هل من حاجة اليوم إلى مثقَّف هُوَوِي؟
Is There the Need Today for the Intellectual?
الملخّص
قدّر هذا البحث أن مسألة المثقَّف والخبير تتجاوز في العمق وجود هذين الفاعلين وأداءهما إلى سياق أوسع، وهو سياق توزيع الأدوار التاريخية بين الأمم المتحكّمة فيصوغ مسارات العالَم. ومن هنا، تجلّت أحكام إدانة المثقَّف، فاقدةً كلّ معقولية تاريخية لانعدام مفاعيل زمن القيمة. وبدا سياق ال «ثينك تانكس » ضرورة تاريخية تستمدّ شرعيتها من دخول العالَم إلى أفق سيادي آخَر هو أفق المصلحة.
Abstract
The central problematic addressed by this paper is the alleged end of an era for the intellectual and the rise of the age of the think tank. In an attempt to investigate the triggers behind this shift, the paper first considers the context for origination, and chooses the Cartesian moment to combine the structural elements of the intellectual by observing the tasks intellectuals appointed themselves to undertake. Second, it explores the claims of the end of an era for the intellectual, examines its assumptions and arguments, and discusses its conclusions – recommending this discourse in its essentially descriptive aspect and disagreeing in its formulation, judgement, and conclusions. Third, and in adherence to the principle of the inevitability of the movement of history, the paper sees that the end of the intellectual is in essence the end of the era in which intellectuals developed, and that it was on the ruins of the collapse of the traditional world that the think tank positioned itself in a pioneering position, just as intellectuals positioned themselves in their era.
- مثقف هووي
- معقولية تاريخية
- الخبير
- ضرورة
- Intellectual
- Identity
- Inevitability of the Movement of History
- the World.
بحث في تراجع الأدوار التقليدية ونظر في البدائل
انطلق هذا البحث من مفهوم وتساؤل (المثقَّف الهُوَو ي وتراجع الأداء)، واختار
مقاربتهما من مدخلين متضافرين: مدخل تاريخي وظيفي، وآخَر تاريخي نقدي. وأقام
طموحَه على إشكالية مركزية هي النظر في موجبات انتهاء زمن المثقَّف الهُوَوي وبروز
زمن ال«ثينك تانكس» (Think Tanks). وباشر الدرسَ من خلال استدراج المعطيات
إلى منطق السيرورة التاريخية، مستحضرًا خضوع عالَم الإنسان المادي والرمزي
لإكراهات وتحولات تتغير بمقتضاها سُنن الوجود السوسيولوجي والسياسي والقيميّ.
ولمّا كان المثقَّف فاعلً داخل هذا العالَم، رأى البحث أنه ينطبق عليه ما ينطبق على غيره
من قوانين التغير في الوظيفة والأداء. تنفيذًا لهذا كله، اتّخذ البحث بنية ثلاثية التركيب؛ فهو أحاط أول بسياق النشأة، وفضّل
أن تكون اللحظة الدريفوسية المنطلقَ لتجميع العناصر البنائية للمثقَّف الهُوَوي من خلال
رصد المهمّات التي ندب نفسه للقيام بها. وسعى ثانيًا إلى تأمّل معقولية خطاب نهاية
المثقَّف، فاستحضر مقدّماته وحججه وناقش مآلاته. وانتهى إلى تزكية هذا الخطاب
في بُعده التوصيفي أساسًا، واختلف عنه في المسوّغات والأحكام والنتائج. وتقيدًا
بمبدأ حتمية الحراك التاريخي، اعتبر البحث هذا في محوره الثالث أن نهاية المثقَّف
الهُوَوي كانت في الأساس نهاية لكلّ الزمن الذي نشأ داخله؛ فالانهيارات التي أصابت
«العالَم التقليدي» كان يتكوّن على أنقاضها زمن جديد يتموقع فيه ال«ثينك تانكس»
موقعًا رياديًا، تمامًا كما كان المثقَّف يتموقع في زمنه الخاص به. لذلك، قدّر هذا البحث أن مسألة المثقَّف والخبير تتجاوز في العمق وجود هذين الفاعلين
وأداءهما إلى سياق أوسع، وهو سياق توزيع الأدوار التاريخية بين الأمم المتحكّمة في
صوغ مسارات العالَم. ومن هنا، تجلّت أحكام إدانة المثقَّف، فاقدةً كلّ معقولية تاريخية
لانعدام مفاعيل زمن القيمة. وبدا سياق ال«ثينك تانكس» ضرورة تاريخية تستمد
شرعيتها من دخول العالَم إلى أفق سيادي آخَر هو أفق المصلحة.
مقدمة قام عنوان هذا البحث على تساؤل وليس على مسلّمة، وذلك من أجل أن يكتسب طابعه
الاستكشافي والإشكالي في آن واحد. وهو إذ ينهض على السؤال، فإنه يروم الاشتغال على
المعطيات والسياقات والأطاريح التي عُنيتْ بالمثقَّف واستدراجها إلى منطقة المراجعة والتقويم. ولمّا اختار البحث عبارة «المثقَّف الهُوَوي» على الرغم من اللَّبْس الذي قد يَشوبها، رَجّح أنها
تستطيع أن تكون مساحة تتقاطع فيها تعريفات وتصنيفات كثيرة، كما تَصلح لتتعايش داخلها
مصطلحات من قبيل الملتزم والعضوي والثوري والعمومي. وحين يجعل «الهُوَو ي» قاعدته
الأساسية، فهذا يعني أنه ينهض على توجُّه نحو تجميع العناصر التي يتركّب منها «جسم» المثقَّف،
فإذا تشكّل استقلّ بوجوده وكوَّن مقوّمات هوّيته. وهو، أخيرًا، يطمح إلى أن يرتقي بهذه العبارة إلى
مرتبة الاصطلاح من دون أن يدّعيه. «المثقَّف الهُوَوي» إذن، مشروع مصطلح غرضه أن ينتشل المثقَّف من مدارات التوظيف والتشغيل
للحساب الحزبي أو المذهبي أو الطائفي، وأن يحرره من الارتهان لمقاربات تستثمر دوره في تعزيز
مواقع فاعلين آخرين. ومن دون مزيد من التوسع، يرى البحث أن «المثقَّف الهُوَوي» فاعل للحساب
الخاص وليس لحساب الآخَر. لكنّ هذه البحث، وهو يختار الاهتمام ب«الهُوَو ية» من أجل التعامل مع المثقَّف من حيث انتمائه إلى ما
يتميز به من غيره من الفاعلين، يبقيه نقطة انطلاق. فاهتمامه ينصبّ في المقام الأول على درس معقولية
الانتقال من زمن المثقَّف إلى زمن الخبير. ولمّا كان مركز الاهتمام في البحث هو النظر في احتمالية انتهاء زمن المثقَّف الهُووي، كان لا بد
منهجيًا ومعرفيًا من التقاط العلامات الدالّة عليه من جهة، والتفطّن إلى البدائل المحتملة من جهة ثانية.
ولهذا، سينصرف البحث في قسمه الثاني إلى رصد سياقات التحوّل أكثر من الوقوف على الثابت من
المعطيات والأحكام. وهذا يقتضي العبورَ من وضع الأزمة وتوصيفاتها إلى وضع تفكيك المعطيات
ونقدها واستشراف البدائل المحتملة ليكون السؤال: «إلى أي مدى يمكن أن يكون ‹الخبير› قادرًا على
ملء الفراغ الذي تركه المثقَّف؟»، تأسيسًا للبحث في معقولية الزمن الجديد. في هذا الاتجاه إذن، سيتحرك القسم الثالث، وسينشغل بسياقات ميلاد الخبير والوظائف التي ينهض
بها. ويطمح البحث إلى أن يراكم تقدمُه نقاط الافتراق الرئيسية بين عالَم المثقَّف وعالَم الخبير، وأن
يعطي تصوّرًا لمشروعية انقضاء زمن المثقَّف وبروز زمن الخبير. بناء على ما سبق، ربما يحدث في النهاية ما يشبه اليقين بأن الخبير بات ضرورة تاريخية اليوم لممارسة
التفكير في قضايا العرب الكبرى. ولكن، ما الإمكانات والاستعدادات التي ينبغي أن تتوافر لانبثاق زمن
الخبير العربي؟ هذا موضوع قد لا يصيب فيه هذا البحث بسهم مباشر ومُثْمر، وعسى أن يكون مقدّمة
لأعمال لاحقة.
لمّا كانت مسألة المثقَّف مُتحوّلة بما يطرأ على المجال الذي تقع فيه من تحولّات، رأى هذا البحث أن
يعتمد في تقليب القضايا التي تنظر فيها منهجًا تاريخيًا وظيفيًا يُؤمِّن تحليل الظاهرة وهي تنمو وتتطوّر،
ويرصد التحولّات التي تطرأ عليها وآثارَها في محيطها، وآخرَ تاريخيًا نقديًا يعالج قراءات الظاهرة برد
ما تُصْدره من أحكام إلى سياقاتها. المثقَّف الهُووي: مقاربة في سياقات النشأة والدور
اللحظة الدريفوسية ونشأة المثقَّف: بحث في تكوّن المجال
«إنّي أتّهم» هي العبارة التي منحت المثقَّفين شهادة ميلاد. ولكن، ينبغي الإشارة إلى أن هذا الإعلان
الذي نال ما يشبه الإجماع لا يعني أن فراغًا كان العالَم يهوي إليه قبل هذا التاريخ؛ فمن المبالغة
الذهاب إلى أن المجتمعات الإنسانية لم تعرف قادة رأي ومصلحين ودعاة وهداة وفّروا لها القيم الضرورية للحياة. إن ما جعل هذا الحدث يكتسب كثافة رمزية استثنائية هو نشوء دائرة انتماء يندرج فيها نشاط طائفة من الناس ندبت نفسها للدفاع عن الحقيقة والعدل، وهي بذلك ستضْ حي مكوّنًا فاعلً في حياة
المجتمعات المعاصرة. «من واجبي أن أتكلّم لأنّي لا أريد أن أكون شريكًا [في الجريمة]. فإنْ لم أفعل، فإن شبح ذاك الرجل البريء الذي يدفع هناك ثمن جريمة لم يرتكبها ويُسَام أشدّ ألوان العذاب سيلاحقني في نومي.
(((:J’accuse هذا عنوان رسالة إميل زولا إلى الرئيس الفرنسي فليكس فور (F. Faure).
(((أغلب الدراسات المهتمّة بتاريخ الأفكار، وكذا المعاجم، تعتبر قضية دريفوس السبب المباشر لنشأة كلمة «مثقَّف». راجع، مثلً:
Pascal Ory et Jean-François Sirinelli, Les Intellectuels en France: De l’affaire Dreyfus à nos jours , collection U. Histoire (Paris: A. Colin, 1986). Jacques Le Goff, Les Intellectuels au Moyen âge , Points. من الدراسات التي بحثت في تاريخ المثقَّف قبل دريفوس: (((Histoire; 78 (Paris: Ed. du Seuil, 1985), et Geneviève Idt, «L’Intellectuel avant l’affaire Dreyfus , » Cahiers de lexicologie , vol. 15, no. 2 (1969).
ويُستَحسن في هذه المسألة العودة إلى: جيرار ليكلرك، العولمة الثقافية: الحضارات على المحك، ترجمة جورج كتورة (بيروت: دار
الكتاب الجديد المتّحدة، 2004). انظر على نحو خاص الفصل الثالث: «المثقَّفون بين التقليد والحداثة (علمنة الثقافة)»، ففيه وقف
ليكلرك بكثير من العمق والطرافة على المشترك بين من يمكن أن نسمّيهم «مثقَّفي ما قبل الحداثة» والمثقَّفين الذين نشأوا في صُلبها
وصُلب العلمانية، كما وقف على نقاط الاختلاف الجوهرية. انظر أيضًا: عزمي بشارة، « عن المثقَّف والثورة،» تبين، السنة 1، العدد 4
(ربيع 2013)، خاصة العنصر «ملاحظة تاريخية»، والعنصر «إشكاليات»؛ محمّد عابد الجابري، المثقَّفون في الحضارة العربية: محنة
ابن حنبل ونكبة ابن رشد، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، وعز الدين العلاّم، الآداب السلطانية: دراسة في بنية
وثوابت الخطاب السياسي، عالم المعرفة؛ 324 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2006
(((ممّا يُفيد حداثة الاستخدام أن الذين تداعَوْا منتصرين لزولا وقضية دريفوس العادلة أن أسماءهم التي كانت تظهر في عرائض
مساندة تنشرها جريدة لورور (L' Aurore) في سلسلة من أعدادها لم تكن الوظائفُ الملحقة بها تشير إلى أنهم «مثقَّفون». كانت
هوياتهم المهنية تُعرّف بهم (جامعي، فنّان، أستاذ، مهنة حرّة...). والراجح أن كليمنصو هو أول من استخدم عبارة «المثقَّف» لتعيين
هؤلاء الذين انتصروا لقضية زولا العادلة. ويبدو أن موريس برّاس (M. Barrès) نجح لاحقًا في جعل هذا الاستخدام يعرف رواجًا
كبيرًا من خلال جريدة الجريدة) Le Journal (اليومية الواسعة الانتشار. وربّما كان يلزم بعض الوقت حتّى يعبّر هؤلاء عن أنفسهم بهوية
جماعية يخرجون بفضلها من الانتماء المهني الفردي. كان ذلك في 26 حزيران/يونيو 1919. ففي جريدة الإنسانية) Humanité (
ظهر بلاغ لفئة المثقَّفين يعرّفون أنفسهم تعريفًا هُوَويًا: «نحن خدَمُ الفكر. ليس لنا سيد غيره.»
وشأن كلّ امرئ شريف، سأصرخ بما أوتيت من قوّة وغضب بهذه الحقيقة، أمامكم يا سيادة
الرئيس». هذا مقطع من رسالة غير عادية توجّه بها الروائي الفرنسي إميل زولا يوم 23 كانون
الثاني/يناير 1898 إلى الرئيس الفرنسي فليكس فور عبر جريدة لورور. وهو نصّ غير عادي لا من
جهة محتواه الإنساني فقط، بل أيضًا من جهة ما مثّله في التاريخ الثقافي الفرنسي على نحو خاص. إن
دريفوس، الضابط الذي اتُّهم باطلً بالخيانة وإفشاء السرّ العسكري، لم يكن استثناء، فربما هناك غيره
في الجيش الفرنسي وفي سواه من جيوش العالَم. إن وعي زولا بأنه في منزلة تُحتّم عليه «الكلام» أسبغ على النص وضعَه التاريخي الاستثنائي. إميل زولا ينطبق عليه على نحو بديع ما سيقوله سارتر
عن ذاك الذي «يدسّ أنفه في ما لا يعنيه». لقد أعلنَ برسالته عن ميلاد زمن المثقَّف، فما هي ملامح
المثقَّف وما الدور الذي سيقوم به؟ «إن المثقَّفين الذين وُه بوا سلطة روحية حقيقية على غرار ميشال فوكو أو بيار بورديو أو جاك دريدا أو
حتى سارتر، ما عاد لهم وجود. ثمّة اليوم وسطاء إعلاميون يسمَّوْن عبثًا مثقَّفين غير أنهم لا يملكون
إلّ هيئات المثقَّفين، وعلى نحو سطحي جدًا». وهذا مقطع آخر من حوار أجراه دانيال شيفر مع إيف
زاركا بمناسبة صدور كتابهاستقالة المثقَّفينسنة 2010، وهو بمثابة نعي للزمن الأول ذاك الذي دشّنه زولا. وبقطع النظر عن نوع الحكم ومدى مطابقته للواقع، فإن النظر في دوافعه يمكن أن يوصل إلى
بعض الاستنتاجات الأوّلية. إن ما نال بعض الأفراد به التسمية التشريفية «مثقَّف» هو تمتّعهم ب «سلطة
روحية حقيقية». ونعْتُ السلطة بالروحية يفيد بأن مجالً للنفوذ والقيادة والزعامة انبثق بعيدًا عن مجال
سلطة مؤسّسة الحكم بما تملك من أدوات الإخضاع والإكراه «الشرعي»؛ فالسلطة لا تكون سلطة إن
لم تكن قائمة على فرض السيطرة من جهة وتحصيل المنفعة من جهة أخرى. هكذا هي كما جلتها أدبيات الفكر السياسي. إن «الإكراه يؤسّس خصوصية السلطة... ينبغي أن تتضمّن السلطة الإكراه
بالضرورة». ولا تكون السلطة روحية إلّ متى تجرّدت العلاقة بين صاحب النفوذ وجمهوره من كل
أثر لنَفْع يجنيه لنفسه. ومن هنا كان النعت الثاني «سلطة روحية حقيقية »، وقد جاء ليسدّ الطريق دون
استثمار ما هو «روحي» في تحقيق أي نوع من المكاسب. وضَ رب زاركا على ذلك مثلً، فاستقدم أربعة
مثقَّفين ممّن وُهبُوا تلك السلطة: فوكو وبورديو ودريدا وسارتر.
Emile Zola, J'accuse!: Et Autres Textes Sur L'affaire Dreyfus , présenté par Philippe Oriol راجع نص الرسالة في: ((((Paris: éd. J’ai lu, 2001). Marc Olivier Baruch et Vincent Duclert, dirs., Justice, politique et république: de l'affaire Dreyfus à وللتوسع انظر: la guerre d'Algérie , histoires du temps présent (Bruxelles; [Paris]: Ed. Complexe; [Paris]: IHTP, 2002); Jean-Denis Bredin, L'Affaire , nouv. éd. ref. (Paris: Fayard: Julliard, 1993), et Michel Winock, Le Siècle des intellectuels (Paris: Ed. du Seuil, 1997). Entretien avec Yves charles Zarka (par Daniel Salvatore Schiffer, 2 Décembre انظر نص الحوار على الموقع الإلكتروني: (((2010) <blogs.mediapart.fr/.../entretien-avec-yves-charles-zarka-la-destitution-des> (7) Yves Charles Zarka, La Destitution des intellectuels; et Autres réflexions intempestives , intervention philosophique (Paris: Presses universitaires de France, 2010). (8) Michèle Lamont, «Le Pouvoir des intellectuels,» Politique , vol. 1, no. 1: Les Intellectuels et les pouvoirs (Janvier 1982), p. 23.
قبل تفصيل القول في سلطة المثقَّف كيف تنشأ فينقاد إليه الناس، يحسن منهجيًا الظفر بالمكوّنات التي
تبني عالم المثقَّف الخاص واعتمادها منطلقًا لبناء مجاله أولً وسلطته ثانيًا. وستعتمد هذه الورقة رسالة
دريفوس باعتبارها نصًا تأسيسيًا لا غنى عنه للباحث في نشأة المثقَّف الهُوَوي؛ فهي المادّة البكر الأولى
التي صيغ في ضوئها كثير من التعريفات المعجمية. وإذْ يقع اعتمادها، فلأن فيها كلّ ما يساعد على التعريف الهووي. لكن ينبغي الإشارة قبل ذلك إلى مسألة هي من حوَافِّ النصّ لا من صميمه ومع ذلك لا تنفصل
عنه: كان زولا يكتب في مسألة لا تعنيه من حيث انتمائه المهني؛ فالقضية المثارة موضوعها مَظلمة
في هيئة الأركان والقضاء الحربييْن في فرنسا. وهُما من أشد المجالات انغلاقًا باعتبار ما يحيط
بالشأن العسكري عادة من خصوصية. وما كان زولا عسكريًا فتُوجَد له الأعذار وإنِاستعصَت.
كتب «في ما لا يعنيه». وهذا مؤشّر أوّلينلتقطه لنقول إن المثقَّف وهو يباشر فعله «الثقافي» يباشره
لا باعتباره مسؤولً مسؤولية إدارية أو مهنية وإنّما باعتباره مسؤولً مسؤولية أخلاقية. وأمّا المؤشّر
الثاني، فنلتمسه من قوله: «من واجبي أن أتكلّم». فالكلمة سلاح المثقَّف. إنها وسيلة فرْض السلطة.
السلطة التي تُفْرَض أصلً وابتداء بالقوة والإكراه. ولم يتكلّم زولا رغبة في الكلام. تكلّم من منطلق
الشعور بالواجب. وهذا يدفع إلى التقاط المؤشّر الثالث، وهو أن الانخراط في هموم الآخرين وتبنّي قضاياهم والدفاع عنها مسؤولية (قد تتطوّر هذه المسؤولية/الواجب في نظريات السوسيولوجيا
الثقافية والسياسية إلى مقالات فلسفية مثل الالتزام والعضوية والعمومية). وجاء في الرسالة أيضً: ا
«ما نَدبتُ نفسي للقيام به إنْ هو إلّ أداة ثورية لاستحثاث الحقيقة والعدالة على التحقّق». وههنا يكمن
المؤشّر الرابع: إنه المقصد. إنّ لكلّ عمل غاية. وغاية زولا كشْفُ الحقيقة وتحقيق العدالة. وهو، بلا ريب، مقصد إنساني نبيل. إنه الدفاع عن القيم حتى لا يُحوِّل العابثون حياة الناس إلى شقاء وحرمان.
وتتكرّر في الرسالة عبارة «إنّي أتّهم» تكرارًا لافتًا (ثماني مرّات)، فيدلّ ذلك على المخاطرة والإصرار
عليها. ويتجلّى من خلالها الوعي بالمشاقّ التي قد تعترض المثقَّف وهو يمارس واجبه. فمع كل تكرار تنفتح جبهة في وجه زولا. ويسوق هذا إلى استنتاج مفاده أن المثقَّف مستعد لمحاربة الجميع والوقوف وحده وبلا سند ما دامت قضاياه عادلة. وهنا يبرز المؤشّر الخامس: المواجهة/النضال. ولا معركة بلا خسائر: «لا أنكر أني أضع نفسي تحت طائلة البنديْن 30 و 31 من قانون الصحافة لسنة
29 تموز/يوليو 1881 الذي يعاقب على جرائم الثلب». إنه المؤشّر السادس: الاستعداد لتحمّل
نتائج النضال.
(((أحيانًا يختلط العنصر السادس (الاستعداد لتحمّل المسؤولية) بالعنصر الخامس (المواجهة). وجدنا هذا عند غرامشي الذي اعتبر
السجن جزءًا من المواجهة وليس نتيجة لها. وهذا من باب الاستغراق في عيْش المسؤولية وتحويل العقوبة إلى انتصار. قال في رسالة
من داخل السجن يخاطب أمّه: «ألا تعتقدين أن حياتي كانت دائما مسطّرة وموجّهة وفق قناعاتي الشخصية؟... كما أن السجن أيضًا
يُعتبَر وسيلة للمواجهة... لا يخيفني كفرضية ولا يحبطني كوضع حقيقي»، انظر: أنطونيو غرامشي، رسائل السجن: رسائل أنطونيو
غرامشي إلى أمّه (1934-1926)، ترجمة سعيد بوكرامي (لندن: دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، 2014)، ص.54
((1(صدر ضدّه بسبب هذه القضية حكم بالسجن مدة سنة واحدة فاضطر إلى اللجوء إلى لندن.
ما نخرج به من هذه الرسالة يمكن صوغه في عناوين تصلح لِنْ تكون علامات يتحدّد في ضوئها مجال
المثقَّف الهُوَوِي: فأمّا الكلمة فأمانة، وأمّا المسؤولية فوعي، وأمّا الغاية فرؤية، وأمّا النضال فشرف،
وأمّا تحمّل النتائج فتضحية. ولا يكتمل رسم حدود المجال إلّ بشرط واحد هو أن يكون صاحب هذه
الخصال صادرًا في أفعاله عن إرادة ذاتية لا عن ضرورة مهنية.
المثقَّف الهُوَوِي.. بحث في الحقل والدور
إن توافر هذه «الاستعدادات» و«الكفايات» يساعد على انبناء الفضاء الذي تتحقّق فيه هُوية المثقَّف،
وهو الحقل)Champ(. وغني عن البيان أن بورديو هو من استحدث هذا المفهوم الإجرائي لدراسة
البنى الاجتماعية وتعميق النظر في خصائصها وآليات عملها. وإذْ نستعير هذا المفهوم، فلأنه يمتلك قدرة كبيرة على إظهار أن المجتمع ليس نسيجًا موحَّدا وموحِّدا تلتقي فيه وتنصهر أطيافه والفاعلون فيه
ويتكاملون في الأدوار التي يؤدّونها وإنْ شقّهم صراع طبقي أبدي كما ترى الماركسية، وإنما هو كيانات
وتكتلّات ومجالات مستقلّ بعضها عن بعض، ولكلّ واحد منها آليات تسيير ذاتي وتصوّرات ومقاصد
خاصة به. ومن داخلها يتكوّن بالتدريج حسّ مشترك وقواعد عمل متّفق عليها. وليست هذه التكتلّات
والكيانات إلّ حقولً، كالحقل السياسي والحقل الديني والحقل الاقتصادي. ولا يتكوّن ذاك الحس
المشترك إلّ ب«ضريبة» يدفعها الملتحق بهذا الحقل أو ذاك، وهي نوعان: وجوب «الاعتراف بقوانين
الحقل والحفاظ على مصالحه» و«الإحاطة بكلّ ما يَصنَع تاريخ الحقل من المشكلات والصراعات
والإمكانيات، فضلً عن المعرفة العملية بمبادئ اللعبة وكيفية اشتغالها». صحيح أن بورديو لا يذهب إلى أن الانسجام كامل بين شاغلي الحقل الواحد؛ فالصراع موجود، ولكنه ليس طبقيًا حدّيًا. هو نوعان:
صراع داخلي بين المهيمنين القدامى أصحاب المصالح التقليدية من جهة، والجيل الجديد الراغب في فرض وجوده من جهة ثانية، وصراع خارجي يصطدم فيه الحقل بحقول أخرى نظرًا إلى انعدام
أي إمكانية للانصهار في ما بينها. إن سريان تفكير بورديو البنيوي جلي في هذا المستوى؛ فالحقول
كما يراها هي بمثابة بنى مغلقة ومسقلّة)Structure/structurée(، ولذلك يظلّ كلّ حقل محافظًا على وجوده ومؤدّيًا الوظائف التي لا تؤدّيها الحقول الأخرى. بناء على هذا، يمكن تجاوز كثير من التعريفات المعجمية التي تقدّم المثقَّف من دون خصائص نوعية
يتفرّد بها ومن دون فضاء خاص به. فَمِن ذلك أن أول ما يعترض متصفّحَموسوعة العلوم الاجتماعية
البريطانية هذا التعريف: «المثقَّفون هم أناس حائزون على المعرفة، أو إنهم بتعبير أدق أولئك الذين
ينهض حكمهم على الأشياء على التفكير والمعرفة». وم ثل هذه التعريفات تُمَيع الحدود الفاصلة
بين هويات الجماعات الناشطة في حقول قريب بعضها من بعض. ومن شأن هذا التمييع أن يسلب
((1(علي حرب، أصنام النظرية وأطياف الحرّية: نقد بورديو وتشومسكي، سياسة الفكر؛ 2 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي
العربي، 2010)، ص.33-32
(12) Encyclopaedia of the Social Sciences , Editor-in-Chief Edwin R. A. Seligman; Associate Editor Alvin Johnson, 15 vols. (New York: Macmillan company, [1930-1935]), vol. 8, p. 118.
المثقَّف انتماءه إلى مدار أو مجال خاص به. والواقع إنه ليس هناك من فضاء يلفّه الغموض بما يتقاطر
عليه من طوائف كثيرة ومتنوّعة من الفاعلين، كالفضاء الذي يَنْسب المثقَّف نفسَه إليه. وقد يكون
غرامشي قصد انتشال المثقَّف من ضبابية التعريف العام حتى يمنحه فضلً لا يعرفه غيره لمّا ميزه فقال:
«إن جميع الناس مفكّرون. ومن ثَمّ نستطيع أن نقول: ولكن وظيفة المثقَّف أو المفكّر في المجتمع لا
يقوم بها كلّ الناس». لا نتوقّع أن يكون غرامشي قد قام بهذا الفرز من دون أن يكون هو نفسه مادّة
تعريفية بامتياز. فما يميزه مفكّرًا من غيره من مفكّرين آخرين هو أنه قام بوظيفة المثقَّف، وأن «دفاتر
سجنه» تشهد له بذلك. لقد حوكم بعشرين سنة سجنًا، وأمضى في سجون موسوليني نصفها وفارق الحياة قربانًا. استخدم غرامشي عبارة «وظيفة المثقَّف» وهو لا يعني قطعًا أن هذه الوظيفة قابلة ل«المَهْننَة» (profes
sionnalisation)، وإنما المراد أن المثقَّف لا يكون مثقَّفًا بمجرّد تحصيل نصيب من العلم. فلو كان
الأمر كذلك لكان الناس في أغلبهم مثقَّفين. إن تحويل المكتسبات من العلم والمعرفة إلى مواقف
يحيا بها الإنسان سلوكًا وعلاقات وقيمًا ومبادئ هو ما يتمّ به الفرز والتصنيف، فيكون المثقَّف في
جهة من المشهد السياسي/الاجتماعي، ويكون في الجهة الأخرى كلُّ مَن لم يعش عمليات التحويل
المذكورة. ويمكن على هذا الأساس تعيين المثقَّف تعيينَ تصنيف ليكون فئة أو طائفة أو جماعة
تختص بالجمع بين المعرفة والعمل. وللعمل هنا معنى سوسيولوجي وأخلاقي واسع. وهذه
«الوظيفة» التي «لا يقوم بها كلّ الناس» تدفع إلى استخلاص نتيجة هي أن تلك الفئة لا يمكنها أن تكون
إلّ محدودة إمّا عددًا وإمّا أثرًا. وهذا تقريبًا ما أثاره جوليان بندا)J. Benda(وهو ينظر في الخصال
التي يتحلّى بها هؤلاء. وهذا التعريف الفَرْزي الذي يجعل الفعل في الأرض ممارسة خصوّصية يقْصُر
دونها من قَصُرَتْ بهم همّتهم عن الانتصار للحقّ هو تمامًا ما بلوره سارتر تحت عنوان الالتزام حين
(13) Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, Edited and Translated by Quintin Howare and Geoffrey Nowell-Smith (New York: International Publishers, 1971), p. 9.
((1(إفادتُنا من غرامشي في هذا المستوى أساسية. لكننا نود الإشارة إلى أن انتماء المثقَّف «الغرامشي» ضرورةً إلى طبقة ما لا
نتحمّس كثيرًا لتبنّيه لأن مطمح هذه الورقة هو توفير القرائن التي تسمح بتشكيل مجال مستقل للمثقَّف. قد لا ينجح المثقَّف في أن
يكوّن لنفسه «طبقة» خاصة به، وقد يكون التقسيم الطبقي في حدّ ذاته واحدًا من أسباب ميلاد المثقَّف، غير أن مصطلح الحقل يعطي
المثقَّف هويته فوق- الطبقية.
((1(عبّر بربروس هنري (B. Henri) تعبيرًا مباشرًا ودقيقًا عن هذا، فقال:
«Une idée juste porte des conséquences réalistes, sinon, ce n’est, socialement, qu’une mensonge»: Henri Barbusse, Le Couteau entre les dents: Aux intellectuels (Paris: Editions Clarté, 1921), p. 13.
((1(من دون الإفاضة في استعراض تقسيمات غرامشي الشهيرة للمثقَّفين، نكتفي بالتنويه إلى أن طريقتين اعتمدهما غرامشي
في التقسيم/التعريف: تنهض الأولى على الموقع والوظيفة اللذين يحتلّهما المثقَّف داخل «بنية» اجتماعية ما. وهذا التعريف له
خصوصية سوسيولوجية. وكان مصطلح «المثقَّف العضوي» الميزة النوعية للمثقَّف. وأمّا طريقة التصنيف/التعريف الثانية، فذات
طبيعة تاريخية تهدف إلى التعريف به انطلاقًا من موقعه ووظيفته داخل مسار تاريخي. وعبّر مصطلح «المثقَّف التقليدي» عن هذا
الصنف الثاني. ولكن يجدر الإشارة إلى أن التقسيم يغلب عليه الطابع المنهجي، فالتداخل بين النوعين ممكن أو قائم في وضعيات
سوسيولوجية كثيرة.
Jean-Marc Piotte, La Pensée politique de Gramsci (Montréal: Editions Parti Pris, 1970), esp. وللتوسّع يمكن العودة إلى:
Chap. 1: «L’Intellectuel organique».
جعل الدور الاجتماعي)rôle social(في علاقة مباشرة بالوضعية)situation(التي هو فيها. فقد أورد في العدد الأول من مجلة الأزمنة الحديثة) Les Temps modernes (التي أسّسها في خريف 1945
بالاشتراك مع ميرلو-بونتي هذا التمييز صريحًا: «يحيا الكاتب وضعيةً ما في عصره: لكلّ كلام رَجْع،
ولكلّ صمت رَجْعُه أيضًا. إني أحمّل فلوبار وغُونْكور المسؤولية عن الاضطهاد الذي تلا الكُومونة
لأنّهما لم يَخُطّا ولو سطرًا واحدًا للحؤول دون وقوعه. قد يقول قائل: ليس هذا من شأنهما. ولكن: هل
كانت قضية [العائلة] كلَاس شأنًا خاصًا بفولتير؟ وهل كانت إدانة دريفوس قضية زولا الشخصية؟
وهل كان [سوء] الإدارة [الفرنسية] في الكونغو قضية جِيد الشخصية؟ إن كلّ كاتب من هؤلاء، وهو في وضعية مناسبة للتصرّف، حدّد مسؤوليته». هكذا إذن كان التصنيف قائمًا على الوظيفة لا على المشترك (المعرفة). وتنقلنا الوظيفة بدلالتها
الاجتماعية إلى مفهوم «الدور الاجتماعي»، وهو مفهوم أثير في العلوم الاجتماعية منذ أواخر القرن التاسع عشر قبل أن يفقد جزءًا من سلطته في التحليل والتفسير. إن الدور الاجتماعي محدِّد رئيسي في عمليات الفرز والتصنيف التي اعتمدها سارتر (وغيره أيضًا
ممّن خصّوا المثقَّف بوجود هُوَوي). وبهذا تفقد المكانة الاجتماعية المتأتّية من الوظيفة/المهنة قيمتها
في تعريف المثقَّف. ولا يكون الدور الاجتماعي فعّالً وقادرًا على تمييز المثقَّف من غيره ما لم يكن
منبثقًا من قاعدتين متلازمتين تلَازمَ العلّة بالمعلول وهما: الإيمان بالقيم الإنسانية الكبرى، والانخراط
عمليًا في تكريسها. ومن شأن هاتين القاعدتين أن تُكس با الدور الاجتماعي فاعلية تكاد تكون رسالية
يتجاوز بها المثقَّف وضعية القيادة بمعناها المباشر إلى وضعية الرائي والمخلّص: «المثقَّفون... هم
أولئك الذين يسكبون الأفكار في صخب الحياة. وسواء كانوا علماء أو فلاسفة أو نقّادًا أو شعراء،
Jacques Rougerie, La Commune de 1871 , Que على سبيل المثال: (La Commune de Paris) »راجع عن «كومونة باريس ((1(sais-je ?; 581, 3ème éd. corr. (Paris: Presses universitaires de France, 1997).
((1(نشير إلى أن « رسالة في التسامح ») Traité sur la tolérance (كانت الثمرة الفكرية المباشرة لتدخّل فولتير في مأساة العائلة
Benoît Garnot, Voltaire et l’affaire Calas: Les Faits, les interprétations, les enjeux , récits:كلاس. للتوسع يمكن العودة إلى d’historien (Paris: Hatier, 2013).
((1(يشير سارتر إلى رحلة أندريه جِيد إلى الكونغو واطّلاعه على سوء الإدارة الفرنسية لمستعمراتها، وآثار ذلك في حياة الناس.
يمكن، للتفصيل، العودة إلى وقائع هذه الرحلة ومواقف ج يد النقدية في كتابه/ سيرته الموسوم برحلة إلى الكونغو: André Gide,
Voyage au Congo: Suivi de Le Retour du Tchad: Carnets de route , collection idées; 443 (Paris: Gallimard, 1981) (Première parution en 1929). (20) Patrick Wagner, «La Notion d’intellectuel engagé chez Sartre,» Le Portique , no. 1 (2003), p. 3.
ويمكن مراجعة الدراسة على الموقع الإلكتروني:.<http://leportique.revues.org/381>
((2(غني عن البيان أن «الدور» اصطلاحًا قد لفّه غموض كبير وتعرّض لانتقادات كثيرة. وذهبتْ دراسات غير قليلة إلى اعتباره
اليوم فاقدًا الوظائف التي لازمته سابقًا. واختزال نقول إنّ الدور عُرّف أوّل الأمر من زاويتيْن: زاوية بنيوية ذات مرجعية أنتروبولوجية
(أعمال لنتون (Linton) أساسًا. والحاصل منها أن الدور هو الحالة الديناميكية للهيئة)، وزاوية تفاعلية (Interactionniste) (مستوحاة
من أعمال ميد (Mead). والحاصل منها أن الدور هو العنصر- المفتاح للعلاقة الجدلية بين الفرد ومحيطه). أفدنا على نحو خاص من:
Jacques Coenen-Huther, «Heurs et malheurs du concept de rôle social,» Revue européenne des sciences sociales , no.
Alain Degenne, «A Propos de la notion de rôle dans l’analyse des relations وللتوسّع في مفهوم الدور الاجتماعي وأبعاده:
sociales,» Mathématiques et sciences humaines, no. 193 (2001), pp. 37-45.
فإن مهنتهم)métier(الأبدية هي ضبط الحقيقة التي لا تقبل التعدّد وتنظيمها، إن في قواعد أو في قوانين
أو في كتب. إنهم الذين يرسمون المسارات والاتجاهات. إنهم يحوزون موهبة شبه إلهية تسمح لهم بأن يسمّوا الأشياء بأسمائها». ما نخلص إليه ممّا تقدّم نجْمله في النقاط الأربع التالية: - إن المثقَّف صاحب رسالة يناضل من أجلها ويتحمّل في سبيلها المكاره. وهذه الرسالة تنهض على
الإيمان بمجموعة من القيم مثل الحق والعدل والحرية. وبقطع النظر عن الجداول التصنيفية التي يتمايز بها
المختصّون في المسألة الثقافية بعضهم من بعض (المثقَّف العضوي، المثقَّف الملتزم، المثقَّف الثوري،
المثقَّف العمومي...)، فإن شيئًا ما يخرقها جميعًا ويوحّد بينها يمْكن تجليتُه في مصطلح الدور الاجتماعي. - يمارس المثقَّف وظيفته فيكتسب بها سلطة تأثيرية بما استقرّ في الحقل الذي ينتمي إليه من معان وقيم
ومبادئ. ويتحوّل محصول ما استقرَّ في هذا الحقل إلى «رأس مال رمزي»)capital symbolique(.
وهو قادر على توفير إمكانات واسعة لإنتاج علاقات تفاعلية مع المحيط الاجتماعي. - إن المثقَّف يكتسب، من طريق الدور الذي ندب نفسه للقيام به وما يستتبع ذلك من التزامات، مجموعة من العناصر التعريفية والتكوينية فيصبح بها صاحب هُوية. والهوية، إضافة إلى أبعادها التجميعية
والتركيبية، تَصلح لأن تكون مدخلً إلى تشكيل فضاء خاص بالمثقَّف يمكن أن نطلق عليه بلا تردّد عبارة
المجال، تمامًا كصلاحيته لأن يكون مدخلً إلى اعتبار «ساكني» هذا الفضاء/المجال كتلة أو نخبة. - إن ميلاد المثقَّف اقتضاه الوعي والتطوّر التاريخيان. وقد كان علامة على أن الحياة الإنسانية تحتاج
باستمرار، وهي تترقّى، إلى موازين أخلاقية وروحية وأدبية ومعنوية تُقاس بها درجة ابتعاد الإنسان عن
مدار جاذبية الشرّ وتحَمُّلِه مسؤولية أنسنة وجوده. فوجود المثقَّف إذن شهادة للإنسان حينًا وشهادة
عليه حينًا آخر.
أزمة المثقَّف الهُووي.. قراءة في السياق الدريفوسي
لئن كانت صرخة زولا «إنّي أتّهم» شهادة ميلاد المثقَّف، فإن «نهاية المثقَّف» كانت بمثابة «تقرير
حالة» تمّ بمقتضاه استخراج «شهادة وفاة». وإذا كان إعلان الولادة لا يثير قضايا وإشكالات نظرًا إلى
أن الحاجة إلى المثقَّف هي التي اقتضتْ وجوده، فإن ما يدعو إلى الريبة والقلق هو إعلان الوفاة. بأي
معنى يُفهم الأمر؟ هل استفرغ المثقَّف الهُوَوي كلّ الجهد لإبقاء مشروعية وجوده قائمة؟ هذا سؤال من
أسئلة أخرى مدارها على المثقَّف يصنع وجوده باتّهام غيره وتُصنَع نهايته باتّهامه.
(22) Barbusse, p. 5.
((2(من أكثر العناوين إثارة العنوان الذي تخيّره جون فرنسوا ليوتار «قبر لكلّ مثقَّف» Tombeau de l’intellectuel. ولم يكن كتاب
ريجيس دوبريهالمثقَّف الفرنسي.. التتمّة والنهاية L’intellectuel français.. suite et fin أقل منه مأساوية: قال عنه حسونة المصباحي:
«لكأنّنا ونحن نقرأه نسير في جنازة حزينة لمثقَّفين فقدوا الدور والمصداقية والجدوى وباتوا صالحين لشيء واحد: الدفن!:»، انظر
حسونة المصباحي، «المثقَّفون.. هل أصبحوا موضة قديمة؟»، الشرق الأوسط،.2001/2/5
كثيرة هي الأدبيات التي تتحدّث عن انتهاء المثقَّف، ولا شك في أنها لم تأت من فراغ. ولكن كثرتها
لا تعني بالضرورة صدقيتها بإطلاق؛ فقد يوجد باستمرار مَن يهَب نفسه للدفاع عن العدل والحق وإن
جُرّد من هذه الهوية التي شكّلها السياق السابق الذكر. وقد يكون التطوّع لأداء هذا الدور واقعًا في معنى
الوجوب أو الالتزام السارتري، ولكن خطورة أطروحة النهاية لا تستمدّ أهميتها من ضياع الحق بموت
المثقَّف، وإنما من انهيار التوازن بين التشكيلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية الذي نشأ
بميلاد المكوّن الثقافي؛ فترويج «خبر» موت المثقَّف كأنما هو اعتداء رمزي على مكسب إنساني وفّره
قانون الترقّي البشري في اتجاه التحرّر من نزعات الإنسان الشرّيرة لا بالمعنى الأخلاقي فقط وإنما بما
للشر من حمولة مناقضة للثقافة أصلً وابتداء. وحين يُسلَّط تفسير تاريخي تطوّري قهري لنهاية المثقَّف
مفاده أن المثقَّف مُنتَج تاريخي زائل بحكم قانون التطوّر نفسه، تفقد حركة التاريخ مقاصدها الكبرى،
ويتجرّد الإنسان تحت قدَريتها الصارمة من قدرته على الفعل والتوجيه، ويصبح هو نفسه صنيعة التاريخ
وليس صانعه. وبهذا التصوّر تختفي عقلانية التاريخ ويغرق في اللّمعنى. ربما تَجاوَز توصيف الواقع واستخراجُ النتائج إلى إطلاق الأحكام، فجاءت الإدانة عنوانًا بارزًا لزمن ما
بعد المثقَّف الدريفوسي؛ إذ كتب جوليان بندا خيانة المثقَّفينفي وقت مبكر، وشدّد فيه على انحراف
المثقَّفين عن رسالتهم الأصلية وانخراطهم في دعم الأنظمة الحاكمة والمؤسسات الرسمية. لم يُسَم
بندا المثقَّفين باسمهم الهُوَوي، بل أطلق عليهم اسم clercs لما في التسمية من عَبق روحي ووجدانيِ
فوق دلالتها المعجمية المباشرة. والقصد هو أن تكون الإدانة أشدَّ وقعًا؛ إنها خيانة الروح. وكتب بعد
ذلك إدوارد سعيد تحت العنوان نفسه، «خيانة المثقَّفين»، مقالة دان فيها أداء المثقَّفين الأميركيين الذين
صمتوا عن جرائم الحرب التي ارتكبتها دولتهم، أو اتّبعوا سياسة التبرير: «إنْ كانت الحياة الإنسانية مقدّسة... يجب دائمًا على المرء أن يبدأ مقاومته من وطنه ضد السلطة كمواطن يمكنه التأثير، لكن يا
للأسف... ليس هناك سوى خيانة المثقَّفين والإفلاس الأخلاقي الكامل». في علل التراجع: مقاربة تاريخية وظيفية
من التوصيف إلى القراءة
بناء على ما تَقدّم، يسلِّم البحث بأن التراجع أضحى بمثابة الحقيقة التاريخية والسوسيولوجية. وسيصطفي نصوصًا ثلاثة تتّخذها متّكأ تحاول من خلاله تبيُّن واقع «التراجع» وأبرز المقاربات
في شأنه:
((2(لعل عبارة «التزعزع» التي استخدمها علي حرب أقرب إلى المراد باعتبارها تقوم على نقل المشهد: «أيًا يكن، فالدور التنويري
والتحريري للمثقَّف الطليعي والنخبوي قد تزعزع منذ زمن»، انظر: علي حرب، الاستلاب والارتداد: الإسلام بين روجيه غارودي
ونصر حامد ابو زيد (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص 76. واستخدم أيضا عبارة «التصدّع»، وهي ملائمة كذلك في هذا
السياق: «إنّ نموذج المثقَّف، المناضل والطليعي... قد تصدّع بعد أن آل إلى الفشل والإحباط» (ص. 82)
Grasset: Julien Benda, La Trahison des clercs ,. ومنها طبعة 1927 ظهرتْ طبعاته الأولى سنة « La Trahison des clercs » ((2(
les cahiers verts (2eme série); 6 (Paris: Bernard Grasset, 1927).
((2(إدوارد سعيد، خيانة المثقَّفين: النصوص الأخيرة، ترجمة أسعد الحسين (دمشق: دار نينوى للتحقيق والنشر، 2011)، ص.89
النص الأول: «منذ السنوات العشرين الماضية التي ظهر فيها الكتاب الذي أعيد نشره حاليًا، بدا لي اليوم
أن الأطروحة التي كنت أتبنّاها، وهي أن الرجال الذين اتّخذوا من الدفاع عن القيم الخالدة والنبيلة،
مِثل العدالة والحقّ، وظيفةً لهم والذين سمّيتُهم مثقَّفين)clercs(قد خانوا هذه الوظيفة لحساب منافع
مادية،... لم تفقد صدقيتها». النص الثاني: «على الرغم من فداحة النتائج النفسية للانهيارات الكبرى التي أطاحت طوبى المثقَّف الملتزم، وطوّحت به في العراء أمام الحقائق المفجعة التي استفاق عليها وعيه فجأة...، فإن الأوان لم
يفت بعد لبعث الحياة في رسالة الالتزام التي حملها يومًا، وليس القصد هنا القول بإمكانية استئناف
أوهامه الرسولية السابقة، بل إعادة تأسيس معنى جديد للالتزام». النص الثالث: «إن من بين المشكلات الموجودة هناك [في باريس] هو أن التعامل مع المثقَّفين يجري
باهتمام كبير جدًا... أصبح المثقَّفون نجومًا كأولئك الذين تصنعهم هوليود... يأسف الناس لأن
التعامل مع المثقَّفين في الولايات المتحدة لا يجري بما يلزم من الاهتمام. ولكني أعتقد أن هذا من الأمور الجيدة في الولايات المتحدة». حين يكتب بندا عن استمرار تدهور مكانة المثقَّف وينعى المآل الذي وصل إليه، فإن المقاربة التاريخية
الوظيفية هي التي كانت الخلفية النظرية للنتيجة التي ساقها. وحين يكتب بلقزيز عن أدوار المثقَّف التي ما زالت محتملة وممكنة، فإن المقاربة النقدية الاستشرافية هي التي دفعتْه إلى ذلك. وحين يكتب
تشومسكي عن عدم حاجة الولايات المتحدة الأميركية إلى «مثقَّفين» بالمعنى المتداول في فرنسا، على نحو خاص، فلأن ما دعاه إلى ذلك هو أن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية لم يعرف في مقاطعه
الحيوية حضورًا فاعلً للمثقَّف. يستفاد من هذا أن منزلة المثقَّف والأدوار الموكولة إليه ليست محل إجماع كما يُتصَوّر عادة. ويبدو أن
مأتى هذا «الإجماع» المفترَض طغيان «مدرسة علم الاجتماع الفرنسية»، بدرجة أساسية، بمفاهيمها
التأسيسية النظرية والإجرائية على مساحات واسعة من الدراسات الاجتماعية في كثير من بقاع العالم. ويمكن تحسُّس هذا التأثير أو الرغبة في حصوله في أمثلة قد يكون أبرزها الدرس الاجتماعي
في المؤسّسات الأكاديمية العالمية. ومن الأمثلة المباشرة وذات النزوع الصريح إلى جعل المثقَّف
الفرنسي أنموذجًا يمكن تصنيعه وليس فقط ترويجه خارج مجاله، هذا التشبيه الذي طرحه نورماند
بيارجون على تشومسكي في الحوار المذكور سابقًا: «قرأتُ في مقالة من موسوعة فرنسية مخصّصة
((2(هكذا افتتح جوليان بندا في سنة 1946، وبعد عشرين سنة على صدور الطبعة الأولى، انظر: مقدّمة الطبعة الثانية من:
المصدر نفسه.
((2(عبد الإله بلقزيز، نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقَّفين، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010)،
ص.149
((2(من حوار أجراه معه نورماند بيارجون (N. Baillargeon) ونشرتْه صحيفة Le Devoir الكندية في 21 كانون الثاني/يناير.1993
«Entretien avec Noam Chomsky,» Propos recueillis, traduits et présenté par Normand Baillargeon, sur le Web: انظر: <http://lecerveau.mcgill.ca/flash/capsules/articles_pdf/entretiens_chomsky.pdf >.
لكم أنكم تمثّلون على نحو من الأنحاء سارتر الولايات المتحدة الأميرية». ويبدو أن تشومسكي لم يستحسن أن يكون نسخة أميركية من أصل فرنسي رغم مكانة سارتر، ورغم الأدوار النضالية «الملتزمة»
التي ما فتئ تشومسكي ينهض بها. لقد اكتفى في ردّه على مُحاو ره بالضحك، بل والاستغراق فيه
كما تدلّ صيغة الجمع:)rires de Chomsky(. ولمّا ألحّ عليه مدقّقًا في الشبه الذي بينهما: «أريد أن
أقول: إنّك، م ثْلما كان سارتر، مثقَّف ملتزم»، أجابه بردّ يمكن أن نفهم منه محاولة تشومسكي أن يطيح
أسطورة المثقَّف الفرنسي التي يتباهى بها الفرنسيون: «كان [سارتر] ملتزمًا، ولكن ثمة شيئًا حقيقيًا في
التقليد الفرنسي نفسه. إن أغلب المثقَّفين، وفي كلّ مكان، هم في خدمة السلطة... وأمّا الذين ليسوا في
خدمتها فمُهَمّشون... إن السبب الذي يجعلكم لا ترون المثقَّفين هنا ‹ملتزمين› هو أن لا أحد يعطيهم
من الاهتمام فوق ما يستحقّون». الحاصل من هذا أمران: الأولهو أن سارتر، مقارنةً بالعدد الكبير من مثقَّفي السلطة، لا يمثّل فعلً
«مجتمع» المثقَّفين؛ إنّه كالاستثناء. و الثانيهو أن وضْع المثقَّف في منزلة فوق منزلته الحقيقية هو ما
جعل منه «نجمًا» بالمعنى «الهوليودي» المشار إليه. وبناء على هذا، يتقلّص حجم المثقَّف المبالَغ فيه.
ولا شك في أن تشومسكي وهو يجتاح مجال المثقَّف الفرنسي «المُعَوْلَم»)intellectuel globalisé(
ويعمل على تبديد الكثافة الرمزية الإيجابية المحيطة به، يترك لفاعلين آخرين (من خارج حقل المثقَّف)
ممارسة الأدوار التي يُعتَقد أن المثقَّف مندوب وحدَه للقيام بها. ولا ريب في أن التجربة الأميركية التي
لم تسوِّق مثقَّفين كبارًا في حجم مثقَّفي فرنسا يمكن تأمّل مساراتها من زوايا متعدّدة. ولكن أبرز ما
تختص به هو أنها تجربة خبراء وليست تجربة مثقَّفين. إن الأدوار التي نعاها بندا ودان بغيابها المثقَّفين تتلخّص في الدفاع عن الحرية الشخصية والوقوف في وجه الأنظمة الاستبدادية والقيم التي تسندها. وقد استقدم، من بين ما استقدم، ثلاثة مواقف اعتبرها
كاشفةً مقدارَ «الخيانة» التي ارتكبوها: انتصارهم لنمط الدولة التوتاليتارية)totalitaire(على
المعنى الذي بيّنه في الهامش المصاحب للاصطلاح، وانتصارهم للعائلة على المعنى الذي يجعلها
مؤسّسة/تنظيمًا)organisme(نافيةً الفرد الحر المستقل، وانتصارهم لمشروع حكومة بيتان القاضي
بإحداث مؤسّسات حِرَفية اقتصادية - اجتماعية)corporatisme(يُفرَض فيها على العمّال نظام عمل
وسلوك موحّديْن يقتل فيهم الإحساس بالاختلاف وخصوصية الشخصية الإنسانية على النحو الذي
عرفته إيطاليا الفاشية. لا خلاف حول نبل المقصد الذي رأى بندا أن المثقَّفين ضيعوه؛ فالانتصار للقيم الإنسانية التي ترتقي
بوضعية الإنسان في الوجود لا يمكن إلّ أن يكون مدخلً حقيقيًا إلى صوغ حياة إنسانية متخفّفة
((3(المصدر نفسه.
(31) Julien Benda, La Trahison des clercs (Paris: Grasset, 2003), pp. 25-28.
((3(استخدم في المقام الأول مصطلح Monolithe، وأضاف Totalitaire وأتبعه بهامش توسّع من خلاله في بيان منزلة الفرد
الإلحاقية بالدولة الشمولية ومنزلة المواطن (Citoyen) في الدولة الديمقراطية. المصدر نفسه، ص.26
من أثقال الانحراف والظلم والاستعباد. وقد مرّ في الجزء الأول من البحث أن هذا الموقف يمثّل
الوظيفة المركزية للمثقَّف وعنوانًا من العناوين التي تُشكّل هويته. ولكن، هل قدَر المثقَّف أن يكون «دريفوسيًا»؟ هل ما زال قادرًا اليوم على «الالتزام» بتحمّل الأعباء التي ندب نفسه لتحمّل مشاقها
في نهاية القرن التاسع عشر؟ ألا يكون تعقُّد الحياة بأبعادها المختلفة سبيلً إلى تحمّل فاعلين من
مشارب أخرى مسؤولية المشكلات الناجمة عن هذا التعقيد؟ وما قيمة «الإدانة» و«التخوين»
و«القتل» لو تبيّن بقراءة موضوعية غير ثأرية أن الحضور الهُوَوي للمثقَّف ما عاد قادرًا بمفرده على
التصدي ل«مظالم» الحياة الراهنة التي «تَعوْلَم» فيها كلّ شيء بحيث ما عاد في الإمكان السيطرة
عليها الآن وهنا؟ ألا يكون جزء من المسألة عائدًا إلى ضيق مفاهيم «مدرسة علم الاجتماع الفرنسية» وعجزها عن مواكبة التحولّات الاجتماعية والسياسية والقانونية والاقتصادية التي عرفها العالم منذ
ثمانينيات القرن العشرين؟
المثقَّف الهُووي ومعقول التاريخ.. من تمام الصورة إلى شظايا الواقع
تقود هذه الأسئلة إلى النتائج التي أفضت إليها المقاربة النقدية الاستشرافية؛ فالتمسّك بصورة
نمطية للمثقَّف قُدّتْ في سياق تاريخي وثقافي معيّن ليس له إلّ أن يمارس سلطة وهمية أو
طوباوية على أولئك الذين ما زال يستهويهم الحنين إلى زمن الحقل الثقافي، المقارع الوحيد
للظلم، وإلى التمتّع بمرأى المثقَّف متوثّبًا متصدّيًا وهو يصرخ: «إنّي أتّهم»؛ فعبد الإله بلقزيز
وهو يعيد رسم خارطة المثقَّف والمساحات التي لا يمكنه أن يتخطّاها إنما يصدر عن وعي بالمتحولّات الكبرى التي أدخلت المجتمعات الإنسانية في أنساق من العيش والسلوك غير
تقليدية، وأعادت تنظيم مراتب الجماعات والهيئات والحقول والأدوار على نحو جديد. ومن
شأن الوعي بهذه المتغيرات أنها لا تطيح الصورة النمطية للمثقَّف فقط، بل تستحثّ هذا المثقَّف
أيضًا على إعادة تموقعه بحسب ما يقتضيه مقامه. وتتحقّق هذه العملية بقَطْع الخطوة الأولى،
وهي «أن يكفّ عن تضخيم دوره ‹التاريخي› وأن يُقْلع عن عادة انتداب النفس لأداء مهمات
أعظم من حقل الثقافة ذاته». ربما تلوح في هذه المقاربة النقدية الاستشرافية قسوة مبالَغ فيها لأنها قد لا تكتفي بخلع المثقَّف من وهْم الصورة ونمطيتها، فلعلها تخلعه أيضًا من منزلته التاريخية، وتجرّده من أدواره، وتقصيه من
حقله، وتحرمه سلطته التي بسببها كان مثقَّفًا. إن «الاعتداء» على المثقَّف «الدريفوسي»، وقد أضحى
تقريبًا مجرّد مادة تاريخية، لا يساعد، موضوعيًا، على دراسة مسارات تَشكُّل المثقَّف في التاريخ
المعاصر. ولذلك ينبغي أخْذ الحيطة حين يراد تأسيس وضعية جديدة لمثقَّف جديد؛ فالنقد/الهجوم
((3(يُستخدم هذا الاستعمال للدلالة على تيار المثقَّفين الذي سار على نهج زولا. والواقع أن المبادئ التأسيسية التي قام عليها
مبحث المثقَّف مشتقّة كلّها من مقولات هذا التيار، كما سبق البيان.
((3(بلقزيز، ص.149
الذي يوجَّه اليوم إلى ذاك المثقَّف، إن لم يُوضَ ع في إطار نقد المفاهيم المصاحبة له من جهة ونقد
الأسس التي قامت عليها العلوم الاجتماعية المهتمّة بهذه المسألة من جهة ثانية، لن يفضي إلى نتائج
ذات قيمة. فالقول إن مكانة المثقَّف تزعزعت قول لا إشكال فيه لأنه توصيف للمشهد من خلال رصد آثار المثقَّف في الواقع. لكن القول: «لقد انكشف الوهم الكبير الذي ألهم المثقَّفين تلك المشاريع الشاملة
والأيديولوجيات الثورية لتغيير العالَم وتحرير الشعوب من القهر والاستلاب. هذا من لدن ماركس
حتى غارودي، مرورًا بكلّ المنظّرين الثوريين والمثقَّفين العالميين»؛ حُكْم فيه شطط كبير إن لم نقل
إن فيه ظلمًا، لأنه لم يرج ع تزعزع المكانة إلى مقدماتها التاريخية وإنما حصرها رأسًا في أن المثقَّف
مُذْ كان مثقَّفًا (بالأدوار والحقل والسلطة) كان يبني مجده على الإيقاع بالناس في شرَك سلطته الوهمية
تزييفًا لحقيقته هو ولوعي المؤمنين برسالته. ولكن، هل كان الأمر كذلك حقًّا؟ يصعب أن نساير علي حرب في هذا التخريج تحديدًا؛ فإنتاج المعنى كان باستمرار وظيفة حيوية
للإنسان وحضارته، تمييزًا له من سائر الكائنات. وما «المعنى» إلّ ما به يتأنسن الإنسان. وكم كان مطاع
صفدي دقيقًا لمّا عرّف الإنسان بأنه «كائن المعنى». ولكن، ينبغي الانتباه إلى أن إنتاج المعنى ليس
متاحًا للناس جميعًا. إن جماعة واحدة من الجماعات المشكِّلة للمجتمع الإنساني هي القادرة دون
غيرها على ذلك، وهي جماعة «المثقَّفين». وبقطع النظر عن أي صنف من هؤلاء يقوم بهذا الدور، وفي أي جدول من جداول علوم الاجتماع نجده، فإننا نرى -على وجه التعميم- أنه ذاك الذي يمارس نشاطه في مجال الرموز والفنون والأفكار والآداب والفلسفة إمّا إنتاجًا وإمّا ترويجًا، سواء صادف أن
سُمّي مثقَّفًا أم لا. أن يُقوَّم اليوم أداء المثقَّف (الثوري، الطلائعي، التحرّري...) وأن يعاد النظر في الأدوار التي تحمّلها،
فممّا تقتضيه عمليات النقد والتطوير. لكن يبدو أن تطويع النقد لنسْف وجود المثقَّف نفسه وبَخْس
رسالته (رسالة «كائن المعنى») مشروع عدمي. ولذلك، ينبغي أن يكون نقد المثقَّف قاعدة لإطلاق مشروع مثقَّف «حي» وليس مناسَبة ل«قتله.» قد تدفع التحولّات المعاكسة لأحلام المثقَّفين و«أوهام النخبة» إلى اتخاذها قرينة على فشل هؤلاء،
لكن ليس من الحكمة جعْلها حجة للتخلّص منهم؛ فالذهاب إلى أنه «في غير مكان تتراجع القيم العامة
((3(حرب، الاستلاب والارتداد، ص.78
((3(ممّا جاء في تعريف صفدي للمعنى: «والمعنى، ما هو معناه؟ إنه استشعار... هذا الاستشعار ميّز الجسد من حيث هو استراتيجية
تجاوز مستمر. إنه ليس المخلوق الذي كان يدبّ على أربع عندما كان مجرّد حيوان، ثم أضحى ثنائي القدمين، ليس هو كذلك فحسب،
بل غدا أهمّ تمركز قووي يتعامل مع العالم من منطق الاختراق والتجاوز الدائم. وبالطبع ليس تحركه المادّي هو المقصود هنا، بقدر
ما هو في اقتداره على اكتشاف مسافات المعنى واختراعها في آن واحد. إنه كائن المعنى الذي لا يكفّ عن إعطاء مفهوم لوجوده، أو
معنى لحياته»، انظر: مطاع صفدي، ماذا يعني أن نفكر اليوم: فلسفة الحداثة السياسية: نقد الاستراتيجية الحضارية (بيروت؛ باريس:
مركز الإنماء القومي، 2002)، ص.278
المتعلّقة بالعقل والاستنارة وحرّيات التعبير وحقوق الإنسان، خصوصًا في العالم العربي» يؤكّد
الحاجة إلى المثقَّف ولا يلغيها. وقد يؤكّد الحاجة إليه وإلى غيره متضامنين لإنجاز الأدوار الرسالية
الكبرى.. أدوار الأنسنة. بناء على هذا، يتطلّب السياق التاريخي الراهن أن تتقاطع الحقول (لا أن تتنابذ
وتتصارع كما هي عند بورديو)، وأن تُنشئ من تقاطعها حقلً مشتركًا ينهض بالأعباء التي كان ينهض بها المثقَّف الهُووي وحده. استخلاصًا ممّا تقدّم وبناء عليه، تُنتج السياقات حين تتقاطع معقولية ما تفرزه من معان وقيم وتصوّرات
وأدوار ومواقع. ولذلك، تكون نشأة المثقَّف الهُووي بأدواره التحريرية والرسالية والثورية... نشأة
موضوعية لأنها مشتقة من تقاطع السياقات. وحين يقع الإقرار بتزعزع مكانة المثقَّف، يكون السؤال
المنتج والأقرب إلى الطرح من غيره هو: هل انتبه المثقَّف الهُووي/ الدريفوسي إلى أن شروط إنتاج
مبرّرات وجوده والأدوار التي نَدب نفسه للنهوض بها ما عادت اليوم كما كانت من قبل؟ فمِثل هذا
السؤال ينقلنا من دائرة الحُكْم الأخلاقي-«الجنائي» إلى دائرة البحث في التحولّات واشتراطاتها
الجديدة. هذا ما ذهب إليه علي حرب نفسه في خطوة لاحقة. ولَيْتَه لم يجمع بين الحكم والتحليل
جمْع تناقض: «العالَم قد تغيّر على نحو مذهل». إن تنسيب الأحكام مطلب معرفي يساعد على تتبّع الأطوار التي مرّ بها المثقَّف صحبةَ المفاهيم
المرافقة له. ولذلك، ينبغي أن يكون الإقرار بتراجع دوره حصيلة معاينة تاريخية أوّلً، ومقدّمة
لتغيير الوضعية والدور ثانيًا. وهذا ما توقّف عنده كمال عبد اللطيف وهو يدعو إلى «إعادة النظر
في سؤال الدور والوظيفة»؛ إذ إنه نبّه في مقالته التي بحث فيها المسألة إلى أن مبرّره هو أن سؤال
الدور والوظيفة المفترَض أنه كان صالحًا لأزمنة سابقة «لم يعد مناسبًا لأزمنة حصل فيها كثير من
التجاوز لنُظم في الفكر قطعتْ وما فتئتْ تقطع مع المدارس والمذاهب الفكرية المغلقة، حيث كانت هذه التيارات تساعد على تركيب الأسئلة وفق مقدّمات محدّدة وبهدف الوصول إلى نتائج
ومعطيات جاهزة». من هنا، فإن استحضار السياقات التي نشأ داخلها المثقَّف الهُووي (مثقَّف
زمن الحداثة والعلمانية كما رأى ليكلرك) ضروري لتوفير قراءة نقدية تاريخية واستشرافية، وليس
القصد منها إطاحة المثقَّف، أكان وَهْمًا أم طوبى أم أسطورة، وإنما تنسيب الأحكام وتهيئة بيئة
تَقْبل بأن يكون المثقَّف طرفًا من أطراف أخرى تشترك في الهموم والطموحات وتتكاتف في
((3(حرب، الاستلاب والارتداد، ص.78
((3(المصدر نفسه.
((3(كمال عبد اللّطيف، «المثقَّف العربي.. نحو إعادة النظر في سؤال الدور والوظيفة،» الشرق الأوسط،.2004/5/15
جدير بالإشارة أن المقال أعيد نشره مع تعديلات أخذت بعيْن الاعتبار ثورات «الربيع العربي»، وفيه ألحّ صاحبه على النقاط
الأساسية الواردة في النص الأول، وعلى رأسها وضع أدوار المثقَّف ووظائفه تحت المعالجة النقدية. نُشر المقال تحت عنوان:
«عودة إلى سؤال أدوار المثقَّفين» في العربي الجديد، الخميس 2014/5/22. يمكن مراجعته على الموقع الإلكتروني:
<www.alaraby.co.uk/.../13315090-6456-43bc-bad1-af.>.
عِ كتابه بأن الم يّالعرب اليأس مواجهة فيانشغل بهذه المسألة. انظر: كمال عبد اللفّطي، يّالعرب اليأس مواجهة في (الدار البيضاء:
منشورات الزمن،.)2006
وجه التحديات. فهذه القراءة كفيلة بإحداث نوع من التوازن النقدي في أثناء الحكم على أدوار
المثقَّف سابقًا وراهنًا. ولا شكّ في أن التنسيب يساعد على تجاوز المواقف العدمية، ويفتح آفاقًا لتشبيك الحقول بعضها مع بعض. لا مجال للتوسع في استعراض التحولّات التي كانت سببًا في تراجع أداء المثقَّف، ولكن يُحْسن
استقدام ثلاثة عوامل نُرجّح أنها تستطيع أن تحيط بأسباب هذا التراجع الموضوعية، وأن تُجَلّي الضرر
الذي أصاب المثقَّف، وهي العولمة والدولة والمجتمع المدني. لم يكن انهيار الاتحاد السوفياتي دراما جيو- سياسية أفرزت الغرب الرأسمالي الليبرالي منتصرًا وحيدًا
في العالم فقط، بل إنه وفّر أيضًا فرصة تاريخية كبرى لتَسْليع العالمِ)Marchandisation du monde(،
وأوقع الأيديولوجيات «النضالية» في أزمات قاتلة، فتراجعَ دور اليسار مدارسَ وأحزابًا في العالم
بعد أن كان حاضنة أصلية للمثقَّف الهُووي. وبدت شبكة القيم التي كانت باستمرار عنوان شرعية
المثقَّف وجودًا ووظيفةً في مرمى التهديد المباشر بما لحق الثقافة نفسها من نزعات تسليعية تقتلعها
من مجال الرموز والمعاني والقيم. إن منطق الربح والمنفعة وفلسفة رَسْمَلة العلاقات الإنسانية اللذين
يؤسّسان عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي استطاعا في أوقات قياسية أن يبثّا قيمًا مادية خالصة تقوم
على المنافسة «غير الرحيمة» وعلى اجتياح الحدود الرمزية والمادية لجميع الفضاءات والمجالات. وعلا شأن الحياة المرتبطة بأنماط الإنتاج المادي الرأسمالي، وتقهقر شأن الحياة المرتبطة بجميع أنماط الإنتاج الرمزي. ولم تستطع الكيانات المجتمعية الهشة أن تصمد. ولاحت حصونها الدفاعية (ثقافية- هُووية) عاجزة عن مدّها بالحدّ الأدنى للتماسك. وسرّعت وسائل الاتصال في وتائر عولمة السلوك
((4(يقول كمال عبد اللطيف في هذا الصدد: «إن توقُّفنا أمام صيغة السؤال، بل وتشكيكنا في الفاعلية الاستثنائية المفترضة في
أدوار المثقَّفين في المجتمع وفي التاريخ، لا يعني أننا نرفض أن يكون لهذه الفئة سمات تميز نمط إنتاجها الرمزي والتاريخي، وتحدّد
نوعيات تواصلها مع محيطها العام في المجتمع، قدر ما يعني إضفاء بعض النسبية على تصوّرنا العامّ والمسبق عن الموضوع نفسه.»
وفي هذا السياق تقريبًا يكتب عبدالله العروي: «إن سير التاريخ لا يتوقّف على المثقَّف، لكن المثقَّف مطال ب بالخضوع إلى قوانين
التاريخ إن أراد أن يكون له وجود وتأثير»، انظر: عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي
العربي، [د. ت.])، ص 25. (تجدر الإشارة إلى أن موضوع الكتاب دراسة نقدية عميقة لأزمة المثقَّف العربي «الثوري» واقتراح بعض
مسالك الخلاص. انغلق الكتاب على هذه الجملة: «إن المثقَّف العربي الثوري يعيش اليوم في بؤس لأنه يعيش في مجتمع ليس في
مستوى العصر. ولن يرتفع عنه البؤس إل إذا عمل على تغيير عمله جذريًا وواقعيًا من أجل أن يخرج العرب بعد الخيبة والانتظار من
شتائهم الطويل» (ص. 226). ظهر الكتاب في طبعته الأولى سنة 1973، والراجح أن مادته بدأت في التجمّع بسبب هزيمة.1967
ولذلك يبدو خطاب العروي منتميًا (من حيث الوجدان) إلى زمن المثقَّف الهووي الذي كان يتحمّل وحده مسؤولية تغيير نفسه وتغيير
العالم. ولا مناص، وقد تغيرت شروط الفعل في الواقع، من أن يتقاسم المثقَّف بؤسه مع سائر بؤساء مجتمعه من الفاعلين في الحقول
الأخرى. ولعلّه سيحتاج إلى ظهور من سيلقي عليه وظائفه التقليدية التي عُرف بها وينسحب: نشير هنا إلى ظهور المجتمع المدني،
وإلى نوع تعامل المثقَّف الثوري المُحبَط معه في تسعينيات القرن العشرين.
((4(وسيكون المثقَّفون العرب (أو أغلبهم) من ضحايا هذا الانهيار؛ فقد كانوا جزءًا من منظومة اليسار العالمي. وستتَتالى «نكباتهم»
بالمصاعب الجمّة التي واجهت بعض الأنظمة السياسية المرتبطين بها ارتباطًا عضويًا (مصر، العراق، سورية). وهذا أمر ينبغي الانتباه
إليه حين دراسة وضعية المثقَّف العربي وعلاقته بالسلطة والوظائف التي كان ينهض بها. وربما كان طرح سؤال من قبيل: «ماذا لو حرّر
المثقَّف العربي ‹الثوري› نفسه من حتمية الدوران في محور اليسار التاريخي إنْ تحزّبًا أو ولاء، هل بإمكانه أن يرسم لنفسه أفق خلاص
جديد؟» يدفع إلى إنجاز مراجعة ضرورية لنشأة المثقَّف العربي والمسارات التي كان ينشط داخلها. إن فك الارتباط بين المثقَّف
العربي والسلطة قد يساهم في ولادة يسار ثقافي على نحو ما نراه في أوروبا الغربية. ولكن، كأن التفاعل الخلّ ق مع التحولّات الكبرى
كان دون المتوقّع بكثير.
أولً والقيم لاحقًا. وبدأت ملامح الإنسان المُعَوْلم في التشكّل بعيدًا عن تمايزات الثقافة والجغرافيا
والتاريخ والأحلام والأوجاع. واحترقت المسافات بين المجتمعات فاندرست آفاق البعض في تحرير
نفسها من مشكلاتها الخاصة المتعلّقة بالحرية والديمقراطية والعدالة، وانخرطت مرغَمة في عيش زمن
ما هو بزمنها، وأ كرِهَت على التطبّع بسلوك ما هو بسلوكها. إن طوفان العولمة قطَع الطريق أمام مشاريع
التحديث والتطوّر الوطنية والقومية، وحرم المثقَّف وظيفة التفكير في قضاياه ومصير مجاله الاجتماعي
والسياسي والأخلاقي والاقتصادي. أضحت الدولة الحديثة، بحُكم الفلسفة التي شرّعت لوجودها والنصوص التشريعية التي تنظّم عمل
السلطات داخلها (بقطع النظر عن الجانب التطبيقي)، طرفًا أساسيًا في رعاية حقوق المواطن والسهر
على حماية حرّيته وضمان جودة الحياة له. وهكذا تكون قد سحبتْ من المثقَّف جزءًا من همومه
وخفّفت من حجم الأدوار التي كان يقوم بها. ولكن الدولة تعرّضت لاختراقات كبرى مسّت أدوارها
وسلطانها، وعرّضتْ سيادتها لتحدّيات حقيقية؛ فقد أ خضعت لمناويل في الحكم والتنمية والاقتصاد
والثقافة أفقدتها نصيبًا من شرعيتها، وأ درجت في نسق الاتفاقات والمعاهدات الدولية، وأضحت جزءًا
من سوق عالمية تحتكرها شركات عابرة للقارات والهويات، وتديرها مكاتب أخطبوطية. ونشأ
بالاستتباع عن هذه الوضعية المعقّدة ضمور في حضور المثقَّف، غير أن البيئة المعولمة ساعدت على
ولادة مثقَّفها الذي لن يكون، في سياق التعقيدات والتحولّات الجارفة، من طينة ذاك المثقَّف. في إطار الدولة الحديثة (المدنية/الديمقراطية)، نشأت إمكانات أخرى لتقاسم الأدوار من قبيل
الجماعات التطوّعية والمهنية والنقابية والأحزاب السياسية. ولا شكّ في أن ما اصطُلح عليه «المجتمع
المدني» كان مكوّنًا مركزيًا في المشهد العمومي؛ فقد استطاع أن يمارس وظائف نضالية كثيرة، ولكنّه
لا يكون كذلك إلّ إذا وُضِع في سياق تشكُّله التاريخي وعلاقته بنمو مجالَيْ الدولة والمجتمع. أمّا
خلاف هذا، فمجرّد قناع يتستّر خلفه المثقَّف «المهزوم» الراغب في الانسحاب من دون جلبه كبيرة،
وهذا تقريبًا ما ذهب إليه عزمي بشارة وهو يخص قطاعًا من المثقَّفين العرب بالبنَان، أولئك الذين
«انصرفوا بدءًا من تسعينيات القرن الماضي إلى الحديث عن المجتمع المدني تعويضًا من نكوص
سياسي أصاب المثقَّف العربي ومن استقالة من العمل السياسي بعد عجْز أو وهَن ضرب الحالة القومية
واليسارية في حينه.
((4(«ما يُفرزه السوق صالح، أمّا تدخّل الدولة فهو طالح»: عبارة تلخّص أهمّ مبدأ قامت عليه «الليبرالية الجديدة» بزعامة الاقتصادي
الأميركي ملتون فريدمان (M. Friedman) الحائز جائزة نوبل. للتوسع انظر: هانس- بيتر مارتين وهارالد شومان، فخ العولمة: الاعتداء
على الديموقراطية والرفاهية، ترجمة عدنان عباس علي؛ مراجعة وتقديم رمزي زكي، عالم المعرفة؛ 295، ط 2 (الكويت: المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2003)، ص 46 وما بعدها.
((4(للتوسع انظر: عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6 (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ((4(يقول عزمي بشارة: «إن المجتمع المدني من دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية هو عملية إجهاض لمعاني
المجتمع المدني التاريخية وطاقته النقدية، فضلً عن نزع قدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية والسياسية»: المصدر نفسه، ص.9
((4(المصدر نفسه، ص.9
خيانة أم عجز موضوعي؟
كانت التحولّات إذن على درجة من الضخامة والعمق. وبدا المثقَّف الهُووي إزاءها عاجزًا عن مجاراتها
أو الوقوف في وجهها. لقد عصفتْ به مع مَن عصفتْ مِن مكوّنات زمن ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي.
كان ضحيةً من ضحايا الرأسمالية/الليبرالية المنتصرة. وكان سقوطه جزءًا من سقوط يسار العالم.
ولهذا، يصعب الاطمئنان إلى القول: إن المثقَّف خان الأمانة. قد يَصدق هذا على مثقَّفين أفرادًا يتعينون
بأسمائهم وأفعالهم، وقد تنطبق التهمة أيضًا على نوع من المثقَّفين وُجِدوا لأداء أدوار «صغيرة» في
زوايا صغيرة. وهُم إن قُورنوا بما كان يُفترض أن يكون عليه المثقَّف (النمطي، الأنموذج، الثوري،
الملتزم، العضوي) شُبِّه للمقارِن أن خيانة قد وقعت منهم. لم يخُن المثقَّف الهُووي الأمانة، وإنما خانته (على المجاز) قوتان: قوة التحولّات وقوة/انهيار اليسار.
وبهذا المنحى وحده نفهم معنى أن يكون المثقَّف اليوم على هامش التاريخ. أمّا هؤلاء الذين تُوجَّه إليهم
أصابع الإدانة، فما هم قَطعًا من منتسبي «الحقل»؛ إنهم نسخة ما بعد التحولّات التي أعادت تركيب
الأدوار. ويبدو أن النقد الذي استهدف المثقَّف الهُووي أ طلِق كله في الفراغ لأنه استهدف وجودًا غير
موجود. وقد يكون النقد الذي وجّهه إدوارد سعيد إلى مثقَّفين «خانوا أماناتهم» بعد الحادي عشر من
أيلول/سبتمبر 2001 مثالً جيدًا لاتّهام يصاغ خارج الزمان والسياق. قال بمناسبة مرور عشرين سنة على ظهور كتابه الاستشراق: «المؤكّد أن من بين الكوارث الفكرية في التاريخ ما نراه الآن من حرب إمبريالية مدمّرة افتعلتْها مجموعة صغيرة من المسؤولين الأميركيين... ضد بلد من العالم الثالث يعاني
أصلًالدكتاتورية والدمار، وذلك على أساس أيديولوجي يتلخّص بالسيطرة على العالم وموارده. وقد نجح هؤلاء في تمويه غايتهم هذه بفضل التبرير والدعم اللذين لاقوهما من مستشرقين خانوا أماناتهم
((4(لا شك في أن حدث تفكك الاتحاد السوفياتي لم يكن بداية انهيار المثقَّف ومقولاته الخلاصية الكبرى. كان بالنسبة إلينا
مجرد اختيار منهجي نظرًا إلى رمزيته الجيو- سياسية والأيديولوجية. أمّا تاريخيًا، فيعود الجدل في شأن فعالية المثقَّف الهووي إلى
الخمسينيات. وصار الحكم عليه بالإلغاء معلومًا في الستينيات. والكتابات التي روّجتْ لفكرة نهاية اليوتوبيا ونهاية الأيديولوجيا تؤكد
ذلك. ويبقى عال م الاجتماع الأميركي دانيال بلِ(D. Bell) الأكثر شهرة بكتابه نهاية الإيديولوجيا The End of Ideology: On the (
) Political Exhaustion of Political Ideas in the Fifties، الذي طُبع أول مرة سنة 1960. ولعل الفرنسي ريموند آرون (R. Aron)
بكتابهأفيون المثقَّفين) L’Opium des intellectuels (الذي ظهر في الفترة نفسها تقريبًا ينافسه في الترويج لانتهاء زمن الأيديولوجيات
الكبرى. للتوسع، انظر على نحو خاص: راسل جاكوبي، نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة، ترجمة فاروق عبدالقادر،
عالم المعرفة؛ 269 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001)، تحديدًا الفصل الأول: «نهاية النهاية ل «نهاية
الإيديولوجيا». ويحسن التنبيه ههنا إلى أن بل وآرون (وكلّ من شاركهما هذا الموقف في خمسينيات القرن العشرين وستينياته) كانوا
ينطلقون من الانتصار للرأسمالية والليبرالية، وكانوا يعتقدون أن مصير العالَم هو «دولة الرفاه.»
((4(يقول راسل جاكوبي: «... أمّا اليوم، فإن المثقَّفين لم يعودوا قادرين على التدخّل في الشؤون العامة باسم العالمية، والإمكانات
المتاحة هي، فقط، ‹محلية› و‹دفاعية›». ويقرّر عال م الاجتماع محمد صبور: «إن نوع المثقَّفين العالميين قد أصبح نادرًا، أو هو، فيِ
حقيقة الأمر، قد انقرض». انظر: جاكوبي، ص.139
((4(يَعتبر ألان توران (A. Touraine) أن مجرّد صورة المثقَّف (الهُووي) ما عاد لها أثر: «إن صورة المثقَّف هذه لا تنتمي إلى وقتنا
الحاضر»، من كتابه نقد الحداثة: (1992), p. 415. (Version numérique parue dans Critique de la modernité Alain Touraine, « Les classiques des sciences sociales », une bibliothèque numérique fondée et dirigée par Jean-Marie Tremblay), sur le Web: <http://classique.uqac.ca/>.
العلمية». والمعني بالاتهام على وجه الخصوص شخصيتان شهيرتان: برنارد لويس وفؤاد عجمي.
وقد توقّع إدوارد سعيد أن يقفا في وجه العدوان الأميركي على العراق. والحقيقة أنه ما كان لهما أن
يفعلا إلّ ما فعلا؛ فهُما لا ينتميان إلى زمن المثقَّف الذي يتحرّك إدوارد سعيد داخله، بل إلى الزمن
الأميركي، زمن ال«ثينك تانكس». وانخراطهما في مؤسّساته بدّد كلّ إمكانية للنظر إليهما كما لو كانا
مثقَّفيْن هُوَوِييْن. ولذلك تسقط التهمة لعدم انطباقها على صورة الحال. وإذا كان الاتّهام بالخيانة في
غير موضعه في ضوء مقاربة تاريخية نقدية، فإن الحُكم على المثقَّف بالانتهاء أو الموت، رغم قسوته
الظاهرة، هو الحُكم الأقرب إلى اليقين لأنه حكْم تقرير حالة وليس حكْم إدانة. انتهى المثقَّف الهُووي
لأن زمنه فقدَ مفاعليه وضرورات استمراره، ولكن المثقَّف غير الهُووي لن يَعْدم مساحات ينشط فيها. حين تنتفي موضوعيًا مبرّرات وجود المثقَّف الهُووي، تأتي الدعوة إلى تجسير العلاقات بين مختلف
الفاعلين تعويضًا عن الفراغ من جهة، ووعيًا تاريخيًا بأن مشكلات الإنسان المُعولَم ما عاد قادرًا على
التصدّي لها إلّ جهد مركّب مشترك. وإذا كنّا لا ندري على وجه اليقين مقدار الأثر العَيْني الذي يستطيع
هذا الجهد المشترك أن يساهم به في تحقيق مطالب الناس، فإن ما ينبغي تسجيله في هذا الصدد هو
أن مجالً جديدًا أخذ في التشكّل بعيدًا عن المعالجات التعديلية والمَوْضعية للمثقَّف منزلةً ووظيفة.
إنه مجال الخبير الذي يبدو أنه البديل النوعي للمثقَّف الهُوَوي. ولعلّه، بالأدوار الموكولة إليه،
سيبدّد كلّ إمكانية لترميم حقل المثقَّف.
ال«ثينك تانكس» وزمن ما بعد المثق ف الهُوَوي
مقاربة سياقية في خصوصية النشأة ودلالاتها.. بحث في جدل الفكرة والقوّة
لمّا أجاب تشومسكي مُحاوره عن سؤال: «هل تكون أنت سارتر الولايات المتحدة؟» بالاستغراق في
الضحك، لا نظن أنه انتشى بهذا التشبيه. مِلْنا، من دون أن يكون أمامنا معطيات أخرى غير الضحك،
إلى أنه ربما تبرّمَ وتضايق؛ فدانيال ب ل الذي حكم على المثقَّف في الستينيات بالموت (وسارتر «ستّينيِ
بامتياز)، يعسر م نْ بعده، وقد صار الزمن زمنًا أميركيًا، أن يظهر فيه من يلبس جبّة سارتر رغم التقدير
الكبير الذي يحتفظ به تشومسكي لهذا المثقَّف الملتزم. لم يكن ما ذهبنا إليه لسبب يخص تشومسكي الفرد (فقد يكون رأى نفسه أكبر من سارتر)؛ تشومسكي في هذا الموقف أميركي، ينحدر من سلالة
مجتمع لم تكن فيه الثقافة الرامزة، التي «يفتح» من خلالها المثقَّف الرسالي الأرض أمام الحرية والعدل والحق، تعني شيئًا كبيرًا. فللولايات المتحدة الأميركية ما به تصنع استثناءها وقوّتها وتضمن
مصالحها: إنه الخبير.
(49) Edward W. Said, “L’Humanisme, dernier rempart contre la barbarie,” Le Monde diplomatique (Septembre 2003).
((5(وُجِدتْ مقترحات من مفكّرين عرب قد يكون مقترح الجابري منذ الثمانينيات («الكتلة التاريخية») ذو الجذور الغرامشية أكثرها
وعيًا بأن المثقَّف ما عاد قادرًا على تحقيق الأهداف الكبرى، مثل الديمقراطية والحرية، وكذلك الأحزاب التقدمية أو الطلائعية أو حتى
الجبهات. «الكتلة التاريخية» إطار تلتقي فيه جميع الجهود المؤمنة بالمستقبل العربي. لكن هذا الاقتراح لم يذهب به صاحبه بعيدًا،
ولم يتحمّس له كثير من الناس.
(((5 هذا رأي شائع وظهرت كتابات كثيرة تعزّزه، ومن ذلك كتاب ريتشارد هوفستارد، معاداة الثقافة في الحياة الأمريكية.)1963(
قبل التدقيق في المصطلح، نشير إلى أن السنوات الأخيرة عرفت فائضًا في استخدام عبارة «خبير» لتقديم شخصيات من مجالات معرفية متنوّعة للرأي العام. وأكثر ما يظهر هذا التعريف
ب«الضيوف» في وسائل الإعلام. ويبدو أنه استخدام اعتباطي يبتز من المعجم جانبَه التخصّصي
من دون أي دلالة أخرى. ولا ندري إن كان ذلك بمناسبة طرْح الحمولة التي كانت تملأ كلمة
مثقَّف، نظرًا إلى الضربات القاصمة التي تلقّاها، أم لأمر آخَر. ولكن الثابت هو أن عبارة «مثقَّف»
تكاد تختفي حقًّا من الفضاء العمومي، وتحديدًا من الفضاء الإعلامي، وأن سوق عبارة «خبير» في
ازهار. فما الخبير أولً؟ تحيل الكلمة عند المختصّين، مباشرة، إلى مصطلح «ثينك تانك»)Think Tank(، وهو من المصطلحات
القليلة في العلوم الاجتماعية التي يكتنفها غموض شديد وتستعصي على الترجمة، إضافة إلى أنه لم يدخل مجال التداول العام والأكاديمي خارج الولايات المتحدة الأميركية على النحو الذي
يجعله إبداليًا سهلً لكلمة مثقَّف. ومن دون كثير من التفصيل، نشير إلى أن الاتجاه الغالب على التعريف
المعجمي هو ما تحيل إليه كلمة «تانك»)Tank(من معاني الإناء المُعَدِّ لحمل مادة ما وما تحيل إليه
كلمة «ثينك» من دلالة على الفكر. والحاصل منهما مجتمعتيْن هو الدلالة على فضاء للتفكير أو جماعة
تمارس التفكير. ولكن دلالة أخرى لم تنل حظّها في أثناء البحث عن معنى ال«تانك»)Tank(؛ فالكلمة لا تعني فقطالإناء الذي تُعَبّأ فيه مادة للحفظ أو النقل؛ فمن معانيها أيضًا «المجنزرة/ الدبابة »)char(.
وقد يكون انصراف المترجم عن العناية بهذا المعنى عائدًا إلى خلوّ ذهنه من احتمال وجود علاقة بين
الفكر)pensée/think(والدبابة)char/tank(، وهذا أمر يجري تفهّمه تاريخًا وسياقًا، بل إنه يجد
من المعطيات ما يمنع صرف التفكير إليه؛ ألم يوجَد المثقَّف أصلً وجودَ تناقض مع «الدبابة»/الجيش
الفرنسي (قضية دريفوس)؟ حين ينزاح النظر عن المقابل المعجمي الأول (الإناء/الفضاء/النادي) إلى المقابِل المعجمي الثانيِ
المُهْمَل (الدبّابة)، يتحقّق ركن أساسي من أركان التعريف: العلاقة المباشرة إلى حدّ الالتحام أو
الانصهار بين عنصري المصطلح Think و Tank: اتّحاد الفكر والقوّة. فالفكر بلا قوّة تفرضه لا قيمة
(((5 قال عنها كزافييه تانجي (X. Tanguy): «هذه العبارة الأنغلوسكسونية تحتفظ في فرنسا بغموض الدلالة». انظر:
Xavier Carpentier-Tanguy, “Think Tanks: Un Concept «Made in USA»,” Journal du Net (Avril 2004), on the Web: < http://management.journaldunet.com/dossiers/040435thinktanks/think_tanks.shtml>.
(((5 قيل عنها إنها كلمة «مطاطة وغير قابلة للترجمة» Plastique et Intraduisible))، والمقاب لات التي اقتُرحتْ لم تكن في الغالبِ
قادرة على استيعاب دلالاتها، فقد ظهرت عبارات من قبيل: Boites à idées, Boites à pensées, Réservoir de pensée, Groupe d’experts, Centre de reflexion, Espace de réflexion, Laboratoire d’idée.
((5(ثمة رأي شاذ مفاده أن أول ظهور لل«ثينك تانكس» كان في بريطانيا، وحجّته أن كفاح بعض البريطانيين ضد الرق بزعامة توماس
كلاركسن (Th. Clarkson) أدّى إلى تأسيس أول مركز رأي في العالم في 22 أيار/مايو 1878 تحت عنوان: «Committee for the
Abolition of the African Slave Trade».
((5(نجد لدى المترجمين (إلى الفرنسية) عبارات من قبيل: Réservoir, Bouteille, Citerne, Contenant.
Jean-Loup Samaan, «Les Origines militaires des Think Tanks: من الدراسات القليلة في هذا الباب دراسة جان سامان: ((5(Le Cas américain,» Chantiers politiques , no. 5 (Printemps 2007).
عملية له، والقوّة بلا عقل يقودها لا فائدة تُجنى منها. وربما يكون، لهذا السبب تحديدًا، قد عَسُر
ضبط تعريف دقيق وأمين لل«ثينك تانك.»
«LE THINK “TANK” de George Bush sur l’Irak,» (Dessin © Nicholson, février 2003).: المصدر
أمّا عن النشأة، فشيء من مقادير الصدف يجمعها بنشأة المثقَّف. قضية دريفوس كانت سنة 1898، وهي
السنة نفسها التي ظهرت فيها إلى العلن الأميركي عبارة ال«ثينك تانك». صحيح أنها لم تظهر بالدلالة الثانية وإنما بمعنى الدماغ الحامل للفكر)Boite à idée(، فإن الأمر سيحتاج إلى بعض الوقت لتتمحّض للدلالة الثانية. ويبدو أن حرب الانفصال (1865-1861) والتحديات التي اعترضت وحدة الشمال والجنوب دفعت بقطاعات من رجال الفكر والاقتصاد والسياسية والدِّين من ذوي المهارات العالية إلى الانخراط في معركة المصير. وكان قرار الخروج من «السياسة الانعزالية» (Attitude iso lationniste) والمساهمة في رسم معالم السياسة الدولية بدءًا بالانخراط في وقائع الحربين العالميتين
يحتاج إلى إسناد في التصوّر والتخطيط والاستشراف. وشرعت جماعات التفكير والرأي تتحوّل شيئًا
((5(لذلك ذهبنا إلى أن جريان عبارة «الخبير» على الألسن من دون رقابة لدلالتها وخلفيتها يدخل في باب الاستخدام الاعتباطي.
((5(نشرت نيويورك تايمز يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 1898 مقالة عن متشرّد ارتكب جريمة. وفي أثناء استنطاقه في مخفر
للشرطة، قال في تعبير سوقي مبررًا فعلتَه: «سيدي، إن صندوق أفكاري معطَّل» (M’sieur l’agent… Ma boite à idées «Think
Tank» est détraquée) قاصدًا أن فساد فكره هو مَن قاده إلى الانحراف. نقل:ً عن
Thomas Medvetz, “Les Think tanks aux États-Unis: L’Emergence d’un sous-espace de production des saviors,” Actes de la recherche en sciences sociales , nos. 176-177 (2009), p. 81.
((5(لمعت في هذه الفترة الانتقالية المراكز البحثية التالية:
The U.S. Industrial Commisson (1892). The National Civic Federation (1900). The New York Bureau of Municipal Research (1906). The Russell Sage Foundation (1907).
ولتعميق النظر في أبرز السياقات التي نضج داخلها مثل هذه المراكز، يمكن العودة إلى: Think Tanks and James G. McGann,
Policy Advice in the US: Academics, Advisors and Advocates (New York: Routledge, 2007).
فشيئًا إلى مؤسّسات كبرى تنهض بأدوار أساسية. وهكذا ارتبط ظهور ال«ثينك تانكس» بالأزمات
أو المتغيرات الجيوسياسية.
في أدوار ال«ثينك تانكس».. بحث في تسليع القيم
أعطى الطابع المؤسّسي ال«ثينك تانكس» شخصية معنوية واضحة من جهة، وحضورًا مؤثّرًا في
الواقع المادي من جهة ثانية. وإذا كان المثقَّف اكتسب شرعيته بأدوار الاحتجاج والاعتراض، وبنى
سلطته بانتصاره للقيم الإنسانية، فإن ال«ثينك تانكس» استمدّت شرعيتها من أدوار الإسناد والمعاضدة
للسلطات. وما إن عصفت التحولّات بالعالم وفقد يسار العالَم موقعه، حتى فقد معه المثقَّف
تأثيره. وما إن اجتاحت مبادئ السوق العالم حتى برز «عقل المصلحة» قويًا في حلف لا ينفصم مع
سلطتَي السياسة والمال. وإذا كان المثقَّف منت ج أفكار، فإن ال«ثينك تانك» منتِج وبائع. الفكرة عندهِ
سلعة، والسلعة مال، وما هذا بمستغرب في سياق الثقافة المجتمعية الأميركية. يرى هيرب بركويتز
(H. Berkowitz) المتنمي إلى واحدة من أشهر مؤسّسات الفكر الأميركية (The Heritage Founda
tion)، أن إنتاج الفكرة وطباعتها ليسا إلّ نصف المهمة، وأنّ «ما يبقى هو بيع الأفكار». وسوق
الأفكار نشيطة في الولايات المتحدة نظرًا إلى أنها المموّل الوحيد للمؤسّسات العامة والخاصة،
وعبارة «حرب الأفكار»)war of ideas(كثيرة التداول هناك.
((6(راجع، على سبيل المثال: U.S. Foreign Donald Abelson, “Think Tanks and U.S. Foreign Policy: An Historical View,” Policy Agenda , vol. 7, no. 3 (November 2002).
وقد اقترح تصوّرًا يقوم على تقسيم زمني ووظيفي يتكوّن من أربعة أجيال:
1- Think Tanks as policy research institutions. 2- The emergence of government contractors. 3- The rise of advocacy Think Tanks. 4- Leagacy-based Think Tanks.
وأمّا ريتشارد هاس (R. Haass) فاستخدم كلمة «موجة» (Wave) لتقسيم ثلاثي. راجع ذلك في مقاله:
Richard N. Haass, «Think Tanks and U.S. Foreign Policy: A Policy-Maker’s Perspective,» U.S. Foreign Policy Agenda , vol. 7, no. 3 (November 2002), pp. 5-6. ((6(راجع في هذا الصدد، على سبيل المثال: Les Think tanks: Cerveaux de la guerre Stephen Boucher et Martine Royo, des idées , préface de Pascal Lamy, Échéances, 2ème éd. mise à jour et augmentée (Paris: Le Félin-Kiron, 2009), chap. 3: «Les Think tanks naissent sur les décombres des crises», et James Allen Smith, The Idea Brokers: Think Tanks and the Rise of the New Policy Elite (New York: Free Press; Toronto: Collier Macmillan Canada; New York: Maxwell Macmillan International, 1991). Andrew Rich, «War of Ideas: Why Mainstream and Liberal Foundations and the Think: عن أندرو ريتش من نقلً((6(Tanks They Support Are Losing in the War of Ideas in American Politics,» Stanford Social Innovation Review , vol. 3, no. 1 (Spring 2005), p. 25.
ويذكر ريتش في هذا الصدد أن مؤسّسة The Heritage Foundation أنفقت على الإعلام والاتصال سنة 2002 ثلث ميزانيتها التي
تقدَّر ب 33 مليون دولار.
((6(من الأمثلة على هذا النوع من التنافس الذي تلتقي فيه الفكرة مع المال، ما برّر به ريتش انتصارات المحافظين على الجمهوريين
المتلاحقة: «هذا النجاح لا يعود إلى قوّة الأفكار فقط. إن خَلْف هذه الأفكار مؤسّسات ناجحة». انظر: المصدر نفسه، ص.25
وعن الدور الكبير الذي تقوم به هذه المؤسّسات، يعلّق جوستان فاس (J. Vaisse): «هنا تُبنى وتُصاغ سياسات أميركا الخارجية
والداخلية، وإنها المحضنة التي يجري فيها اختيار المسؤولين عن مستقبل أميركا كلّ أربع سنوات». راجع ذلك في: Justin Vaïsse,
«Les Courants de pensée en politique étrangère aux Etats-Unis: hégémonistes contre gestionnaires,» Alternatives internationales , no. 1 (Mars-Avril 2002).
يمكن القول إذن إن انسحاب المثقَّف لم يكن طوعيًا، وما كان بسبب خيانة؛ فهذا الزمن الناشئ بعد
انهيار المعسكر الاشتراكي وشبكة القيم المرافقة له، اصطحب معه فاعلً جديدًا يسنده ولا يصادمه.
وهو ذو هوية مؤسّسية تقوم على دعامتَي المال وإنتاج الأفكار لتحصيل منفعة مباشرة آنية أو بعيدة
المدى. ولا شك في أن استبدال «القيمة» ب«المصلحة» الذي يعطي لهذا الزمن بعض خصائصه قد
فرض على «قادة الرأي» أن يكونوا في خدمة هذه الفلسفة العملية. ويكفي الاطلّاع على حجم
نسيج المؤسّسات البحثية في الولايات المتّحدة حتى تُفهم دلالة تسليع الفكرة من ناحية، وطغيان ثقافة
المنفعة من ناحية ثانية (وصل عددها سنة 2013 إلى 1828 مؤسّسة). إننا طبعًا لا نستحضر في هذا
المقام الخبراء باعتبارهم أفرادًا أو «مثقَّفين تقنيين»؛ فالخبير لا يكون خبيرًا إلّ داخل مؤسّسة يلتزم
بأهدافها في ما يُنتج من معرفة/بضاعة ويأخذ مقابل «أتعابه» مالً. لا هوّية له خارج المؤسّسة. إنها
هي التي تهبه صفته، بل هويته. وإذ يكون الخبير «مثقَّف» الزمن الأميركي المعولَم، فلا يُتوقّع إذن أن
يُرَى ما يخالف المبادئ التي ينهض عليها هذا الزمن. بناء على هذا كله، يكون توسُّع نفوذ أميركا في العالَم وفرض رؤيتها وأسلوب عيشها وقيمها «المسلَّعة»
)marchandisées(متناغمين مع غزو نسْختها من ال«ثينك تانكس» فضاءات وثقافات كانت ذات
يوم تفتخر بأنها تحت سلطان المثقَّف: «اجتاحتْ مؤسّسات الثينك تانكس باريس وباشرت الاهتمام
بكلّ الموضوعات». ورمزية باريس الثقافية لا تخفى، وغزو ال«ثينك تانكس» لها شهادة لا تُرَد
بأن الزمان ما عاد زمان المثقَّف. ولكن باريس، بما تحمله من رمزية وهي تتخلّى عن زمانها، تتعثّر
في استيعاب محمولات الزمن الجديد؛ فهذا «الغزو» لم يستطع أن «يفرنس»)françiser(«المثقَّف»
الأميركي (نستخدم عبارة المثقَّف تجوّزًا على سبيل المقارنة) تمامًا كما لم يستطع سارتر أن «يتأمرك»
)americaniser(باسم تشومسكي. كان ثمة استعصاء واضح في نقل تجربة ال«ثينك تانكس» وملء
الفراغ الذي أحدثه انسحاب المثقَّف الهُوَوي: «لم يكن سهلً نقلُ مؤسّسات ال‹ثينك تانكس› المرتبطة
وثيقًا بالمجتمع الأميركي إلى أنظمة أو بلدان أخرى. إنها تعكس في الجوهر ثقافة أنغلوسكسونية
وإدارة ديمقراطية ناجحة». ولكنها مع ذلك تكاثرت ونزعت إلى محاكاة الأصل (وصل عددها في
فرنسا سنة 2013 إلى 177 مؤسّسة). ويبدو أن «المثقَّف» أخذ في تجريب العيش داخل المؤسّسات
والمراكز البحثية لتأدية واجبات خدَمية- بحثية.
((6(راجع، على سبيل المثال: U.S. Foreign Michael D. Rich, “RAND: How Think Tanks Interact with the Military,” Policy Agenda , vol. 7, no. 3 (November 2002), pp. 22-25. John C. Goodman, “What Is a Think Tank?,” (National Center for: مقال جون غودمان راجع بشأن تسليع الفكرة مثلً((6(
Policy Analysis), sur le Web: <www.ncpa.org>.
. «Intellectual Entrepreneurs» ب الموسومة والفقرة: «Marketing Ideas» ب الموسومة الفقرة وخاصة:
(66) Yves Derai, «Think Tanks: les nouveaux laboratoires du pouvoir,» L’Optimum , no. 71 (2004), p.103.
((6(المصدر نفسه.
(68) Alain Faupin, «La Pensée au service de l’action: Les Think tanks américains,» La Revue internationale et stratégique , no. 52 (Hiver 2003-2004), p. 97.
((6(من أبرز الشهادات على التحوّل في وظيفة المثقَّف بسبب تحوّل السياق العالمي ما جاء على لسان فيليب مانيار (Ph. Manière)،
رئيس أكبر «ثينك تانكس» في فرنسا (IFRI)؛ فقد ذكر أن مهمّته بعد إنتاج الفكرة هو بيعها: «عملي بعد ذلك هو بيع أفكارنا للمسؤولين
في هذا البلد... إني أُمضي وقتًا طويلً في البرلمان وفي مكاتب الوزراء». نقلً عن: Derai, « Think…, » p.104.
تنصّ بيانات ال«ثينك تانكس» التأسيسية على مهماتها، وهي في الغالب تلبّي حاجتيْن: وطنية
وحزبية-مؤسّساتية في إطار السياسات الكبرى لدوائر التمويل. أمّا الذين تنتدبهم، فهُم من
المتخصّصين المهَرة في ميادين تحتاج إلى خبرتهم. وههنا فرق جوهري آخر بين المثقَّف والخبير؛
فإذا كان المثقَّف ينتدب نفسه تطوّعًا وتضحية لأداء مسؤولية «أخلاقية» خارج التصنيف المهني-
الحِرَفي، فإن الخبير الموظّف في هذا القسم أو ذاك من أقسام هذه المؤسّسة أو تلك تنتهي مهمّته
بانتفاء حاجة المشغّل إليه. العرب وتجربة ال«ثينك تانكس».. تحدّيات ورهانات لا تشذّ منزلة المثقَّف العربي اليوم عن منزلة المثقَّف في العالَم عمومًا، ولكن شيئًا من الخصوصية كان
يميز وضعيته؛ فقد ألقت عليه ثلاثةُ تحولّات كبرى ضغطًا غير مسبوق، فعطّلت أداءه: أصابه سقوط
يسار العالم في مقتل. وزادت مخرَجات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 في إثخانه فلم يقدر
على بلورة خطاب عربي- إسلامي يساعد على تصحيح الصورة ويمدّ جسور التواصل نحو مراكز صناعة الرأي العام العالمي. ولم يخض معركة «الربيع العربي». لقد أفلتت منه لحظة تاريخية نادرة تصرَّمت من أمامه، وها هي تتحوّل إلى ما يشبه الحروب الأهلية في أكثر من بلد. إذا أُضيفت إلى ما تقدّم علاقاتُه الغامضة بالسلطة، وانتماؤه الطبقي/البورجوازي، وإن لم يكن
شديد البروز، أمكن فَهمُ هامشيته وعجزه عن تحويل ثقافته المدرسية (بالمعنى الأيديولوجي)
إلى فعل محسوس يرى الناسُ آثارَه في الأرض، وأمكن بالتالي إحالةُ التراجع في الأداء على
أسبابه المركّبة. أمّا التفسيرات التي تَرُدّ التراجعَ إلى سلوك دولة الاستبداد العربية وتجريفها المساحات كلها لمصلحة
خدَمِ الحاكم وأعوانه، فرغم ما فيها من الوجاهة، وجبَ ألّ ننسى أن تاريخ المثقَّف كان في البدء: «إنّي
أحتجّ». وإذ يحتجّ الناس ولا يحتجّ المثقَّف إلّ بأخرَة، فنتيجة غير مستفزّة إن هي وُضعت في سياقها.
فهل يكون ال« ثينك تانكس» مَخرجًا وبديلً؟ ليس حظّ الخبير في البلاد العربية أفضل من حظّه في البلاد الأوروبية، فالتجربة قصيرة، والعدد صغير، والتمويل ضعيف. ويكفي إلقاء نظرة على خارطة توزيع ال«ثينك تانكس» في العالم حتى يُتبيّن موقع
هذه المراكز وحجمُها في البلدان العربية. إن أهمّ دراسة إحصائية هي تلك التي تواظب على إنجازها
جامعة بنسلفانيا تحت إدارة جيمس ماك غان)J. C. McGann(؛ فهي تمثّل مرصدًا جيدًا لعدد ال«ثينك تانكس» في العالم ونشاطاتها وتمويلها واختصاصاتها. وستعتمدها هذه الورقة للتعرّف إلى منزلة
((7(جاء على سبيل المثال في التعريف بمؤسّسة Heritage Foundation ما يلي:
«مؤسّسة بحثيّة وتربويّة مهمّتها تكوين وتنمية السياسات العامّة المحاف ظة المرتكزة على مبادئ حريّة المؤسّسة، والتدخّل المحدود
للدولة والحريّة الشخصية والقيم الأميركيّة المحافِظة والدفاع الوطني القوي.»
www.heritage.org
العرب داخل هذا السياق الجديد. وتقترح مقارنةً بين دراسة:2007 «2007 Global Go-to Think Tanks» ودراسة:2013 «2013 Global Go to Think Tank» للكشف عن نسق تطوّر الوعي
بأهمية هذه المراكز. وأهمّ ما يمكن الخروج به منهما نَعْرضه في النقاط التالية: • أحصت الدراسة الأولى 5465 مركزًا عالميًا، نسبة الموجود منها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
3.99 في المئة، وهي النسبة الأدنى على الإطلاق. وتطور العدد ليصل إلى 6826 في الدراسة الثانية (بعد خمس سنوات)، وارتفعتْ نسبة مراكز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتدرك ال 7.49 في المئة،
ولكنها تبقى الأدنى أيضً. ا • ضبطت الدراسة الأولى شروطًا لغربلة هذه المراكز وإبقاء من يستجيب منها للشروط، فأحصت في الغربلة 407 مراكز، منها 8 فقط عربية، وهو الرقم الأدنى أيضًا. وقفز عدد المراكز العربية في الدراسة
الثانية ليصل إلى 378 مركزًا (كان 218 مركزًا سنة 2007)، وهي زيادة كمّية مهمّة تدلّ على انخراط
واسع نسبيًا في المنافسة على إنشاء ال«ثينك تانكس.» • لم يتغير الوضع نوعيًا، وبقيت المراكز العربية خارج التصنيف؛ فمن مجموع 65 مركزًا عالميًا مختصًا
بالقضايا الأمنية، كان نصيب العرب 4 مراكز فقط. وكان النصيب من المراكز المختصّة بالاقتصاد الوطني
1 من 80، وفي الصحّة 1 من 30، وفي السياسة الدولية والشؤون الخارجية 2 من 65. أمّا في البيئة،
فصفر من 70، وكذا في التنمية صفر من 80، والاقتصاد العالمي صفر من 50، والتربية صفر من 50، والعلوم والتكنولوجيا صفر من 50، والسياسة الاجتماعية صفر من 50، والطاقة صفر من 20، والشفافية والحوكمة الرشيدة صفر من 30 (اكتفت دارسة 2007 بجداول قطاعية تتكوّن جميعًا من
المراكز العشرة الأولى. وقد خلت كلّها من أي مركز عربي.) المستصفَى من هذا أمران: الأولهو أن التأخر العربّي تأخر مركّب، فلا يمكن النهوض بقطاع بمعزل
عن القطاعات الأخرى. ولا شك في أن تحرير الطاقات في مواقع العمل جميعها مقدّمة ضرورية لفك
الحصار الذاتي والموضوعي. الأمر الثانيهو أنه إذا كان مثقَّف الأنوار الباريسي قد تشظّى بفعل قوّة
التحولّات العالمية، فأثر ذلك في مثقَّف «الهامش» أشد وقْعًا. ولذلك، بدت الأرقام متطابقة إلى حد
كبير مع الوهن العام. يبدو أن الحتمية التاريخية تدفع في اتجاه تعزيز دور ال«ثينك تانكس» وليس دور المثقَّف. وهذا موطن تحدٍّ ورهان بالنسبة إلى العرب؛ فالاتساع في تأسيس المراكز البحثية إن لم يكن متناغمًا مع
تحوّل عميق ونوعي في عقل الدولة العربية لا يمكن أن يسوق إلى تغيير جوهري في التعاطي مع
قضايا التنمية والتحديث، ذلك أن العلاقة التفاعلية بين الدولة وال«ثينك تانكس» مبدأ وشرط لنجاح
(71) James G. McGann, 2007 Global Go To Think Tank Index Report (Pennsylvania: Think Tanks and Civil Societies Program, University of Pennsylvania, 2008). (72) James G. McGann, 2013 Global Go To Think Tank Index Report (Pennsylvania: Think Tanks and Civil Societies Program, University of Pennsylvania, 2014).
التجربة. وما نعنيه بالتحوّل النوعي في عقل الدولة هو مغادرة فكرة الدولة السيدة الراعية والدخول في
بناء ثقافة الدولة المشاركة. وأساس ذلك وعنوانه: الديمقراطية والحرّية. ويُفترض أيضًا، وبالتوازي،
أن يندمج المثقَّف العربي في مجرى زمن ال«ثينك تانكس» اندماجًا يؤهّله لتحويل المؤسّسات
البحثية إلى مصادر معرفة حقيقية بقضايا العرب الكبرى، وفضاءات خبرة عالية متخصّصة وموظفة
لخدمة تلك القضايا. لكن المشهد «الثقافي» العربي اليوم مثير للقلق؛ فانسحاب المثقَّف لم يعوّضه المجتمع المدني كما
كان يُتوقع. لقد أنتجت التحولّات الثلاثة (سقوط اليسار، أيلول/سبتمبر 2001، «الربيع العربي)»
بالتدريج مجالً بدا أن السياقات الثقافية والتاريخية والتعليمية كانت تتحرّك بعيدًا عنه، وهو مجال
رجل الدِّين الحامل لمشروع يتناقض أصلً مع مَطالب النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر، ومع
أدبيات التحرّر الوطني، ومع أطروحات الدولة الوطنية. ففي هذا المجال، يُصاغ خطاب تحريضي
ضد الآخر المذهبي والديني والتاريخي. ومن داخله تتشكّل فيالق «الغزو» والتدمير المادي والرمزي. وبانتصاب «المحاكم الشرعية» فيه، يُستدعى الله ل«إقامة الحدود» وإنفاذ «شرعه». وههنا تحديدًا
يتواتر السؤال الحائر عن المثقَّف الهُووي صاحب الرسالة الخلاصية، ولكنّه سؤال، رغم كثافته
الوجدانية، قليل النفع تاريخيًا وسوسيولوجيًا. قد تبدو الدعوة إلى تحوُّل المثقَّف خبيرًا غير واقعية لأنها تفترض أن يتجرّد هذا المثقَّف العربي من
مسؤولية الدفاع الطوعي عن القيم، وأن يتمهنن وجودُه القيمي لمصلحة هذه المؤسّسة البحثية أو تلك.
ولكن ليس هذا هو المطلوب على وجه التدقيق؛ فالتحوّل مركزُه الوعيُ بأن المتاح الموضوعي اليوم
أمام الفعل «الثقافي» التغييري محدود نظرًا إلى بروز مؤثّرات وفاعلين وسياقات محلّية وكونية تمتلك
قدرة على الفعل أكبر من قدرة المثقَّف. لا شكّ في أن تحقيق ذلك صعب في الأفق المنظور على الأقلّ، لسبب جوهري: فإذا كانت اللحظة الدريفوسية هي التي صنعت زمن المثقَّف الهُوَوي، وإذا كانت لحظة ال«ثينك تانكس» هي التي
صنعت زمن الخبير، فهذا يعني أن المثقَّف والخبير كليهما فاعلان في الأحداث وصانعان لها على
نحو من الأنحاء. ولكن هاتين اللحظتين غير عربيتين منشأً وفلسفة. ولم يستطع المثقَّف العربي أن يؤثّر تأثيرًا فعليًا في
واقعه المحلّي أو القومي أو الدولي، لأن وجوده وجود استتباع وإلحاق وليس وجود إبداع وريادة،
وهذا توصيف وليس إدانة؛ فالزمن العربي الحديث والمعاصر نشأ في عسر واضطراب وقلق وشك في
ذاته وفي الآخر. وقد كانت الأحداث والأفكار الكبرى كلها تداهمه وكان يلاحقها. وإذا كان المثقَّف
الدريفوسي أُكره على الانخراط في زمن ال «ثينك تانكس» فخرج من مدار التطوّع والقيمة إلى مدار
الاحتراف بكثير من المشقّة، فإن محنة المثقَّف العربي أشد: يداهمه الزمن الجديد، وأحلام الزمن
المنسحب تظلّ معلّقة: الحرية، الديمقراطية، الوحدة، فلسطين... من دون أن يكون قد أعدّ له العدّة.
هذا زمن آخر يبدو أن العرب، أطيافًا ومؤسّسات ونخبًا وتوقّعات، سيلقون فيه عنَتًا أيضً. ا
خلاصات ونتائج أفضى البحث إلى نتائج أربع كبرى بشأن المثقَّف وسياق النشأة، والمثقَّف وسياق التراجع، والخبير
سياقًا وبديلً، وتحديات الراهن العربي. • فأمّا المثقَّف، فنشأ في سياق قيمي ينتصر لأطروحة ملخّصها أن الإنسان «كائن معنى». ولا شك في
أن مرجعياته هي، في العموم، إفرازات اتّجاهات التنوير والأنسنة، وقد وفَّرتْ للمثقَّف إمكانات عريضة
ليمارس أدوارًا رسالية. وغني عن البيان أن منتجات «مدرسة» علم الاجتماع الفرنسي خاصة كان لها
الدور الحاسم في بلورة معالم المثقَّف الهُوَوي بما اصطنعت من مصطلحات وتصوّرات. ولا عجب،
في ظلّ هيمنة هذه المدرسة وفي زمن سُلّطت فيه مظالم كثيرة على الشعوب، أن يكون لهذا المثقَّف
سلطة وأثر. • وأمّا ترهّل أدائه، فم نَ التجنّي إرجاعُه إلى «خيانة المثقَّف» المبادئَ التي نَدبَ نفسه بادئ الأمر
للدفاع عنها. إن القراءة النقدية التاريخية تقدِّم المسألة على نحو آخر. فالتحولّات التي شهدها العالَم
نهاية الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفياتي، واستشراء مفاعيل عولمة قيم الغالب أخرجا العالَم من سياقه الأول وأدرجاه في سياق جديد: ضمور الاحتفاء ب«كائن المعنى»، وطغيان نزعات تسليع
كلّ شيء، وسيطرة مبدأ المصلحة. عصفت التحولّات بالروابط المجتمعية وبالمؤسّسات التقليدية
وبالدولة نفسها، والمثقَّف سليل كلّ ذلك. فهو إذن ضحية من ضحايا الزمن الجديد. وأن يُطلب منه
اليوم أن ينهض بالأعباء التي كان ينهض بها، فهذا أمر لا معقولية له لأنه، بإيجاز - غير تاريخي. نعم،
يوجد اليوم مثقَّفون.. بل يوجد مثقَّفون كبار، غير أن المثقَّف الهُووي (بمحدّدات هويته الستّة مجتمعة)
ما عاد موجودًا. إن بديلً له جاء بمجيء الزمن البديل لزمنه: ال«ثينك تانكس.» • وأمّا الخبير، فالتنصيص على أنه أميركي النشأة والسياق شرط أساسي لفهم طبيعة نشاطه وتبيُّن
الاختلاف النوعي بينه وبين المثقَّف. إن من طبائع الأمور أن يحمل الغالب معه أدوات تغلّبه. وإن من
استتباعات الغلبة أن يقلّد المغلوبُ الغالب. وقد تمدّدت مجالات النفوذ الأميركي، وتوسّعت دوائر
الهيمنة، وكان لل«ثينك تانكس» أدوار مهمّة في تحقيق ذلك. كانت ن صْفًا، وكانت القوّة المادّية نصفِ
أميركا الثاني (ثينك/فكر + تانك/ دبابة). وأعطى الالتحام التفاعلي بين مراكز الفكر ومصالح الدولة/ الموسّسة وضعية ولاء وانتماء. أصبح الفكر متخصّصًا وقطاعيًا و«ملتزمًا» بأدوار تحدّدها المصلحة.
عمل الخبيرِ عمل مُمَهْنَن ويدخل تحت سقف «الثقافة» الأميركية. • وأمّا التساؤل عن دور المثقَّف العربي في سياق التحولّات التي يعيشها بعض البلاد العربية، فهو إن
وُضع في سياقه العالمي أو العربي (هزيمة 67، غزو الكويت، حرب الخليج...) فقد كثيرًا من معقولية
طرْحه. وقد يكون المعوَّل عليه في المستقبل وجودَ «ثينك تانكس» عربية فعّالة ومنتجة، وقادرة لا
فقط على اقتراح الدراسات والحلول، بل أيضًا على توجيه سياسات التنمية الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية توجيهًا يستهدف الإنسان العربي في المقام الأول.
مراجع إضافية
١- العربية
سعيد، إدوارد. المثقَّف والسلطة. ترجمة محمّد عناني. القاهرة: رؤية للنشر،.2006 سكوت، جون. علم الاجتماع: المفاهيم الأساسية. ترجمة محمّد عثمان. بيروت: الشبكة العربية
للأبحاث والنشر،.2009
٢- الأجنبية
Bell, Daniel. The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties.
Charle, Christophe. Naissance des «intellectuels»: 1880-1900. Paris: Les Ed. de Minuit,
Fussler, Jean-Pierre. L'Intellectuel et le pouvoir, Colloque de Strasbourg, oct. 1982.
Hourmant, François et Arnauld Leclerc (dirs.). Les Intellectuels et le pouvoir: Déclinai
Bodin, Louis and Jean Touchard. «Les Intellectuels dans la société française contem poraine: Définitions, statistiques et problèmes.» Revue Française de Science Politique:
Books
New York: Harvard University Press, 1962.
1990. (Le Sens commun)
Strasbourg: Presses universitaires de Strasbourg, 1982.
sons et mutations. Rennes: Presses universitaires de Rennes, 2012. (Essais)
Periodical
vol. 9, no. 4, December 1959.