان إلى آخر. ومع ذلك، فإن أوستلر لا يتعجل إقرار هذه الحقيقة، كون العامل السياسي يبقى هشًا على أهميته، ولا سيما حين نقارنه ببنية اللغة؛ فانتشار اللغة أمر طويل الأمد، ويحتاج إلى قرون وألفيّات للجزم بانتشار لغوي ما في منطقة ما. ومن أهم الأسباب الموجبة والمساعدة على ثبات اللغة وتمكّنها، ما يُطلِق عليه أوستلر « نموذج الفالّح»، ويعني به فعل الاتحاد الذي يجمع بين مجموعات بشرية (النمو العضوي)، فكل ما يمكن أن يطرأ من لغة مُرتحلة يتحقق بواسطة مجموعات أخرى يسمّيها أوستلر «نهج الصّياد». وهكذا، فإن فعل الهجرة يبدو منطقيًا لتفسير انتشار اللغة الإنكليزية في أميركا الشمالية، في حين أن حضور اللغة الإنكليزية في جنوب أفريقيا يمتثل لمفهوم آخر، يُطلَق عليه مصطلح «التّغلغل»، ويُقصد به حضور مجموعة صغيرة من البشر وقيامها بتشريب لغتهم لمجاميع بشرية أخرى. وهكذا نخرج بآليتين لتحديد مفهوم الإحلال اللغوي أو الانتشار، وهما: «الهجرة» و«التّغلغل».

الإمبراطوريات تصنع لغتها

يناقش أوستلر علاقة اللغات بالإمبراطوريات فيقول إن كلّ إمبراطورية تصنع لغتها؛ فاللاتينية من صنع الإمبراطورية الرومانية، والإنكليزية من صنع بريطانيا... وهكذا، يمكن القول إن اللغة العربية صنعتها الإمبراطورية الإسلامية. واللغة كما يرى أوستلر ترتبط برجال الدّين والسّاسة والبحارة، وهي تُبنى على الدّم والمال، والمعاناة، ومع ذلك، فإن هنالك نماذج تُبطل هذا الحكم، فقدرة اللغة على البقاء أو الانتشار بواسطة الإمبراطوريات لا يعوّل عليها، إذ هنالك نماذج لتلاشي لغات بعض الإمبراطوريات من الفضاء الجغرافي الذي حلّت به، كعدم قدرة الإمبراطورية الرومانية على دحر اللغة اليونانية، فضالً عن عدم قدرة غزوات الأتراك والمغول والناطقين بلغة «التّونغو» على إزاحة اللغة الصينية، وهذا ينسحب أيضًا على اللغة العربية التي فقدت حضورها في بلاد فارس بينما بقي فيها الإسلام. ولعل هذه الآراء والتّصورات تشي بصعوبة فهم ميكانيكية اللغة؛ فهنالك شيء ما غامض في التكوين العضوي والرّوحي للغة، وخصوصًا في فهم البقاء أو التلاشي في منطقة جغرافية. نلمس في منهجية أوستلر نزعة نحو قراءة تقويضيّة للنتائج؛ فالمؤلف ينزع عن كل نتيجة ما يثبتها، لينطلق من جديد في محاولة التفسير والبحث. وهنا تبدو منهجية أوستلر خاضعة لعدم الرغبة في خلق حقائق يُسلّمُ بها، إذ ينزع نحو التداولية في الطرح المنهجي، وهذا ما يمكن أن نلاحظه من مناقشاته التي ضمّنها في كتابه، وذلك بهدف الإبقاء على الدهشة جرّاء عدم القدرة على التكهن

بكيفية حضور اللغة وانتشارها. فعلى الرغم من كون القوة العسكرية والروحية (الدينية) عاملين من عوامل الانتشار اللغوي، يسوق لنا التاريخ نماذج للغات انتشرت من دون أن يدعمها حتى جندي واحد، ومنها اللغة الآرامية التي سيطرت على المناطق التي كانت تخضع للإمبراطورية الأشورية، ولغتها الأكادية، وكذلك فعلت اللغة السّنسكريتية. ومع الإقرار بوجود العامل الاقتصادي، ودوره في شُيوع اللغة الإنكليزية في زمننا هذا، فإننا لا نطمئن إلى هذه التصورات، ولا سيما حين نتأمل مسار التاريخ؛ إذ نرى عدم قدرة اللغة الفينيقية على إزاحة اللغة اليونانية على الرغم من هيمنة الأولى وتفوّقها في المجال التجاري، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. وهكذا، تبقى الحقائق والنتائج مُعلقة بناءً على منهجية الباحث التي ترجئ المقولة الأخيرة، لتتركها متاحة للتأويل والاجتهاد. يؤكد أوستلر في كتابه العلاقة بين اللغة والدّين؛ فهو يحيل بقاء بعض اللغات وانتشارها إلى ارتباطها بالعامل الرّوحي الدّيني، ونماذجه السّنسكريتية لغة الدّيانة الهندوسية، في حين كانت العبرانية لغة اليهودية، بينما كانت العربية لغة الإسلام. بيد أن ملاحظات أوستلر بشأن أثر الإسلام في اللغة العربية ذات أهمية، إذ يجعلها في مستويين: كمّي ونوعي، فالحضور اللغوي للعربية في منطقة شمال أفريقيا وآسيا الغربية، يعدّ نموذجًا للانتشار الكمي، في حين أن هذا الانتشار لم يحقق أي بُعد نوعي من حيث الحضور في منطقة المحيط الهندي التي تعامل معها المسلمون تجاريًا. فاللغة العربية في تلك المناطق اقتصرت على الشّعائر الدّينية، ولذلك يلجأ المؤلف إلى مقاربة تقارن بين التّوجهين الإسلامي والمسيحي في التّعامل مع اللغة. أمّا المسيحيون، فغير معنيين بأيّ لغة ينتشر الدّين المسيحي، وتعليل ذلك يعود إلى كون تعاليم المسيح وصلت إليهم مترجمة، وهذا ربما يفسر عدم الوقوف طويالً على هوية اللغة، في حين أن ارتباط اللغة العربية بالإسلام - يبدو من وجهة نظري – متعدد المستويات، فهو ارتباط عضوي وروحي ووظيفي، ومع ذلك، فإن محاولات تحليل عدم انتشار اللغة العربية في منطقة المحيط الهندي تبقى رهينة تفسيرات أوستلر التي يحيلها إلى عوامل ترتبط بالخصائص والسُلّالات اللغوية. تبدو عناية صاحب إمبراطوريات الكلمة بعوامل انتشار اللغات وميكانيكية الحضور والتلّاشي مهيمنة على وعي الكاتب؛ فالعوامل التي أتينا إلى ذكرها تبقى محاولات لتبرير الحضور اللغوي، لكنها تمثّل في جميع الأحوال منطلقات لا علاقة لها باللغة، إنما تأتي ممّا يحيط بها. وكي تبقى المقاربة ضمن السّعي العلمي لتفسير تكون اللغات، سعى أوستلر إلى استقصاء الخصائص اللغوية، كالأصوات والترتيب والنّظم النحوية والرصّفية والرتّكيبية التي تميزها، غير أن مؤشر النّهج هذا، وإن بدا منطقيًا عند التوجه إلى البحث عن الأسباب الدّاعية إلى تسهيل مهمة تعلم لغة ما، فإنه يبدو فاقدًا قيمته حين نبحث في التكوين البشري وعلاقته باللغة، فلكل إنسان - منذ الطفولة - جهازه الخاص القابل لتعلم أي لغة، بغضّ النظر عن بنيتها. وبناء على ذلك، حيُيل أوستلر إشكالية انتشار اللغة إلى عوامل اجتماعية لا إلى عوامل لغوية، وإن كنت أتفق مع هذا الرأي إلى حد ما، غير أن الخصائص التي تميّز لغة ما، علاوة على العامل الرّوحي والحضور الزمني، لا بد أن تمارس دورًا، ولا سيما عند تطبيق مبدأ الارتحال اللغوي القائم على الهجرات، أو التّغلغل بدافع سياسي أو اقتصادي أو ديني؛ فهذه الخصائص من شأنها أن تسهّل عملية انتشار لغة ما على حساب لغة أخرى.

ولعلّ في انتشار اللغة العربية في شمال أفريقيا والهلال الخصيب ما يؤكد ذلك، تبعًا للخصائص اللغوية والعامل الروحي والامتداد الزمني المؤثّر جرّاء الهجرات التي شهدتها المنطقة.

الشرق الأوسط مركز ابتكار اللغات

يناقش أوستلر في فصل حمل عنوان « الصحراء تزهر: الابتكار اللغوي في الشرق الأوسط» دور منطقة الشرق الأوسط في ابتكار لغات، كشفت عنها نصوص حملتها ألواح الطين النهري، إذ كانت دليالعلى أقدميّة الوجود اللغوي، وتحديدًا الخط المسماري الذي كان لغة الكتابة لستّ لغات هي: السّومرية والأكادية والعيلامية والحورية والأوراتية، والحثية (ص. 64). لذلك، يبحث أوستلر في طبيعة الشرق الأوسط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقدرتها على أن تكون مصدر اللغات. وفي تتبّع لافت للسلّالات اللغوية، يتوصل إلى أن ما يجمع بين اللغة الأكادية - أقدم اللغات - واللغة العربية اشتراكهما في الخصائص من حيث الحروف والأصوات والتّأنيث وتصريف الأسماء والنسب، بل إن فصائل اللغات السامية تحمل معها صلات قربى مع اللغات الأفرو- آسيوية، وبذلك نتوصل إلى المقدرة التي تتمتع بها اللغات السّاميّة من حيث الصمود والبقاء إلى يومنا هذا. ودليل ذلك التّعدادُ الرقمي؛ فمثالًالرقم «عشرة» في العربية كان في الآرامية «عسرا»، وفي الأكادية «إيشر»(ص 71)، وهذا ينسحب على نماذج أخرى عديدة. استكمااللتاريخ اللغات في منطقة الشرق الأوسط، يشير المؤلف إلى التحولات التي نتجت بفعل الهجرات والغزوات؛ إذ يورد ملحوظة مهمة تتعلق بقدرة اللغة العبرية على العودة، لتكون لغة دراجة في زمننا هذا، وتفسير ذلك أن العبرية اتسمت بحفاظها على التقاليد اللغوية، والوعي بها، غير أن مترجم الكتاب يتدخل لينعت هذه النتيجة التي توصل إليها أوستلر بالنّفاق للصهيونية، من منطلق أن اللغة العبرية لا تملتك تراثًا أدبيًا أو علميًا، باستثناء التراث الدّيني، وهذا مؤشر إلى ضَعف البنية الحضارية المؤثّرة، فالنصوص التراثية الأدبية هي النتاج الحضاري القادر على الإثبات الحضاري لشعب ما، على أرض ما. في سياق البحث في اللغات السّاميّة وتاريخها، نطالع اللغة العربية وارتباطها البنيوي بالإسلام، إذ كان هذا الارتباط سببًا في إحداث تحولّات في مسار اللغة العربية التي استطاعت أن تخترق الحدود، لتصل إلى أقاصي الأرض، شرقًا وغربًا. وهنا يتساءل أوستلر عن سر هذا الانتشار، إالّ أنه لا يجد تفسيرًا واضحًا، بيد أنّه يستعين بنظرية تقوم على فكرة وجود فراغ سياسي، خاصة في ظل تراخي النفوذين البيزنطي والفارسي بعد سلسلة من الحروب التي أرهقتهما. وهنا نلحظ أن الكاتب يتجاوز، أو يتجاهل، الباعث الروحي الذي يتمثّل في الإسلام، فالقيم الإنسانية التي حملها الإسلام كانت دافعًا لتبنّي هذا الدين ولغته. ولعل هذا الرأي لا يتسق مع أفكار أوستلر ومنظوره العلمي الدّنيوي لتفسير ظاهرة انتشار اللغة العربية انتشارًا كاسحًا، فهو يتجانف عن رؤية التفسير المنطقي والعلمي الذي يتأتى من وظيفة اللغة العربية؛ إذ كانت حاملةً لرسالة سماوية تمتلك مقومات عقلية وفكرية وروحية، تكفل لها انتشارًا يتعالى أو يتسق مع التفسيرات المنطقية والعلمية التي لم تتمكن من استيعاب قدرة اللغة العربية على اختراق الحدود في عقدين من الزمن، في حين أن الانتشار

يتطلب عقودًا وألفيّات كي يتحقق، بناءً على آراء بعض العلماء. وفي سياق تتبّع عوامل انتشار اللغة العربية، يحيل أوستلر إلى القدرات البلاغية للعربية، ونموذجها عبارة «لا إله إالّ الله محمد رسول الله»، ولا سيما ما تنطوي عليه من تجريد. يضاف إلى ما سبق المنهجية العلمية التي جرى فيها تدوين الأحاديث النبوية، إذ اتخذت هذه العلمية طابعًا مقدسًا، ولهذا نعت أوستلر هذا التوجه وهذا النّتاج بالمجموعة المغلقة أو «الكنز العظيم»، ناهيك بأن اللغة العربية هي لغة الصلاة والعبادة، وبذلك ترسخت العربية وانتشرت نتيجة لوظيفتها الروحية. غير أن أوستلر يشير كذلك إلى ما اتخذه عبد الملك من مروان من قرارات تتصل بحظر استخدام اللغة اليونانية في شؤون الإدارة، ولكن هذه العملية جرت بالتّدريج، لتصل إلى ذروتها في القرن الثامن الهجري، حين بدأت العربية تحلّ محل اليونانية (50 ص.)1 ما سبق يأتي بالتّجاور مع الحملات العسكرية (أو الفتوحات) التي خاضها العرب والمسلمون، وتمخضت عن إزاحة الإمبراطوريتين، البيزنطية والسّاسانية، وهو ما جعل اللغة العربية ترتحل إلى المناطق الجديدة. على الرغم من هذا الانتشار للعربية في شمال أفريقيا وبعض المناطق الداخلية، فضالعن انتشارها في غرب آسيا، وما أحدثته الأبجدية العربية من آثار على بعض اللغات الأخرى، يرى أوستلر أن اللغة العربية بدأت تفقد بعض مناطق نفوذها وتشهد شيئًا من التراجع في منطقتين مهمتين هما بلاد فارس وإسبانيا (الأندلس)؛ فمع الحضور التاريخي العميق في تلك المناطق، وانتشار العربية فيها، لم تتمكن من البقاء والاستمرار نتيجة بعض العوامل التي تتحدد بالخمول الثقافي في بلاد فارس، بالإضافة إلى الإجراءات العثمانية المقاومة، في حين أن تحييد اللغة العربية في الأندلس تحقق عبر إجراءات سياسية صارمة، كما فعل كل من شارل الخامس وفيليب الثاني عبر إصدار مراسيم تمنع التحدث باللغة العربية (ص. 155) ضمن سياق حضور اللغة العربية، ومع إقرار أوستلر بحقيقة انتشارها من منطلق ديني، كونها اللغة المقدسة، فإنها لم تتمكن من فرض نفسها كلغة عامية دارجة، ولا سيما في المناطق التي وصلت إليها. وهنا نتوجه إلى التساؤلات العميقة التي يطرحها أوستلر بشأن البعد التّاريخي للغة العربية، بمعزل عن الإسلام؛ فالعرب كانوا من أصحاب النشاط التجاري المميز، وخصوصًا عبر البحر، واللغة العربية كانت مسموعة في جميع الموانئ على طول ساحل المحيط الهندي (ص 601)، وهو ما استوجب أثرًا لغويًا، ولو من باب المصطلحات التجارية. ولعل ذلك يبدو جليًّا في اللغة السّواحلية، وقد عاينتُ ذلك شخصيًا في مدينة مومْباسا الكينية؛ إذ عربّ بعض السّكان المحليين عن اعتزازهم بأثر اللغة العربية في اللغة السّواحلية، بل تُعدّ العربية أحد مكوّنات اللغة السّواحلية الرئيسة، وهذا ينسحب - في ظني - على لغات أخرى اتصلت باللغة العربية من خلال النشاط التجاري.

اللغات العشرون الأولى

يسعى الكاتب إلى اختبار مقاربة اللغات في زمننا المعاصر من منطلقات محددة، أهمها قوة انتشار اللغات من منظور كمّي، أي من حيث عدد مستعملي تلك اللغات كلغة أولى، أو كلغة ثانية، وذلك يعني أصحاب اللغة الأصليين، ومن ثم الذين اكتسبوا اللغة. لذلك يضع صاحب إمبراطوريات الكلمة قائمة باللغات العشرين

الأولى (أو الأكثر انتشارًا) في العالم، ومعظمها ذات جذور تعود إلى مناطق جنوب آسيا أو أوروبا، في حين لا يوجد أي لغة من الأميركيتين، أو أفريقيا. وعلى ما يبدو، فإن الباحث يتجاهل اللغة العربية، إذ يشير في الهامش إلى أن اللغة العربية المصرية - التي تُعَدّ أفريقية - لا يسمح عدد المتكلمين بها من إدراجها في عداد اللغات العشرين، وعلى ما يبدو، فإن هنالك مغالطات منهجية، تتمثل في تجاهل أوستلر للغة العربية، وهذا دفع مترجم الكتاب الدكتور محمد البجيرمي إلى التعليق على ذلك، وتحديدًا على جزئية رد اللغة العربية المصرية إلى أصول أفريقية، في حين أنها من الجزيرة العربية والهلال الخصيب. ونضيف كذلك ما قام به أوستلر من تجاهل لعدد متكلمي اللغة العربية الذين يبلغ تعدادهم أكثر من 004 مليون نسمة، فأوستلر يستبعد العربية، كونها لا تخضع لمعايير تقييم قدرة العربية على تحقيق الفهم المتبادل بسبب تعدد لهجاتها، لذلك فضّل على أن ينظر لها على أنها لغات منفصلة حيث إن مجموع متحدثي العربية الفصحى هو 001 مليون نسمة، وكي تحتل اللغة العربية مكانة بين اللغات العشرين، يجب أن يتوحد استخدام اللغة العربية الفصحى، ولا سيما بين النّخب التي يصل عدد المتكلمين بها إلى 052 ملايين نسمة، وهذا يؤهلها لأن تحلّ في المرتبة السابعة عالميًا (ص. 716). إن أوستلر يتحيف بمنهجيته اللغة العربية ومكانتها، فهو يجانب الصواب ويتجانف عنه، وذلك يعود إلى سببين: أوالتجاهله أعداد متكلمي اللغة العربية كلغة ثانية؛ ثانيًا أن اللغة العربية، من منطلق تواصلي، تبدو فاعلة على الرّغم من تعدد لهجاتها. ومع الإقرار بوجود صعوبة نسبية في تحقق الفهم الكيلّ، أو الشامل، نتيجة اللهجات، فإن هنالك لغة مشتركة وسيطة بين متكلمي العربية ولهجاتها، فمهما يكن الانحراف المعياري لأي لهجة عن العربية الفصحى، فهو لا يقف عائقًا حقيقيًا للحؤول دون الفهم بين مواطن عربي من أقصى الخليج ومواطن عربي آخر في مراكش، فضالً عن أن اللغة العربية حاضرة بقوة، فهي لغة النّخب ولغة التّعليم والإعلام في معظم المناطق العربية. وبهذا، فإن المعايير تبدو متحققة، كون اللهجات لا تعيق التّواصل. إن منظور أوستلر القائم على استبعاد اللغة العربية غير مبرر، أو هو قلق، فاللغة العربية تشهد نموًا مطردًا في عدد المتكلمين بها تبعًا للعامل الديموغرافي، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية ودينية وثقافية أشار المؤلف إليها في ثنايا كتابه.

اللغات والنمو والانتشار

يميّز أوستلر بين نوعين من اللغات من حيث النمو والانتشار؛ فهنالك اللغات التي نمت عضويًا (الزيادة السكانية)، ونموذجه اللغة الصينية، في حين أن هنالك اللغات التي نمت عبر الاندماج والاكتساب (الغزو)، وتمثّله بامتياز كلٌّ من الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية. وخارج هذين الإطارين وهاتين الآليتين، لا يمكن أن نعزو أي نمو لغوي، طبعًا باستثناء العربية والتركية. وإذا كان انتشار لغة ما جرّاء الاكتساب مبررًا، لأن العامل الكولونيالي كان النمط المهيمن والمسيطر في ارتحال اللغات، فإن الانتشار جرّاء النمو العضوي، ونموذجه اللغة الصينية (الماندارين)، يحتاج إلى تفسير علمي، ويتحدد بالطبيعة الاقتصادية؛ فكثيرون من سكان مناطق لغة الماندارين كانوا يعيشون على إنتاج محاصيل الأرز الذي سمح بإعالة مجموعات بشرية كبيرة، بالإضافة إلى أن أغلب

لغات تلك المنطقة كانت خاضعة لسلطات سياسية مركزية، وهذا ممّا حدّ من انتشارها خارج المحيط الجغرافي الذي نشأت فيه. وفي سياق البحث عن العوامل والأسباب التي تتحكم في نمو لغة ما وانتشارها، نواجه العامل السكاني الذي يتحدد بأثر معدلات الخصوبة في زيادة نمو عدد متكلمي لغة ما، أو أثر الكوارث الطبيعية في تغير النّسب المهيمنة. ولهذا، تبدو اللغة الصّينية مهيأة للصدارة من حيث النمو بالتّجاور مع الهندية، والبنجابية والبنغالية، فضالً عن العربية التي يقرّ الباحث في هذا الموقع بحضورها، إذ يمكن أن تحتل المرتبة الخامسة خلال السنوات الخمسين المقبلة. تعدّ الإنكليزية، والإسبانية بصورة أخص، مؤهلتين للنمو عضويًا. ومع ذلك، فإن الأثر الثقافي لكليهما يشي بشيء من الاضطراب من حيث كيفية التعاطي ومتابعة النمو اللغوي، فالنمو العضوي لا يعوّل عليه إذا ما ارتبط بالنفوذ الثقافي والاقتصادي والعسكري. وبهذا، فإن التكهن بمستقبلهما يبدو قلقًا، خاصة أن مستقبل اللغات يتحدد بعدد من العوامل الحاسمة، منها الهجرات والعامل الاقتصادي أو التجاري والتبشير الديني والتكنولوجيا، فواقع اللغة الإنكليزية ومستقبلها رهيني عدد من التّحولات والعناصر، فهذه اللغة - كما نعلم- نشأت وتوسّعت بفضل الآلة الاستعمارية، وما تبع ذلك من تطورات تقنية عمّقت انتشارها الهائل. هذا الصّدى يوازي ما كان للغة اللاتينية التي كانت لغة الفكر والثقافة لأكثر من ألف عام، غير أن التاريخ كان كفيالً بجعلها تتلاشى وتموت. فهل تشهد الإنكليزية هذا المصير، ولو من باب تضاؤل شيوعها وانتشارها في أنحاء العالم؟ يرى أوستلر ثلاث دعائم تمنع سقوط الإنكليزية، وهي: السكان والموقع والنفوذ (ص. 737)، وهذه مؤشرات إلى ما تختزنه الإنكليزية من مجاميع الناطقين بها كلغة ثانية، إذ وصل عددهم إلى ثلاثة أرباع المليار، بالإضافة إلى ما تتمتع به من نفوذ ومكانة جعلاها تتصدر اختيارات التّعلم لدى العديد من سكان المعمورة. إذن، فاللغة الإنكليزية ترتبط بعوامل ثقافية وتقنية واقتصادية، بينما العامل الروحي غير مؤثّر، كونه يرتبط بالمحلي، وهو ما يحول دون أن يكون فاعالً؛ فالإنكليزية ترتبط بالمال والنفوذ، وهذا يجعلها قابلة لأن تبقى وتتسع، والنظرية الجديدة ترى أن معظم العالم يتجه إلى أن يكون ثنائي اللغة، والإنكليزية هي الخيار الأمثل. ومع كل ما سبق، فإن هنالك عوامل ما زالت تهدد انتشار اللغة الإنكليزية، ومنها القوا ين التي تسنّها بعض الدول لمواجهة التّغول الإنكليزي، بالإضافة إلى عامل داخلي يتمثل في أن تعيد الإنكليزية إنتاج نفسها، كما فعلت اللاتينية، وبذلك يمكن أن تتحول إلى لغات خلال قرون. يُضاف إلى ما سبق العاملُ الديموغرافي، إذ ما زالت بعض اللغات تشهد نموًا مطّردًا جرّاء ارتفاع المواليد؛ ففي حلول سنة 0502، ستكون لغات كالإنكليزية والأوردية الهندية والإسبانية والعربية على قدم المساواة مع تقدم الصّينية على الجميع بضعفين ونصف الضعف (ص. 742). أمّا من ناحية الفئات السكانية، فإن الإنكليزية والصينية سوف تصبحان لغة الكبار في السن، في حين أن العربية ستكون لغة الشباب، بينما ستكون الإسبانية والهندية للفئة المتوسطة. يرى أوستلر أن العامل التجاري يمثّل دورًا حاسما في انتشار اللغة وحضورها، ولكن لا يمكن الثقة بمنطق الربح والخسارة الذي يجعل من اللغة ضحية تحولّات رأس المال. فرجال الأعمال لا يمتازون

بهذا البُعد العاطفي، إذ سرعان ما ينحون نحو تبنّي لغات أخرى، تبعًا لحركة رؤوس الأموال، في حين أن العامل العلمي يشي بعدم الاطمئنان، فهنالك نزعات لا يمكن التكهّن بها، خاصة في ما يرتبط بالمؤسسة الثقافية التي تحكمها السلطة، ذلك أن تعارض بين النخب المثقفة والسلطة ربما يدفع المؤسسة الثقافية إلى تجهيل العامة، فضالً عن تحوّل مناطق القوى الثقافية؛ فأميركا تُعدّ الآن مصدر الإشعاع الثقافي، ولكن هنالك مراكز أخرى يمكن أن تنشأ وتهدد هذا التفوق، ونماذجها منطقتا الصين والشرق الأوسط، والمنطقة الأخيرة تمتلك الكثير من المقومات، أبرزها توافر مجموعات سكانية آخذة بالنمو ديموغرافيًا، وهي ترتبط برابط الدين، فضالً عن توافر عامل عدم الإنصاف في توزيع الدخل، وبذلك فهي قضايا محورية تشترك بها تلك المجاميع البشرية لتكون مركزًا للانطلاق. يتنبأ أوستلر بأن تصبح الصّينية والعربية لغتين عالميتين، مع وجود كل ما يدعم هذه النظرية. ففي ملحوظة مهمة بشأن اللغة العربية وما يحيط بها من عامل روحي يبدو، من وجهة نظر الكاتب، عالي القيمة وشديد التأثر، فإن هذه اللغة لا تمتلك جزءًا كبيرًا من عوامل الانتشار التي سبق ذكرها، إالّ أنها تمتلك حالة وجدانية تجعلها مقاوِمة للتلّاشي، فهي لغة دينية يختزنها المؤمنون ويتخذونها كنزًا لهم، إالّ أن ذلك لا يمنع من وجود مفاجآت تتسبب بتحولات، منها انتقال مجاميع بشرية إلى مناطق ذات مردود اقتصادي بسبب اكتشاف ما، أو وباء ما، أو نتيجة قرار سياسي ينصّ على إحلال لغة ما على حساب لغة أخرى. كل ما سبق ربما يتسبب في تلاشي حضارات وثقافات بأكملها، وهو ما يدفع إلى اختلال في الانتشار اللغوي، وهذا ما ينطبق على جميع لغات العالم.

ما الذي يجعل لغة ما قابلة للتعلم؟

يرى أوستلر أن أي لغة قابلة لأن تتعلم ضمن ثلاثة أنماط، أولا: التعلم من خلال المحيط، عبر وجود بيئة مستقرة؛ ثانيًا: يمكن تعلّم لغة جديدة في غياب البيئة المستقرة، وهو ما ينتج لغة مُهجَّنة تتأتى من اللغة التي يعرفها الكبار، بالتوازي مع اللغة الطارئة؛ ثالثًا: تعلّم اللغة عن طريق الوعي، أي اكتساب لغة ثانية. وهنا نلاحظ أن النمطين الأخيرين لا يعتمدان على الخصائص اللغوية، فالطفل قادر على تعلم أي لغة مهما تكن، ومع ذلك، هنالك إشكالية، ولاسيما حين تنشأ لغة في أقاليم جديدة، فالمتعلم سوف يبقى محتفظًا بشيء من اللغة الأصلية، وهي «الطبقة التّحتية» التي يمكن أن تفرض قيدًا على أي لغة يمكن تعلمها، الأمر الذي يدفع إلى تشكيل نسخة جديدة من اللغة، أو رفض اللغة. وهنالك نموذج لافت لكيفية تشكّل اللغة تبعًا للعوامل التركيبية، فاللغة العربية استطاعت أن تبقى وتستقر في المناطق الأفرو- آسيوية تبعًا للعلاقة التي تجمع لغات تلك المناطق مع اللغة العربية، ونموذجها الأبرز اللغة الآرامية في العراق وسورية، حيث كانت العربية أقوى حضورًا، في حين كان حضورها بطيئًا ومتدرجًا في منطقة شمال أفريقيا، حيث كانت اللغتان المصرية (القبطية) والبربرية، في حين لم يُكتب للعربية البقاء في الأندلس وبلاد فارس باستثناء الاقتصار على الاستعمال الديني. ولعل السبب يعود، كما يحلل أوستلر، إلى وجود طبقة تحتية (الهندية – الأوروبية) التي حالت دون تقبّل اللغة الجديدة، وهذا النسق ينطبق على التركية ذات التركيب المخالف للغة العربية، وهو

ما حال دون انتشارها في الأراضي الناطقة باللغة الرتّكية. يتوصل أوستلر في ما يتعلق بتصور مسارات اللغة إلى أن اللغات تتعالى على كل القوى التي تحيط بها وتتحكم فيها، ولاسيما العاملين العسكري والتجاري، طارحًا نماذج عدة من التاريخ. فاللغة تتأكد وتوجد من خلال قيم مجتمع إنساني، ولها طابعها الخاص، حيث تتأثر بالمجتمع الذي تنشأ فيه، لذلك تقوم النصوص الأدبية والطقوس بترجمة هذه الطبيعة الخاصة، فلكل لغة نكهة خاصة، حيث إن العربية تتسم بنزعتها نحو التقشف والكبرياء والمساواة، في حين أن الصّينية والمصرية تتسمان باحترام الذات، وتتسم السنسكريتية بالثقة بالنفس، بينما العقلانية تميز الفرنسية، والتجارية سمة للإنكليزية (ص. 759). في الختام، يشير أوستلر إلى ما يتهدد اللغات من مخاطر، فهنالك أكثر من نصف لغات العالم مهددة بالتلاشي والانقراض، ولا سيما في ظل عصر التّقدم العلمي؛ إذ إن التفاعل الثقافي الحديث يقتصر على عدد قليل من اللغات، ولذلك فهو يحذر من كارثة إذا لم يبق في الخمسمئة سنة المقبلة من لغة سوى الإنكليزية. وبذلك، فإن أحد المجتمعات اللغوية يملك أكثر من حصته العادلة من المعرفة، لكن يجب أن نتنبه إلى «أن اللغات المختلفة تحمي ثقافات مختلفة حيث يمكن اكتشاف طرق مختلفة للمعرفة الإنسانية»، كما قال أوستلر (761).