Return to Article Details The Sacred and the Dialectic of Religious and Literary

المقدَّس والديالكتيك الديني و الأدبي

The Sacred and the Dialectic of Religious and Literary

عبد الدائم السلامي

Abdel Dayem Salami

الملخّص

«يوشك المقدَّسُأن يدخل في حالة توتُّر مع الخيال والرواية، مكمَنُ ذلك معيارية المقدّس ووصفية الخيال. فالمقدَّس حكم قيمة معيارية غير حيادية، أمّا الخيال فحركة حرّة، مساحة مفتوحة على المُطلَق، ليس لها حدود وال تخضع لقيود أو حتى قانون.»

Abstract

The nature of the relationship between sacred text and literary text is here examined through a reflection on the extent to which each benefits from the achievement of the other. Comparisons are thus made to reveal the religious within the literary text and the literary within the sacred text. Old and modern European poetry were chosen as the first object of study, and the Holy Qur'an and the corpus of the Hadith as the second. The paper concludes that the link between the sacred text and the religious text helped enrich both of them, be it on the level of signification or of artistic structure. The literary is present in the religious in the form of myth to use Northrop Frye's term, and expands the imagination in it, intensifies its symbols, makes present the pure experience of the ancients, and infuses rhetoric into its linguistic texture, making it transcend the level of explanation and magic. The (Islamic) religious is present in the literary as a means to spread Mohammed's call and is its means to implant it in the hearts of the believers; it advocates morality as well as it being a flexible means to formulate wisdom and to facilitate its expression by means of systems of comparing present circumstances with those of the past through different arguments and proofs – all of which are suited to the nature of human needs.

الكلمات المفتاحية:
  • المقدس
  • الأشعار الأوروبية
  • النص
  • الأدب
Keywords:
  • The Sacred
  • Literature
  • the Religious
  • European Poems
  • the Text.

يروم هذا المقال النظر في طبيعة العلاقة بين النصّ المقدّس والنصّ الأدبي، وذلك

بالوقوف على مدى استفادة كلٍّ منهما من مُنجَز الآخر. ولتحقيق ذلك، اعتمد المقارنة

سبيلً إلى كشف الدّيني في النصّ الأدبي والأدبي في النصّ المقدَّس، وتخيّرَ الأشعار

الأوروبية القديمة والحديثة متنًا للمبحث الأول، واعتمد القرآنَ الكريم ومدوّنة الحديث

النبويّ فضاءً للمبحث الثاني. وخلص إلى إقرار أن اتصال النصّ المقدّس بالنصّ الأدبي

ساهم في إغنائهما معًا، سواء على مستوى الدلالة أو على مستوى البناء الفني؛ إذ وجد

الأدبي في الدّيني كونَه الأسطوري على حدّ عبارة نورثروب فراي، فاتسع حجم التخييل

فيه، وتكثّفت رموزه، وحضر فيه صافي تجارب الغابرين، وشاعت البلاغة داخل نسيجه

اللغوي، وهو ما جعله يرقى مراقي البيان والسِّحر. ووجد الدّيني (الإسلامي) في الأدبي

الوسيلة الطيّعة لنشر الدعوة المحمدية، وسبيلَه إلى تثبيتها في قلوب المؤمنين وحثّهم

على مكارم الأخلاق، إضافة إلى أنه صار آلة مرنة تمكّن من صوغ الحكمة ويُسْر تبليغها

عبر أنظمة قياس ظروف الحاضر بأحوال الماضي في كثير من الحجة والدليل، ومناسبة

ذلك كله لطبيعة حاجات الواقع البشري.

«يوشك المقدَّسُأن يدخل في حالة توتُّر مع الخيال والرواية،

مكمَنُ ذلك معيارية المقدّس ووصفية الخيال. فالمقدَّس

حكم قيمة معيارية غير حيادية، أمّا الخيال فحركة حرّة، مساحة

مفتوحة على المُطلَق، ليس لها حدود وال تخضع لقيود

أو حتى قانون.»

لؤي خليل

(((لؤي خليل، «المقدس والخيال الروائي،» مجلة جامعة دمشق، السنة 24، العددان 1 و 2.)2008(

الإشكالية تطرح طبيعة العلاقة القائمة بين الأدب والمقدّس مجموعة من الأسئلة التي تحتاج منّا إلى البحث لها عن إجابات ممكنة حتى نتبيّن حدودها وأشراط انعقادها. ومن تلك الأسئلة نذكر:

ألا يُعدُّ تعاطي الأدب مع المقدّس سعيًا منه إلى أن ينتزع صفة التسامي ليتحلّى بها إبداعيًّا؟ وما طبيعة

التحويلات التي يُنجزها المقدَّس على النص الأدبي؟ وما تأثير ذلك في الخطاب السردي؟ ومتى

تخلّص الإبداع الأدبي من الروحانيات ومن طرح الأسئلة الميتافيزيقيّة؟ للإجابة عن مجمل هذه الأسئلة، وزّعنا عملنا في ثلاثة عناصر، سنحاول في أوّلها تحديد مفهوم

المقدَّس في القواميس اللغوية والفقهية وفي الدراسات الفلسفية والاجتماعية، مع النظر في طبيعة علاقته بالأدب. وسنسعى في ثاني العناصر إلى تبيّن مظاهر حضور المقدّس في النص الأدبي الغربي،

وفي العنصر الثالث سينعقد جهدنا حول تجلية حضور المقدّس في عيّنة من نصوصنا الروائية العربية. في حدِّ المقدَّس إن المفاهيم الممنوحة لمادة [ق، د، س] ومشتقاتها الصرفية في المعاجم اللغوية العربية تُفيد مجموعة من الدلالات، منها التنزيه والتعظيم والمباركة والتحريم والطهارة. وترتقي الطهارة، من بين هذه الدلالات، إلى محل الصفة بالنسبة إلى مجموعة من الموصوفات التي أوردها ابن منظور (ت 711 ه) في لسان العرب؛ من ذلك أن الله مقدّس لأنه طاهر مُنزَّه عمّا لا يليق بألوهيته، حيث يقول «قدّس:

التَّقْديس: تنزيه الله عز وجل. وفي التهذيب: القُدْسُ تنزيه الله تعالى، وهو المتقدَّس القدُّوس المُقدَّس.

ويقال: القدُّوس فَعُّول من القُدْس، وهو الطهارة». ويُضيف: «والتَقْدِيس: التَّطْهِير والتَّبْريك ».

وقد ورد فيتاج العروسأن «الطهارة ضربان: جسمانية ونفسانية، وحُمل عليهما أكثر الآيات ». ومن

ثم، يمكن توزيع أنواع الطهارة إلى صنفين: طهارة حسية، وتتمثّل في التخلّص من الأوساخ والأدناس، وأخرى معنوية تشمل القلب واللسان والعمل والسلوك. وقد حضّ الإسلام في تشريعاته على الطهارة

الحسية بل اعتبرها صنوَ التوبة في قوله تعالى: ﴿ّإن اللهَ يُحب التوابين ويُحب المتطهِّرين ﴾، كما حفَز

المؤمنين على التحلّي بطهارة الرّوح لأن من شأن ذلك أن يزيد من تراحمهم وتناصحهم ويُثبِّت لديهم

مكارم الأخلاق. ولا تختلف القواميس الفقهية عن معاجم اللغة في تأكيد أن المقدّس هو الطاهر؛

إذ نقرأ فيالقاموس الفقهيأن «قدّس، قدسًا: طهر، وتبارك. قدّس الله فلانًا: طهّره، وبارك عليه. القدس:

الطهر، والبركة. القدّوس: من أسماء الله تعالى. وهو الطاهر المنزه عن العيوب، والنقائض».

(((أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي،

6 مج (القاهرة: دار المعارف 1981)، مادة [ق، د، س.]

(((المصدر نفسه، المادة مادة [ق، د، س.]

(((أبو الفيض مرتضى بن محمد الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق عبد الستار أحمد فراج [وآخرون]؛ راجعته لجنة

فنية من وزارة الإرشاد والأنباء، التراث العربي؛ 16، 40 ج (الكويت: حكومة الكويت، 2001-1965)، ج 6، ص.444

(((القرآن الكريم، «سورة البقرة،» الآية.222

(((سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، ط 2 (دمشق: دار الفكر، 1988)، ص.297

إذا كانت المعاجم والقواميس اللغوية والفقهية العربية تؤكّد الربط بين المقدّس والطهارة ببعديْها

المادي والرمزي، فإن المعاجم اللغوية والموسوعات الفلسفية الغربية تنزع جميعها إلى جعل المقدّس

مُحيلً إلى كلّ ما هو غير دنيوي وغير قابل للانتهاك، من ذلك أن معجم ليتري)Littré(يمنح المقدّس

مجموعة من المدلولات، منها أنه «صفة لكلّ ما/ مَن له وظيفة غيبيّة وله وقار يَمنع انتهاكَ حرمته»،

ويذهب معجم لاروس الصغير)Le petit Larousse(إلى القول إن «المقدّس صفة كلّ ما له صلة

بالديني والسماوي. وشيء/أو شخص مقدّس: هو الذي يسمو في صفاته على الإنسان ويحوز كل

احترامه، وهو نقيض الدنيوي». ولا نعدم في هذيْن التعريفيْن تركيزهما على أمور ثلاثة في المقدّس:

أوّلها تميّزه ببُعده الدّيني، وثانيها اتصافه بالسموّ، وثالثها تعارضه مع الدنيوي. وهو تعريف لا يبدو

مختلفًا عمّا نجد للمقدّس في معجم روبير من مفاهيم، حيث يؤكّد أن «المقدّس ينتمي إلى مجال

الممنوع والمحرّم، وهو محلّ إجلال من الآخرين. والمقدّس هو كلّ ما يتعارض مع الدنيوي. وشيء

مقدّس: بمعنى ينتمي إلى الطقس الديني». بالعودة إلى ما يقترح بعض المعاجم والموسوعات الفلسفية من حَدٍّ للمقدَّس، نتبيّن فيها نظرتين له

متلازمتين، تسعى الأولىإلى حدِّه من جهة وظيفته التمييزية، وتروم الثانية تعريفه من جهة طبيعته

الإجرائية. ولئن وقف المعجم الفلسفيبمفهوم المقدّس عند «كلّ ما يتصل بالأمور الدّينية، فيبعث في

النفس احترامًا ورهبة، ولا يجوز انتهاك حرمته»، فإن الموسوعة العالمية للفلسفة ترى أن «المقدّس

ينهض على فكرة أساسية هي الفصل، وهذا الفصل يقوم بين فضاءَيْن ليس لهما أيّ رمز يصدق في

التعبير عنهما سوى المعبد)fanum(، وما جاور المعبد)profanum(». ولا يخفى في هذا الحد،ِّ

تركيزُه على كون المقدّس ينهض فضاءً فاصلً بين منطقتين متضادتين في طبيعتهما: واحدة سِمتها

الطهارة والتحريم وأخرى سِمتها التدنيس والانتهاك. يقارب دوركايم (ت 1917) المقدّسَ من زوايا نظر كثيرة تتبادل التأثّر والتأثير، نذكر منها علاقته

بالمدنّس، وطبيعة الأشراط التي تحكم حضوره لدى الفرد ولدى الجماعة الاجتماعية، ثم اجتماعية

نشوئه. وهي زوايا نظر حاول بها هذا الباحث تأطير موقفه من المقدّس الاجتماعي وكشف عمّا يلفّه

من غموض مفهومي. وفي هذا الشأن يذهب إلى القول إنه إذا كان الشيء المقدّس هو بامتياز الشيء

الممنوع الذي لا يمكن للمدنّس انتهاكه من دون عقاب، فإن هذا المنع لا يبلغ الدرجة التي تَحُول

دون تواصلهما؛ ذلك أنه «لو امتنع المدنس عن الدخول في علاقات بالمقدّس، لانتفت فاعلية هذا

الأخير، (...)، وفي الوقت نفسه، يمكن لهذين العنصرين (المقدّس والمدنّس) أن يتقاربا ويظلّ كل

(7) Emile Littré, Dictionnaire de la langue française , 5 vols. (Paris: L. Hachette, 1889), vol. 4, p.1794. (8)  Le Petit Larousse illustré en couleurs: 87000 articles, 5000 illustrations, 321 cartes, chronologie universelle (Paris: Larousse, 2007), p. 908.

(9) Le Robert , Paris, Ed. JOUVE, 2004, p. 1004.

((1(مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، تصدير إبراهيم مدكور (القاهرة: مجمع اللغة العربية، لجنة العلوم الفلسفية والاجتماعية،

1983)، ص.189

(11) Roger Texier, “Sacré,” in: André Jacob, Encyclopédie philosophique universelle (Paris: Presses universitaires de France, 1998), vol. 2, p. 2291.

واحد منهما محافظًا على طبيعته الخاصة»، وهو ما يجيز القول بأن الفصل بينهما لا يمنعهما أبدًا من

التلازم والتزامن خلال تجلّيهما الاجتماعي، الأمر الذي يجعل علاقة المقدّس بالمدنّس كعلاقة وجه

الورقة بقفاها، إذ لا يمكن أحدهما أن يوجد بمعزل عن الثاني، فإذا افترضنا وجود المقدّس فقط، فإنه

سيفقد قداسته حتمًا، ومن هنا وجب الاحتراز من قول ميرسيا إلياد (ت 1986) إنه «بالنسبة إلى الذين

يتوفّرون على تجربة دينية، فإن الطبيعة بأكملها يمكن أن تظهر في شكل كون مقدّس. الكون بأكمله

يمكن أن يكون تجليًا للمقدّس»، وهو ما نراه لا يستوي مع طبيعة المقدّس ذاتها، ذلك أن قداسته

إنما تُمنح له مقارنة بوجود المدنّس؛ إذ «لا توجد فجوة بين المقدّس والمدنّس، بل هما، على العكس

من ذلك، متداخلان بحيث يمكن أن يحلّ أحدهما محلّ الآخر» في ما يمكن أن نسمّيه لعبة تبادل

الأدوار، حيث يستطيع الشيء ذاته أن ينتقل من نوع منهما إلى الآخر انتقالً سلسًا من دون أن يضطر إلى

تغيير طبيعته. فمن الطاهر يمكن أن يتخلّق النجس، ومن النّجس قد يتخلّق الطاهر أيضًا، علمًا بأن

دوركايم يؤكّد أن الطاهر والنجس ليسا صنفين منفصلين، بل هما نوعان من الجنس نفسه الذي يشتمل

على الأشياء المقدّسة كلها. ولعل في الغموض الذي يلفّ المقدّس، والمتجلّي خاصة في كونه صفة

تُطلَق على «الطاهر» كما تُطلَق على «النّجس»، وهو ما يمنحه «قداسته» ويحميها بهالة من الإجلال. ولمّا ظلّ كل ما هو مقدّس لدى الفرد محتاجًا دومًا إلى مصادقة الجماعة عليه، ليستحق صفته عبر

إخضاعه لسنَنها القِيَمِية التي تُعيّن وظائف الأشياء وتنتظم السلوك الجماعي وتعيِّره، فإن المجموعة

الاجتماعية تنهض، جرّاء ذلك، مؤسّسةً تحكم حركة المقدّس فيها بما يخدم أفق انتظارها من العيش

المشترك، ويحافظ على كيانها الموحَّد، وتضمن للمقدَّس في الوقت نفسه استمراريته واستمرارية

اشتغال أدواته المنتجة للرمز. لا شك في أن هيمنة سلطة المجتمع على سلطة المقدّس هي التي تجعل حضوره خاضعًا لأحكام

المنظومات التي تستنبته في أفكار الناس وسلوكهم؛ ذلك أن «الأشياء المقدّسة لا تعني فقط الكائنات

الشخصية التي تُسمَّى الآلهة أو الأرواح، فالصخرة والنبع والحصاة وقطعة الخشب والمنزل، وبصورة

عامّة، كلّ شيء، يمكن أن يكون مقدّسًا»، وهو ما يعني أن القداسة في الفهم الدوركايمي لا توجد

في طبيعة الأشياء، بل هي في النظرة الاجتماعية التي يسبغها الإنسان على تلك الأشياء، لأن «ما يمنح

قداسة شيءٍ ما هو، كما بينّا، الشعور الجماعي الذي ينصبُّ عليه ».

((1(المصدر نفسه، ص.55

(13) Mircea Eliade, Le Sacré et le profane , Folio. Essais; 82 (Paris: Gallimard, 2009), p. 18. (14) Emile Durkheim, Les Formes élémentaires de la vie religieuse: Le Système totémique en Australie , Quadrige (Paris: Presses Universitaires de France, 1994), p. 592.

((1(تمثيلً لأمر تبادل الأدوار بين المقدّس والمدنّس، سنهتدي برأي دوركايم الذي يؤكّد فيه أن المنع هو ما يفصل بين هذين

العنصرين؛ فالعملية الجنسية مثل تنتقل من فضاء القداسة إلى فضاء التدنيس ثم تعود إلى فضاء القداسة من جديد من دون أن تغيّر من

طبيعتها، وذلك لكونها من جهة أولى هي التي توحّد بين الرجل والمرأة، وبالتالي تزيل ما بينهما من منع وفصل ومن ثم تدخل فضاء

المدنّس والنجس (وهو ما يوجب التطهّر منها: الاغتسال)، ولكنها من جهة ثانية هي التي تنتج في أغلب الأحوال كلّ ما هو طاهر،

ونعني به إنجاب الأبناء، وبهذا تدخل حيّز المقدّس الاجتماعي.

(16) Durkheim, p. 51.

((1(المصدر نفسه، ص 590.

وظاهر ممّا تقدّم أن المعاجم اللغوية والمباحث الإنسانية ظلّت رهينة نظرتها إلى المقدّس في تضادّه

مع المدنّس؛ فهي اكتفت برصد تجلّياته، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، وهو

ما نراه يقف بالمقدّس عند عتباته من دون الإحاطة بتأثيراته كظاهرة بشرية وبفاعليته كتجربة تُعاش

وتُحكى. ولئن وقفنا في أغلب تلك المقاربات على اختلاف الباحثين في أمر تحديد دلالاته اللغوية

والاجتماعية والدّينية، فإن حجم هذه الاختلافات أدنى كثيرًا من حجم ائتلافها في الإنباءِ بكونه ظلَّ

فيها مفهومًا ملتبسًا في حضوره وفي تخفّيه، متوفِّرًا على قدرة توصيف الشيء ونقيضه في الآن نفسه،

وهو ما يجعل منه معنى في حال حراك مستمرّ، وهذا ما يزيد من ضبابيّته وغموضه ويساهم في تنوّع

حضوره داخل مجالات الفكر. وقد شجّعنا هذا التنوّع في حضور المقدّس على النظر في طبيعة علاقته

بالإبداع الأدبي؛ إذ وجد الأدبي في المقدَّس معينًا للتخييل لا ينضب، بل إنه مثّل الباب الخلفي الذي

يدلف منه الفكر إلى مؤسّسة المقدَّس ليُمعِن فيها سؤالَه إحاطةً بأسبابها وكشفًا لمستورها، وهو ما

ساهم في تحرّر الكتابة الأدبية من وظيفة «الحامل الأمين» لظاهرة المقدَّس لتساهم بآلياتها الشكلية

والدَلّالية في تأويل تلك الظاهرة وتقويم طبيعتها ووظائفها وظروف تجلّيها، بل وتفكيكها أحيانًا كثيرة،

وذلك من جهة أن الأدب «ليس وسيطًا بين المقدّس وسؤال البحث فيه فقط، بل هو أيضًا الشكل

الفكري الذي يحفظ الأثر النصيّ لحركة المقدّس حتى يتمكّن المتلقّي من تمثّلها وإعادة صوغها

ذاتيًا». إنه، إلى ذلك الفضاء الخاص الذي تهاجر إليه الأفكار التي تخالف المألوف العام بسبب

ما تجد فيه من قدرة فنية تمنحها أهلية مناقشة المقدّس ومساءلته خارج أطره التقليدية، في غفلة ممّا

يحميه من عناصر المنع والرهبة. الأدب الغربي و « الكون الأسطوري» للمقدَّس

ننطلق في هذا العنصر من السؤال التالي: هل ساهم النصّ الدّيني في التأسيس لظاهرة الأدب؟ وهو

سؤال نراه حقيقًا بأن يضعنا في مواجهة مع علاقة الدّيني بالأدبي ومدى استفادة الأول من المنجز

الحكائي في الأساطير والملاحم التي حفلت بها النصوص الميثيولوجية القديمة بداية من ألواح

العهد السومري (3000 سنة ق. م.) وحتى التعاليم البوذية (600 ق. م.)، إضافة إلى نصوص الكتب

السماوية الثلاثة. ولا شك في أن هذا السؤال محيل إلى سؤال آخر، وصورتُه: ماذا يبقى من النص

الأدبي لو حذفنا منه كلَّ مراجعه الدّينية المقدّسة؟ لا يمكن بأيّ حال من أحوال التعاطي النقدي مع النصوص الأدبية أن ننفي استفادة أغلبها ممّا يرشح

به الخزين الأسطوري الدّيني من أنماط حَكْيٍ وفنون تخييل. وهي استفادة يبررها نزوع الأدب والدّين

كلاهما، باعتبارهما فعاليتين تتبادلان التأثُّر بواقع الإنسان والتأثير فيه، إلى نشر الثابت من الق يم الإنسانية

كالخير والعدل والحرية، ويُجلّيها اشتراكُهما معًا في توظيف الأسطورة لتحقيق ذاك النزوع. ومن ثم

وجبت إضاءة دور الأدب في عضد منجزات الفكر من جهة كونه يمثّل فضاءً يستطيع أن يستوعب

المقدّس في إطلاقيته، وسبيلً إلى البحث فيه بحثًا حرًّا وذاتيًا، بل «لا بد من تأسيس تصوُّر للأدب

(18) Sara Danièle Bélanger-Michaud, “Cioran ou le mal de foi: Les Vestiges du sacré dans l’écriture,” dirigée par Terry Cochran (Thèse de Doctorat, Faculté des arts et des sciences, Université de Montréal, Juin 2011).

يكون فيه طريقة لتسجيل تجليات المقدّس، وفضاءً لحراكه، ووسيلة للتساؤل حوله بعيدًا عن إكراه

المؤسّساتيّة الدّينية، بل والنظر إليه معرفةً تحيط بحضور المقدّس من زاوية إبداعية». لا ريب في أن ما يمكن أن يُميّز تلك المعرفة هو «أدبيتها»، الأمر الذي يعني أنها ليست إلّ تمثُّلً ذاتيًّا

للواقع الإنساني يخضع لطبيعة رؤية المبدع له، وما يحكمها من تصوّرات خاصة عمّا فيه من مقدَّسات؛

إذ «ليس الأدب وسيطًا بين المقدّس وسؤال البحث فيه فقط، بل هو أيضًا الشكل الفكري الذي يحفظ

الأثر النصّي لحركة المقدّس حتى يتمكن المتلقي من تمثّلها وإعادة صوغها ذاتيًا». ولعلّ في هذا ما

يجعل الأدب مسرحًا لحركة المقدس وهو يخترق مجالات المعيش البشري، منتظ مًا إيقاعاتها، وملوِّنًاِ

فيها رغائب الإنسان في أن يوجد في الكون وجودًا مريحًا خاليًا من القلق الفكري. وتحقيقًا لبعض

تلك الرغائب، وجدت الإبداعات الأدبيّة في النصوص الدّينية، في جلّ الحضارات تقريبًا، سبيلَها إلى

مراودة آفاق التخييل السردي، من دون إكراهات المكان أو الزمان، عبر ما في تلك النصوص من عوالم

الغرابة والتعجيب التي ظلّت على امتداد حقب طويلة موجَّهةً لخدمة قضايا العقيدة واللاهوت، فحوّلها

الأدب إلى تقنيات فنيّة مشبعة بكلّ ما يدخل في حقل اللامعقول بوصفه يمكّن الكاتب من توظيف كل

هيئات أو أحداث غامضة مستغلقة على معناها وموغلة في فضاء الأسطورة. وهل الأسطورة، وهي

تدخل النصّ الأدبي وتستشري فيه بمنظومتها الرمزية، إلّ تحقيق لتلك الطاقات الإيحائية بما يُغني

التخييلَ الأدبيَّ ويُصفّي أمواهه الجمالية؟ في هذا الشأن، انتبه الأدباء والنقّاد إلى ثراء المدوّنات النصية الدينية بعناصر التخييل المشكِّلة للملاحم

فيها، فعادوا إليها يبحثون عن رَواءٍ دافق لكتاباتهم عبر قراءتها قراءةً لا تحفل بالعقائدي فحسب،

وإنما تحتفي بها أيضًا بوصفها معينًا تمتح منه بلاغتها الفنية. وتُعدُّ محاولة نورثروب فراي (N. Frye)

(1991-1912) المتعلّقة بقراءة التوراة قراءة أدبيّة من أجرأ المحاولات البحثيّة المتّصلة بالكتاب

المقدّس من جهة سعيها إلى التركيز على مكوّنات النصّ الدّيني الفنية بعيدًا عن كلّ فهم لاهوتي له.

وفي رأينا أن هذه القراءة تدخل في إطار مشروع فكري وُسِم بالحداثة ورفع لواءَه منذ بدايات القرن

العشرين بعضُ الكتّاب والباحثين الغربيين، وخاصة في فرنسا، وعمدوا من ورائه إلى تخليص المقدَّس

من المفاهيم التقليدية الشائعة، خاصة ما كان منتميًا منها إلى الدراسات اللاهوتية، وتقديم بدائل له

مفهومية جديدة تتجاوز فيه ارتباطه الوثيق بالإلهي في سمّوه وتعاليه لتؤسّس له بنيانًا دلاليًّا لا يقوم على

ما يتجاوز الخبرة المعرفية الإنسانية، بل يتمثّل واقعَ الإنسان في قوّته وفي ضعفه، وفي وحدته وكذا في

وجوده العام المشترَك. تذهب قراءة فراي في أمر علاقة الأدب بالمقدَّس إلى الإقرار بأن الكتاب المقدّس مثّل خزينًا ثرًّا

من الصور والاستعارات التي غرف منه أغلب النتاجات الأدبية الغربية ماءَها الفني، حيث نلفيه في

كتابه Le Grand Code. La Bible et la littérature يصرُّ على أن تلك الاستعارات التي تحفل بها

التوراة لا تزال فاعلة في المنجز الأدبي الغربي حتى اليوم، ويسمّي فراي مجمل تلك الصور الأدبية

((1(المصدر نفسه، ص.13

((2(المصدر نفسه، ص.14

« الكون الأسطوري» بالقول إنه «أمكن لعناصر الكتاب المقدّس أن تكوِّن إطارًا تخييليًّا، وهو ما سمّيته

هنا الكون الأسطوري، اشتغل ضمنه الأدب الغربي منذ القرن الثامن عشر وحتى واليوم». ولمّا

كان فراي يرى في الأسفار الخمسة المكوّنة لمدوّنة التوراة النصية وحدةً أدبيّة ذات اتساق فني داخلي

خاص، اعتبر أن نموذج الكتاب المقدس ليس مجرد وسيلة للقراءة، بل وسيلة للكتابة أيضًا، وهو أمر

أكّده بقوله: «إن النموذج التوراتي شكل من أشكال البلاغة، ويمكن المرء دراسته مثل أي شكل آخر من الأشكال البلاغية». وبالنظر إلى كون النص التوراتي يتوفّر على بنية متماثلة العناصر، تتعاضد فيها الاستعارات مع حشود

الصور التخييلية والمحسوسة لتنهض دليلً على طابعه الأدبي وعلى كونه ذاتي المرجع، عمد هذا

الباحث إلى جرد تلك الاستعارات والصّور وتبويبها في شكل جداول، منها ما هو متعلّق بأنواع

الاستعمالات اللغوية، ومنها ما هو خاص بالصور الفنية، إضافة إلى ما كان منها متصلً بالرسوم

التوضيحية. وعلى هدي من تلك الجداول، خلص إلى الإقرار بوجود نوع من التماسك الأدبي داخل هذا النص لم تنتبه إليه الدراسات التاريخية، حيث لاحظ أن «هناك مدوّنة من الصور الحسية (المدينة،

النهر، الجبل، الشجرة، الزيت، العين، إلخ...) التي تتكرّر في كثير من الأحيان داخل الكتاب المقدّس،

وهذا ما يشير بوضوح إلى أن فيه نمطًا من التصوّر الموحّد عن الأشياء». وبعد أن حدّد فراي البُنى

الأسطورية في الكتاب المقدّس، وهي البنى السردية التي تتوفّر على حبكة (ويسمّيها ميتوس) ولها

متوالية لفظية معلومة، بحث عن مظاهر حضورها في النصوص الأدبية الغربية بقديمها وحديثها، مثل

أعمال كلّ من فيرجيل وأوفيد ودانتي ود. ه. لورنس ووليم بتلر ييتس، وكشف في بعض مؤلَّفات هؤلاء الكتّاب عن حضور كثيف لأساطير لها اتصال بأخرى واردة في الكتاب المقدّس، لا بل تُحاكيها

مضمونًا وأساليب لغوية. وفي رأي فراي أن من أسباب عودة الكتّاب إلى الأساطير والملاحم المذكورة

في الكتاب المقدّس والاشتغال عليها واستيعابها في نصوصهم هو وعيهم بقيمة تلك الأساطير التي

تكوِّن في مجملها إرثًا ثقافيًّا إنسانيًّا ساهم في توطين حركة المجتمعات في تربتها الحضارية؛ ذلك أن

«الأساطير المتجذّرة في مجتمع معيّن تعمل على نقل إرث من الإشارات اللفظية والتجارب المشتركة

السابقة، وبهذه الكيفية تساهم في خلق التاريخ الثقافي لذلك المجتمع». ولا شك في أن خلق

التاريخ الثقافي للمجتمعات يمثّل بعضًا من الوظيفة الأيديولوجية للأساطير باعتبارها تكوّن نظامًا

موحَّدًا من التصوّرات التي تُبنى عن الكون يتمثّله الإنسان في صناعة علاقاته مع مجموعته البشرية،

ويحتكم إليه في كثير من نشاطه الأخلاقي والقِيَمي، وهو ما يجوز معه القول إن «الوظيفة الحقيقية

للأسطورة هي رسم محيط حول المجتمع البشري والنظر إليه من الداخل، وليس التكفّل بالتحقيق في

عمليات الطبيعة... الأساطير ليست ردًّا مباشرًا على البيئة الطبيعية؛ هي جزء من الطبقة التخييليّة العازلة

(21) Northrop Frye, Le Grand code , trad. de l’anglais par Catherine Malamoud ; pr é f. de Tzvetan Todorov, Po é tique (Paris: Seuil, 1984), p. 23.

((2(المصدر نفسه، ص.132

((2(المصدر نفسه، ص.25

((2(المصدر نفسه، ص.78

التي تفصل بيننا وبين تلك البيئة»، وذلك من جهة كون تلك الأساطير تمثّل أسلوبًا في التفكير ابتدعه

الإنسان لتفسير ثقل الظواهر التي تنصبّ عليه، وقد يرقى، في بعض دلالاته الفكرية، مرقى الأنموذج

التفسيري الذي يلخّص تجارب السابقين. مهما تنوّعت زوايا نظر الباحثين في تأصيل الفكر الأسطوري، و«سواء انطلقوا من الفرد واعتبروا

الأساطير تجلّيات لعوالم النفس والفكر أو للنماذج الأولى الأصلية، أو انطلقوا من المجتمع فنظروا

إليها بصفتها قصصًا فيها سرد لواقعة يعتقد أصحابها أنها حقيقية ويحيونها من خلال الممارسات

الطقوسية، أو باعتبارها أنظمة من الصُّور نجد فيها النزعات الدفينة التي تتجاذب شعبًا من الشعوب

فتُمثّل نداءً أو دعوة إلى الفعل، وهو ما يصدق أساسًا على الأساطير السياسية، أو انطلقوا من موقع آخر

فنظروا إليها نظرة تنزِّلها ضمن ظواهر الوعي البشري عامة، أي ضمن الكلّيات البشرية وما يُسمّى الوعي

الأسطوري أو الفكر الأسطوري، فجميعهم يُنزّل الأساطير منزلة فكرية مرموقة لا تقلّ عن سائر أشكال

التفكير بواسطة المفاهيم المجرَّدة أو عن سائر الأشكال الرمزية». لعل من أهم ما وقف عليه فراي في قراءته لعلاقة المقدّس بالأدب هو أن المقدّس الدّيني، في جانبه

التخييلي، يعيش حركة دائبة من التحولّات، إذ هو لا يستقر على مضمون حكائي واحد، بل يطوِّر فيه

باستمرار بما يلبّي حاجات الواقع البشري في تعدُّده وتعدُّد وقائعه، الأمر الذي أطلق عليه كلود ليفي

شتراوس (2009-1908)، فيما كان يدرس مسيرة الأساطير ضمن سياقات الفكر البشري، لفظة

«الترقيع» (Le Bricolage)، وذكر في هذا الشأن أن «الفكر الأسطوري يتوفّر على ثروة من الصور

المتراكمة جرّاء مشاهدة العالَم الطبيعي بما فيه من حيوانات، ونباتات، وبيئاتها، وسماتها المميّزة،

ووظائفها في إطار ثقافة معيّنة. ويجمع هذا الفكر تلك الصور كلها لبناء معنى جديد، تمامًا مثلما يفعل

الحرفي الماهر عندما يتكفّل بمهمة معيّنة، حيث يتخيّر لها من المواد أنسبها ليعطيها معنى مخالفًا

للمعاني الأولى التي كانت لتلك المواد»؛ ذلك أن الفكر الأسطوري، وهو يعيش تلك التحولّات،

تتفتّت فيه محمولاته السرديّة، تاركة أثرها في شكل رُقَع متناثرة تسجِّلها الثقافات الإنسانية في سجلاتها

التاريخية. ويتدخّل الأدب، على رأي فراي، ليكون المرآة التي تعكس آثار تحولّات المقدس وهي

تتماسك بعضها مع بعض لتعيد التشكّل في أهُب حكائية أسطورية جديدة، وهو ما يسمح لذاك الفكر

بإعادة بناء صروحه عبر ترقيع أنقاض خطاباته القديمة. ومن ثم، يجوز القول بأن الأدب مثّل، ويمثّل،

الفضاء الخاص الذي تهاجر إليه الأفكار المخالفة للمألوف العام، وهذا أمر يمنح الكتابة الأدبية أهلية

احتضان الأفكار التي تناقش المقدّس، وذلك من أجل استنبات معنى أصيل للوجود البشري في إطار

مواجهة بين الوعي الذاتي بالعالَم والوعي المجموعي المنجَز له في التاريخ. وإذا كان هذا شأن علاقة

الأدب الغربي بالنص المقدّس، فما هي مظاهر تأثّر النص الإبداعي العربي بنصه الدّيني ممثَّلً بالقرآن

ومدوّنة الحديث النبوي؟

((2(المصدر نفسه، ص.81

((2(محمد عجينة، موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، 2 ج (بيروت: دار الفارابي؛ تونس: دار محمد علي الحامي،

1994)، ص.61

(27) Claude Lévi-Strauss, La Pensée sauvage (Paris: Plon, 1962), p. 27.

رواية تحتفي بمقدَّساتها لا يمكن بأي حال من أحوال التعاطي النقدي مع النصوص الأدبية العربية أن ننفي استفادة أغلبها ممّا يرشح به الخزين الأسطوري الدّيني من أنماط حَكْي وفنون تخييل. وهي استفادة يبرِّرها نزوع

الأدب والدّين كليهما، باعتبارهما فعاليتين تتبادلان التأثُّر بواقع الإنسان والتأثير فيه، إلى نشر

الثابت من القيم الإنسانية كالخير والعدل والحرية، ويجلّيها اشتراكهما معًا في توظيف الأسطورة

لتحقيق ذاك النزوع. وبناء عليه، وجبت إضاءة دور الأدب في عضد منجزات الفكر من جهة كونه

يمثل فضاء يستطيع أن يستوعب المقدّس في إطلاقيته، وسبيلً إلى البحث فيه بحثًا حرًّا وذاتيًا،

بل «لا بدّ من تأسيس تصوُّر للأدب يكون فيه طريقة لتسجيل تجليات المقدّس، وفضاءً لحراكه،

ووسيلةً للتساؤل حوله بعيدًا عن إكراه المؤسّساتية الدّينية، بل والنظر إليه معرفةً تحيط بحضور

المقدّس من زاوية إبداعية». اخترنا رواية آخر الرعية، لأبي بكر العيّادي، عيّنة نتعرّف فيها إلى مظاهر حضور قداسة الحاكم

في الرواية العربية الحديثة، وذلك من جهة كونها فضاء سرديًا يكشف فيه الروائي عن نمط من أنماط

علاقة حاكم عربي بمحكوميه، وما يتّكئ عليه من آليات دينية مثّلت سبيلَه إلى الترحُّل من حال المواطن

إلى حال الزعيم المقدَّس. وهي رواية لا تُخفي نزوعها إلى تعرية المسكوت عنه سياسيًا في واقعنا

العربي والسخرية منه، وخاصة ما اتصل منه بطرائق تصنيع الزعماء وإضفاء القداسة على شخوصهم، عبر مسار دقيق ينهض على قاعدة استثمار النص الدّيني وتضمين بعض آياته بهدف نزع ملامح التنجيس

من أحوال الحاكم وصبغها بألوان التقديس. نجد في رواية آخر الرعية صدى ما ذهب إليه دوركايم من أن المقدّس لدى الفرد يحتاج دومًا إلى

مصادقة الجماعة عليه ليستحق صفته، إذ ظل بطل الرواية « الكبير» يحاكي سيرة أشهر رموز الساسة من العرب المسلمين، من مثل الحجّاج بن يوسف وصلاح الدّين الأيوبي وغيرهما، وبه نزوع إلى

تمثّل سلطة المقدّس للحفاظ على سلطانه، ويحرّك كلّ أعوانه ويجبرهم على تحمّل مخاطر رحلته

التقديسية ومشاقّها، وذلك باعتبار أن «من أكبر مخاطر مهنة الملك فقدان كرسيّ الحكم أو فقدان

الحياة، فيكون على الأمير أن يتجشّم هذه المخاطر حتى يُحكِم الاستيلاء على منصبه ويستحقّه،

وبالتالي يتنعّم بشرف السيادة وملذّاتها». وقد جاهد بعض الرعية في سبيل إنجاز هذه الرحلة،

(28) Bélanger-Michaud, p. 13.

((2(أبو بكر العيادي، آخر الرعية، الكلمة الحرّة (باريس: دار لارماتان،.)2001

((3(كاتب تونسي من مواليد سنة 1949 في جندوبة. يقيم في باريس منذ سنة 1988. زاول تعليمه في مسقط رأسه ثم في معهد ابن

شرف بالعاصمة. أحرز شهادة ختم الدروس الترشيحية سنة 1967، وعمل في التدريس والصحافة الثقافية والإنتاج الإذاعي. كتب

القصة والرواية والمقال والدراسة والترجمة والمسلسل الإذاعي وأدب الطفل، ووضع بالفرنسية قصصًا مستوحاة من التراث العربي

القديم والتراث الشعبي التونسي. من مؤل: فاته الروائية لابس الليل (تونس، 2000)؛ مسارب التيه (تونس، 2001)؛ آخر الرعية

(باريس، 2002)؛ الرجل العاري (تونس، 2009)؛ زمن الدنّوس (تونس، 2011). ومن مجموعاته القصصيّة نذكر: دهاليز الزمن

الممتد (تونس، 1986)؛ حكايات آخر الليل (تونس، 1992)؛ الضفة الأخرى (القاهرة، 2001)؛ حقائب الترحال (تونس،.)2009

((3(بنسالم حمّيش، الخلدونية في ضوء فلسفة التاريخ (بيروت: دار الطليعة، 1998)، ص.107

وتجشّم عناءها، وأصاب منها منافع وامتيازات، وهلك دونها آخرون كُثر، في حين اكتفى الكبير من

مراحل تلك الرحلة بتملّي انتقاله فيها بسلاسة من حال إلى أخرى ومن صفة إلى غيرها، والمطالبة

بحقّه في الاستزادة من خيراتها الرمزية في عطش لا يعرف الارتواء إلى السلطة. ولإظهار أثر تلك الترميزات المقدَّسة في تنويع المغامرة الروائية والانفتاح بها على مدوّنة تراثها الدّيني، لاذت آخر

الرعية بمجموعة من التقنيات الفنية التي مثّلت سبيل بطلها (الكبير) إلى الترحّل من فضائه الدنيوي

إلى فضاء القداسة، ومنها التضمين والمحاكاة. انفتحت رواية آخر الرعية على مدوّنات تراثية كثيرة، دينية وتاريخية وأدبية، ودخلت معها في

جدل فني ومضموني نهض في أغلبه على محاكاة تلك النصوص في أسلوبها ولغتها وشخصياتها

بأسمائها وملامحها وسيرتها، وهو ما مثّل خلفية ثقافية لبطلها الكبير، حيث راح يتمثّل تفصيلاتها بالاستشهاد والتضمين في رحلة كينونته البسيطة والعادية إلى مرتبة عظماء التاريخ. وقد لاذ في

ذلك ببوّابة شرف الاسم؛ إذ نوّع فيه بالتدرّج صعودًا في «التجلّة والجاه» من « عسكري » إلى

« القائد المفدّى » إلى « الكبير » فإلى « الكبير الأعظم » ثم إلى « أمير المؤمنين ». ولأن

الانتقال في الاسم يصاحبه عادة انتقال في المكانة الاجتماعية، فقد أفضى هذا الانتقال إلى حيازة

الكبير صفة العصمة الاجتماعية والسياسية في الرأي والفعل، دثّرتها جلابيب الطهارة ومنعت عنها الاتصاف بالخطأ، وصار بها الكبير « شيخ التقاة » و « رئيسنا وسيّدنا ومولانا » و « سلطاننا المفدّى

وملكنا الوحيد الأوحد الأحد ». ولكن دلالة شرف الاسم تبقى محتاجة إلى شرف في النسب، ونسَب الكبير لا يكون عظيمًا ما لم يكن

صافيًا، وصفاؤه لا يكون إلّ في أصالته العربية الإسلامية التي تدرّجت، بدورها، من حيث عَودُها في

الماضي إلى زمن النبوّة، من الانتماء إلى الفاتحين من المسلمين غير العرب إلى الفاتحين المسلمين

العرب إلى الفاتحين القريبين من مهبط الوحي إلى جَدٍّ «يجتثّ الداء قبل استشرائه وينتزع الفتنة من

جذورها قبل استفحالها»، كما تدرّجت، في ذ كر هؤلاء، من أليَنهم عريكة إلى أصلبهم عُودًا فيِ

الشدّة والبأس وأكثرهم مكرًا في تدبير شؤون السلطة والقضاء على الفتن، وذلك على اعتبار «أن

التاريخ علّمنا أن القادة العظام هم الذين لم تأخذهم بدعاة الفتن رحمة». وعلى هذا، و«امتثال لأوامر الكبير في تحقيق أصول شجرة عائلته»، أقبل العلماء على الوثائق والمخطوطات والدفاتر والسجلات القديمة «ينفضون عنها الغبار ويستقرئون المتون والحواشي، ويُراكمون الإضبارات

((3(العيادي، ص.75

((3(المصدر نفسه، ص.18

((3(المصدر نفسه، ص.97

((3(المصدر نفسه، ص.105

((3(المصدر نفسه، ص.11

((3(المصدر نفسه، ص.24

((3(المصدر نفسه، ص.23

((3(المصدر نفسه، ص.20

ويجرّدون التواريخ حتى انتهوا إلى أنه ينتسب إلى محمد الفاتح العثماني (ت 886 ه) من جهة أمه،

وإلى أبي زكرياء الحفصي (ت 647 ه) من جهة أبيه. وعلى ما في هذا النسب من فخر ومجد، فإنه لم يُقنع الكبير الذي أمر ب«مواصلة التقصّي والتنقيب من جهة أبيه خاصة » بعد أن زجّ بهؤلاء العلماء

في غياهب السجون ب«تهمة التقصير وانتحال صفة لا يستحقّونها». ولتجاوز هذا التقصير، اختار الباش كاتب «عال مًا جليلً لامع الذهن ليّن العريكة يقال له محمد عليِ

العيّاط، يهتك المجاهل كما يفقأ النطاسيّ الخُرّاج»، وكلّفه بمهمة تأصيل نسب الكبير. وسرعان

ما نفذ إلى ما وراء الصخر الذي أهلك قبله فريقَ العلماء، وعندما بلغ الأعماق أعلن أن الكبير من

سلالة صلاح الدّين الأيوبي (ت 589 ه)، فقال الكبير: «قائد عظيم ولكنّي لا أحسّ أن بعروقي دماء

كردية. واصِْل ». بعد شهر واحد، أعلن العيّاط أن جدّ الكبير هو إبراهيم بن الأغلب (ت 196 ه)، فقال الكبير: «حاكم

قدير، ولكنّي أشعر أن لجدّي الأول فضلً على الناس، كفضل الخالق على المخلوق. واصلْ».

ولمّا اهتدى العالم إلى عبد الرحمن الناصر (تِ 350 ه)، علّق بقوله: «فاتح كبير لكني أشعر الكبير

أن جدّي الأول أقرب إلى مهبط الوحي منه إلى بلاد الفتوحات في الغرب الإسلامي. واصلْ».

عندئذ عاد العيّاط إلى مكتبته «وانكبّ على المتون الصفر والحواشي والأمالي وكُتب السيرة وأخبار

الرحّالة والدواوين، لا ينال إلّ ما يُقيم الأود، ولا يُغمض له جفن إلّ بعد إجهاد» حتى انتهى به

بحثه إلى التصريح بأن الجدّ الأول للكبير ليس إلّ الحجاج بن يوسف (ت 95 ه)، وعند ذلك

أشرق وجه الكبير بنور ابتهاج «ورفع رأسه نخوة واعتدادًا كأنه يقول: مثلي لا يمكن أن يكون جدّه

غير الحجّاج». مضى الباش كاتب يمتدح هذا النسب أمام الكبير ليزيد من اقتناعه به، وليثبِّت المنسوب في النسبة،

فقال: «أصلح الله مولانا، جدّك يا طويل العمر، جمعَ إلى الشجاعة والحنكة ونبل المحتدّ حكمة

الفلاسفة ومعرفةَ العلماء وفصاحةَ الخطباء وبيانَ الأدباء». بهذا الاكتشاف التاريخي، ونظرًا إلى استعذاب الكبير نسبته إلى الحجّاج، راح كاتبه يثبِّت تلك النسبة

في المنسوب ويزيد عليها ما يجعلالكبير أعظم شأنًا من أصله، فأردف قائلً: «وأنتَ، أطال الله عمرك،

((4(المصدر نفسه، ص.21

((4(المصدر نفسه، ص.21

((4(المصدر نفسه، ص.21

((4(المصدر نفسه، ص.21

((4(المصدر نفسه، ص.21

((4(المصدر نفسه، ص.21

((4(المصدر نفسه، ص.22

((4(المصدر نفسه، ص.22

((4(المصدر نفسه، ص.26

((4(المصدر نفسه، ص.26

جمعتَ بين النسب التليد، والطرف المجيد، والغد السعيد، فحقّ لك أن تقول عن جدارة لا ينعم بها أي

حاكم سواك في مشرق الأرض ومغربها: ها أنذا وكان أبيفي الوقت نفسه ». ولأن حاكمًا دانت له الرعية وأذعنت لسلطانه، ومكّنته من أسباب التماهي بالوطن، على حدّ ما يذكره

مستشاره الباش كاتب في قوله: «سألني ليلتها: هل يحكم البلاد غيري؟ فقلتُ على الفور منتفضًا

كأني أستعيذ من شرٍّ مستطير: معاذ الله! معاذ الله يا مولاي! الله خصَّ بك البلادَ حتى صرتَ لا تُذكَر

إلّ بها ولا تُذكَر إلّ بك»، فإنه لن يكتفي بسلطته السياسية مهما تنامى فيها الجاه وتنوّعت لذائذها،

بل إن ذلك سيزيد من رغبته في الترحُّل إلى مرتبة أخرى يكون فيها أكثر قربًا من مراتب الصالحين

والأنبياء، أو ربما يبلُغها. وتحشد رواية آخر الرعية كلَّ طاقاتها التعبيرية للإنباء بآليات عبور الكبير من مرتبته الاجتماعية

الوضيعة إلى مرتبة الأنبياء من حيث الوظائف والصفات، وهو عبور توسّلت الرواية لإنجازه سبيل

محاورتها للنص القرآني ومدوّنة الحديث النبوي. وفي هذا الشأن يظهر أن من ملامح تلك المحاورة

اتكاءها على الاستشهاد ببعض الآيات والأحاديث، في أغلب معناها وفي بعض لفظها، واستثمار

سياقاتها الدّينية للترقّي بمرتبة الكبير إلى مراقي الذين يصطفيهم الله على باقي العالَمين ليكونوا رُسله

إلى الناس، أو ليكونوا أولياءه بين عباده. ونحن واجدون صورة لذلك في تضمّن قول السارد: «كل

ذلك، والألسن تروِّج في الخفاء أخبارًا توحي بأن الله اصطفاه وأسبغ عليه شمائل وخلالً لا يتحلّى

بها إلّ الرسل والأتقياء وأولياء الله الصالحون» لمعنى قوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحًا

وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴾. وإذ تُحِل ألسن الرعية كبيرَها محلَّ الأنبياء لا تتردّد ألسن

الشعراء منها في استجلاب نصوص شعرية قديمة لتزعم بها أنه لولا تأخُّر الكبير في الظهور الزمني،

لكانت نزلت عليه آيُ الله كما نزلت على الأنبياء من قبله، فنقرأ في الرواية مقطعًا من قصيدة مدحية

جاء فيه قول مساعد الكبير: أقسمتُ بالبيت الحرام والصّفا وزمزم

لأنتَ مِن بَعد النبيء المصطفى المُكرَّمِ أجلُّ مَن تحت السماء من جميع الأمم لو كنتَ يا ابن الأكرميْن في الزّمان الأقدم لأنزُِلتْ في فضلك المُكمّل المتمّمِ

مُفصَلّاتُ سورٍ من الكتابِ المُحكمِ

(((5 العيادي، ص 26. وفي الشاهد إحالة إلى بيت الحجّاج: (إنّ الفتى من يقول ها أنذا * ليس الفتى من يقول كان أبي.)

(((5 المصدر نفسه، ص.62

(((5 المصدر نفسه، ص.196

((5(القرآن الكريم، «سورة آل عمران،» الآية.33

(((5 العيادي، ص.127

وهي قصيدة للشاعر الترّاب السوسي استحضرتها الرواية وضمّنتها بمتنها لتقوّي بها من دلالة تعالي

بطلها (الكبير) وقداسته. ومتى تحقّق الكبير من نزوله بين رعيّته منزلةَ الأنبياء، سارع إلى تمثُّل أدوار

هؤلاء المرسَلين في هداية الناس إلى ما فيه خيرهم وتوجيههم إلى الحق والصراط المستقيم الذي

هو طريق الجَنة، وهو الدور الذي ينسبه إلى الكبير مساعده الباش كاتب بتأكيده أن «السّراط هو ما

اختطّه مولانا المفدّى وحامي حمانا وناصر الحقّ والضعيف». ولا يخفى أن في هذا الشاهد صدى لقوله تعالى: ﴿ وإنك لَتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾. في هذا الشأن مثّلت الرؤيا مدخلً دلف منه الكبير إلى عالم المقدّس، وذلك من جهة كونها جنسًا من

الوحي وفق ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها من أن «أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه

وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّ جاءت مثل فلق الصُّبح»، وهي

أيضًا ضرب من النبوّة على حدّ ما ذكر ابن قتيبة (ت 276 ه) في حديث نبويّ جاء فيه: «روى بشر بن

المفضل، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: رؤيا

الرجل الصالح يراها، أو تُرى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة». ولأن الرؤيا سبيل إلى النبوّة، فإن الكبير لم ينِيستثمر قداستها الدّينية ليتجلّى فيها مغيثًا للضعفاء

والمظلومين، ناصرًا للحق، هاديًا إليه، حيث أ شيع عنه أنه «انتبه من النوم منزعجًا ذات ليلة، وأصدر

أمرَه بالقبض على ضابط شرطة يقود سيارة سوداء تنحدر للتوِّ واللحظة بشارع كذا وإحضاره حال،

فخرج الأعوان ممتثلين وجاؤه بالضابط، وما كاد الكبير يراه حتى صاح فيه صيحة عظيمة كادت تذهب بروحه: أصدقني يا ملعون عن قضيّتك مع المرأة التي قتلتها الساعة وإلّ ضربت عنقك! فتلعثم الضابط

واعترف بأنه صادف منذ ساعة سيدة تلوح عليها آثار النعمة، استوقفته ليقودها إلى مكان معلوم فطمع فيها وفي حليها ومالها، فاغتصبها ثم كتم أنفاسها وسلب متاعها وألقى بها بين أشجار أكمة، ثم ركب سيارته فإذا بالأعوان يوقفونه ويقتادونه بين يدي الكبير.

(((5 القصيدة للشاعر الترّاب السوسي يمتدح فيها الأمير جبارة بن كامل بن سرحان بن أبي العينين الفادعي العلوي الهلالي، والي

سوسة التونسية، وقد ذكرها التيجاني في رحلته. انظر: أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمدالتيجاني، رحلة التيجاني، تقديم وتحقيق

حسن حسني عبد الوهاب (تونس: الدار العربية للكتاب، 1981)، ص.50

(((5 من تفسيرات الفقهاء لعبارة «الصراط المستقيم» ما ذكره الفرّاء البغوي (ت 516 ه) في قوله: «والصراط المستقيم: قال

ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: هو الإسلام، وهو قول مقاتل. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو القرآن، وروى عن علي

رضي الله عنه مرفوعًا: الصراط المستقيم كتاب الله، وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: طريق الجنة». انظر: أبو محمد الحسين

بن مسعود البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر، عثمان جمعة ضميرية وسليمان مسلم

الحرش، 8 ج (الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، 1988)، ج 1، ص.54

(((5 العيادي، ص.12

((5(القرآن الكريم، «سورة المؤمنون،» الآية.73

(((5 أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري (دمشق: دار ابن كثير للنشر والتوزيع، 1993)، ج 1، باب

«بَدء الوحي»، ص.1

(((6 أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تعبير الرؤيا (القاهرة، دار المدائن العلمية؛ دار الآثار، 2005)، ص.7

وبعد أن اعترف الضابط بفعلته وبمخبأ الحلي والمكان الذي ترك فيه القتيلة، أمر الكبير بأن يُعدم

المجرم شنقًا في إحدى ساحات المدينة. ولمّا سأله مقرَّبوه عن السرّ قال إنه رأى في المنام شيخًا أبيض

الرأس واللحية والثياب، وهو ينادي: يا أبا الكبير الثاني! أول سيارة سوداء تنحدر الآن بشارع كذا،

أوقفها واقبض على الضابط الذي يسوقها، وقَرِّره على المرأة التي اغتصبها وقتَلها اليوم ظلمًا وسلَب

متاعها، وأقِمْ عليه الحدَّ ولا تأخذك به رحمة ». والظاهر في هذا الشاهد محاكاة الكبير للأنبياء في مسألتيْ الرؤيا ونزول الوحي، وهي محاكاة تثبّت

الكبير في مرتبة الأنبياء عبر أمور ثلاثة: • أوّلها أن في تحقُّق رؤيا الكبير إخبارًا للرعية بكونه بلغ مرتبة الرئيِّ، ومن ثمة وجب عليها تصديق

رسالته السياسية كما صدّقت رسالةَ نبيِّها الدّينية. • وثانيها تماهي حادثة رؤيا الكبير بحوادث التنزيل، حيث تضمَّن نصّ الرؤيا أوصافًا تُقرّبه من نصِّ

الوحي، وذلك عبر وصف الشيخ الذي زار الكبير في المنام بالبياض، وهو التوصيف الذي يضفيه

المتخيّل الجمعي على الملَكِ جبريل استنادًا إلى حديث عمر بن الخطّاب (ت 23 ف ه) الذي عُر

ب« حديث جبريل » وأخبر فيه عن رؤيته لجبريل عندما دخل على النبيّ وأصحابه، وجاء فيه: «بينما

نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب،

[...]، ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال:

فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم». • وثالث الأمور هو تبرير الكبير لظلمه باعتماد حُجيّة الرؤيا وما كان فيها من طلب الشيخ بمعاقبة

المجرم شرّ عقاب، إذ يستخدم سلطة الدِّين لتركيز سلطته السياسية وإكسابها شرعيةَ معاقبة كلّ مَن

يخترق نواميسها. ويبدو أن رغبة الكبير في دخول فضاء المقدّس لم تقف عند التماهي مع الرُّسُل، بل هي كشفت عن

نزوع عنده إلى تجاوز مرتبة هؤلاء صوب أفعال وصفات لم يبلغوها، هي إلى صفات الله وأفعاله

أقرب كثيرًا. ولا تُخفي رواية آخر الرعيّة رغبة الكبير في بلوغ أعلى المراتب وسعيه إلى تحقيقها، إذ تكشف عن

كونه ينتمي إلى بيئة ثقافية وتاريخية غلب على طبائع ملوكها التشبّهُ بالإله والتماهي بسلطانه، ذلك

أن «كل اللوحات الوصفية التي خلّفها لنا مؤرّخو المرينيّين وغيرهم عن وجه المستبدّ تعكس، وإن

بتفاوت، طبائع الاستبداد التي تلتقي كلّها في السباق المحموم إلى المماثلة الإلهية؛ هذا السباق الذي

يمرّ عبر الكثير من العوائق والحواجز التي لا يمكن للأمير أن يجتازها أو يحطّمها إلّ بتعلّم شاق

للقساوة والمؤامرة (وهو ما يجعل منه كائنًا ذُهانيًا)، وكذلك بمحاولة التمثّل بصورة السيادة المتميّزة

((6(العيادي، ص.197-196

((6(أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم. تحقيق محمد

الأحمدي، 3 ج، ط 2 (القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، 2004)، ج 1، ص.97

التي من شأنها أن تسيّج المجال الترابي وتسم الأيديولوجيا ومجموعَ حركات الإنتاج والتبادل بالترميز

المتدفّق». واستنادًا إلى هذا، لاذ الكبير في تحقيق هذه الرغبة بمدخل أسماء الله الحسنى من جهة

دلالتها على حضور المُسمّى في الاسم على حدّ رأي أكثر أصحاب الحديث الذي يُفيده قول البغوي:

«والاسم هو المُسمّى وعينُه وذاتُه». إننا لا نرى في هذا المدخل، على كثرة ما يثير من إشكالات فقهية، إلّ تناصًّا مكّن الكبير من التخلّص

من اسمه الحقيقي وتوهُّم الحلول محلَّ الله عبر الحلول في عرش صفاته، ومن ثمّ نشأت خشية الرعية

من الكفر إذا هي فرّقت بين الاسم والمسمّى «لأن لله الأسماء الحسنى، فمَن فرّق بين الله وبين أسمائه،

وبين علمه ومشيئته، فجعل ذلك مخلوقا كلَّه، والله خالقها، فقد كفر». وقياسًا على هذا، فإن مَن

يزعم من الرعية أن اسم الكبير غير المُسمّى إنما هو يزعم بأن الكبير خُلو من صفات الله، وبزعمه هذا

يدخل دائرة الكفر والخطل. وفي هذا الشأن وقفنا في رواية آخر الرعية على اتصاف الكبير بصفات هي من أسماء الله الحسنى

دلالاتُها، وقد حضرت في أغلبها بلفظها وحضر بعضها بمعناه، وتُحيل جميعها على بعض آيات

القرآن، ومنها على سبيل التمثيل:

* الكبير

خلتآخر الرعية من اسمٍ علَمٍ يعيِّن الحاكمَ ويدلّ عليه، واكتفت للإشارة إليه بلفظةالكبير، ولم تفصح

لتبرير ذلك إلّ بالقول: «كبير هو، كذلك يُلقَّب ولم يُعرف له اسم غير ذلك». ونرى في سكوت

الرواية عن تسمية الحاكم باسمٍ علَمٍ ما يجيز القولَ بأن في اسم العلَمِ ما يمكّن الآخرين من مشاركة

الحاكم في اسمه، وهو ما لا يجوز في حاله من سبيل «أن مثله لا يَحسُن به أن يتساوى مع البشر حتى

في الاسم»، بل إن في انفتاح الباب الأول من الرواية بتعريف الباش كاتب لنفسه بالقول: «أنا عبد

الكبير الكاتب» ما يشي بأن في اسم « الكبير » الذي تسَمّى به هذا الحاكم تماهيًا ظاهرًا مع الله من

جهة ما له من مخلوقات (أي عبيد). بالتالي، قد نجد في تسمية «عبد الكبير الكاتب» إحالة إلى تسمية

أخرى ظلّت متوارية في النص هي «عبد الله الكاتب»، فيكون الكبير بمفهومه السياسي شبيهًا بالله

في مفهومه الدّيني.

((6(حمّيش، ص.107

((6(البغوي، ص.50

((6(«ذكر الأشعري أن في هذه المسألة أربع مقالات-1: أسماؤه هي هو، وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث -2. أسماء الباري

لا هي الباري ولا هي غيره، وهو مذهب بعض أصحاب ابن كلاب -3. لا يقال فيها هي الباري ولا يقال غيره، وهم كذلك بعض

أصحاب ابن كلاب. -4 أسماء الباري هي غيره، وهو قول المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية». لتفصيل ذلك

انظر: أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين

من بعدهم، تحقيق أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، 9 ج في 5 مج، ط 2 (الرياض: دار طيبة، 1994)، مج 1، ص.229-228

((6(المصدر نفسه، ص.240

((6(العيادي، ص.187

((6(المصدر نفسه، ص.187

((6(المصدر نفسه، ص.11

* الواحد

مثّلت مسألة التوحيد مرتكز شخصية الكبير في الرواية؛ إذ نُلفيه يحشد جميع رغائبه السلطوية، وجميع خبرة أعوانه السياسية، لأجل إثبات «وحدانيته» في قومه وتركيزها في مخيالهم الجمعي، باعتبار أن «مثله لا يمكن أن يكون حاكمًا كسائر الحكّام، ولا إنسانًا كسائر البشر». فالسلطة عنده لا تكتمل

دلالاتها، والنفوذ لا يبلغ استطاعته إلّ متى تفرّد هو بكيانه السياسي عن سائر الناس، وتعالى عنهم في

الأحوال والأفعال، وصار «الوحيد الأوحد الأحد». وتأكيدًا لذلك، لا تني الرواية تُذكِّر بأن الكبير

«لا يمكن أن يكون قد خُلق من نطفة، أو حملت أمه تسعة أشهر، أو أطلق صرخة عند سقوط رأسه، أو حبا على أربع مثل الأطفال». ولا يُخفي هذا الشاهد ما فيه من صدى لقوله تعالى في توصيف ذاته:

﴿ لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفؤا أحد ﴾، وهو صدى نجد فيه محاكاة من الكبير لصفات الله،

وقد نذهب في تأويل هذه المحاكاة مذهب الميلودي شغموم في قوله «إنّ المحاكاة تضمن التكرار، والتكرار يضمن التذكير والتثبيت اللذين يضمنان الاستمرار والانتشار، ولو لم يجد المثال مَن يكرّره

لضَعُفَ وانحسر فيما يأتي من الزمان »؛ إذ بتمثُّل الكبير لوحدانية الله نال شرف تأصيل مفهوم الإله

في الأرض وإثبات وحدانيته، وزاد، بهذا الشرف، من أسباب ترسيخ وحدانيته هو بين الناس وجَعْل هم

يهتفون: «لبّيك لبّيك! لبّيك يا عظيم الشان! أنت وحدك السلطان».

* المهيمن

تنحو «الهيمنة»، في بُعدها الدّيني، منحى شهادة الله على خلقه بما يكون من أفعالهم وأقوالهم،

وهي العلم الإلهي بأحوال المخلوقات، بل هي القيامة على تلك الأحوال، ما ظهر منها وما خفي،

على حدّ قول السجستاني (ت 393 ه): «والمهيمن في أسماء الله جلّ وعزّ: القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم». وكل هذه المعاني التي تنضح بها لفظة «المهيمن» جمعها الكبير

في شخصه، بفضل عيونه وأعوانه، ف«كان يُسِرّ لمن يريد أن يسمعه بأنه الكبير، سيّد عربانيا وسيّد

الخلق أجمعين». وبفضل هذه السيادة، لم تمضِعلى حكمِه سوى سنة أو تزيد «حتى كان في كلّ

مكان»، لا يفوته شيء من أمر رعيته، بل صار متغلغلً بسلطانه في جسد شعبه، حالًّ فيه حلول مَن

لا يخفى عنه التفصيلُ، إذ «هو المهيمِن الذي لا يتوارى عنه ما رقّ من أمر رعيته في ليل داجٍ ولا أرض

((7(المصدر نفسه، ص.186

((7(المصدر نفسه، ص.11

((7(المصدر نفسه، ص.187

((7(القرآن الكريم، «سورة الإخلاص،» الآيتان.4-3

((7(الميلودي شغموم، المتخيّل والقدسي في التصوّف الإسلامي (دمشق: دار الحوار، 2011)، ص.126

((7(العيادي، ص.128

((7(أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني، كتابغريب القرآن، تحقيق محمد أديب عبد الواحد جمران (دمشق: دار قتيبة؛ القاهرة:

مكتبة الزهراء، 1995)، ص.437

((7(العيادي، ص.272

((7(المصدر نفسه، ص.19

ذات فجاج». وفي بنية هذا الشاهد اللفظية ما يُحيل إلى تماهي هيمنة الكبير على شعبه مع هيمنة

الله على خلقه في قوله تعالى: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور ﴾. على هذا المنوال تمضي الرواية في التأسيس لتأليه الحاكم عبر تقنيتَي المحاكاة والتضمين المحمولتين

في خطاب سرديّ منحه صفات الله وأحلّه في أسمائه الحسنى؛ فهو الزعيم المتكبِّر الذي بلغ من

الكمال والقدرة ما به فارق طبيعته البشرية، تلك التي يحتاج فيها الإنسان دومًا إلى دعم من عالَم الغيب.

وهل يحتاج حاكم إلى عالَم السماء وهو ممتلئ بذاته لا يني يردّد قولَه: «اعتراني فجأة عجب شديد من

اهتمامي بالسماء، فمِثْلي ليس بحاجة إلى أن يرفع رأسه إليها يرجو حاجة »؟ وإذ يخرج الكبير من

دائرة الاحتياج إلى عالَم السماء يدخل دائرة التماهي مع أفعال رب السماء، فيكون الخالقالذي يحيي

ويميت، وفي هذا الشأن يقول: «سأُخرج الحيَّ من الميِّت، وسأبعث في عربانيا شعلة جديدة »، ولا

يخفى مَتْحُ هذا الشاهد للفظه ولمعناه من قوله تعالى: ﴿ إنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ

الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلكمُ اللهُ فَأِنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. ولأنه لا يكون خلقٌ إلّ بقدرة، رغب

الكبير في صفة القادر حتى قال عنه الباش كاتب: «كان يود لو تهبّ الريح بإذنه، وتمطر السماء بأمره،

وتشرق الشمس بقراره، ويطل القمر كما تطل صورته هو على شاشة التلفزيون»، فهو الذي «لو شاء لتجسّدت الأغراض جميعها في غمضة عين». وحتى تتّسِق صفاتالكبير في دلالاتها بما يرفع عنها الفوضى ويقرّبها من الصفات الإلهية التي تنتظمها

رحمة الله بعباده، زاد عليها صفة السميعالذي «يسمع دعوة الداعي إذا دعاه »، بل إن استجابة المجيب تكاد تسبق دعوة الداعي، حيث يقول الباش كاتب: «وقال لي الكبير يومئذ: أريد أن أستجيب لدعوة الداعي قبل أن ينطق بالشكوى، أو يندّ عنه صوت أو زفير». والبيِّن في هذا القول أمران:

أولهما اتكاء الخطاب فيه على مضمون الآية ﴿ وَإذَا سَأِلكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدَّاعِ إذَاِ

دعَانِفَلْيَسْتَجِيبُوا لي وَلْيُؤْمِنُوا بي لعلَّهُمْ يَرْشدُونَِ﴾، وثانيهما تضمّنه مطلبَ وُجوب طاعة الرعية له،

﴿ وهو مطلب ظل مسكوتًا عنه في الشاهد السردي وأفصحت عنه الآية في قوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا ليِ

وَلْيُؤْمِنُوا بي لعلَّهُمْ يَرْشدُونَِ﴾.

(((7 المصدر نفسه، ص.11

((8(القرآن الكريم، «سورة سبأ،» الآية.2

(((8 العيادي، ص.158

(((8 المصدر نفسه، ص.250

((8(القرآن الكريم، «سورة الأنعام،» الآية.95

(((8 العيادي، ص.210

(((8 المصدر نفسه، ص.71

(((8 المصدر نفسه، ص.19

(((8 المصدر نفسه، ص.15

((8(القرآن الكريم، «سورة البقرة،» الآية.186

ولأن أصل الدعوة حاجة يأمل الداعي بأن يحققها مولاه، جازت في الكبير صفة الوهّاب، وصار

بفضلها «فالق الحَب في كلّ أرض، مسبغ النِّعم في كلّ واد»، يفيض بخيره على رعيته «فما من

نعمة تجزى بها إلّ من خيره»، وهو ما سبّب له الغمَّ حين بدأت الاضطرابات تعمّ «عربانيا»، ودفعه

إلى التساؤل عن سبب وجيه حفز الرعية على الخروج عن حكمه فقال: «ماذا يريد الرعايا، وقد

أطعمناهم من جوع وآمنّاهم من خوف؟»، مستحضِرًا في تساؤله قوله تعالى ﴿ الذي أطعمهم من

جوع وآمنهم من خوف ﴾. خاتمة نقول، في محصِّلة هذا المبحث، إن اتصال النصّ الأدبي بالنص المقدّس ساهم في إغنائه، سواء

على مستوى الدلالة أو على مستوى البناء الفني؛ إذ وجد الأدبيُّ في الدّينيِّ كونَه الأسطوريَّ على حد

عبارة نورثروب فراي، فاتسع حجم التخييل فيه، وتكثّفت رموزه، وحضر فيه صافي تجارب الغابرين، وشاعت البلاغة داخل نسيجه اللغوي، وهو ما جعله يرقى مراقي البيان والسِّحر. ولئن كنّا حاولنا الإجابة عن بعض ما تطرح علاقة المقدّس بالأدب من أسئلة، فالظاهر أن تلك

الإجابات تُخفي بدورها أسئلة أخرى في الغرض، ومنها، خاصة: ألا يدفعنا حضور النص المقدّس في

النص الأدبي إلى القول بأن الأدب هو الباب الخلفي الذي يدلف منه المبدع إلى ساحة النص الدّيني

من دون خوف من مؤسَّسات حراسته ليمارس فيه طقوس انتهاك قداسته؟ وهل يجوز القول إن أدبية

النص تنهض في كثير من صورها على سعي الروائي إلى انتهاك السائد الفني وخرق مقدّساته ومغايَرة

بنية تشكُّله بحثًا منه عن بلاغة سرديّة جديدة؟

(((8 العيادي، ص.11

(((9 المصدر نفسه، ص.11

(((9 المصدر نفسه، ص.100

((9(القرآن الكريم، «سورة قريش،» الآية.4