Return to Article Details In Between: The Challenge of Writing Fiction and the Horizon of Critical Reading

البين بين رهان الكتابة الروائية وأفق القراءة النقدية

In Between: The Challenge of Writing Fiction and the Horizon of Critical Reading

إبراهيم عمري

Ibrahim Amri

الملخّص

ساهم رشيد بنحدو، وهو أحد أبرز النقاد والمترجمين والجامعيين المغاربة، في إغناء المكتبة النقدية العربية، وترسيخ النقد الأدبي الحديث في الجامعة المغربية وتوطين المصطلح النقدي المعاصر في الوطن العربي، فضلً عن كونه من الأوائل الذين أدخلوا جمالية التلقي إلى الحقل العربي. وقد فاز كتابه الأخير «جمالية البين بين في الرواية العربية » بجائزة المغرب للكتاب برسم سنة 2012 . وهو تجربة نقدية تأسيسية لمفهوم «البين بين »، بوصفه منطقة التوسط ذاتها، أي تلك الأحياز التي سقطت من حسبان النقاد والمنظّرين، والهوامش الرفيعة حيث تتداخل الأجناس والتقنيات وتزدوج اللغات والرؤى وتتنافذ الأزمنة وتتماس الفضاءات. يجمع هذا المؤلَّف بين دقة منهجية وتجديد مفهومي ومصطلحي يعمقان النقاش حول التأسيس النظري للقراءة. ولهذا جاء تصوره هذا مبشرًا بشعرية جديدة تعيد الاعتبار إلى القارئ لا بوصفه متلقي نص المؤلف المنتهي، بل باعتباره مؤلف نص جديد.

Abstract

Rachid Benhaddo, a prominent Moroccan critic, translator, and academic has helped enrich the library of modern literary criticism in Arabic, consolidate it in Moroccan universities, and translate its technical terms into Arabic. He was also a pioneer in introducing the aesthetics of reception into the Arab domain. His latest book, The Aesthetics of the In Between in the Arabic Novel , won the 2012 Morocco book award. This book is a critical experience that founds the concept of the in between as the area of mediation itself; that is, those spaces neglected by critics and theorists, the narrow margins where genres and techniques intertwine, languages and visions are dualistic, times diffuse, and spaces touch. The author combines methodological precision with conceptual and terminological innovation, deepening the discussion of the theoretical foundation of reading. His conception beguiles a new poetic that rehabilitates the reader, not as the receiver of a closed authored text but as the author of a new text.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة الروائية
  • القارئ
  • القراءة النقدية
  • المصطلح
Keywords:
  • Fiction Writing
  • Reader
  • Critical Reading
  • Terminology

نص جديد.

يبدو جليًا أن انشغال مؤلف جمالية البين بين في الرواية العربية مدة طويلة بخاصية تذبذب النصوص الروائية بين ثنائيات متعارضة، وافتتانه بترجح كثير منها بين مقتضيات متنابذة، وتمرسه بكشف تجليات نزعتها المابينية في مستوييها الفني والجمالي، هو الذي أكسب مفهوم «البين بين» قوّته التداولية. وإذا كان اهتمام المؤلف بهذه الخاصية الفكرية ساهم رشيد بنحدو، وهو أحد أبرز النقاد والمترجمين والجامعيين المغاربة، في إغناء المكتبة النقدية العربية، وترسيخ النقد الأدبي الحديث في الجامعة المغربية وتوطين المصطلح النقدي المعاصر في الوطن العربي، فضلً عن كونه من الأوائل الذين أدخلوا جمالية التلقي إلى الحقل العربي. وقد فاز كتابه الأخير «جمالية البين بين في الرواية العربية» بجائزة المغرب للكتاب برسم سنة 2012. وهو تجربة نقدية تأسيسية لمفهوم «البين بين»، بوصفه منطقة التوسط ذاتها، أي تلك الأحياز التي سقطت من حسبان النقاد والمنظّرين، والهوامش الرفيعة حيث تتداخل الأجناس والتقنيات وتزدوج اللغات والرؤى وتتنافذ الأزمنة وتتماس الفضاءات. يجمع هذا المؤلَّف بين دقة منهجية وتجديد مفهومي ومصطلحي يعمقان النقاش حول التأسيس النظري للقراءة. ولهذا جاء تصوره هذا مبشرًا بشعرية جديدة تعيد الاعتبار إلى القارئ لا بوصفه متلقي نص المؤلف المنتهي، بل باعتباره مؤلف

والجمالية في بدايته عفويًا ومن دون تصميم مسبق، فإن إصرار الكتابة النقدية عنده على التفكير الواعي في ذاتها باستمرار من جهة، وانفتاحها اليقظ على الجهود النظرية وأنساقها الفلسفية على الدوام من جهة ثانية، ومواجهة عدتها الإجرائية على نحو مشاغب ومشاكس وطريف أحيانًا مع تلك التجارب عمليًا على امتداد عقود من الزمن من جهة ثالثة، عوامل ستفضي كلها في نهاية المطاف

إلى بناء تصور نظري متكامل، وجهاز مفهومي مستند إلى مقولات شعرية مجردة، ومحصن بمدوّنة مصطلحية دقيقة، غايتها، كما هي حال المشاريع النقدية الكبرى، تجاوز النصوص الكائنة إلى نظيرتها الممكنة. غير أن قوةَ المفهوم الإجرائية وفعاليتَه التداولية تكمنان، بالإضافة إلى ذلك، في استناده إلى تصور فلسفي ينتصر للنسبية على حساب اليقين، ويحتفي بالحركية والمرونة على حساب الثبات والفسولة، وبدينامية القراءة عندما تؤْثر رحابة الإقامات البرزخية. وهو تصور لا يعتبر أشياء العالم معطيات تامة تحتكر قيمتها لذاتها، وتختزل معناها في شكل حقائق معزولة عن الذات المدركة بقدر ما يعتبر وجودها مرتهنًا بهذه الذات ومتوقفًا على رؤيتها وعلى إدراكها. لذلك نعتبر أن الفعل النقدي، على نحو ما نعاينه في «جمالية البين البين» تنظيرًا وتحليلً، قد قطع مع يقين ظلت أصداؤه تتردد في سمائنا عقودًا من الزمن. فقد كان ينظر إلى النص في الغالب من منظورين متعارضين: منظور سابق كان اعتبر النص الأدبي مرآة تعكس الحقائق الخارجية، وفي هذه الحالة كان المتن الإبداعي يتحول إلى مجرد خزان لأمثلة يُستشهد بها على هذه الحقائق، ومنظور لاحق جعله بنية منغلقة على ذاتها، ولا تحيل سوى إلى نفسها. وقد دأب النقد العربي في كثير من إنتاجاته، وفي الحالتين معًا، على النظر إلى النص الروائي مثلما ينظر إلى أي موضوع معرفي، معتبرًا إياه «مستودع حقائق جاهزة ونهائية، يتعين على الناقد أن يكشف عنها للقارئ، نازعًا عنها غلالات اللبس والإبهام فيها». لا ننكر أن الرغبة التي راودتنا، ونحن عاكفون على قراءة هذا المؤلف، هي محاولة استنفاد كل مظاهر تفرده التي انماز بها عن غيره. وهي الرغبة التي قد تراود من دون شك كثيرًا من قرائه. ولعل تواتر الدراسات في المنابر المغربية والأجنبية، وفي الأيام الدراسية داخل الجامعات وخارجها حول جديد هذا المؤلَّف، يؤكد هذا الحدس من جهة، ويبرر عدولنا عن هذه المغامرة التي لا يتسع المقام لنخوضها بمفردنا من جهة ثانية. غير أن طبيعة الموضوع ذاتَا ومقاربتَه النوعية تستحقان في اعتقادنا عناء التأمل، لأنهما تفسران كثيرًا من أسرار انجذاب القارئ إلى هذا النص، وتؤسسان لقراءة جديدة ستطبع لا محالة رؤيتنا لجمالية الكتابة الإبداعية.

نحو جمالية جديدة

إن القارئ الذي يشرع في قراءة مؤلف جمالية البين بين في الرواية العربية بأفق توقع هو حصيلة تجربته مع النقد الروائي العربي، متوهمًا أن يكتفي من هذا المؤلف بمعرفته النظرية أو منهجيته التحليلية، أو معتبرًا إياه جسر عبور إلى متونه الروائية، سرعان ما يخيب أفق توقه هذا، ليجد نفسه، إن كان حصيفًا منجذبًا إلى المختلف ميالً إلى المغاير، أسير هذا النص ذاته. ولن يأسر هذا المؤلف قارئه لكونه فتح بابًا جديدًا في درسنا النقدي المغربي والعربي على السواء، تصورًا ومنهجًا ومصطلحًا فحسب، بل لأن لغة الكتابة النقدية فيه تجري مجرى اللغة الإبداعية كذلك، في استعاراتها للصورة والمجاز، وتلاعبها باللفظ ودلالاته، وهي خاصية حملت كثيرًا من قراء الكتاب على قراءته دفعة واحدة، كما لو أنهم بصدد قراءة رواية مثيرة وجذابة.إنها خفة متصلة بلا شك بعلم مرح أنجب كتابة نقدية غضة وفاعلة وحيّة ولماحة ووثابة. ولأن مؤلفه المفتون بفضاءات البين بين مارس حريته في القراءة كاملة غير منقوصة، وأعلن بجرأة وبلا مواربة عن حقه في إعمال متخيله الشخصي،

وتمسكه باللعب والحلم، ثم لأن المقاربة هنا، وبخلاف ما ألفه هذا القارئ، تمعن في لهوانيتها، تاركة متونها تلعب بدورها بين استهواءات متنابذة، مؤلفة بمرونة وسلاسة قل نظيرهما، بين دقة منهجية وتجديد مفهومي ومصطلحي يعمقان النقاش حول التأسيس النظري للقراءة، ولعبةِ استخيال لم تعد حكرًا على اللغة الحكائية بل طاولت نظيرتها الواصفة. فالبين بين، بوصفه منطقة نبض وتوتر وتجاذب وارتجاج وريبة، هو الذي يُشعر القارئ بإحساسِ من يطأ أرضًا بكرًا لم يسبقه إليها أحد، ولذةِ الاكتشاف الأول والدهشة الفجائية التي لا تخبو بالضرورة مع انقضاء القراءة الأولى. إنه بالذات ذلك الفراغ أو البياض المنسي الذي يفصل البين الأولى عن الثانية أو يصلهما سيان. إنه المجال الذي لا تدركه العين المجردة، ولكنه هو ذاته ما يجعل الأشياء مدركة ومرئية. لقد كان الرسام الفرنسي جورج شاربونييه (G. Charbonnier) على حق عندما لفت انتباه قارئ لوحته، الذي كان بصدد تحديد محتواها، إلى ما سقط من حسبانه. فقد أشار هذا القارئ إلى تفاحة وإلى صحن وضعت عليه، وإلى أشياء أخرى لم يستطع التعبير عنها سوى بنقط حذف وردت في نص الشاهد، ليذكّره الرسام بأن موضوع اللوحة الحق ليس هو الأشياء المحددة أو المرتسمة على سطحها بقدر ما هو تلك الأحياز الموجودة بينها. فما بين التفاحة والصحن يرسم هو أيضًا، على حد تعبيره. إن نقط الحذف تلك هي بالذات فضاء اللوحة حيث تسبح الكائنات، وهو ما يغيب عن إدراك القارئ ويعجز عن تسميته ولكنه يستشعر وجوده. ولعل طبيعة الموضوع هذه هي ما جعلنا نعتبر أن مؤلَّف بنحدو أثار النقاش أول مرة بمثل هذا التفرغ حول جماليات جديدة، مجالها الفسيح ليس ما تَهر به النصوص وتصدح به كلماتها، بل ما تهمس به في صموتها وتلمح إليه بين مفرداتها، وليس ما تكشفه راضية لقارئها بل ما يحتجب متمنعًا في منعرجاتها وشعابها، ويتوارى مقنَّعًا في غلالات اللبس خلف تخومها، هو مناطق اللاتحديد والتوتر والهامش والمتغير حيث مكمن بلاغتها وفتنتها وأصالتها. وتجد عناصر هذه الجمالية الجديدة صداها واضحًا في مباحث الكتاب الكبرى وفي عناوينها الصغرى. وهي المباحث التي آلت على نفسها فحص النسق الذي يتركب من خلاله معنى النص في مراوحته بين الأصوات والأساليب والتقنيات والرؤى واللغات، وحيث يمارس هذا المفهوم قوته الإجرائية والكشفية في مقاربة جمالية البين بين نصيًا. ليس من باب الصدف أن يستهل بنحدو فصول كتابه العشرة بفضاء الاستهلال ذاته. فمطالع النصوص الروائية واستهلالاتها هي أسطع تجل للبين بين، وإحدى أبهى صوره ارتسامًا لا في النص وحده بل في مؤلفه وقارئه على حد سواء. إنها لحظة شروع النص في تخلقه التدريجي، وبؤرة توتر بين نداءين: نداء الواقع ونداء المتخيل، نداء الخارج ونداء الداخل، أو هي عتبة تجتذب القارئ عندها قوتان متنابذتان تشدانه إلى عالمين متعارضين بين وجود بالقوة كانه، ووجود بالفعل سيصبحه. على غرار حالة التذبذب التي يعيشها المؤلف لحظة شروعه في الكتابة بين عالم الأشياء الذي يقيم فيه، وعالم الكلمات الذي يقيمه ويشيده، يستمر مفهوم البين بين في ممارسة مفعوله في هوامش اللبس واللايقين، وفي أشد أحوال المراوحة استعصاءً على العين المجردة: بين تمازج السيرة الذاتية والرواية وتمايزهما، بين التماسهما للواقع

والتماسهما للخيال، بين الذات ساردة موضوعًا للسرد، بين الشفاهية والكتابية، بين الماضي زمنًا للقصة والمضارع زمنًا للكتابة، بين نسخ الرواية للواقع عن طريق انزياحها إليه ومسخها له عن طريق انزياحها عنه، أو بين الوفاء به وخيانته، وبين محاكاته ومحاكمته، وبين تفضية الوهم وتوهيم الفضاء، وبين مغامرة اللغة ولغة المغامرة، وبين قراءة الكتابة في أثناء كتابتها وكتابة القراءة في أثناء قراءتها، وبين كتابة الرواية ومصارعتها، أو بين بنائها وتشييدها ومحوها وتدميرها، ثم بين ممارسة البين بين في الكتابة وممارسته في الحياة، حيث يتيه النص عن أصله أو يتيه فيه، وأخيرًا بين الرواية واللارواية حيث تتسكع الكتابة على شفير اللغات والأساليب والتقنيات والمواقف، وتجوب تلك الأحياز بين الجنسية بلا رادع، وتعربد فيها غير عابئة بالحدود. ليس البين بين إذن تناوبًا لحدين منفصلين جذريًا بقدر ما هو تنافذهما العضوي، أو كما جاء على لسان المؤلف، هو «حركة مزدوجة نستمد بواسطتها من الأصل ما يسعفنا على الانزياح عنه، ونستقي بواسطتها أيضًا ما يساعدنا على مبارحته». هو فعل المراوحة السيزيفي ذاته وليس منطلقه أو مآله، عندما يسري في نصوص تتحايل به على إسماع القارئ، دفعة واحدة، صوتًا مزدوجًا بصوت آخر. وأي الأسماء أدل على هذه الحال البرزخية، وأيها أوثق صلة بشكل تعبيري دائم التحول من «البين بين» قوامًا فنيًا ومقولة إجرائية في آن. ولهذا السبب اتصف بكل صفات الحركية والحيوية والمرونة والانسيابية التي لم تسلم منها حتى مصطلحات الكتاب ومفرداته ومركّباته الاسمية، وقبلها عناوين فصوله ومباحثه. ولنتأمل كل هذه الطاقة الدلالية المضغوطة في المفردات والحركة المشحونة في الكلمات، وهي سليلة البين بين وشقائقه ومشتقاته التي يمكن أن تشكل مع ما أغفلناه منها معجمً نقديًا خاصًا بالباحث: التذبذب والترجح والتخلق والتشكل والتردد والتجاذب والتنافذ والتنابذ والتناوب والتعارض والتناسل والتنازع والتناص والتضاد والتوضيع والتذويت والتفضية والتنصيص والتسهيب والتسجيع والتجنيس والتلغيز والتخصيب والتوليد والتفصيح والتشفيه، ثم الاندلالية والانسال والانكتاب والانكشاف والانكساف والانوجاد والانتكاص والاستخيال والاستحالة والاستنجاز والاستيقاع والازدواج والارتداد والإغراب والنوسان والمراوحة والعبور واللعب اللهواني والانبساط التدريجي والنزوع الأنطولوجي...إلخ.

الكتابة بالبُعد الثالث

ليس البين بين إذن مجرد مقولة تم تحصينها نظريًا وتحليل اشتغالها الجمالي عمليًا. ولعل وقوف القارئ عند أحد هذين المظهرين أو عندهما معًا، هو اقتصار على جانب من جوانب جدته، وعلى وجه من وجوه تفرده. إن المؤلف في اعتقادنا تجسيد فعلي لممارسة نقدية جديدة باتت تتنزل لأول مرة في نقدنا العربي بين منزلتين ما، راضية مرضية من غير تعسف ولا تمحل، بين انشغال بموضوعها واشتغال مواز بذاتها، بين كشف لخبايا نصوصها، وانكشافها المتزامن أمام هذه النصوص، بين احتفائها بمتخيل المؤلفين واحتمائها بمتخيلها. إنها لا تخضع لإرغامات الكتابة ولانبساطها الخطي في بعدين اثنين، بل تستميل قارئها ليغوص في بُعد ثالث ميتا نقدي، حيث تفكر المقاربة النقدية في نفسها، وهي لذلك لا تفعّل أسئلتها في اتجاه واحد صوب متونها بقدر ما تولي وجهها في كل مرة شطر ذاتها.

أشار الناقد محمد بوعزة، في التفاتة ذكية، إلى أن الخطاب النقدي عند بنحدو ينكتب هو نفسه بهذا التفكير البين بيني؛ فقد كرس هذا الناقد المغربي، في رأيه، تجربته وخبرته في هذا الكتاب لاستكشاف جماليات البين بين في الرواية العربية، وفي خضم هذا الجهد الاستكشافي، كان ينقش شكلً آخر لخطاب نقدي لم ينج هو نفسه من غواية البين بين، ويمارس فعل القراءة بتفكير بيني، على الحدود بين اللوغوس والميتوس، بين علمية المعرفة ونزوة الرغبة. وقد استطاع، عبر هدم الخط الفاصل بين هذه الثنائيات في النظرية الأدبية، أن يحرر الرؤية النقدية من تحجرها.)7(فضلً عن كون «البين البين» مفهومًا ناظمً لفصول الكتاب، وخيطًا رابطًا بين أجزائه، انتقلت عدوى هذه اللعبة البين بينية لتطاول الكتابة الواصفة ذاتها، لدرجة نخال معها فصولَه وعناوينَه مترجحةً هي الأخرى بين صور متعاكسة على مرايا متقابلة. إن قصة جدار برلين الفاصل بين فضاءين متعارضين ومتنافذين، التي استهل بها المؤلف كتابه، هي من دون شك كناية بليغة عن أشد رموز الترجح قلقًا وتذبذبًا، وعن محاولات مضنية لحيازة هامش رفيع لا مالك له بالتنقل المكوكي عبره، والتردد والمراوحة بين ما دونه وما وراءه، غير أنها تبدو نصيًا انعكاسًا مرآويًا مزدوجًا لموضوع الكتاب الكلي في صورتين تقعيريتين جزئيتين تحتلان بالتتابع مقدمته وخاتمته. وفي الوقت الذي تجسد فيه الأولى حالة البين بين سينمائيًا في مطلعه، تعمد الثانية إلى تشخيصه مسرحيًا في مقطعه. وبين هذه وتلك تتوالى صوره الروائية الوسطية حيث تكون نصوص المتن «تلقاء انتحاءين أو شكلين أو جنسين متمايزين، يتعين عليها النوسان بينهما أو اختيار أحدهما أو التوفيق بينهما». وهي كناية على أن موضوع المؤلَّف الأساسي، الذي شغل فصوله العشرة، هو منطقة التوسط ذاتها، أي تلك الأحياز التي سقطت من حسبان النقاد والمنظّرين، والهوامش الرفيعة حيث تتداخل الأجناس والتقنيات وتزدوج اللغات والرؤى وتتنافذ الأزمنة وتتماس الفضاءات. على غرار جهود الشعريين التي أغنت نظرية الأدب عبر التاريخ، يمكن اعتبار هذا المؤلف تأسيسًا لشعرية عربية جديدة قوامها تمرس نقدي بتجربة جيل كامل من الروائيين، وحنكة مترجم منصت إلى نبض النصوص عارف بأسرارها، وتبصر مصطلحي مرهف الإحساس رفيق باللغة، ونباهة قارئ غير مهادن. ولهذا جاء هذا التصور مبشرًا بقراءة جديدة تعيد الاعتبار إلى القارئ لا بوصفه متلقي نص المؤلف المنتهي، بل باعتباره مؤلف نص جديد. وبهذا الشكل أيضًا صار فعل القراءة عند بنحدو كتابة موازية تهب الإبداع حياة جديدة لا تنبثق من تأويل القارئ لآليات اشتغاله، بل وأساسًا من استمالة هذا الإبداع ومؤلفه معًا إلى متخيل قارئه وإلى أفقه التذوقي.

الهوامش

نلاعإ نيمأت ءاجرلا اثيدح ردص