Return to Article Details Awareness of the Present and Prediction of the Future in the Tunisian Novel

وعي الراهن واستشراف الآتي في الرواية التونسية

Awareness of the Present and Prediction of the Future in the Tunisian Novel

محمود طرشونة

Mahmoud Tarchouna

الملخّص

ننطلق من مقولة الناقد والروائي الفرنسي ميشال بوتور القائلة إن الرواية التي كانت تعبيرًا عن مجتمع يتغيّر، صارت تعبيرًا عن مجتمع يعِي تغيّره. هذا التحوّل الجوهري يجعل الرواية تتجاوز نظريّة الانعكاس التي كانت شعار الرواية التقليدية بأصنافها المختلفة، الرومانسي منها والواقعي والتاريخي، إلى الوعي الضروري لكلّ تغيير مهما يكن مجاله. لذلك رأى الكاتب أن نتجاوز في هذا البحث مسألة توصيف الراهن ورصْد التحوّل داخل النص الروائي، إلى وعيه وإدراك عوامله ومعرفة فواعله، تمهيدًا للتمرّد على الواقع المتردي ونسفه واستشراف بديل منه.

Abstract

The study departs from the words of the French critic and novelist Michel Butor: “A novel that is an expression of a changing society becomes an expression of a society aware that it is changing.” Tarshouna here highlights the essential shift making the novel transcend the theory of reflection, a recurrent theme of the traditional novel in all its forms, including the romantic, realistic, and historical. Cultivated in this analysis is an awareness of the contemporary and knowledge of its elements and actors, going beyond simple description of the contemporary, beyond the mere observation of transformations within the narrative. This paves the way for rebellion against the decrepit present, its demolition, and the illumination of an alternative. The author tracks the frequency of words signifying “consciousness” in the speech of storytellers and characters regarding, for instance, globalization in its various cultural, economic, and social manifestations; he also explores the concept of foresight, a logical dialectic between objective manifestations of the present, and the possible circumstances that may follow. The study’s hypothesis is centered on an analysis of five Tunisian novels, some released before and some after the revolution, all of which vacillate between excessive optimism and pessimism. The novels featured include: Proceedings of the Strange City by Abdeljabbar Eleuch, The Sons of Clouds by Mohamed Eljabli, The Smells of the City by Hussein El Oued, The Prostate Years by Safi Saïd, and Hymns for Her Pain by Rachida El Charni.

الكلمات المفتاحية:
  • استشراف
  • الراهن
  • الرواية التونسية
  • التاريخي
  • الواقعي
Keywords:
  • Prediction
  • Tunisian Novel
  • Realistic
  • Historical

ننطلق من مقولة الناقد والروائي الفرنسي ميشال بوتور القائلة إن «الرواية التي كانت تعبيرًا عن مجتمع يتغيّ، صارت تعبيرًا عن مجتمع يعِي تغيّه». هذا التحوّل الجوهري يجعل الرواية تتجاوز نظريّة الانعكاس التي كانت شعار الرواية التقليدية بأصنافها المختلفة، الرومانسي منها والواقعي والتاريخي، إلى الوعي الضروري لكلّ تغيير مهما يكن مجاله. لذلك رأى الكاتب أن نتجاوز في هذا البحث مسألة توصيف الراهن ورصْد التحوّل داخل النص الروائي، إلى وعيه وإدراك عوامله ومعرفة فواعله، تمهيدًا للتمرّد على الواقع المتردي ونسفه واستشراف بديل منه. تتبّع الكاتب تواتر لفظة «الوعي» ومشتقاتها الفعلية والاسمية التي جاءت على ألسنة السّدة والشخصيات الروائية على حد سواء، من دون نسبتها بالضرورة إلى الكتّاب أنفسهم الذين قد يكون لهم وعي آخر مخالف لوعي شخصيّاتهم ومواقفها، مثلً، من أهمّ العوامل والفواعل، وهي العولْمة بتجلّياتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعيّة المختلفة. أمّا المفصل الثاني من هذا البحث، فإنّه يتمحور حول مفهوم الاستشراف، وهو جَدلية منطقية بين تجليات الراهن الموضوعية وما يحتمل أن ينجرّ عنها من وقائع يفرضها منطق الحوادث ومعطيات الواقع. ولعلّ لأحلام الشعراء والكتّاب دوْرًا في تصوّر تلك الحوادث وتوقّعها، فلآمالهم واستيهاماتهم وتخوّفاتهم مكانة لا يمكن إنكارها أو تغييبها. اعتمد الكاتب مدوّنة من خمس روايات تونسية صدر بعضها قُبيل الثورة وبعضها الآخر بُعيْدها، ولكنها تشترك جميعها في نفس طبيعة الوعي نفسها والتوقّعات ذاتها التي تنوس بين التفاؤل المفرط والتشاؤم المفرط، وهي على التوالي: «وقائع المدينة الغريبة» لعبد الجبار العش، و«أبناء السحاب» لمحمّد الجابلي، و«روائح المدينة» لحسين الواد، و«سنوات البروستاتا» للصافي السعيد، و«تراتيل لآلامها» لرشيدة الشارني. تواكب الرواية التونسية منذ نشأتها في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي أهمّ التحولات الاجتماعية والسياسية. ولا يقتصر عمل أصحابها على تشخيص الراهن ووصف أهمّ تجلّياته،

* ناقد وروائي تونسي وأستاذ التعليم العالي في الجامعة التونسية.

بل يتخذون منها أيضًا مواقف واضحة تشهّر بتردّي الأوضاع وتحلّل عوامله، لا بطريقة مباشرة وتقريرية بل عن طريق أدوات الفن الروائي وتقنياته الحديثة في علاقة جدلية بين البنية الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والبنية الروائية المتولّدة عنها من جهة ثانية1. رأينا أن نتجاوز في هذه الدراسة مسألة تشخيص الراهن إلى وعيه وإدراك عوامله، تمهيدًا للتمرّد عليه ونسفه واستشراف بديل منه محتمل، قياسًا بما كان يدعو إليه منظ روه والمناضلون من أجل تحقيقه. وقد لا يحظى ذلك البديل بمساندة كتّاب الرواية أنفسهم، بل يعرضونه لأن تحليل الأوضاع أدّى موضوعيًا إليه. وهذا يظهر بوضوح في رواية وقائع المدينة الغريبة لعبد الجبّار العش الصادرة سنة 2000، نعتمدها خصيصًا لاستشراف الآتي، كما نعتمد غيرها من الروايات لوعي الراهن2.

تجلّيات الوعي

يحسن في البداية أن نذكّر بقولة للناقد والروائي الفرنسي ميشال بوتور، أحد منظ ري الرواية الجديدة وكتّابها، يبيّ فيها تحوّل الرواية نفسها من تشخيص التغير الاجتماعي إلى التعبير عن وعي المجتمع بذلك التغير قائلً: «الرواية التي كانت تعبيرًا عن مجتمع يتغير، صارت تعبيرًا عن مجتمع يعيتغيّه »3. هذا في الحقيقة تحوّل جوهري يجعل الرواية تتجاوز نظرية الانعكاس التي كانت شعار الرواية التقليدية بأصنافها المختلفة، الرومانسي منها والواقعي والتاريخي، إلى الوعي الضروري لكلّ تغيير أيًّا كان مجاله. لذلك تردّدت لفظة « الوعي» ومشتقاتها الاسمية والفعلية بكثرة على لسان الرواة والشخصيات على حدّ سواء. الوعي بطبيعة المرحلة هو الذي يكيف تصرّفات الشخصيات ومواقفها، فإمّا أن تتفاعل معها وترتّب حياتها بمقتضاها، وإمّا أن ترفضها وتقاومها وتحاول تغييرها. فهذه ربّة بيت كانت تعيش هادئة قانعة بما كُتب لها من رزق، ترعى شؤون أسرتها بكلّ تعقّل، ولكنها ما إن وعت التحوّل الذي أصاب المجتمع وقيمه ولاحظت أن جلّ أفراده يسعَون بجميع الوسائل إلى تكديس الثروات، حتى سخّرت كلّ طاقتها للاستفادة من ذلك الوضع والسعي إلى المنصب وما يقترن به من وجاهة. وكما سعت إلى تكوين مؤسسات اقتصادية تدرّ عليها المال، «وعت بأن الأمور تتبدّل، فهيأت - منذ سنوات - كلّ طاقتها لمواكبة ذلك التبدّل»4، إل أنها دفعت ما ترتب عن هذا الوعي ثمنًا غاليًا، فتفكّكت أسرتها وفارقها زوجها وانخرط ابنها في بعض التنظيمات المتطرّفة فأُدخل السجن، وأدمنت ابنتها المخدرات فأقامت في المستشفى، واختلّت أعصاب طليقها فدخل في عزلة قاتلة. وكان قبل ذلك قد لخ ص الوضع لصديقه وما ترتب عنه من تفكّك قائلً: «أسرتي نموذج محزن ومخجل، أنت تهوّن الأمر، ولكن تصوّر المرارة التي يشعر بها مَن كان في وضعي: المثقف التقدمي، صاحب المبادئ الثورية يجد نفسه محاصَ ا ومتخبّطًا في مسائله الشخصية، الزوجة تعتلي السلّم المكسور للانتهازية الجديدة والوجاهة الكاذبة، والابن يميل إلى التطرّف

  1. كنّا حلّلنا هذه الجدلية في مقال سابق لنا بعنوان «التحوّل السياسي في الرواية التونسية،» مجلة، العدد الثاني، خريف تبين.2012
  2. هي على التوالي: عبد الجبار العش، وقائع المدينة الغريبة: رواية (صفاقس، تونس: [المؤلف]، 2000)؛ محمد الجابلّي، أبناء السحاب: رواية (تونس: [المؤلف]، 2010)؛ حسين الواد، روائح المدينة، تقديم صلاح الدين الشريف، عيون المعاصرة (تونس: دار الجنوب للنشر، 2010)؛ الصافي سعيد، سنوات البروستاتا: رواية (بيروت؛ تونس: عُرابيا للإعلام المتعدّد، 2011)، ورشيدة الشارني، تراتيل لآلامها: رواية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2011). وإننا سنتعمد الإكثار من الشواهد النصية لأن هذه الروايات غير متوافرة في كلّ مكان، فلا يستطيع جميع القرّاء العودة إليها بسهولة.
  3. ذكره: أبو بكر العيادي، «روائح المدينة: رحيل في معالم المكان والزمان،» قصص، العدد 156 (نيسان/ أبريل- حزيران/ يونيو 2011)، ص.112
  4. الجابلّي، ص.17

تحت قناع الغضب والصمت، وله صلات بمجموعة سليمان، والبنت من جيل ستار أكاديمي»...5. كان الهادي، خلافًا لزوجته التي كان وعيها بطبيعة المرحلة دافعًا إلى استثمارها، نموذج المثقف الشقي بوعيه لأنه يبصِّه بالزيف والتدهور القيمي والضياع، ولا يسلم من نقده الذاتي حتى أمثاله من المثقفين الحداثيين فيعتبر حداثتهم كاذبة وخاسرة، ملاحظ ا بكل أسى: «جيلنا يدفع ضرائب كثيرة، وأولّها الحداثة الكاذبة، ضيعنا القيم في سبيل المبادئ، ثم استفقنا على عُرْي مخجل زالت منه القيم والمبادئ، لا ربح فيه إلّ للتجار والسماسرة والمشعْوذين الجدد »...6. وعي هذه الشخصية إذن وعي مزدوج، وعْي بتغير الراهن وبمحدودية الخيارات العقلانية والحداثية في مواجهة الانتهازية والاستبداد. ومعالم الطريق التي كان يسلكها اليسار التونسي غير واضحة الأهداف، وغير مبنية على وحدة رؤية العالم، وخصوصًا وحدة الصف؛ فالتّشتت والخلافات والتردّد والاستقالة كلّها مواقف لا تخدم غير أعداء الحرية والتقدّم. وقد شمل النقد الذاتي غياب المرجعيات الصحيحة والثوابت، وحتى القيم الأصيلة لمواجهة القيم المتدهورة، وهذا ما جعل التوازن أيضًا مفقودًا، غير قادر على دفع الفعل الثقافي والسياسي في الاتجاه الصحيح. وبذلك، نجد أنفسنا إزاء صوتين متباينين يعبّ ان عن موقفين متناقضين ناتجين من وعي واحد بطبيعة المرحلة: صوت الانتهازية وصوت الثقافة، لا يتصارعان ولا يتكاملان بل يتعايشان تعايشًا سلميًا مبنيًا على نوع من اللامبالاة التي تحول دون الاعتراف المتبادل. وهذا وضع لا يخلو من غرابة، ولا يمهّد لأي تغيير حقيقي، ولا يصنع الثورات. هذا بالذات ما لاحظه الأب لأبنائه في رواية تراتيل لآلامها الصادرة في سنة صدور رواية أبناء السحاب. قال لهم يوم عثروا في إحدى المقابر على عظام بشرية أخافتهم: «انهضوا يا جيل آخر الزمان، يا أبناء الخوف والفراغ والخراب [...] لا خير في أحفاد زُرعت دماؤهم بالخوف، وأذلّم حبّ الحياة، وأضاعوا وجودهم في بلاهة الفرح الدائم واللامبالاة»...7، فربما كان هذا الشيخ المحنّك أكثر وعيًا من أبنائه وكامل جيل الشباب الذي ينتمون إليه، إذ ربط بين عبارتين مهمتين جدًا هما «الفرح الدائم» و«اللامبالاة»، مشيرًا بطريقة خفية إلى العلاقة بينهما وتولّد إحداهما عن الأخرى في سياسة الحكم المطلق واستراتيجيته؛ فقد عمَد النظام القائم إلى حث الشباب خصوصًا وسائر المجتمع على التلهّي بالأمور التافهة والاستهلاكية التي يشجع عليها مجتمع الاستهلاك حتى يجرّدهم من الوعي باستبداده ويدفعهم دفعًا إلى عدم المبالاة بالفساد المستشري والانفراد بالسلطة والثروة الوطنية. ويبدو أنه نجح نسبيًا في تَ ييد صنف من الشبابِ، ولا سيما منهم طلبة الجامعات الذين تحوّل بعضهم من التمرّد إلى المهادنة بمجرّد الحصول على وظيفة ومورد رزق. وهذا ما جرى لدنيا ابنة سعد الحاج رحّال الذي وصَم أبناءه بالخوف والبلاهة واللامبالاة؛ فقد صارحت نفسها في لحظة وعي بتدهور موقفها ونشاطها من التمرّد في عهد الجامعة إلى الاستكانة في عهد الوظيفة والتدريس في منطقة نائية من البلاد. تناجي نفسها قائلة: «يا لغرابة قدَر ك! أنت دنيا الحاج، زعيمة المتمردين وكلامهم ولحظات دخولهم وخروجهم! من كان يراك وأنت تكتبين البيانات والشعارات وتخطّطين مع الرفاق لشنّ إضراب عن الدروس، وترمين بالحجارة جحافل البوليس الذي يهاجمكم بين يوم وآخر في حرَم الجامعة يقول إنك ستكونين زعيمة حزب سياسي»...8. وحتى لا نظلم

  1. المصدر نفسه، ص 122. مجموعة سليمان هي مجموعة مسلحة اتُّهمت بانتمائها إلى تنظيم القاعدة، وحوكمت جرّاء عملية اعتُبرت إرهابية في جهة مدينة سليمان.
  2. المصدر نفسه، ص.96
  3. الشارني، ص.16
  4. المصدر نفسه، ص.66

دنيا - كما ظلمت نفسها بمثل هذا الكلام- ينبغي ألّ نتسرّع في نعتها بالتنكّر لمبادئها بل بقيت وفية لها، فكلّفها وفاؤها دخول السّجن في إثر مصارحتها زميلً سابقًا لها من طلبة الجامعة تحوّل إلى مسؤول كبير في وزارة الداخلية بانتهازيته وتنكّره للقيم التي عاش عليها الطلبة في الجامعة. كانت واعية أيضًا بخطورة خطة النظام المذكورة والقائمة على إلهاء الشباب ودفعهم إلى اللامبالاة بما يُاك ضدّه. قالت في نفسها: «ما زال الوطن يبدأ من خطابات الرئيس وحرم الرئيس، ونشاط الحكومة والحزب، وينتهي بمباريات كرة القدم وسهرات الموسيقى الهابطة، انقلب مصدر الوعي فينا رأسًا على عقب»...9. تلك هي المشكلة: انقلاب مصدر الوعي رأسًا على عقب، فكان لا بد أن يوجد مَن يصحّح مصدر الوعي ويعيده إلى الاتجاه الصحيح. ولما كان الإعلام مُكَّمّمً، تكفّلت الرواية بهذه المهمة ولكن يبقى مفعولها محدودًا جدًّا. هذا بالذات ما وعاه المؤرّخ الحزين في رواية روائح المدينة؛ فاللعبة في نظره أكبر من الأفراد وحتى من الأنظمة الحاكمة، إنها مؤامرة عالمية. حاول أن يناقش المتطرّفين من الملتحين ويبيّ لهم أن أخلاق الأوائل من السلف لم تكن أفضل من أخلاق جيل اليوم، فعنّفوه تعنيفًا شديدًا، ومع ذلك امتنع من التبليغ عنهم وتتبِّعهم قضائيًا، مبرّرًا ذلك بقوله: «لو كان الأمر محلّيًا فحسب ربمّا فكرت في كشفهم وإن كان بي اعتراض على الطريقة، إنما هي مؤامرة عالمية تَرْمي إلى ترسيخ التأخّر التاريخي بالتجهيل تمهيدًا للاضمحلال التام. ما هم وأمراؤهم سوى أدوات تنفيذ، ينشرون غسيل قديمً من عهد آدم، يُعلِّبونه في أوهامهم، يصرفوننا به عن الجوهريات»10. وهذا كلام خطِر يجرّنا إلى التعرّف إلى بقية دوافع الوعي وأصحابه.

العوامل والفواعل

اتّفقت جلّ روايات المدوّنة على تجريم العولمة واعتبارها أصل الداء. ووردت اللفظة على لسان الرواة والشخصيات تارة عاملً وطورًا فاعلً. ولا ندري بالضبط ما إذا كان يمكن اعتبار العولمة من العوامل أم من الفواعل، وما إذا كانت الدافع إلى الوعي بتردّي الأوضاع الراهنة أم المنشئة للتردّي والرداءة. ولتحديد دورها بدقّة، لا بد من الإشارة إلى أن للمصطلح بُعدَيْن على الأقل: بُعْد اقتصادي وآخر ثقافي. وقد فُصّل القول في المصطلح وبُعْدَيْه، فلا فائدة من العودة إليه بالتعريف والتفصيل، ولا سيما أن ليس ثمة اتفاق حول مفهوم لا ينطبق على جميع البلدان بالمعنى نفسه؛ فالعولمة في تطبيقاتها الأوروبية مثل هي غير العولمة في ممارساتها الأفريقية: الأولى شراكة بين قوى متقاربة يَكون فيها النفع متبادل، بينما الثانية هيمنة واستغلال يُفيد منه طرف واحد، الطرف الأقوى بالطبع. والبُعد الثقافي في الأولى تلاقح وتكامل، وهو في الثانية إلغاء واستلاب. وقد تصدّت أوروبا - وخصوصًا فرنسا- بقوة للهيمنة الثقافية، داعية إلى ما أسْمَتْه «الاستثناء الثقافي»، وبلغت الغاية. أمّا مقاومتنا للظاهرة نفسها، فقد ات ذت شكلً دينيًا بصفته أهمّ موروث ثقافي، ولكن صحبها عنف سرعان ما سمّه الغرب إرهابًا، قارنًا عن سوء نية بين الإسلام والإرهاب، فكان لا بد من التوضيح ووضع حدّ لسوء التفاهم، فابتدع مفك روهم مفهوم الصراع الحضاري، وردّ عليه مفكّرونا بحوار الحضارات. ومع ذلك، بقي الإشكال يُوظّف حين يكون في مصلحتهم ويُرفض حين لا يكون كذلك. وجاء المصطلح في مدوّنتنا الروائية مقترنًا دوْمًا بالتحامل على الظاهرة وتحميلها مسؤولية جميع المآسي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؛ ففي رواية أبناء السحابمثلً يخاطب الراوي إحدى الشخصيات المتأزّمة بكلام يفسّ له أسباب تأزّمه ويجعل العولمة العامل الرئيس في اغتيال أحلامه وتذبذب قيمه:

  1. المصدر نفسه، ص.72
  2. الواد، ص.270

«خيْمتك تعصف بها رياح العَولْمة، تهترئ قوافلك وتتآكل أحلامك، وتَنْفقُ جَِالُك، لكنّك لا تكفّ عن الحداء [...] تحدّيتَ الناموسَ وقلت: سأصنع قيمً جديدة، فذهب الجديد مع القديم، ووقفتَ تتجل داخل الحيرة يلفّك العجز»...11. الحقّ أن الهادي الذي وُجّه إليه هذا الكلام لم يكن في حاجة إليه لأنه سبق أن رأيناه واعيًا كأشدّ ما يكون الوعي بالدمار الشامل الذي تُ دِثُه العولْمة في جميع المنظومات، الاقتصادية منها والثقافية والأخلاقية؛ فقد «خطر له أن الكوْن موحّد لو كفّت عنه سطوة التجّار المسلِّحين، ورأى أن العالم الجديد الذي يدَّعون، هو عودة إلى الهمجية بقفّازات أنيقة، وأن التَجار سَط وْا على مخزون القيم وحوّلوها باسم العولمة إلى قيم النجاعة والنفع والجدوى بمنظور ربْحي وَق»..ِح12. وهو يشترك في هذا الموقف مع الشباب المثقف، كهذا الشاب الذي التقاه في مسيرة مساندة لغزّة ومناهِضة للعدوان الغاشم الذي سلّطه العدو على أهاليها، المدنيين والمناضلين على حدّ سواء: «قال الشاب كلامًا منهجيًا اختلف عن بدايته الانفعالية، وربط بين سقوط بغداد وحصار عَرفات وحرب لبنان، ووَصل كلّ ذلك بتعط ل التنمية، وأشار إلى العولْمة وسعيها إلى تدمير الخصوصيات، وإلى أدوات الاستعمار الجديدة. وختم بأن الغرب يزرع ألْغامه في كلّ مكان، وأن أوضاع التطرّف في المنطقة هي ردّة فعل على عوامل الاستلاب المتكاثرة»13. ووردت لفظة العولمة أيضًا في روايةسنوات البروستاتا لتفسير نجاح بعض سيدات الأعمال في مجال التجارة ودخولهن مُعتْرك النشاط الاقتصادي وذيوع صِيتهن في عالم «البزْنِس». وقد أحدثت اثنتان منهنّ «ضجةِ على صفحات بعض الجرائد الخارجية لأنهما من ذلك الطراز الذي صعد إلى منصّة الأعمال والتجارة مع سنوات العولمة، ويمكن تسجيلهما كنموذجين ناجحيَن للمرأة العربية التي اختارت الصراع في ساحة كانت مغلقة على الرجال إلى وقت قريب»14. إلّ أن هذا النجاح ليس سوى استثناء وحيد يؤكّد القاعدة، ساهمت عوامل عدة في إنشائه، وليست العولمة الاقتصادية إلّ أَحدها. أمّا القاعدة العامة، فهي نسف منظومة القيم التي عاشت عليها مجتمعات فهمت الظاهرة فهمً خاطئًا وحصرتها في الحصول على المال بجميع الوسائل، كالتحيل والإجرام والفساد، وهذا ما جعل عدد قضايا الانحراف والسطو والطلاق تتجاوز المليون قضية، بحسب مصادر في وزارة العدل ذكرها المحامي الذي قدّم هذا الرقم في قُطر لا يبلغ عدد سكّانه الاثني عشر مليون نسمة. وقد اتفقت روايتان على الأقل على هذا التفسير هما أبناء السحاب و تراتيل لآلامهما، وهو صدى لما يروج في المجتمع من تفسيرات عديدة لظاهرة تفاقم الإجرام والسطو، أهمّها تكوّن مجتمع استهلاك يريد كلّ فرد فيه أن ينال نصيبه منه على غرار ما يلاحظه في هرَم السلطة وأذنابها. إذن قضُي الأمر وفُرض على البلاد وضع متأزّم تنتصب على هرمه سلطة تحمي فسادَها بالاستبداد، وتشجّع على الاستهلاك وعلى توفير وسائله بشتى السّبُل، وتقمع كلّ من يحاول أن يتصدّى لها قولً أو فعلً. وبذلك ظهر عدد من الفواعل في الحياة السياسية والاجتماعية يمكن تصنيفهم ضمن تيارين عاميّن: تيار الديمقراطيين وتيار الأصوليين، ولم يَسْلم أي منهما من بطش السلطة الحاكمة. الأوليضمّ المثقفين اليساريين والاشتراكيين والقوميين والنقابيين والنّاشطين في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة،

  1. الجابلّي، ص -37.38
  2. المصدر نفسه، ص.24
  3. المصدر نفسه، ص.26
  4. سعيد، ص.41

والمحامين الشبان والقضاة المستقليّن الذين لم يشملهم نفع الفساد، و الثانييشمل الإسلاميين بمختلف توجّهاتهم من الإصلاحيين المعتدلين إلى الناشطين في تنظيم القاعدة للمغرب الإسلامي مرورًا بالسلفيين الجهاديين. ظهرت نماذج من هؤلاء وأولئك في مدوّنتنا الروائية، يتحركون سرًّا وعَل نًا وينالون نصيبهم من القمع والاعتقال والتشريد، فيصمد البعض ويتخاذل البعض الآخر ولكنّهم يبقون على وعيهم إلى آخر المطافَ. والملاحظ أن جميع ألوان قوس قزح هذا موجودة في صفوف الطلبة في مختلف الجامعات التونسية، بل أكثر من ذلك، ما يوجد منها في المجتمع المدني قد مرّ حتمً بمرحلة الجامعة، فنقل إليه أفكاره ونشاطه ولكن الظروف الواقعية تتكفّل بتعديل اندفاعه، فتفتر شعلته بمرور الزمن وبالاهتمام بالمشاغل اليومية وتوفير القُوت لأسرته. ومنهم من يشعر بالإحباط فيركن إلى العزلة أو يتحوّل من تيار إلى آخر في كثير من التذبذب والتردّد. ولعلّ سبب الإحباط لا يكمن في القمع بقدر ما يكمن في التشتّت والشقاق خاصة ضمن التيار الأول الذي يضمّ كما ذكرنا ما لا يحصى من الأطياف والاتجاهات. وقد ركّز محمد الجابلّ في روايته أبناء السحاب على هذا الانقسام المُحبط الذي لاحظه في أوساط المثقفين اليساريين، فكان أحد الشُخوص «يرثي تشتّت اليسار، وطغيان الزعامات، وغلبة النزعة الفردية التي شتتّت المجموعات وجعلتهم يتناحرون ويكفّون عن كلّ فعل، ويتحلّقون حول واجهات دعائية محدودة»15. لذلك اعتزل الجميعَ وركن إلى الهدوء محوّل نشاطه السياسي والنقابي إلى نشاط ثقافي بعيد المدى لا يؤتي أُكْلَه في الحين. ومنهم من فضّل الاندماج في «حركة الحاضر» محاول تجربة التماسك بعد الحلم بتغيير العالم وملاحظًا تطوّر منظومة القيم والعقليات، غيْ مرتاح الضمير لخياره ذاك، فكأنّه اضطرّ إليه اضطرارًا لأنّه كما يقول «لا أحد يملك بقايا ضمير يمكنه الاندماج، لكنّ الأمواج أعلى من رؤوسنا جميعًا، كلّ الأشياء تغيرت والبطل هو الذي يقدر على التماسك النّسبي»16. هل قدر الهادي، الشخصية الرئيسة في الرواية، على هذا التماسك وهو الذي لم يكن يؤمن بالوسطية؟ هل سَلم من التردّد والتذبذب وهو الذي كانت له في عهد الجامعة أفكار يسارية لم تمنعه من الجنوح إلى القومية عبر رمزية الأسماء وتسمية ابنه فرات وابنته دجلة؟ فزوجته تشير إليه بملاحظة «أن هذا الولع بهذه الأسماء ذات المرجع الدلالي والمحمول الحضاري يجعله في خانة القوميين، وهي خيانة بريئة لأفكاره اليسارية بل ذهبت في استقصاءاتها إلى سلفية خفية تراها فيه، وتكلّمت عن الأصولية ومظاهرها، ومنها الردّة الخفية عبر الرموز ومنها طبعًا الأسماء»17. إل أنه بعد ذلك دكّ جميع الحدود الفاصلة بين الحداثة والتخلّف يوم عنّف طليقته تعنيفًا شديدًا لأنها حمّلته مسؤولية تطرّف ابنهما وما نتج منه من اعتقال، فصارحته بهذا الكلام الموجع: «رجل مثقف يدّعي التقدّمية يعنّف طليقته عنفًا مروّعًا... رجل بدائي ينسف كلّ مبادئ الحداثة»18، تلك هي تناقضات المثقف الممزّق بين أفكاره اليسارية وممارساته المتخلّفة، وبما أن لكلّ خيار ثمنًا، فإن الهادي دفع ثمن خياراته غاليًا جدًا: تفك ك أسرته، وانهيار أعصابه، واعتقال ابنه، وانحراف ابنته، وانتهازية زوجته ثم طليقته وفقدان ذاكرته ماديًا ومعنويًا، أي فقدان المرجع. وهذه أطروحة الرواية:

  1. الجابلّي، ص.125
  2. المصدر نفسه، ص.121
  3. المصدر نفسه، ص.88
  4. المصدر نفسه، ص.99

فقدان المرجع والقطع مع الماضي والتنكّر للتراث هي أصل الداء، فكان لا بد أن تختم الرواية بما من شأنه أن يمكّن من استعادة المرجع لاستعادة الذاكرة المفقودة في إثر اصطدام رأسه بمادة صُلبة. لذلك جعله الراوي / الكاتب في آخر مشهد من الرواية يستلقي على ظهره في قريته الأصلية، ويشرع في تأمّل سحابات تتشكّل في صور أقارب له عاش معهم طفولته، الجدّ والجدَة، والأخ، والمعلّم، والأمّ تخرّفه وتحاجيه. أولئك هم أبناء السحاب الذين تحمل الرواية اسمهم. وهذه بالطبع رموز الهوية ومكوّناتها التراثية. لكن هل هي كافية لإخراج «البطل» من أزمته وإعداده لمرحلة جديدة من النضال السياسي والثقافي وإعطائه نفَسًا جديدًا يتجاوز به تناقضاته وتذبذبه؟ هل تكفي خرافات الأم وأحاجيها لبناء صرح جديد يكون بديلً لتردّي الوضع الراهن أم ليس هذا غير بلسم سطحي من شأنه أن يعيد إلى الهادي ذاكرته لا محالة، غير أنه لا يمثّل أداة كافية وسلاحًا ناجعًا لتغيير الأوضاع إلّ إذا كان الطموح لا يتجاوز استرجاع العافية وسلامة الجسد والعودة إلى التماسك والانسجام اللذين تحدّث عنهما مع صديق له أيام التأزّم. هل اهتدى التيار الثاني إلى الحلّ الصحيح لما جعل الإسلام، وخصوصًا سيرة السلف الصالح، المرجعّ الأساس لكلّ تحرّك؟ قد يكون هذا ما فهمه النظام القائم فتصدّى له بشراسة، مهادنًا اليساريين ولكن إلى حين. وما قاله النعمان لرئيسه في رواية سنوات البروستاتا يلخص موقف النظام من تيار الأصوليين الناشئ ومن التيارات الأخرى: «سيدي الرئيس، اليوم لا أحد يخاف من اليسار المتهتّك والمتذبذب، ولا من المعارضات الإصلاحية، التركيز اليوم يجب أن يكون على التيار الديني.. إنّه ما انفكّ يتّسع في بلادنا وكذلك في جوارنا ومحيطنا العربي والإسلامي.. إنه متسلّح بالمال ومدعوم من دول كثيرة، وهو بصدد تكوين شبكات غاية في التعقيد، وأخاف أن نجد أنفسنا ذات يوم في موقع دفاع»19. وأدرك النعمان خطورتهم منذ أن كان سفيرًا في لندن تجسّس عليهم متغلغلً في أوساطهم لمعرفة نياتهم ومشاريعهم، وكان يرسل التقارير منبّهًا ومنذ رًا حتى يكون التصدّي لهم ناجعًا. وما إن اعتلى بدوره سدّه الحكم حتى صار يقاومهم «بكل حزم»، فيحكم على مجرّد الانتماء إلى بعض أحزابهم المحظورة بما لا يقل عن عشر سنوات سجنًا، وتُضايق شرطته كلّ من يجاهر بتدينه بالالتحاء بالنسبة إلى الرجال أو بالحجاب بالنسبة إلى النسوة. واعتُبِ الحجاب «زيًا طائفيًا من شأنه أن يمسّ بالأمن الاجتماعي للبلاد»20. وقال أحد رجال الأمن لمتحجّبة ساخرًا: «أتظنيّن أنّك ستحرّرين القدس وتستعيدين أمجاد الماضي بهذا المنديل؟»21. الحقّ أن هذه الظاهرة نشأت منذ العهد السابق، العهد الذي سمّته رواية روائح المدينة عهد الاستقلال والسيادة، إذ بدأ بعض الفتيان في التردّد على المساجد لأداء الصلاة في أوقاتها ولتلقّي دروس بعض الدعاة. وشيئًا فشيئًا صار هؤلاء الشبان يتدخلون في شؤون غيرهم، فيكفّرون كلّ من يختلف عنهم، ويأمرون النساء بلبس الحجاب، وبلغ التعصّب بأحدهم إلى تكفير والده وتهديده بالمشنقة، والتنك ر لأمّه إذا أصرّت على رفض الحجاب22. ثم أنس الملتحون في أنفسهم عزمًا وقوّة فتحوّلوا إلى مرحلة أخرى أشدّ وأعتى «فأقبلوا على التظاهر والترويع والترهيب والتهديد والأعمال الخيرية»23، متحدثين عن «الصحوة الإسلامية» وعن «الشباب المحمّدي» يتّهمون الدولة «بالكفر والعلمانية ونشر الفسق

  1. سعيد، ص.95
  2. الشارني، ص.80
  3. المصدر نفسه، ص.79
  4. الواد، ص.46
  5. المصدر نفسه، ص.46

والفجور، وإبطال العمل بكلام الله، وينعتون العيش في ظلّها بالجاهلية الجديدة، ويدعون إلى الجهاد في سبيل الله»24، وذلك في الوقت الذي كان ما سمّته الرواية «تنظيم العمل الماركسي اللينيني» يرمي فيه الدولة ب«العمالة للأجنبي، والتفريط في خيرات البلاد واستنزاف ثرواتها، وتفقير المواطنين وتجهيلهم، وتخريب البيئة، وتسميم المحيط، ويدعون إلى العنف الثوري ومقاومة الامبريالية الرأسمالية والصهيونية والاحتكار والعمالة والظلامية»25، وما الظلامية عندهم سوى التيار الديني وأفكاره السلفية. وفي المقابل كثّف الملتحون نشاطهم وتحرّكوا في جميع الاتجاهات، وأصبحوا «في حالة من الهيجان مرعب. لغطوا بأن الأخلاق انحطّت إلى الحدّ الذي أصبح ينذر بنهاية الخليقة، جعلوا ينادون بوجوب الرجوع إلى أخلاق المسلمين الحقيقيين، صاروا يردّدون في جميع المحافل أنها الحلّ الذي لا حلّ سواه. تركوا اللباس الإفرنجي الذي أصبح غالبًا على السكّان إلى ألبسة شرقية. دعوا إلى الحجاب، إلى فصل الإناث عن العمل، نادوا بالفصل بين الذكور والإناث في المدارس والجامعات، طالبوا بمراجعة مجلة الأحوال الشخصية وبالسماح بتعدّد الزوجات، شرعوا في مضايقة الآخرين»..26. كان هذا كافيًا لتحرّك سلطة «العهد الجديد» ضدّهم والتصدّي لهم بشراسة، فبدأت بغلق المساجد في غير أوقات الصلاة حتى تضع حدًّا لنشاط الدّعاة، ثم شنّت حملة اعتقالات واسعة طاولت القيادة والقاعدة في الوقت نفسه، فصدرت أحكام قاسية ضد الكثيرين منهم، وسلّطت رقابة شديدة على أقاربهم وأصدقائهم وكلّ من يتعاطف معهم. ورغم احتجاج منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان الوطنية والدولية، فإن الحديث عن التعذيب لم ينقطع، فكانت نية السلطة واضحة في استئصال التيار واقتلاع جذوره لأنها رأت فيه تهديدًا حقيقيًا لاحتكارها جميع السلطات السياسية والقضائية والتشريعية والإعلامية والاقتصادية وغيرها. فكان لا مناص من التصادم، لكنه تصادم بين قوتين غير متكافئتين، قوّة تمتلك جميع أدوات القمع، وقوّة ليس لها من ناصر غير عقيدتها وإيمانها بعدالة قضيتها رغم تشكيك المجتمع المدني في عدالة قضية الملتحين، وخصوصًا بعد اعتداءاتهم المتكرّرة على حرية الغير وتضييق الخناق على المجتمع حتى يؤمن بما آمنوا به وتكفيرهم كلّ من يخالفهم الرأي، وتسلّطهم على حرية الإبداع وحرية التّفكير، فضلً عن اعتقاد بعض المفكّرين بأنهم صنيعة الأميركيين، جيّشوهم لتحرير أفغانستان من السوفيات، غير واعين أنه يأتي يوم ينقلب فيه السحر على الساحر. ولم ا عاد المقاتلون إلى بلدانهم الأصلية، تزيوا بزيّ الأفغان وواصلوا جهادهم في مجتمعاتهم. وازداد النظام الحاكم حزمًا في مقاومة التيار بعد اكتشاف «خليتين ناشطتين للأصوليين داخل الجيش والشرطة»27، وهذا وحده ينذر بالتصعيد الذي استشرفته الرواية التونسية.

استشراف الآتي

منطلق الحوادث إذن في شتّى روايات المدّونة جعل الحلقة الموالية للقمع والاستبداد وخنق الحرّيات الانفجار الذي لا مناص منه، فجاء على لسان أحد الشعراء في رواية أبناء السحاب: «ربمّا احتجنا إلى عاصفة». ثم رآها قادمة فأضاف: « بل هي العاصفة»28. وكان سعد الحاج في تراتيل لآلامها أكثر توضيحًا، معرضًا

  1. المصدر نفسه، ص.120
  2. الواد، ص.120
  3. المصدر نفسه، ص.269
  4. سعيد، ص.97
  5. الشارني، ص.41

عن ترميز الشعراء ومجازاتهم، يسمّي الأشياء بأسمائها ويحرّض عليها قائل: «الديكتاتورية المطلقة لا ينفع معها سوى ثورة شعبية كاسحة تطيح بالرؤوس الفاسدة أو انقلاب عسكري يُعيد للدولة هيْبتها»29. أمّا ابنته دنيا، فإنها «رأت» في أحلام يقَظتها ما سيحدث في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011 - وقد فرغت المؤلفة من كتابتها في أيلول/ سبتمبر 2007 بحسَب ما نصّت عليه في خاتمتها - رأت تدفّق الناس على الشارع الرئيس، شارع الحبيب بورقيبة، من جميع الجهات يتجمّعون فيه ويهتفون بسقوط النظام، فيبعث ذلك في نفسها عنفوانًا وتجدّدًا وامتلاء، فتعدو في الشارع الكبير إلى أن تبلغ تمثال ابن خلدون وتسمعه يقول بصوت بالغ الحكمة: «خضراء يا لوْن تونس ليل الغرابيب قصير»...30أمّا رواية وقائع المدينة الغريبة لعبد الجبّار العش، الصادرة سنة 2000، أي إحدى عشرة سنة قبل حدوث الزلزال وقبل التحوّل إلى نظام للحكم فاز به التيار الديني بالذات بمقتضى انتخابات شهد الجميع أنها كانت نزيهة وشفافة، وليس بفضل انقلاب عسكري كما ورد في الرواية، فقد ذهبت شوط ا بعيدًا يتجاوز الاستشراف إلى التوقّع حتّى لا نقول « التّنبّؤ» لأن التنبّؤ من شيم الأنبياء لا الروائيين. وما نعت أبي القاسم الشابي الشاعِرَ في عنوان إحدى قصائده بأنه «النبي المجهول» إلّ من باب المجاز البريء المأخوذ عن النزعة الرومانسية القائلة بغربة الشاعر بين قومه. تخيل عبد الجبّار العش31 في روايته تلك حوادث غرائبية في مرحلة أولى، وأخرى محتملة في مرحلة ثانية تنطلق من وسط الرواية تقريبًا فتُغير وجهتها، ولكنها لا تقطع مع حوادث المرحلة الأولى بل تفسّ لغزها وتقدم حلً بديلً لوضع حدّ للمحنة العامة. ذلك لأن ما حدث لا يوجد له أي تفسير منطقي أو طبّي أو علمي، وأقصى ما يمكن فعله هو البحث له عن تأويل رمزي، ولكنه مجرّد تأويل، إذ كيف نفسّ منطقيًا وطبّيًا وعلميًا عجزَ رجل عن النهوض من كرسيه والتنقّلِ من مكان إلى آخر؟ فقد نبتت له عروق تجذرت في الأرض وصار الدم يتدفق منها كلمّا حُفر تحتها مُدِثًا ألما في جسم الرجل. وكان موته بمنزلة الخلاصً من عذابِ وَضْعٍ فُرِض عليه فرضًا. ثم ينتشر الداء بين مختلف فئات المجتمع. وفي غياب أي تفسير وأي علاج، تكون مواجهته عمَليًا ببناء غرف ومراحيض في المكان الذي يُصاب فيه الفرد بالعجز عن المشي. بذلك يتحوّل الحادث إلى ظاهرة غريبة عجزت السلطة القائمة عن إيجاد حلّ لها، فكان لا بد من انتصاب سلطة أخرى تفسّ سبب الظاهرة وتجد لها حلًّ يُلّص المدينة ممّا ران عليها من تعطّل وجمود. وإذا كان لا مفر من تأويل رمزي لهذه الظاهرة، فينبغي البحث عنه في طبائع الاستبداد. وقد سكتت الرواية عنه فخَلت من كلّ إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى نظام الحكم الاستبدادي، لكأنّ التعبير عن الموقف من النظام الدكتاتوري تعذّر عن طريق الكلام في غياب حرية الرأي والتعبير فجاء عن طريق الجمود والإضراب عن الحركة. وبما أن الفرد لا يتحّكم إل في جسده فإنه تركه يتوقّف عن كلّ نشاط

  1. الجابلّي، ص.59
  2. المصدر نفسه، ص.165
  3. هي باكورة أعماله الروائية، نشر قبلها مجموعات شعرية، وبعدَها روايتين الأولى بعنوانأفريقستان (تونس، 2002) والثانية بعنوان محاكمة كلب (تونس،.)2009

تعبيرًا عن الرفض العاجز واليائس من ممارسة أي صنف آخر من الحرية والتعبير، إذ كانت وسائل التعبير كلها تحت مراقبة شديدة وقاسية. أمام استفحال الأزمة وتعميم الداء وتعفّن الأجواء بالمعنى المادي للفظة «التعفن»، وتشنّج الأعصاب، وانتشار التوتّر والانتهازية وانسداد الآفاق، حدث الانقلاب العسكري ليضع حدًّا للأزمة ويأتي بالفرج والانفراج، وقبل ذلك كلّه بالتفسير وبتحليل أسباب الظاهرة. ومن البديهي أن تكون طبيعة التفسير والحلّ مرتبطة بطبيعة من قام بالانقلاب. ومن قام به ليس غيرَ ما سمّه الراوي الجبهة الدينية في قوله: «الجبهة الدينية، وبواسطة عناصرها المندسّة سرًّا في القوات المسلّحة تقوم بانقلاب عسكري دموي وتفتكّ السلطة»32. إذن، لا يمكن أن يكون التفسير الذي يُنتَظر منها إلّ غيبّيًا بعيدًا عن الطبّ والعلم والعقل، وكذلك الحلّ. أمّا التفسير، فجاء في منتهى الوضوح والثقة في النفس واليقين الذي لا يشوبه الشكّ من قريب أو من بعيد، وذلك في البلاغ العسكري رقم 1 على لسان الناطق الرسمي باسم الجبهة الدينية، وهذا نصّه: «إن الفساد قد عمّ البلاد، وإن دولة الكفر قد دُحِرت، لتحلّ محلّها دولة الشريعة والإيمان »33. وبشّ الناس باقتراب زوال محنتهم التي كانت، بحسب تعبيره، « نقمة من الله.» هكذا تبيّ سبب المحنة بوضوح: استشرى الفساد والك فر فكانت نقمة الله عقابًا مسلّطًا على الفاسدين من الرعية والكفَرة من رجال الدولة التي تحمي ذلك الفساد وتبيحه، إذ كانت «دولة الكفر»، كما ينعتها البلاغ رقم 1. وهذا تبرير كافٍ لحلول «دولة الشريعة والإيمان» محلّها. أمّا الحلّ، فمن المنتظر ومن الطبيعي أن يكون من جنس السبب، أي غيبّيًا أيضًا. وهو سيظهر في نظام الحكم الذي ستبنيه « دولة الشريعة والإيمان كما جاء في نصّ البلاغ ». لكنّه وحده غير كاف، إذ لا بد أن يسبقه أو يرافقَه حلّ آخر من شأنه استئصال سبب الأزمة. وهذا الحلّ الأول ليس غيبّيًا ولا ثقافيًا بل هو حلّ آني جذري يهدف إلى القضاء على عناصر الفساد وتصفيتهم جسديًا إذ توعّد من سمّهم البلاغِ العسكري الفجَرة « بأعواد المشانق.» عمّت الفوضى في الأيام الأولى من الانقلاب، فكثر النهب والتخريب والسرقة، وفُتحت السجون لتهريب المساجين والمجرمين، واستغلّ المشرّدون انفلات الأمور فاحتلّوا مساكن غيرهم، وكثرت المشاحنات بين مَنْ لا مأوى لهم وأصحاب تلك المحلّت الحقيقيين، وتقرّر منع الجولَان وظهر القنّاصة، «وكثر التشكي والتظلّم، والدولة في شاغل... منهمكة في تطبيق حدود الشريعة ونَصْب أعواد المشانق، وَجلْد الزّناة والسّكارى في الساحة العامة»...34. وبما أن ما من نظام في الحكم يخلو من الجمع بين الترغيب والترهيب، فقد سنّت «دولة الحق» في أوّل بلاغ لها قانون التوبة، فجاء في بلاغ لها بالحرف الواحد: «إن باب التوبة مفتوح لمن يريد اتّباعَ الهدى على أن تكون توبة نَصوحًا، وإذا ما عادت العقرب عُدنا إليها بالنعال»35.

  1. العش، ص.126
  2. المصدر نفسه، ص.126
  3. المصدر نفسه، ص.148
  4. العش، ص.104

ولا يخلو فتح هذا الباب من التهديد والتعسّف والتسلّط؛ فما عادت العقيدة شأنًا فرديًا بين الإنسان وخالقه، بل صارت في «دولة الحق» تُفرض فرْضًا ويعاقَب من يُ الفها. وهذا ما دفع فئة من الناس إلى النّفاق والتظاهر بأداء الصلاة خوفًا من العقاب. وبحكم هذا التسلّط، كان أول إنجاز عظيم قامت به «دولة الشريعة والإيمان» بعد نَصْب المشانق لإعدام من تعتبرهم «كفَرة»، هو إراقة ما يوجد في البلاد من خمور. فقد رأى السارد «جحافل من الملتحين والجنود الذين لا أعرف من أين انبثقوا، يركضون بصناديق الخمر بعد أن اقتحموا الحانات والمطاعم ونقاط البيع لتُفتح ولتٍُاق في قناة صرف مياه الأمطار [...] وقد استشرت في الجموع هستيريا عمياء وكانوا يكبّون ويهلّلون »...36. لقد شعر السارد أمام هذا المشهد بلوعة، وانتابه إحساس بالعزلة وأحسّ كأنهم يهرقون دمَه أو يسفحون دم الطبيعة. وهنالك قرارات وإنجازات أخرى لخّصتها هذه الصفحة: «بعد أن انتهى مهرجان تكسير قوارير الخمر، وإراقتها في الوديان والقنوات والبالوعات... بدأت سلسلة رهيبة من الممنوعات. فأ غلقت الحانات ونقاط بيع النبيذ والكحول، ودوهمت بيوت باعة الخمر في السوق السوداء، وشُمِّعت أبواب المباغي، وجُّعت المومسات في قسم خاص بسجن النساء في انتظار النظر في مصيرهن.. وأخليت الكازينوهات والكباريهات، وأُغلقت قاعات الرقص، ومُنعت الرحلات الجماعية المختلطة، وأزيلت التماثيل والأنصاب، وأُوصدت أبواب مدرسة الفنون الجميلة أمام طلابها، وتعطلت الدروس بالمدارس والمعاهد الثانوية ريثما يتمّ إعادة توزيع التلامذة على المؤسّسات التعليمية حسب الجنس لإنهاء عهد الدراسة المختلطة، ولتغيير البرامج والمواد التعليمية بما يتماشى وروح الشريعة التي يرتؤونها. فكان التمزّق العنيف لروابط حميمية بين المرّبين وتلامذتهم، وبين الصديق وصديقته، فعمّت مشاعر الغبن والاحباط...، ولا من مُ  يب! وجُِّدَ نشاط دور السينما والمسرح، وبدأت حملة لا مثيل لها لجمع المجلات والكتب والصحف التي تنشر ‹الإلحاد والفساد› حسب قول البيانات الرسمية. وأ عِلن عن إجبارية ارتداء الحجاب على كل النساء، مع التهديد بالجلد وتطبيق الحدود، في صورة عدم الامتثال.. وانتهى الأمر بهم، في آخر المطاف، إلى منع ارتياد الشواطئ وإغلاقها في وجه المصطافين، ريثما يتمّ تقسيم السواحل، حسب المناطق إلى شواطئ للنساء وأخرى للرجال!! نضيف إليها منع البرابولات وشيوع فتاوى تبيح قتل الأقارب والإخوة إن هم جاهروا بعدائهم للدين»37. كما نضيف أمرًا خطِرا جدًا يتمثّل في حرق الكتب وما أثاره من لوعة في نفس الراوي. وقد حاول إنقاذ بعض العناوين مثل ديوان أبي نواس وروايةحدّث أبو هريرة قال...، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهكذا تكلم زرادشتلنيتشه، واسم الوردة لإمبرتو إيكو، والخبز الحافي لمحمد شكري، ورسالة القيان للجاحظ، وغيرها. وكلّها كتب حرّة رأى فيها النظام خطرًا على دولته فأمر بحرقها. هل نضيف نجاة إحدى شخصيات الرواية من محاولة رشه بماء الفَرْق قام بها أحد أنصار الجبهة الدينية...38 أم نضيف تقسيم الطرقات ثلاثة أصناف: صنف خاص بالرجال، وآخر بالنساء وثالث لرجال الدولة، أم نضيف «الاعتقالات المكثفة والمحاكمات الفورية والتعذيب؟»

  1. المصدر نفسه، ص.142
  2. المصدر نفسه، ص.156
  3. العش، ص.171

لكن هذه الحلول كلها لم تكن ناجعة، «فقد كان من المفروض حسب الخطاب الرسمي لرجال الدِّين أن تنفرج كربة الناس وأن تنحلّ العقدة، مثلما قالوا، بحلول دولة الحق [ولكن] الوضع ازداد استفحال، بل إن ظواهر جديدة بدأت باختطاف الأضواء وكانت لا تقلّ غرابة وإلغازًا عن ظاهرة الانغراس في الأرض وفقدان القدرة على المشي»...39. لذا كان لا بد من حلّ آخر، هو حلّ غيبي لا محالة ولكن نسميه «ثقافيًا» بما أن كلّ نظام يحتاج إلى سياسة ثقافية ونلخص أهمّ مراحله. إذا كان كلّ ما سبق يندرج في نطاق المحرمات، فإن ما يلي يُعتبر من المباح، وقُدّم على أنه البديل لثقافة التحرّر، وانطلق من تفسير غيبي ثان للظاهرة التي اجتاحت البلاد؛ إذ «أجمع علماء الدِّين على أن المدينة ‹مسكونة › وقد عُقِد لها ولا مناص من فكّ السحر وكشف الطلاسم »40. ولهذا خصّصت الدولة على نفقتها أسبوعًا سمّته الصحافة الرسمية « أسبوع الكرامات والإيمان... في مواجهة أعوان الشيطان»41. مرّة أخرى سيكون الحلّ من جنس التفسير قائمً على ثقافة التخلف والرجعية والظلام بديلً من ثقافة العقل والعلم والإبداع. فبعد اغتيال الديمقراطية والحرية الفردية يأتي دور اغتيال العقل والفكر الحر.ّ سبعة أيام كاملات اسْتُعمل فيها كامل تراث السحر والشعوذة والدّجل والأوهام، في أولها « تداوُل على الابتهال والذّكر » في تجمّع كبير غزا شوارع المدينة وساحاتها، وفي اليوم الثاني المخصص ل«البحث عن الربط»، نظمت حملة كبيرة جدًا للتفتيش عن «العكوسات» و«العلامات الشيطانية» وأدلّة «الربط » في مختلف المخابئ والحقائب والأكياس والصناديق والأفران والقوارير والكتب، وفي الآبار وجذور الأشجار والبيوت المهجورة والمساجد والمقابر والخوابي والحشايا والأواني وغيرها بحثًا عن الحديد والرصاص والنحاس والشّعَر والبَيْض والفضة والذهب. وكان اليوم الثالث يوم الحضرة، والرابع يوم التحصين الذي كان أولى به أن يسمّى يوم الشعوذة لأنه استُعملت فيه جميع أدوات الوهم والمخادعة كالسلاحف والحرباوات والحدوات والقنافذ وذيول السمك المجففة والملح، من ق بَل «أصحاب الكرامات والعزّامة وضاربي الخفيف (الرصاص) وقارئي الكف والبخت وكتّاب الأحجبة والرُّقى والتمائم»...42. وقد مكّنهم ذلك من سلب الناس أموالَم. وسُمّي اليوم الخامس «يوم القرابين » و«كان يومًا رهيبًا سالت فيه الدماء أنهارًا»، هي دماء الذبائح من بقَر وغنَم وماعز ودواجن وأرانب، «وعْدة» وعطية لانجلاء الكرب. لذلك تكفلت الدولة بنصف نفقاتها. واليوم السادس هو يوم زيارة أضرحة الأولياء الصالحين لمناشدتهم عبر قرع الطبول وضرب الدفوف

  1. المصدر نفسه، ص.145
  2. المصدر نفسه، ص.172
  3. العش، ص.172
  4. المصدر نفسه، ص.181

القوم إلى آخر طبّ وهو الكي، فكان اليوم السابع «يوم الكي بالنار.»

الرجس وقطع دابر الفساد»43 أهمها: - جمع الهوائيات الهرتزية بعد الهوائيات البرابولية.

عليهن. - وضع حدّ للنقل العمومي المختلط. - التضييق على تاركي الصلاة. - منع الاستماع إلى الإذاعات والقنوات الأجنبية. - منع آلات التصوير بجميع أنواعها.

وذُبحت عائلات برُمَّتها مثلما تذبح الأضاحيِ»44.

موسيقيين وكتّابًا وسينمائيين ورسّامين وغيرهم.

والحرية الفردية.

جميعًا يقول: «اللهمّ لا نسألك ردّ القضاء بل نسألك اللطف فيه.» والنفخ في المزامير أن يرفعوا عن الناس ما أصابهم من غمّة. وبما أن ذلك كله لم يؤدّ إلى نتيجة تذكر، لجأ وأشرف الإمام الأكبر بنفسه على الاختتام «فجاء إلى الشارع الرئيسي مُاطًا بجيش من الحرس ومُظَلّلً بعشرات طائرات الهيليكبتر»45، وتيقن أن البلاد مسكونة فقرّر «اتخاذ إجراءات كفيلة بتطهيرها من

- منع عمل النساء في الإدارات والمؤسسات الخاصة والعامة، وتحجير سياقة السيارات والدراجات

ثم أُجبر العمال على التنازل عن نصف أجورهم لفائدة الدولة، وَوُوجِه كلّ اعتراض «بالسيوف المسلّطة على الرقاب والتكفير المُشْهَرِ في الوجوه. وصارت الأشجار أعوادَ مشانق وفاضت المعتقلات بالخلق،

تلك هي ملامح دولة الحقّ والإيمان، عوضت استبدادَ النظام السابق باستبداد أعتى منه وأشرس. وقد ورد في القسم الأول من الرواية حديث عن انتحار جماعي لم تُذكر أسبابه قامت به جملة من المبدعين،

نحن نرى أنّه لم يكن في محلّه في القسم الأول، بل مكانه هنا في نهاية القسم الثاني من الرواية احتجاجًا على الثقافة الجديدة القائمة على اغتيال العقل والإبداع وعلى نظام في الحكم يقوم على اغتيال الديمقراطية

أمّا بخصوص الكتب، فإذا ما تقرر يومًا ما على أرض الواقع أن ت رَق، فإن أول كتاب ستأتي عليه ألسنة النار هو بلا شكّ رواية وقائع المدينة الغربية، ثم كاتبها وناشرها وموزعها وقارئها وناقدها، ولسان حالهم

  1. المصدر نفسه، ص.193
  2. العش، ص.193
  3. المصدر نفسه، ص.197 Books Goldmann, Lucien. Pour une sociologie du roman. [Paris]: Gallimard, 1964. (Biblio­ thèque des idées) ______ Michel Bernard et Roger Lallemand (eds.). Littérature et société: Problèmes de méthodologie en sociologie de la literature Colloque organisé conjointement par l’Institut de sociologie de l’Université libre de Bruxelles [Centre de recherches de soci­ ologie de la littérature] et l’École pratique des hautes études (6e section) de Paris, du 21 au 23 mai 1964. Bruxelles: Editions de l’Institut de sociologie, Université libre de Bruxelles, 1967. Lukács, György. La Théorie du roman. Traduit de l’allemand par Jean Clairevoye. Ge­ nève: Gonthier 1963

مراجع إضافيّة

1 - عربية

كتب

ثابت، محمد رشيد، التجريب وفنّ القصّ في الأدب العربي الحديث في السبعينات والثمانينات. سوسة: كلّية الآداب والعلوم الإنسانية؛ تونس: ابن زيدون للنشر،.2005 الخبو، محمّد. مداخل إلى الخطاب الإحالي في الرواية. صفاقس، تونس: مكتبة علاء الدين،.2006 العمامي، محمد نجيب. بحوث في السرد العربي. صفاقس، تونس: دار علاء الدين،.2005 القاضي، محمّد. في حوارية الرواية: دراسة في السردية التونسية. تونس: دار سحر للنشر،.2005 _____ [وآخرون.] معجم السرديات. تونس: الرابطة الدولية للناشرين المستقليّن،.2010 محفوظ، عبد اللطيف. آليات إنتاج النصّ الروائي. رباط، المغرب: منشورات القلم المغربي،.2006 المشهد الروائي العربي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2008

-2 أجنبية