الغيبة الإلهية في فكر مارتن هايدغر
Divine Absence in the Thought of Martin Heidegger
الملخّص
تتناول المقالة أول مرة في العالم العربي مسألة الله في فكر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر.وينعقد التحليل على استجلاء الروابط التي ينشئها هايدغر بين كينونة الكائنات وحقيقة الله. ومن خلال استنطاق النصوص الألمانية التي أنشأها هايدغر في تدبّر مسألة الغيبة الإلهية، تعالج هذه المقالة حقيقة العلاقة التي تنشط بين حرّية الكينونة في الاحتجاب وحرّية الله في الإقبال والانكفاء. فالله، في نظر هايدغر، لا يمكنه أن يتجلّ إلا حين يراعي الإنسان هذَين الضربَين من الحرّية، ولو أن مقام الصدارة يبقى للكينونة التي تهيمن على جميع تجلّيات الوجود. ومن ثمّ، فإن مسألة ظهور الله أو غيابه مرتبطة بالاحتجاب السليم للكينونة في الكائنات والموجودات والأشياء.
Abstract
This analysis rests upon elucidating the links Heidegger establishes between the existence of Being and the truth of God. Through an interrogation of Heidegger’s German texts on the matter of divine absence, Aoun addresses the truth of the active relationship between the freedom of Being in disclosing and concealing, and the freedom of God in imposing and withdrawing; for God, in Heidegger’s eyes, cannot manifest unless human beings take into account these two types of freedom. Consequently, the issue of the presence or absence of God is linked to the disclosure of Being among entities, beings, and objects. In Heidegger’s view, it is not for the human being to impose a type of presence onto Being that conflicts with its appropriation of the free openness of existence. Just as the bestowal of Being is independent of the bestowal of beings, God’s bestowal of self-exposure allows Him to safeguard the freedom of Being from the distortion of human prowess. Thus, Heidegger frees God from the molds of human understanding, perception, and language, but links God to the freedom of Being and its self-giving. This Being, however, also desires to guard over appearance and attentiveness in the understanding and originality of truth and is also very much opposed to projects of modern technical domination over beings and objects. It becomes possible, then, to link God to the freedom of Being, and for this to be one of the most appropriate forms of emancipating the divine status. God becomes the reflection of the origin of living association between the mortals, the gods, the earth, and the sky.
- الكينونة
- الغيبة الإلهية
- هايدغر
- الاحتجاب
- Being
- Concealing
- Heidegger
- Divine Absence
تتناول المقالة أول مرة في العالم العربي مسألة الله في فكر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر.
وينعقد التحليل على استجلاء الروابط التي ينشئها هايدغر بين كينونة الكائنات وحقيقة
الله. ومن خلال استنطاق النصوص الألمانية التي أنشأها هايدغر في تدبّر مسألة الغيبة الإلهية،
تعالج هذه المقالة حقيقة العلاقة التي تنشط بين حرّية الكينونة في الاعتلان والاحتجاب
وحرّية الله في الإقبال والانكفاء. فالله، في نظر هايدغر، لا يمكنه أن يتجلّ إلا حين يراعي
الإنسان هذَين الضربيَن من الحرّية، ولو أن مقام الصدارة يبقى للكينونة التي تهيمن على
جميع تجلّيات الوجود. ومن ثمّ، فإن مسألة ظهور الله أو غيابه مرتبطة بالاعتلان السليم
للكينونة في الكائنات والموجودات والأشياء. وليس للإنسان أن يفرض على الكينونة
ضربًا من الظهور يخالف ما تستنسبه هي من تفتّح حرّ في الوجود. ولم ا كان قرار الكينونةّ
مستقلًّ عن قرار الكائنات في نظر هايدغر، فإن قرار الله في الانكشاف الذاتيّ تصونه حرّية
الكينونة من تلاعبات الاقتدار البشري. وبذلك يحرّر هايدغر الله من قوالب الفهم البشري
وتصوّراته ومقولاته، ولكنه يعود فيربطه بحرّية الكينونة ومشيئتها الذاتية. غير أن هذه
الكينونة تروم في جوهر مقاصدها الخفرَ في الظهور والرفقَ في التواري والأصالةَ في التحقّق.
وهي تناهض أيمّا مناهضة مشاريع التسلّط التقني المعاصر على الكائنات والأشياء. ولذلك
قد يكون ربط الله بحرّية الكينونة من أنسب ضروب الإعتاق للمقام الإلهي، فإذا بالله يتجل
في أصل الاقتران الحيوي بين المائتين والآلهة والأرض والسماء، وهو قران رباعيّ الأبعاد
يختزن مكتنَزات الاختبار الأصلي لحقيقة الكينونة. من خصائص فكر هايدغر أنه يؤْثر التحدث عن الغياب والغيبة والاغتراب والغربةِ
والانحجاب والتواري، ويُعرض عمدًا عن مقولات الحضور والثبات والاستقرار
والديمومة. ومن أسباب التعارض بين الكتلتيَن أنه يرشق مقولات الكتلة الثانية بتهمة الإعداد
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية.
للإمساك العقلي بماهيات الوجود، وفي مقدمتها الكينونة والزمن والإنسان والله. وحين يتناول
مسألة الكينونة في كتاباته، وهي المسألة الوحيدة التي تستأهل في نظره التفكر الرصين، فإنه يؤْث رِ
الحديث عن الانحجاب العمْدي والتواري القصدي صونًا للكينونة من إمساكات العقلانية
الحسّابة. وينهج النهج عينه حين يتطرق إلى مسألة الله. فإذا به يؤْث ر الحديث عن الغيبة الإلهيةِ
صونًا لإطلالة إلهية مقبلة منعتقة من أسر هذه المقولات. غير أن هذه الإطلالة الإلهية لا تُشبه على الإطلاق صوَر الله المنسلكة في الأنظومات الدينية؛ فالإله الذي يتحدث عنه هايدغر هو إله
الخواتيم والنهايات القصوى، الإله الأخير الخليق وحده بإنقاذ الأرض والناس من هيمنة التقنية المستبدة. ولكن السبيل إليه هو في استعداد الإنسان لرعاية الكينونة، أو بالأحرى في استعداد الكينونة لاستدعاء الإنسان واستثارة رعايته لها. فالكينونة هي، في أقصى مقاصد هايدغر، صاحبة القول الفصل في الإعداد لظهور الإله الأخير. وما على الإنسان سوى التحري عن علامات الأزمنة، عله يفوز بإشارة تدله على سبيل قويم لانبساط الكينونة في حقيقة أصالتها. فالكينونة التي تحتجب من وراء الكائنات والأشياء والموجودات هي من البساطة المطلقة والعمق السحيق
ما يربك الإنسان في إقباله إليها. وهو لن يتسنى له معاينة اعتلان الإله الأخير ما لم يدرك إدراكًا
سليمً معاني الغيبة الإلهية الراهنة. من أنجع السبُل لاستجلاء دقائق التصور الذي أنشأه هايدغر في مقولة الإله الأخير أن يتحرى
البحثُ أولً عن المراحل التي اجتازها فكرُه منذ زمن المحاضرات الأولى وكتاب الكينونة والزمن
الذي صدر سنة 1927، مرورًا بالمنعطف الخط ر الذي دفع به إلى البحث في تجليات الكينونة وقد أكب
يتبصر في تدابير الكينونة عينها لا في البنى الأصلية لاختبارات الإنسان الوجودية، وانتهاءً بالتأملات
الصوفية التي أفضت به إلى الإعراض عن التعقب العقلي المحض لمسائل الوجود والركون إلى اللغة الشعرية الرمزية من خارج دائرة المسعى الميتافيزيائي. ومن ثم، يمكن النظر في الأثر الذي تركه فكر
السابقين، ومنهم كيركغارد وهولدرلين ونيتشه، ممن تناولوا مسألة الله في سياق مقتضيات الإعتاق التي يستتليها اختبارُ الأصالة في المسعى الإنساني. بعد ذلك، يعمد البحث إلى استنطاق النصوص
التي فيها يُفصح هايدغر عن تصوره لهوية الإله الأخير وقد افترض شرطًا لعبوره الإقبال السليم
إلى الكينونة في رحابة تجلياتها وانحجاباتها. وفي الختام يجري الاستفسار عن الاستدعاءات الفلسفية واللاهوتية التي يتضمنها هذا التصور الغريب لهوية الإله الأخير. وفي صلب هذا الاستفسار ترتسم حدود التصور وآفاقه.
(((الكينونة تعريب للكلمة الألمانية Sein. وقد يعرّبها بعضهم بأسماء أخرى، من مثل الوجود والأيس والكائن والكون. والمعلوم أن
فعل الكون تشتق منه في العربية مفردات شتى، منها ما ينتمي إلى طائفة المصادر كالكون والكينونة، ومنها ما ينتمي إلى طائفة الأسماء
كالكيان والكائن والكيانة، ومنها ما ينتمي إلى طائفة المصدر الصناعي كالكيانية والكائنية والكونية والكينونية والكوائنية. والمطلوب
التبحر في جميع هذه المشتقات واستخدامها استخدامًا حصيفًا في تعريب مشتقات المفردة الألمانية. وبما أن هايدغر طفق في كتاباته
الأخيرة يضرب صفحًا عن الرسم الأصلي للمفردة الألمانية ويرسمها في صورة جديدة (Seyn) للإفصاح عن قطيعة معرفية حادة
مع موروثات الأنطولوجيا الإغريقية في الفلسفة الوسيطية والحديثة، ارتأيتُ أن أنقلها أنا أيضًا في صياغة عربية شاذة (الك وان) تشبه
غرابتُها غرابةَ الصياغة الألمانية الشاذة.
مسرى الإنضاج الفكري في حِقَبه الأساسية
يتخير جان غريش أربع مراحل اجتازها هايدغر (-1889 1976) في تناوله مسألة الله، فوسمت
فكره الديني وأبرزت فيه من التقلب والتموج ما يُنبئ عن تعسرٍ مصاحب لمسرى النضج الفكري الذاتي.
في المرحلة الأولى، يتطرق هايدغر في مستهل تدريسه الجامعي في جامعة فرايبورغ الألمانية (-1919
1923) إلى الحياة الدينية، فيسعى إلى استنطاقها استنطاقًا يستلهم طرائق الف نومِنولوجيا التي وضع لها
أسسَها أستاذُه الشهير هوسرل (1938-1859 نولوجيا طريق في التفكر يتطلب جوهرَ الأمور). والف نومِ
كما تعتلن للوعي القاصد إليها. وهي طريق أشبهُ بالسهل الممتنع تروم أن تأتي الأشياءَ من غير أن تعزلها
عن سياق الاختبار الوجداني في معترك الارتباط بوقائع الحياة. ومن النصوص التي أكب هايدغر على
تفسيرها في أملياته الجامعية الأولى رسائلُ بولس الرسول وكتابُ الاعترافات للقديس أوغسطينُس.
واستنادًا إلى مثل هذه المقاربة الأولى، أنشأ هايدغر تصورًا للحياة الدينية مبنيًا على مساءلة السمات الواقعية
التي تتسم بها هذه الحياة؛ ذلك أن هذه المرحلة الأولى من مراحل تكون الفكر الديني في كتابات هايدغر
استقطبتها فِسارة الحياة كما تتجلى للكائن الإنساني (الدازاين) في واقعيتها المحضة. وتتصف هذه المرحلة الأولى بانصراف الفيلسوف الشاب إلى دراسة اللاهوت المسيحي والتعمق في الروحية المسيحية. غير أن الإكباب على تدبر معاني الإيمان المسيحي صاحبه اعتناءٌ فطنٌ بما اكتسبه من أستاذه في جامعة فرايبورغ
الذي ابتكر الفِنومِنولوجيا سبيلا إلى اكتناه جوهر الأشياء، وبما حفظه من ديلتاي الذي ألهمه فكرةَ الحياة
كموضع سَني لتحقق جميع اختبارات الوجودِ. في المرحلة الثانية (1928-1924)، يتصدر كتاب الكينونة والزمنالمقامَ الأول في مسرى هايدغر
الفكري. ومن صلب هذا المقام ينبري السؤال الأنطولوجي يعيّ اتجاه البحث. فالكتاب كله منعقد في
خلفيته على مساءلة الكينونة. أمّا السبيل الأول الذي انتهجه هايدغر للبلوغ إلى هذه المساءلة، فكان التبصر
(((جان غريش)J. Greisch(من أعظم الباحثين الفرنسيين في فكر هايدغر الديني وفي الفِسارة الأنطولوجية التي أنشأها. ولقد
خصص لهايدغر بحثًا مستفيضًا تناول فيه مسألة الله استنادًا إلى الأنطولوجيا الجديدة، انظر:
Jean Greisch, Le Buisson ardent et les lumières de la raison: L’Invention de la philosophie de la religion , philosophie et théologie (Paris: Les Ed. du Cerf, 2004), tome 3: Vers un pragmatisme herméneutique, pp. 499-734.
ولقد استندت إلى هذه البحث الرصين في رسم تفصيلات هذا التحقيب الفكري. (((من الأمانة العلمية الإشارةُ إلى أن تعريب المفردة الألمانية)Gott(تنوع بتنوع السياق الذي يستخدم هايدغر فيه هذه الكلمة.
وباستثناء بعض الحالات النادرة، عربتُ المفردة الألمانية التي تصاحبها في نصها الأصلي أداةُ التعريف)der Gott(بمفردة الإله،
وعربتُ المفردة الألمانية التي لا تصاحبها في النص الأصلي أداة التعريف)Gott(بمفردة الله. ومن المفيد التذكير هنا بأن هايدغر لا
يقيد فكرَه بما تستثيره الأديان التوحيدية من إشكالية التعارض بين الله الواحد الأحد والآلهة المزيفة المزاحمة له.
(((هذه الحياة الواقعية التي قال عنها برغسون إنها عصية على الإمساك العقلي. انظر:
Henri Bergson, Oeuvres; Essai sur les données immédiates de la conscience; Matière et mémoire; Le Rire; L’Evolution créatrice. L’Energie spirituelle. Les Deux sources de la morale et de la religion. La Pensée et le mouvant, textes annotés par André Robinet ; introduction par Henri Gouhier, 3eme éd. (Paris: Presses universitaires de France, 1970), p. 1253.
يتناولها هايدغر كموضع لانبثاق المعنى وانبساطه في منفسح الوجود؛ ذلك أن الحياة في وقوعيتها (Faktizität)
ليست مجرد تراكم عشوائي للوقائع والحوادث، بل هي بنية منتظمة تنعقد كينونتُها على معنى لصيق بها. انظر:
Martin Heidegger, Grundprobleme der Phänomenologie (1919/1920), herausgegeben von Hans-Helmuth Gander, Gesamtausgabe/ Martin Heidegger. II. Abteilung, Vorlesungen 1919-1944; Bd. 58 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1993), p. 148.
في البنية الكيانية الخالصة التي تقوم عليها كينونةُ الإنسان الذي يدعوه هايدغر الدازاين. ومع أن مسألة الله تغيب غيابًا كليًا عن توسعات هذا السفر الفلسفي الجليل، فإن مقاصد المشروع الفكري الذي يحمله
هايدغر في مساءلة الكينونة في عمق جوهرها لا يجوز لها أن تقصي الاستفسار الديني إقصاءً قاطعًا؛ ذلك
أن تحليل هذه البنية الكيانية الخالصة يُفضي بهايدغر إلى استجلاء بضعة من الاختبارات التأصيلية يعبّ عنها
صاحب الكتاب في مفهوم الانهمام الكياني ومفهوم الإنسان القابل للموت (المائتية) ومفهوم المحدودية التاريخية التي تكتنف الوجود الإنساني برمته. وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن كتاب الكينونة
والزمنلم تكتمل مواده لأسباب ترقى إلى المنعطف الذي اختبره هايدغر حين آثر الإعراضَ عن مساءلة
الكائن الإنساني (الدازاين) والإقبالَ رأسًا إلى الكينونة عينها يترصد إشاراتها ويتدبر إيماءاتها الخفرة. ويجوز للسائل أن يسأل عن معنى الاستفسار الختامي الذي صاغه هايدغر حين أحس أن الدازاين يحتمل
استنطاقًا أبعد من البنى المستخرجة، عنيتُ بها قابلية الإنسان للموت ومحدودية الوجود التاريخي والانهمام
الكياني الأبلغ والاستباق المستشرف للإمكانات الثرة التي يزخر بها الكائنُ الإنساني في إقباله إلى ذاته من
آفاق مستقبله الأبعد: «هل يمكن المرء أن يدرك أيضًا الدازاين إدراكًا أشد تأصلا من الإدراك الحاصل في مشروع وجوده الأصيل؟». فالمسعى الذي ينطوي عليه كتاب الكينونة والزمنيقضي بمساءلة الوجود
الأصلي للكائن الإنساني تمهيدًا لاستخراج معنى الكينونة من بنى الاختبار الأساسية التي تحملها كينونة هذا الكائن الإنساني. فإذا كان كتاب الكينونة والزمنما اكتملت عدتُه، وإذا كان مثل هذا الاستفسار يشرع الآفاق لاستجلاءات شتى في كينونة الكائن الإنساني، فإن التفكر في الأبعاد الدينية للوجود الإنساني لا بد من أن يستنهض فكر هايدغر ويدفعه من بعد مرحلةالكينونة والزمنإلى مقاربة هذه الأبعاد بالتحري عن اختبارات إنسانية أخرى. وممّا يبرر بعضًا من هذا الانشغال الفكري أن هايدغر كان ما انفك مواظبًا في
هذه الحقبة من حياته على المشاركة في الصلاة المسائية (صلاة النوم بحسب الطقس الكاثوليكي اللاتيني) في أحد الأديار في جنوب ألمانيا.
(((الدازاين)Dasein(مفردة مشتقة من المعجم الألماني الكلاسيكي. استخدمها كانط مرادفًا للكلمة اللاتينية existentia، وهي تعني
في أصلها وجود الشيء، يقابلها احتمال وجوده أو إمكانُه أو حتى ضرورتُه المنطقية. وخلافًا لنطقها الأصلي، حيث النبرة توضع على
الجزء الأول من الكلمة)Da(، يؤْث ر هايدغر أن ينطقها وقد وُضعت النبرةُ على الجزء الثانيِ(Sein). فالدازاين يعني أن الإنسان هو
الموضع الذي فيه تنشأ الصلةُ العفوية بينه وبين الأشياء. فالدازاين هو الإنسان وهو انفتاح الإنسان على الأشياء. وبما أن الانفتاح على
الأشياء هو ما يُنشئ إنسانية الإنسان، فإن الدازاين هو، بحسب هايدغر، الوصف الأنسب للهوية الإنسانية. فالأشياء هي، في صلب
حراكها، مقبلةٌ إقبال عفويًا إلى الإنسان من غير أن يُخضعها الإنسان لعقله الحساب. ومن ثم، فإن الدازاين يغدو هو الوصف الذي
يعاين في الإنسان موضع مساءلة الكينونة، وموضع اختبار تفتحات الكينونة وإقبالها إلى الإنسان. ولشدة ما يحتشد في هذه المفردة
من مضامين عميقة المدلول، آثرتُ أن أنقلها في حلتها الألمانية الأصلية من غير تعريب.
(6) « Kann das Dasein noch ursprünglicher verstanden werden als im Entwurf seiner eigentlichen Existenz ? » in: Martin
Heidegger, Sein und Zeit , hrsg. von Friedrich-Wilhelm von Herrmann (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1977), p. 492.
(((من بين الذين تتبّعوا تطور هايدغر في مقاربته للإيمان الديني ينبري هانس غيورغ غادامير يبرز مواظبة هايدغر على الاعتناء
الحثيث الخفر بمسائل الله والروح والدين والإيمان والمسيحية، انظر:
Hans-Georg Gadamer, « La Dimension religieuse, » dans: Hans-Georg Gadamer, Les Chemins de Heidegger , trad.,
présentation et notes de Jean Grondin, bibliothèque des textes philosophiques (Paris: J. Vrin, 2002), pp. 187-202
انظر: السيرة الحياتية التي وضعها جان غروندان لفيلسوف الفِسارة الألماني
Jean Grondin, Hans-Georg Gadamer: eine Biographie (Tübingen: Mohr Siebeck, 1999).
في المرحلة الثالثة التي علق فيها هايدغر موقف الحياد الفكري في شأن المسألة الإيمانية، وهو الموقف
الذي اعتصم به في أثناء تحليله بنى الاختبار الإنساني في الدازاين، طرأ تحول فكري استثاره الإقبال على
قراءة أعمال كانط والنظر في البنية الميتافيزيائية التي ينهض عليها القوام الإنساني برمّته. فالاهتمام بكتابات
كانط دفع بهايدغر إلى التأمل في ميتافيزياء الدازاين بعينها، وهي مقاربة تستعيد الأسئلة الأربعة التي
صاغها كانط وتستجلي فيها استعدادًا فطريًا في الإنسان يُلزمه الاستفسارَ عن مبررات الرجاء. واستنادًا
إلى طبيعة هذه الأسئلة، يجتهد هايدغر في قراءتها قراءةً مختلفة يستخرج منها المضامين التي تنطوي عليها
والتي تحمله على القول بأنها أسئلةٌ تُنبئ عن محدودية الإنسان. أمّا السؤال الأخير عن ماهية الإنسان،
فإنه يتعدى المدى الأنثروبولوجي ليلامس تخوم الميتافيزياء؛ ذلك أن السؤال ينطوي بصياغته الألمانية على
فعل الكون (ist) ويرمي إلى استجلاء كينونة الإنسان وارتباطها بكينونة الكائنات كافة. وحين يعكف هايدغر على تعيين ماهية الكائن الإنساني (الدازاين) يستوقفه فعل التفلسف الذي يستقطب
أشد حركات الوعي وأفصحها تعبيرًا عن جوهر الوجود الإنساني، ألا وهي حركة التسامي التي تُطل
بالإنسان على المنفسح الأرحب للأشياء ولكينونة الأشياء: «التفلسف هو التسامي البيّ». والتسامي
يحمله هايدغر على معنى تجاوز الذات لذاتها حتى تبلغ أقصى إمكاناتها المنطوية فيها. فالتسامي تحرير
للذات ممّا يكبلها في آنية التحقق الفوري. ومن ثم، ينبغي للكائن الإنساني أن يحرر في ذاته كل طاقات
التفلسف حتى يفوز بأصالة فريدة لكينونته. وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن بنية التسامي في
الدازاين تبرر له الإقبالَ على الفن والشعر والعلم والدين. وهذه كلها تجليات لفعل التفلسف في الكائن
الإنساني. غير أن هايدغر لا يولي المقام عينه للعلم، إذ إنه يعتبره مجرد خادم لفعل التفلسف المحرر. أمّا
(((يستعرض هايدغر أسباب هذا الحياد المعرفي في تحليله الذاتي لكتاب الكينونة والزمن. انظر:
Martin Heidegger, Metaphysische Anfangsgründe der Logik im Ausgang von Leibniz , herausgegeben von Klaus Held, His Gesamtausgabe; Bd. 26: Abteilung 2, Vorlesungen 1923-1944, 2 nd ed. (Frankfurt am Main: Klostermann, 1990), pp.
(((هي الأسئلة التي وضعها كانط لاستجلاء طبيعة المسعى الإنساني في جميع أبعاده (ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب عليّ أن
أفعل؟ ماذا يجوز لي أن أرجو؟ ما الإنسان؟). ومن المعلوم أن كانط يعتبر أن الأسئلة الثلاثة الأولى يختزنها السؤال الأنثروبولوجي الرابع عن ماهية الإنسان. انظر:
Immanuel Kant, Logique, Traduction par L. Guillermit (Paris: J. Vrin, 1966), p. 25.
ولقد تناول هايدغر كانط في مقاربته النقدية للمسألة الميتافيزيائية في بضعة من الأبحاث ظهرت في مجموعة الأعمال الكاملة. انظر:
Martin Heidegger, Phänomenologische Interpretation von Kants Kritik der reinen Vernunft , hrsg. von Ingtraud Görland, His Gesamtausgabe; Bd. 25: Abteilung 2, Vorlesungen 1923-1944 (Frankfurt am Main: Klostermann, 1977); Seminare: Kant, Leibniz, Schiller , Gesamtausgabe/ Martin Heidegger; Bd. 84. Abt., Kant und Hinweise und Aufzeichnungen (Frankfurt am Main: Klostermann, 2013), et das Problem der Metaphysik , Gesamtausgabe. I. Abt., Veröffentlichte Schriften, 1910-1976 / Martin Heidegger; Bd. 3, 6th ed. (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1998).
(((1 انظر:
Martin Heidegger, Der deutsche Idealismus (Fichte, Schelling, Hegel) und die philosophische Problemlage der
Gegenwart, Gesamtausgabe. II. Abteilung, Vorlesungen 1919-1944/ Martin Heidegger; Bd. 28 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1997), p. 235. (11) « Philosophieren ist ausdrückliches Transzendieren » , in: Martin Heidegger, Einleitung in die Philosophie,
Gesamtausgabe. II. Abteilung, Vorlesungen 1919-1944 / Martin Heidegger; Bd. 27 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1996), p. 354.
(((1 انظر: المصدر نفسه، ص.11
الدِّين، فإنه يظهر في هذه المرحلة الثالثة كموضع لاستفسارات الدازاين عن مجموع تجليات الكينونة في
الكائنات قاطبة. فالكينونة، في رحابة تجلياتها، تُفضي بالإنسان إلى الورع الخف ر، فإذا به يعجب من أن الكينونة مقبلة إليه في جميع الكائنات ومنحجبة عنه على نحو أخاذ. ولا سبيل إلى الثبات في هذا الموضع إلّ بالجرأة على استشراف العدم كحالة من حالات تنزه الكينونة عن كل انتساب في الكائنات. فالعدم، أي إعتاق الكينونة من كل ضروب الإسناد الخبري والوصفي، خليق وحده بأن يُظهر الكينونةَ على حقيقتها،
منغلّةً في جميع الكائنات تضخ فيها الحياة، وممتنعةً عنها تسمو عليها وتشدها إليها شدًا. ولا ريب في أن ميتافيزياء الكائن الإنساني (الدازاين) التي وسمت المرحلة الثالثة من مراحل إنضاج التفكر في مسألة الله إنما تعني ارتقاءَ الإنسان من حالة الاصطدام الحابس بالكائنات إلى حالة الانفتاح المشرع على رحابة
الكينونة. والانفتاح هذا لا يتحقق إلّ بانعتاق الدازاين من التحامه الضيق بالموجودات وتساميه عليها: «التفلسف، بما هو إتاحةُ الحدوث للتسامي، هو تحريرٌ للدازاين. حرية الدازاين هي التي تتحرر بذلك،
ولا تقوم الحريةُ إلّ بالتحرر ». هو إذ ا فعلُ التفلسف الذي يتيح للدازاين أن يسمو على الكائنات ويتيح لتسامي الدازاين أن يَدث حدوثًا فاعلً في مسرى البحث عن أصالة الكينونة الكامنة فيه. وعلى قدر ما يتطلب الدازاين عمقَ كينونته، يختبر ضروبًا شتى من الانفتاح على رحابة الكينونة في تنوع تجلياتها. بيد
أن مقام الصدارة ما انفك محفوظًا في هذه المرحلة للكائن الإنساني الباحث عن أصل كينونته واستقلال قوامه وأقصى طاقاته. فالمثال الأول لا يتصوره هايدغر على شاكلة الخير الأفلاطوني، بل يتلمسه في صورة الغاية الكيانية الأسمى التي يتوق إليها الدازاين: «الخير هو ما من أجله يكون الدازاين على ما يستطيع أن يكون عليه، ما به يُقبل الدازاين إلى ذاته ويقرر بذاته لذاته». ومعنى هذا القول أن تسامي الكائن
الإنساني إنما هو إقبال إرادي على عمق الكينونة التي فيه. وهي كينونة إنسانية تشترك مع كينونة الكائنات والموجودات والأشياء وتسمو عليها بما ينشط فيها من وعي للكينونة يسائلها ويرعاها ولا ينفك يستجيب لها ولنداءاتها. ومن هذه النداءات ينبري نداء الإله يستنهض الكائنَ الإنساني إلى أصالة ذاتية فريدة. بيد أن
مثل هذا النداء المنبعث من بنية التسامي التي تنعقد عليها كينونةُ الدازاين لم يستقطب اعتناء هايدغر إلّ في المرحلة الرابعة والأخيرة من مسرى تفكيره الأنطولوجي. ممّا لا شك فيه أن هذه المرحلة الرابعة تتصف بصفات الغوص الصوفي والالتماعات الجوانية والتأملات
الروحية. وهي صفات تلائم المنعطفَ الذي وضع هايدغر على طريق التفكر المباشر بحقيقة الكينونة انطلاقًا من حراك الكينونة عينها، لا من اختبار الدازاين لما يحمله في ذاته من بنى الانفتاح على الكينونة، على نحو ما استبان ذلك في كتاب الكينونة والزمن. فالكينونة، في هذه المرحلة الأخيرة من تفكير هايدغر، هي التي تخاطب الإنسان، وهي التي تُلهمه الكلام والتعبير، وهي التي تُعيّ له مسالك اختباراته التاريخية.
(13) «Philosophieren als Geschehenlassen der Transzendenz ist die Befreiung des Daseins. Befreit wird die Freiheit desselben, und Freiheit ist nur in der Befreiung,» see: Heidegger, Einleitung in die Philosophie , p. 401. (14) «Das Gute ist dasjenige, umwillen dessen das Dasein ist, was es sein kann, worin es zu sich selbst kommt, für sich selbst sich entschieden hat» see: Heidegger, Der deutsche Idealismus, p. 361.
لذلك، لا بد من استهلال بدء جديد للفكر يلائم حراكَ الكينونة الذاتي. ومن الكلمات التي ألهمتها الكينونة
لهايدغر عبارة الإرأيغْني (سِEreignis) الألمانية التي احتار أهلُ الفكر في ترجمتها في الغرب وفي الشرق.
وقد تعني، في ما تعنيه، حركة الكينونة في الإفصاح عن ذاتها انكشافًا وانحجابًا، إقبالا على الكائنات وإدبارًا
عنها، استدخالا لحقيقتها في الكائنات واستدخالا للكائنات فيها، تأتيًا مجانيًا لها في الوجود وانسحابًا خفِرًا لها
من التاريخ. تعبيرًا عن هذه الحركية الجدلية الناشطة في الكينونة، طفق هايدغر، في هذه المرحلة الأخيرة، يستعين
بلغة الشعر، وفي طليعتها، لغة الشاعر الألماني هولدرلين يستنطقه عن أفضل السبل إيحاءً للإتيان بكلام
يليق بمكانة المقدس الرفيعة. وفي موازاة هذا النهج الإيحائي، أكب يتأمل في انتقاد نيتشه الحاد للإله الميتافيزيائي الذي يتماهى هو ومقولة العلة الأولى في الأنظومة الأنطوتيولوجية التي تخلط مبحث الكينونة (الأنطولوجيا) بمبحث اللاهوت (التيولوجيا). ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن حديث هايدغر الأخير عن الإله الذي ينتظره الناسُ ليُنقذهم من محنة الضياع المعاصرة إنما يدل على اختبار صوفي شخصي
أفضى بالفيلسوف الكاثوليكي المنشأ والنشأة والتنشئة إلى الاعتصام بقدرة خلاصية خارقة تستطيع وحدها أن تُعتق البشرية من تصارع الأيديولوجيات الفتاك ومفاسد التقانة الهدامة.
إعتاق الله من قيود الأنظومة الميتافيزيائية
ربما يكون من المفيد التأمل النبيه في صورة هذا الإله الأخير (إله النهايات) الذي أخذ هايدغر يلجأ إليه في معاركته معاثر الشر والفساد في الكون. ولكن قبل الشروع في هذا التحليل، لا بد من استجلاء الموقف الذي يقفه هايدغر من مسألة الانحراف الميتافيزيائي الذي أفضى بالفكر الأوروبي الغربي إلى نشوء الأنظومة الأنطوتيولوجية. فالتعقل الغربي لمقولة الكينونة استند في نشأته إلى ما قاله أفلاطون وأرسطو في شأن الكينونة وارتباطها بالعلة الأولى. وكان هذا التعقل ما فتئ أسيرًا للتحري السببي عن أصل الكائنات.
والحال أن هايدغر لا يستحسن مثل هذا التحري السببي لأنه يضيق على الكينونة في مقولة العلة ويُضعها
لمقولة التعالي الإلهي. وهو بذلك تعقل يُعرض عن اللمعات الفذة التي أتى بها أهلُ الفكر اليوناني الذين
كانوا قبل زمن سقراط يصونون للكينونة مقامَ الصدارة في الفكر ويتيحون للإلهيات أن تتجلى بحرية في
منفسحات الانبساط التاريخي للكينونة.
(((1 الكلمة مشتقة من فعل الاستملاك الذاتي أو الاستدخال الذاتي أو التخصيص الذاتي (ereignen). وبحسب هذا المعنى الأول،
فإن الإرأيغْنيس تعني بلوغ الكائنات كينونتها الخاصة وبلوغ الكينونة أصالتها الذاتية. وفي هذا جوهر المسعى الذي يبرر إعراض
هايدغر عن المقاربة الميتافيزيائية للكينونة، حيث العقل الحساب ينصب الكينونةَ علةً أولى وجوهرًا صمدًا وكائنًا أسمى. والاستملاك
لا يعني في هذا السياق الاستحواذ على الشيء، بل بلوغ الشيء ذاتَه الخاصة واستدخاله لكينونته في عمق ذاته. وثمة معنى آخر
للكلمة في صيغة الفعل المتضمن للفاعل (ereignen sich)، وهو معنى يدل على حدوث الشيء وتأتيه في الوجود. أمّا المعنى الأخير
المشتق من الفعل الألماني القديم الحامل لدلالة النظر (äugnen - er)، فيشير إلى اعتلان حقيقة الشيء واستدعائها لنظر الدازاين حتى يستدخلها في موضع اختباره للكينونة (da انظر:).
Philippe Verstraeten, « Le Sens de l’Ereignis dans Temps et Être, » Les Etudes philosophiques, no. 1: Heidegger (Janvier-
Mars 1986), pp. 113-133; J. Greisch , « Identité et différence dans la pensée de Martin Heidegger: Le Chemin de l’Ereignis, »
Revue des Sciences philosophiques et théologiques , no. 57 (1973), pp. 71-111, et Joseph J. Kockelmans, On the truth of being: Reflections on Heidegger’s later philosophy , Studies in phenomenology and existential philosophy (Bloomington: Indiana University Press, 1984).
فحْوى القول أن هايدغر يروم أن يفصل بين الكينونة والله، وذلك خلافًا لتقليد فكري فلسفي وديني
ضارب في التاريخ يرقى إلى أفلاطون. فالكينونة لا يدركها العقل الحسّاب إدراك التصور والتمثل
والتفهم. وبما أن الكينونة عصية على الإدراك، يجب على الكائن الإنساني أن يأتي إليها من طريق الإيماءات التي تنبعث منها في تجلي الكائنات المتنوع. وحين يختبر هذا الكائن الإنساني ضربًا من ضروب الارتباط
بمقدس إلهي يتسامى على وجوده، فإن مثل هذا الاختبار لا يمكنه أن ينسلك في حيّز الأمور القابلة
للإبلاغ إلّ على قدر ما يراعي حراك الكينونة عينها في انكشافها وانحجابها وإقبالها وإدبارها. فالكينونة
هي المتسع الأرحب على الإطلاق. وما من سبيل إلى اختبار إنساني، مهما تتسام معانيه، إل في نطاق هذا المتسع الأرحب. وقد يكون من الأجدى الحديث عن حضور ممكن للمتسامي والمقدس والإلهي في صميم الرحابة التي تنفرج عنها الكينونة عينها. أمام هذه الرحابة لا يملك الإنسان إلّ أن يخشع في الرهبة، فيمسك ذهنَه ولسانَه ويعتصم بالحشمة
والخفر. فالكينونة هي، بحسب هايدغر، في حالة انقباض وانحجاب، فيما الناس يظنون فيها خضوعًا
لهم فيُقبلون إليها من غير اندهاش أو مساءلة. والحال أن الواجب الفكري يقتضي منهم أن يسترهبوا رحابة
الكينونة وامتناعَ هذه الرحابة عن الإدراك. وما إنْ يرضى الإنسانُ برعاية انحجاب الكينونة عن الأبصار
حتى يتهيأ له أن يختبر بعضًا ممّا توحيه إليه الغيبةُ الإلهية التي يعبّ عنها هايدغر في صورة الإله الأخير أو إله
التخوم القصوى أو النهايات القصوى. فالله غائب لأن حضوره في الكون والوجود والتاريخ لا يستقيم
إلّ إذا سلِمت الكينونة من سطوة العقل الحسّاب وطغيان الآلة التقنية المشوهة، فاعتلنت اعتلانًا حرًا
يخالف ما اعتادت الأذهان على تعقله وتصوره في مقولات الميتافيزياء المقيدة. وما دامت الكينونة ليست
بخير، فإن الحضور الإلهي ليس بخير. ومن ثم، ينبغي للإنسان أول أن يصون لكينونة الكائنات حريتَها
وكرامتَها وحراكَها الخاص قبل أن يتطلب فيها بُعدَ التسامي الإلهي.
وانتهاجًا لمثل هذا السبيل من الرصانة والتروي، يربط هايدغر تجلّ الإله باعتلان الكينونة السليم في
الكائنات: «لا يمكن التفكر في ماهية المقدس إل انطلاقًا من حقيقة الكينونة. ويجب ألّ نتفكر في ماهية
الألوهة إلّ انطلاقًا من ماهية المقدس. ولا يمكن التفكر في ما ينبغي أن تعنيه كلمةُ «الله» والإفصاح عنه
إلّ بالاستنارة بماهية الألوهة ». من الواضح أن تجلي الله مرتبط بتجلي الألوهة، وتجلي الألوهة مرتبط بتجلي المقدس، وتجلي المقدس مرتبط بتجلي الكينونة. وقد يظن المرء أن هايدغر عاد فربط الكينونة بالله،
(((1 الرهبة)Erschrecken(والإمساك)Verhaltenheit(والخفر)Scheu(ينشدها هي الأحوال الثلاث التي ينبغي للفكر التائب أن حين يجرؤ فيلج زمن البدء الجديد في اعتلان الكينونة على غير ما ألفته لها الأذهان من انسلاك في قوالب العقل الحساب. انظر:
« Die Grundstimmung des Denkens im anderen Anfang schwingt in den Stimmungen, die entfernt nur sich nennen
lassen als das Erschrecken, die Verhaltenheit, die Scheu » in: Martin Heidegger, Beiträge zur Philosophie: vom Ereignis,
herausgegeben von Friedrich-Wilhelm von Herrmann, Gesamtausgabe. III. Abteilung, Unveröffentlichte Abhandlungen, Vorträge, Gedachtes; Bd. 65 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1989), p. 14. (17) « Erst aus der Wahrheit des Seins läßt sich das Wesen des Heiligen denken. Erst aus dem Wesen des Heiligen ist
das Wesen von Gottheit zu denken. Erst im Lichte des Wesens von Gottheit kann gedacht und gesagt werden, was das Wort ‘Gott’ nennen soll » , in: Martin Heidegger, « Brief über den Humanismus » , in: Martin Heidegger, Wegmarken,
[mit Randbemerkungen d. Autors; hrsg. von Friedrich-Wilhelm Herrmann, His Gesamtausgabe; Bd. 9: Abteilung 1, Veröffentlichte Schriften 1914-1970, Unveränd. Text (Frankfurt am Main: Klostermann, 1976), p. 351.
فيما هو عازم على ربط الله بالكينونة. وهنا موضع الاختلاف والفرادة في مقاربة هايدغر. وهذا وجه من
وجوه الاختلاف. أمّا الوجه الآخر، فيظهر في تصور كيفيات مثل هذا الربط. فربط الكينونة بالله كان ربط ا
ميتافيزيائيًا يتصور الله أصلً للكينونة وعلة وغاية بحيث تمسي الكينونة صنيعة الله لا تحمل في ذاتها سوى
ما أراده الله له من قوام ينقضي بانقضاء تدبير المشيئة الإلهية. أمّا ربط الله بالكينونة، فيأتي مخالفًا لمقولات
الميتافيزياء وتصوراتها ويدل، بحسب هايدغر، على انسلاك الله الحتمي في أفق الكينونة من غير أن تنشأ بينهما علاقة سببية تراتبية.
أنبياء الغيبة الإلهية
هي هذه العلاقة الفريدة التي يسعى هايدغر إلى استجلاء سماتها باستدعائه ثلاثةً من عظماء الفكر الأوروبي المعاصر هُم: هولدرلين وكيركغارد ونيتشه. ولكل واحد منهم طريقه في تلمس إشارات الغيبة الإلهية التي
تسم الأزمنة المعاصرة وسمً دامغًا؛ فالشاعر الألماني هولدرلين (-1770 1843) أوحى لهايدغر مقولة
«هروب الآلهة». فالآلهة، بحسب هولدرلين، انسحبت من التاريخ، وأمل ها في أن تعود إليه من بعد أن
يستقيم في التاريخ إقبالُ الناس إلى الكينونة. ولن يستطيع الناس الانخراط في مثل هذه المغامرة إلّ حين يفقهون معنى تعرض الكائن الإنساني لاقتدار الكينونة. فهولدرلين، وهو شاعر الشعراء، أدرك، بحسب
هايدغر، أن «الدازاين ليس إلّ التعرض لاقتدار الكينونة الفائق ». ومن جراء هذا التعرض يُضحي
الدازاين هو «الشاهد للكينونة». وبمقتضى هذه الدعوة السامية، ينبغي للإنسان أن يتوق إلى تأصل جديد للكينونة يستند إلى اقتدار الكينونة عينها في الإفصاح عن رحابة تجلياتها. وما من سبيل آخر للإنسان سوى الاعتماد على مثل هذا الإفصاح حتى يتسنى له أن يقيم الرباط السليم بينه وبين نظرائه الناس وبينه
وبين الآلهة. فالسلامة في اعتلان الكينونة هو الشرط الأساس لتجلي الآلهة في التاريخ: «لا إمكان لعلاقةِ
تَناسُبٍ تليق بالكينونة، سواءٌ أصابت الإنسانَ أو الآلهة، إلّ حين تستدعينا الكينونةُ استدعاءَ القدر
لنا». فالكينونة هي الأصل الأول الذي تنبثق منه كل الكائنات انبثاق الوهب العفوي المجاني. وما
اعتناء هايدغر بأناشيد هولدرلين إلّ للتدليل على أن الشاعر الألماني أدرك عظمة الانبثاق الصافي الناشط في الكينونة. وهو انبثاق لا تملك مقولات الميتافيزياء القديمة أن تعبّ عنه تعبيرًا أمينًا. ولذلك أعرض
هايدغر عن الميتافيزياء وتجاوزها طلبًا لتعبير آخر أشد أمانةً لحركة الوهب الأصلي الناشطة في صميم
الكينونة. فكان الإرأيغْنيس سبيلا للإفصاح عمّ يعتمل في الأصل من تفور وهاب أصيل.
(18) « Dasein ist nichts anderes als die Ausgesetztheit in die Übermacht des Seyns » , in: Martin Heidegger, Hölderlins
Hymnen «Germanien» und «Der Rhein» , herausgegeben von Susanne Ziegler, Gesamtausgabe. II. Abteilung, Vorlesungen 1923-1944 / Martin Heidegger ; Bd. 39, 2 nd ed. (Frankfurt am Main: Klostermann, 1989), p. 31.
(((1 المصدر نفسه، ص.61
(20) « Erst wenn das Seyn im Sinne von Schicksal uns anspricht, ist auch eine seinsmäßige Entsprechung, sei es zum
Menschen, sei es zu den Göttern, möglich » , in: Heidegger, Hölderlins Hymnen , p. 174.
(((2 بيد أن هايدغر لا يلبث أن يُقر بإرباك شديد حين يجري البحث عن الكيفيات المحسوسة التي تصاحب حركة الانتقال من
الأصل إلى الفروع، أي من التفور الأصلي للكينونة إلى الاعتلان المتنوع للكائنات والأشياء والموجودات، انظر:
Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 485.
وحين يتناول هايدغر قضية الميتافيزياء، لا بد له من أن يستقرئ ما أفرجت عنه عبقرية نيتشه (-1844 1900) في مساءلته للإرث الفكري الديني الأوروبي؛ فإعلان موت الله في كتابات نيتشه لا يعني على الإطلاق، في نظر هايدغر، أن نيتشه قطع جميع الصلات التي تربطه بمنطق الفكر الميتافيزيائي؛ ذلك أن نيتشه يُغلق زمن الميتافيزياء من غير أن يغادر فضاء الميتافيزياء، فهو يعتبر أن الأزمنة المعاصرة هي أزمنة
العدمية التي تعبّ عن انعدام القدرة على الإتيان بمثُل أو غايات تسمو على الإنسان فتجعله يتفوق على
إنسانيته. ولا جرم أن هذا التصور للعدمية يخالف التصور الذي يناصره هايدغر. فالعدمية هي، بالنسبة إلى هايدغر، الزمن الذي ينبسط أمام الإنسان حين ينسى الجميع الكينونة ومركزية سؤال الكينونة. ومع أن نسيان الكينونة هو من فعل الكينونة، بحيث إن عدمية نيتشه هي من ثمرة فعل الكينونة المنحجبة، فإن الإقبال المتجدد على الكينونة لا يجوز أن يتخذ صورة التفوقية التي ينادي بها نيتشه عينه. فالإنسان الخارق المتفوق المتجاوز للإنسان، وهو الكائن الجبار الذي يرسم نيتشه ملامحَه البهية، ليس هو الحل الأنسب
للحلول محل الإله الذي غيبه العقلُ الحسّاب. والحال أنه لا يجوز على الإطلاق أن يستخرج الإنسانُ هويته
من إرادة الاقتدار التي يتحدث عنها نيتشه كبديل للإله الميتافيزيائي الذي سبق فأعلن موتَه. غير أن فضل نيتشه على الفكر الديني أنه حرره من أصنام إلهية نحتها الدِّين وألصقها بالله. ومع أن هايدغر
لا يوافق نيتشه على إحلال الإنسان المتفوق محل الإله المدفون، فهو يستلهمه في مساءلته لمثل هذا الإنسان الساعي إلى اختبار آخر لله: «ويبقى علينا أن نسأل هل يجد الإنسان المتفوق الباحث عن الله ما يبحث عنه وهل يستطيع، على وجه الإطلاق، أن يجد ما يبحث عنه. وإن سؤالنا يذهب إلى أبعد من ذلك ليعرف
هل هذا الباحثُ عن الله يستطيع، على وجه الإطلاق، أن ينتقل ليُقيم في المدى الذي يُنشئه فعلُ العثور
الممكن، وبالتالي فعلُ البحث الوحيد الملائم. وينبغي لهذا المدى أن يكون بالنسبة إلى فعل البحث عن الله
مدى الألوهة الذي فيه ينبسط الإلهي. وينبغي لهذا المدى قبل كل شيء أن يعين فعل البحث وأن يعين
حتى فعلَ عدم القدرة على العثور ». ويتضح من هذا النص أن الاستلهام يأتي في صيغة الإصرار على خطورة المسألة الإلهية وعسُر البلوغ إلى الفهم الإنساني للغيبة الإلهية. فالسؤال عن الله ينبغي أن يتضمن
اعترافًا بعجز الإنسان عن حسم المسألة كلها؛ إذ إن منطق الإجابة في هذه القضية هو غير منطق الإجابة في القضايا الأخرى. ولذلك أكب هايدغر يتأمل في فعل البحث وفعل العجز عن العثور. وهما فعلان يهيئان
(((2 يعترف هايدغر أن نيتشه هو الفيلسوف الأقرب إليه على الإطلاق، وهو في الوقت عينه الفيلسوف الذي ابتعد كل الابتعاد عن
مسألة الكينونة: «التجرؤ على مناقشة نيتشه كالأقرب إلي، ومع ذلك الاعتراف بأنه في المقام الأكثر ابتعادًا من سؤال الكينونة». انظر:
« Mit Nietzsche die Auseinandersetzung wagen als dem Nächsten und doch erkennen, daß er der Seinsfrage am fernsten
steht » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 176.
(((2 «إن التخلي الذي تُحدثه الكينونةُ هو أصل نسيان الكينونة»
« Die Seinsverlassenheit ist der Grund der Seinsvergessenheit » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 114. (24) « Uns bleibt zu fragen, ob der Gott-suchende Übermensch das findet und überhaupt finden kann, was er sucht.
Unsere Frage fragt noch weiter hinaus, ob dieser Gottsucher sich überhaupt in die Dimension des möglichen Fundes und somit des allein gemäßen Suchens bringt und zu bringen vermag. Diese Dimension müßte für ein Gott- Suchen diejenige der Gottheit sein, in der Gotthaftes west. Diese Dimension müßte allererst das Suchen, sogar das Nichtfindenkönnen be-stimmen » , in: Martin Heidegger, Metaphysik und Nihilismus , herausgegeben von Hans-Joachim
Friedrich, Gesamtausgabe. III. Abteilung, Unveröffentlichte Abhandlungen, Vorträge, Gedachtes/ Martin Heidegger; Bd. 67 (Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 1999), p. 193.
فعل الورع والخفر والتقوى أمام الغيبة الإلهية. وحده مثل هذا الفعل الإنساني يمهد السبيل إلى انكشاف
البُعد المقدس في امتداد الوجود الإنساني الأصيل المنصب بكلّيته على مساءلة الكينونة وجعل الكينونة
عينها تسائل الإنسان وتستنهضه وتدفعه إلى الانسلاك في مداها الرحب. وهذا كله استخرجه هايدغر من
معاينته لمقولة موت الله في فكر نيتشه، وهي المقولة التي تضع نيتشه في مقام الباحث الجدي عن الله. غير
أنه بحث لا يليق به أن يخضع لمفاهيم الميتافيزياء الغربية لأنه يومئ من بعيد إلى الاستهلال الفكري المقبل
المصاحب للصحوة الإنسانية الراعية لسمو الكينونة في سر انجلائها وانحجابها. في هذا الموضع عينه ينكشف الأثر العميق الذي تركه كيركغارد (-1813 1855) في فكر هايدغر.
ومع أن هايدغر لم يخصص للفيلسوف الدنماركي بحثًا مستفيضًا، فإنه عاين فيه استنهاضًا لفهم يلائم فعل
القرار الذي يحكم استهلال الزمن الجديد، زمن اعتلان الكينونة تحت أعراض انحجابها. فالاستهلال
الفكري المقبل لا ينبثق من فعل الإرادة البشرية البحتة، بل هو قرار مصيري يصدر رأسًا من حركة
الكينونة الحرة، ولكأن الكينونة، في عمق قوامها، هي التي تنحجب طوعًا فتخلي السبيل للإنسان الحسّاب
المهيمن على الكائنات والأشياء والموجودات، وهي التي تنكشف طوعًا حين ترسم أن في انحجابها شيئًا
من كشف لرحابة غناها الأصيل. ولا بد هنا من التذكير بأن هايدغر، من بعد أن انتقل إلى المرحلة الثانية
من فهمه لسر الكينونة، أخذ يُلبس اللفظة الألمانية Sein ضمة من الصيَغ الغريبة صونًا لها من استقطابات
العقل الميتافيزيائي لها، وتحريرًا لها من موروث الفهم السائد في الفلسفة الغربية. فإذا بالكينونة في صيغتها
الألمانية المألوفة تضحي في رسم جديد تارةً على هذا الشكل (Seyn)، وتارةً أخرى مشطوبًا فوقها بخط
ينبئ عن رغبة قوية في إعتاقها من كل سطوة ذهنية ممكنة. وقد تكون عبارة «الك وان» هي التعريب الملائم
للرسم الجديد. ومن ثم، فالقرار الوجودي الذي كان كيركغارد يتّكل عليه ليُسعف الإنسان على حسم
أمره والالتزام الإيماني الواثق إنما يُضحي في فكر هايدغر قرارَ الكينونة عينها التي تحسم أمرها فتنحجب
في زمن التقنية الهدامة، ولا تلبث أن تومئ من بعيد إلى الإنسان لكي تستحثه على الإصغاء إصغاءً أشد
صفاءً لنداءاتها المبثوثة في الأشياء والكلمات. وقد يعني هذا كله أن تاريخ البشرية ليس هو تاريخ الإرادات
الفردية والجماعية التي تظن أنها تقبض على مسرى الحوادث، بل هو تاريخ الكينونة عينها تُقبل إلى الكائنات
وتُدبر عنها، وتعتلن في الأشياء وتغور فيها، وتنبسط في الكلمات وتنضوي فيها. وما الأنظومات الفكرية
التي أنشأها الفلاسفة منذ زمن الإغريق سوى التعبير عن ضروب شتى من إطاعة أوامر الكينونة، أو قل
هي ضروب «القرار الملائم للك»ِوان، أي للكينونة التي تستنهض الإنسانَ بحرية الآمرة الناهية في زمن
الاستهلال الجديد. من البيّ أن مقاربة هايدغر لله تروم تحرير الله من الصور اللاهوتية والفلسفية التي علقت به في غضون
التاريخ. وما استدعاء صورة المقدس إل للتذكير بأن الدنو من الله لا يجوز إلّ في كثير من الرعدة والمخافة
والمهابة والورع. فالكينونة التي تُرب ك المنطق في رحابة غناها وبساطة قوامها وعمق مداها وتنوع حراكهاِ
هي الطريق إلى المقدس. والمقدس الذي ينشأ من استرهاب الإنسان لعظمة الكينونة هو الطريق إلى
الألوهة. والألوهة التي تُفصح عمّ يختزنه المقدس من طاقة عظيمة على الإشارة البعيدة المدى هي الطريق
(((2 جان غريش من الباحثين الذين يؤيدون تأثر هايدغر بفكر كيركغارد المستنهض للقرار الوجودي. غير أن مثل هذا القرار لا يأتي،
بحسب هايدغر، من عزم الإنسان، بل من مشيئة الكينونة عينها. انظر:
Greisch, Le Buisson ardent et les lumières de la raison , pp. 651-653. (26) « Entscheidung für das Sein » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 91.
إلى الله. بيد أن هذه الطرُق جميعها ليست آمنة ولا سالكة لأن موقع الانطلاق الأول هو انغمار الكينونة
بظلال الغموض الوضاح وتعثّر الإنسان في البلوغ إلى عمق معاني الكينونة ومقاصدها. وللتعبير عن مثل
هذا الإرباك، طفق هايدغر يتحدث عن ضياع آثار المقدس في الوجود: «المقدس، بما هو أثر للألوهة، لا
يُفقَد فحسب، بل إن آثار هذا الأثر الدارس أوشكت هي أيضًا على التلاشي». حتى المقدس الذي هو
الوسيط بين الكينونة والألوهة دخل في طور الغيبة والاختفاء، والسبب في ذلك كله أن العالم أسلم كيانَه
إلى التقنية وأصبح خاضعًا لمقتضياتها. وفي هذا السياق يتجلى مقام الشعراء في معاينة واقع الغيبة الإلهية،
غيبة المقدس وغيبة الألوهة وغيبة الله في زمن الهيمنة التقنية الشاملة. فالتأمل في الغيبة هو، في وجه
من الوجوه، تأمل في الحضرة وقد توارت آثارها والتبست معالمها. ومن ثم، فإن اختبار الخلاص المفقود
هو أيضًا شرط من شروط الاعتلان الإلهي المقبل. فإذا بالمسرى الشرطي التدرجي يتعزز باستضافة دائرة
خامسة هي دائرة اختبار الخلاص المفقود. وهي دائرة تتوسط بين اختبار الكينونة واختبار المقدس بحيث
لا يستطيع الإنسان أن يختبر المقدس ما لم يختبر الخلاص المفقود.
الإله الأخير في إطلالته المقبلة
رأس الكلام في هذا كله أن الإله الأخير أو الإله الإلهي أو إله النهايات القصوى غدا الاسم الجديد
لله في كتابات هايدغر المتأخرة؛ فالإله الذي يتحدث عنه هايدغر يظل بعيدًا بالرغم من ظهور ملتبس
للمقدس في زمن التقنية القاهرة. ولا بد من اختبار الحزن المقدس في هذا الزمن الرديء قبل السؤال
عن هذا الإله الإلهي. غير أن اختبار الغيبة الإلهية لا يستتبع الانقباض واليأس والاستسلام، بل يستتلي
ترقب انبلاج الآفاق الجديدة التي منها ستنبثق علامات الاستهلال الموعود. أمّا الاستماتة الطقوسية
في استجلاب الحضرة الإلهية، فلن ت دي نفعًا في المؤسسة الدينية وهيكل العبادة وأنظومة التحري
الميتافيزيائي؛ فحين تتوارى الآلهة، لا قدرة للإنسان على استرجاعها بالقوة: «ذلك كله يظل مجرد سعي
ثقافي وقد تنوعت أشكاله، ولا يضحي ما ينبغي أن يكون عليه ما دامت الآلهة هاربة. وحين يموت الإله،
لا تقوم قيامة للصورة وللهيكل بفضل جوائز التسابق. وهذا الإله لن يأتي به الكهنة ما لم تضَرب الآلهة
بصواعقها. وهي لن تضرب ما لم تجد أرضُ المهد وما لم يجد شعبُ هذه الأرض كله موضعًا لهما في نطاق
العاصفة. إل أن هذا الشعب لن يدخل أبدًا في نطاق العاصفة ما دام أنه، بكليته، لم يستدخل في وجوده
(27) « Nicht nur das Heilige geht als die Spur zur Gottheit verloren, sondern sogar die Spuren zu dieser verlorenen
Spur sind beinahe ausgelöscht » in: Martin Heidegger, Holzwege , hrsg. von Friedrich-Wilhelm von Herrmann, His
Gesamtausgabe: Abt. 1, Veröffentlichte Schriften 1914-1970; Bd. 5 (Frankfurt am Main: Klostermann, 1977), p. 272.
(((2 رسالة الشعراء، بحسب هايدغر، أن «يختبروا غياب الخلاص بما هو خلاص». انظر:
Heidegger, Holzwege , p. 319.
ولا شك في أن مثل هذا الاختبار هو الذي يؤهلهم للانفتاح على آفاق المقدس. (((2 حين يتحدث هايدغر عن حاجة الفكر إلى الشعر والشعراء لا يتورع عن ربط مصير المقدس برسالة الشعراء الذين يعاينون في
الغيبة حضورًا وفي الفقد كسبًا وفي الامتناع تأتيًا:
« Erst im weitesten Umkreis des Heilen vermag Heiliges zu erscheinen. Dichter von der Art jener Wagenderen sind, weil
sie das Heillose als ein solches erfahren, unterwegs auf der Spur des Heiligen » , in: Heidegger, Holzwege , pp. 319 et 384.
(((3 «صحيح أن المقدس يظهر. بيد أن الإله يظل بعيدًا:»
« Das Heilige zwar erscheint. Der Gott aber bleibt fern » , in: Martin Heidegger, Erläuterungen zu Hölderlins Dichtung ,
4th ed. (Frankfurt am Main: Klostermann, 1981), p. 27.
التاريخي، بما هو عليه، الضرورةَ الأشد إيغالا فيه، ضرورةَ موت الآلهة يختبرها اختبارًا أساسيًا ويتحملها
تحملا طويلَ المدى ». ومعنى هذا الوصف الشعري أن الإنسان بات يتعيّ عليه أن يضطلع بمسؤولية
الغيبة الإلهية التي يعبّ عنها غياب الآلهة. وما من سبيل آخر إلى التفلت من هذا الواقع الذي تفرضه
انغلاقات الميتافيزياء وإرباكات الأنظومات اللاهوتية؛ فالسبيل إلى اختبار الحضور الإلهي في إقبال الآلهة إلى الناس أغلقته الأنظومة الميتافيزيائية التي تحبس الكينونة في دائرة الكائنات وتدّعي القبض عليها في نطاق مقولات المنطق الحاصرة. ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن نسيان الكينونة الذي يعبّ عن تخلي الكينونة عينها وإعراضها عن
التأتي العفوي هو الذي يُفضي إلى الغيبة الإلهية؛ فالآلهة لا معنى لها إلّ بارتباطها باختبارات الناس القصوى.
واختبارات الناس القصوى لا معنى لها إلّ بانفتاحها على الالتماعات المنبجسة من السماء. والالتماعات
هذه لا معنى لها إلّ على قدر ما يصون الناسُ حرمةَ الأرض. فالأرض والطبيعة والكون الأرحب مَرمة لا
يحل انتهاكها على نحو ما ترتكبه التقنية المعاصرة القاهرة. ومن ثم، ينبغي لهذه الكتَل جميعها أن تنسلك في
مؤتلف رباعي هو المتربع الأصلي (das Geviert) الذي يحمل في طياته شروط التجلي السليم للإله الإلهي. وعلى قدر ما تستقيم العلاقة في هذا المتربع الأصلي بين الناس المائتين والآلهة والأرض والسماء، يتهيأ للإله
الغائب أن يعود من غيبته وينكشف في غير ما ألفه الناس من اعتلانات لله في الأنظومة الدينية الأفلاطونيةِ الأصل المسيحية الصياغة. بيد أن الزمن الحالي ليس زمن الإعداد للعودة الإلهية؛ ذلك أن الناس ما تعودوا الإقبال الهني إلى الكينونة في عمق غناها. فهُم ما انفكوا يصُرون على إدراك الكينونة من موقع المبادرة
الإنسانية العقلية المحضة، في حين أن الكينونة تروم أن تبادر هي إلى ملاقاة الإنسان ومناداته واستدعائه واستنهاضه: «غير أن الانعطاف اليوم هو ضروري (...)، وهو الانعطاف الذي بمقتضاه لا يكون أصل
الكائن في الإنسان، بل يكون أصل الكائن الإنسان في الكينونة (الك»)ِوان. ولذلك، قال هايدغر في أشد كتبه ابتعادًا عن أنظومة العقل الحسّاب، عنيتُ به كتاب الإسهامات، قال بأن الزمن ما برح عاجزًا عن
«نظم النظمة الحرة لحقيقة الكينونة (الكِوان) انطلاقًا من الكينونة (الكِوان) عينها ». فالإنسان المعاصر
ينبغي له أن يبحث في اليوم الحاضر عن قول رزين يلائم حقيقة الكينونة (الكِوان) في اعتلانها الحر للإنسان.
(31) « All das bleibt nur ein veränderter Kulturbetrieb und wird nie, was es sein soll, solange die Götter geflohen sind.
Es wird nie Bild und Tempel durch Preisausschreiben, wenn der Gott tot ist. Es werden keine Priester, wenn die Blitze der Götter nicht schlagen, und sie schlagen nicht, wenn nicht die heimatliche Erde und ihr ganzes Volk als dieses in den Gewitterraum zu stehen kommt. Es wird aber nie in diesem Gewitterraum einrücken, solange es nicht als Ganzes in seinem geschichtlichen Dasein als solchem die innerste Not des Todes der Götter zur wesentlichen Erfahrung und zu einem langen Ausdauern bringt » , in: Heidegger, Hölderlins Hymnen , p. 100. (32) « Jetzt aber ist not die große Umkehrung […] in der nicht das Seiende vom Menschen her, sondern das Menschsein
aus dem Seyn gegründet wird » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 184.
((3(يرد هذا النص في سياق حديث هايدغر عن المقاربة الجديدة للكينونة (الك وان) انطلاقًا من حركة التأتي العفوي الذي يُتيح
للإنسان أن يختبر انكشاف الكينونة من غير أن يأسرها هو في إدراكاته العقلية المحضة. ومن المفيد هنا ذكر النص الألماني في جميع عناصره:
« Somit vermögen die ‘Beiträge’, obzwar sie schon und nur vom Wesen des Seyns, d. i. vom ‘Er-eignis’, sagen, noch
nicht die freie Fuge der Wahrheit des Seyns aus diesem selbst zu fügen » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 4.
وعندئذ يأتي زمن التأله الملائم لإله الآلهة. وممّا يدل عليه هذا التألهُ أن إله النهايات القصوى يكتسب صفتَه
الإلهية الحقيقية التي تخالف ما انعقدت عليه الأنظومة اللاهوتية المسيحية من تصورٍ لله في هيئة العلة الأولى
والكائن الأسمى. ويتضح ممّا سبق أن اعتلان الإله الإلهي ينبغي أن يجري الإعداد له إعدادًا لائقًا بمكانته الفريدة؛ ذلك أن
خصائص هذا الإله لا تُكتسب ممّا اعتاده العقل الميتافيزيائي اللاهوتي، بل من مسرى التأله الناشط في
زمن التهيئة الملائم لاعتلان الألوهة. وحده مثل هذا التأله (Götterung) يضع الألوهة (Gottschaft)
في مقامها الصحيح، بيد أن هذا التأله له مدلول خاص في عرف هايدغر، فهو، من وجه، يعني تحرير
الإشارات المنبئة عن الإله الإلهي من أثقال التصورات الميتافيزيائية اللاهوتية، وهو، من وجه آخر، يعني
سلوك الألوهة في حقل الاختبار الأصلي الذي فيه تتجلى حقيقة الكينونة في هيئة جديدة (الك وان) لم
يألفها الناس إلى اليوم. فإذا استطاع الإنسان الدازاين أن يختبر اختبارًا كلي الجدة ما تنطوي عليه هذه
الكينونة المقبلة إليه من قوام مذهل في غناه ومربك في بساطته، تسنّى له أن يدخل في نطاق الكشف
الجديد الذي يبسطه الله في ألوهته الفذة. وممّا لا شك فيه أن ألوهة الإله الإلهي عادت لا تحمل فيها
معاني اللامتناهي واللامحدود واللامشروط، على نحو ما تصورته فيها مقولات الأنظومة الأفلاطونية
على سبيل المثال. وأمّا أفصح الأقوال التي ساقها هايدغر في صورة الإله الإلهي، فهي أنه جعل اعتلانَه ممكنًا في دائرة
الإرأيغنيس، أي في حركة التأتي العفوي للكينونة في حلها وترحالها، وفي حضورها وغيابها، وفي انبساطها
وانقباضها: «في انبساط ذات حقيقة الكينونة (الكِوان)، في الإرأيغنيس وبما هو إرأيغنيس، يتوارى الإلهُ
الأخير». هذا التواري هو التعبير الأفصح عن الغيبة الإلهية التي لا تعني الانعدام المطلق لله. فالله، ولئن
احتجب، لا يني يعرّج على الوجود وعلى الناس وعلى التاريخ. غير أن الناس لا يفقهون مثل هذا المعراج.
ولذلك ما انفك هايدغر يحث الإنسان على التحلي بصفات «الباحث» و«الراعي» و«الساهر». فالإنسان
الدازاين هو، بحسب كتابات هايدغر الأخيرة، «الساهر على سكينة مرور الإله الأخير». وقبل أن يسهر
على هذه السكينة، ينبغي له أن يرعى الكينونة عينَها رعاية الاضطلاع النبيه بالرسائل والإشارات والإيحاءات
التي تحملها إليه، ولا سيما في انحجابها عنه. وممّا تفترضه هذه الرعاية أن الإنسان ما عاد يتصف بصفة
الحيوان العاقل، بل بصفة المقتبل لاعتلانات الكينونة وانحجاباتها؛ إنه مستودع أسرار الكينونة، لا المستبنط
لقواعد الكون والطبيعة والتاريخ والمهيمن المطلق عليها. وبما أن مقاربة ذات الإنسان لا تجوز إلّ «فِساريًا »
(hermeneutisch)، أي انطلاقًا من مشروع الكينونة المقبلة إليه، فإن الإنسان لا يبلغ عمق حقيقته إل على
قدر ما يشرع كيانَه أمام الكينونة المغرقة في اختلافها وفرادتها وغربتها وغرابتها. لذلك، لا يكون الإنسان
. Heidegger, Beiträge zur Philosophie p. 4 ((3(انظر:
(((3 انظر:
Martin Heidegger, Besinnung , Gesamtausgabe; Bd. 66 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1997), p. 98. (36) « In der Wesung der Wahrheit des Seyns, im Ereignis und als Ereignis, verbirgt sich der letzte Gott » , in: Heidegger,
Beiträge zur Philosophie , p. 24. (37) « Wächter der Stille des Vorbeigangs des letzten Gottes » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 23.
إنسانًا إلّ على قدر ما يلازم الكينونة ويلاقي الإله الأخير، فهو حارس الكينونة وراعيها، والساهر على معراج
الإله الأخير. ولا عجب، من ثم، أن يأتي هذا الإله الأخير في هيئة المنبئ عن استهلال جديد للألوهة. فالآلهة التي اختبر
الناس حضورها في غضون التاريخ لا تُعد ولا تُصى. ولكنها، على كثرتها وتنوع إيحاءاتها، لا تملك في
ذاتها أن تهيئ مجيء الإله الأخير، إذ إن هذا الإله ليس هو نهاية التاريخ، بل البداية الأقرب إلى الأصول
الأولى. وما من سبيل إليه إلّ بالإصغاء إلى إيماءات الكينونة المقبلة إلينا من انحجابها الأقصى. وعليه،
فإن مقاربة هايدغر لمثل هذا الإله الأخير، إله النهايات القصوى، ليست ضربًا من ضروب علم اللاهوت،
بل هي أشبه بإسخاتولوجيا الكينونة تروم التفكّر في مصائر الكينونة وفي تدابيرها المحتومة للإنسان.
غير أن مثل هذا التفكّر لا يجوز إلّ استنادًا إلى حركة الإرأيغنيس التي تصون الكينونة من التملك والتصرف
والاستبداد. وهذا كله من خصائص الأنظومة الأنطوتيولوجية التي لا يني هايدغر يناهضها ويفتضح
التواءاتها. ومع أنه يحذّر الجميع من إقحام اسم الله في معترك التفك ر الفلسفي، فإنه لا يلبث أن يتناول
اسم الله في مقاربة الفكر الأنطولوجي الجديد الذي يتجاوز الميتافيزياء، وهو الفكر الذي يُعرض عمدًا عن
تصور الكينونة في ثبات حضورها ودوام قابليتها للاستدعاء والاستقدام والاستجلاب. ولذلك يحمل
هايدغر الفكرَ الجديد المبني على حركة الإرأيغنيس مسؤوليةَ تحرير الله من مقولات العلة الأولى والمطلق
والخالق والديان، وهي مقولات تشبه شبهًا كبيرًا ما تبنيه عقول الناس من مثُل عليا تخضع في مصدرها
الأول لمنطق الموجودات والكائنات. والحال أن فكر الكينونة الجديد (الك وان) يقتضي من الإنسان أن
يبحث في الله عمّ هو أشد إظهارًا لألوهة الله.
وكما أنه لا يجوز للمرء أن يخلط بين الله والكينونة، كذلك لا يجوز له أن يخلط بين الله والإرأيغنيس؛ ذلك أن
«الإله الأخير ليس هو الإرأيغنيس بعينه»، فالإرأيغنيس هو التعبير عن حركة بلوغ الكينونة إلى قوامها
الحق من خلال انغلالها في الكائنات وامتناعها عن الكائنات. أمّا العلاقة الناشطة بين الله والكينونة،
فينبغي أن يتصورها الفكر الجديد بمعزل عن مقولات التسامي الميتافيزيائية؛ فالله ليس متساميًا على
الكينونة، ولا الكينونة متسامية على الله. ولا يمكن لمقولة التسامي، في سياق فكر الكينونة الجديد، أن تعب
عن حقيقة العلاقة التي يعاينها هايدغر ناشطة بين الله والكينونة. ولذلك كانت مقولة الفسحة البينية أو
البينية هي المقولة التي تلائم ما تنشئه حركة الإرأيغنيس من ارتباط بين الله والكينونة. وهذه البينية هي
التي تُتيح التلاقي المثمر بين الآلهة والناس المائتين والأرض والسماء. وبحسب ما تقتضيه هذه الفسحة
البينية، يمكن المرء أن يفهم ما يعنيه هايدغر حين يفاجئ الجميع بقولته: «إن الإله الأقصى يحتاج إلى
الكينونة (الك»)ِوان. بيد أن هذه الحاجة ليست حاجة الشرط المنشئ للوجود، بل هي حاجة الارتباط
العفوي غير المقترن بضرورات العلة والمعلول. فالإله الأخير يرغب في ملاقاة الإنسان في نطاق الاختبار
الأصيل الذي ينشط في معترك المتربع الحيوي حيث الآلهة والناس المائتون والأرض والسماء موضع سَنيِ
من مواضع انبساط الكينونة في بهاء حريتها وعفوية إقبالها وعظمة تحفظها. وممّا لا شك فيه أن الملاقاة لا
(((3 انظر: المصدر نفسه، ص.416
(((3 انظر: , p. 327. Holzwege Heidegger,.Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 438 ((4(انظر:
(((4 المصدر نفسه، ص.409
(42) « Der äußerste Gott bedarf des Seyns » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 408.
تتخذ على الإطلاق شكل المكوث والتلبث والديمومة القابلة للقبض والاستنفاد؛ فالله لا يلاقي الإنسان
إلّ في هيئة الزيارة اللماحة تترك في الكيان أثرًا وفي الوجود التماعًا وفي الحياة اهتزازًا.
ومع ذلك، فإن زيارة الإله الأخير أو معراجه المباغت لا يمكن أن يحدث إل في نطاق اختبار المحدودية المطلقة للكينونة وللكائنات. فإله النهايات القصوى لا يملك في ذاته أي ضرب من ضروب التعالي
والتسامي والتفوق، وهو لا يأتي الإنسانَ الدازاين ويومئ إليه إل في داخل الحدود التي ما انفكت مرتسمة
في آفاق الوجود الإنساني: «هنا تنكشف محدودية الكينونة الأشد التصاقًا بها، تنكشف في تلويحة الإله
الأخير». فالمحدودية ثلاثية الأبعاد في فكر هايدغر؛ فهي أولً محدودية الكينونة التي لا قدرة لها على تجاوز مداها إلى ما يتسامى عليها. فالكينونة، في محدوديتها، هي، على وجه المفارقة، كل شيء ممكن في الوجود. وما من حيّز في الكون لا تستغرقه الكينونة. فليس ما هو أعلى من الكينونة أو أدنى منها. إنها
الكل في الكل. وهي ثانيًا محدودية الإنسان الدازاين المنفتح على مدى الكينونة الأرحب. فالإنسان لا
يجوز فيه أن يتصور له عالما فوقيًا لا يخضع لحكم الكينونة واستغراقها له. وهيثًالثًا محدودية الإرأيغنيس
في حركة إقبال الكائنات إلى كينونتها وإقبال الكينونة إلى ذاتها وتلاقي الناس المائتين والآلهة والأرض والسماء. فالحركة محدودة بحدود اختبار الإقبال التاريخي على الأصالة الذاتية. وقد تُذكر هذه الأبعاد
الثلاثة بالعمل التوحيدي الذي أنجزه أرسطو حين أعرض عن قسمة الوجود الأفلاطوني إلى عالمين فوقي وتحتي واكتفى بوحدة العالم القديم، من غير أن يتغاضى عن موقع فريد في صميم هذا العالم نسبه إلى الكائن الأول أو المحرك الأول.
استقبال الكينونة في غربتها تمهيد لعبور الإله الأخير
يتضح من هذا كله أن الإله الأخير، أو الإله الإلهي أو إله النهايات القصوى، لا يشبه في أي وجه من الوجوه إلهَ الأديان التوحيدية. إنه الإله الذي ينتمي في وجه من الوجوه إلى محدودية الكينونة
ومحدودية الإنسان ومحدودية الإرأيغنيس. ولذلك لا تتجلى هوية هذا الإله الأخير إل على قدر ما يتأمل المرء في هوية الإرأيغنيس الذي يُفصح عن حركة الإقبال إلى الأصالة، إقبال الكينونة
والكائنات والإنسان إلى عمق التحقق الذاتي المنشود. بيد أن هذا الإقبال لا يُفضي في خاتمته إلى
اعتلان الله. فالإله الهايدغري يعرّج على الإنسان من غير إنذار أو استئذان؛ يعرّج عليه وهو في حالة
الإقبال المستمرة إلى انبساطات الكينونة المتقلبة. وليس لهذا الإله من استقرار في التاريخ لأنه إله المعراج والعبور والتلويح. وليس فيه أي شكل من أشكال الديمومة والثبات والتأبد. وهذه كلها
من خصائص الألوهة العُلْوية الميتافيزيائية. وفي جميع الأحوال، يحث هايدغر الفكرَ الجديد على صون حرية الله في اعتلاناته العابرة. فالله هو صاحب
المبادرة في الاعتلان. ولا يمكن أن يعتلن إل إذا تهيأت له أسباب الانكشاف السليم لحقيقة الكينونة. وكما
(43) « Hier enthüllt sich die innerste Endlichkeit des Seyns: im Wink des letzten Gottes » , in: Heidegger, Beiträge zur
Philosophie , p. 410.
أن الإنسان ينبغي له أن يرعى انكشاف الكينونة وانحجابها من غير أن يحصرها في قوالب الإمساك العقلي، كذلك ينبغي له أن يصون إقبالات الله إليه في حرية معراجه. ومع أن هايدغر يُ جم عمدًا عن القول
الحاسم في شأن تعدد الآلهة في المتربع الأصلي وفي شأن وحدة الإله في إطلالاته العابرة، فإنه يصر إصرارًا
عظيمً على إعتاق الإله الأخير من جميع أصناف الوصف التي ما انفكت الأنظومات الدينية تعتمدها في مقاربتها الميتافيزيائية لله: «وحدانية الله وحدانية مطلقة تقع في خارج دائرة التعيين الحسابي الذي تشير إليه
عناوين التوحيد والحلولية والإلحاد. فالمذهب التوحيدي وكل المذاهب المشتقة من الإلهيات ما قامت إلّ
انطلاقًا من اللاهوت الدفاعي اليهودي- المسيحي، وهو اللاهوت الذي يعتمد على الميتافيزياء كفرضية
فكرية له. إل أن موت هذا الإله أسقط جميع المذاهب المشتقة من الإلهيات. أمّا تعدد الآلهة، فإنه لا يخضع
للعدد، بل للغنى الذاتي اللصيق بالأعماق والأغوار المستقرة في موضع الحدث الآني الذي فيه تلتمع وتنحجب تلويحة الإله الأخير». لا ريب في أن مثل هذا القول يُنبئ عن تحول عظيم ينبغي للفكر
الجديد أن يختبره إذا ما رام التماشي مع المقتضيات المعرفية التي تستتليها اختبارات عبور الإله الأخير. فالأنظومات الدينية اعتادت أن تتناول الله استنادًا إلى مقولات الميتافيزياء الإغريقية، وفي مقدمتها مقولة
الحضور الدائم الثابت المطرد والبنية السببية للكائنات والقصد الغائي الأخروي للوجود. والحال أن فكر
الكينونة (الك وان) الجديد يحتم على الإنسان أن يبتكر لغة فذة تعينه على الاستعداد استعدادًا يليق بكرامة
الإله الأخير الذي يعسر على الناس ملاقاته ما داموا يعجزون عن اختبار بساطة الكينونة (الك وان) في رحابة تفتحاتها ومغازي تشنجاتها. فالأجدر بهم أن يدركوا أن معاينة الإله الأخير في معراجه لا تستقيم
فيهم إلّ إذا أعدّوا أنفسهم لاختبار جديد لكينونة الكائنات والأشياء والموجودات: «إننا، انطلاقًا من
موقف نقفه من الكائن قد عينته لنا ‹الميتافيزياء›، لا نستطيع إل بالعسُر والتمهل أن نعرف هذا الأمر
المختلف، وهو أن الله لا يعود فيظهر لا في ‹المعيش› الشخصي ولا في ‹المعيش› الجماعي، بل في غور لجة
الكينونة (الك وان) عينها. إن جميع ضروب ‹العبادة› و‹الكنائس› المألوفة حتى الآن وما شاكل ذلك على
وجه الإطلاق لا يمكنه أن يهيئ تهيئةً جوهريةً لتشابك الله والإنسان في وسط الكينونة (الك»)ِوان. ومعنى ذلك أن ما ألفه الناس من ضروب التدين لا يستطيع أن يساعدهم على الإتيان باختبار جديد للإله
الأخير. فالإنسان ينبغي له أولا أن يختبر تخلي الكينونة عن ذاتها وعن الكائنات. ومن ثم، يمكنه أن ينظر
نظرًا جديدًا إلى كينونته وقد سلكت مسلكًا متواضعًا يليق بعظمة سر الكينونة عينها. وحينئذ يتهيأ له أن
يختبر ملاقاة الله في معترك اختبار الكينونة المتجدد.
(44) « Der letzte Gott hat seine einzigste Einzigkeit und steht außerhalb jener verrechnenden Bestimmung, was die Titel
‘Mono-theismus’, ‘Pan-theismus’ und ‘A-theismus’ meinen. ‘Monotheismus’ und alle Arten des ‘Theismus’ gibt es erst seit der jüdisch-christlichen ‘Apologetik’, die die ‘Metaphysik’ zur denkerischen Voraussetzung hat. Mit dem Tod dieses Gottes fallen alle Theismen dahin. Die Vielheit der Götter ist keiner Zahl unterstellt, sondern dem inneren Reichtum der Gründe und Abgründe in der Augenblicksstätte des Aufleuchtens und der Verbergung des Winkes des letzten Gottes » , in:
Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 411. (45) « Herkünftig aus einer durch die ‘Metaphysik’ bestimmten Stellung zum Seienden werden wir nur schwer und
langsam das Andere wissen können, daß weder im ‘persönlichen’ noch im ‘massenweisen’ ‘Erlebnis’ der Gott noch erscheint, sondern einzig in dem abgründigen ‘Raum’ des Seyns selbst. Alle bisherigen ‘Kulte’ und ‘Kirchen’ und solches überhaupt kann nicht die wesentliche Bereitung des Zusammenstoßes des Gottes und des Menschen in der Mitte des Seyns werden » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 416.
الإيمان الحقيقي إعراض عن الرجاء الوثوقي
خلاصة القول أن هذا الإله الأخير لا يحتاج إلى الأديان ولا إلى الأنظومات اللاهوتية ولا إلى العبادات والطقوس حتى يتجلى في معراجه الطارئ على التاريخ؛ فالأديان التي تؤله ما تظن فيه أسمى الكائنات،
إنما تخطئ خطأً جسيمً لأنها إنما تؤله كائنًا من الكائنات وتضعه فوق الكائنات وفوق الكينونة. والحال
أن الإله الأخير ليس فيه شيء من خصائص التأليه التي ألفتها الأنظومات الدينية. وليس هو من خارجِ الكينونة لأن الإنسان لا يستطيع أن يواجهه مواجهةَ الاصطدام الإيجابي (Zusammenstoß) إل في صميم الكينونة وقد استعادت حريتَها وانبسطت في مدى أصالتها الحقة. بيد أن عبور الإله الأخير وملاقاته في صميم الكينونة حادث من الحوادث التي لا يقوى الإنسان على انتظارها لأنها تأتي إليه من خارج تاريخ الأديان ومن خارج تاريخ الميتافيزياء ومن خارج تاريخ التدبير الإنساني المحض. وليس للإنسان أن يعتصم بإيمان الرجاء المترقب لاعتلان هذا الإله الأخير؛ فاليقين في هذا الشأن يكاد يشبه اليقين العقلي الذي تفترضه الأنظومة الميتافيزيائية، في حين أن معراج الإله الأخير هو الاختبار الأقصى للبشرية جمعاء. وكما أن الإنسان المتفوق قد تَصوره نيتشه في صورة الآتي البعيد، كذلك الإنسان القادر على اختبار معراج الإله الأخير يتصوره هايدغر في صورة الآتي من آفاق اللايقين التاريخي. ومن معاني هذا اللايقين التاريخي أنْ ما من إشارة واضحة تبيّ للناس أن مثل هذا الإنسان المنفتح على سر الكينونة والراعي لها والقابل لمعراج الإله الأخير والصائن له قد أزف زمنُه وأضحى في حالة الإمكان التاريخي القريب. ولذلك، كان الإله الأخير هو آخر ما ستُفرج عنه تمخضات الكينونة في حركة إقبالها إلى أصالة حقيقتها: «الإله الأخير
هو في الأبعد ممّا ينكشف انكشافَ العسُر من الحيّز الزمني لحقيقة الكينونة (الك»)ِوان. وليس في مقدور
الفكر أن يلتقط إشارات مثل هذا الانكشاف العسير إلّ إذا اعترف بعجزه وعوزه المدقع إلى تَبصرٍ هو أشبه بالاستذكار أو الذكر (Andenken) الذي يستحضر عمق ذاته أمام عظمة سر الكينونة ويضرب في الأرض حجًّا إلى الأصول القصوى.
(((4 انظر: , p. 245. Besinnung Heidegger,
ولذلك يُصر هايدغر على تحرير مجيء الإله الأخير من جميع أصناف المبادرات والنشاط التي يُخيل للإنسان أن الاضطلاع بها هو
ضرب من ضروب الإعداد لمثل هذا المجيء: «لا يَحسم تدينُ الناس السؤال عن الإله هل هو حي أو هل ما زال ميتًا، وتعجز عن ذلك
بمقدار أكبر التطلعاتُ اللاهوتية التي تنشط في الفلسفة وعلم الطبيعة. فلأن يعرف المرءُ هل الله هو الله إنما هو أمر ينبثق من التكوكب
الذي يكتنف الكينونة (الكِوان) ويحدث في داخل هذه الكينونة (الكِوان:»)
« Ob Gott lebt oder tot bleibt, entscheidet sich nicht durch die Reilgiosität der Menschen und noch weniger durch
theologische Aspirationen der Philosophie und der Naturwissenschaft. Ob Gott Gott ist, ereignet sich aus der Konstellation des Seyns und innerhalb ihrer » , in: Martin Heidegger, Bremer und Freiburger Vorträge , Gesamtausgabe.
III. Abteilung, Unveröffentlichte Abhandlungen, Vorträge, Gedachtes/ Martin Heidegger; Bd. 79 (Frankfurt am Main: Klostermann, 1994), p. 77. (47) « Am fernsten im kaum enthüllten Zeit-Raum der Wahrheit des Seyns ist der letzte Gott » , in: Heidegger, Besinnung ,
p. 256.
بيد أن الذكر في الفكر الجديد لا يُفضي، بحسب هايدغر، إلى الإيمان الديني؛ ذلك أن الفكر والإيمان حالتان مختلفتان لا تتواطآن على ضبط التصور الميتافيزيائي لله. وكما أنه لا يجوز الربط السببي بين الله والكينونة، على نحو ما ذهب إليه المذهب التومائي في المسيحية، كذلك لا يجوز التقريب بين الفكر والإيمان لأن «الفلسفة حماقة بالنسبة إلى الإيمان المسيحي الأصلي». فالفكر يُعنى حصرًا برعاية الكينونة، فيما الإيمان يجعل الإنسان يتجاوز محدوديتَه إلى ما يخالف منطق الإقرار بوحدانية الكينونة وحرية انبساطها في الوجود. فإذا كان الفكر لا يطلب اليقينيات في إدراكه لمعنى الوجود، بل يسُر بالانفتاح المتورع على الأغوار السحيقة التي تستوطنها الكينونة في أصالة حقيقتها القصوى، كان مثل هذا الانفتاح أشبه بموقف التقوى الفكرية التي تستتليها المساءلة الورعة الصابرة الوادعة. وعلى غرار فعل الوثوق الباطني الذي يفترضه الإيمان الديني، ينبري الفكر التقي المسائل يثق وثوقًا راسخًا بإمكانات جليلة تنطوي عليها الكينونة حين تتجلى ببهاء غناها وتنشل ذاتها من قعر النسيان والتخلي. فالقعر السحيق الذي تنحجب فيه الكينونة يربك الإنسان أيما إرباك حتى لَيُصاب باليأس والإحباط. وحده الفكر الواثق يترقب اعتلان الكينونة في أصالة
حقيقتها في حين أن زمن العقلانية الحسابة والتقنية المهيمنة والعولمة السائدة يوشك أن يعدم فيه كل ضرب من ضروب الرجاء المنعش. فالإنسان يدرك أن الكينونة غريبة عن كل الكائنات. وأمام هول هذه الغربة أو الغرابة، لا بد للإنسان من أن يحتمل إرباكات الكينونة ومساءلاتها. فإذا بالذين يضطلعون بهذه المساءلة ويعرضون كيانهم لأهوال هذه الغربة هم «المؤمنون الأقحاح»: «إن الذين يسألون على هذا المنوال هم المؤمنون الأصليون الحقيقيون الذين ينظرون في عمق الأمور نظرةَ الرصانة إلى الحقيقة لا إلى ما هو حقيقي فحسب، الذين ينبرون ليقرروا هل تنبسط الحقيقة أمامنا في جوهرها وهل هذا الانبساط لجوهر الحقيقة يحملنا نحن بعيننا ويقودنا، نحن معشر العارفين والمؤمنين والفاعلين والصانعين، وبموجز العبارة نحن أصحاب التاريخ». فإذا كان السؤال هو تقوى الفكر، فإن مثل هذه الوثوقية التقية هي التي تضع الإنسان في حضرة الكينونة تومئ إليه فيرعاها ويسترشدها ويسلك في سبيلها. وعندئذ يسقط التعارض القاتل بين الإيمان والمعرفة، يسقط بسقوط العقل الحسّاب الذي يتصور المعرفة إمساكًا بحقائق الكينونة
القصوى وضبطًا لحركة الوجود بأسره واستثمارًا قاهرًا لطاقات الكون بأجمعه.
جرّاء هذا التعرض الصادق لاغترابات الكينونة، يكتسب الإنسان قدرة فائقة على الاعتصام بالسكينة
والترقب الهادئ. فالفكر المتأمل المتبصر المستذكر (Andenken) لا يملك إل أن ينتظر في خفر عظيم
(48) « Philosophie ist dem ursprünglich christlichen Glauben eine Torheit » , in: Martin Heidegger, Einführung in die
Metaphysik , Gesamtausgabe. II. Abteilung, Vorlesungen 1923-1944/ Martin Heidegger; Bd. 40 (Frankfurt am Main: Klostermann, 1983), p. 9. Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 12. ((4(انظر: (50) « Die Fragenden dieser Art sind die ursprünglich und eigentlich Glaubenden, d. h. diejenigen, die es mit der Wahrheit
selbst, nicht nur mit dem Wahren von Grund aus ernst nehmen, die zur Entscheidung stellen, ob das Wesen der Wahrheit west und ob diese Wesung selbst uns, die Wissenden, Glaubenden, Handelnden, Schaffenden, kurz die Geschichtlichen trägt und führt » , in: Heidegger, Beiträge zur Philosophie , p. 369.
مرورَ الإله الأخير. والانتظار هنا ليس فيه أي لون من ألوان «الرجاء الأجوف» الذي يعتمد على استحقاق الفوز الأخير بالرؤية الطوباوية. وما دام للكينونة تاريخ خاص لا يرسمه الإنسان ولا يهيمن عليه، فإن إطلالة الإله الأخير لا تقترن بما يتوق إليه الإنسان من رغبة في المطلق خلاصية واكتمال في الذات خالص وارتقاء في التاريخ مخلص. فعبور الإله الأخير لا تُعوزه انتظارات الناس ولا يخضع لتدابير الإعداد البشرية. وقد يكون من الأسباب التي تبرر بطلان مثل هذا الرجاء أن الإله الأخير هو أفقر الآلهة كافة، يتنازل عن كل الآمال التي يعلقها عليه أهل الأرض وينحجب عن مداركهم انحجابًا طوعيًا
لأنه لا يستطيع الانضواء في مخيلتهم الجياشة. وبما أنه الإله الأخير، إله النهايات القصوى، فهو يستنفد ما ينطوي عليه الكلام البشري من طاقات قصوى. وإذا ما تكلم، فإن كلامه لا يتلقاه إل الإنسان العازم
على رعاية حقيقة الكينونة (الكِوان) في سر انحجابها. إنه الكلام المتجرد العابر من العبارة إلى الإشارة، يشير من غير أن يفصح عن مدلول إشارته، ويومئ من غير أن يُعلن صريح مقاصده. وبما أن الأمر على
هذا النحو، فإن الإنسان لا يستطيع أن يُطل على آفاق الكينونة في محدوديتها الجوهرية إل «بمقتضى ما يستعد له من استشعار (Ahnung) طويل للإله الأخير». ولا عجب، من ثم، أن يجمع الإلهُ الأخير في محفل الشعب الواحد جمعَ الصامتين الورعين الذين عاهدهم هذا الإله على صون حقيقة الكينونة وجعلهم في موضع الإصغاء الخفر لإشاراته. وها هو هايدغر نفسه، من بعد أن انعطف على فكره وركن إلى الكينونة
تومئ إليه وترشده، يُنتدب لخدمة الله الوحيدة، خدمة «الإله الذي لم يعتلن بعد، بل سبق فأُعلِن عنه »،
يخدمه على قدر ما يرعى السؤال الأوحد في الوجود كله، عنيتُ به سؤال الكينونة عن تدابيرها المربكة. أمّا الرعاية، فهي الوجه الجديد للحكمة القديمة حيث الحكيم يُعرض عمدًا عن المعرفة فلا يجرؤ على الإشارة
إلّ إلى مصدر الإشارة عينه، أي إلى المنفسح الذي منه تنبثق الإشارات الحقة.
(51) Heidegger, Besinnung , p. 42.
(((5 انظر:
Martin Heidegger, Die Geschichte des Seyns , Gesamtausgabe. III. Abteilung, Unveröffentlichte Abhandlungen, Vorträge, Gedachtes/ Martin Heidegger; Bd. 69 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1998), p. 97.
(((5 بما أن الإله الأخير هو أفقر الفقراء، فإن الإنسان لا يمكنه أن يعثر عليه في أوساط الكائنات المنتخبة لأغراض المنفعة: «يمكنكم أن تتفرسوا في جميع جوانب الكائن من غير أن تظهر آثارُ الإله فيها:»
« Alles Seiende mögt ihr durchstreifen, nirgends zeigt sich die Spur des Gottes. » Heidegger, Die Geschichte des Seyns , p. 59.
(((5 انظر: المصدر نفسه، ص.408 (((5 المصدر نفسه، ص.410
(56) « [...] inständig im Wagnis des Seyns, gehörig dem einmaligen Dienst des noch nicht erschienenen aber verkündeten
Gottes » , in: Heidegger, Besinnung , p. 12.
(((5 انظر:
Martin Heidegger, Feldweg-Gespräche (1944/45) , Gesamtausgabe. III. Abteilung, Unveröffentlichte Abhandlungen, Vorträge-Gedachtes/ Martin Heidegger; Bd. 77 (Frankfurt am Main: V. Klostermann, 1995), p. 85.
الغيبة الإلهية في استنهاضاتها الفلسفية واللاهوتية
لا ريب في أن مقاربة هايدغر للإله الأخير تعارض معارضة صريحة ما أتت به الأنظومات الدينية، التوحيدية
منها وغير التوحيدية، من تعريف لله. فالإله الأخير ليس هو إله الوحي على الإطلاق؛ الإله الأخير «هو الإله المختلف اختلافًا كليًا في مقابل جميع الآلهة التي وُجدت، وخصوصًا الإله المسيحي». وممّا لا شك
فيه أيضًا أن هايدغر أراد أن يفوز بتصور جديد للكينونة، فأطلق عليها في كتاباته المتأخرة اسم الك، وان وبتصور جديد لله، فأطلق عليه عبارة الإله الأخير أو الإله الإلهي أو إله النهايات القصوى، وبتصور جديد للإنسان (الدازاين)، فأطلق عليه صفة الراعي للكينونة والساهر على عبور الإله الأخير، وبتصور جديد
للعلاقة الناشطة بين هذه المكونات كلها، فوصفها وصفًا حيويًا مستعينًا بحركة الإرأيغن يس، وبتصورِ جديد للائتلاف الذي يضم الناس المائتين والآلهة والأرض والسماء، فدعاه بالمتربع الأصلي (Geviert.)
هذا كله يُفصح عن رغبة شديدة في القطيعة. والقطيعة تستتلي في إثر النحت كيفيات جديدة في التفكير الذي يضحي استذكارًا للأصول القصية وطلبًا للقربى من الكينونة. وتستتلي أيضًا إعراضًا عن التفكير
العقلي المرادف لترصد حضور الكينونة الثابت وإقبالً على التفكر المستذكر المصغي المرادف لرعاية غياب الكينونة وامتناعها عن الإدراك. ولما كان الأمر على هذه الحال، كان لا بد من تصورٍ لله يُعتقه ممّا ألفته الأذهان منذ الزمن الإغريقيِ؛ فالإله الأخير يشارك الكينونة كثيرًا من خصائصها وصفاتها، ولو أنه لا يتماهى هو والكينونة. فهو يحتاج
إلى الكينونة حتى يعبر عبورَه الفريد، إذ ما من مجال وجود آخر غير الكينونة يُتيح له مثل هذا العبور. والكينونة تحتاج إلى مثل هذا العبور حتى تستقيم في الإنسان اختباراتُه القصوى في حقل الائتلاف الرباعي الذي يقرن الناس المائتين والآلهة والأرض والسماء بعضهم ببعض. ولذلك يمكن القول بأن الإله الأخير هو نداء الأصالة المنبعث من ضرورات الإقبال الهني إلى حقيقة الكينونة القصوى. وما دام جميع المذاهب الفلسفية والأنظومات الدينية والبناءات الأيديولوجية أخفق في إنقاذ الأرض من هيمنة العقل الحسّاب،
فإن الخلاص لا يمكن أن يأتي إلّ بواسطة هذا النداء الذي يطلقه الإله الأخير حين يقرر أن يعرّج على
الناس في أحلك الأزمنة وأتعسها على الإطلاق. ولذلك أرسل هايدغر قولتَه الشهيرة في مجلة دِر شبيغِل الألمانية: «وحدَه إلهٌ ما زال في إمكانه أن يخلصنا».
(58) « Der Letzte Gott, der ganz Andere gegen die Gewesenen, zumal gegen den christlichen » , in: Heidegger, Beiträge
zur Philosophie , p. 403.
(((5 يستحسن هايدغر للفكر أن يجرد نفسَه من مقولة الله الموروثة من الزمن الأفلاطوني حتى يستقيم به السبيل إلى اختبار فريد
للإله الأخير. انظر:
Martin Heidegger, Identität und Differenz (Pfullingen: G. Neske, 1986), p. 64. (60) « Nur noch ein Gott kann noch uns retten » , in: Martin Heidegger, Ecrits politiques , 1933-1966 , présentation, trad. et
notes par François Fédier, bibliothèque de philosophie (Paris: Gallimard, 1995), p. 260.
ومن ثم، فإن الإله الأخير، وقد صوّره هايدغر في صورة العبور الخلاصي الذي يترقبه الناس على غير
رجاء ظافر، لا يجوز أن ينقلب موضوعًا لبناء لاهوتي حديث تستنجد به الأنظومات الدينية وفي ظنها أنها
به تتجاوز ثُغَر عماراتها النظرية. الاستثمار الوحيد الممكن للإله الأخير هو القول بأن مقولات الأنظومات الدينية لا تصون صونًا حقيقيًا حرمةَ الله وامتناعَه عن الإدراك. ولذلك ينبغي أن يستبدلها الناس
المدركون لعجز الإنسان عن الإمساك بالكينونة وبالله على حد السواء. فإذا أرادت الأديان أن تستفيد من تصور هايدغر للإله الأخير، كان عليها أن تُعيد بنيان عمارتها اللاهوتية على أساس الإصغاء الوديع للإشارات المنبعثة من انحجاب الكينونة ومن الغيبة الإلهية. وهو إصغاء قد يُفضي بالإنسان إلى ضفاف
لم يألَفْها التعقل اللاهوتي، وهذا ما لا تقوى عليه الأنظومات اللاهوتية المستندة إلى كلام الوحي الإلهي المباشر. ومن ثم، فالإله الأخير لا يصلح لعمارة لاهوتية جديدة لأنه لا يزود الإنسانَ الطاقةَ على تجاوز انعطابيته البنيوية ومائتيته الحتمية. وهو لا يصلح لروحية خلاصية تخرج بالإنسان من حقل الكينونة الأرحب. فائدته الوحيدة أنه بندائه المقبل قد يذكّر الإنسانَ بضرورة رعاية سر الكينونة وصون الائتلاف الرباعي والاضطلاع الوفي الوادع بحراسة الكون من كل أذية.
(((6 اجتهد بعض البحوث في استثمار طاقات النقد والتجديد التي ينطوي عليها نقدُ هايدغر للأنطوتيولوجيا وتصورُه للغيبة الإلهية.
انظر، على سبيل المثال:
James M. Robinson and John B. Cobb, eds., The Later Heidegger and Theology , New Frontiers in Theology; v. 1 (Westport, Conn.: Greenwood Press, 1963); Gerhard Noller, comp., Heidegger und die Theologie. Beginn und Fortgang der Diskussion , Theologische Bücherei, Neudrucke und Berichte aus dem 20. Jahrhundert, Bd. 38. Systematische Theologie (München, Kaiser, 1967); John Macquarrie, An Existentialist Theology; a Comparison of Heidegger and Bultmann, Library of Philosophy and Theology (London, SCM Press, 1965); Hans-Jürg Braun, Hrsg., Martin Heidegger und der christliche Glaube (Zürich: Theologischer Verlag Zürich, 1990); Josef Brechtken, Geschichtliche Transzendenz bei Heidegger; die Hoffnungsstruktur des Daseins und die gott-lose Gottesfrage, Monographien zur philosophischen Forschung; Bd. 99 (Meisenheim am Glan: A. Hain, 1972); Philippe Capelle, Philosophie et théologie dans la pensée de Martin Heidegger , philosophie et théologie (Paris: les Ed. du Cerf, 1998); Helmut Danner, Das Göttliche und der Gott bei Heidegger, Monographien zur philosophischen Forschung; Bd. 76 (Meisenheim am Glan, A. Hain, 1971); J. Beaufret [et al.], Heidegger et la question de Dieu , recueil préparé sous la direction de Richard Kearney et Joseph Stephen O’Leary, figures (Paris: B. Grasset, 1980); Francis Guibal, Et combien de dieux nouveaux: Approches contemporaines , philosophie de l’esprit (Paris: Aubier Montaigne, 1980); Emilio Brito, Heidegger et l’hymne du sacré , Bibliotheca ephemeridum theologicarum lovaniensium; 141 (Leuven: University Press; Uitgeverij Peeters; Paris: Peeters France, 1999); George Kovacs, The Question of God in Heidegger’s Phenomenology, Studies in Phenomenology and Existential Philosophy (Evanston, Ill.: Northwestern University Press, 1990); Günther Pöltner, hrsg., Auf der Spur des Heiligen: Heideggers Beitrag zur Gottesfrage (Wien: Böhlau, 1991); Bernard Sichère, Seul un Dieu peut encore nous sauver: Le Nihilisme et son envers, Philosophie (Paris: Desclée de Brouwer, 2002), et J. Greisch, « L’Appel de l’être et la Parole de Dieu. Cinquante ans de reception théologique de la pensée de Heidegger, »
Etudes , no. 361 (December 1984), pp. 675-688.