عن المثقَّفين وتحولات الهيجمونيا
On Intellectuals and Transformations to Hegemony
الملخّص
* كاتب وأديب، ووزير الثقافة المغربي السابق. * * محاضرة أُلقيت في المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية في مراكش – المغرب (21-19 آذار/مارس.)2015
Abstract
Words like underdevelopment, ineffectiveness, and deprivation continue to permeate the vocabulary of intellectuals and media figures worldwide – labels that are then turned from passing descriptions to defining ones. Such euphemisms or wordplays, generally used to describe developing or emerging countries, fail to disguise the widespread conflation among Western public opinion between structural underdevelopment and intellectual backwardness. Among the key roles for Arab intellectuals is to spread awareness on the fact that the subordination some believe has disappeared under globalization, or an old story no longer relevant, is, on the contrary ongoing and evolving, even if covertly. What is more, it is a powerful mechanism for repression, prohibition, and marginalization. Intellectuals with good intentions, as critics of the world and builders of an open and effective modernism, must take on these observations and oppose such damaging practices. This will gradually help achieve a culture of true peace, on whose basis international relations should be established; a culture that is not based on the balance of fear – as was the case during the Cold War – but on that of equality, parity, and the fulfilment of peoples' rights to freedom and sovereignty, constructive participation, and liberated identities creating positive values.
- المثقفين
- الهيجمونيا
- العرب
- التهميش
- Intellectuals, Hegemony, the Arabs, Marginalization.
ما زالت القوى الهيجمونية تدق رؤوسنا منذ عقود بكلمات ونعوت محبطة، كالتخلف والعجز والدونية، وها نحن أولاء نرى فئات من المثقَّفين والإعلاميين في الخارج، وحتى في الداخل، ينقلونها من وضع الصفات العرضية -وبالتالي القابلة لأن تُزال بالتدريج- إلى وضع الماهيات العنيدة المستدامة. فكيف لا نكون م راضًا بها ولو تأبّينا وكرهنا؟ إن عبارات ملطفة أو توريات من صنف: بلدان في طريق النمو أو نامية لا تستطيع إخفاء هذا الخلط الواسع الانتشار في الرأي العام الغربي بين التخلف المادي- البنيوي والتخلف الذهني والفكري. بناء عليه، يلزمنا بذل جهود هائلة كيلا يبقى وجودنا الثقافي، بنحو جائر، ملحقًا بكبواتنا في قطاعات التأهيل الاقتصادي والتكنولوجي. إن من بين أهم أدوار المثقَّفين العرب هو أن ينشروا الوعي بكون التبعية التي يعتقد البعض أنها أمست، في ظل العولمة، قصة قديمة أو غير ذات راهنية ومضمون، لا تزال مستمرة السريان والتحول، ولو بنحو متخفّ ماكر، ولكنها في إواليات الكبح والحجْر والتهميش بالغة الإجرائية مُحْكمتُها، ولا يعمى عن تبيّنه إل من تعوّد على تمارين الانخداع أو اعتبار تصوراته حقائق، وهذا ما تكشف عنه وتعيننا على إدراكه ومغالبته أعمال ثلّة من مثقَّفينا البارزين من الصنف الذي يرد ذكره أدناه. إن على المثقَّفين ذوي الإرادات الحسنة، بصفتهم نقاد العالم كما يسير وبناة حداثة فاعلة منفتحة، أن يتقلّدوا مهمة رصد ومناهضة جميع أنواع الاختلالات والخروقات وممارساتها حيثما وُجدت، وذلك بقصد المساهمة في التحقيق التدريجي لثقافة السلام الحق التي بمقتضاها يتم تأسيس العلاقات الدولية ليس على توازن الرعب، كما كان الشأن إبّان الحرب الباردة، بل على المساواة والندية وتلبية حقوق الشعوب في الحرية والسيادة، كما على التشاركيات البناءة والهويات المحرَّرة والمبدعة للقيم الرافعة الإيجابية.
«إن الشعور بالمرارة لا يقلّ البتة في البلدان المستعمَرة سابقًا. فلكأنّ حالة الهيمنة لا تفتأ تعيد إنتاج نفسها، والشباب يعيشونها بالحدة ذاتها التي نجدها عند الكبار. صحيح أيضًا أن المستعمِر القديم إذا كان قد اختفى جسديًّا، فإنه ما زال حاضرًا بثقافته ولغته وعقليته في الطبقات والإدارة والشارع. وهذا الحضور غير المرغوب فيه، والعصيُّ مع ذلك على الاجتثاث، هو الذي يُديم وضعية تُحيي في كلّ وقت الجروح القديمة»1. «إن طابع الثقافة الأوروبية الجوهري الذي جعلها بالذات مهيمنة في أوروبا وخارجها، هو فكرة هوية أوروبية متفوقة على كل الشعوب والثقافات التي ليست أوروبية»2.
مقدمة إن المقاربة التي نوليها الأسبقية في طرْق الموضوع المعلن هي المقاربة الفكرية النقدية؛ فبإعمالها نتوخى، أساسًا، الكشف في مركّبات الموضوع عن بؤر الصدوع والاختلالات، وعن صِنافة للمثقَّفين في الموضوع نفسه بمقياسي الجودة والتأثير، وهي صنافة من شأنها أيضًا تجنيبنا اختلاط الوجوه والأدوار علينا واشتباهها. تعرف الثقافة، في عصرنا، مثل كلّ منظومة حية، تطورات وطفرات في الوضع والوظائف، منها: المساهمة في بناء مجتمع المعرفة وتقوية أساسياته، ونقد تجاوزات العولمة السائبة والرأسمالية المالية الافتراضية القائمتين على التحلُّل من الواقع وتجاهله، ومعاداة مصالح الناس وحقوقهم، وتمكين منظومات التسيير والتدبير من وسائل التثقيف والعقلنة والتيسير، وإرصاد مكامن سلوك التطرف والعنف وتشخيص علل تكوّنها واعتمالها3، بغية معالجتها ومغالبتها وتخليص المجتمع والناشئة من تمظهراتها ومخاطرها، وغير ذلك. إنها إجمالً إحدى رافعات التنمية البشرية، فالغايات المتوخاة هي التنافسية المبتكرة، وترقية الأذواق واللغات، وحياة اليسر للأفراد والجماعات. وتكمن في هذه الأركان وما يجانسها الأفعال القوية لربح رهانات التطور النوعي والانتفاع بخيرات المدنية والحداثة وخدماتهما؛ أي رهانات الثقافة التنموية المطردة. تعدّدت تعريفات المثقَّف وتقاطعت. ولعل أقربها إلى موضوعنا يثوي في نظرية جان بول سارتر المتعلّقة بالالتزام، ومفادها أن المثقَّف هو من عليه واجب الوفاء لمجموعة سياسية واجتماعية، مع
ممارسة حقّه في انتقادها، أو أنه من يتدخل في ما لا يعنيه مع استيفاء شرط الخبرة والدراية4. وقد نقول تماشيًا مع موضوعنا: إن المثقَّف هو من يسعى جادًّا بعُدَّته المعرفية والفكرية لإيقاظ الهِمم والضمائر، وتحريك سواكن الغفلة والتلهي عن قضايا وأوضاع خطِرة جسيمة. في القرن العشرين، كان للمثقَّف الغربي، عمومًا، وضع اعتباري خصوصي، أي حتى خارج التكتلات والأحزاب السياسية؛ فقد دأب في اعتماد مواقف وقضايا في ضوء فكره ومبادئه، وفي العمل، على التعبير عنها بقلمه بالوسائل الإعلامية والتواصلية المتاحة. ومن ذلك مثلً دفاع سارتر عن استقلال الجزائر ووقوفه مع برتراند راسل ضد الحرب الأميركية على فيتنام، أو مثل معارضة فوكو للأسْر في مستشفيات الطب العقلي ونظام الاعتقال الحبسي، إضافةً إلى أعلام آخرين كُثر عُرفوا بمواقفهم المناضلة المتعلقة بقضايا ساخنة وحروب مدمرة، من أمثال تشومسكي، وغويتصولو، وبورديو، ودوبري، وغيرهم ممَّن يصدرون عن مجال تخصص معيّن وعن ثقافة حيّة واسعة. أمّا عربيًّا، فإن المثقَّفين الذين يُدرجون - بنحو أو بآخر - في هذا التوصيف، فمن أبرزهم: مهدي عامل، وحسين مروة، وإدوارد سعيد، وعزمي بشارة، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، والمهدي المنجرة... إلخ. ومن نافلة القول إن ذاك التعريف المبنيّ على التلازم لا يصحّ في شأن المنتمين إلى صنف المثقَّفين المزيفين5. إن المفترض في المثقَّفين النزهاء، إذن، أن يكونوا فاعلي الثقافة ومنت جيها، ومتطابقين ما أمكن مع قولِ لريني ماريا ريلكي: «المثقَّف هو من يساهم في تحريك البحر المتجمد فينا». لكن يحسن دومًا أن ننظر إلى مثل هذا التعريف وما يضاهيه مثاليةً في مرآة واقع الحال والتجربة، وعبر نماذج مخصوصة ملموسة. وحريٌّ بالمثقَّف الأنموذجي، وأولى له، أن يتموقع في المجتمع المدني ويظهر، كما أكد ماكس فيبر وأنطونيو غرامشي، وابن خلدون قبلهما6، في مقام نقديٍّ بإزاء سلطات التشريع والحكم مغايرٍ للسياسي؛ أي إنه، كما ذهب إلى ذلك إدوارد سعيد، «هذا الصوت الآخر» (Outsider) الذي ليس مشيِّد إجماع، بل هو فرد يُلزم وجودَه ويخاطر به انطلاقًا من حسٍّ نقدي مطرد؛ فردٌ يرفض -مهما يكن الثمن- التعابير السهلة، والأفكار الجاهزة، والمواقف الملتبسة، إزاء خطابات رجال السلطة وأفعالهم وذوي العقول المتكلسة، وهو لا يرفضها فحسب، بل يجهر لهم برفضه أيضًا7.
المثقَّفون بين سوء الاعتراف البيني والنزوع الاعتزالي ليس ثمة من نسيج ثقافي عربي ومغاربي إلّ ما نراه مصابًا بالهشاشة والتفكُّك بوجه عام. وهذا المعطى يجعلنا حاليًّا نرى أن المثقَّفين المغاربيين مثلً ما التقوا -وقلّما يلتقون حقًّا- إلّ كانت مأساة اللاتواصل مستشرية بينهم، مشخَّصةً في واقع التشظي اللغوي، وسلوك التهاجر والتنابذ، وسوء الاعتراف البيني. وحتى المثقَّفون من ذوي الأسماء الوازنة، كأنَّنا بهم يتعاهدون على أن يعيشوا في علاقتهم سُنّة التهادن والتساكن، بل التصامُم، فيسكتون عمّا يقوم بين نصوصهم من تعارض وتناقض، ويطول السكوت بهم إلى حدّ يصحّ معه أن نتساءل: هل يقرأ أحد حقًّا ما يُنشر للآخر؟ وهكذا يبقى أركون والجابري على طرفي نقيض في موضوع مفهومهما للعقل الإسلامي، وكذلك تظلّ على الشاكلة نفسها -ولو بنحو أخفّ- تاريخانية العروي الماركسية ومثالية جعيط التاريخية، ولا تسأل عن موقف التاريخاني من «العقلاني» (يتجاهل العروي الجابري تجاهلً تامًّا ويغيّبه حتى في مؤلفه مفهوم العقل.) وإجمالً، لا تسأل عن موقف أيّ واحدة من كتابات الآخر، فالموقف لا وجود له، أو هو في حُكم الإشارات الخفيفة العابرة التي تكرِّس حالة سوء الاعتراف البيني والنقد المعرفي، وهي حالة تبلغ درجة العمى والجنوح الإلغائي عند «الإسلامولوجي» محمد أركون؛ إذ يذكر عرضًا عبد الله العروي وأنور عبد الملك وهشام جعيط وإدوارد سعيد، على نحو جُمليٍّ، من غير وجود دليل على أنه قرأ أعمالهم فعلً، فيكتب عن هؤلاء الأعلام المتفوقين عليه معرفةً ودرايةًّ قائلً: «إنهم إذ ينتقدون المستشرقين لا يأخذون بعين الاعتبار أنهم ينتمون هم أيضًا إلى نفس منهجية العلم الغربي وروحه. ولكن، لأنهم يتكلمون باسم العرب أو المسلمين فهم يعتقدون أنهم بمنأى عن الزلل »8. ولا صحة لهذا الزعم مطلقًا. أمّا طارق رمضان في مجمل كتاباته، فإنه يضرب صفحًا عنهم جميعًا، إلّ من إشارات إلى إدوارد سعيد مشاكِسة عابرة غيرِ موثَّقة، لا تدلّ على أنه أخذ مؤلفاته بقوَّة الجدِّ (على الرغم من أنها محررة بالإنكليزية.) حاضرًا، تعاني أغلبية المثقَّفين المهمومين بالحقيقة والنقد حالة احتقان بليغة؛ ففي وسط سوسيو - سياسي يجتر تاريخًا مديدًا من الإخفاقات والخسارات، وحيث المفاهيم والممارسات (الوظيفية والخصبة في البلدان المتقدمة) تعيش دراما النحْل والتزييف، لا يمكن لجمهرة المثقَّفين تأدية أدوار مجدية، ولا معانقة «الالتزام» حقًّا. إنها حالة تتخبط المثقَّفين أو تتربص بهم الدوائر عند كلّ تحوُّل تاريخي حرجٍ وكلِّ مرحلة مأزومة. والمرتبطون منهم بأحزاب، كثيرًا ما تراهم يدفعون ثمن صراحتهم، أو ممارستهم السياسة الحقيقية بوصفها سياسة حقيقة. ومن جهة أخرى، وفي أسواق الحسابات والتوافقات، إذا كره المثقَّفون أن يكونوا خدمًا لأرباب السياسة فحسب، أو أن يقيموا في
الاستقامة الولائية والامتثالية، فإن استفاقتهم من غفلتهم يصحبها شعور مرير، متولد من إدراكهم البَعدي أنهم لم يكونوا في مُصطَدم السياسة وتقلُّباتها سوى مغفلي الحلبة، أو فرسان مُثل طوباوية عصية على التحقيق (مثلما حصل -مع وجود فرق- لمحمد عبده وحسن الوزاني وعلال الفاسي، والجابري والعروي، وسواهم.) وهكذا يكون على أغلب المثقَّفين في أوساطنا أن يحيَوا حاملين عبءَ شعور مأساوي ناتج من أنهم لا يكادون يستطيعون أن يفعلوا شيئًا ذا بال من أجل شعوبهم. إنهم، مع تفاوت في السياقات والمهمات، يجدون أنهم في وضع أولئك الذين تلقوا التفويض وكامل السلطات لخدمة البلاد والعباد؛ غير أن وجه الفرق الكبير يقوم في أن عجزهم يؤلمهم ويحزنهم. أمّا المفوضون وممارسو السلطات و«المجالسون»، فهم يعيشون عجزهم كأنه همّهم الأهون، بل طبيعتهم الثانية. وما دامت هذه المعطيات لا تعرف تحولّات إيجابية محسوسة في القوام والوظيفة، فقد يصعب محاجّة من يرى أنه حري بالمثقَّف، وجدير به، أن يكثِّف اشتغاله في حقله، ويقويَ قدراته في البحث والإبداع، وذلك حتى لا يؤول مبدأ «الالتزام» عنده إلى أفيون، ولا يسقط فجأة، أو بالتدريج، بين كتبة المرميات وأنصاف المثقَّفين. وهذا ما ذهب إليه المفكر التونسي هشام جعيط من خلال قوله: «إن المثقَّف المبدع يجد نفسه محاصرًا من كلّ الجهات. وعندي أنه لم يبقَ أمامه سوى العودة إلى ذاته العميقة، وبالحركة نفسها، الخروج من إقليميته الثقافية؛ أي الانفتاح على العالمي، بسرور وفرح ورغبة»9. إن من الجائز تفهُّم مواقف هشام جعيط وعبد الله العروي وفاطمة المرنيسي وعبد الفتاح كليطو وطه عبد الرحمان، وغيرهم، ما داموا يرون أنهم يعيشون في مجتمع يُنمّي منسوب تلوُّث ذهني، وفي سقم ثقافي حادٍّ وأُميَّة متعدّدة الأشكال والأبعاد، فيكون الخلاص عندهم في الترقي بالفكر والوجدان إلى مراتع السّعة، والهواء الطّلق المطهِّر، والعزلة الذكية اليقظة؛ أي إلى مدارج الأحق والأجمل والأعدل. ففي خيارهم هذا، والحالة تلك، تكمن سبل اتقاء العبثيات والغباوات الزاحفة، والتمثّل بسابقيهم الذين ذهبوا تاركين بصمات وآثارًا رائقة مؤثرة، تشهد أنهم أعطوا الحياة ما يرفعها ويقوِّيها، فما ماتوا هباءً وسدى. عطفًا على ذلك، ليس علينا أن نلوم فنانًا أو كاتبًا أو فيلسوفًا على الاعتزال في «برج عاجي»، لكن في المقابل لنا أن نحاسب هؤلاء إذا لم تتمخض عزلتهم عن أيِّ شيءٍ شيّق ثمين، ولم يخرجوا من بروجهم ما يُعجبُ النفس والعقل، ويكون ويبقى من بعدهم فتنة للمتأملين10. أمّا ماعدا أولئك، فإننا نشهد صنفًا آخر -لعل ممثليه هم الأكثرون- فقدوا النزوع إلى المساءلات الجذريةِ الجريئة، وفقدوا أيضًا القدرة على البدء والإدهاش. فهم على الدوام حيث نتوقعهم ونترقبهم، كأنّهم عناصر معدّةٌ مبرمجة على نحو أو آخر. لهذا لا نجد بينهم رجالً ونساءً خارقين للعادة، أو باهرين،
على غرار محافظ معارض لسلطان الماضي وهيمنة السلف على الأحياء، أو حداثيّ مقاوم لكلّ تغريب إن كان مفاد ذلك الاستلاب، والولاء التبعي العيلي، والحَجْر، ومن ثمّة العجز عن المبادرة والخلق. وهل ننكر أن أغلبهم ينغمس في الحياد والخمول، فيقيم تحت قباب السهو والغفلة عن الشؤون والهموم الإنسانية والثقافية والعامة. إنهم إجمالً يضاجعون الخوف (وفي الأمثال: لا حياة لمن يضاجع الخوف)، ويجنحون، ولو من دون نضال أو معاناة، إلى الانسحاب المبكر والاعتناء بفلْح حدائقهم الخاصة، فيصحّ في شأنهم وصف نيتشه للمنحلّين المنهارين: «إنهم أناس متكلسون، تالفون، لا يخشون إلّ شيئًا واحدًا: أن يصيروا واعين»11. وهكذا يمسون مُحتَمين بمربعاتهم وحيطانهم، داخلين أفواجًا في «أسواق رؤوسهم»، مصابين بتلاشٍباطنيٍّ وانكماشية صماء وانعزالية عقيمة جدباء، كأن سنوات جليدية أو أثقال جاذبية سالبة أدّت إلى خصيهم وضربهم بالرهبة والضمور. ولكن يلزم أن نستثني الذين شاخوا سنًّا وفكرًا، أو أحدث لهم الزمان معاطب في أجسامهم. من المؤكَّد أن المعرفة المنيرة المحصَّلة بقوَّة البحث والكدّ، ما عادت فرضًا عينيًّا عند ممثلي تلك الأكثرية، فقد صار يكفيهم أن يدبِّروا طبخ الإنشائيات وترصيعها بغليظ المفاهيم ومُبهمها؛ حتى يطلقوا أقلامهم ويستبيحوا النطق في ما يجهلونه أو لا يعرفونه عبر قنوات معوجَّة أو مبتذلة. والخسارات الناجمة عن ذلك وسواه هي ما نلحظه بالعين: فَقْر النظر وضيقه، وغلبة التسطيح المعرفي، ومن ثمة سوء الإدراك والإرصاد، وعجز عن الفكر ذريع. وهكذا تنمو تيارات الجذب نحو الأسفل وتتناسل، وتزداد ألسنة التعتيم واللامعرفة، مشخصةً في أشباه المثقَّفين و«عرّابي» الشأن الثقافي ومسترزقيه، وبينهم لا يعدم خابطٌ ورقًا ولا مدادًا، ولا يسع المثقَّف الحقّ إذا ما وُجد عرضًا بينهم إلّ أن يتكيَّف مع ضحالتهم، أو أن يسكت مناجيًا نفسه بلسان المعري: «ولما رأيتُ الجهلَ في الناسِفاشيًا تجاهلتُ حتى ظُنَّ أنّيَ جاهلُ» فمع تلك الأصناف السائدة، تفسد الكلمات والمفاهيم فعلً، وتتفسخ حتى تستحيل إلى مسوخها وأضدادها؛ ومنها مثلً، لا حصرًا، التعدّد والتنوع والاختلاف؛ إذ تُفضي تصريفاتها الذرية اللامراقبة معرفيًّا إلى تكريس واقع مجتمعاتنا المسمّى بحسب بعض الدارسين «الانقسامية» (Segmentarism)، أو «العصائبية» بلغة ابن خلدون. ومن المظاهر المأساوية لهذا الأمر الق دَدِية اللغوية واللهجية، واحتقان قنوات التواصل وتقوُّضها، وشيوع نظام التبعيات والولاءات السالبة الضاغطة. أمّا المثقَّفون الذين في استطاعتهم إقامة ثقافة نقدية فاعلة أو التمهيد لها، فإنهم ينتهون أغلب الأحيان إلى اعتماد خطابات المداراة والمواربة، أو إلى إعلانها سخطات ضاجة، لا وقْع اجتماعيًّا لها ولا سياسيًّا، ولا تأثير (شأن أدونيس واللعبي وآخرين). هذا بالنسبة إلى التيار الأعمّ الذي يفرز اطراده وتواتره استثناءات مضيئة يُشخصها مثقَّفون مقاومون بمعرفتهم العالية وقوَّة أعمالهم الفكرية، وإن كانوا متفاوتي الحظوة والجراءة والحضور. وعلينا الآن أن ننظر في مواقف بعضهم، وفي صدارته إدوارد
سعيد بوصفه أنموذج المثقَّف البحاثة والمفكر، والمناضل بعمله في جبهات عدة، نخصّ منها جبهتَي الثقافة والإمبريالية والصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. أمّا القضية الماثلة للدرس، ولعلها من أكبر القضايا وأعقدها، فنتعرّفها في ما يلي. واقع الهيجمونيا وتحولاتها تعني الهيجمونيا (Hegemonia) لغةً، عند الإغريق: الانتشار والاكتساح بدافع إرادة القوة والسيطرة، وسمّاها كذلك سولون وهيرودوت وتوسيديد. ومن مرادفاتها عندهم القِدمية (Arkhi) والاستبدادية (Despotismus). أمّا القديس أغسطينوس، فيُحلِّلها ضمن مقولة Libido dominandi، أي شهوة السيطرة التي كانت في تقديره من أهمّ أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية. وأمّا ابن خلدون، فيسميها «الاستبداد» و«الغلبة». وفي زماننا، تتمظهر الهيجمونيا في نظرية «الفوضى الخلاقة» و«استراتيجية الدمار» التي صاغها المحافظون الجدد في ظلّ حكم آل بوش مع الأب والابن، ويتمثّل مبدأها بالقول: «ما لم تستطع أن تملكه، دَمِّره»، ومن ترسانتها المفاهيمية: «الاحتواء»، و«محور الشر»، و«الدول المارقة» أو «المتصعلكة»، و«هاجم»، و«الحرب الاستباقية»، و«صدام الحضارات» وسواها12. ولتلك النظرية سابقاتها عند كبار الغزاة عبر التاريخ، ومنهم نابوليون القائل: «إني، كما أكدُّ، أنجز سياسة جغرافيتي»، وهتلر من خلال مفهوم «المجال الحيوي» وعقيدة تفوق الجنس الآري، ومهندسو حركات الاستعمار ذوو مفهوم التوسع والاستغلال والنهب باسم التمدين. وقد نلخص متن النظرية الأساسية في شعار سيسل رودس، رجل السياسة والأعمال البريطاني (ت 1902)، إذ يقول: «التوسع، كلّ شيء في التوسع [...] لو استطعت لضممت الكواكب»13. في الأمس القريب، كان الاستعمار بصنفيه الاستيطاني والحمائي يشتغل بآليات العنف الصادم، ويوطِّد لها بشتى ضروب التغطيات والذرائع، ويمكن أن نذكّر ببعض أهمّ تواريخها ل مامًا: ففي سنةِ 1860 تدخلت فرنسا في لبنان بدعوى حماية الموارنة ضدّ الدروز. وفي الفترة 1882-1881، جرى «قَنْبلة» الإسكندرية وسحْق الثورة العرابية في التل الكبير، واحتلال الإنكليز مصر في عهد الخديوي توفيق، وكلّ هذا بعد ما عرفه هذا القطر العربي من تغلغل أوروبي بذريعة مراقبة فرنسية - إنكليزية للميزانية المصرية المنهكة بالقروض في عهد الخديوي إسماعيل. وفي سنة 1888، تسرّب الإنكليز إلى الحجاز بدعوى مساعدة العرب بزعامة شرفاء مكة على محاربة العثمانيين. وفي سنة 1912، فُرض نظام الحماية الفرنسية على المغرب في عهد السلطان المولى حفيظ، بحجة عجز سلفه المولى عبد العزيز عن تسديد دين اقترضه من بنك بارينا... إلخ.
أمّا بُعيد الاستقلالات، فإن ما أُدرك بوصفه استعمارًا جديدًا (وفي هذا الجانب يكمن تحوله الرئيسي)، قد عمِل عمَل الهيجمونيا المتلبِّسة بإرادة إدامة القوة وتصريفها بوسائل هيمنة مبتدعة، تروم تفعيل ما سمّاه إيتيان لابوييسي منذ أربعة قرون ونيّف: «العبودية الإرادية» التي هي من أهم شروط إمكان جميع أنواع التسلط والاستبداد؛ فالمصابون بها يمدُّون «أعناقهم للقطع» طواعية، ومن ثمة يمسخون طبيعة الإنسان الحرة المسؤولة. ومن باب إرصاد بعض طبائع الهيجمونيا ووظائفها المتحولة، إجمالً، نذكر إدوارد سعيد الذي يُعيد في كتابه المميز الإمبريالية والثقافة قراءة أعمال كلّ من أميكار كابرال وسي أل جميس ووالتر رودني، وخاصة معذبو الأرضللمارتنيكي فرانز فانون، فيعترف قائلً: «إن كنت قد أسهبت في ذكر فانون؛ فلأنه، كما أعتقد، يُعبِّر مأساويًّا وبقوة أكثر من غيره عن الانتقال الثقافي الكبير من حقل الاستقلال الوطني إلى المجال النظري للتحرر»14. إن إدوارد سعيد، إذن، مُحقٌّ في تسليط الضوء على ذلك الكتاب المنشور سنة 1961 والذي يُعد من أمهات مرجعيات العالم الثالث؛ فهو يقيم نظرية مهمّة ذات راهنية في فصول تصفية الاستعمار، تظل على أيّ حال جديرة بالتمثُّل والتأمل في عهد تحوّل الهيجمونيا من ميدان الاستعمار الاحتلالي العسكري المباشر إلى الحقل الذهني والمعرفي، أو ما سمّاه بعض الدارسين، وفي صدارتهم جوزيف ناي) (J. Nye «القوة اللينة»)Soft Power(، TD مقابل القوة الصلبة (Hard Power)، وربما يحسن أن نترجم المفهوم الأول بعبارة «القوة المتخفية» أو «المتغلغلة.» وإنّ نقَّاد فانون من الغربيين، وحتى بعض «العالمثالثيين» الذين اتهموه بالمغالاة في بعض أطاريحه، وخصوصًا في دعوته إلى الإعراض عن منطق ثقافة الهيمنة الغربية، إنما أقدموا على ذلك بسبب بقاء وعيهم دون وعي فانون بقدرات أيديولوجيا الاستعمار الفائقة على التحولات المتنوعة الماكرة، وهو الذي سجّل، منذ أكثر من خمسة عقود خلَت، هذا الإرصاد الثاقب قائلً: «لعل الباحثين لم يوضحوا توضيحًا كافيًا حتى الآن أن الاستعمار لا يكتفي بفرض قانونه على حاضر البلاد المستعمَرة وعلى مستقبلها، بإفراغ عقل المستعمَر من كلّ شكل وكلّ مضمون، بل إنه يتجه أيضًا إلى ماضي الشعب المضطهَد، فيحاول بنوع من فجور المنطق أن يهدمه ويشوهه ويبيده»15. أمّا إدوارد سعيد، فإنه سعى بكثير من الخبرة وسعة النظر، في مؤلفه المذكور، إلى إظهار العلائق الفعلية المتسترة بين الرقّ والعنصرية والاستعمار والقهر الإمبريالي، من جهة، وضروب الإنتاج الأدبي والفكري التي تنشأ في المجتمع الحاضن لتلك الممارسات من جهة أخرى. وإن القراءة التي يقترحها للموضوع نفسه هي ما يسمّيه «القراءة الطباقية» أو «التناظرية» (Contrapuntal Reading)، المعتنية وظيفيًّا باستنطاق النصوص وسبر أغوار خلفياتها وخفاياها، قصد إدراك ما تعمل على تسريبه واستعادته وتقنيعه في إواليات السيطرة والتحكم؛ فهي إذن توجد في موقف تقابل (أو تطابق) بين حركتين اثنتين
لا بدّ من الأخذ في الحسبان جدلية تلازمهما وإبرازها، وهما حركة الإمبريالية وحركة مقاومتها. ومن ثمّة، فإن ممارس هذه القراءة يعطي الجنس الروائي مكانة مهمة في برهنته؛ وذلك أن «الأوطان هي نفسها عبارة عن سرديات. فسلطة الحكاية أو منع سرود أخرى من التشكُّل والظهور هي ذات أهمية فائقة بالنسبة إلى الثقافة وكذلك الإمبريالية. إنها تكوّن إحدى أكبر العلاقات بينهما»16. من أمثلة ما تكشفه تلك القراءة ما يتعلّق بالكاتب ألبير كامي الذي أعلن في غمرة الحرب الفرنسية - الجزائرية أنه يُؤثر أمّه على جبهة التحرير الوطني، وقال بعبارة صريحة: «إن فرنسيي الجزائر هم أيضًا وبالمعنى القوي سكان أصليون. ويلزم أن نضيف أن الجزائر عربية خالصة لا يمكنها أن ترقى إلى الاستقلال الاقتصادي الذي من دونه لا يكون الاستقلال السياسي سوى وهم»17. وممّا ترومه الهيجمونيا ثقافيًا وتسعى إلى تكريسه إجمالً، هو: تعويض ذاكرة المستتبَعين بذاكرة الأقوى، وتهجين شخصيتهم بتأجيج الشعور لديهم بالدونية والفجاجة، وتعويدهم إيحاءً ذاتيًّا متمثّل في أن هوياتهم ولغاتهم عُملات بخسة أو قاصرة. وبهذه الإجراءات الحجْرية الضاغطة وغيرها، عملت الأيديولوجيا الاستعمارية المكشوفة أمس، وما زالت تعمل حاليًّا، وإنْ بأساليب ذهنية متخفية (لا مادية) ومتطورة. وإن شئنا استعمال صورة مجازية، قلنا إنها تدير سياسة هيمنية بيد من حديد في قفَّاز من حرير. وفي هذا السياق يكتب سارتر في تقديمه المميّز لكتاب فرانز فانون المذكور: «إن العنف الاستعماري لا يريد إخضاع هؤلاء البشر المستعبَدين فحسب، بل يحاول أيضًا تجريدهم إنسانيتهم. إنه لن يدخر جهدًا من أجل أن يقضي على تقاليدهم، وأن يحلّ لغتنا محلّ لغتهم، ومن أجل أن يهدم ثقافتهم من دون أن يعطيهم ثقافتنا، ومن ثمة فإننا نرهقهم تعبًا»18. على سبيل المثال، كان الاستعمار الفرنسي الاستيطاني طوال 132 سنة يُسخِّر الجزائر مختبرًا ضخمًا لتفكيك شخصيتها التاريخية والثقافية، وإعطاب نوابضها الذاتية ومقوماتها السيادية. فلم تأخذ في تضميد جراحها ولملمة شعثها إلّ بعد خمسة عقود ونيّف من استقلالها. وهذا ما حدا بالدولة الجزائرية والمجتمع المدني والمثقَّفين من وارثي فكر الأمير عبد القادر والشيخ عبد الحميد بن باديس إلى الطعن في المادة الخامسة من قانون شباط/ فبراير 2005 التي تُسجل للاستعمار الفرنسي فضائله وإيجابياته، وقد صادقها برلمان فرنسا بغرفتيه (وأيدها حينئذ محمد أركون)، فلم تُسحب إلّ بتدخل الرئيس جاك شيراك الذي استند إلى المجلس الدستوري. وبعد ذلك أتت تصريحات قوية للرئيس بوتفليقة، منها ما يرتبط بتعليق توقيع معاهدة الصداقة الفرنسية - الجزائرية، ومنها عدُّه الاستعمار الفرنسي حركة إبادة جماعية ضدّ هوية الجزائر وثقافتها، ومطالبة ساسة فرنسا بالاعتذار العلني عن جرائم استعمارها، وهذا ما أبت السلطات الفرنسية الإقدام عليه حتى الآن.
أمّا المغرب، فقد نزعت وقتها «لوبياتُ» فرنسا المحلية في مجالات المال والأعمال والصحافة والثقافة، إلى اتخاذ موقف الممالأة، بل القبول بتلك الإيجابيات والفضائل، متذرِّعة بأن المغرب، على خلاف الجزائر، لم يعرف من القوات الفرنسية استعمارًا، بل عرف حماية فقط. وزكَّى هذا الطرح مثقَّفون فرنكوفونيون إمّا كتابةً وإمّا في حلقاتهم ومنتدياتهم. لكن لم تمض بضع سنوات حتى بدأت العلاقات بين البلدين تسوء وتتدهور، وقد عبَّر عنها -ولو بنحو تعميمي- خطاب الملك محمد السادس في 24 شباط/ فبراير 2013 في بامكو، وخطاب له أجرأ وأقوى في الدورة التاسعة والستين إلى الأمم المتحدة في 25 أيلول/ سبتمبر 2014، ومنه الفقرة الآتية: «لقد خلَّف الاستعمار أضرارًا كبيرة للدول التي كانت تخضع لحكمه. فقد عرقل مسار التنمية بها، لسنوات طويلة، واستغل خيراتها وطاقات أبنائها، وكرَّس تغييرًا عميقًا في عادات وثقافات شعوبها. كما رسَّخ أسباب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع أسباب النزاع والفتنة بين دول الجوار. فرغم مرور العديد من السنوات، فإن الدول الاستعمارية تتحمل مسؤولية تاريخية في الأوضاع الصعبة، والمأساوية أحيانًا، التي تعيشها بعض دول الجنوب، وخاصة بأفريقيا»19. ومن مظاهر الهيجمونيا اللينة المخاتلة أيضًا، النمو اللامتكافئ واختلال علاقات القوى وعبارات التبادل اقتصاديًّا وتجاريًّا20، وبين الهويات والثقافات واللغات، وازدواجية المواقف والمعايير التي ترفعها البلدان القوية، سرًّا أو جهرًا، إلى سدَّة السياسة المتّبعة في قضايا مجمل بلدان الجنوب ومعضلاتها، وفي صدارتها القضية الفلسطينية. ولو أن أمين معلوف تمثّل البُعد التراجيدي لهذه المظاهر، وغيره كثير، لربما كان أضاف إلى كتابه الهويات القاتلة جزءًا آخر متعلّقًا بالهويات القتيلة أو الجريحة، ولا سيّما أنه تساءل في لحظة صحوٍ نيِّرة: «كيف لا ينشأ لدينا شعور بأننا نعيش في عالم يتملكه الآخرون ونخضع لقواعده التي يُملُونها، عالم لا نكون فيه إلا كالأيتام، والغرباء، والدخلاء، والمنبوذين؟»21. وتبيانًا لهذا الوضع، يدلي إدوارد سعيد بملاحظة دالّة مفادها أن عموم القراء الأميركيين لا يعرفون من التراث العربي كلّه إل النبيلجبران خليل جبران، المكتوب أصلً بالإنكليزية. ولعل ما يُغني عن الخوض في ضرب الأمثلة هو خطاب نجيب محفوظ للأكاديمية السويدية ولجنة نوبل بمناسبة فوزه بهذه الجائزة سنة 1988. فقد جاء في قوله: «سادتي، أخبرني مندوب جريدة أجنبية في القاهرة بأن في لحظة إعلان اسمي مقرونًا بالجائزة ساد الصمت وتساءل الكثيرون عمَّن أكون، فاسمحوا لي أن أقدم لكم نفسي بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية.. إلخ.»
ومن التبعات السلبية لذلك الوضع، في حالة المغرب العربي مثلً، ووقوفًا على التيار الصّلب بدلً من الاستثناءات التي تؤكِّد القاعدة، قد نزعم أن النبوغ فيه تضاءل حتى كأنه أمسى وعدًا عرقوبيًّا أو كالزيزفون، فانكمش الإبداع في حقول ثقافية شتى وتدنَّى، وذهب الوُعاة إلى أن فئات من المثقَّفين طبّعوا الاتباعية، وبها حتى الثمالة سك روا. يعيشون خدَمًا للآخر الأقوى، واقعين تحته مُوقِعين، وهم يموتون مهزومين مغمورين. هذه حالهم في وطن ما زال محجورًا لسانيًّا وثقافيًّا. ولا فائدة من الاحتجاج بحفنة أسماء صنعتهم أبواق «الطّم - الطّم» الإعلامي، وهم من الشبكيين المتمرسين، وأغلبهم من الكتّاب المغاربيين الفرنكوفونيين الذين يركبون الكتابة المستقيمة الطيّعة فرنسيًّا، والقذفية التشهيرية مغاربيًّا (بوقف ثيماتهم على الفساد والمخدرات والبغاء والتطرف الديني). ويُدرج عبد الله العروي أدبهم ضمن تاريخ الأدب الفرنسي، وإنْ كان أصحابه وُلدوا ونشأوا في بلدان المغرب، مثلهم مثل الأدباء الفرنسيين الملقَّبين باسم «الأرجل السود»، كنايةً عن ولادتهم في هذه البلدان. إن الاستلاب اللساني والثقافي وجهان لعملة واحدة، وهما كلاهما مظهران ناتئان متورمان ضمن مظاهر تراكم كبوات تاريخية ظلّت فجواتها وفتوقها تنمو وتتفشى، حتى بعد الاستقالات السياسية، وهو ما أتاح لقوة أمسِالمستعمرة أن تعاود تغلغلها من جديد، تدعهما في ذلك مراكزها المبثوثة المنتشرة و«اللوبيات» المحلية للاقتصاد والمال، وكذلك حركيُّوها من الإعلاميين و«المثقَّفين» والوكلاء المدجَّنين. ومع هؤلاء يتضح تحوّل آخر للهيجمونيا؛ إذ أصبحوا من أعداء مجتمعاتهم الأحماء وعصبَ الفرنكوفونية المستأسدة المعادية للغة العربية وثقافتها في المغرب العربي. في هذا السياق تكمن معالم وضع مأساوي سالب، ما زالت شرائح من نُخب الثقافة والفكر لا تُفكِّر فيه، حتى من ذوي القربى. وإذا صارحت هؤلاء بهذا الواقع القائم بالأدلة والقرائن، اكتفوا برفع فزاعة «نظرية المؤامرة»، بدلً من التحليل والنقاش، وانصرفوا إلى ما ندبوا له أنفسهم وتعودوا عليه، غير عارفين بما نبَّه إليه، من باب المعاناة والتجربة، والي مصر محمد علي (الألباني الأصل) من خلال قوله: «إنهم [قوى الغرب] لا يريدون أن نشبههم بل أن نطيعهم»22، وقوله أيضًا: «إني لست من دينهم، ولكني إنسان مثلهم، ويلزم أن أُعامل إنسانيًّا.» في ظلّ الهيجمونيا الجديدة التي رسمنا بعض إوالياتها وتمظهراتها المتحولة، وبشأن الحوار الحضاري مفهومًا وممارسة، نطرح سؤالً ضروريًّا، هو: هل غدا هذا الحوار الحضاري (ثقافةً ودينًا وسياسةً) نوعًا من الملهاة أو الأفيون؟ تُجانس كلمة دايلوغ (من اليونانية Dia أي عبْر ومن خلال، وLogos أي اللغة والعقل) عربيًّا ألفاظ الحوار والمجادلة والمناظرة. وفي اللغات كلها نعلم فضائل هذا المفهوم التنويرية والتوفيقية المهدِّئة، خصوصًا في أقسى اللحظات والتوترات الاجتماعية والدولية. كما أن نموّ الثقافات الإنسانية، عبر لحظاته المزدهرة
الدافعة، مدين للحوار بوصفه عربون انفتاح وإرادة تواصل، ودينامية منت جة لشروط ثقافة التعايش البنَّاءِ والسلام العادل الدائم23. والآية البيّنة في هذا الصدد هي: ﴿ ولَا تَسْتَوِي الْحسنَة ولَا السَّيِّئَة ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنكَ وبَيْنَهُ عدَاوَةٌ كأَنَّهُ وَليٌّ حَمِيمٌ﴾24. لكن ماذا في استطاعة أخلاق الحوار فعله تجاه تصاعد الحروب والنزاعات التي لم تفتأ بُؤرها ومناطقها تتعدّد وتتناسل منذ الحرب العالمية الأولى، التي أمل الناس أن تكون الأخيرة الآخرة (La der des der)؟ بالنظر إلى الهوة التي تُحفر بين المثقَّفين والمجتمع المدني من جهة، والسياسيين والفاعلين الاقتصاديين من جهة ثانية، وبالنظر أيضًا إلى غلبة الصدامات ومنطق الأقوى وقانونه، فإنه يُحكم في أخلاق الحوار بالركون إلى مجموعة من الأدعية والتمنيات الصالحة، أو على الأكثر إلى خطابات طيبة في محاسن الحوار بين الثقافات والحضارات؛ خطابات يقدر كلّ طرف أن يغذيها بحججه وشواهده المستمدة من تراثه الروحي، ومن ثمة يستعرض ألف دليل ودليل في خدمة القضية النبيلة، داعيًا إلى تخطي واقع العقبات والمصاعب، إذ إنه لا بديل من التشبث بحوار الشجعان والسعي الدؤوب لإنهاء مهلكة الحروب والنزاعات بالتي هي أحسن وأعدل. غير أن ثقافة حوار السلام تجد مقوضها في كتلة العوائق المعقَّدة المجانسة لواقع الهيجمونيا، كما وصفناه، بشقيه الظاهر المباشر والماكر المتخفِّي. بعد سقوط جدار برلين وتصدع الاتحاد السوفياتي ونهاية حرب الخليج الثانية، تسنَّى للولايات المتحدة، التي صارت القوة العظمى الوحيدة، أن تدعوَ إلى نظام عالمي جديد، ترجع لها فيه فعلً وشرعًا مقاليد القيادة واليد العليا) Ascendancy). وقبل تلك الحوادث الجسام ببضع سنوات، لخّص وزير الخارجية السابق جورج شولتز في أحد تصريحاته (نيسان/ أبريل 1986) الوضع الجديد بكلمات تدلّ على أمور كثيرة في روح السياسة الخارجية الأميركية، وذلك بقوله: «إن كلمة تفاوض ليست سوى المرادف الملطَّف Euphemism للاستسلام إذا لم يبرز ظلّ القوة على الطاولة». ثمّ إنه يقدح في من ينادون بالاحتكام إلى الآليات والهيئات الدولية، فيقول: «إن وساطة أطراف ثالثة والأمم المتحدة ومحكمة لاهاي، في حال جهْل عنصر القوة في المعادلة، تكون وسائل طوباوية وقانونية صورية فقط»25. وهكذا، يؤكِّد شولتز، رجل الدولة في العهد الريغاني، بصراحة وحزم، ما سبق أن قاله كييرنان على نحو نقدي منذ سنة 1978: «إن أميركا تعشق فكرة أن ما تريده مطابق بالذات لما يريده الجنس البشري»26، وذلك، كما جاء حينئذ على لسانَي وزير الخارجية سابقًا مادلين أولبرايت والرئيس جورج بوش الأب، لأن «الولايات الأميركية المتحدة خيِّرة») The United States is good.) إن إرادة الهيمنة والقوة، من حيث طبيعتها، لا تتردد إطلاقًا في الأخذ بجميع الوسائل من أجل سيرها واكتمالها. فبصفاتها الماكيافيلية المتقلبة و«السينيكية» نراها لا تنظِّر سياستها الخارجية وتمارسها
إلّ في ظل مصلحتها الجيوستراتيجية والاقتصادية في العالم. وهذه السياسة التي هي خصيصة القوى العظمى، أقرّ بوجودها حتى هنتنغتون، ولو مُكرهًا؛ إذ يقول: «إن ادعاءات العالمية، كما يُكتب، لا تمنع من الوقوع في النفاق والخطاب المزدوج والاستثناءات. وهكذا تدافع [البلدان الغربية] عن الديمقراطية، لكن ليس حينما تأتي بالأصوليين الإسلاميين إلى الحكم، وتحرّم امتلاك السلاح النووي على إيران والعراق، لا على إسرائيل، وتعدُّ حقوق الإنسان مشكلً في الصين، لا في المملكة العربية السعودية، وتردّ العدوان عن الكويت الغني بالنفط، وتتلكأ في حالة الهجومات على البوسنيين الذين ليس لهم نفط.. إلخ»27. إن مثل هذه المواقف الازدواجية، وغيرها كثير، لَتُعبِّر عن أحد الثوابت الراسخة في سياسة أميركا الخارجية، بل عن عنصر مستدام، كأنما هو منطبع في تراثها الجيني؛ ذلك أنه يعمل في أجهزتها المسؤولة، جمهوريةً أكانت أم ديمقراطية. فلا غروَ أن تستقوي بها إسرائيل وتتخذ تحت حمايتها الدائمة المتواترة سلوك الغطرسة والاستهتار في تعاملها مع السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية، وفي سعيها المستميت لإخضاع قطاع غزة للحصار المقرون من فترة إلى أخرى بحروب قاسية عليها مدمرة، لن تكون آخرها عملية «الجرف الصامد» عام 2014. وإن اعتراف هنتنغتون الصريح والجريء لم يُلتفت إليه عربيًّا، بحسب علمنا، شأنَ دعوته تركيا إلى «أن تتخلص من أتاتورك [أي اللائكية] بأكثر حزمًا من تخلص روسيا من لينين»، وكذلك ما كتبه عن اليهودية: «إن علماء الحضارات لا يصنّفون اليهودية بوصفها حضارة متميزة، بل بوصفها ديانة فقط، انصهر أتباعها مواطنين في المجتمعات الإسلامية والمسيحية والغربية عمومًا. وإن إنشاء دولة إسرائيل لم يغيّر من وضع اليهودية في العمق شيئًا»28. أمّا الجدير بالذِّكر أيضًا، فهو حُكمه الصائب في كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير لفرانسيس فوكوياما، القائل ببوار الأنموذج الفوكويامي، ثمّ تحلِّيه بتواضع محمود؛ إذ يقرُّ بأن أنموذجه ما زال صالحًا لزماننا، لكنه «قد يعرف المآل نفسه»29. لا حاجة بنا إلى استعراض سيل الانتقاد الذي ساهم فيه مثقَّفون عرب بشأن أطروحة هنتنغتون تخصيصًا؛ إذ استفرغ أكثرهم جهدًا في ذمِّها، بل نفيها جملةً بكثير من السطحية والسذاجة. وحسبنا في هذا السِّياق أن نلحظ طابعها الماكرو - تاريخي (على طريقة شبنغلر وتوينبي). يُضاف إلى ذلك أن صدام الحضاراتكشف، في ختام مسوحه الأيديولوجية، عن ورقته الأخيرة وناصية مؤلفه في جملة لا لبس فيها، تبدو مشيرة إلى ركن ركين في تفكيره وبيت القصيد في مبحثه؛ فبعد أن شخَّص أهم المخاطر التي تُهدِّد سيادة الحضارة الغربية وحكمها (وأعتاها «الصحوة الإسلامية» ودينامية آسيا الاقتصادية)، سطَّر أن في مقدور الغرب أن يتغلب عليها «إذا ما عرف نهضة، وعاكس التيار، وألغى وهن تأثيره في عالم الأعمال، وأثبت موقعه زعيمًا تتبعه الحضارات الأخرى وتقلده»30.
ولا غروَ أن يصدر هنتنغتون أحكامه التعميمية الجزافية في حقّ الإسلام وحضارته، وهو القليل البضاعة المعرفية في الإسلاميات، والمعوّل فيها على مرجعه، المستشرق الشهير بدراساته (المجادل في معظمها) للتاريخ الإسلامي، وكذلك بنزوعه الصهيوني المعلن، وبعدائه الشرس لإدوارد سعيد31؛ وهو برنارد لويس الذي كتب سنة 1990 دراسةً عنوانها الأول «جذور السعر الإسلامي»، وكان له فيها السبق إلى إيراد مفهوم «صراع الحضارات»، إذ قال من باب التنبيه والتحذير: «يلزم أن يكون واضحًا منذ الآن أننا نواجه حركة وحالة ذهنية تتجاوزان المشكلات والسياسات والحكومات التي تجسدها. فالأمر ليس أقل من كونه صدام حضارات. إنه ربما ردة الفعل اللاعقلانية، ولكنه قديم ق دم خصم مناوئ لإرثنا اليهودي - المسيحي [كذا] ولما نحن عليه حاليًّا، ولانتشار هذا وذاك. إنه من الأهمية البالغة ألّ نسقط، من جهتنا، في ردَّة فعل تكون هي أيضًا لاعقلانية وقديمة ضد هذا الخصيم »32. إنها كلمات راجمة، مشحونة بتصور حربوي للتاريخ، لا تبشِّر بأيّ خير لإعادة تأسيس ثقافة السلام، تكون مخلصة أخيرًا من سيكولوجيا الغِلّ والضغينة، ومن أيّ ذاكرة أحادية البُعد، مسكوكة بصراعات الماضي وحروبه. وللتذكير نشير إلى أن برنارد لويس ظلّ يعارض قيام الدولة الفلسطينية، وأيَّد غزو الجيش الإسرائيلي للبنان سنة 1982، وكان مستشار نتنياهو في أثناء عمله سفيرًا في الأمم المتحدة، وعندما أصبح غداة 11 أيلول/سبتمبر الأب الروحي للمحافظين الجدد في البيت الأبيض والبنتاغون، ومرشد الرئيس جورج بوش الأب في الشؤون العربية الإسلامية، كانت نصيحته إليه هي: «عليك بالحزم [مع المسلمين] وإلا فتراجَع») Get through or get out (. أمّا قارئه المتأثر به هنتنغتون، وللتذكير أيضًا، فإنه عُرف خبيرًا سابقًا في شؤون قمع التمردات إبان حرب فيتنام في عهد جيمي كارتر، ومديرًا سابقًا في معهد أولين للدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفرد. إن الباحث الفرنسي إيمانويل تود، الخبير بالديموغرافيا والتاريخ المعاصر الذي يلتقي مع إدوارد سعيد في نقاط مهمة، قد ذهب في كتابه ما بعد الإمبراطورية إلى أن أميركا تسير بدورها إلى لقاء المصير نفسه بفعل تناقضات وأزمات ذاتية متنامية، فهي في نظره «أصبحت تفتقر إلى إدراك متماسك للإنسانية والشعوب، ولا تستطيع أن تسود عالمًا متراميًا وفائق التنوع؛ فالشعور بالعدل سلاح لم تعُدْ تملكه»33. وهكذا، فإنها -على سبيل المثال- تعمى عن انتقاد تجاوزات الدولة العبرية وتجبّرها، وعن تعاملها مع الفلسطينيين بأعلى درجات العنف والقساوة، تدعمها في ذلك سياسة السلطات الأميركية بقطبيها، مستعملةً «حق» الفيتو بإفراط، وممكِّنةً ربيبتها من كلّ أنواع المساعدات التي يتصدرها التسليح الشامل
اللامشروط، حتى أن الدولة المدللة باتت كأنّها الولاية الأميركية الحادية والخمسين، أو كأنها، بحسب تشبيه للباحث، «سفينة حاملة للطائرات» ودولة تتمترس خارج القانون، تخرق المعاهدات والاتفاقيات. ثمّ إنه ينعت ساستها، بدءًا من أريئيل شارون، في مؤتمر أوسلو 1993، بالتقادم والبوار. وكان إدوارد سعيد قد انتقد تنازلات السلطة الفلسطينية في ذلك المؤتمر، وتنبأ له بالإخفاق. في هذا السياق، كما نرى مع إيمانويل تود، يكمن الوجه الارتدادي السيِّئ للعلاقة العضوية المصلحية بين القوة العظمى وإسرائيل؛ فكلّ تصدع لتلك القوة سينعكس بالضرورة انعكاسًا سلبيًّا على محميتها، ويؤثِّر في قوامها ووجودها في منطقة معادية تاريخيًّا وجيوستراتيجيًّا لكيان صهيوني مرتكز أصلً على ذكريات توارتية ومنطق القوة المعربدة الضاربة. إن حس إيمانويل تود، الاستشرافي القائم على دراساته المعمقة، قد جعله يتوقّع نهاية الاتحاد السوفياتي في كتابه السقوط النهائي (عام 1976)؛ إذ تمكَّن في مؤلَّفه المذكور من إرصاد أمارات ومؤشرات سوسيو-اقتصادية وسياسية تنبئ بدخول القوة العظمى في مرحلة انفلات أسباب القيادة منها، وتقلُّص تحكُّمها الأحادي، وذلك لفائدة توجه العالم إلى التعدّد القطبي، ممثَّلً أساسًا بالصين وروسيا والبلدان الصاعدة، في حين أن أميركا لن تعرف مصيرًا مشابهًا لما حدث للاتحاد السوفياتي، ول ما حدث لجميعِ الإمبراطوريات التوسعية القاهرة من قبله. لكن لاتقاء ذلك، «عليها أن تعود إلى هويتها بلادًا ديمقراطية، ليبرالية، منتجة»34، مع الحرص على ممارسة سياسة الإنصاف والعدل في قضايا العالم المستعمرة، تتصدّرها في ذلك القضية الفلسطينية. نرى أنه يُحسن بالمثقَّفين العرب وخبرائهم أن يأخذوا في الحسبان وبعين الجد أعمال خبير كفء ومثقَّف مقتدر ثاقب النظر، انطلاقًا من كون صراع البلاد العربية والإسلامية، وإن طال أمده، صراعًا ضد تأخُّرها وتمزُّق مكوناتها؛ وذلك من أجل إعادة المناعة والقوة إلى ديناميتها الذاتية ومقدراتها السيادية في مواجهة القوى الهيجمونية التي عرضنا بعض أهمّ ركائزها وتمظهراتها. خاتمة يقول إميل شييرون: «جريح دوما هو كبرياء إنسان منحدر من ثقافة صغيرة». وعطفًا على هذا نضيف: وأوغر جرحًا وأنكى هو كبرياء إنسان ينتمي إلى ثقافة كانت حتى أمسِالقريب عظيمة، وغدت حاليًّا عرضة للتبخيس والتجاهل الإرادي، وهذا تحت أنظار الهيجمونيا الأحادية الغالبة المزدرية، المدجَّجة بأشدّ الأسلحة عتيًّا، برًّا وبحرًا وجوًّا، وبأنجعها في مجالات الهيمنة وإيهان الهويات وقهرها. بعد عقود أمضتها القوى الهيجمونية، ما زالت تدقّ في رؤوسنا كلمات ونعوتًا محبطة، كالتخلف والعجز والدونية، وها نحن أولاء نرى فئات من المثقَّفين والإعلاميين في الخارج، وحتى في الداخل،
ينقلونها من وضع الصفات العرَضية، ومن ثمّة القابلة بالتدريج للإزالة، إلى وضع الماهيات العنيدة المستدامة. فكيف لا نكون إذن مِراضًا بها ولو تأبّينا ذلك وكرهناه؟ إن عبارات ملطَّفة أو توريات من قبيل «بلدان في طريق النمو»، أو «نامية»، لا تستطيع إخفاء هذا الخلط الواسع الانتشار في الرأي العام الغربي بين التخلف المادي - البنيوي، والتخلف الذهني والفكري. بناءً على ذلك، يلزم أن نبذل جهدًا كبيرًا لئلَّ يبقى وجودنا الثقافي، على نحو جائر، ملحقًا بكبواتنا في قطاعات التأهيل الاقتصادي والتكنولوجي. وعلينا أن نعيَ أن التبعية التي يرى بعضهم أنها أمست، في ظلّ العولمة، قصة قديمة أو غير ذات راهنية ومضمون، ما زالت سارية ولو بنحو متخفٍّ ماكر، ولكنها في إواليات الكبح والحجر والتهميش، بالغةُ الإجرائية مُحْكَمتُها، لا يعمى عن تبيُّنها إلّ من تعوّد تمارين الانخداع أو عدَّ تصوراته حقائق. وهذا ما تكشف لنا عنه أعمال ثلّة من مثقَّفينا البارزين من الصنف الذي سبق ذكره؛ فتعيننا على الإدراك والمغالبة. وعلى الرجال والنساء ذوي الإرادات الحسنة، بصفتهم نقَّاد العالم كما يسير وبُنَاة عقلانية متضامنة منفتحة، أن يتقلّدوا مهمّة إرصاد جميع أنواع الاختلالات والخروقات وممارساتها ويناهضوها حيثما وُجدت؛ وذلك بقصد المساهمة في التشغيل التدريجي لثقافة السلام الحقّ التي لا يجرى بمقتضاها تأسيس العلاقات الدولية على توازن الرعب، كما كان الشأن إبّان الحرب الباردة، بل على المساواة والندِّية وتلبية حقوق الشعوب في الحرية والسيادة، وعلى التشاركيات البنَّاءة والهويات المحرَّرة والمبدعة للقيم الرافعة الإيجابية.