Return to Article Details What is the Likelihood of the Production of a Tunisian Islamism? A Study of the Challenges

أي إمكانية لإنتاج إسلاموية مُتَوْنَسَة؟ دراسة في التحديات

What is the Likelihood of the Production of a Tunisian Islamism? A Study of the Challenges

علي الصالح مولى

Ali el-Saleh Moula

الملخّص

يطمح هذا البحث إلى تحصيل أمريْن: فأمّا الأول فتركيبي، مسعاه أن يجمع معطيات الواقع السياسي والثقافي والدِّيني، وأن ينشئ بينها صلات ومعابر تساعد على فهم الإسلاموية في سياقها العام من ناحية، وفي إطارها المحلي التونسي من ناحية ثانية. وأمّا الثاني، فإشكالي، هدفه أن يحيط بالأسئلة التي تضع المشروع الإسلاموي التونسي أمام كتلة من التحديات الناهضة في وجهه.

Abstract

This paper seeks to achieve two things: the first is synthetic, and aims to combine the facts of political, cultural, and religious reality and make connections and links between them to aid the understanding of Islamism in both its wide and local Tunisian context. The second is analytical, and aims to comprehend the issues posing a range of challenges to the Tunisian Islamist project. The paper employs two interlinked approaches: a comparative approach and a historical-critical approach. The first is used to examine the areas in common between the Tunisian Ennahda movement and the Turkish Justice and Development Party, and between Ataturk and Bourguiba. The second approach is used to observe the effect of the history of the "civil state" and its value system on the construction of the contemporary Tunisian personality and the available possibilities or obligations for Tunisian Islamists to make a breakthrough in the reason of this "civil state". On the basis of this conception, the paper may be included among studies with a deconstructionist bent that try to understand the manner in which Tunisian Islamism is a project that expounds Islam and has an identity-based vision of society. This choice means not becoming bogged down in details, despite their importance, but being content with how Tunisian Islamist discourse grounds itself when confronting its obstacles. Here, it must be indicated, that obtaining direct and conclusive answers to the questions posed is not a fundamental aim of this research. This is because this form of Islamism, for composite subjective and objective reasons, has not perfected its doctrines in a way to enable students to form final judgments. It appears attached to discourse, diktat, and ideology at the expense of the epistemological, authentic, and creative.

الكلمات المفتاحية:
  • إسلاموية
  • التونسي
  • الثقافة
  • الواقع السياسي
  • الواقع العربي
Keywords:
  • Islamism
  • Political reality
  • Tunisian Context
  • the Cultural.

دراسة في التحديات

يطمح هذا البحث إلى تحصيل أمريْن: فأمّا الأول فتركيبي، مسعاه أن يجمع معطيات الواقع

السياسي والثقافي والدِّيني، وأن ينشئ بينها صلات ومعابر تساعد على فهم الإسلاموية) islamisme (في سياقها العام من ناحية، وفي إطارها المحلي التونسي من ناحية ثانية. وأمّا

الثاني، فإشكالي، هدفه أن يحيط بالأسئلة التي تضع المشروع الإسلاموي التونسي أمام كتلة من التحديات الناهضة في وجهه. توسل البحث في سبيل ذلك بمقاربتين متضافرتين: مقاربة مُقارنية ومقاربة تاريخية نقدية.

عوّل على الأولى لاستحصال النتائج ممّا يَمع بين حركة النهضة التونسية وحزب العدالة

والتنمية التركي من جهة، وبين أتاتورك وبورقيبة من جهة أخرى. وعوّل على الثانية

لرصد أثر تاريخ «الدولة المدنية» ومَام يلها القيمية في بناء الشخصية التونسية المعاصرة والإمكانات أو الفرضيات المتاحة أمام الإسلاموية التونسية لإحداث اختراقات ما في معقول هذه «الدولة المدنية.» بناء على هذا التصور، يندرج البحث في أفق الدراسات الفكرية ذات النزعة التفكيكية التي تحاول أن تَظفر بما به تكون الإسلاموية التونسية مشروعًا تأويليًا للإسلام ورؤية

«هُوَو»)ِية vision identitaire (للمجتمع. واقتضى هذا الاختيار ألا تغوص الدراسة في

التفصيلات على الرغم من أهميتها، وأنْ تكتفيَ بالمرتكزات التأسيسية للخطاب الإسلاموي

التونسي في مواجهة معوقاته. وينبغي الإشارة في هذا المقام إلى أنه لم يكن من مقاصد هذا البحث الأساسية الحصول على إجابات مباشرة ونهائية عن الأسئلة المثارة، نظرًا إلى أن

أسبابًا مركّبة ذاتية وموضوعية جعلت أطروحات هذه الإسلاموية لا تكتمل على نحو

يُمكن الدارس من ترتيب أحكام نهائية في شأنها؛ فقد بدا تعل قها بما هو خطابي إنشائي

أيديولوجي طاغيًا على ما هو إبستيمي تأصيلي وإبداعي.

مقدّمة: إسلاموية أم إسلامويات؟

تشهد بلدان عربية وإسلامية كثيرة بروزًا لافتًا لظاهرة الإسلام السياسي على امتداد العقد الأول

من القرن الواحد والعشرين. والراجح أنها مرشحة لمزيد من الانتشار. ولا شك في أن أسباب

ذلك مركّبة، فيعسر رد الأمر إلى عامل محدد. لكن يمكن استحضار عناصر قد تكون مساعدة أكثر من غيرها على تنشيط هذه الظاهرة، كالأزمات الاقتصادية التي تضرب كثيرًا من البلدان، والتحولات في

الجغرافيا السياسية العالمية بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، وصمود مقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني في وجه العدوان الصهيوني في صائفة 2006، والنتائج التي بدأت أمم كثيرة تحصدها

من ارتباطها بالزمن المعولم، مثل سؤال الهوية الذي صار على رأس سلّم الأولويات، وبشائر الثورات التي تتداعى إليها شعوب عربية هنا وهناك، مفسحة، بالديمقراطية الموعودة، مكانًا للتيارات الدِّينية في

المنافسة على الحكم. هناك إذن قلق اجتماعي وأمني وروحي وسياسي ساق أصحابَه إلى اللجوء إلى حلول تُلقي على الأفراد

والجماعات ضروبًا من السكينة والاطمئنان، وتغري بالخلاص من خلال الدعوة إلى تجريب ما عند

المسلمين من مخزون أُزيح من الواقع زمنًا طويلً لأسباب متعددة. غير أن بلدانًا إسلامية قليلة نجحت فيها الجماعات التي تتبنّى مشروع الأسلمة)islamisation(، ووضعت

على محك الواقع أطروحاتها. يُذْكَر في هذا الصدد تجارب أربع هي: الإيرانية والسودانية والأفغانية

والتركية. لم تعمّر التجربتان الثانية والثالثة طويلً، على خلاف التجربة الإيرانية التي يزيد اليوم عمرُها

على ثلاثين سنة. وتشد التجربة التركية إليها الأنظار، سواء من الدارسين أو من الراغبين في اتخاذها دليل على قدرة الإسلام السياسي على إنتاج رؤية عصرية لتدبير الشأن العام. لم يستطع التيار السياسي الإسلامي في السودان بزعامة حسن الترابي أن يمكث طويلً في السلطة، وكانت العوامل التي عجّلت سقوطه هي التنوع الإثني والدِّيني في السودان ومتاعب الحياة اليومية وغياب تدابير

تنموية فعالة في أطروحات هذا التيار وعدم اطمئنان الجوار السوداني إلى ما يدعو إليه. كانت «الطالبانية» في أفغانستان مثالً آخَر لمقاربة إسلاموية سياسية مثّلت أنموذجًا فاشلً لأسباب لعلها

أكثر تعقيدًا من الحالة السودانية؛ ففي أفغانستان، كانت الحرب الباردة تمر من هناك مستعرةً بين الغرب

الرأسمالي الليبرالي والاتحاد السوفياتي الاشتراكي. وفي أفغانستان، كان «المجاهدون» حطبًا لتلك الحرب

وهم يحسبون أنهم يخوضونها ضد الكفار. وانكشفت البلاد بعد «النصر» خرابًا رهيبًا حاول من بقي فيها

من «المجاهدين» تعميرها ب«إقامة شرع الله فيها»، وهبَّ إليها من كل حدب وصوب الحالمون بقيام «دولة

الإسلام». ولكن حركة طالبان المتحالفة مع تنظيم القاعدة أعطت جميع مقومات الانحراف عن سنن التاريخ وروح الأديان. وأمّا الثورة الإسلامية في إيران، فالثابت أنها نجحت في إقامة دولة دينية في إطار الأيديولوجيا الجعفرية

الاثني عشرية، ولكنها لم تكن قادرة على تقديم نفسها بديلً من الأنظمة القائمة لأمريْن على الأقل:

خصوصية المذهب الشيعي والعقيدة الإمامية المرتبطة به من ناحية، والرفض الإقليمي والدولي للتفاعل الإيجابي معها من ناحية ثانية.

الإسلاموية التونسية والبحث عن الأنموذج

على خلاف ما ذكرنا، يبدو أن للإسلام السياسي في تركيا ما يجعله متميزًا من غيره خطابًا وفكرًا وسلوكًا.

وقد يكون التعامل الإيجابي معه إقليميًا ودوليًا عائدًا إلى ذلك كله. والواقع أن الدوائر الرسمية ليست

وحدَها فقط مَن لم يزعجها صعود التيار الإسلامي في تركيا إلى سدة الحكم، بل إن ما يلفت النظر في

هذا الشأن، وعلى نحو خاص، هو أن أحزابًا وحركات دينية في دول مثل تونس والأردن والمغرب

أصبحت شديدة الميل إلى اتخاذه أنموذجًا للاقتباس، وهذا سيؤدي إلى أمر مهم هو ضمور رأي المال

الرمزي الذي كان للإخوان المسلمين؛ فبريقهم سيخفت، وهو الذي طالما زوّد الاتجاهات الدِّينية في

العالَ الإسلامي بملمح إخواني جامع. وفي ضوء ما تقدم، قد يكون الخطاب الإسلاموي منذ بداية هذا القرن متجهًا إلى شق مسار جديد نحو أنموذج جديد، وهو الأنموذج التركي الذي يجسده اليوم حزب

العدالة والتنمية)AKP(. لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن التجارب السياسية إذْ تنجح في بناء مسارات للتطور والتنمية يكتسب بها القائمون عليها مزيدًا من التأييد والشرعية محليًا، فإنها لا يمكن أن تستمر إلا في سياق إقليمي

ودولي مساند، وهذا ما يدفع بتركيا الجديدة إلى مد شبكة من العلاقات الخارجية، وجذب الأنصار والمتعاطفين معها، وإظهار إمكانية الإفادة مما يجري داخل تركيا؛ فقد قال زعيم العدالة والتنمية ورئيس الوزراء السابق [رئيس الجمهورية حاليًا] رجب طيب أردوغان إن تجربة حزبه في الحكم يمكن أن تكون

«مصدر إلهام»، وهذا توجّه يدركه متابعو نشاط الزعماء الأتراك اليوم؛ فإضافة إلى الدبلوماسية النشيطة

التي تميز علاقاتهم بمحيطهم الإسلامي، يجتهدون في الاقتراب من وجدان الشعوب العربية والإسلامية، وإظهار التعاطف معهم، والتكلم في قضاياهم كما لم يتكلم فيها حكامهم. إن بريق حزب العدالة والتنمية يعود في المقام الأول إلى ما يمكن أن نسمّيه استراتيجية الانتشار التي يرسم قادتُا مساراتها بنجاح كبير

إلى حد الآن. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن حضور تركيا في ثوب إسلامي يحتاج إلى فضاء إقليمي

(((نشير في هذا الإطار إلى أن تركيا كانت في التجربة الكمالية محط الأنظار والإعجاب أيضًا؛ فقد اعتُبر مصطفى كمال عند كثير

من الزعماء العرب والمسلمين مثالً جيدًا للزعيم الوطني. ولا ندري إنْ كان رجب طيب أردوغان هو النسخة الثانية من الزعامة

التركية أم لا، غير أننا نحتفظ بملاحظة أساسية وهي أن الوضعيات السياسية الكبرى لا تصير محل تقدير وإعجاب ما لم تتحول

إلى قوة مؤثرة في محيطها وإلى معطى جيوسياسي حاسم. للتوسع في الكمالية وتأثيراتها، يمكن العودة إلى: Menter Sahinler,

Origine, influence et actualité du kémalisme , le développement dans les faits (Paris: Publisud, 1995); François Georgeon, «Kémalisme et monde musulman (1919-1938): Quelques points de repère,» dans: Cahiers du Groupe d’études sur la Turquie contemporaine (GETC), no. 3 (no. spécial): Kémalisme et monde musulman (Automne 1987), pp. 1-39, and Paul Dumont, «La Turquie d’Atatürk: un modèle de développement pour le monde musulman , » Papier Presenté à: L’Occasion des «Journées bruxelloises de la Méditerranée» (organisées par l’Institut MEDEA, Bruxelles, 23 Octobre 2003), sur le Web: < http://turcologie.u-strasbg.fr/dumont-makale1.pdf>. Dorothée Schmid et Semo Marc, «Un «Modèle turc» pour les révoltes arabes?,» Politique Internationale, نقل: (((عنً no. 131 (Printemps, 2011), p. 132.

ودولي حتى يستقر بديلً في الداخل من العلمانية الكمالية والعسكريتاريا الصلبة المتداخلة معها من ناحية،

وحتى يكون عاملً مهمً في إنتاج تصور جيوسياسي لاستقرار منطقة الشرق الأوسط من ناحية ثانية. بهذا المعنى، يبدو أن أطروحة الأنموذج، التي تُطْرَح اليوم بحدة وغرام في الأوساط الإسلاموية العربية،

تحتاج إلى مقاربة عميقة تُسْتَحضَ فيها رأسًا مسألة الصراع في مجالات النفوذ بين أكثر من جهة إقليمية

ودولية في منطقة الشرق الأوسط. والعارفون بالدراسات الاستراتيجية والمصالح الكبرى للدول التي

ترغب في المساهمة في تشكيل مجالها الحيوي يدركون أن ما تخفيه خطابات الود السياسي أكثر كثيرًا ممّا تعلنه.

ويميل هذا البحث إلى القول إن التهافت على المنوال التركي من غير أن يتمركز أصحابه في قلب السياقات

الجيوسياسية ومشاريع إعادة تشكيل المجال الشرق الأوسطي يبقى مجرد أوهام تتغذى من أحلام طوباوية

تستبطن فرضية عثمنة)ottomanisation(ثانية للزمن العربي الراهن. لا شك في أن ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 التونسية، التي وفرتْ للإسلاميين فرصة نادرة في الظهور

بعد سنوات طِوال من سياسة الاستئصال والتشتيت بين السجون والمنافي، تمثّل المناسبة الأبرز التي تُطرح

فيها مسألة المنوال التركي. والسبب هو أن حزب حركة النهضة فاز في انتخابات المجلس التأسيسي يوم 23

تشرين الأول/أكتوبر 2011 بأغلبية أهّلتْه لأن يكون على رأس السلطة التنفيذية. وكانت النقاشات بين

مكونات الطيف السياسي والأيديولوجي المرافقة لعمليات الانتقال الديمقراطي تدور في قسم منها حول

المشروع الذي سيطبع مسيرة تونس في المستقبل وحول نوعية خطاب «النهضويين» وتصوراتهم للحكم.

في هذا الإطار إذن يحضر المنوال التركي في الساحة السياسية التونسية، فما هي الكيفية التي يَستقدم فيها

الإسلاميون هذا المنوال؟ وإلى أي مدى يمكن أن يكون استدراج تلك التجربة ملائمً للبيئة التونسية؟

لا يَعْدِم الباحث في الحركات الدِّينية المعاصرة الوقوعَ على وَصْلٍما بين الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة

النهضة التونسية وأعلام الإسلام السياسي التركي، وخاصة نجم الدِّين أربكان (2011-1926)

ورجب طيب أردوغان الذي يقدم نفسه وتقدمه الآلة الدعائية المجنَّدة للترويج له باعتباره الوجه

الإسلامي المعلمَن والناجح في تركيا. هذا الوصل بينهما لا يخفيه راشد الغنوشي، بل لا نخاله إلا منتشيًا

وهو يصرح به كلما طُرح عليه السؤال عن علاقته بالأتراك الجدد. فهكذا أجاب مثلً عن سؤال في حوار: - هل تمثّل تركيا حزب العدالة والتنمية مرجعًا؟ - «كان الوزير الأول رجب طيب أردوغان ووزير الشؤون الخارجية أحمد داود أوغلو صديقيْ لي حتى

قبل أن يصلا إلى السلطة. إننا فخورون بتجربتهم لأنهم يقدمون للإسلام وجهًا آخر غير الذي قدمه بن

لادن».

(((يُعتبر نجم الدين أربكان أحد أبرز الوجوه التي ساهمت في نشوء الإسلام السياسي التركي؛ فقد أسس حزب النظام الوطني سنة

1971 وحزب السلامة الوطني سنة 1972 وحزب الرفاه سنة 1986. وكانت سنة 1996 السنة التي برز فيها أربكان زعيمًا إسلاميًا

بلا منازع في دولة شديدة التطرف في عَلمانيتها الكمالية. للتوسع يمكن العودة إلى: Christian Moe, «Refah Partisi (The Welfare

Party) and Others v. Turkey,» International Journal of Not-for-Profit Law , vol. 6, no. 1 (September 2003). Ayed Christophe, «Nous n’avons aucun problème avec la présence des Tunisiennes en (((راجع نص الحوار في:

politique: Entretien avec Rached Ghannouchi,» Libération (France), 28/4/2011, sur le Web: <www.liberation.fr/ monde/01012334199>.

ربما وجدنا في تصريحاتهم ما يشير إلى أن كتابات الغنوشي لا تلقَى الرواج في تركيا بترجمتها إلى التركية فقط،

وإنما تُتّخذ إلهامًا إن لم نقُل مرجعًا للإسلام التركي اليوم. والحاصل من هذا أن ما يظهر على «نهضويي»

تونس من انبهار بالمنوال التركي وتداولَه بغزارة لم يذهبا بقادتهم على الأقل إلى الترويج له باعتباره الأصل الذي يجب استنساخه لتونس؛ ففي تونس، كما يروّجون، حالة فكرية إسلامية لها من الكفاءة ما يجعلها

خارج منزلة الاستلاب والاكتفاء بنقل تجارب الآخرين. ولم يكن تشديد إسلاميي تونس على أنهم في علاقة تبادل اجتهادي مع الأتراك الجدد محصورًا بالحالة السياسية بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011؛ فالإلحاح

على أن التجربة الإسلاموية التونسية فاضت على محليتها صار عامل جذب لتجارب الآخرين والتأثير فيها مُتَداوَل في أوساطهم قبل هذا التاريخ. يقول الغنوشي في مقالة له نشرها سنة 2009 عن أدبيات حركته:

«لقد كان لتلك الأدبيات ولا يزال تأثيراتها على الصعيد المحلي وعلى امتداد الإسلام». وقد توقّع أن يكون هذا التأثير أعظم لو لم تتعرض الحركة الإسلامية في تونس للملاحقة والاستئصال: «ولم يحد من ذلك التأثير غير ما تعرضت له التجربة ولا تزال من عمليات إجهاض واغتيال حَرم تونس... من تجربة ثرية كانت

ستعزز مكانتها في العالم». ولم يُبْق الغنوشي إشادته بحركته مطْلقة، بل ضرب مثلً: «لقد ذكرتْ لي ناشطة

إسلامية مغاربية أن أدبيات النهضة المدافعة عن حقوق المرأة مثل كتاب (المرأة بين القرآن والمجتمع)

الذي كن يتداولنه سرًا لمَا حمله من دعوة للمساواة لم تكن يومئذ مستساغة في الوسط الإسلامي في نهايةِ

السبعينات والنصف الأول من الثمانينات». هذا طرح نجده أيضًا عند حمادي الجبالي، أمين عام حركة

النهضة والوزير الأول في الحكومة المنبثقة عن المجلس التأسيسي، وهو يشير إلى دور إسلاميي تونس في تطوير أطروحات الإخوان المسلمين: «لقد ساهمنا مع آخرين في تطوير حركة الإخوان المسلمين». يبدو ممّا تقدم أن الإسلاميين في تونس كانوا يعملون على صوغ تجربة سياسية إسلاموية تُراعي أمريْن:

كانت تحاول أن تكون قريبة في معجم التخاطب وفي القيم التي تتبنّى ما تمكنتْ تونس الحديثة من أن

تفرضه نمطًا للعيش المشترك. وكانت بما تعتزم أن تتقدم به إلى الناس والسلطة ودوائر التأثير الدولي

تجنح إلى إبراز نفسها إسلاموية مدنية تَقبل بما يقبل به الضمير الإنساني الحديث. وعلى أساسٍمن ذلك،

قال الغنوشي عن وثيقة إعلان ميلاد حركة الاتجاه الإسلامي: «مثّل البيان التأسيسي أول وثيقة إسلامية حديثة على صعيد الحركة الإسلامية، وبالخصوص في العالم العربي. وثيقة تتبنّى بوضوح وحسم الخيار

الديمقراطي دون تلعثم ولا استثناء ولا تردد، وترفض مطلقًا العنف سبيلً للتغيير وتعلن... المناصرة لحقوق النساء».

(((المصدر نفسه.

(((راشد الغنوشي، «حركة الاتجاه الإسلامي «سلف النهضة».. السياقات والآثار،» (الجزيرة نت، 2009/6/12)، على الموقع

<http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2009/6/12> الإلكتروني:

(((المصدر نفسه.

(((لعله يعني كتابه: المرأة بين القرآن وواقع المسلمين.

(((الغنوشي، «حركة الاتجاه الإسلامي.»

(10) Zied Krichen, «La Stratégie des islamistes: Entretien exclusif avec Hamadi Jebali, le Secrétaire général d’Ennahdha,» Réalités (17 Février 2011).

(((1 الغنوشي، «حركة الاتجاه الإسلامي.»

كان المنوال التركي إذن بمثابة السياق التنفيذي العملي حتى تؤكد الإسلاموية التونسية أنها ليست فقط منخرطة في الأطروحات المدنية، وإنما هي أيضًا شريك أصيل في إنتاجها. وها هي تركيا الأردوغانية تشهد بذلك. لكنْ، هل صحيح أن الإسلاموية التركية تمتح في أطروحاتها ممّا ترى الإسلاموية التونسية أنها تنهل منه؟

فإنْ كان الأمر كذلك، فما الذي منع التجربة التونسية من التحول إلى صياغة مجتمعية؟ وهل النجاح الذي أوصل حزب حركة النهضة إلى حصاد الرتبة الأولى في انتخابات المجلس التأسيسي ورئاسة الحكومة المنبثقة عنه إنباءٌ بأن تونس ماضية في الطريق الذي مضت فيه الإسلاموية التركية؟ لا شك في أن إسلاميي تونس ممتلئون اعتزازًا بالدور الاجتهادي الذي ساعد غيرَهم على تفتيت صخرة

العلمنة الأتاتوركية الصلبة. وبقطع النظر عن قوة هذا الطرح أو ضعفه، فإن الغنوشي لسبب ما يجعل

الطرَفيْ الإسلامييْ (التركي والتونسي) في علاقة تبادلية للمرجع: «يمثّل الأتراك مرجعًا لنا، كما نمثّل لهم

نحن أيضًا مرجعًا »، وهذا مهم، وإنْ في الشكل، من جهة كون الغنوشي يوحي بأن المنوال الإسلامي

الناجح اليوم هو ذاك الذي اشتغل على بلورته الاتجاهان الاجتهاديان المعاصران التونسي والتركي معًا.

والمقصد واضح من مثل هذا التصريح، إنه التنبيه على أن الإسلام السياسي في تونس إسلام حي ومنت جِ وليس مجرد خطاب دعائي واستنساخي. ربما يكون الاتجاه نحو جعْل التجربة التركية نتيجةَ جهد مشترك بين إسلاميي البلديْن يحركه هاجس

التملص من محضنة الإخوان المسلمين. ويمكن الظفر بقرائن كثيرة؛ فالغنوشي قال، معلقًا على ملاحظة صحافي يستجوبه: «كنتم في التسعينات (من القرن الماضي) شديدي القرب من السودان الإسلامي. وتمتعتم أيضًا بجواز سفر سوداني » يبادر، ولا نخاله إلا متبرمًا، إلى فك نفسه من ارتباط قديم يلوح

في كلامه كأنه التهمة: «على امتداد ثلاث وعشرين سنة في المنفى، لم أقض غير شهر واحد في السودان في

حين أنني زرتُ تركيا عشرات المرات». وفي هذا الصدد نلمس نزوعًا غير معلَن إلى التخلص من كل

ما يذكّره بالسودان وتجربة حكم حسن الترابي على الرغم من أن كثيرًا من إسلاميي تونس كانوا يرون،

حينها، في التجربة السودانية فرصة جيدة لنجاح المشروع الإسلامي، ومن أن بعضهم ما زال يرى في حركة النهضة جزءًا من حركة الإخوان المسلمين. هذا الميل إلى المنوال التركي يعكس وعيًا بأن الفكر الإسلاموي العربي لم يستطع إنتاج رؤية للإسلام تتحول

في الواقع الاجتماعي والسياسي المحلي والدولي إلى تجربة جديرة بالاحترام. وعلى هذا الأساس، يبدو لنا أن

(((1 تأكيد هذا يحتاج إلى دراسات. ولا يوجد إلى حد الآن، في ما نعلم، بحث نظر في دور إسلاميي تونس في تطوير مقولات

الإخوان أو التأثير في أطروحات إسلاميي تركيا.

(((1 الغنوشي، «حركة الاتجاه الإسلامي.»

(((1 المصدر نفسه.

(((1 المصدر نفسه.

(((1 يقول حمادي الجبالي في الحوار المشار إليه آنفًا: «كنا جزءًا من حركة الإخوان المسلمين. وما زلنا كذلك على نحو من

الأنحاء». وفي قوله: «على نحو من الأنحاء (…d’une certaine manière.) إقرار بأن تحولً ما في علاقة النهضة بالإخوان قد حدث،

ولكنْ كيف؟ وأين؟ هذا أيضًا يحتاج إلى تدقيق.

الغنوشي بمثل هذا الخطاب كأنما يعمل على النأي بنفسه عن الإسلاموية العربية التي كانت منذ تبلور معالم

الإسلام السياسي في تونس منبعًا ومورِدًا. وقد أجاب الحبيب المكني، أحد أبرز قيادات الاتجاه الإسلامي

(حركة النهضة الآن) في ثمانينيات القرن الماضي عن السؤال: فيمَ تختلف حركة الاتجاه الإسلامي عن

جماعة الإخوان المسلمين؟ كما يلي: «نشترك مع الإخوان المسلمين في مصر والسودان وسوريا في القاعدة الإيديولوجية. لدينا نفس الفهم للإسلام في المستوى النظري والإيديولوجي». لكن ينبغي الإشارة في هذا الإطار إلى أمر لافت وهو أن إقرار قادة «الاتجاه الإسلامي» بأن الإسلام

السياسي في تونس كان يتحرك في المدار الإخواني العربي لم يكن إقرارًا يذهب إلى حد تقديمه استنساخًا

أو تقليدًا. كان ثمة ميل إلى إسباغ بعض الخصوصية على المشروع الإسلاموي التونسي. هكذا بي

الحبيب المكني: «إن ما يميزنا هو التكيف مع الواقع. إننا حركة تونسية. والمجتمع التونسي مختلف عن المجتمع المصري أو المجتمع السوداني. ففي السودان يتعلق المجتمع بإسلام تقليدي. والمجتمع التونسي مجتمع فتي تخترقه تيارات غير إسلامية كثيرة. وهو مُهيَّأ للتعددية. إن حركتنا ليست حركة دينية. إنها

حركة فتية اختارت إسلامًا فتيًا متأقلمً مع واقع محدد. وإن مجرد قبولنا بالشيوعيين يجعلنا نختلف عن

الإخوان في مصر أو في السودان». وفي حوار مع عبد الفتاح مورو، القيادي المساهم في تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي، نقف أيضًا على حرص شديد من الإسلاميين التونسيين على إظهار تجربتهم

تجربةً خاصة بهم. كان ذلك بمناسبة الإجابة عن سؤال عن المقاييس التي اتُّذت بموجبها الجمهورية الإسلامية في إيران مرجعًا للإسلاميين في تونس. يقول عبد الفتاح مورو بنفي قاطع: «إنها لم تكن لنا

مرجعًا أبدًا... نحن التونسيين لنا خصوصيتنا... إن الثورة الإيرانية غير مؤهلة بأن تقدِّم لنا، نحن

التونسيين، حلولً». إن مثلَ هذا الإلحاح على خصوصية الطرح التونسي إيجابي في المطلق؛ فهو يستدعي في الآن نفسه خصوصية المجتمع التونسي. لكن التحرك في هذا الاتجاه يمكن أن نجده في خطابات إسلاموية كثيرة يدّعي أصحابها أنهم يمارسون أنشطتهم التأويلية تحت المظلة الوطنية، بما فيها من طبائع وذهنيات وقيم

محلية. لذلك، يبدو أن التشديد النظري على الخصوصية يبقى مجرد شعار ما لم ينهض على إثباتات عينية. فنحن لا نفهم، على سبيل المثال، دلالة القول إن المجتمع التونسي «مجتمع فتي»، فهذا مخالف للمعقول التاريخي والجغرافي. كما لا نفهم على وجه التدقيق دلالة القول إن نهضويي تونس يشتغلون على مشروع صياغة «الإسلام الفتي.» ومن دون مزيد من التوسع، يرى هذا البحث أن بذل الجهد من أجل إبعاد «الإسلام التونسي» و«المجتمع التونسي» عن المشترك في الأدبيات الإسلاموية يعني من الناحية النظرية وضْ ع ملامح غير معتادة

(17) Chris Kutschera, «Tunisie: Habib Mokni, le M.T.I, l’Islam et le pouvoir,» Les Cahiers de l’Orient , no. 7 (3ème trimestre) (1987).

(((1 المصدر نفسه.

(19) Jean-Paul Chagnollaud, «Au nom des grands principes de l’Islam,» (entretien avec Abdelfattah Mourou), Confluences Méditerranée , no. 3 (Mars 1992).

لإسلاموية تونسية، وهذا مبدئيًا علامة إيجابية قد يُفهَم من خلالها وجود إمكانية أخرى غير المتحققة

الآن في أكثر من بلد عربي وإسلامي. ولا ريب في أن تحقيق هذا المطلب يحتاج إلى أمريْن على الأقل: توفير

سياق للاجتهاد في الدِّين يختلف نوعيًا عن السياقات التي أنتجتْ إلى اليوم أغلب الأدبيات الإسلاموية.

والوعي بأن إشاعة خطاب تجديدي في الإسلام ينبغي ضرورةً ألا يكون مجرد خطة، قد لا ترقى إلى مستوى المنهج لتحقيق هدف مباشر منها هو تجنيب «الإسلام التونسي» الموعود الاصطدام ب«المجتمع التونسي.» لا شك في أن المجتمع التونسي ليس «مجتمعًا فتيًا»؛ فقد استطاع الفاعلون فيه منذ قرن ونصف قرن على

الأقل أن يصوغوا له مسلكًا في التحديث والتنوير هو عند الدارسين المتخصصين محل إجماع. وعمليات الاجتهاد الكبرى في مقاطع مهمة من تاريخه تؤكد أن حظوظ العلمنة فيه كبيرة. وليست العلمنة انسحابًا

قطعيًا من الفضاء الدِّيني ونُفْرَةً منه، ولكنها إنتاج لوضع تأويلي جديد تتشكل بمقتضاه علاقات غير

تقليدية بين المجتمع والدِّين. ويبدو أن نجاحًا مهمًّ تحقق في هذا المضمار. والتحدي الذي قد يعطل

المشروع الإسلاموي في تونس اليوم يكمن في مدى قدرة أصحابه على صوغ رؤية ترسّخ الأبعاد التحديثية

والتنويرية التي انخرط فيها المجتمع انخراطًا عميقًا. ويَصعب تحقيق ذلك من دون النجاح في مد الجسور

إلى النخبة التونسية لا النخبة المعلمنة فحسب، وإنما الشديدة التطرف في علمانيتها أيضًا؛ فلهذه النخبة حضور فعال في مواقع عالية الحساسية مثل الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية. وما ينبغي تسجيله في هذا السياق هو أن هذه النخبة التونسية تعتبر نفسها حاجز الممانعة والصمود ضد كل مشروع يعيد النظر في المكتسبات الحداثية، على الرغم من أنها (أي النخبة) لا تحظى بالتأييد اللازم بين

الناس. وليس المقصد من فكرة مد الجسور إليها تواصلً سياسيًا يحقق درجة من القبول بالإسلام السياسي

بين أطياف الفعل السياسي في تونس؛ فهذا مقصد قد يتحقق بأكثر من وسيلة، إن ما نعنيه هو إنتاج معرفة في الفلسفة السياسية مؤصلة في الإسلام نصًا وثقافة بعيدًا عن مسالك الارتماء البراغماتي في حداثة ليست

بالتأكيد أصلً في تفكير الإسلامويين اليوم. وهذا لا يعني بالتأكيد أيضًا أن الذين يدافعون في تونس عن

المكتسبات الحداثية هم حداثيون حقًا؛ فليس من المبالغة القول إن «الفكر التونسي» منذ حوالى ثلاثة عقود

لم يمارس الحداثة ممارسة إنتاجية ولم يسع إلى تأصيلها، بل كان في العموم إمّا مجرد مروّج لحداثة الآخَرين

وإما واقفًا على أطروحات قلةٍ من الحداثيين التونسيين يجترّها. أمام حالة النفور بين الفريقيْ يتشكل سؤالان: هل يتوافر لدى إسلامويي تونس من الكفاءة الاجتهادية

والجرأة على اختراق حصون الإسلاموية السياسية العربية ما يؤهلهم لمد تلك الجسور من أجل التفاعل

النقدي المتبادَل؟ وهل يَقْبل علمانيو تونس بتديين الفضاء العمومي؟ إن الإشكال المباشر يكمن إذن في

وجود صدام صريح وعميق بين المشروع الإسلاموي في تونس وتاريخ التحديث المعلمَن. إن قدرة الإسلام السياسي في تركيا على إثبات جدارته في المشهد السياسي المحلي والإقليمي والدولي وفرت للنهضويين إمكانًا جيدًا لعَرْض مشروعهم في الحكم على أساس أنه تشابك مثمر بين عقل اجتهادي

تونسي ورؤية تأويلية معاصرة للإسلام في تركيا. غير أن ما يلاحَظ هو أن مثل هذا الخطاب، يبقى في

الظرف الراهن، وعلى الرغم ممّا فيه من إغراء، مجرد منتوج خطابي سياسي في فضاء تونسي شديد الحساسية

من مشروع تديين الحياة السياسية التونسية.

أتاتورك وبورقيبة: التاريخ والإسلاموية

يرى هذا البحث أن كلًّ من الزعيمين مصطفى كمال والحبيب بورقيبة سلك سبيلً خاصة به وهو يضع بلده على طريق الحداثة والعلمنة. ونشير في هذا الصدد إلى أن الفرق النوعي بينهما يكمن في نوع التعاطي مع الإسلام تاريخًا وتشريعًا؛ فإذا كان أتاتورك قطع تركيا الجديدة عن مجالها الحضاري والتاريخي

ودفع بها في اتجاه «الغَرْبنَة»)Occidentalisation(سيرةً ومصيرًا، فإن بورقيبة تزعّم مشروعًا تجديديًا

انطلاقًا من اجتهاد «ثوري» في الإسلام. وبقطع النظر عن معقولية هذا المشروع، ظل بورقيبة «وفيًا»

لمجاله الروحي والتاريخي وإنْ كان مسكونًا بحب جنوني لأوروبا عامة ولفرنسا على نحو خاص. وعلى

هذا الأساس، لم تقع مشكلات عويصة بينه وبين عموم الناس من جهة، وبينه وبين النخبة المُعَلْمنة من

جهة ثانية. لقد نجح أتاتورك في صناعة أمة)Fabrication d’une nation(حتى بالمعنى المباشر للعبارة، وما لم يتأت له طوعًا أنجزه بالإكراه. وكان لبورقيبة أيضًا توجه قريب من هذا؛ فهو حرص على تسويق الأيديولوجيا الوطنية تحت عنوان «القومية التونسية»، وظهرت في هذا الشأن أدبيات كثيرة، بل إن المؤسسات والهيئات الرسمية كانت تسمّى مؤسسات وهيئات قومية وليست وطنية. ولعل ذلك يعود

إلى مفهوم الدولة القومية)Etat-nation(في أوروبا الحديثة، ذاك الذي تأثر به بورقيبة وغيره من زعماء حركات التحرير الوطني. غير أن الفكرة القومية في الرؤية البورقيبية لا تنفي اشتراك تونس مع البلاد العربية الأخرى في هذا الانتماء. ولم تكن الفكرة القومية الأتاتوركية على هذا النحو، بل كانت عرقية في

الأساس. ولذلك نقول إن كلًّ منهما بنى وطنًا غير أن أحدهما يختلف عن الآخر في هوية الوطن الذي بنى. والاختلاف لا يكمن في المنهج الذي تحقق به كل وطن كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين؛ فأصل الاختلاف يكمن في تصور هذا الوطن. وأتاتورك إذْ يستحدث للأمة التي بنَى الوسائل كلها من أجل إبرازها وجودًا متبرئًا من روابطه ومسؤولياته

وموقعه الجغرا-سياسي التقليدي، يشق طريقًا إلى بناء وطن تركي جديد على أسس ثلاثة لم تجتمع في أي

(((2 الإجراءات التي نفّذها مصطفى كمال في هذه المسألة كثيرة وتتعلق باللباس واللغة والتاريخ والفن والتعليم. راجع، لمزيد من

التوسع في هذه الإجراءات، على سبيل المثال: Le Loup et le léopard. Mustapha Kémal ou la Mort Jacques Benoist-Méchin, d’un empire (Paris: A. Michel, 1954), chap. 5: Mustapha Kemal arrache la Turquie à l’Islam 1922-1924.

(((2 تكونت لإنجاز هذه الوظيفة في سنة 1929 جمعية أكاديمية (جمعية التاريخ التركي) منوط بها البحث والتنقيب في كل مادة

تاريخية تقدم ما يساهم في نحت الهوية التركية الخالصة.

(((2 نقصد جميع القوانين والمراسيم التي تحجر على الأتراك سلوكًا معينًا وتفرض عليهم سلوكًا آخر. من ذلك، على سبيل المثال،

منع غطاء الرأس الذي كان سائدًا في الزمن العثماني واستبداله بالقبعة الأوروبية.

(((2 نَ الذين حصروا الاختلاف في المنهج الطاهر بلخوجه في مذكراته عن بورقيبة مِ: Les Trois décennies Tahar Belkhodja,

Bourguiba: Témoignage , les témoins de l’histoire (Paris: Publisud; Arcantères, 1998), p. 24.

صياغة وطنية عربية وإسلامية: القومية واللائكية والجمهورية. ولم يكن مصطفى كمال أبًا للأتراك

-(أتاتورك/ Ata-turk: أي أبو الأتراك) فقط، بل كان ظله على شعبه ثقيلً أيضًا؛ فقد أريد له، ذهابًا

في التعظيم مذهبًا بعيدًا، أن يكون في وَضْ عٍ صنَمي يتأله به ويتنزه في نزعة شديدة التعصب تجعل سيرته

سيرةً للوطن كله. لا ريب في أن مصطفى كمال بنى وطنًا قوميًا، ووفّر له أسباب التقدم وربطه بأوروبا ثقافة وقوانين

وسلوكًا. ولكن عملية انتزاع هذا الوطن القومي الجديد من روابطه التاريخية كانت شبيهة بعملية انتقام أعمى من الماضي، عبر إجراءات تبدو مصطنعة وموغلة أحيانًا في السذاجة. نقصد على سبيل المثال

الكيفية التي عمّم بها الحرف اللاتيني بديلً من الحرف العربي. فمع أن المتخصصين التربويين بيّنوا له أن

هذا عمل ينبغي أن يستغرق سنوات ليُعطيَ أُكله، قرر أن تتم العملية في ثلاثة أشهر ليس أكثر. وأُجبَِ كل

من كانوا بين ست سنوات وأربعين سنة من العمر على العودة إلى المدرسة ل«غسل» الألسن من الحرف العربي وتعلم التركية بالرسم اللاتيني. ولا شك في أن هذه التجربة وما يدخل في سياقها يسهلان على الضمير الجمعي التركي اعتبارها تعديًا على الانتماء والهوية كما يسهلان تخزينها لوقت الحاجة. فبقدر

ما كان للأتاتوركية من فضل في بناء تركيا القومية والعلمانية والجمهورية، كانت على نحو من الأنحاء صادمة للثقافة والتاريخ. وليس مستغرَبًا بعدئذ أن يظهر في تركيا، وقد تراخت القبضة الأتاتوركية، تيار

يدعو إلى إعادة أسلمة تركيا)réislamisation(. الاتجاه العنيف نحو قطع تركيا من مجالها الحضاري لا يبرز عند بورقيبة في تونس؛ فعلاقته باللغة

الفرنسية كانت متينة من دون أن تُفسِد علاقته بالعربية. وكان يراها لغة المستعمِر ولكنها بالنسبة إليه ضرورة ثقافية للانفتاح على العالم والتحاور معه وإيصال الصوت إلى المحافل الأممية. والأهم من ذلك أنه كان يعتبر الفرنسية عاملً مهمًّ من العوامل المؤهلة لصوغ ملامح شخصية وطنية تونسية وبناء ذهنية

(((2 نشير إلى أن دستور 1924 نص في مادته الثانية على أن «دين الدولة التركية هو الإسلام»، ولكن سرعان ما وقع إلغاء هذه المادة.

كان ذلك في 10 نيسان/ أبريل 1928 حيث تم تغييب كل إحالة مرجعية على الإسلام ووقع التنصيص على لائكية الدولة التركية.

وهذا نادر الحدوث في مختلف دول العالَم (قد لا يتجاوز عدد الدول التي تنص دساتيرها على اللائكية العشر دول)، ولا وجود له

في أي دولة عربية وإسلامية.

(((2 لقب أسبغه البرلمان التركي عليه بمناسبة صدور مرسوم يفرض على كل تركي أن يحمل لقبًا. وكان ذلك في 24 تشرين الثاني/

نوفمبر 1934. ويمكن أن نستحضر في هذا السياق شبَهًا بين مصطفى كمال وبورقيبة، ولا ندري إن كان ذلك يعود إلى رغبة في

محاكاة الثاني سيرة الأول أم لا؛ فلقد منح البرلمان التركي مصطفى كمال بمناسبة انتصاره الكبير على الجيش اليوناني لقبًا تشريفيًا

وهو « الغازي »، وكان ذلك في 19 أيلول/سبتمبر 1921. ورأينا بورقيبة بعد زمن لا يُذْكَر اسمُه إلا مسبوقًا بعبارة « المجاهد الأكبر »،

وهذا أيضًا تشريف قيل إن المجلس القومي التأسيسي الذي قرر يوم 25 آب/أغسطس 1957 إلغاء منصب الباي وانتخاب بورقيبة

رئيسًا قرر في الوقت نفسه أن يمنحه هذا اللقب. (يذكر راشد الغنوشي أن بورقيبة هو من أطلق على نفسه هذه الصفة، في مقاله سابق

الذكر: «حركة الاتجاه الإسلامي سلف النهضة.. السياقات والآثار»، وإنْ كنا لا نعلم على جهة اليقين إن كانت هذه العبارة من باب

رغبة مطلقيها في التشديد على أن الزعيمين متشابهان حتى في الألقاب أم لا، فإننا نرجح، في ضوء قراءة تحليلية لمسارهما الفكري

ومَراجِعهما الثقافية، أنهما في العمق مختلفان.

(((2 نستحضر في هذا المقام ما يُعرف بقانون ماي [أيار] 1951 الذي يُعاقَبُ بمقتضاه كل شخص يسيء إلى ذكرى أتاتورك بالسجن

من سنة إلى ثلاث سنوات.

جماعية عصرية. وهذا لا يعني أن تكون الهوية التونسية ممزقة بين مجالين حضاريين. المقصد عند بورقيبة

هو ألّ تكون الثنائية اللغوية)bilinguisme(احترافًا تقنيًا فحسب، وإنما أن تكون أيضًا مدخلً إلى العالم

الحديث وفعلً فيه وسبيلً إلى الثنائية الثقافية)biculturalisme(. وهذا موقف ينم عن وعي بأن اللغة الأم حين تكون في مجتمع عاجز عن الإبداع لا يمكنها أن تكون إلا محدودة بحدوده. ولذلك، فإن إتقان لغة أمة متطورة يساعد على الولوج إلى العصر الحديث نظرًا إلى الصلة الوثيقة بين اللغة والثقافة. والقرار بأن تكون

الفرنسية لغة ذات شأن في تونس لن يكون قطعًا على حساب العربية: «إن تونس لا تُنك ر شيئًا من تاريخها

الذي كانت العربية فيه وسيلة التعبير. غير أنها تعرف جيدًا أيضًا أنه بفضل حُسْن استخدام لغة كاللغة

الفرنسية تساهم بقوة في ثقافة العالَ وحياته العصرية». هذا الموقف يمكن مناقشته من حيث عدم الانصراف إلى البحث في مشروع تطوير العربية واتخاذها لغة علم وتقدم. لكن بورقيبة ما كان عروبيًا أو

قوميًا حتى تُفتَح في شأن أطروحته من اللغة العربية قضية للنقاش، ولكننا نعلم أنه في هذه المسألة تحديدًا

لم يكن أتاتوركيًا؛ كان بورقيبة بورقيبيًا. يحسُن التنويه ههنا بأن مشروع إعادة الأسلمة مشروع خاص جدًا في تركيا، ويندر الظفر بشبيه له في سائر

البلاد العربية والإسلامية؛ فإعادة الأسلمة تتجه رأسًا إلى المؤسسة والقوانين والتشريعات، ولا تتهم

الناس في دينهم. وقد انتبه بعض الدارسين إلى هذه المسألة وبيّ أن ذهاب مصطفى كمال إلى إقحام تركيا

في علمانية موغلة في التطرف قد تجاوز حتى المنوال الفرنسي الذي أحب أن يستنسخه. كان في أغلب

الإجراءات التي اتخذها ذا نزعة استئصالية لكل ما يُذَكّر بتركيا العثمانية لا باعتبارها سببًا في تخلّف الأتراك

فقط، وإنما لأنها ورّطتهم أيضًا في تاريخ وثقافة وانتماء ابتعدوا بها عن ذاتيتهم الخاصة؛ فمشروع إعادة

الأسلمة يندرج إذن في مشروع نقيض هو إعادة ربط تركيا بمجالها التاريخي والدِّيني، وفك الارتباط

الشديد الذي ابتدعه مصطفى كمال بين تركيا وأوروبا، ذلك أن هذه مسألة اشتباك ثقافي حاد بين رؤيتين متعارضتين. وما كانت البورقيبية مُْدثة في النسيج الثقافي اختراقات كبرى تتطلب مشروعًا ينسف ما

راكمَتْه. والخزان الخفي الذي كان يَفظ لعموم الأتراك انتماءهم التاريخي الإسلامي وروحانيتهم في وجه

العلمنة الأتاتوركية المفرطة لم يكن موجودًا في تونس الحديثة على الرغم من النزوع البورقيبي إلى بناء «أمة

تونسية» شديدة الاقتراب من أوروبا. كان بورقيبة يحرص على التمييز بين الإسلام رسالةً وعلماء الدِّين المنحرفين عن فهم مقاصدها السامية.

وكان فوق ذلك على وعي بأن سبيله مع الإسلام ليست سبيل أتاتورك. لقد انتقد أطروحتَه في أنقرة

بالذات مقر أتاتورك وأمام البرلمان التركي في خطاب له شهير يوم 25 آذار/مارس 1965، فمما جاء

(((2 راجع هذه الأطروحة في خطابه «الانفتاح المزدوج على العالم» (Une Double ouverture au monde) الذي ألقاه في العاصمة

الكندية في 11 أيار/مايو 1968 بمناسبة انعقاد قمة فرنكوفونية. راجع نص الخطاب بالفرنسية على الموقع الإلكتروني:

<www.ressources-cla.univ-fcomte.fr>.

(((2 المصدر نفسه.

((2(يبدو أن إيران البهلوية هي الدولة الوحيدة التي كانت في العالَميْن العربي والإسلامي شديدة الشبه بتركيا الكمالية.

Jean-Paul Burdy et Jean Marcou, «Laicité/Laiklik: Introduction,» Cahiers d’études sur la ((3(راجع في هذا الصدد: Méditerranée orientale et le monde turco-iranien , no. 19 (Janvier-Juin 1995).

فيه: «ينبغي ألا ننسى أن الإسلام بالنسبة إلى العرب قد سبق الدولة. أنشأ القوانين قبل أن تكون. فإلى جانب الدولة ومعها، ينبغي للإسلام أن يقود (الأمة)... فهذان ركنان نحرص على أن يتكاملا بدل أن يتنافرا». وممّا ورد فيه أيضًا في مقام الاستنتاج: «ليس للدين ضلع في ما تسبب من تخلف للمسلمين...

إن رأينا في هذه المسألة يختلف عن هذه الحلول الجذرية». بهذا الطرح الفكري تكتسب البورقيبية طابعها الخاص في العلمنة، وتنأى عن التورط في إثارة العداوة مع الدِّين. وعلى هذا الأساس يكون الجمع العشوائي بين الكمالية والبورقيبية فاقدًا الصدقية. ومن

الأمثلة لهذا الجمع العشوائي بينهما ما جاء على لسان الغنوشي وهو يبحث في أسباب الانحطاط؛ فقد ذهب إلى أن من عوامله: «انفلاتًا بالجملة من ربقة الدِّين بزعم إعاقته لحركة التطور. وهو ما توهمه وفعله

العلمانيون في بلاد الإسلام كبورقيبة وأتاتورك ممن اتهموا الدِّين بالجمود فاستهدفوه». وسَمْنا الجمع

بينهما بالعشوائي على الرغم من أننا نتصور أن الغنوشي لا تخذله سعة اطلاعه عن الظفر بالفروق بين الرجليْ. ولا شك عندنا في أنه كان يقصد إلى أن يحشرهما في إناء واحد قصدًا لسببين على الأقل: التنفير

من بورقيبة لأنه نسخة من أتاتورك الذي قضى على الخلافة بما تمثّله لدى العامة من رمزية روحية وبما يعنيه

ذاك الفعل من عدوان على الإسلام من ناحية، وتهيئة الوجدان المنفعل كمَدًا لاحتضان الإسلام العائد

بعد ضياع من ناحية أخرى. فإذا كان المنتوج الثقافي الكمالي قب لَ بالإسلام السياسي طرفًا رئيسيًا فيِ

صوغ مستقبل آخر لتركيا، فإن المنتظَر هو أن يقبل المنتوج الثقافي البورقيبي بمآلٍآخر لتونس. ولكن،

هل التقارب الظاهر للعيان بين المسارين هو في العمق كذلك حقًا؟ وهل كان مشروع مصطفى كمال في التحديث عمومًا وفي علمنة المجال الثقافي تخصيصًا هو نفسه مشروع بورقيبة؟ وهل ثمة ما يفيد بأن سياق

استلام الإسلام السياسي الحكم في تركيا هو نفسه السياق الذي يتحرك فيه حزب حركة النهضة اليوم؟ وهل يكفي التقارب في فهم مقاصد الدِّين ليكون الفعل في الأرض هنا وهناك متشابهين؟ ألا يمكن أن

يكون العاملان الاقتصادي والإداري فعالين في إنجاح تجربة في بلد معيّ وإفشالها في بلد آخر؟ إننا نميل في المطلق إلى أن مسألة المرجع والأنموذج والمنوال من المسائل التي يغشاها ضباب فكري وأيديولوجي كثيف. وقد عانى بسبب منها الفكرُ الإصلاحي العربي والإسلامي منذ القرن التاسع عشر،

وما زال يتخبط فيها. ففي استدراج سياق وبيئة وذهنية إلى غير منابتها، وزعم أنها ممّا يمكن أن يُقتبس،

مغالطات كثيرة. إن خطابًا كهذا، إنْ لم يكن ادعاءً خالصًا، لن يكون إلا تعمية على حقائق الاجتماع

السياسي وتجاوزًا لخصوصية الأنساق الثقافية والتاريخية. فلا تجربة، في ما نرى، أكدتْ نجاحها وقد

(((3 عن أحمد المستيري من مقدمته لكتاب نقلً:

Nazli Hafsia, Le Contrat de mariage en Tunisie jusqu’en 1956 (Carthage, Tunisie: Cartaginoiseries, 2005), p. 8. Amor Chadli, Bourguiba tel que je l’ai connu: La Transition Bourguiba-Ben Ali (Paris: Berg Edition, نقل: عنً((3(

(((3 راشد الغنوشي، «حركة النهضة في السياق التاريخي للمشروع الإصلاحي،» (حزب حركة النهضة)، على الموقع الإلكتروني:

<www.ennahdha.tn>.

(((3 أوحى لنا بهذه العبارة عنوان مقال لعياض بن عاشور:. Islam perdu, islam retrouvé راجع نص المقال في: Yadh Ben

Achour, «Islam perdu, Islam retrouvé,» dans: Annuaire de l’Afrique du Nord , (Paris: Editions du CNRS, 1980), pp.

جاءت بها الأقدار من خارج مجالها الحميم. وفي التاريخ ركام من العبر يمكن تقليبها بيسر ليظفر الباحث

بفشل كل حل حضاري يجري اجتلابه من خارج بيئته التي نشأ فيها. نقصد: إن لكل مجتمع عبقريته

الخاصة وإبداعه الخاص ومهاراته الخاصة، وهي جميعًا تنضج داخل سياقها ووفق شروط مجتمعية تتناسَب

وأحوال المجتمع وثقافته ودرجة وعيه. هذا يعني مبدئيًا أن الترويج للأنموذج «الإسلامي» التركي، باعتباره الأنموذج الأشد قربًا من «إسلام»

حركة النهضة التونسية، ينبغي وضعه في خانة الممارسة الدعائية وفي إطار الجهد الذي يبذله «نهضويو«

تونس لتقليص مساحات التباعد بينهم وبين النخبة اليسارية والعلمانية التي تدّعي الدفاع عن الحداثة

والقيم المدنية اللصيقة بها، وتقف في عناد صلب وغير مفهوم غالبًا، ثقافيًا وحتى أيديولوجيًا في وجه كل

خطاب ديني مهما يكن مأتاه. وحين يتوهج «إسلام» حزب العدالة والتنمية التركي مخترقًا الطبقة اللائكية

السميكة التي طبع بها مصطفى كمال كل مناحي الحياة، وحين يستطيع هذا الحزب ببراعة نادرة أن يتكيف

مع التشدد اللائيكي وأن يصوغ مقولاته الدِّينية صَوْغًا مدنيًا على نحو فج أحيانًا، فإن ذلك لا يمكنه أن

يكون من الناحية النفسية على الأقل إلا لحظة تاريخية مهمة للتخفيف من الضغوط المركّبة التي رزحت

تحتها حركة النهضة عقودًا. إن ما يركز عليه خطاب «النهضة» في مسألة المرجع هو التشابه بين مساريْ الدولة الكمالية والدولة

البورقيبية. والتشابه أمر لا يمكن إنكاره في الظاهر على الأقل، وليست «النهضة» من أدركتْه؛ فقد كان

بورقيبة نفسه يرغب في إظهار نفسه مؤسسَ تونس الحديثة كما كان من قبله مصطفى كمال. ولكن، ينبغي

الحذر حين الانخراط في مثل هذه القراءة التاريخية؛ فالقياس في التاريخ أمر يعسر تطبيقه. ولذلك، فإن

المقاربة المقارنية التاريخية التي إذا لم يجرِ فيها استحضار بوعي مرهَف أن لا تاريخ خارج مكان معلوم

وزمان معلوم، لا توصل إلا إلى مغالطات تاريخية، وهذا يعني أن خطاب الترويج للأشباه والنظائر في

الأنساق المجتمعية المتعددة يدخل أغلبُه في الأمنيات أو الأوهام التي تُكْره التواريخ على أن تكون تاريخًا

توحيديًا. إن أطروحة الأشباه والنظائر في هذا المجال أطروحة للتزييف، وإنْ كنا لا ننفي ما بين المجتمعات

من تشابه يظل في حدوده الصورية. وهو حين يتجاوز ذلك لتُبنى عليه استنتاجات غير تاريخية ينقلب إلى

أيديولوجيا للتوظيف السياسي. يَسهُل العثور على أوجه شبه كثيرة بين بورقيبة وأتاتورك، ولكن في مداها

الصوري فقط. ومؤدى هذا أن بورقيبة لا يمكن موضوعيًا أن يذهب في تشبهه بمصطفى كمال إلى ما

يفهمه «نهضويو» تونس اليوم.

البورقيبية والإسلام: اجتهاد في العَل منة

لم يحمل بورقيبة الإسلام مشروعًا سياسيًا، بل ما كان يرى للتحديث من طريق غير طريق بناء دولة وطنية

على الطراز الغربي، وهذا أمر لم يكن يخْفيه، بل كان شديد الإيمان به لأنه يمثّل جوهر عقيدته الوطنية. لكن

ما ينبغي التنبيه عليه كذلك هو أن بورقيبة صرف جهدًا كبيرًا ومتصلً لتحييد الفضاء الدِّيني من ناحية

وللاستحواذ عليه من ناحية ثانية، من دون أن يطرح نفسه خصمً للإسلام، وهذا توجُّه يجب عدم إغفاله

في دراسة علاقة بورقيبة بالإسلام.

إن كثيرًا من النقد الذي لحق ببورقيبة في هذه المسألة يحتاج إلى مراجعة حقيقية؛ ففي عدد غير قليل من

الدراسات خلْط بين موقف بورقيبة من الإسلام وموقفه من رجال الدِّين الزيتونيين الذين يمثّلون الإسلام في تونس. ومن الأمثلة لهذا الخلط ما جاء في المقطع التالي: «ما كان بورقيبة ليستطيع أن يرى في

الإسلام إلا معرقلً لمشروعه السياسي. ففي رأيه لم يكن الإسلام سوى نفي للتطور والتقدم... وبالنسبة إلى المتغربنين مثله، فإن المدينة الفاضلة التي يفاخر بها الزيتونيون ما هي إلا خرافة مضى زمنها». مجال الخلط هو أن بورقيبة كان يناهض الإسلام مناهضته للزيتونيين. ولا نعلم على وجه التحديد القرائن التي

سمحت لصاحب هذا الرأي بجعل الإسلام وعلماء الزيتونة شيئًا واحدًا عند بورقيبة؛ فلقد قلّبنا في خُطب

بورقيبة وآرائه الصريحة والمباشرة ولم يتسن لنا الظفر بمعطى يبيح الذهاب إلى ما ذهب إليه ذاك الرأي. لذلك، نلح على أن القراءة الموضوعية والمحايدة وحدها توصل الدارس إلى موقف علمي. ونخال أن مثل هذه التخريجات الأيديولوجية آتية من مشكلة ثقافية وتاريخية تسكن الذهنية المتدينة عمومًا، ومفادها أن المعبّين الرسميين عن تعاليم الإسلام-أي العلماء- يتطابق علمهم مع الإسلام،

وهذا خطأ تاريخي جسيم سببه إسقاط البُعد البشري عن أقوال العلماء، وإخراج عامليْ الزمان والمكان من

الظروف التي يُذيع فيها العالم رأيهِ. يمكن استدعاء نوع آخر من التعاطي المغلوط مع المسألة البورقيبية والدِّين، وهو الذي يقوم على العداء السياسي. ولا شك في أن الإسلامويين هم أبرز من يجسد هذه الحالة؛ فلما كان مرجع مشروعهم السياسي

والثقافي فَهْمهم للإسلام والوظائف المجتمعية الموكلة إليه، ولما كان مرجع بورقيبة في التحديث غير

مشروعهم استحكم العداء بين الطرفين. وهذه مشكلة من أكثر المشكلات ضررًا على الأطروحات

الإسلاموية نفسها قبل أن يلحق الضرر بالإسلام دينًا؛ فالغالب على الاتجاهات الإسلاموية التي تُقدم

نفسها بديلً سياسيًا هو نزوعها إلى احتكار الإسلام فهمً وتأويلً. والواقع أن القضية تتجاوز الإسلاموية

السياسية لتشمل كل توجه يتخذ من المطْلَقات والغيبيات سندًا. والأديان بصفة عامة، باعتبارها عند

المؤمنين بها روح الله وكماله وتمامه، تغري الإنسان فردًا أو جماعة بأن يكون صفيًا لله أو وكيلً عنه أو ظل

له أو سرًا من أسراره. ومن هنا يتسرب بقصد أو من دون قصد نوع من تلبّس البشري بالإلهي، ويحدث

تداخل فوضوي بين وظائف النص الدِّيني ووظائف المجتهد فيه. ولا يَعْد م الدارسُ في تاريخ المجتمعات

التي تبني قيمها وتصوراتها على الأديان أن يجد فيها صنوفًا من الانغلاق والتشدد، وميلً مستمرًا إلى

تفجير الصراعات نظرًا إلى شيوع الاعتقاد بأن هذا الطرف أو ذاك يملك الحقيقة الربانية. الإسلاميون في تونس لا يشذون عن ذلك؛ فَهُم في المحصلة جزء من الجماعات المؤمنة التي تعتقد بأنها تمتلك

الحقيقة وبأن رسالتها إنما هي تنفيذ للمشيئة الربانية. وليس بالضرورة أن يفص ح الخطاب الإسلاموي عن هذا الدور ولا أن يكون ظاهرًا على سطح الوعي السياسي، فبمجرد الاندراج في الإسلاموية مشروعًا

(35) Jalel Bahri, «Le Lycée de Rakada, une filière de formation pour les arabisants d’Afrique noire en Tunisie,» dans: René Otayek, dir., Le Radicalisme islamique au Sud du Sahara: Da’wa, arabisation et critique de l’Occident , hommes et sociétés (Paris: Éd. Karthala; Talence: Maison des sciences de l’homme d’Aquitaine (MSHA), 1993), p. 79.

تغييريًا يَْدث الالتحام الآلي بين البشري والإلهي. وإذ يكون الأمر كذلك، يصبح كل مشروع مجتمعي على

غير هذا السمت انحرافًا عن شرع الله. إن هذا البحث، إذ يسوق هذه الملاحظات لا يهمل أمرًا مهمًّ هو أن الإسلاموية التونسية وضعت نفسها،

منذ أن تشكلت تشكلً سياسيًا، في إطار مدني، وأعلنت أنها لا تمتلك الإسلام وحدها ولا تتكلم باسمه.

ورد ذلك في البيان التأسيسي الذي أعلن ولادة حركة الاتجاه الإسلامي: «إن حركة الاتجاه الإسلامي لا

تقدم نفسها ناطقًا رسميًا باسم الإسلام في تونس، ولا تطمع يومًا في أن يُنسَب هذا اللقب إليها».

ولكن ذلك لا يمنع من التنبيه على أن التداخل بين الدِّيني والسياسي (وليس الدنيوي) لا يمكن أن يكون

من دون بروز نزعات استبناء الدِّين والظهور في موقع الذود عن حياضه. وإذْ نتوقف عند هذه المسألة،

فليس من باب مَن يرفض إشراك المتدينين في الشأن العام؛ فملاحظاتنا تتنزل في إطار محدد وهو أن التاريخ

أثبت باستمرار أن الدِّين كان وقودًا سحريًا للنزاعات الكبرى. وحين تُفر ز الساحة السياسية مشروعًا

إسلامويًا يَضْر التاريخ سريعًا وينشأ إلى جانبه السؤال المربك: كيف يمكن للإسلاموية التونسية أنِ

تكون رائدة لإسلامويات عصْها فتُحْدث خرقًا في المعطى التاريخي وتُنتج معرفة جديدة (وليس خطابًا)

يتساكن فيها الإلهي والبشري من دون أن يعتدي أحدهما على الآخر؟ لا يسمح المقام هنا بتفصيل القول في معنى الشرع وكيفيات تنفيذه؛ إذ إن له في هذه الدراسة موضعًا آخر،

إلا أن من المفيد الإشارة إلى أن الرغبة في إضفاء الصبغة الإسلامية على المجتمعات، التي هي موضوعيًا

مسلمة، تثير كثيرًا من التساؤلات؛ فالإسلاموية، وهي تهدف إلى الأسلمة، كأنما تتحرك في اللامعقول

التاريخي والثقافي. والمعنى من هذا أنها غالبًا ما تتعامل مع الدِّين باعتباره حلًّ جاهزًا للتطبيق وتتغاضى

عن الأبعاد الزمنية فيه. وكثيرًا ما يطغى على خطابها غموض لا يتبين المرء فيه الفروق النظرية والعملية

بين الدِّين والشريعة، بل نكاد لا نعثر على رؤية تفصيلية للشريعة إجراءً ومقصدًا. وينتج من هذا الغموض

الاكتفاء بشعار «تطبيق الشريعة» أو «الإسلام هو الحل.» لا ريب في أن رضى الإسلاموية بالتوقف عند هذه الحدود يدفعها إلى إنتاج أيديولوجيا «خلاصية» من ناحية، وخطاب تسحب به الإسلام من كل خطاب آخر وإن ادعى أنه يصدر عن اجتهاد في الإسلام، من

ناحية ثانية. ولا يكون مآل عمليات سحب الإيمان من الآخرين اقتحامًا لمجال التكفير، وهو خطر في ذاتهِ،

فحسب، وإنما يكون أيضًا ممارسة نوع من الاعتداء على حرية أولئك الآخرين الذين يَصْدرون هم أيضًا

عن اجتهاد في الإسلام. والمثال البورقيبي مثال جيد هذا السياق؛ فقد اعتبر راشد الغنوشي ما جاء على لسان بورقيبة من دعوة الناس إلى إفطار رمضان نوعًا من الاحتيال على الدِّين باسم الاجتهاد. الأهم من هذا هو أن يُرج الغنوشي بورقيبة من الإسلام في فتوى يبدو أن الشيخ السعودي ابن باز كان

مصدرًا لها: «بورقيبة لم يكن مؤمنًا بالإسلام أصلً، بل كان يعتبره عقبة. وهذه العقبة يتم تجاوزها...

بالحيلة باسم الاجتهاد. بهذا يدعو الناس للإفطار في رمضان... وهذا لا يمكن أنْ يفعله مسلم...

(((3 راجع نص البيان على الموقع الرسمي لحركة النهضة: <www.ennahdha.tn>.

حتى مسلم فاسق لا يفعل هذا». والاحتيال على الإسلام ما كان ليكون لو لم يكن بورقيبة «ملحدًا.»

والرغبة في تسويق صورته باعتباره مجتهدًا مدعاة للاستغراب: «أنا أستغرب من بعض الناس الذين أرادوا

أن يُعيدوا تسويق بورقيبة للشعب التونسي والعالَ على أنه مجتهد بينما بورقيبة ملحد معروف». ولئن كنا

لا نعلم على وجه اليقين العلة التي طُرد بها بورقيبة من الإسلام سوى قول الغنوشي: «حتى محمد مزالي

يشهد بذلك، البحث التاريخي يشهد بذلك»، فإن مجرد التفكير في التكفير أمر يثير كثيرًا من القلق،

خاصة إذا صدر عن شخصية إسلاموية في مقام الشيخ راشد الغنوشي. إننا نغمط الغنوشي حقه إن وقفنا في فتواه عند هذا الحد؛ فلقد قال، في محاولة لبيان أن تكفير الناس ليس

من مهامه: «المشكلة ليس أنه ملحد... نحن لسنا محكمة تفتيش نفتش في قلوب الناس: هذا مؤمن وهذا

ملحد». وهذا قول ينم عن موقف لا يمكن إلا التنويه به لأنه يعكس وعيًا بأن الإيمان شأن خاص من

شؤون الفرد وليس من حق أو من صلاحية أي جهة أن تراقب صدقه أو ضلاله. وحين تُش يع الإسلاموية

التونسية آراء كهذه، فإنها توفر في مستوى الخطاب المباشر على الأقل مساحة من الحرية لا ينمو الفكر

والاجتهاد من دونها. ولكن، إن لم يكن في هذه الإسلاموية نزعة إلى «التفتيش» في عقائد الناس، فكيف

نفهم صدور «بطاقة تفتيش» في عقيدة بورقيبة؟ الجواب الذي قدمه الغنوشي هو التالي: «مشكلتنا أن بورقيبة كان يريد أن يفرض إلحاده على الناس»،

وهذا تَوسعٌ في الافتراض ينبغي أن يسنده دليل، فما الذي يجعل الغنوشي يقول إن بورقيبة كان «يريد

أن يفرض إلحاده على الناس»؟. الوقائع التاريخية لا توفر إجابة، اللهم إلا إذا اعتبُر بعض «اجتهادات»

بورقيبة مُرجًا له من الدِّين، وهذا يصعب التسليم به من الناحية المبدئية والأخلاقية، أو إذا وقع تَبنّي ما

ذهب إليه الغنوشي وهو أن بورقيبة وجماعته كانوا من البداية مشروعًا فرنسيًا يهدف إلى إرباك عقيدة الناس

وإخراج الزيتونيين من مسرح معركة الكفاح والتحرير: «تخرجَ جيل تونسي الجلد فرنسي الهوى سرعان

ما تمهد أمامه السبيل لافتكاك زمام الحركة الوطنية من الأيدي الزيتونية المتوضئة بعد أن نجح في خداع

الناس بما أبداه من غيرة دينية مصطنعة». لا شك في أن صدور مثل هذه المصادرات على عقائد الناس لا يمكن موضوعيًا تبريره خاصة أن

الإسلاموية تطرح نفسها طرفًا في المشهد السياسي التونسي لا جهة دينية رقابية. ومثل هذه «الانزلاقات»

يمكن تفسيرها من دون تبريرها؛ إنها تأتي على الأرجح في طور ما زال فيه الإسلامويون داخل مجال

الدعوة ولم يخرجوا إلى مجال الفكر. وليست سبيل تلك كسبيل هذه؛ فالدعوة ينهض بها الآمرون بالمعروف

الناهون عن المنكر في إطار من الصفوية الأخلاقية التي تسعى إلى حض الناس على المعروف والخير.

(((3 «راشد الغنوشي.. الحركة الإسلامية في تونس،» (حوار أجرتْه معه قناة الجزيرة، برنامج «زيارة خاصة»، 2006/06/10)،

.>http://www.aljazeera.net/programs/privatevisit/2006/6/12<: على الموقع الإلكتروني

(((3 المصدر نفسه.

(((3 المصدر نفسه.

(((4 المصدر نفسه.

(((4 المصدر نفسه.

(((4 راشد الغنوشي، «دفاع الشيخ ابن باز عن الإسلام وأهله في تونس،» على الموقع الإلكتروني:.>www.dd-sunnah.net<

ولهذه السبيل مشكلات أهمها أن القائمين عليها، وهم متطوعون ينشطون خارج كل سلطة رسمية أو

مؤسسية، يتسرب فيهم، بطول الممارسة، شعور كأنه اليقين بأنهم قوامون على الحق وبه. ولعلهم في هذا

يحولون أنفسهم أو يحولهم المتأثرون بهم إلى قادة تجتمع فيهم خصلتا الدِّين والدنيا. ولا عجب حينئذ أن

يتجاوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حده الدعوي ليصبح آلة تَكم في الناس حتى وإنْ كان ذلك

بطريقة غير معلنة. تبرز في هذا الصدد مشكلة أخرى من مشكلات الإسلاموية هي تحويل صراع الاجتهادات المختلفة من

عالَ العقل إلى عالم التأثيم والإدانة؛ فالجهة التي تنتج «مجلة الأحوال الشخصية التونسية» على سبيل المثال،

تؤكد أنها تتموقع في دائرة الإسلام ولكن باجتهاد معاصر يراعي مقتضيات الحال. ومع ذلك، أثارت

قلقَ شرائح من المؤمنين العاديين في زمن ظهورها من دون أن ينتفض القطاع العُلمَائي الزيتوني «نصُرة»ً

للإسلام لو كانت تُدد حقًا ثوابت هذا الدِّين، أو لو كان هؤلاء يمارسون إلى هذا الحين السلطة التي كانت

لهم قبل دخول البلاد على خط التحديث العصري. وكانت الإسلاموية الطرف الأكثر إقبالً على هذه

المجلة تسفيهًا لا فيها وإدانة للقائمين عليها. هكذا رآها محمد الهادي الزمزمي، القيادي الإسلاموي البارزِ:

«لعل أول إجراء اتخذه بورقيبة... يتمثّل في إصداره مجلة الأحوال الشخصية... تلك المجلة التي يَعدها

حكام تونس مفخرة لهم حتى أضفوا عليها من القداسة مثلما أضفى الهندوس على البقرة التي يعبدونها من

دون الله... وظل بورقيبة يزدهي بها ل مَا تضمنته من قوانين بلغتْ الجرأة على الشريعة الإسلامية ما لم تبلغهِ

في أي بلد عربي أو إسلامي... جاءت هذه المجلة بأحكام ونصوص قانونية مناقضة للشريعة الإسلامية

تمام المناقضة».

في اختلاط السبل نحو الحداثة

كان «الإسلام السياسي» باستمرار هدفًا مرغوبًا فيه للتحالف المستمر ضده بين السلطة الحاكمة في تونس

والنخبة الحداثية عمومًا، واليسارية خصوصًا، وهو تحالف يمكن تفسيره بلا عناء؛ فكلاهما يرى نفسه

عقلانيًا يعمل على تخليص الوطن من التخلف. وكان الدِّين مؤسسات وأنماطَ تفكير وشبكةَ قيم وتاريخًا

هو التجسيد الأبرز للتخلف. ومارس التحالف «العقلاني» ضغوطًا شديدة ومستمرة على كل مظهر أو

تجل لتفكير أو سلوك ذي منشأ ديني في إطار استراتيجي بعيد المدى. وليس الأمر بمستغرب، سواء في

سياق معركة البناء الوطني أو في سياق ربط تونس ثقافيًا بما يعتقد هذا الحلفُ بأنه منبع التقدم والعقلانية.

لقد كان «القديم» مرمى للسهام الحداثية، وما يلاحَظ في ذينك السياقين هو أن الإسلام لم يكن مستهدَفًا

باعتباره دين الشعب، فما كان ذلك متاحًا ولا قابلً للرواج. كان الاستهداف الصريح للمعتقدات

والخرافات والقيم التي لا تساعد على العمل من أجل الاندراج في مسار التنوير والتحرر. ولكن، ينبغي

أنْ نلاحظ أيضًا أن الإسلام دينًا لم يكن عند ذاك الحلف في موقع يليق به؛ كان ثمة نوع من الجفاء أو

التحييد أو عدم الرغبة في إظهار الانتماء الحميمي إليه، وهذا له ما يفسره ثقافيًا: المدارس الفكرية التي

تغذى منها العقل الحداثي التونسي والصلات السياسية بالخارج التي كانت تفرض على تونس أن تلتزم

(((4 محمد الهادي الزمزمي، تونس: الإسلام الجريح، ص.91

صراطًا معلومًا حتى يُقْبلَ بها طرفًا مستفيدًا من هِبات «العالم الحر» أو مكانًا يَأمَن فيه الحاكم على ملْكه

ويتمتع فيه الحداثي بالرضى والتزكية. في ضوء هذا التصور، وقع تضييق شديد في مجالات نفوذ الفضاء الديني، ووفر ذلك إمكانات هائلة لنشوء

علاقات اجتماعية وثقافية وأخلاقية خارج رقابة ذاك الفضاء، وهو ما ساعد على ذيوع نمط من السلوك

التحرري. وما تجدر ملاحظته في هذا السياق هو أن التدين المجتمعي لم يكن تدينًا صداميًا، فلم يكن القيام

بالشعائر الدينية مانحًا أصحابَا منزلة اجتماعية مرموقة، أي إن المجتمع التونسي لم يكن مُهيأ للانقسام إلى

جمهور متدين فاضل وجمهور غير متدين مرذول. فمسألة التدين من عدمه كانت في تونس المعاصرة من

القضايا الشخصية، وهذا أمر بالغ الأهمية، إذْ لا وجود في تونس لمؤسسة تحتكر الدِّين وترغم الناس على

الاصطفاف وراءها. كانت الدولة وحدها مَن يشرف على الفضاء الديني: أماكن عبادة، توظيف الأئمة

والوعاظ والمؤذنين، البرامج الدينية في وسائل الإعلام. وكان يُعتبر مخالفًا قوانين الدولة كل مَن يقوم

بنشاط ديني خارج الرقابة. لم يكن الأمر ليَنجح لو لم يكن جزءًا من مشروع تحديثي متكامل وواضح الأهداف والمقاصد وضع لهِ

زعماء التحرير الوطني أسسه الصلبة قبل أن يبنوا الدولة؛ فقادة الحركة الوطنية لم يكونوا، كما كان غيرهم

في بلاد أخرى، زعماء دينيين (عبد القادر الجزائري وعمر المختار على سبيل المثال)، فهم أبناء تعليم

عصري ترمز إليه «المدرسة الصادقية» بشموخ وكبرياء. والمدرسة الصادقية معْلم من المعالم التحديثية التي أشرف على إقامتها المصلح التونسي خير الدين باشا. إنها

مؤسسة تعليمية، لئن كان المطلب المباشر والصريح منها دفْع المنوال التمديني التونسي في اتجاه تحقيق قاعدة

تعليمية عصرية تستفيد من منجزات العلوم في أوروبا آنذاك وتوفر للإدارة التونسية الكفاءات والمهارات،

فقد كانت، من دون تصريح علني، مقطعًا من مقاطع الصراع ضد عناصر «التخلف» والتقليد. لذلك،

يمكن القول بلا لَبس إنها جاءت لتنافس «الزيتونة» وشيوخها، سواء في البرامج التي تعتمدها أو في اللغاتِ

التي تُدَرس فيها. وكان كثير من خريجيها ينتقلون إلى باريس لمواصلة الدراسة في جامعاتها «التنويرية»

الشهيرة، وخاصة السوربون. ولأسباب كثيرة، استطاع هؤلاء أن يخوضوا غمار معارك التحرير الوطني،

وأن يرسموا لأنفسهم رؤى جديدة، وأن يذيعوا بين الناس خطابًا جديدًا. واستطاعوا، لأسباب مركّبة،

أن يسلبوا من الزعماء الزيتونيين قيادتهم للحركة الوطنية؛ فقد تم لهم بيسر، بعد حركة انشقاقية، تكوين

«الحزب الحر الدستوري الجديد» (1934) وإفراغ الحزب الأم، «الحزب الحر الدستوري» الذي أسسه

الشيخ عبد العزيز الثعالبي في آذار/مارس 1920، من محتواه وجمهوره.

(((4 لم ينتم الحبيب بورقيبة، على سبيل المثال، إلى الزيتونة، بل تعلم في معهد كارنو الفرنسي والمدرسة الصادقية.

(((4 للتوسع انظر: أحمد عبد السلام، المدرسة الصادقية والصادقيون، تاريخ (قرطاج: بيت الحكمة، 1994)؛

Mokhtar Ayachi, Ecoles et société en Tunisie, 1930-1958 , cahier de CERES, Série Histoire; no. 11 (Tunis: Centre de CERES, 2003), et Noureddine Sraïeb, Le Collège Sadiki de Tunis, 1875-1956: Enseignement et Nationalisme , monde arabe, monde musulman (Paris: CNRS, 1995).

(((4 راجع في هذا الصدد: يوسف مناصرية، الحزب الحر الدستوري التونسي، 1934-1919 (بيروت: دار الغرب الإسلامي،

لا ندري على وجه التحديد كيف مال الناس، وهُم في أغلبهم أميون محافظون، إلى بورقيبة «الباريسي

والسوربوني» المتنور، وكيف هجروا حزبًا يُفترض أنه بزعمائه وأدواره أقرب إليهم من غيره. ولكن ما

يمكن أن نطمئن إليه عنصرًا تفسيريًا هو أن عموم التونسيين، على امتداد إسلامهم إلا باستثناءات نادرة

وغير فعالة، لم يتشكل في مجالهم الثقافي مرجع ديني حاسم ومغلق. ويبدو أن الإسلام الذي أسلموا إليه

أمرهم نجحوا في ترويضه وإكسابه ملمحًا هادئًا وبسيطًا وبعيدًا عن التعصب المذهبي والعقائدي. ولا

عجَب حينئذ أن يكون في بعض فترات تاريخ تونس الحديث مُفْتُون كبار على المذهب الحنفي وجمهور

الناس على المالكية. وفوق ذلك كله، ثمة معطيات تاريخية ينبغي الانتباه إليها؛ فتونس كانت واحدة من ولايات السلطنة العثمانية الأكثر حماسة للإصلاح في القرن التاسع عشر. ومتتبّع التواصل الذي كان

مستمرًا بين الباب العالي وبايات تونس بشأن الإصلاحات اللازم إجراؤها في الإيالة التونسية يرى بلا

عناء قوة التيار التمديني في هذا البلد. ويمكن الاكتفاء في هذا الصدد بالإشارة إلى «عهد الأمان» ودستور

1862 ووثيقة تحرير العبيد. ولم يكن النَّفَس الإصلاحي محليًا أو عثمانيًا فقط، بل كانت الفكرة الدستورية

المستوحاة من التجارب الأوروبية حاضرة بقوة. وكانت الإعلانات الاحتفالية بإصدار مثل تلك المراسيم والتشريعات لا تنعقد إلا بحضور متميز لقناصل الدول الأوروبية وسفرائها. وكان الباي يُشهد أولئك

السفراء والقناصل عليه وهو يؤدي القسم للوفاء بما في النصوص التشريعية. إذن، كان ثمة بيئة مناسبة لبروز ملامح حياة سياسية وثقافية مدنية لا تستمد مشروعيتها من الدِّين ورجالاته

حصرًا. وقد سهّل ذلك على زعماء الحركة الوطنية «الحداثيين» كثيرًا من مهماتهم، فكانوا كمَنْ يواصل على

نحو من الأنحاء مسيرة التمدين السابقة. وعلى هذا الأساس، كان الاتجاه الغالب على خطابهم النفَس

التجديدي الذي يُرَغب في الحياة، ويدفع نحو قيم لم تكن من المقومات الأصيلة في وجدان التونسيين

ذوي الروح التقليدية المحافظة، مثل النضال الاجتماعي النقابي والنشاط الصحافي وتعليم التونسيين في المدارس الفرنسية. والمتأمل في الوظيفة التحريرية ومقاومة المستعمر الفرنسي يمكنه أن ينتبه إلى أمر مهم، وهو أن الكفاح التحريري لم يكن في ثقافتهم واجبًا دينيًا في المقام الأول؛ كان عقيدة وطنية، وهو إذ يكون

كذلك يكشف بما لا يدع مجالً للشك عن المقاصد الكبرى التي يتحرك في اتجاهها هؤلاء الزعماء. وعبارة بورقيبة التي يعرفها التونسيون جيدًا «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» تتُرجم ذلك. صحيح

أنه اصطفاها بعقل وقّاد ممّا يُعرف من الأحاديث النبوية، فإنه اصطفاها ونرجح أنه يعلم أن حول هذا

الحديث شبهات. ولا ندري إن كان على علم بما ورد، على سبيل المثال، في فتاوى ابن تيمية: «أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك: رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر، فلا أصل له. ولم

يَرْوِه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي »، غير أننا نرجح ع لمه بذلك وانصرافه عنه لأن المسألة عنده

ليست دينية؛ فالجهاد الحق بالنسبة إليه هو بناء الدولة الحديثة وبلورة الحلول والتصورات التي يخرج بها

(((4 قدم نور الدين سريب بعض التفسيرات لفهم أسباب عزوف الناس عن الزعماء المحافظين، وهي تفسيرات يبدو أنها مقبولة في

Noureddine Sraïeb, « Note sur les dirigeants politiques et syndicalistes tunisiens de 1920 à 1934,»:عمومها. راجع ذلك في Revue de l’Occident Musulman et de la Méditerranée , no. 9 (1971).

(((4 أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمان بن

محمد بن قاسم (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004)، مج 11، ص.197

المجتمع التونسي من السلبية والاتكالية والانهزامية إلى دنيا الفعل والإنتاج والنماء. وبهذا، كان استخدام مفردة «الجهاد» استخدامًا يُرجها من دلالتها المعجمية الدينية إلى دلالة حياتية وزمنية مباشرة. تحدث بورقيبة أولَ ما تحدث إلى المغاربة عن «الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر». وما كان حديثه ذاك عابرًا

اقتضته مناسبة بعينها وانقضى أثَره بانقضائها. كان في ما قال يَصدر عن رؤية وفلسفة، ولذلك سنراه يعود

بالحديث النبوي من المغرب الأقصى أطروحةً وبرنامجَ عمل إلى بلده. فما هو المجال الذي يستطيع من خلاله زعيم دولة الاستقلال تحقيق برنامجه المبني على تلك الأطروحة؟ يذكر الشيخ كمال الدين جعيط (2012-1922) رواية هذا نصها: «عام 1960 م جمع بورقيبة في شهر رمضان المعظم الشيخ محمد العزيز جعيط (والد كمال الدين جعيط) والشيخ الطاهر بن عاشور، وجلس أحدهُما عن يساره والآخر عن يمينه وقال: نحن الآن في الجهاد الأكبر. ولذلك لا بد على التلاميذ والعمال والجنود أن يفطروا رمضان». هذه رواية مهمة لسببين: الأولهو الجرأة الاجتهادية التي صدرت عن

رجل دولة يبيح لنفسه ما يحتكره الفقهاء لأنفسهم عادة. و الثانيهو إطلْاع أشهر رجليْ دين آنئذ على ما

عزم عليه. وليس الإخبار بما نوى مطلبًا في حد ذاته، فنحن نعتقد أنه قام باستدعائهما من أجل افتكاك

مباركة منهما على ما ذهب إليه، وهو إذن ليس في مقام المستفتي الذي ينتظر جوابًا؛ إنه ينتزع منهما وظيفتهما

ويريدهما ظهيرين له. وهو إذ ينزع إلى هذه الوجهة، يباشر في إنشاء مجال لم يكن من قبل موجودًا، وهو

مجال هيمنة الفضاء السياسي على الفضاء الديني، وهذا من الملامح الأساسية للدولة الوطنية الجديدة ذات الميول العَلمانية الشديدة. وحين تكون مساحة تنفيذ مشروع «الجهاد الأكبر» هي المساحة التي يخترق

فيها بورقيبة المستقر من العقائد في النصوص والقلوب، فذاك دليل بارز على أن تونس تتهيأ لزمن ثقافي وسياسي جديد. لا شك في أن ما أقدم عليه بورقيبة ليس فقط أمرًا غير مألوف، بل إنه يصدم الوجدان الدِّيني الجمعي أيضًا

ويطرح كثيرًا من الأسئلة حول الأهداف البعيدة التي يرنو إليها بورقيبة. ولا شك كذلك في أن بورقيبة

كان يرى نفسه مسؤولً لا عن تطوير الشأن السياسي فحسب، وإنما كذلك عن تغيير جذري في قضايا الشأن الديني، وذلك بالاجتهاد فيه. ولذلك جاء يطرح على الناس ما يتصور أنه حصيلة تفكيره وتدبره في معاني الدِّين ومقاصده: «نحن اليوم على أبواب رمضان لا يفصلنا عنه إلا ثلاثة أسابيع. ومسألة صوم

رمضان درستُها طويلً. ومن واجبي أن أبسطها هنا بكل صراحة بحضور مفتي الديار التونسية الذي اجتمعت به قبل اليوم وتحادثت معه مرات متكررة بشأن هذا الموضوع». وحين يُقحم بورقيبة مفتي

الديار التونسية في خطابه وهو يعلم حساسية الموقف، فهذا ممّا ينبغي التوقف عنده.

(((4 من حوار أجراه معه عبد السلام لصيلع. راجعه في جريدة الرياض، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alriyadh.com/

. article372530.tml>

(((5 من خطاب صفاقس المشار إليه سابقًا.

(((5 حدث منصب مفتي الجمهورية بمقتضى الأمر أُ 107 المؤرخ في 6 نيسان/أبريل 1962، ويُعتبر هذا النص منقحًا للأمر السابق

الصادر في 28 شباط/فبراير 1957 الذي بموجبه أحدثت خطة مفتي الديار التونسية.

لتوضيح المسألة، تجدر الإشارة إلى أن لمؤسسة الإفتاء الرسمية في تونس أدوارًا تكلَّف بها ولا تخرج عنها.

ف«مفتي الجمهورية -كما يبيّنه الأمر 107 لسنة -1962 هو مستشار الدولة في شؤون الشريعة وأصول

الدِّين والمراسم الإسلامية، ويضطلع بكل ما يُسنَد إليه من مهمات دينية أخرى». وهذه المؤسسة، في

الهيكلة الإدارية التونسية، لا تتمتع بالاستقلالية؛ إنها تخضع لإشراف الوزارة الأولى. وهذا يعني أن خطة المستشار التي يشغلها المفتي لا يمكنها أن تكون إلزامية، بل قد لا تكون الاستشارة في حد ذاتها ضرورية.

والحاصل من هذا أن مؤسسة الإفتاء أُريدَ لها أن تقوم بعمل غير مؤسس لاختيارات الدولة وتوجهاتها. ولكن بورقيبة مع مشروع استحواذه على الأمر كله، يمارس ضربًا من «الغش» السياسي فيجعل المفتي

«شاهد زور» على ما يقول.

البورقيبية واستنزاف رأس المال الرمزي للمؤسسة الدينية

إن تشغيل مؤسسة الإفتاء لمصلحة التوجهات «المتطرفة» في التعامل مع المسائل الدِّينية يأتي في سياق تهميش الدولة الوطنية للمجال الديني الذي كان تحت سلطة «العلماء». وحين يقول بورقيبة: «إني كمسلم مجتهد يجوز لي أن أدعو إلى العمل والزيادة في الإنتاج والتقليل من الإخلاد إلى الكسل والرقاد، وإذا لزم

الأمر أن تفطر في رمضان وتعوض إفطارك ببذل المزيد من الجهد في العمل»، فإن ل ا يقول دلالة صريحةِ

وخطِرة في الآن نفسه، وهو أنه لم يعد الاجتهاد حكرًا على «العلماء»، فرجل الدولة مؤهل أيضًا للنهوض

بهذه المسؤولية. لا يميل بحثنا كثيرًا إلى تفسير هذا السلوك بما يُعرَف عن بورقيبة من نرجسية زائدة عن الحد، وقد يكون

في ذلك شيء من الصحة، لكن التفسير الذي يبدو أنه الأقرب إلى استجلاء مَْف ي الخطاب هو الذي يأخذ بعين الاعتبار الفلسفة السياسية التي عمل بورقيبة على بلورة معالمها، نقصد على وجه التدقيق علمنة المجال السياسي؛ فما ينبغي ألا يغيب عن البال هو أن البلاد ما زالت في عقد الاستقلال الأول، وهو طور الاحتكاك الشديد بين الاتجاهات العاملة في ميادين الثقافة والدِّين والسياسة والغارقة في حمْأة البحث عن أفضل العلاقات التي يمكن أن تقوم بين مختلف مكونات المجتمع والمؤسسات الحاضنة له، تقليديةً كانت أو مستحدثة من جهة، وبين تونس ومجالها الخارجي من جهة ثانية. ومَنْ يكسب معركة

العقد الأول من الاستقلال هو مَن سيصوغ بنية الدولة ويرسم لها ما يلزم من المسارات. لذلك، يبدو

أن الاندفاع القوي من جانب بورقيبة نحو إرباك المؤسسة الدينية يندرج في هذا السياق تحديدًا. وبهذا المعنى يَرج بورقيبة من حده الفردي وعنفوانه الزعاماتي إلى تجسيد رؤية متكاملة لمستقبل تونس كما يتصورها.

(((5 راجع ذلك في الموقع الرسمي للوزارة الأولى التونسية:.<http://www.pm.gov.tn>

وللتوسع يمكن العودة إلى: أسماء نويرة بن دعية، مفتي الجمهورية في تونس: المؤسسة والوظيفة (تونس: دار سراس للنشر،.)2001

وهو حين يشير في خطابه الآنف الذكر إلى لقاءات جمعته مع الشيخين عبد العزيز جعيط ومحمد الفاضل

بن عاشور، فإنه يرمي إلى «توريط» المؤسسة التي ينتميان إليها في توجّه اجتهادي لا تُقْب ل عليه من تلقاءِ

نفسها، كما يرمي إلى إظهار سلبيتها وعجزها عن المساهمة الإيجابية في حفز الهمم على العمل والتشجيع

على بناء تونس الجديدة. وتبدو إشارته إلى أنه تحدث في الموضوع إلى المفتي «مرات متكررة» موحيةً بنوع

من التباعد بينهما في الرأي من ناحية، وبأن بورقيبة لم يكف عن استدراج محاوِره إلى صفه من ناحية ثانية.

والظاهر من قوله «وم ن واجبي أن أبسطها هنا بكل صراحة بحضور مفتي الديار التونسية» أنه لم ينجح في تطويع المؤسسة الدينية فتوافقه على رأيه. هنا ينفصل الزعيم السياسي بعبارة « من واجبي » عن الزعيم الدِّيني في ما يشبه التحديَ له؛ ف « الصراحة »

التي يصدع بها ب « حضور المفتي » تعني أن المَرجِع في حسم الأمر يعود إلى الجمهور الذي يستهدفه بورقيبة

بخطابه. وهذا طريف سياسيًا وخط ر دينيًا؛ طريف سياسيًا لأن فيه ما يتميز به هذا الزعيم من غيره، وهو

« كاريزما » الاستحواذ على أفئدة قطاع واسع من الناس، فهو إذْ يُلقي القضية بين جمهوره، وما هي بقضية

جمهور، يعرف أنه سيكسبها وإن كانت دينية، وإن كان هو في عين جمهوره ليس رجل دين، وهذا أمر مهم

في تاريخ تونس السياسي والديني المعاصر؛ إذْ لا نعلم أن زعيمً عربيًا عَلمانيًا و « متطرفًا » في تعامله العقلاني

مع الدِّين حاز قبولً وحبًّا من أعداد كبيرة من الناس كما حاز بورقيبة. ولا عجب حينئذ أن يقدِّم نفسه لا

رجل دولة مهمومًا بمستقبل وطنه فحسب، وإنما أيضًا صاحبَ عقل مستنير يكافح به ركود العقل الدِّيني

وتقاعسَه عن الانخراط في هموم الوطن. وهو خطِر دينيًا لأن بورقيبة يعلن، وهو يتحدى ب « الصراحة »

المفتي، بما لا يدع مجالً للشك أن تونس الجديدة لا يمكن أن يؤول أمرها إلى رجل الدِّين حتى وإن كان المفتيَ المعيَّ بأمر من هذه الدولة. استخدم بورقيبة عبارة لافتة هي « مفتي الديار التونسية »، والصحيح أن المفتي لم يعد كذلك؛ إنه،

بحسب التسمية الرسمية الصحيحة، « مفتي الجمهورية ». هل كان يقصد ما تلفَّظ به؟ نتوقع أنه تعمّد

هذا الاستخدام؛ ف « مفتي الديار التونسية » يُيل إلى زمن غير الزمن « الجمهوري »، وهذا يعني أن البلاد لا يمكنها، بعد إذ صارت محكومة بنظام سياسي جمهوري، أن تبقى حبيسة عقل يشتغل خارج نسقها

وزمنها. فتونس الجديدة ما عادت « دِيَارًا »؛ إنها دار واحدة اسمها الجمهورية. وبهذا يكون وجود المفتي

بالنسَب الزماني المذكور وجودًا بلا جدوى. ويلفت نظرنا في خطابه أيضًا قولُه: « هذا أقوله هنا بحضور

مفتي الديار التونسية الذي سيخاطبكم مباشرة في الموضوع بعد يوم أو يومين. وأكرر القول بأنه ليس من الدِّين ». ولنا في هذا المقطع ملاحظتان: مفاد الأولىأن الزعيم السياسي يَظهر أمام الناس، وهو يسبق

الزعيم الدِّيني إلى تقرير أمر الصوم من عدَمِه، صاحبَ القول الفصل، ولا يبقى ل «مفتي الديار» إلا أنِ

يخرج إلى الناس لاحقًا للتصديق على «فتوى» الرئيس. ومفاد الثانية أن التأخر في التصديق «يومًا أو يومين »

(((5 تولى خطة مفتي الجمهورية من سنة 1957 إلى سنة.1960

(((5 تولى خطة مفتي الجمهورية من سنة 1962 إلى سنة.1970

(((5 الحبيب بورقيبة، خطب (تونس: كتابة الدولة للإعلام،.)1961-1960

يأتي من باب الإمهال، بعد أن تكرر لقاء الرئيس بالمفتي ولا نَفْع. والإمهال مدخَل إلى التهديد وإن لم يُعْلَم

به جهارًا؛ فقد قال: «وأكرر القول بأنه ليس من الدِّين». المستفاد ممّا تقدَّم هو أن علاقة زعيم دولة الاستقلال بالدِّين لم تكن علاقة عدائية؛ فهو لم يقدم نفسه باعتباره

في حرب ضده، بل إنه في وضْ عِ تفاعل إيجابي معه، وهذا بعض ما قد يفسر انجذاب التونسيين إليه، وهو

أيضًا من المَداخِل المهمة التي تساعد على فهم ما يمكن أن نعتبره فرادة في الطرح الحداثي التونسي في الطور

الأول من بناء الدولة الوطنية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن الجسور التي تُقام عادة بين الأتاتوركية

والبورقيبية ليست في كل الأحوال سليمة؛ فسيرة أتاتورك مع الدِّين كانت متوترة إلى أبعد الحدود، ولذلك

أجزْنا لأنفسنا الكلام على « الفرادة التونسية » في هذه المسألة تحديدًا. لقد شق التحديثيون الأوائل في تونس طريقًا يُلغي من الدِّين جانبه الثقافي العام ويُنتج قراءة « متمردة » على

المعهود من الآراء ومساهِة بقسط كبير من عملية صوغ « إسلام تونسي تحرري » وفي سد المنافذ أمام بروز جماعات أو مؤسسات تروّج لإسلام غير هذا الإسلام. ولأن هذه «القراءة الحداثية» لم تكن معزولة عن

سياق الفكر الإصلاحي التونسي منذ القرن التاسع عشر، لم تَقْوَ الجهات التقليدية والزيتونية على تكوين

جبهة تتحدى المشروع البورقيبي، إذ كانت كمن فقد السيطرة على مجاله ورضيَ بالزمن الجديد وإن غصبًا. ذاك ما يمكن الانتباه إليه بوضوح في آخر رواية الشيخ كمال الدين جعيط التي مررْنا بها سابقًا: «... فنهض

الوالد وعارض الرئيسَ وهو حاضر. فم نَ الغد وقع عزلهما معًا (يقصد عبد العزيز جعيط ومحمد الفاضل

بن عاشور»). وإذا صحّت الرواية، يمكن القول إن بورقيبة قرر مرة أخرى أن يبتعد أكثر فأكثر عن

«العلماء» وما يرمزون إليه من ثقافة وتاريخ، وأن يستمر عنيدًا في صوغ تصور جديد للمجتمع والدِّين في

تونس الجديدة. بورقيبة؛ فقد كان يَلْزَم اتخاذُ إجراءٍ أشد وهو

لم يكن عزْل هذين الشيخين من منصبيهما كافيًا ليُِض

«توريطهما» أمام الناس في مشروعه التحديثي، ولذلك سيجعلهما مُتكَأ تنهض عليه أطروحته. ألقى

بورقيبة في الخامس من شباط/فبراير 1960 خطابًا جاء فيه: «في غمرة مشاكلنا ومعاركنا السياسية، لم

نجد وقتًا كافيًا لدرس السيرة النبوية بإمعان. ولقد اطلعنا عليها وعلمنا منها الكثير ولكن جوانب منها

لم نهتد إليها. وقد أرشدني فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط في مجلس جَعنا مع فضيلة الشيخ الطاهر بن

عاشور إلى حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم دلتْنا على رأيه واتجاهه وعلى تصرفه لو بقي صلى

الله عليه وسلم حتى اليوم. يقول فضيلة مفتي الديار التونسية إن رمضان أدرك المهاجرين والأنصار وهم يسلكون طريقهم بقيادة النبي الكريم إلى فتح مكة فصام بعضهم وأفطر آخرون، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يشجعهم فأفطر. ومع ذلك تمسك البعض منهم بالصوم، فأمرهم بالإفطار وقال لهم: ‹ أفطروا لتقووا على ملاقاة عدوكم ›، حديث شريف وسنّة نبوية كريمة كانت مجهولة منا، والحال أنها جديرة بأن

(((5 ما يجدر ذكره في هذا السياق أن الشيخ عبد العزيز جعيط أصدر فتوى تحت عنوان: «الأعذار المبيحة للفطر في رمضان »

وقد نشرت في: الصباح (تونس)،.1960/2/14

(((5 المصدر نفسه.

تُلقَى كل يوم جمعة في الجوامع والمساجد، وأن تظفر بما هي حَر ية به من درس وتحليل. لقد كان صلى

الله عليه وسلم في حاجة إلى جنود الإسلام ليقهر بهم أعداء الدِّين. وماذا يُفيد الدِّين يا تُرى إذا تمسكوا

بالصوم ثم اندحروا أمام قريش؟ ». أن يَنقل بورقيبة قصة إفطار المسلمين رمضان والرسول معهم على لسان المفتي، فهذا لا ضير فيه، وأمّا

أن يحوّل القصة المنقولة على لسان المفتي إلى أرضية تشريعية، فذاك ممّا هو شبيه ب « الاحتيال » الفقهي الذي

لا يَظهر فيه بورقيبة وحيدًا في ما ذهب إليه؛ فها هي مؤسسة الإفتاء التي لم يقطع معها الوصل في العلن

تلهمه الاجتهاد، ولا نخاله إلا متعمدًا ذكْر الشيخين معًا. إنه كمن يُشهد أحدهما على الآخر. وهكذا يفوز

بمغنمين: الاستحواذ على سلطة التشريع والاجتهاد وتهميش القائمين عليه أصلً من ناحية، والظهور أمام الناس في انسجام مع مؤسسة الإفتاء ممّا يُبعد عنه شبهة معاداة الدِّين ورجاله من ناحية ثانية. وهكذا يمكن القول أيضًا إن الفضاء الديني في استراتيجية الدولة الوطنية ينبغي ألا يكون إلا في خدمة

الأهداف «الوطنية» الكبرى، وذلك لا يتأتى إلا بعملية اجتهادية تصدر من خارج أطرها التقليدية. ولا

يبقى في ضوء المسار الجديد أمام الزيتونيين المتشبثين بأطروحاتهم إلا الاستقالة من المناصب التي يشغَلونها.

وعلى هذا النحو فعَل الشيخ عبد العزيز جعيط الذي توقّع/توهّم أن هوية الدولة الوطنية ستكون خلاصة

اجتهاده؛ فقد روى عنه ابنه كمال الدين جعيط أنه: «قَننَ الفقه المالكي والفقه الحنفي في مجلة أوجدها

لتكونَ عملً أساسيًا أصليًا للجمهورية التونسية حينما كنا نعتقد بأنه سوف يقع إلحاق المحاكم التونسية

بالمحاكم الشرعية، وكذلك في التعليم: كنا نعتقد أنه سيقع إلحاق التعليم المزدوج الفرنسي/العربي بجامع الزيتونة. ولكن مع الأسف بورقيبة -غفر الله له- عكَس ذلك، فقدَّم والدي استقالته حينما وقع إغلاق

جامع الزيتونة والمحاكم الشرعية ». إن ما كان يحدث بين بورقيبة والزيتونيين أكبر من أن يشُر في خانة صراع بين زعيم يريد أن يستأثر بالأمر

كله، وج هة دينية لها شرعية تاريخية؛ فالعمل الحثيث على إخراج الزيتونة ثقافةً وتاريخًا من البديل المجتمعي المستقبلي ليس إلا جزءًا تنفيذيًا من قصة تونس الجديدة التي جاءت البورقيبية لتنسج خيوطها. ولئن كانت

حالة الابتئاس التي ظهر الشيخ عبد العزيز جعيط دالة في المستوى الشخصي عن صدمة «نفسية »، فهي دالة في مستوى الجماعة الزيتونية على أن «العلماء» لم يكونوا في وضع يسمح لهم بفهم مقاصد « النخبة ». لذلك، يمكن الذهاب إلى أن سرعة انتصار بورقيبة على « العلماء » يعود في قسم منه إلى أن الزيتونة لم تكن تنافس بمشروع متكامل، ولم تكن -بحسب المعطيات التاريخية - مؤهلة لخوض معركة تقرير المصير. ولذلك أيضًا، يمكن الذهاب إلى القول إن « الحزب الحر الجديد » لم ينشق عن الحزب القديم من خلال

تمرد « الدستوريين » الشباب على الشيوخ من أجل زعامة سياسية أو تحصيل منفعة عاجلة، بل إن السبب الحقيقي هو أن « النخبة » الشابة دخلت معترك السياسة والتحرير بمشروع واضح يتناقض في الجوهر مع

(((5 بورقيبة، خطب.

(((5 من حوار أجراه معه عبد السلام لصيلع. راجعه في جريدة الرياض، على الموقع الإلكتروني: <http://www.alriyadh.com/

. article372530.tml>

عقلية « العلماء »، وبهذا المعنى كان الدِّين وسيلة قيّضها الطرفان للنزال: طرف حمل الدينَ رصيدًا تاريخيًا،

وطرف أخضعه لقراءة تجديدية. يتضح ممّا تقدم أن المشروع التحديثي في التصور البورقيبي لا يمكنه أن يحقق أهدافه من دون التخلص

من الحضور الرمزي الذي تمثّله الزيتونة. ومَن يتتبع مواقف بورقيبة حتى قبل الاستقلال ينتبه إلى نفوره

الشديد من الزيتونيين: « المشكلة الزيتونية آخذة في التطور نحو مسار خطير. ومسألة الطاهر بن عاشور

والفاضل بن عاشور والجامع الكبير تقلقني ». والراجح أن هذا التبرم لا يعود إلى أسباب شخصية؛

فالقلق الذي عبّ عنه بورقيبة يجد بعض أسبابه في تعارض مسلك التحديث مع البنية المغلقة للمؤسسة

الدينية الرسمية. والثابت أن الإصلاحات التي تقرَّر إدخالها في صُلب الجامعة الزيتونية لم تكن كافية

حتى يتقاطع المشروعان، بل لعلها جاءت متأخرة؛ فاستحداث شعبة تعليمية ذات نفَس حديث في

الزيتونة سنة 1950، بعد إضراب للطلبة، لم يكن إلا محاولة يائسة في تخريج طلبة ينافسون في المهارات

طلبةَ المدرسة الصادقية. كان الأفق الأول لهذه الخطوة محدود التأثير لأنه قصد تمكين الزيتونة من منافَسة

الصادقية في الوظائف الإدارية من دون أن تكون جزءًا من رؤية تجديدية تخرج بها هذه المؤسسة العريقة

من جمودها وضيق أفقها. والمشروع التربوي الذي صاغ معالمَه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور على الرغم

من الجوانب التحليلية الجيدة التي تخللته، كان من دون الرقي إلى منزلة الفلسفة التعليمية القادرة على

مزاحمة الرسالة التي تعهدت بها الصادقية. وكان تعليق جلال البحري دقيقًا على هذا المسعى: « لم

يكن ذلك إلا وهمًا. كانت المأساة أعمق بكثير، فلم تتوقف خطة تهميش الزيتونة ونخبت ها. كان صعودِ

نخبة جديدة منافسة صقلها نظام تعليمي عَلماني وعصري يعني نهاية هيمنة جامع/جامعة الزيتونة

المجيدة ».

في مقام الخاتمة الإسلاموية التونسية وتحديات الإرث البورقيبي

كانت عملية الإجهاز النهائي على الزيتونة رؤيةً وثقافة مع بواكير دولة الاستقلال مسألةً متوقعة؛ فمسار

التحديث، كما آمن به بورقيبة، لا يمكنه أن يرى النور وإلى جانبه مسار آخر ينافسه. وبهذا المعنى تجد

« نكبة » الزيتونة كثيرًا من المبررات التاريخية والثقافية. ولا عجب أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه نظرًا إلى

أن المسارين لم يجربا منذ أن التقيا التعايش والحوار والتكامل. ومثْل هذا التنافر لم تكن انعكاساته آنية فقط،

انتصر بها مسار وانهزم بها آخر؛ فالمعركة كانت تتجاوز الزعامة لتضرب بسهم في وجدان الناس وثقافتهم

ومستقبلهم. لم تكن الزيتونة فقط معْلمً دينيًا وعلميًا لشرائح من المنتسبين إليها، بل كانت أيضًا خزانًا

تاريخيًا لشبكة من القيم والتصورات. وكانت عند البعض ملجأ تُْمَى فيه العقيدة وتصان فيه الهوية. ولا

غروَ أن تبقى الزيتونة بعد تعطيل أدوارها المعهودة وسَد منابع الحياة فيها حنينًا مستمرًا تتوارثه أجيال ترى

(((6 عن نقل:.. Belkhodja, p. 38

(((6 انظر كتابه: محمد الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب: التعليم العربي الإسلامي.. دراسة تاريخية وآراء إصلاحية (تونس:

دار سحنون؛ القاهرة: دار السلام،.)2006

(62) Bahri, p. 78.

نفسها مظلومة، وأن يظهر، إسنادًا لها ودفاعًا عنها، أكثر من صوت من حين إلى آخر. وجاءت الإسلاموية

التونسية، في سياق من سياقات تكونّها، بحثًا عن كيفية إحياء مجد الزيتونة. لا شك في أن مسالك كبرى اختيرت لتنفيذ المشروع التمديني التونسي. واختزالً، يمكن التنصيص

على ثلاثة محاور بارزة: أولتهميش الفضاء الديني ورموزه؛ ثانيًا إنشاء مجلة الأحوال الشخصية؛ ثالثًا

إقامة تعليم عصري قريب في فلسفته من روح التعليم الغربي عمومًا والفرنسي على نحو خاص. ولا أحد

يستطيع اليوم موضوعيًا أن ينكر النتائج النوعية التي حققتها تلك الاستراتيجيا. لقد استطاعت الدولة الوطنية في تونس أن تنشر شبكة واسعة ومجانية من المدارس لنشر تعليم عصري وبث قيم حية بشأن الإبداع والحرية والمساواة. وأمكن للفتاة التونسية منذ السنوات الأولى للاستقلال (1956) أن تدخل المدرسة والمعهد والجامعة من دون حرج شديد. ولم يحدُث إلا نادرًا إيجاد فضاءات

تعليمية، بعضها للذكور وبعضها الآخَر للإناث. كان التعليم مختلطًا إذن. واللافت أن المجتمع التونسي

في عمومه لم يُبْدِ مقاومة لهذا المشروع، ويبدو أن تخلّف بعض العائلات عن إيفاد بناتها للتعليم كان لسببيْ

لا علاقة لهما بمقاومة فكرة تعليم الفتاة: سبب مادي، وهو ضيق ذات اليد للإنفاق في الحد الأدنى على الرغم من مبدأ المجانية، وسبب ثقافي هو تفضيل تعليم الذكر على الأنثى، ولا يسمح المجال ههنا بالتوسع في التفسير، وهذا أمر مهم له استتباعات نفسية واجتماعية وأخلاقية ستبرز شيئًا فشيئًا ليتشكل بها نمط

مجتمعي -مُتَوْنَس- قد لا نعثر على شبيه به في البلاد العربية والإسلامية. كان تنظيم الأسرة عنصرًا ثابتًا في المشروع المدني التونسي. و-مجلة الأحوال الشخصية-، التي صدرت في

13 آب/أغسطس 1956، سنة استقلال تونس، تبيّ إصرار بناة دولة الاستقلال على صوغ معالم جديدة

للشخصية التونسية، وإنتاج مشروع مجتمعي يحتكم إلى ضوابط المؤسسة التشريعية والقضائية المدنيتيْ،

ويقطع مع القيم التقليدية في العلاقات الأسرية. ولا شك في أن التعجيل بهذا الإجراء التشريعي ينطوي على وعي حاد لدى النخبة « الحداثية » الحاكمة بخطورة بقاء تلك القيم، والدولة الوليدة تبتغي لنفسها أيديولوجيا اجتماعية جديدة. مع أن بعضهم حاول أن يُدرج هذه المجلة ضمن مشروع تنويري للإسلام ويقدمها باعتبارها محصلة

اجتهاد عصري للنصوص الدينية في مسائل شائكة كالزواج والطلاق والتبنّي والشهادة...، فإن الموضوعية العلمية تقتضي القول إن هذه المجلة كانت مساحة من مساحات الكفاح ضد التخلف بالمعنى الحصري

الذي بيّناه سابقًا. وهي إذ تكون كذلك تندرج ضرورة ضمن الأعمال -الثورية- الكبرى التي ترتسم

بها ملامح المرأة الجديدة في تونس على نحو خاص، وملامح البنى الاجتماعية على نحو أوسع.

ولا ريب في أن النجاح كان مؤكدًا لدولة الاستقلال وللقائمين عليها ساسةً ومفكرين، وهو نجاح حري

(((6 ينبغي الإشارة أيضًا إلى صدور قانون في 14 آذار/مارس 1957 الذي يمنح المرأة التونسية حق التصويت والترشح

للانتخابات.

(64) Ali Mezgheni, «Réflexions sur les relations du code du statut personnel avec le droit musulman classique,» Revue tunisienne de droit (R.T.D.), no. 4 (1975).

بالباحث أن ينتبه إليه جيدًا لأن مقدماته كانت ذات طابع تونسي خالص من ناحية، ولأن انعكاساته على

الفعل السياسي والثقافي اليوم بارزة جدًا. نجحت مجلة « مجلة الأحوال الشخصية »، فصارت عنوانًا للتحديث الاجتماعي في تونس، وعقيدة نهضت

عليها أيديولوجيا التحرر عمومًا وأنتجت على نحو خاص الأيديولوجيا النسوية في تونس كما لم تنشأ

في أي بلد عربي وإسلامي آخر. وصار مجرد التفكير في مراجعتها كالكفر، تتجند لمواجهته جهات كثيرة

باسم الحفاظ على مكاسب المجتمع. ولا عجب في أن يجد الدارس أصواتًا في هذه الجهات تُنزل « مجلة

الأحوال الشخصية » منزلة المقدس. فكما للاتجاهات الدينية فضاؤها القداسي الذي تذود عنه، كذلك

لل-حداثيين- فضاؤهم المقدس يقيمون قواعده بالعقل وفي الأرض. إن كل ما تقدم هو بمثابة التحديات التاريخية والتشريعية والاجتماعية والشرعية التي تنهض في وجه

الإسلاموية التونسية. صحيح إن هذه الإسلاموية أبْدتْ في مستوى الخطاب (الأيديولوجيا) كثيرًا من

المرونة، ودافعتْ عن خصوصية مشروعها المجتمعي. وصحيح أيضًا أن سياق تشكّلها كان مساعدًا

على بروز جيل من الإسلاميين الموصولين، سلوكيًا على الأقل، بالقيم المجتمعية التونسية؛ فهؤلاء هم

في العموم خريجو المدرسة والجامعة اللتين بنى بورقيبة صرحيهما، ولم تنشآ في -معازل- فكرية وتربوية.

ولكن اتجاههم نحو صياغةِ إسلامويةٍ تونسية يحتاج إلى ما فوق الخطاب وما بعد سياق النشأة؛ يحتاج إلى

أطروحة فكرية/فلسفية نسقية تنقل مفردات خطابهم الأيديولوجي من مستوى المَشاهد الاحتفالية أو

الكفاحية إلى مستوى التنظير والعقْلنة، وهذا ما لم يتوافر إلى حد الآن عدا كتابات محدودة لراشد الغنوشي

متمحضة للتأصيل والتدقيق العلمي.

وائل حلاق

الدولة المستحيلة

الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي