رؤية جديدة لشعر المديح عند العرب
A New Vision of Arab Panegyric Poetry
الملخّص
تكتب سوزان ستيتكيفيتش بعُدّة منهجية عميقة، وبروح محبِّة للشعر العربي وللثقافة العربية الإسلامية التي ارتبطت حياتها العلمية والعملية بها، مع أنها ليست ثقافتها الأصلية. هذا فضلً عن أن لها جهدًا مميزًا في التأليف والمؤتمرات والإشراف على الرسائل الجامعية، وفي مجال تحرير المجلات الأكاديمية ذات صلة بالأدب العربي القديم على وجه الخصوص. وقد حصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة شيكاغو سنة 1981 ، وألّفت كتبًا عدة يدور معظمها حول الشعر العربي القديم، من الجاهلي إلى الأندلسي. وترجمت نصوصًا عربية قصائد بروح مميزة قريبة من روح الأصل، إضافة إلى زياراتها العلمية إلى المنطقة العربية، ومشاركتها في بعض المؤتمرات والمناسبات العلمية في مصر والأردن وسورية.
Abstract
Suzanne Stetkevych writes with profound methodological tools and a spirit of love for Arabic poetry and Arab-Islamic culture to which she has devoted her academic career, even though it is not her original culture. She has also written extensively, organized conferences, supervised dissertations, and edited academic journals, particularly those related to classical Arabic Literature. She obtained her doctorate in Arabic Literature from the University of Chicago in 1981 and has written a number of books mostly dealing with classical Arabic poetry from pre-Islamic Arabic to Andalusia. She has translated Arabic poetic texts with a spirit close to the original and has made academic visits to the Arab region and participated in conference and academic events in Egypt, Jordan, and Syria.
- القصيدة
- الشعر العربي
- السلطة
- شعر المديح
- Power
- Arabic Poetry
- Panegyric
- methodological
دراسة في كتاب القصيدة والسلطة لسوزان بينكني ستيتكيفيتش
يبدو اسم البروفسورة سوزان بينكني ستيتكيفيتش)S. P. Stetkevych(مألوفًا لدى المهتمين
بالدراسات العربية الكلاسيكية؛ فهذه الأكاديمية الأميركية (من أصل أوكراني) تختلف عن
كثير من الدارسين والمستشرقين الذين اهتموا بالثقافة العربية والشرقية، سواء من ناحية غلبة نياتها
العلمية وتوجهاتها الأكاديمية المنصفة للأدب والثقافة العربية، أو من ناحية تجنُّبها الوقوع في فخ النظرة
النمطية التي وقع فيها الاستشراق التقليدي على الرغم من اتصاله العميق بآثار العرب وإبداعاتهم،
إلى جانب ما يشعر به القارئ من روح أخلاقية تميل إلى النسبية والتواضع وطرح الرأي من دون أي
ادعاء أو استعلاء أو تعالٍمما ألفناه في عدد كبير من الدراسات الاستشراقية والأجنبية المكتوبة بشأن
الأدب العربي. تكتب سوزان ستيتكيفيتش بعُدّة منهجية عميقة، وبروح محبِّة للشعر العربي وللثقافة العربية الإسلامية
التي ارتبطت حياتها العلمية والعملية بها، مع أنها ليست ثقافتها الأصلية. هذا فضلً عن أن لها جهدًا
مميزًا في التأليف والمؤتمرات والإشراف على الرسائل الجامعية، وفي مجال تحرير المجلات الأكاديمية
ذات صلة بالأدب العربي القديم على وجه الخصوص. وقد حصلت على درجة الدكتوراه في الأدب
العربي من جامعة شيكاغو سنة 1981، وألّفت كتبًا عدة يدور معظمها حول الشعر العربي القديم،
من الجاهلي إلى الأندلسي. وترجمت نصوصًا عربية (قصائد) بروح مميزة قريبة من روح الأصل، إضافة
إلى زياراتها العلمية إلى المنطقة العربية، ومشاركتها في بعض المؤتمرات والمناسبات العلمية في مصر
والأردن وسورية. أبرز كتب سوزان ستيتكيفيتش: - أبو تمام وشعرية العصر العباسي، وقد ترجمه مع مقدمة دراسية مطولة، وبمراجعة المؤلفة نفسها،
حسن البنا عز الدين، وظهر بالعربية بعنوان: الشعر والشعرية في العصر العباسي،
- الصم الخوالد تتكلّم: الشعر الجاهلي وشعرية الطقوس (The Mute Immortals Speak: Pre-Islam
ic Poetry and the Poetics of Ritual)، وهو كتابها العمدة الذي قدمت فيه نظريتها القرائية للشعر
الجاهلي القديم من منظور الطقوس والشعائر. - أدب السياسة وسياسة الأدب، وقد ترجمه حسن البنا عز الدين بمشاركة المؤلفة أيضًا. وهو يتقاطع
ويتداخل مع كتابها الذي نخصص له هذه المراجعة (القصيدة والسلطة)، فكأن الأخير هو صياغة
جديدة وتوسيع للكتاب الأول. وآخر كتاب لها عن شعر المدائح النبوية وصدر عن دار نشر جامعة
إنديانا 2010،
The Mantle Odes: Arabic Praise Poems to the Prophet Muhammad (Bloomington: -
Indiana University Press, 2010)، وهو آخر كتاب لها عن شعر المدائح النبوية، وصدر عن دار نشر
جامعة إنديانا سنة 2010، ولم يتُرجَم بعدُ إلى العربية. وثمة كتب عدة شاركت في تأليفها وتحريرها. وهي وإن كتبت معظم أبحاثها وكتبها بالإنكليزية في ضوء
السياق الذي تعمل فيه، فقد أتقنت العربية وكتبت بها بعض مقالاتها وأبحاثها منذ سنة 1978، كما يظهر
من بحثها المتعلق بشعرية العبور في الشعر الجاهلي والمنشور بالعربية في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق. «تنتمي المؤلفة إلى ما يسمّى مدرسة شيكاغو في دراسة الأدب العربي والفارسي. وتشير مدرسة شيكاغو
الاستشراقية إلى مجموعة من دارسي الأدب العربي والفارسي -من العرب وغيرهم- تتلمذت على
البروفسور ياروسلاف ستيتكيفيتش الذي يمثّل قطب هذه المدرسة وأبًا روحيًا لها». ولا بد في هذا
السياق من أن نشيد بدور الدكتور حسن البنا عز الدين (مصر)، الذي حرص على ترجمة معظم كتب سوزان ستيتكيفيتش وبعض كتب ياروسلاف ستيتكيفيتش، وتقديمها إلى القارئ العربي، ضمن اهتمامه بمدرسة شيكاغو التي نشأت حول عميدها وأبيها الروحي ياروسلاف ستيتكيفيتش، إلى جانب عدد من الباحثين العرب والآسيويين والأجانب الذين تتلمذوا على ياروسلاف أو سوزان، أو آخرين من طلاب هذه المدرسة المميزة. ولذلك، فإن التعريف بسوزان ستيتكيفيتش هو في حقيقته إضاءة لهذه الحلقة
العلمية المميزة التي تقدم التراث العربي وتدرسه بموضوعيه وسط جو معاد إجمالً، عزّ فيه المنصف
البعيد عن الهوى والتوظيف السياسي والأيديولوجي. وقراءة إنتاج أعلام هذه المدرسة ونقلها إلى العربية
(((وضع الدكتور حسن البنا عز الدين ثبتًا وافيًا بمؤلفاتها وأبحاثها في ترجمته لكتابها عن أبي تمام الذي نُشر بالعربية، انظر: سوزان
بينكني ستيتكيفيتش، الشعر والشعرية في العصر العباسي: أبو تمام، البديع، قصيدة المدح، الحماسة، ترجمة حسن البنا عز الدين؛
مراجعة سوزان بينكني ستيتكيفيتش، المشروع القومي للترجمة؛ 1215 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008)، ص.70-68
كما توجد لها سيرة علمية محدثة في شباط/فبراير 2013 على موقع جامعة إنديانا (Indiana University) على شبكة الإنترنت تتضمن
أبرز وجوه نشاطها وكتبها واهتماماتها العلمية.
(((من مؤلفاته المترجَمة: صبا نجد: شعرية الحنين في النسيب العربي الكلاسيكي، وترجمه حسن البنا عز الدين وصدر عن
منشورات مركز الأمير فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض سنة 2004. وترجم سعيد الغانمي كتابا آخر هو العرب
والغصن الذهبي، الذي صدر عن المركز الثقافي العربي في بيروت سنة.2005
(((سوزان بينكني ستيتكيفيتش، القصيدة والسلطة: الأسطورة، الجنوسة والمراسم في القصيدة العربية الكلاسيكية، ترجمة وتقديم
حسن البنا عز الدين (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، مقدمة المترجم، ص.8
مسألة مهمة على المستويين المعرفي والحضاري؛ فهي من جهة تمثّل متابعة ما ينتج من دراسات وأبحاث «أجنبية» تخص الأدب العربي والحضارة العربية، ومعرفة ما يقول الآخرون عن ثقافتنا، وكيف ينظرون إلينا وإلى ذلك الجانب الحيوي من تراثنا. ومن جهة أخرى، نشير إلى ما تفتحه هذه الدراسات -بمناهجها وخلفياتها المعرفية- من آفاق جديدة للبحث العربي في المجالات نفسها؛ فلقد أغلقت أو كادت كثيرًا من
السبل لكثرة ما طرقها الناس وأعادوا القول فيها بالطرق والمداخل والمناهج نفسها. وتساهم مثل هذه الدراسات الجديدة منهجًا ورأيًا في تحريك البحث العربي في ما لو اتصلنا بها وأدرجناها في اهتمامنا نحو
آفاق جديدة نحو محتاجين إليها.
القصيدة والسلطة: الهدف والمنهج
تحدد المؤلفة في مقدمتها الموجزة هدف دراستها بوضوح فتقول: «إن هدفي في الدراسة الراهنة بشكل أساسي هو استيعاب التقليد الشعري العربي الكلاسيكي ضمن الدراسة المعاصرة للثقافة العربية الإسلامية من منظور الدراسات الإنسانية. والأطروحة الأساسية هي أن قصيدة المدح العربية الكلاسيكية الموجَّهة إلى
ممدوح أو حاكم ما، أبدعت، وتضمّنت، وأذاعت أسطورة وأيديولوجية معيّنة عن شرعية الحكم العربي
الإسلامي. وأسعى إلى بيان أن هذه القصيدة شديدة الصلة بصورة جوهرية ومتكاملة بالجوانب السياسية والمراسمية لحياة البلاط وأنها، بعيدًا عن كونها مجرد قصيدة وصفية تعليمية أو متملقة بطريقة مذلة كما زعم
بعض النقاد، تلعب دورًا فعالً في طقوس التبادل والمفاوضات ذات الطبيعة الحرجة، وصنع الأساطير
Mythopoesis في البلاط العربي الإسلامي». وهو، كما يبدو لنا، هدف طموح ينطوي على أكثر من دلالة أو بُعد: فهو ابتداء يجدد النظر في موضوع
المديح الذي تعدّه المؤلفة نوعًا شعريًا قائمً بذاته. وإذا ما تذكرنا تلك الصورة النمطية التي كاد النقد العربي
يسجن فيها شعر المديح، أدركنا أهمية منظور المؤلفة في تكسير الصورة النمطية وتعديلها، بحيث يغدو هذا الشعر متضمنًا قيمة رؤيوية وجمالية قد يختلف القارئ معها أو مع بعض أجزائها، ولكنه في كل حال
سيدرك أنها ليست -بالضرورة- نمطًا من التملق والنفاق والسطحية، وإنما هي تعبير ثقافي وسياسي في آن معًا، وهي تستند إلى «شيفرة» شعرية ودلالية تعدل فيها وفق المقام أو الموقف الجديد الذي واجهته قصيدة
المديح العربي والإسلامي من عصر إلى عصر. أما المنهج الذي يمكن ربط المؤلفة به أو الزعم أنها طبّقته واهتدت بأدواته، فهو مستمد من مبدأ انفتاح
الأدب على العلوم الإنسانية كما صرحت؛ فهي في كل حال تصل النص بسياقه، وتنظر إلى الشعر بوصفه حامل تقاليد وأعراف تتحدر من أصول أبعد ومنابع أعمق، وتتعامل مع الشعراء بوصفهم معبّ ين
(((يبدو الجهد العربي في تتبّع ما يُكتب عن الأدب العربي والثقافة العربية جهدًا فرديًا وقليلً في أيامنا الراهنة، ومن ذلك-على سبيل
المثال-جهد موسى ربابعة في تتبّع الاستشراق الألماني، وجهد إسماعيل عمايرة في مجال الاستشراق واللغة، وجهد صلاح الدين
المنجد في الاستشراق الألماني، وجهد أحمد درويش في التعريف بالاستشراق الفرنسي، وغير ذلك من ضروب الجهد التي تحتاج
إلى أن تتكامل وأن تستوفى نظرًا إلى أهميتها في سياق تحريك الساكن في ثقافتنا الراهنة.
(((ستيتكيفيتش، القصيدة والسلطة، مقدمة المؤلفة، ص.17
تلقائيين عن تلك التقاليد. ويخدمها هذا المنظور من ناحية فهم النص وتحليله، فضلً عمّ تحاول أن تكتشفه
من خلال النص نفسه، وذلك بما تنسبه إلى قصيدة المديح -في هذا الكتاب- من وظائف أيديولوجية وأدائية وطقوسية. استخدمت المؤلفة «أفكارًا معاصرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية كي تستكشف تقليد إنشاء قصائد
المدح وإنشادها بين يدي الحكام العرب المسلمين، في إطار كلٍّ من الملكية المقدسة في الشرق الأدنى القديم، والتوسل والتفاوض، والجنوسة والسلطة السياسية والطقوس واحتفالات الولاء والتقليد والمنافسة على شارة الشرعية الدينية - السياسية». تبدو الخلفية المنهجية للمؤلفة خلفية ثرية وجديدة، نوعًا ما، على الدراسات العربية، فهي تستند إلى دراسات أجنبية، سواء المتعلقة بالآداب الإغريقية القديمة أو بالآداب الأوروبية الحديثة مما له صلة بظواهر مشابهة أو مقاربة لظواهر الشعر العربي. كما تستند إلى دراسات أجنبية واستشراقية كثيرة بشأن
الأدب العربي نفسه، وتفيد من مناهجها ونتائجها، وهذه المداخل إجمالً شبه غائبة عن كثير من الدراسات العربية المعاصرة. وينبغي ابتداء -قبل تقييم عمل المؤلفة والاختلاف أو الاتفاق معه أو مع بعض أجزائه وأفكاره- تقدير هذه الدراسة وتثمينها من ناحية اختلافها وخصوصيتها وإضافاتها الواعية إلى مجمل الدرس العلمي المعني بالقصائد والظواهر الأدبية موضع الاهتمام، إلى جانب ما تقدّمه من نوافذ منهجية يمكن الإفادة منها في قراءة الظواهر نفسها أو ظواهر مشابهة. جمعنا طائفة من الاعتبارات والأفكار المنهجية التي أثّرت في نظرة المؤلفة وفي تحليلاتها، وكنا التقطناها من صفحات متفرقة ومتباعدة من الكتاب، لأن طبيعة كتابها العامة طبيعة تطبيقية. وباستثناء المقدمة الموجزة، ليس ثم حديث مخصوص أو مستقل عن هذه الجوانب المنهجية الحيوية. ومن أبرز تلك الاعتبارات القصيدة والمرويات والأخبار المصاحبة. تتضمن المصادر العربية غالبًا أخبارًا عن الشعراء وعن قصائد أو أشعار مخصوصة لهم في صورة أخبار
ومرويات سردية، يمكن التذكير بأمثلة جليلة لها مما ورد في موسوعة كبيرة ككتاب الأغانيلأبي الفرج
الأصفهاني. وخلافًا للنظرة «التاريخية» إلى مثل هذه الأخبار، فلقد عدتّها المؤلفة مادة سردية أدبية تمثّل
بذاتها شكلً أدبيًا مصاحبًا للقصائد، وفضّ لت أن يكون «تناول الأخبار النثرية حول القصيدة والشاعر
بوصفها شكلً أدبيًا أكثر منها حقيقة تاريخية. ولهذا المدخل مزية عدم الاضطرار إلى الاختيار بين الأخبار
التي تتعارض أو تتناقض فيما بينها، بل إنه يسمح لنا أن نقرأ الروايات المختلفة للخبر الواحد لصالح التفسيرات المختلفة للقصيدة الواحدة ولأخبار قائليها». وكثيرًا ما لاحظت أن هذه الأخبار أو
المرويات ولدت من النص نفسه، أي إنها لاحقة للقصيدة وليست سابقة أو مصاحبة لها. ولذلك، فإن قراءتها تتم في ضوء اعتبارها حبكة أدبية أو سردًا أخباريًا يتداخل مع القصيدة ويساعد على وضعها في
(((المصدر نفسه، ص.17
(((المصدر نفسه، ص.26
سياقها الثقافي ووظيفتها الأيديولوجية والجمالية، بعيدًا عن الجانب التاريخي التحقيقي للحوادث الواردة في الأخبار. تفيد سوزان ستيتكيفيتش من النظرية الشفاهية من ناحية منطلقها أو فكرتها عن موثوقية النص الشعري الجاهلي، لأنه «بطبيعته نص قابل للتذكر بصورة جوهرية من خلال القافية والوزن والصيغ النحوية المتكررة
والأساليب البلاغية، ومن ثم فإنه أكثر ثباتًا من الأخبار النثرية التي تروى حوله». واستكمالً لذلك، استعارت المؤلفة من باحث الكلاسيكيات غريغوري ناجي فكرته عن «التحويل الأسطوري للشاعر في أثناء عملية جمع التقاليد الشعرية المحلية في إطار الشعر الإغريقي»، ونقلت تطبيقها إلى الشعر العربي القديم. وملخص هذه الفكرة، كما في اقتباسها عن ناجي: «إن هوية الشاعر، بوصفه منشئًا للقصيدة، تأخذ
صورة أكثر نمطية وأكثر بعدًا عن واقع هويته الذاتية في أثناء عملية إنشاد القصيدة... فما إن يفلت عامل الإنشاد من سيطرة الشاعر، وبصرف النظر عما إذا كان لدى منشدي شعره أسلوب متّبع في رواية أخبار عنه بوصفه صاحب القصيدة، يصبح الشاعر، مع ذلك، أسطورة، وعلى نحو أكثر دقة، يصبح الشاعر جزءًا من أسطورة، وتستوعب بنية صنع الأساطير هويته الذاتية». ولا شك في أن هذه النظرة إلى لحظة
التحول الأسطوري للشاعر هي ممّا يؤدي إلى ولادة جملة الأخبار والمرويات السردية التي تحمل تفصيلات
تلك الأسطورة، وهذا يساند منظور المؤلفة في نظرتها إلى ثبات القصيدة في مقابل تكوّن الأخبار وتزايد
المرويات الأسطورية - السردية عن الشاعر وشعره. كما أن المؤلفة أفادت من دراسات كيفن كروتي وسيمون غولدهيل عن شعرية التوسل والتفاوض في مجال
الدراسات الهومرية والكلاسيكية، فتابعت كروتي في اعتبار التوسل شكلً من أشكال المراسم والمِدحة، وأضافت إلى ذلك أنه «شكل من أشكال الشعائر». وتابعت غولدهيل في استخلاصه العميق للعلاقة بين الشاعر والسلطة: «يعد التوسل مسألة حياة أو موت، حيث يسعى المهزوم إلى السيطرة على القوة المطلقة للمنتصر على القتل...إن التوسل التماس لتقييد استخدام القوة، وهو التماس لعلاقة تبادل من أجل تحديد علاقة الهيمنة». وكانت هذه الفكرة هي الأساس تقريبًا في تحليلها اعتذاريات النابغة
الذبياني في العصر الجاهلي. من الخلفيات المنهجية أيضًا تطبيق الباحثة مفهوم تبادل الهدايا (استعارته أو أفادته من مارسل ماوس)،
وقد ظهر في تحليلها أو قراءتها قصيدة النابغة الذبياني التي يكفّر فيها عن خطئه، معتذرًا من النعمان بن
المنذر، وعمّقت تطبيقه في تحليلها قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير. وشرحت شيئًا من تبنّيها هذا
المفهوم بقولها: «يبادر الشاعر/اللامنتمي إلى عملية التفاوض هذه، من خلال إعلان الخضوع والولاء والتوسّل وتقديم هدية- أي القصيدة ذاتها في عملية طقسية واضحة... وهكذا، فإن قبول الممدوح رجاء
الشاعر ومنحه عطيته بوصفها هدية مقابلة يشير ويرمز إلى قبوله قربان الولاء من قبل الشاعر في الوقت
(((المصدر نفسه، ص.26
(((ستيتكيفيتش، القصيدة والسلطة، ص.26
(((1 المصدر نفسه، ص.53
الذي يصوّر ويؤكد الفضائل المنسوبة إلى الممدوح. أي إن على الممدوح إذا أراد أن يقبل هدية المدح أن
يدفع في مقابلها جائزة أو هدية ».... وأفادت الباحثة في تحليلها مطالع القصائد من دراسات ياروسلاف ستيتكيفيتش وحسن البنا عز الدين في مجال تحليل مفتتح القصيدة بالغزل أو النسيب. واستعارت بعض تحليلات وملاحظات جيان بياجو كونته عن بدايات (مطالع) القصائد اليونانية واللاتينية، ونقلت تأثيرات من تلك التحليلات إلى مطالع
القصائد العربية. واستعارت أيضًا مبدأ النمط الثلاثي لطقس العبور لدى أرنولد فان جِنب، وهو يتمثّلِ في ثلاثة أركان هي: «الانفصال، الهامشية، والتجمع»، وتطابق ذلك مع الأقسام الثلاثة للقصيدة العربية: النسيب، الرحلة، المديح والتوسل والاعتذار. وفي السياق نفسه، تفيد من فكرة «النمط الموسمي الثنائي لدى تيودور غاستر المكوّن من: التفريغ ‹الإماتة والتطهر› والملء ‹الإنعاش والابتهاج›، مع تركيز هذا
النمط على انقطاع صلة معقودة بالحياة وإقامة صلة أخرى ب‹الموت والبعث»›. ليس ما أشرنا إليه غير أمثلة دالة لا تستقصي أبعاد الكنز المعرفي الذي جمعت أطيافه من باحثين في الشرق والغرب، ولكنها صاغت تلك الخيوط ونسجتها ضمن نظرة وحّدت بين أطرافها، فتداخلت في عمل
المؤلفة على نحو فريد، يدل على عمق صلتها بمرجعياتها من جهة، وعمق اتصالها بالشعر العربي نفسه من جهة ثانية. على وجه الإجمال، تبدو لنا حيوية هذه الخلفيات والأفكار التي وظفتها المؤلفة، مستفيدة من دراسات سابقة لها ولغيرها تتعلق بتلك الحقول الثقافية المهمة. ومنهجها بصورة عامة أقرب ما يكون إلى ما يدعى اليوم بالمنهج الثقافي الذي يضم تلك الخلفيات التي أشارت إليها، ويسعى لتجاوز حدود النقد الأدبي بصورته التقليدية أو المكرّسة. ولكنها تمتاز أيضًا في تحليلاتها وتطبيقاتها بتلك الحيوية والجمالية التي تربط
الرؤيوي بالفني والبلاغي، وتعمِّق العلاقة بين مدلولات القصيدة وعدتّها البلاغية، ناظرة إليها نظرة
تكشف عن وحدتها من خلال شكل ثلاثي (النسيب، الرحلة، المديح أو التوسل..) أو شكل ثنائي بإسقاط أحد القسمين الأولين. وهي، وفق هذه النظرة، تنطلق من وحدة القصيدة وتحترم ترابطها وبناءها الكلي، إلى جانب الربط بين مقولاتها الفكرية وعدتّها البلاغية، وتتجاوز في ذلك كله صنيع نقادنا القدامى الذين اكتفى معظمهم بالأبعاد البلاغية المجردة، فمالوا إلى تجزئة القصيدة وتمزيقها إلى مجموعة شواهد بلاغية، وأحيانًا اختيار أبيات محدودة هي الأبيات التي توفر حاجة الناقد والبلاغي من الشواهد البيانية الجزئية. وأمّا جمعها بين الرؤيوي (المضموني) والجمالي (البلاغي)، فقد خلصها أيضًا من تغليب بُعد على
آخر، كما يحدث عادة في كثير من نماذج نقدنا المعاصر الذي يسقط ضحية الاهتمام المبالغ فيه بالموضوع، أو الاهتمام بالشكل والبلاغة على حساب الجوانب الأخرى.
(((1 المصدر نفسه، ص.41-40
(((1 المصدر نفسه، ص.80
عرض ومناقشة
مما يُذكر للمؤلفة أيضًا أنها بنت دراساتها، التي تكونت منها فصول الكتاب السبعة، على اختيارات شعرية
محددة وملائمة للأطروحة الأساسية للكتاب. وتمثّل تلك الاختيارات موضع الدراسة عصورًا عربية
متتابعة، قاعدتها وأساسها «العصر الجاهلي» الذي تنظر إليه المؤلفة بعيدًا عن نظرية الوضع والنحل الشهيرة، وتتعامل معه ومع أخباره وأدبه بمنظور قريب من موقف أصحاب النظرية الشفاهية (زويتلر ومونرو على سبيل المثال) ممن مالوا إلى توثيق الشعر الجاهلي، وفصّلوا القول في مبادئ الشفاهية وتقاليدها
وآثارها على الشعر العربي. بهذا التناول تقترح المؤلفة ضمنيًا اتجاهًا ملائمً في دراسة الشعر والأدب العربي، بحيث لا يتم تقطيع
العصور تقطيعًا سياسيًا بحجة الدراسة التاريخية، وإنما ضرورة أن تقوم دراسات من هذا النوع بمتابعة
بعض الثيمات والأفكار والخيوط المهمة العابرة للعصور التاريخية لتتسنى ملاحظة التحول والتطور الأدبي، وهو ما لا يبين في الدراسات المخصصة للعصور بحسب التقسيمات الرائجة في دروسنا المعاصرة للأدب القديم. الجامع العام بين الفصول هو غرض المديح الذي تدرسه المؤلفة دراسة جديدة، في ضوء علاقة القصيدة
بالسلطة، بعمق واتساع غير مألوفين في ما نعرفه من دراسات تناولت هذا الغرض «التقليدي». أمّا الج دة
في التناول، فمبعثها الخلفية المعرفية والمنهجية المختلفة اللتان دخلت منهما المؤلفة إلى القصائد العربية، إلى جانب الفهم العميق للنص العربي، وما يلحظه القارئ من اجتهاد الباحثة في مراجعة الشروح والمعاجم والبُعد عن التسرع في فهم دلالات النص. وعلى الرغم من صعوبة الشعر القديم حتى على القارئ العربي
المتخصص، حرصت المؤلفة على محاورة القصائد المدروسة محاورة متأنية طويلة تظهر بوضوح في طول زمن تأليف هذه الدراسات والفصول؛ فقد أنجزت في قرابة عقد من الزمان هو العقد الأخير من القرن العشرين، وتفرغت لإنجاز أكثرها عبر منح علمية متعددة، وهو ما يذكّرنا في العالم العربي بأهمية دعم البحث العلمي من جانب الجامعات والمؤسسات المعنية بجدية، وبعيدًا عن الدعم والتفرغ الاسمي غير المطبَّق بشكل جاد. وتشهد عتبة «الشكر والتقدير» التي حرصت المؤلفة على إثباتها في صفحتين
(24-23) على دور السياق الجامعي والبحثي في دعم جهد الباحثين، سواء ما يتعلق بدعم المؤسسات التي توفر الدعم المالي وفرص السفر، أو، بالنسبة إلى المؤلفة، زيارة بعض الأقطار العربية في إطار إنجاز أبحاثها، وكذلك الدعم العلمي والمعنوي المشجع والمعاون من الأساتذة والزملاء المتخصصين، وقد سمّت عددًا منهم ووجهت إليهم شكرها. كل ذلك يذكّرنا في معظم الجامعات العربية بالأعباء الكبيرة
التي تُثقل كاهل الأستاذ الجامعي، وبإشغاله بكثرة الدروس والأعمال الإدارية والتعليمية الكثيرة، وبعدم توفير مظلة راعية للبحث العلمي إلا على مستوى الشعارات والأقوال لا الأفعال. ويشهد كتاب سوزان ستيتكيفيتش على أن إنجاز بحث أو كتاب جيد هو نتاج بيئة علمية ناضجة لا مجرد عمل فرد ينجزه باحث ممتاز فقط.
لم تقصْر المؤلفة كتابها على عصر واحد، كما أشرنا، وإنما قصرته على ثيمة واحدة أو نوع شعري فرعي واحد
هو «المديح»، مع محاولة تتبّعه في عصور مختلفة لتدلل على حياة هذه الثيمة وتحولاتها، مع بقاء روحها أو
نسغها حيًا على مر العصور. فبدأت في فصلها الأولبالعصر الجاهلي، وتناولت المديح والاعتذار عند
النابغة الذبياني في قصيدتين مشهورتين تتصلان بالنعمان بن المنذر، ملك الحيرة الذي اشتهر بلاطه باستقبال
شعراء الجاهلية وبالمحاولة المبكرة لاحتوائهم والتأثير في اتجاهاتهم الشعرية. وكان اقترابهم منه وحياتهم في
بلاطه مناسبة سانحة لتثبيت قواعد شعر المديح، بما ينطوي عليه من علاقة الشعر والشاعر بالبلاط وبنظام
الحكم، وبتأسيس العلاقة الأقدم للقصيدة العربية بالسلطة (السياسية) والخوض معها لغويًا وسياسيًا في
لعبة غير مأمونة دائمً. وجعلت المؤلفة تلك المرحلة الجاهلية نموذجًا مرجعيًا ظل الشعراء يستندون إليه
ويعدلون في قواعده بما يناسب أحوالهم وعصورهم. في الفصل الثاني، وقفت الباحثة عند بردة كعب بن زهير بن أبي سلمى، أو لاميته التي أعلن فيها إسلامه،
بعد مرحلة من المواجهة والهجاء للإسلام والمسلمين، وما روي عن إهدار دمه بسبب خطيئته وخطئه
الفادح بهجاء النبي الكريم ﷺ ودعوته. ووفق منهج سوزان ستيتكيفيتش، جاءت اللامية لتكون قصيدة
التكفير عن الذنب أو الخطيئة، كما ربطتها بالخبر المروي عن إهداء النبي الكريم بردته النبوية لكعب رمزًا
لحمايته في قصة طقسية تنطوي على بلاغة طقوس تبادل الهدايا والفداء والحماية. وبهذا المعنى تبدو لامية
كعب بن زهير قصيدة مفتاحية مهمة رافقت بدايات الإسلام والتحول من الجاهلية إلى الإسلام، ويظهر
فيها كعب بن زهير معبًّا عن ذلك التحول بعمق على مستوى المرحلة كلها وليس حالة فردية معزولة.
وقالت المؤلفة في إيجاز أطروحتها عن هذه القصيدة: «تقوم مناقشتي على أساس أن قصيدة بانت سعاد
لكعب بن زهير تؤسطر إعلان الشاعر إسلامه، بحيث يمكن أن يرمز إلى تحول عرب الجاهلية الوثنيين
إلى الإسلام، كما يجسد، علاوة على هذا استسلام التقليد الشعري الجاهلي للدِّين الجديد أو استغلال هذا
الدِّين له. ومنذ هذه اللحظة فصاعدًا، يصبح التقليد الشعري العربي، وخصوصًا قصيدة المدح، التعبير
الأدبي المراسمي الأساسي عن الشرعية العربية - الإسلامية والولاء لها. وتصبح قصيدة ‹بانت سعاد›
تعبيرًا عن الخضوع للإسلام والإخلاص للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لدى الأتقياء من المسلمين في
كل الدنيا». ووقفت المؤلفة على قصائد الأخطل التغلبي في مدح الحقبة الأموية في الفصلين الثالثوالرابع، وذلك
في سبيل «تسليط الضوء على الحقبة الأموية بوصفها اللحظة الثقافية الحاسمة التي أصبحت فيها قصيدة
المدح الوسيلة الأساسية للتعبير عن أفكار عربية وإسلامية للولاء السياسي وشرعية الحكم على وجه
الخصوص، وبوصفها، في المقابل، اللحظة التي أصبحت فيها قصيدة المدح الجاهلية النموذج والمعيار
الذي تقاس عليه القصيدة العربية الإسلامية». وبهذا الوعي تربط المؤلفة شعر الأخطل وقصيدة المدح
الأموية بما سبق من مراحل الشعر العربي، كما تهيئ لارتباط شعر هذه المرحلة بالحقب اللاحقة من خلال استمرار نوع المديح وتكريس تقاليده.
(((1 ستيتكيفيتش، القصيدة والسلطة، ص.80-79
(((1 المصدر نفسه، ص.113
في دراستها عن الأخطل، تكشف بوضوح عن نظرتها الأجناسية للمديح بوصفه نوعًا أدبيًا «في ضوء
تعريف جيان بياجو للنوع الأدبي بأنه: النظام الرابط بصورة ثابتة بين مكونات أيديولوجية وموضوعاتية معيّنة، وبين بنيات تعبيرية خاصة». وبهذه النظرة الأجناسية، لم يعد المديح موضوعًا أو ثيمة جزئية،
وإنما غدا نوعًا خاصًا توحد بين نصوصه ونماذجه عناصر ترقى إلى مستوى الحفاظ على النوع الأدبي
واستمراره. وترى أن استمرار هذا النوع ينطوي على فكرة أيديولوجية إمبراطورية هي إمبراطورية الحكم الإسلامي آنذاك، وينقلها، وغدت مهمة هذا النوع هي التعبير عنها ونشر أيديولوجيتها الخاصة في صورة من صور اللقاء الحميم بين النوع والمادة أو الفكرة التي ينهض بمهمة إنجازها. يبقى سؤال مهم في نظري يتعلق بهذا القسم من الكتاب: لقد أيد الحكمَ الأموي كثيرٌ من الشعراء كما
عارضه آخرون من شعراء الخوارج والشيعة والزبيريين وشعراء الأحزاب والفرق المناهضة للحكم الأموي. وإذا ما تذكرنا أن الأخطل ظل على الديانة المسيحية، ككثير من أبناء قبيلته تغلب، فلنا أن نتساءل عن مدى التلاؤم بين فكره الديني وإمكانية أن يكون الشاعر الأكثر تعبيرًا عن الحقبة الأموية وعن نظام
الحكم الإسلامي آنذاك؛ فهو إمّا أن عامل الدِّين عنده ضعيف إلى درجة أنه لم يؤثر في شخصية الشاعر
نفسه، وأن الأخطل في حقيقته «إسلامي» الثقافة والانتماء على الرغم من ديانته المسيحية، وإمّا أن نفترض
ضعف العامل الديني في الدولة أو نظام الحكم بحيث إنه يريد مؤيدين ومدافعين، بصرف النظر عن عامل
الدِّين أو تأثيره. فهل حقًا واصل الأخطل التقاليد الجاهلية القبلية في المديح، وكأن الإسلام لم يغير شيئًا في العرب ولم يطوّر في فكرهم وأيديولوجيتهم؟ وهل بمقدور شاعر غير مسلم أن يعبّ تعبيرًا ملائمً عن
أيديولوجية الحكم الإسلامي مهما تكن قدرته الشعرية؟! كل ذلك يحتاج إلى المناقشة وإلى وقفة طويلة لا يمكن إغفالها في دراسة ثقافية فكرية من هذا النوع. ولو أن المؤلفة اكتفت بفصل واحد للأخطل واختارت في الفصل الآخر شاعرًا آخر من الشعراء المسلمين المؤيدين لبني أمية، لانكسرت حدّة هذه الصورة، ولما
تساءلنا عن تلاؤم الأخطل فكريًا مع السلطة أو الدولة التي يعبّ عنها. والأمر الآخر أن الشعر السياسي
والمذهبي المعارض للحكم الأموي الناقض لأيديولوجيته كان محتاجًا إلى الوقوف عنده، ولو بإيجاز، لأنه
يمثّل الوجه الآخر لهذه الأيديولوجيا من ناحية نقضها ونقدها، فضلً عمّ ينطوي عليه هذا العمل من
إبراز ردود شعراء بني أمية على الأصوات المعارضة في شعرهم، والحجج التي قدموها أو اخترعوها في أحقية بني أمية بالخلافة؛ فمثل هذه الصورة لا تبرز إلا بوجهيها: الداعم والناقم، المؤيد والمعارض، فكان من المفيد للدراسة استكمال صورة الخطاب الأيديولوجي للأخطل، ذلك الخطاب المؤيد للأمويين، بخطابات شعرية دافعت عن الاتجاهات السياسية المناهضة لهم، كخطاب شعراء الشيعة وشعراء الزبيريين
وشعراء الخوارج، وغيرهم ممن مثّلوا ظواهر مهمة في سياق الشعر السياسي الإسلامي. وقد لا يقع شعر
هؤلاء في إطار المديح، ولكنه يتصل اتصالً وثيقًا بمبدأ الشعر والسلطة، وهو هنا الشعر المناهض أو المخالف لها، وقد يكون في تناوله ما يعمّق هذه الثنائية إلى جانب نموذج الشاعر المداح أو المتوسل أو
المتماهي مع الخطاب السلطوي.
(((1 المصدر نفسه، ص.113
انتقلت المؤلفة في الفصلالخامسإلى الحقبة العباسية، ووقفت في دراسة واحدة عند أبي العتاهية وأبي تمام، واختارت في وقفتها مع أبي العتاهية قصيدته القصيرة (أحد عشر بيتًا) التي أنشدها المهدي
ومطلعها: ألا ما لسيدتي ما لها
أدلا فأحمل إدلالها وقد لاحظت المؤلفة أن القصيدة -على بساطتها وقصرها وخفتها- تمتاز ب«جمالها الفني، بل بحسها الفكاهي وبإيجازها، وطاقتها المدحية العالية، ذلك أن أبا العتاهية يستحضر باختصار بارع كل التقاليد الفنية الجوهرية لقصيدة المدح الإسلامية بقسميها: النسيب والمدح». ورأت في موقع آخر من تحليلها أن «سحر هذه القصيدة وكفاءتها (ينبعان) من فكرتها الجوهرية المتحكمة فيها: استخدام الغزل من أجل أداء وظيفة قصيدة المدح، وفي عبارة أخرى استخدام شكل غنائي غزلي خفيف للتعبير عن قوة الحاكم المطلق». وتختار في الفصل نفسه القصيدة الشهيرة لأبي تمام (فتح عمورية - السيف أصدق أنباء) في مديح الخليفة المعتصم عندما غزا الروم وفتح عمورية، استجابة لصرخة امرأة مسلمة اعتدى عليها الروم في ما تقول الأخبار. وتحليلها لهذه القصيدة تحليل شائق كسائر تحليلاتها، لولا بعض التأويل البعيد في مواضع محدودة، منها ما فهمت أنه تلميح إلى وصف عمورية بالأم العذراء وربطها ذلك بالسيدة مريم عليها السلام، واستنتجت أن هذه الإشارة «اللئيمة» مبعثها الأصول المسيحية لأبي تمام نفسه، وهو تأويل بعيد في نظرنا عن منطوق الشاعر، وهو بريء منه، بل إن قصيدته تخلو في نظرنا من أي إشارة دينية، فلا صلة للدِّين
بالعداء والغزو، وقد أفاضت الكتب التاريخية في أخبار هذه الموقعة وكشفت عمّ سبقها من اعتداءات
الروم على بلاد المسلمين، وجاء تأريخ أبي تمام لها في ضوء هذا الصراع من دون أن يتجاوز ذلك إلى أي إشارات دينية. الأمر الآخر ذلك البُعد الجنسي والجنوسي الذي شددت عليه الباحثة عبر قراءة ملتوية -في نظرنا- لبعض
الألفاظ والصور؛ فليس بالضرورة أن يفضي خطاب الانتصار والقوة لينتهي إلى خطاب القوة الجنسية أو الفحولة عبر الرغبة في اغتصاب النساء الروميات، وفق تحليلها. وفي الفصل السادسوقفت عند المتنبي في ثلاث قصائد من مدائحه. أُولاها قصيدة (لكل امرئ من
دهره ما تعودا) وقد أنشدها في تهنئة ممدوحه الأثير سيف الدولة الحمداني أمير حلب في عيد الأضحى.
والقصيدة الثانية قصيدة شهيرة أنشدها كافور الإخشيدي بعد رحيله من حلب إلى مصر (كفى بك داء
أن ترى الموت شافيا) واتخذتها الباحثة مثالً ل «كيفية استعمال الشاعر معاني القصيدة وبناءها التقليديين
لأداء عملية نقل الولاء». وتستدل في تحليلها القصيدة الثالثة (عيد بأية حال عدت يا عيد) على كيفية تعبير
المتنبي عن إلغاء الولاء وشعائر التخلي. ومما يُحسب للمؤلفة في هذا الفصل انتباهها لقصيدة الهجاء وما
(((1 المصدر نفسه، ص.200
(((1 المصدر نفسه، ص.203
تختزنه من طاقات ودلالات تكمل ما يظهر في قصائد المديح، فهي وإن كانت ظاهريًا على الأقل من النوع
المضاد، فإنها لا تبعد عن الطقوسية والأدائية التي كثيرًا ما فتشت عنها الباحثة في الشعر العربي. أما في الفصلالسابع (والأخير)، فقد نقلت اهتمامها إلى الأندلس، فاختارت قصائد لثلاثة شعراء أندلسيين في موضوع التهنئة بالعيد، وهو اختيار متقصد بهدف الربط بين القصيدة والبُعد الطقوسي الذي تستدعيه
التهنئة وما يصاحبها من احتفالات وطقوس يبدو الشعر شريكًا فيها. واثنتان من القصائد الثلاثة قيلتا في مناسبة واحدة وهي الاحتفال بعيد الفطر في قرطبة سنة 363 ه، إحداهما للمهند البغدادي والأخرى لابن شخيص، وقد وجهت القصيدتان لممدوح واحد هو الحكم الثاني المستنصر. والقصيدة الثالثة قصيدة ابن دراج في مدح الخليفة سليمان بن الحكم وتهنئته بعيد الأضحى سنة 403 ه.
ملاحظات عامة
الملاحظة الأولى: يتقاطع عدد من الدراسات/الفصول في كتاب القصيدة والسلطة مع كتاب سابق ترجمه حسن البنا عز الدين للمؤلفة نفسها بعنوان أدب السياسة سياسة الأدب ونشُر بالعربية سنة 1998. والمقارنة بين الكتابين تفضي إلى أن دراسات (أدب السياسة..) جميعها مضمنة في الكتاب
الجديد (القصيدة والسلطة) باستثناء أُولاها، وهي بائية علقمة بن عبدة (طحا بك قلب في الحسان طروب)؛ فقد غاب هذا الفصل وظهر في موضعه من العصر الجاهلي تحليل المؤلفة لقصيدتين من اعتذاريات النابغة الذبياني. وهناك إضافات في الكتاب الجديد: الفصل الثالث والفصل الرابع المخصصان لشعر الأخطل، والفصل الخامس المخصص لأبي العتاهية وأبي تمام. وأمّا ما عدا ذلك،
فتعديلات طفيفة تجعل من الكتاب طبعة جديدة منقحة ولكنها لا ترقى به إلى أن يكون كتابًا جديدًا
كل الجِدة. ولم أجد في مقدمة المترجم-على الرغم من حرصه على الدقة- أي توضيح أو إشارة تفصح عن الصلة بين الكتابين. وكان من الحق الإشارة الواضحة إلى ذلك وصوغ مبررات تسوغ إعادة النشر بعنوان مغاير، والإشارة إلى ما لحق هذه الدراسات من تطوير وتغيير على سبيل المثال، وهو توضيح لا يضير المترجم ولا المؤلفة، بل هو ضروري لفائدة القارئ، وعدم وقوعه في الظن بأنهما كتابان مختلفان تمام الاختلاف. الملاحظة الثانية: تساهم دراسة سوزان ستيتكيفيتش في «تحسين» صورة شعر المديح عبر تحميله أبعادًا
ووظائف جديدة لم تنتبه إليها الدراسات السابقة، وذلك عبر قياس المديح «العربي» على مدائح وأشعار
بلاطية عرفتها الباحثة في ثقافات أخرى. وقد لا يكون القياس صائبًا أو دقيقًا تمامًا كما هي الحال في مثل
هذه المقايسات بين الأمم، ولكنه ليس قياسًا خاطئًا في الوقت نفسه، بل يفتح كوة جديدة لقراءة نوع
أو غرض استهلك قدرًا كبيرًا من الشعر العربي، ومن الظلم الازورار عنه والنظر إليه باستخفاف وقلة
اكتراث، بل وبقدر من الاستياء والاحتقار في أحيان كثيرة. هذا التحسين لصورة المديح وهذه النظرة
(((1 سوزان بينكني ستيتكيفيتش، أدب السياسة وسياسة الأدب: التفسير الطقوسي لقصيدة المدح في الشعر العربي القديم، ترجمة
وتقديم حسن البنا عز الدين (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1998
الجديدة مفيدان لقراءة هذا النوع قراءة جديدة حتى لو لم تتفق تمامًا مع منظورات سوزان ستيتكيفيتش ولم
تنطلق من خلفياتها المنهجية ذاتها. إن معظم ما تقوله سوزان ستيتكيفيتش طيب وممتع، ويجد فيه القارئ العربي روحًا جديدة للبحث، ولكن
لا بأس في بعض التقييدات والتساؤلات حتى لا يظل ما تطرحه مفتوحًا من دون تقييد أو مساءلة: فهي
تدرس جوهريًا غرض المديح، وذلك الغرض أو النوع -كما تحب أن تنظر إليه- شديد الشيوع في الشعر
العربي، وهو بشيوعه ذاك يصعّب التعميم بأنه في كل حال كان أيديولوجيًا وثقافيًا وجزءًا أصيلً من
خطاب متصل بالسلطة تفاوضًا أو توسلً أو تحسينًا لوضعية الشاعر أو الجماعة التي يعبّ عنها. ولا نمانع
في أنها ترفع من شأنه وتقلل من سلبية النظرة إليه، وتؤسس منظورًا لاكتشاف شعريته، ولكن علينا أن
نتذكر أنه لم يقتصر على سلطة الخلفاء ولا على السلطات القوية المستحقة والراعية للخطابات الأدبية المساندة لها، وإنما امتد إلى مديح سلطات متنوعة تتجاوز الخليفة إلى أطياف من الزعماء المحليين والأغنياء والولاة والقادة، وغيرهم. وتبدو الفكرة الأخرى المتصلة بالتكسب غير ممحوة أو مستبعَدة تمامًا كما
أوحت ستيتكيفيتش في تحليلاتها. ولعل المديح وشقيقه الهجاء استُعملا استعمالً تكسبيًا كعمل لكسب
العيش، كما في حالات معروفة (الحطيئة مثلً.) الشاعر يعي سلطته، وخصوصًا في زمن ارتفاع شأن الشعر، فالتكسب غير مستبعَد تمامًا عند عدد
وافر من الشعراء. ويمثّل شعر المديح في بعض العصور، وخصوصًا العصور المتأخرة، مثالً لسقوط
مؤسسة الشعر والشعراء وتحوُّل الشاعر إلى صيغة تكسبية جعلت من المديح نوعًا «تسوليًا» لا «توسليًا»
أو طقسيًا كما حاولت المؤلفة أن تحاجج في تحليلاتها. وقد تكون الاختيارات التي وقفت عليها ملائمة
لما أرادته، ولكن تمام الصورة باستدعاء المسكوت عنه في قصائد أخرى كثيرة يقلل من الإطلاق الذي أصرت عليه. الملاحظة الثالثة: تتفاوت درجة الإقناع في الدراسات، بل من جزء إلى جزء، وهي وإن بدت معقولة
متماسكة في أكثر الأحيان، فإنها لم تخلُ في بعض الأحيان من آلية أو ميكانيكية؛ فلقد بدت ثنائية الخطيئة
والتفكير مفتاحًا مقنعًا لقصيدتي النابغة الذبياني، وتمثّلت الخطيئة في قصيدته التي يقال إنه تغزل فيها
بالمتجردة زوجة النعمان. وإذا قرأنا أبيات الغزل المادي والنسيب المكشوف، أدركنا الخطيئة التي وقع فيها الشاعر؛ فالتعرض لحريم النعمان تعرُّض لسلطته، وتأتي القصيدة الاعتذارية تكفيرًا عن القصيدة الأولى،
مع بلاغة خاصة بإنكار الذنب والجريمة. ولقد كررت المؤلفة هذه الثنائية جزئيًا في إنشاد الأخطل قصيدته
(خف القطين) لعبد الملك بن مروان، ورأت أنه ارتكب خطيئة بطلبه شرب الخمر في مجلس الخليفة، ولما
لم يُعطَ ما أراد وتعرض لشيء من التقريع، خرج من المجلس. ولكن الخبر جعله يتزود بالخمر من أحد
الخدم في القصر نفسه، وبهذا يناقض الخبر حوادثه حتى من الناحية الأدبية، فالخمر وفق ذلك متوافرة وفرة واضحة وليست ممنوعة أو نادرة في القصر، وبمقدور خادم أن يسقي الشاعر ما يشاء من قداح، فيشرب
ثم يعود إلى المجلس لينشد قصيدته التي تكفّر عن خطيئته. ونحسب أن الثنائية -الخطيئة والتكفير- غير
متحققة بدرجة كافية في حالة الأخطل، فضلً عن أن الشاعر جاء وقصيدته جاهزة لا علاقة لها بموقف
الخمر كله، سواء أكان له أصل تاريخي (وهو أمر نستبعده) أم كان ملفَّقًا. ومعنى هذا أن ليس بالضرورة أن تنطوي قصيدة المديح على هذه الثنائية، وليس لزامًا على الناقد أن يضطر إلى تضخيم دلالة بعض
النصوص والأخبار ليحقق وجود الثنائية المذكورة. ربما يكون بعض الاستشهادات غير دال أو غير موفَّق أحيانًا، من مثل استناده إلى خبر دريد بن الصمة
لإثبات فكرة أن إسلام بجير بن زهير (شقيق كعب) يمثّل خيانة لقومه بحسب المنظور الجاهلي، فقال أحد الاستشهادات: «ومما يدل على أن إسلام بجير يعد حسب التقاليد الجاهلية خيانة لقومه أبيات لدريد بن الصمة الشهيرة، وكان دريد فارسًا من فرسان العرب. وقد رفض الدخول في الإسلام: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلا في ضحى الغد فل عصوني كنت منهم وقد أرى
غوايتهم وأنني غ مهتد وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد» (٩١) تعليقنا على هذا الاستشهاد أنه لا يتصل من قريب أو بعيد بقصة بجير وكعب ودخولهما الإسلام، وليس للأبيات صلة بامتناع دريد عن الدخول في الإسلام ولا بفكرة الخيانة، وقد قيلت الأبيات المذكورة قبل الإسلام في سياق الحروب القبلية، وهي أساسًا من قصيدة رثائية يبكي فيها دريد أخاه القتيل في موقعة
من أيام العرب وحروبهم. وجُلّ ما فيها التشديد على الفكرة القبلية الجاهلية من ناحية تبعية الفرد لقبيلته
والتزامه حكم الجماعة ووضع رأيه الشخصي جانبًا. والاستشهاد بالأبيات لا يحقق -في نظرنا- الهدف
الذي تطلعت إليه الباحثة. الملاحظة الرابعة هي بخصوص المصادر والمراجع، فنحسب أن طائفة مهمة من المراجع العربية غابت عن الباحثة، وهي ما تتصل ب «الآداب السلطانية» التي كان يمكن أن تتقاطع مع فهمها الشعر من منظور أيديولوجي وسلطوي. ولعل في بعض تلك المؤلفات النثرية إشارات مهمة تكمل صورة نوع المديح والتوسل وما إلى ذلك مما قرأته قراءة تاريخية - ثقافية عميقة، ولكنها بمقدار استنادها إلى المراجع الأجنبية المتصلة بهذا الموضوع، نسيت مصنفات الآداب السلطانية التي نحسب أنها مهمة في دراسة من هذا النوع. من ناحية أخرى، بدا لنا أن مراجعها العربية قليلة نسبيًا، وأنها لم تشتبك مع تلك المراجع إلا
بحدود ما توفَّر لها ولم تبذل الجهد المتوقع من باحثة قديرة مثلها في الاتصال بمراجع مهمة وضعها مؤلفون عرب لهم نظرتهم الخاصة إلى ذلك الشعر. في الختام، نكرر الإشادة بجهد عز الدين الذي يتجلى في اهتمامه بمدرسة شيكاغو وترجمته عددًا كبيرًا
من إنتاج ممثّليها. وإذا أخذنا في الاعتبار أنه أكاديمي وناقد متخصص وباحث متميز، فإن الترجمة -في مثل هذه الحال- عمل أقرب إلى التضحية. ولكن من جهة ثانية -ومع تقدير هذه التضحية- كسبنا
(((1 من الدراسات الجيدة بشأن هذا النوع، انظر: عز الدين العلام، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، عالم
المعرفة؛ 324 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2006
كتبًا مميزة في المكتبة العربية، مكتوبة بلسان عربي مبين، وبصورة قريبة من الأصل. وتتميز ترجمات
عز الدين بمقدمات دراسية مطولة، تسمح له بممارسة شيء من رغبة البحث وتجاوز الدور المرسوم للمترجم، وكذلك الهوامش الكثيرة التي تغني الترجمة، وتضيف الكثير إلى الكتاب الأصلي، ومع ذلك فإن اختصاصه في مجالات الترجمة جعلها دقيقة أقرب ما تكون إلى الأصل. وقد أتاحت له مراجعة هذه الترجمات مع المؤلفة وعبر لقاءات مطولة ورغبة علمية أكيدة صدور هذا الكتاب (ا لقصيدة
والسلطة) في صيغة عربية راقية وكأنها وضِعت في الأصل بالعربية. وهي أمور مهمة وقيّمة تستحق
الإشارة والإشادة.