Return to Article Details History Knowledge in the West-Philosophical, Scientific and Literary Approaches of History by Qais Madi Ferro

المعرفة التاريخية في الغرب-مقاربة فلسفية و علمية و أدبية.

History Knowledge in the West-Philosophical, Scientific and Literary Approaches of History by Qais Madi Ferro

وليد نويهض

Walid Noueihed

الملخّص

ما هو التاريخ؟ لا شك أن الإجابة مهمة شاقة حاول الباحث قيس ماضي فِرّو في هذا الكتاب فك رموزها وتوضيح معالم شيفراتها؛ فقد استعرض على امتداد أربعة فصول المناهج والمدارس والأدوات التي تطرّقت إلى هذا الحقل المعرفي المتداخل في سياقاته الزمنية، نظرًا إلى كون التاريخ فكرة تجمع بين الوقائع الجارية والحوادث التي مضت وما عادت من الحاضر ومنهج يجمع المعلومات ويعيد ترتيبها في صور متخيّلة لبناء سردية توصف ما جرى في زمن غاب عن حاضر الإنسان.

Abstract

What is history? A question undoubtedly arduous to answer, but the task of solving and explicating it is undertaken by researcher Qais Madi Ferro in this book. Over four chapters, he reviews the methods, schools, and tools that have dealt with this field of knowledge, which covers many contexts and times, given the fact that history in an idea that combines current reality and events in the past, and a method that combines facts and reorders then in imagined images to construct a narrative that describes what happened at a time absent from the human present.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ
  • الحاضر
  • المعرفة
Keywords:
  • History
  • Present
  • Knowledge

الكتاب: المعرفة التاريخية في الغرب – مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية

الكاتب: قيس ماضي فِرّو مكان النشر: بيروت تاريخ النشر: 2013 الناشر

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

عدد الصفحات: 139

ما هو التاريخ؟ لا شك أن الإجابة مهمة شاقة حاول الباحث قيس ماضي فِرّو في هذا الكتاب فك رموزها وتوضيح معالم شيفراتها؛ فقد استعرض على امتداد أربعة فصول المناهج والمدارس والأدوات التي تطرّقت إلى هذا الحقل المعرفي المتداخل في سياقاته الزمنية، نظرًا إلى كون التاريخ فكرة تجمع بين الوقائع الجارية والحوادث التي مضت وما عادت من الحاضر ومنهج يجمع المعلومات ويعيد ترتيبها في صور متخيّلة لبناء سردية توصف ما جرى في زمن غاب عن حاضر الإنسان. وبعد مخاض عسير من الشرح والتوضيح، توصل فِرّو إلى خاتمة مفتوحة حين ينتهي إلى القول: «لا نستطيع التنبؤ بمستقبل الكتابة التاريخية في العقود القادمة، كل ما نستطيع قوله هو أن المعرفة التاريخية سوف تبقى واحدة من المعارف التي تساعدنا في تقويم تطور معارفنا الأخرى في الفلسفة والعلم والأدب» (ص. 291) تؤكّد هذه النتيجة المفتوحة على احتمالات صعوبة التوصل إلى تعريف نهائي لسؤال إدوارد كار (982-18921) «ما هو التاريخ؟».

إذن، هناك معضلة معرفية مستعصية على الحل، وذلك بسبب تدخّل المؤرّخ في سرد الوقائع، مستخدمًا أدوات الحاضر في وصف الماضي. وهذه المعضلة الناجمة عن دمج الآفاق الزمنية ومد الجسور لربط الماضي بالحاضر دفعت الفيلسوف فردريك نيتشه (1844 - 9001) إلى التشكيك في وجود حقائق تاريخية مطلقة حين قال «لا يوجد حقائق قائمة بنفسها» (ص.924) تشكيك نيتشه في عدم وجود حقيقة تاريخية أعاد النقاش إلى معرفة حقيقة النص التاريخي؛ فهل النص المكتوب رواية، حكاية، تصورات، تخيلات سردية، تأويلات تفترض نظريًا حصول ما حصل أم جاء من ذاكرة مؤرّخ قرأ الزمن بحسب ما توافر من معلومات جزئية وروايات شفهية متوارثة أو محفورة في الأصنام والأحجار، أو مهملة في أوراق مبعثرة، أو مرتّبة في سجلات وأرشيفات. ليس في مقدور المؤرّخ «أن يلغي نفسه ولا أفقه كي يصل مباشرة إلى فترة بحثه، ولهذا لا يستطيع أن يكتب تاريخًا من منظار أبناء فترة بحثه» (ص. 58). وبسبب هذا الارتباط بين حاضر المؤرخ وماضي الحوادث، تحول النص إلى حقيقة/ رمزية تشتمل على معرفة نسبية لا يمكن الأخذ بها من دون سجال مفتوح على فرضيات نظرية تحاول أن تقارب الوقائع من منظار مختلف. وإدراك الزمن هو إذن «نفخ للعقل» كما كان يقول القديس أوغسطين (0-35443)، وهو لا يمكن إدراكه كما حصل في التاريخ، لأن التاريخ، كما وصفه بنيديتو كروتشه (952-18661)، هو في الواقع «تاريخ معاصر» (ص. 72) ولا يمكن العودة بالحاضر إلى الماضي إالّ في سياق سردي أو تأويلي يُسقط المؤرخ أفكاره على عالم افتراضي ومجهول المعالم. لذلك شكك الفيلسوف جاك دريدا (1930 - 0042) بموضوعية المعرفة (ص. 83) لأن الفكر كما يقول المؤرخ الفيلسوف جامباتيستا فيكو (744-16681) نابع «من بيئة ثقافية متغيرة عبر التاريخ» (ص. 42). لقد أثار التشكيك، أو تفكيك موضوعية المعرفة، أسئلة فلسفية بشأن الحقائق التاريخية، فطرح سؤال ماذا حدث؟ ففتح الباب أمام السرد، وطرح سؤال لماذا حدث؟ ففتح الباب للتفسير، وسؤال كيف حدث؟ ففتح باب التأويل، وسؤال أين حدث؟ ففتح الباب أمام الجغرافيا (المكان) وعلاقة المكان بالزمان. هذه الأسئلة كلها طرحت شبكة من المعاني والدلالات والرموز، فأصبح الماضي مجرد نص مفتوح على الحاضر، فتأسّست بموجبه الأدوات والمناهج والمفردات والمدارس التي حاولت مقاربة الزمن من خلال الربط بين المخيلة (الصورة) والذاكرة كما أشار برتراند راسل (970-18721) إلى ذلك (ص. 31).

المعرفة والتاريخ

هذه الأسئلة المعرفية (الفلسفية) المتصلة بالتاريخ، حاول فِرّو دراستها كلها انطلاقًا من تحليل النص، فعالج الفصل الأولحدود المعرفة التاريخية من خلال عرض آراء فلاسفة التاريخ في مفهومهم لحوادث الماضي، وخلص إلى نتيجة تجسّدت في موقفين، الأوليعتقد أن في استطاعة المؤرّخين بناء حوادث الماضي من جديد عبر القرائن التاريخية الموجودة في المصادر، والثاني يؤمن بأن الحوادث المبنية على قرائن وعلى سردية المؤرخ لا يمكن مطابقتها مع الحوادث كما حصلت (ص. 97). وأدى الاختلاف إلى إنتاج مدرستين فلسفيتين، الأولىوضعية – واقعية تؤمن بالوصول إلى معرفة حوادث الماضي، والثانية مشكّكة – نسبية لا تؤمن بالوصول إلى معرفة تاريخية موضوعية بل إلى معرفة نسبية لها علاقة بحاضر المؤرخين المتغير دائما (ص. 97).

وحاول الفصل الثانيمن الكتاب أن يقارب الأجوبة من منظار مؤرخين وفلاسفة تاريخ انبروا للدفاع عن التاريخ الحرفيّأمام هجمات تيار ما بعد الحداثة، محاوالً إبراز «النقاشات التي صاحبت هذه المحاولات» (ص 71 1). واجتّه الفصل الثالث إلى عرض تعامل المؤرخين وفلاسفة التاريخ مع الحوادث والسياقات والمسارات التاريخية وتحليلها، متوخيًا معرفة طبيعة الكتابة التاريخية كما تظهر في الأعمال التاريخية (ص. 71)1 فالفصل الثالث يتناول القضايا المنهجية المتعلقة بالسياقات الاجتماعية والثقافية، ويعرض المنظور الذي تعاملت به مدارس التاريخ الاجتماعي – الثقافي مع الأسئلة المتعلقة بالمعرفة التاريخية (ص. 51)، وذلك من خلال المقارنة بين المواد الخام التاريخية كما تظهر في بقايا الماضي المكتوبة، والكتابة التاريخية التي تعتمد على هذه المواد في بناء منتجات تاريخية جاهزة لاستهلاك القراء، آخذًا في الاعتبار أن المواد الخام تشمل أيضًا بقايا أركيولوجية غير مكتوبة (ص. 71)1 وينتهي الكتاب في الفصل الرابعالذي يجيب عن كثير من الأسئلة، معتمدًا على تحليل عناصر السردية التاريخية في اعتبار أسلوب السرد هو الغالب في الأعمال التاريخية (ص. 51)، وهو أمر أعاد الاعتبار إلى منهج السردية التاريخية (المنحى السردي) منذ سنة 9801 وتجديد التمسك بقواعد الكتابة التاريخية المعتمدة على الملاحظة والتجربة والبديهية لا على نظريات الحتمية الاقتصادية والبنيوية الاجتماعية (ص.723) لكي تصل «المعرفة التاريخية في الغرب» إلى محطة عودة المنحنى السردي للوقائع، كان لا بد لها من أن تدخل في منازعات فلسفية أخذت تتفرع إلى مناهج وأدوات تحليل وإسقاطات وتومهّات وتخيلّات وتصوّرات تداخلت فيها القضايا الاجتماعية في الحقول الإنسانية والاقتصادية والعلمية، وهو ما أدّى إلى تشابك الفلسفة بالتاريخ والتاريخ بالفلسفة، وحصول اجتهادات نظرية بشأن حقيقة الماضي ومدى صحة المعلومات التي ترسم حدود معرفة لمسار الحوادث. كيف حصل الأمر؟ ولماذا؟ في البدء لم يكن هناك نظرية في التاريخ؛ فالمؤرخ أو الفيلسوف كان في الماضي يلتقط الحوادث ويحاول قراءة معانيها ودلالاتها فكريًا من خلال الرواية والسرد. فالهدف لم يكن بقصد تأسيس مدرسة وإنمّا محاولة التذكر لوقائع غابت عن المشهد الآني وأصبحت من الماضي. هيراقليطس الفيلسوف -535(754 ق.م) أنتج ما يسمّى الديالكتيك القديم (ص. 821) وتأثّر به هيغل وماركس واستخدماه لصقل منهجهما التاريخي (المثالي والمادي). كما أن هيرودوت المؤرخ (5-48442 ق.م) لم يفلسف التاريخ وإنما جاء على وقائع تروي ما حدث في الماضي، متدخالً بحدود بسيطة لتفسير ما جرى. واستمرت الكتابة على هذا المنوال (رواية الماضي) حتى في عهد القديس أوغسطين الذي استخدم مفردة «النفخ» عفويًا للدلالة على صعوبة قراءة الماضي (ص. 722)، فتحولت المفردة في عصر النهضة إلى نوع من المفهوم الفلسفي لتأويل التاريخ. مرّ مفهوم التاريخ إلى فلسفة قبل أن يتطور بمحطات زمنية اجتازت جغرافية أوروبا. ففي القرن الثالث عشر الميلادي، ظهر توما الأكويني (74-122512) الذي قرأ الفلسفة الإسلامية وتأثر بها وردّ عليها في كتابات مضادة للرشدية (الفيلسوف ابن رشد)، فظهر لاحقًا المنحى الوجودي في فلسفة مارتن هايدغر (-1889 976 1) الذي ربط بين الهرمنويتيكا ومفهوم الوجود عند الأكويني «رجل الدين الدومنيكاني الكاثوليكي الذي ما زال تفكيره يؤثر في الفكر الغربي الفلسفي والأدبي» (ص. 55)

استمر قطار مفهوم التاريخ يتطور زمنيًا، متأثرًا بالاكتشافات والاختراعات والتطورات التقنية والحياتية. فظهرت في القرن الخامس عشر نظريات كوبرنيكوس (543-14731) بشأن الفلك، فأحدثت تصدّعات في الفكر، وهو ما ساهم في إنتاج تصوّرات نموذجية مغايرة عن الكون (ص. 512)، عربّ عنها فرنسوا رابليه 554-1494(1) «أحد الكتّاب الفرنسيين وناقدي الأوضاع السائدة في زمنه» (ص. 205) الذي ترك تأثيره في كتابات لوسيان فيفر حين درس العاملِ النفسي – الاجتماعي والذهنية الجماعية في فرنسا في القرن السادس عشر من خلال مراجعة سيرة رابليه، مستعمالً ما سماّه الأدوات الذهنية التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية (ص. 05)2 فهذه الثورات العلمية شكّلت في مسارها التطوري عوامل خارجية في التأثير في الدراسات التاريخية. فالعاملِ الرياضي الألماني أوهانيس كبلر (-1571 6301) كان متأثرًا بعبادة الشمس وشغوفًا بالتنجيم ومعجبًا بنظرية كوبرنيكوس الفلكية، فأخذ يربط علم الفلك برؤيته عن عبادة الشمس، وهو ما دفع توماس كُون (1922 - 9961) إلى وضع تصوّرات تأويلية علمية للتاريخ حين صاغ كتابه عن «بنية الثورات العلمية»، مقررًا أن العلوم تمر بثلاث مراحل من التطور (ما قبل العلم، العلم النظامي العادي، الثورة العلمية) لتعود وتتكرر عبر مسار التاريخ العلمي (ص 5 21). وحصل الأمر نفسه حين قام رينيه ديكارت (650-15961) برحلات فلسفية متخيلة بحثًا عن معرفة الحقيقة، الأمر الذي أدّى إلى تشكيل مدرسة تاريخية تقوم برحلات متخيلة إلى بلاد بعيدة أو غريبة بهدف التعرّف إلى الماضي (ص. 214). كذلك تكرر الأمر حين درس بندكت سبينوزا -1632(677 1) الأفق التاريخي للنص الديني لفهم العقلية التي أنتجته، وهو ما فتح المجال لقراءة رموز المعاني المحبوسة في الصيغ اللغوية (ص أدّى التطوّر في الاكتشافات والعلوم إلى توسيع أفق المعرفة في سياق التعرف إلى تاريخ الزمن وما يعنيه التاريخ من إشارات ورموز. فإسحق نيوتن 727-1643(1) مثالً ساهم في نظرياته الفيزيائية عن الزمن ونزعته الميكانيكية في توليد آليات (قوا ين) في التفكير الفلسفي والتاريخي حين أخذ عنه الفيلسوف الألماني ليبنتز بعض جوانب أفكاره في ما يتعلق بمبدأ التفاضل، ليؤسس من ضفافه مدرسة فكرية فضفاضة تتحدث عن الزمن بوصفه يؤشر إلى «مفهوم فكري إنساني، تترتب بواسطته الأحداث والأشياء بالتعاقب والتسلسل والمقارنة» (ص. 92)، وهذا ما ترك انعكاسه بسرعة على منهج كتابة التاريخ وتحديدًا في موضوع المعرفة والذات العارفة. شكّلت المقاربة النظرية للفيلسوف الإيطالي فيكو الذي تأثر بمقدّمة ابن خلدون، نقطة تحوّل في موضوع البحث التاريخي، وهو ما ترك أثره اللاحق في تطوّر بعض مناهج التفسير والتأويل، وفي رأيه أن الفكر نابع من بيئة ثقافية متغريّة، «وهي مرتبطة بتطوّر اللغة من مرحلة الأسطورة والشعر إلى مرحلة التجريد النظري والمفردات التقنية» (ص. 43). فالمفردات المستحدثة والمتولدة من مختلف حقول المعرفة كانت تترك تأثيرها التقني أو الرمزي أو اللغوي لتفتح الآفاق النظرية على معرفة التاريخ ومقاربة آلياته ومساراته. وأعطى التعرف إلى التاريخ ومحاولة دراسة شخصياته الفلسفة مقدّمات نظرية لإعادة التفكر في المناهج وأدوات المعرفة. أخذت فلسفة قراءة الزمن (مساراته وآلياته) تتطوّر مثاليًا في مطلع القرن التاسع عشر حتى وصلت إلى قمّتها مع فردريك هيغل 831-1770(1) ومنهجه الديالكتيكي. وقد

ألهمت فكرة ديالكتيك روح الزمن الكثير من الفلاسفة، وأعطت قوة دفع للتفكّر في التاريخ الحقيقي للبشر. كذلك ساهمت في توليد نزعة للعودة إلى الماضي لبناء تصوّرات تتخيّل علاقاته وانشطاراته، وهو ما أعطى فرصة لدراسة النصوص الأدبية والتاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية ومحاولة تأويلها، كما فعل الفيلسوف فردريك شلايرماخر (834-17681) معتمدًا على أعمال القديس أوغسطين.

استقلال التاريخ

تجمّعت الروافد المتخالفة كلها منذ القرن الخامس عشر في مطلع القرن التاسع عشر لتعيد تأسيس مدرسة تاريخية سيكون لها شأنها في التأثير في مناهج التفكر في الماضي. وقد بدأت المدرسة بالتشكّل حين نجح ليوبولد فون رانكي (1795 - 8861)، وهو من تلامذة شلايرماخر، في وضع «قواعد للبحث التاريخي محاوالً جعل ‹التاريخ› فرعًا مستقالً من فروع الدراسات العلمية، له أدواته المنهجية التي تضفي عليه خصائص احترافية تضعه في مرتبة العلوم النظرية البعيدة من الطابع البلاغي للكتابة الأدبية» (ص. 19) ولقد جاء استقلال «التاريخ» عن فروع الدراسات العلمية بعد تفاعلات أثمرت في النهاية مدرسة خاصة أخذت تؤثر منهجيًا وتشجّع على تأسيس قواعد خاصة للتعرف إلى حوادث الماضي ووقائع الحاضر، وهذا ما نجح شارل لنغلوا (-1863 9291) وشارل سينيوبو (942-18541) في إنجازه حين وضعا كتابًا بعنوان مقدّمة في دراسة التاريخحاولا «من خلاله وضع قواعد للبحث التاريخي تصبح مكمّلة لمنهجية رانكي» (ص. 20) قبل أن تصل فكرة التاريخ إلى هذا الطور من التفكر، كان لا بد لها أن تمر في منعطفات ومتعرّجات أدّت دورها في تغذية المفهوم بالمناهج الفلسفية التي أخذت تتسرب إليه من مختلف حقول العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغيرها من قطاعات تتصل بعالم الاكتشافات والاختراعات العلمية والفلكية والمختبرية. وأنتج اختلاط المفاهيم مدرسة ألمانية («الهرمنويتيكية») بدأت معالمها تتوضح مع منهج رانكي في التاريخ وزميله يوهان غوستاف درويزن (884-18081) الذي تمرّد أيضًا على نظريات أستاذه شلايرماخر، وذلك بالعودة إلى منظور فيكو بشأن موضوع البحث في دراسة التاريخ. هذه المدرسة المتولّدة من أفكار شلايرماخر ستستمر في التطوّر وإنتاج التلامذة، منهم فلهيلم دلثي (911-18331) الذي ساهم في «توسع مجال الهرمنويتيكا في القر ين التاسع عشر والعشرين ليشمل درس النصوص الأدبية والتاريخ والفلسفة وسائر العلوم الإنسانية» (ص. 52)، وهو ما ترك تأثيره لاحقًا في أفكار هايدغر وفلسفته الوجودية. إن منهج الحفر في الخطاب السردي التاريخي ظهر متأخّرًا في القرن العشرين، لكنّه بدأ يتكوّن تدريجيًا في سياق التطور العام الذي أخذت أوروبا تشهده في القرن التاسع عشر، بعد أن أخذت وسائل التواصل والاتّصال بالتحسن وفتحت المجال للباحث عن الحقيقة كي يتجول للتعرف إلى وقائع الحوادث عن قرب ومن خلال المشاهدة العينية، وهذا ما فعله أليكسيس دي توكفيل (1805 - 8591) حين غادر باريس إلى أميركا وبدأ يكتب تاريخها ويقارن نظامها بالنماذج الأوروبية، معتمدًا على الملاحظة والمشاهدة والوثائق والمحاضر. فأعمال دي توكفيل الميدانية راكمت مادة تاريخية أثّرت في منهجية هايدن

وايت (-1915) الذي قام بتحليل أعمال المؤرخين في القرن التاسع عشر. وتعامل وايت مع التاريخ على شكل خطاب نثري – سردي، مستخدمًا نصوص رانكي وميشليه ودي توكفيل وجاكوب بوركهارت (897-18181) وأعمال فلاسفة القرن التاسع عشر (هيغل، ماركس، نيتشه، وكروتشه) ليستنتج أنه «لا يوجد اختلاف جوهري بين المؤرخين والفلاسفة إالّ في الموضوع المشدد عليه في كتاباتهم» (ص. 250) وكان أهم تطوّر نظري حصل في تلك الفترة ظهور فكرة المادية في قراءة التاريخ، وهي فكرة فلسفية بالأساس تم استخدامها منهجيًا لإعادة ترتيب حقب التطور الزمني للبشر. وصاحب النظرية هو كارل ماركس (883-18181)، وهي تنسب إليه بالمشاركة مع صديقه فردريك إنغلز (1820 - 8951) الذي تعاون معه في وضع الكثير من الكتابات والردود على أعمال المفكرين في عصرهم. وبسبب هذه النظرية الفلسفية – التاريخية، تأسست مقولات تقرأ التطور الزمني وفق ثنائية البنية الفوقية والبنية التحتية. فالبناء الفوقي يمثّل المنظومة القانونية والسياسية وغيرها من أشكال أيديولوجية، والبناء التحتي يمثّل مجموع علاقات الإنتاج والمنظومة الاقتصادية. وأدّى هذا النوع من التفكير الفلسفي إلى إعادة إنتاج تصوّرات منهجية للتاريخ لا تلتزم كثيرًا بالقواعد العلمية الصارمة ولا تحترم أحيانًا الوقائع الميدانية كما جرت حين حصولها. وأصبح التاريخ ذاك الحقل (مواد خام) الذي تحرث فيه أدوات الفلسفة من مختلف الاتجاهات كما فعل دلثي.

تشوّش مفهوم التاريخ

أدّى التدخّل الخارجي من مختلف المدارس إلى تشويش فكرة التاريخ من خلال فتح أبوابها على آفاق لامتناهية من القراءات التأويلية. وعزّز التدخّل من المناهج المتخالفة فكرة نيتشه القائلة «لا يوجد حقائق قائمة بنفسها». ففي رأيه، الحقيقة المستقلة غير موجودة إالّ إذا ارتبطت بحقائق أخرى، وهذا ما جعل فكرة التاريخ عرضة للنقاش المتواصل بشأن ما تحمله من حقيقة نسبية أو مطلقة. فهل ما يروى عن الماضي جرى فعالً كما يقال عنه في الكتب والوثائق، أم أن هناك وقائع غامضة جرى تجاهلها؟ هذا السؤال لا يزال في قيد الدرس ولم تتوصّل المدارس إلى الاتّفاق على جواب نهائي بشأن ما هو حقيقي في ما يتعلق بالماضي وما هو مفترض. وساهم ضياع الحدود بين الحقل التاريخي والحقل الفلسفي إلى استمرار تداخل الموضوعات وتعايشها السلبي في إطار مزدوج. ساهمت دراسة اللغة في إطارها التاريخي – الاجتماعي في تطوير منهجيات فلسفية تقرأ مبنى التجربة والوعي، وتدرس الظواهر كما تتجلى «في الأشياء أو الأشياء كما تظهر في الوعي» (ص. 84). وأدّى هذا المنهج الفينومينولوجي (دراسة مبنى التجربة والوعي) الذي وضع قواعده المعرفية الفيلسوف إدموند هوسرل 1) 938-1859(إلى تشكيل حركة فكرية تتعقّب وتهتم بتحليل «التجربة الحياتية الواعية أو الظاهرة كما تتمثّل بدراسة تطوّر فهمنا لأهمية الأشياء والأحداث والأدوات والزمن والأفكار والذاكرة والتخيّل والمشاعر والفاعليات الاجتماعية والثقافية وما تتضمّنه الفاعلية اللغوية والمعاني النابعة من التواصل بين الناس» (ص. 84-85) إن قراءة الحاضر بوصفه يتمظهر في التجربة

الحياتية الواعية أو الظاهرة في الزمن المتمثّل في الأشياء جددت السجال بشأن قوا ين الفيزياء ومفهوم الزمن الذي اشتغل عليه غاليليو ونيوتن وليبنتز وكانط، وصوالً إلى برغسون الذي يؤمن بأن الزمن «ليس واسطة ولا مدى متجانسًا تنتقل بواسطته الأحداث والأشياء، وليس بناءً عقليًا، بل إنه مجرد دوام للذاكرة والإبداع» (ص. 9)2 فالذاكرة تساعد على كشف الماضي لأنها تستطيع ابتداع البناء التاريخي وتصوّر الوقائع وما حدث في زمن سابق انطلاقًا من معرفة الحاضر. تعرّضت هذه النظرية للشك حين انتقد كارل بيكر (945-18731) وتشارلز بيرد (-1874 9481) المدرسة الوضعية و«رؤيتها المتفائلة في إمكان الوصول إلى حقائق تاريخية» (ص. 22) وساهم نقد المدرسة الوضعية في إعادة إثارة موضوع الذاكرة في محاولة لتفسيرها وتحليلها، فأقدم راسل على تحليل الظاهرة معتمدًا على هيوم ولوك في توضيح مسألة الذاكرة؛ فهي في رأيه تحتاج إلى عنصرين: صورة ذهنية، واعتقاد بأن الماضي موجود. رؤية راسل تتبنّى نظرية الذاكرة التمثيلية التي ترى «أن التذكّر هو استدعاء أو إعادة صورة إلى الذهن، تتمثّل بالوعي في الزمن الحاضر» (ص. 31). وقد ساهم ربط راسل الصورة الذهنية بالماضي الموجود في تطوير فلسفة التاريخ حين أقدم الفيلسوف والمؤرخ روبين جورج كولنغوود (943-18891) على تطوير منهج فيكو وجعله أساسًا في فهم التاريخ وصلته بالفلسفة. وبسبب هذه الفرضية التي تساعد على تفسير ما حدث، يرى كولنغوود أن «وظيفة فلسفة التاريخ هي أن توضّح المبادئ التفسيرية الغائبة عن المؤرخين الممارسين البحث والكتابة» (ص. 47)

فوضى فكرية

أحدث اختلاط المفاهيم وتضاربها في مجال الكتابة التاريخية فوضى نظرية في تحديد هوية التاريخ وموضوعاته. ودفعت هذه الفوضى الناجمة عن اجتياح الفلسفة لمجال المعرفة التاريخية المؤرّخ الإنكليزي كار إلى طرح سؤال: ما هو التاريخ؟ السؤال، كما ذكر، ليس من دون معنى في توقيته؛ فهو ظهر في النصف الأول من القرن العشرين ليرد على تلك المدارس التأويلية التي قرأت الحوادث في إطار تصوّرات جاهزة خلطت الحاضر بالماضي والماضي بالحاضر من خلال العلاقة المتبادلة بين حاضر المؤرّخ وماضي الحوادث. بالنسبة إلى كار، التاريخ هو حوار «بين المؤرّخ في الحاضر وحقائق الماضي». ونتيجة هذا الحوار بات من الصعب التوصّل إلى حقائق تجعل من التاريخ مدرسة علمية وضعية طمح رانكي إلى تأسيسها حين وضع قواعدها الثابتة. وقد جاء سؤال كار بناء على معطيات فرضتها حيثيات التطور في مختلف مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية التي حدثت تباعًا منذ القرن السادس عشر، وصوالً إلى القرن العشرين، وهو ما أدّى إلى التشويش على فكرة التاريخ. فهذه الفكرة تعرّضت لتدخلّات خارجية وفدت إليها من مدارس تأسست ينابيعها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدأت تتجمع في مصبّات أيديولوجية وفلسفية في النصف الأول من القرن العشرين. أخذت هذه الروافد تتجمع من مختلف الحقول والمدارس والمناهج في إطار نظري يربط بين الفلسفة والجغرافيا واللغة والتحليل النفسي والبناء الثقافي وتأويلات إميل دوركهايم 917-1858(1) للمقوّمات الاجتماعية في

صوغ شخصية المجتمعات وتطوّرها. وانصبّت الروافد كلّها في ميدان التاريخ لتعيد تشكيل اجتهادات تقرأ الحوادث من زوايا لا تحترم كثيرًا القواعد التقليدية للمعرفة التاريخية... كما جرى في الولايات المتحدة حين دعا جيمس هار روبنسون (-1863 9361) إلى «التخلي عن مناهج التاريخ التقليدي وخلق تاريخ جديد يقوم على العلم» (ص.914) هذه المتغريّات التي طرأت على مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية شكّلت مجتمعة مقدّمات لتأسيس مجلة تاريخية جديدة في جامعة ستراتسبورغ سنة 929.1 وجاءت المجلة التي سُميت أنال للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي تلبية لحاجة المؤرّخين إلى نوع من الدراسات التي تتجاوز التاريخ السياسي والدبلوماسي. أسس المجلة لوسيان فيفر (1878 - 9561) ومارك بلوخ (1886 - 9441) بقصد «فتح آفاق جديدة لتاريخ اقتصادي – اجتماعي، ينقذ الكتابة التاريخية من إرث مؤرّخي جامعة السوربون» (ص. 99)1 تأثر فيفر وبلوخ ب«النقاشات التي كانت تدور، منذ نهاية القرن التاسع عشر، بين دارسي الجغرافيا وعلم الاجتماع حول مظاهر الحياة الاجتماعية، ودور الحتمية الجغرافية وتطور الجغرافيا الإنسانية» (ص. 00)2 ومصطلح الذهنية الجماعية الذي اعتمداه يضم في طياته «السيكولوجية الاجتماعية العامة ومظاهر الثقافة» (ص. 00-1992)، وهو جاء ليكشف تلك التأثيرات التي أنتجتها مدارس علم الاجتماع (دوركهايم وفيبر)، والجغرافيا (دي لابلانش وراتزل)، ومدرسة التحليل النفسي (فرويد)، وتفسيرات لودفيغ فيتغنشتاين (951-18891) لأشكال الحياة ولعبة اللغة، وهي في مجموعها شجّعت على تكريس توجّهات تصر على تبنّي قوا ين ضابطة للتطور على غرار قوا ين توينبي ونظريات مدرسة أنال الجغرافية (ص.913) انعكست قوا ين الضوابط والمسار الحتمي للتاريخ وآليات الجغرافيا، وغيرها من اجتهادات، لاحقًا على نفسها ودفعت أحيانًا باجتّاه كسر القوالب النظرية وإعادة تشكيل «الحتميات» في أُطر مرنة قادرة على استيعاب عوامل متنوعة تؤدي دورها في الحياة الاجتماعية للبشر، وهذا ما حاول فعله أنطونيو غرامشي (937-18911) حين نجح في تطوير الماركسية «من خلال أربعة عناوين: الهيمنة الثقافية، والمجتمع المدني، والتاريخانية المطلقة، والمادية الفلسفية» (ص. 189) أحدث دخول التاريخ إلى عالم الأدب والروايات واللغة، اعتمادًا على نظريات دارس اللغويات والأدب الروسي رومان جاكبسون (1896 - 9821)، سلسلة تداعيات ترافقت مع نمو مدرسة «التاريخ الشفوي» التي تأسست في سنة 1938 في الولايات المتحدة لتصبح منذ ستينيات القرن العشرين «فرعًا من فروع المعرفة التاريخية، لا يقل في أهمّيته عن التاريخ الوثائقي» (ص. 81)2

تضارب الاجتهادات

حتى تصل «فكرة التاريخ» في النصف الثاني من القرن العشرين إلى هذا المستوى من التضارب في الاجتهادات بين الوثيقة (النص) والكلام الشفوي، كان عليها أن تمر بسلسلة تجاذبات ومشاحنات بدأت تتكوّن قواعدها النظرية منذ مطلع القرن. في العقد الأول ولد مايكل أوكشوت 990 -1901(1) الذي يعتبر «أحد أهم المنظّرين الذين تناولوا العلاقة بين السردية والتفسير» (ص. 024). وجاءت مواقف أوكشوت التي اعتمدت على مفهوم رانكي في وصف الحوادث كما حصلت في الماضي، في سنة 9331 «عندما كانت

السردية التاريخية التقليدية ما زالت غالبة في أعمال المؤرّخين، وقبل نجاح مؤرّخي أنال وغيرهم من زعزعة هذه السردية» (ص. 24). جاء دفاع أوكشوت عن «التاريخ الحرفي» لينسجم مع تيار أخذ يتصدّى للاجتهادات التي اخترقت الكتابة التاريخية وبدأت بتحوير المنهج وحرفه عن سياقه السردي ونقله إلى أُطر افتراضية تعتمد أسلوب التأويل والتفسير. فالتيار المتمسك بالقواعد التقليدية للكتابة التاريخية كان يردّ على مصطلح «التاريخانية» الذي أسبغ كارل بوبر (1902 - 9941) عليه «مفهومًا آخر حين ألصقه بالكتابة التاريخية المؤمنة بقوا ين عامة وبالتطور الحتمي» (ص 8 11). كذلك استخدم فرنان بروديل (1902 - 9851) مصطلح «التاريخ الشامل» للإشارة إلى مركزية التاريخ بين العلوم الإنسانية (ص. 202) أمّا تمرّد بروديل على الكتابة الحرفية التقليدية (سرد الوقائع كما هي من دون تحليل)، فجاء بدوره في سياق الدفاع ضد موجة الاعتراض التي أخذت تظهر في حقول معرفية حاولت تأويل التاريخ بقراءات فلسفية مجرّدة عن الزمن قادها هوسرل في النصف الأول من القرن العشرين، وطوّرها في النصف الثاني منه فلاسفة وجوديون أمثال مارتن هايدغر وجان بول سارتر (9051 أدخل الغزو على مناهج التاريخ قراءات معرفية؛ ةيبترخلامو ةيرظنلا الوهقحو الوهصأ في ةفلاختم فالتاريخ أصبح عند بعض الفلاسفة مجرد جزئيات كيميائية يمكن تركيبها في وعاء يعطي صورة عن الماضي، بينما رأى الفيلسوف البريطاني وليم غالي 998-1912(1) أن «توحيد الأحداث أو الجزئيات في سلسلة سببية رتيبة ليس كافيًا»، واقترح «أن تكون السببية بيّنة واضحة من خلال العرض» (ص. 243). لهذا الخلاف ما يبرره؛ فأصحاب رواية الحادث كما هو حدّدوا الشروط في سياق مجرى الوقائع، وأصحاب الفرضيات أدخلوا الأسئلة لتفسير ما جرى وتوضيح الأسباب والمسببات التي أدّت إلى حدوث ما حدث. ونتيجة الخلاف، أقدم وليم هنري ولش (986-19131) على تأليف كتاب مقدّمة في فلسفة التاريخيقارن فيه «فلسفة التاريخ بفلسفة العلوم، منطلقًا من الفرضية القائلة إن التاريخ ودراسته يحتاجان إلى فلسفة تستطيع تقويمه وكشف قضاياه المعرفية والمنهجية» (ص. 13). ويرى المؤلِّف فِرّو أن كانط «وضع مسألة الوجود في مركز فلسفته»، وهايدغر «أضاف إلى مسألة الوجود قضية الزمان»، بينما ريكور «وضع في مركز فلسفته مثلثًا أضلاعه هي الوجود والزمان والسردية» (ص. 63). وهذا التطور الذي تأسست قواعده العامة سنة 9601 فتح الباب لقراءات موازية استخدمت التاريخ (بوصفه ذاكرة) مساحة للتجارب وأخذ العبر من الماضي، كما فعل المؤرخ فيليب أرييس (1914 - 9841) الذي تعقّب «تطور مفهوم الطفولة في الثقافة الفرنسية قبل القرن السابع عشر وبعده» في كتاب صدر أيضًا سنة 9601 (ص. 204)

تدحرج الانقسامات

تأسّست انقسامات الستّينيات زمنيًا على خلافات تجررت وتدحرجت وتراكمت في سياقات متخالفة أحيانًا ومتعايشة أحيانًا أخرى. فالمؤرخ الإنكليزي ريتشارد كوب (996-19171) أمضى سنوات في الأرشيف الفرنسي ليدرس المجتمع الفرنسي قبل الثورة وبعدها حتى الحربين العالميتين، منتهجًا «منهجًا مشابهًا لمنهج الدراسات الأنثروبولوجية لثقافة مجتمع غريب» (ص. 213). كذلك فعل المؤرخ الإنكليزي لورنس ستون -1919(

9991) الذي استخدم مناهج العلوم الاجتماعية و«بخاصة القياسات الكمية في جمع المعلومات التي تمكن المؤرخ من إعطاء أحكام عامة حول المبنى الاجتماعي للجماعات المدروسة تاريخيًا، بما فيها فهم عقلياتها» (ص.913) وقد أخذ دمج السرد بالتحليل وقته حتى تبلورت مدرسة أطلق عليها «سردية جديدة» حين «تبنّى المؤرخون الاجتماعيون والثقافيون أساليب السرد في عرض منتوجاتهم التاريخية» (ص. 32). 7 وقبل أن يصل المنحى السردي إلى هذا الطور من التبلور سنة 9801، شهدت حقول التاريخ تنافرات أعطت ذاك الزخم لنمو ردّة فعل على تدخلّات فلاسفة في علم يفترض أن يكون غير منحاز وخارج الاستقطابات التي تتوصل إليها التفسيرات والتأويلات. آنذاك عرَفت فلسفات رولان جيرار بارت (1915 - 9801) ولوي ألتوسير (990-19181) وميشال فوكو (9261 - 9841) وجاك دريدا (1930 - 0042) شهرة عالمية تركت تأثيرها في مجالات متنوعة، منها حقل التاريخ. هذه الفوضى الفلسفية التي أخذت مسارات منهجية متعرجة أثّرت أيديولوجيًا في مدارس التاريخ، وأعطتها نكهة خاصة حين بدأت تستخرج من مناجم باطن الماضي تلك الموارد الأولية والعناصر الحيوية التي أضفت على القراءات السردية جمالية تتميّز بالحِكَم والعِربَ والمقارنة والمقاربة. ولم يقتصر التدخّل في كتابة التاريخ على بارت وألتوسير وفوكو ودريدا، بل ضم الكثير من العاملين في مضمار حقول المعرفة والعلوم الطبيعية والإنسانية. فوليم دراي -1921(009 2) استخدم مقولات أستاذه كولنغوود بشأن «استرجاع أفكار الفاعلين التاريخيين» ليرد على نموذج «القانون الجامع» الذي قال به همبل (ص. 94) ليؤكّد أن التاريخ هو «دراسة أحداث الماضي» (ص. 55)1 كذلك فعل لويس منك (983-19211) حين أوضح مفهوم السردية التاريخية بالتشديد على «أن العلاقة بين الأحداث الموصوفة في الكتابة التاريخية والبناء السردي هي علاقة مقلوبة» (ص. 244).

رد الاعتبار

تعرّضت هذه القراءات لنقاش حاول المختصّون بالكتابة التاريخية الدفاع عن القواعد العلمية في سياق التعامل مع حوادث الماضي. وقد شرح جيوفرن إلتون 1) 994-1921(وتوماس كُون (996-19221) رأييهما، كل بحسب طريقته. وقد أعطى عداء إلتون للفلسفة قوة دفع لمواجهة عمليات تقويض «منهجية التاريخ وحرفيّته»، لكنّه لم يوفَّق في منع التدخّل الفلسفي (أو العلمي) في كتابة التاريخ. وأعاد كُون الاعتبار إلى العلوم المختلفة انطلاقًا من تعريفه لها، ففي نظره أن «الجماعة العلمية بأغلبيّتها، لا الأفراد، هي التي تقرّر، وفقًا لمعاييرها وتجربتها، أن تتبنّى نظرية ما، وأن تحدّد مفهوم العلم الذي تشتغل فيه» (ص. 108) لم يمر على نشر كتاب كُون (بنية الثورات العلمية) بضع سنوات حتى كان مفهومه الجديد للعلم يأخذ تأثيره «خارج فلسفة العلوم أكثر منه داخلها» (ص. 132)، وهو ما فتح الباب لاستخدام مقولاته في أشكال مختلفة. وقد استعان كريستوفر بهان ماكولا بها واعتمد عليها في تأكيد واقعية التاريخ، بينما اهتّمه كيث ويندشتل (-1942) بتبرير ظهور نظريات نسبية تشكّك في واقعية المعرفة (ص شكّلت «واقعية المعرفة» نقطة خلاف بين

المؤرخين والفلاسفة؛ فهل المعرفة مطلقة أم نسبية، وهل الوقائع المروية صحيحة كليًا أم جزئيًا؟ لقد كان ماكولا يؤمن بأن «معطيات المؤرّخ ومعلوماته واستدلاله واستنتاجه صحيحة وموثوق بها بحيث تمنح الوصف التاريخي مصداقية وواقعية» (ص. 06)1 كذلك أقدمت المؤرخة اليزابيث فوكس – جينو فيز، بالتعاون مع إليزابيث لاش – كوين، على إصدار كتاب إعادة بناء التاريخردًّا على قيم ما بعد الحداثة. وإذا وقع اختلاف «بين أعمال المؤرخين حول تفاصيل هذا الماضي [فهذا] لا يعني أنه غير واقعي» (ص. 112).

هجوم مضاد

جاء الهجوم على الرواية التاريخية في سياق الدفاع عن الكتابة التاريخية التي تعرّضت للتجريح، وصوالً إلى التشكيك في الوقائع واعتبار الماضي مجرد قصص درامية متخيلة لا يمكن تأكيدها أو نفيها. فالمؤرّخ الفرنسي جاك لوغوف (-1924) يساوي بين التاريخ والقصة المروية (ص. 55)1 ويشبّه الجغرافي والفيلسوف ديفيد لوينتال (-1923) التاريخ بالرحلات المتخيّلة إلى الماضي الموجود في الحاضر (ص. 214). كذلك رفض الفيلسوف الأميركي أرثوردانتو) -1924(تشبيه المؤرّخ المهني بشاهد عيان عايش الحوادث. فالكتابة التاريخية في رأيه لا تستطيع «أن تنظر إلى الأحداث من منظار الزمن الذي وقعت فيه» (ص. 73)1 أمّا الهجوم المضاد دفاعًا عن فكرة التاريخ، فليس مفتعالً، وهو جاء في توقيت متأخر بعد أن تراكمت الانتقادات وبلغت حدًّا ما عاد في الإمكان تجاهلها، وخصوصًا حين وصلت إلى مستوى إنكار الوقائع وتكذيب حصولها. وزاد الطين بلة تدخّلُ الفلسفة في ليّ الحقائق استنادًا إلى مفردات أخذت تتلاعب بالذاكرة مستخدمة تعبيرات تبعثر الذهن وتمنعه من التركيز، وهو ما أدّى إلى نمو وعي يفلسف التاريخ في إطار مبرمج لا يخرج عن سكك حديد نظرية تهيكل الأدوات، وغيرها من مفردات دخلت على التاريخ من حقول الرياضيات وقوا ين الفيزياء والكيمياء والمختبرات والأشكال الهندسية والفلكية والسينمائية والروائية والشعرية وكتب الرحلات والاكتشافات والمغامرات. هذا الكم من المفردات تراكم كله تاريخيًا، وتشكّلت منه موجات معرفية أخذت تطرق أبواب التاريخ بقصد إعادة إنتاج الماضي ومقاربة وقائعه من طرق التخيّل أو بناء فرضيات يرى أصحابها أهنّا تساعد على التقاط صورة الماضي من الحاضر. وهذه الاجتهادات شارك في صنعها فلاسفة ومدارس تاريخية (أنال/فرانكفورت مثالً) بقصد تقريب جزئيات الماضي إلى حاضر المؤرخ حتى يستطيع أن يعطي فكرة معقولة على حادث غاب عن المشهد (العين) وترك المجال مفتوحًا للمخيلة والأذن (السمع) للتفسير والتأويل والاجتهاد، وهذا ما جعل حقل التاريخ عرضة للتلاعب أو الاختلاف بين فريق يتمسك بالمهنية والحرفية ويبني وقائع الماضي كما جرت، وفريق يشكّك في صحة المعلومات لأن التاريخ لا يخُتزل بآثار ولا يخُتصر بوثيقة ولا يمكن الإحاطة به من كل الجهات والجوانب. حتى الآن، لم حيُسم هذا التداخل بين حقل التاريخ ومختلف العلوم، ويرجّح أالّ حيُسم منذ أن انفتحت آفاق الفلسفة والأدب على الماضي ومجالاته البعيدة التي تحفر الذاكرة بحثًا عن حقيقة مفترضة. وساعد هذا البحث المضني، منذ العقد الثالث من القرن الماضي، في إنتاجه الكثير من الوجوه والرموز والأسماء. وحتى الآن، لم يستطع هذا الكم من العاملين

في حقل التاريخ وتاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ الإجابة عن سؤال «ما هو التاريخ»؛ فالتاريخ لا يمكن حشره في قوا ين نهائية ومطلقة أو حتميات وآليات تحاول مقاربة الوقائع كما هي أو تعمد إلى تأويل الحثيثات لاستخراج نظريات عامة لتفسير ما حدث. وبسبب هذا الأفق الواسع للأطروحات والمقولات، عادت إلى الكتابة التاريخية روح الماضي حين بدأ المنحى السردي بالظهور مترافقًا مع نمو مدرسة التاريخ الشفوي التي تشكّلت في سنة 938.1 فالتاريخ الشفوي الذي ترافق مع عودة السردية لا يقل في أهميته عن التاريخ الوثائقي على رغم أن «حوار المؤرخ الشفوي مع مصادره يختلف عن حوار المؤرخ الوثائقي مع وثائقه» (ص بهذا المعنى يلتقي التاريخ الشفوي مع المناحى الجديدة في الكتابة التاريخية التي أخذت تكسر الحلقات المبرمجة في قراءة الوقائع وتفتح الباب على مجالات معاصرة وشهادات مباشرة، الأمر الذي يترك احتمالات الكتابة التاريخية غير مضمونة النتائج في المستقبل. النهاية إذن مفتوحة، لأن منطق التاريخ لا منطق له، فهو يبدأ بالعام وينتهي بالخاص وينطلق من الخاص ليصل إلى العام، ويتناول الكليات ويلاحق الجزئيات، ويقرأ القضايا الكبرى ويحلل الصغرى، ولا يستطيع أن يؤكد أنّه توصل إلى الحقيقة المطلقة والنهائية. إن عدم الوصول إلى المعرفة التاريخية يفسر عدم التوصل إلى تعريف مشترك للتاريخ. لذلك، سيبقى السؤال من غير جواب نهائي، كما فعل الباحث قيس ماضي فِرّو حين ختم كتابه الغني والثري بالمعلومات على قول مفتوح: «لا نستطيع التنبؤ بمستقبل الكتابة التاريخية في العقود القادمة» (ص. 291)