Return to Article Details Report on the Fourth Annual Conference on the Social Sciences and the Humanities 2014/2015

تقرير عن المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية 2014/2015

Report on the Fourth Annual Conference on the Social Sciences and the Humanities 2014/2015

إبراهيم القادري بوتشيش

Brahim Boutchich

الملخّص

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة (من 19 إلى 21 آذار / مارس 2015) في فندق بالميري مراكش/ المغرب. وقد جرى توحيد موضوعَيْ المؤتمر والجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية للعام الأكاديمي 2014/2015 ليتمحورا حول الموضوعين التاليين: الموضوع الأوّل: أدوار المثقفين في التحوّلات التاريخية.والموضوع الثاني: الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي.

Abstract

ACRPS held its Fourth Annual Conference on the Social Sciences and the Humanities from March 19-21, 2015 at the Palmeraie Hotel, Marrakesh, Morocco. The two conference themes and the Arab Prize for Social Sciences and Humanities was on the role of intellectuals in historical transformations, as well as their role in universities and academic research in the Arab world.

الكلمات المفتاحية:
  • المثقفين
  • التحولات
  • التاريخ
  • العلوم الإنسانية
Keywords:
  • Intellectuals
  • Historical Transformations
  • Humanities

أدوار المثقفين في ظل التحولات التاريخية مراكش، -19 21 آذار/مارس 2015

غدت مراكش في الفترة 19 - 21 آذار/مارس 2015 قِبلة للباحثين والأكاديميين العرب الذين وفدوا إليها من مختلف الجامعات ومراكز البحث العلمي، للمشاركة في المؤتمر السنوي الرابع الذي نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في المغرب. وقد طرح المؤتمر موضوعين للدراسة والتحليل، أولهما: «أدوار المثقفين في ظل التحولات التاريخية»، وثانيهما «الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي»، وسيخصَّص هذا التقرير للموضوع الأول. توزعت جلسات المؤتمر بين تسع جلسات علمية، فضلً عن محاضرة أ لقيت خلال الجلسة الافتتاحية، وأخرى ختامية خُصصت لتقييم نتائج المؤتمر وتوصياته. انطلق المؤتمر يوم 19 آذار/مارس 2015 ب جلسة افتتاحية قدم خلالها عزمي بشارة محاضرة تحت عنوان «مقاربات نقدية للرائج حول المثقَّف»، وهي عبارة عن قراءة نقدية دقيقة لمفهوم المثقَّف، وإبحار عميق في مجموعة من التصورات التي صيغت حوله، والأدوار المنتظرة منه، وما يميزها من أدوار المثقف الخبير والمتعلم. انطلق المحاضر من الكتابات التي شكّلت لحظات التأسيس لمفهوم الدور النقدي للمثقَّف، والمسنودة إلى نظرية المدرسة الفرنسية (إيميل زولا) التي لا تحصر دور المثقَّف في منجزه العلمي، بل في موقفه النقدي من المجال العام. كما استحضر في الوقت ذاته مرجعية التقليد الذي أرساه الرعيل الأول من المثقَّفين العرب بتياراتهم الإصلاحية والعلمانية والإسلامية المختلفة التي زاوجت في أفق الاتجاه التنويري بين العقل النقدي، والموقف القيمي كقاعدة للتأثير في المجال العام.

توقّفت المحاضرة عند ثلاث عشرة محطة للتأمل والتدبر، بغية تحديد مقاربات نقدية علمية مختزلة، لكنها دقيقة وراصدة للتصورات الرائجة بشأن دور المثقّف، وتبيان أوجه قوّتها وقصورها ومعاطبها في آن. وفي هذا السياق، انتقد مفهوم المثقف العضوي الذي نحته غرامشي، كما تحفّظ على تحميل مصطلح «الأكاديمي» الحمولة نفسها التي تؤثّث مفهوم المثقَّف، على الرغم ما يقدّمه الأول من إبداعات فكرية. وبالمعنى ذاته، انتقد المفهوم الرائج بشأن المثقَّف النقدي الذي رأى فيه مفهومًا ملتبسًا، لأن نقده موجّه إلى النظرية الاجتماعية لا إلى عالم الأفكار. وبالمثل، انتقد بشارة النظرية التي تربط المثقَّف بالاغتراب، لأن اغتراب المثقَّف في العالم العربي يحيل إلى مرجعية الأستاذ الجامعي المشدود إلى التقاليد البحثية الجامعية، بعيدًا عن أي صراع، كما حدث لدى مثقَّفي أوروبا من أجيال المدرسة الهيغلية. وميّز أيضًا بين المثقَّف المحافظ الذي يدافع عن تقاليد الدولة المستندة إلى تمثيل شرعية الأمّة، ومثقَّف السلطة الذي يبرّر القمع والاضطهاد؛ فالمثقف المحافظ مغيّب في الوطن العربي، وهو ما يجعل دوره يتوارى لمصلحة مثقَّف السلطة. واعتبر بشارة في مجال الفن أن التزام الفنان يأتي كوظيفة خارجية للفن، تجعله – بما له من ملَكة فنية ملتزمة- في عداد المثقَّفين الذين يؤدون أدوارًا مؤثرة في المجال العام. خلص المحاضر إلى قناعة فكرية مفادها أن ما يصنع المثقَّف ليس التوجّه الذي يبرّر به عدم اتخاذ موقف، بل التوجّه الذي يدفعه إلى اتخاذ موقف مؤثر، خاصة إبان الثورات والحراك الاجتماعي. لذلك، اعتبر أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمثقَّف هو تحلّله من المسؤولية، تجنبًا لمحاسبة الجمهور، وعدّ ذلك خيانة لوظيفته القاضية بتحمّل المسؤولية تجاه المجال العام. لم يفُت المحاضرَ الوقوف في آخر المحطات على دور المثقَّف في ظل تحولات الربيع العربي، وما صاحبها في بعض البلدان العربية من ضعف الدولة وهشاشتها. وانتقد في هذا الصدد الدور السلبي لبعض المثقَّفين المدافعين عن الوضع القائم، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تشخيص وتحليل أسباب هشاشة الدولة، وبذلك يكون المثقَّف قد تخلى عن دوره الترشيدي العقلاني. في المنحى عينه، انتقد بشارة أيضًا المثقَّفين الذين وقفوا إلى جانب الثورات، وألقوا باللائمة على الأنظمة القمعية، من دون الوقوف على أخطاء الذين قاموا ضدها، فتحولوا من مجال التفسير الإيجابي الفعال إلى التبرير المكرّس للفوضى والتشرذم، وأكّد أن الجمع بين التحليل العقلاني والموقف المعياري الأخلاقي هو المنهج السليم الذي يؤشر على دور ناجح للمثقَّف. بعد محاضرة الجلسة الافتتاحية، انطلقت أشغال الجلسة الأولى برئاسة عبد العلي حامي الدِّين، وتمحورت أوراقها حول موضوع «المثقَّف العربي وأسئلة السلطة والنهضة: السياقات الفكرية». وقد قدّم سعيد بنسعيد العلوي الورقة الأولىفي موضوع «الحرية شعارًا ومفهومًا: خطاب المثقَّفين العرب في عصر النهضة »، اعتبر فيها عصر النهضة تحولً تاريخيًا مفصليًا في مساق الفكر العربي، وعلامة فارقة أنتجت لدى المثقَّفين المنتسبين إلى مدرسة محمد عبده مفهومًا جديدًا للحرية ينضح بالمعاني غير المسبوقة في الوعي العربي الإسلامي. وخلص

إلى القول إن هذه الحرية في دلالاتها الجديدة شكّلت مكوّنًا من مكوّنات النهضة وإحدى نتائجها الأساسية. جاءت الورقة الثانية التي قدّمها المنجي السرباحي تحت عنوان: «المثقَّف العربي من تجربة الجور إلى ثقافة حقوق الإنسان» متسائلة عن مدى نجاح المثقف العربي في ترجمة تجارب الاستبداد المتعددة والمتعاقبة التي شهدها المجتمع العربي منذ ما يربو على قرن من الزمن، إلى وعي بضرورة التغيير، وانخراط المثقف في مسالك هذا التغيير الهادف إلى تكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد صاغ المتدخل جواب الإشكالية التي طرحها انطلاقًا من ثلاث لحظات توقف عندها: اهتم في اللحظة الأولىبمسألة حقوق الإنسان في خطاب المثقَّف، بينما توقف في الثانية عند شروط التحول من وضعية مقاومة الاستبداد إلى منهج التأسيس لمشروعية سياسية جديدة، في حين اهتم في اللحظة الثالثة باستجلاء المطبّات التي تعوق مساهمات المثقَّفين في إنتاج ثقافة حقوق الإنسان. اختُتمت الجلسة الأولى بمداخلة السعيد سليمان عواشرية في موضوع «إشكالية تجسير الفجوة بين المثقَّف والسلطة السياسية في الوطن العربي في ظل العلاقة بينهما»، وهي الورقة الثالثة التي سعت إلى تشخيص علاقة التوتر المتجذرة بين المثقَّف والحاكم بسبب اختلاف رؤية الطرفين في التعامل مع الواقع: بين النزعة المثالية للأول والنزعة البراغماتية للثاني، وهو ما عمّق الفجوة بين الطرفين. وطرحت الورقة بعض التصورات التي صيغت لردم هذه الفجوة، ومن بينها نقل تجربة الآخر، كاليابان والولايات المتحدة، التي جرى التحفظ بشأنها بحجة الاختلاف الجذري بين سلطات هذه الدول والسلطة السياسية في الوطن العربي.

على غرار الجلسة الأولى، تمحورت أوراق الجلسة الثانية التي ترأسها يوسف الشويري حول تيمة المثقَّف العربي وأسئلة النهضة، لكنها انصبّت حول السياقات التاريخية. وفي هذا الصدد، قدّم أنس الصنهاجي مداخلة في موضوع: «موقف الإنتلجنسيا المغربية من الحماية الفرنسية وممارساتها في المغرب » (الورقة الرابعة)، حلّل فيها تحولات فكر النخبة السلفية إبان المرحلة الاستعمارية، ومحاولة بناء مشروعها النهضوي، وعوامل فشل هذا المشروع - بعد استقلال المغرب -لعدم مسايرته تحولات بناء الدولة المغربية، وعدم مزاوجته بين البعدين الديني والمدني، الأمر الذي أفرز صعود إنتلجنسيا نقيضة. في المداخلة الثانية (الورقة الخامسة)، تناول عبد العلي حامي الدِّين بالدراسة والتحليل كتابات نخبة العلماء الإصلاحيين المغاربة في بداية القرن العشرين، مبرزًا أن معظمها انصب على إعادة تنظيم السلطة انطلاقًا من حمولة معرفية تنهل من معين التراث الفكري الإسلامي، ومن بعض التجارب الدستورية الناجحة، وأن محاولاتها الدستورية الأولى انطلقت من منظور إصلاحي يروم إيجاد صيغة قانونية عملية تنظم وضعية الحكم، وتسمح لممثلي السكان بالمشاركة الفعلية في تدبير شؤون الوطن بواسطة إقامة مؤسسات دستورية.

تميزت الجلسة الثالثة التي ترأسها عز الدين البوشيخي بكونها جلسة خاصة بالعالَم السيبرني

بحكم اشتغالها على تيمة التشبيك والثقافة الرقمية، كما يعكس ذلك عنوانُها «أدوار المثقف العربي في العصر الرقمي والشبكي.» قُدّمت في هذه الجلسة ثلاثة عروض: تمثّل أولها في عرض نديم منصوري تحت عنوان «حول دور المثقَّف الشبكي في عصر المعلومات: ملاحظات وآفاق» (الورقة السادسة)، انطلق فيها من التحول الذي فرضته تكنولوجيا الاتصال، وضرورة مساهمة المثقَّف العربي في وضع أطر تنظيمية تحمي المستخدمين، وترصد المتغيرات المستجدة. وتأسيسًا على ذلك، طرح السؤال الرئيسي حول آفاق الدور الذي ينبغي أن يضطلع به المثقَّف الشبكي لمواجهة تحديات عصر المعلومات، خاصة في ظل تنوع أساليب المواجهة لدى المثقَّفين الشبكيين. أمّا العرض الثاني، فتناول فيه جوهر الجموسي موضوع «المثقَّف النمطي والمثقَّف الناشئ في العالَم السيبرني» (الورقة السابعة) وبسط فيه القول حول التحولات التي طرأت على المثقَّف العربي بعد تسيّد العالَم السيبرني، وانفجار تكنولوجيا الاتصال، وتحوّل وظيفة الثقافة إلى وظيفة ديكورية ومكمّل سلعي لعصر الصناعة، وهو ما جعل المثقَّف نفسه ينتقل من الفرد المبدع إلى «قبائل» من الشركات العملاقة، وبالتالي انشطر المثقَّف إلى مثقَّفَين: مثقَّف نمطي، ومثقَّف يعيش في العالَم السيبرني، ويتغذى بخزّانات الثقافة الإلكترونية. اختُتمت هذه الجلسة بورقة إبراهيم بوتشيش في موضوع «سؤال تجديد أدوار المثقَّف في ضوء تحولات الربيع العربي: التواصل الشبكي والميداني خيارًا استراتيجيًا» (الورقة الثامنة)، أثار فيها سؤال تجديد أدوار المثقف العربي في ضوء التحولات التي أفرزها الربيع العربي. ولسبر غور الإشكالية، سعى إلى تشخيص الخيوط الناظمة لسؤال تجديد أدوار المثقَّف من خلال ربطها بتحولات ثورة تقنيات التواصل الشبكي التي جعلت دور المثقَّف محكومًا بدخوله دائرة التشبيك. كما ربط تجديد دور المثقف بفهم ما تمخض عن الربيع العربي من تحولات ذهنية ونفسية حدّد أبرزها في دخول المجتمع العربي « زمن ما بعد الخوف»، وزمن ما فوق الأيديولوجيات الأحادية، وزمن التغيير السلمي الناعم. وتأسيسًا على هذه التحولات، اقترح صاحب الورقة خطة استراتيجية لتجديد دور المثقَّف تتألف من ثالوث يجمع بين التشبيك ونشر المعرفة، والمعاينة الميدانية لإبداع سلوك ثقافي تفاعلي، وحضور وازن للمثقَّف في الساحات والميادين، على غرار ما حدث في الانتفاضات الاجتماعية في أوروبا.

في الجلسة الرابعة التي انطلقت أشغالها في اليوم الثاني من أيام المؤتمر برئاسة وجيه كوثراني، عُرضت ثلاثة أبحاث دارت محاورها حول تيمة «المثقف العربي وأدواره المتجددة: جدلية المثقَّف والثورة.» بدأت الجلسة بعرض قدّمه حسن طارق وخصصه لدراسة موضوع: «المثقف والثورة: الجدل الملتبس» (الورقة التاسعة)، وهو محاولة إرصاد لحضور الثقافي في دينامية الثورات العربية من خلال بحث علاقتها المفترضة بفكر النهضة العربية، وتتبُّع مخرجاتها الدستورية. وبعد تحليل ترسانة من المعطيات، خلص إلى أن التفكير في آفاق السؤال الثقافي لما بعد ثورات الربيع العربي يطرح الحاجة إلى استئناف أسئلة الإصلاح

الثقافي ضمن المعركة الكبرى لاستنبات قيم الحداثة، والانتقال من التفكير في حالة المثقَّف الهوياتي إلى وضعية المثقَّف الديمقراطي. في المنحى نفسه، سعى صالح بن سالم من خلال بحثه «تحولات المثقف المعرفية والسلطوية: تحليل ثقافي» (الورقة العاشرة) إلى رصد تحولات المثقف المعرفية والسلطوية باستحضار الأثر الأيديولوجي في مصطلحه ومفاهيمه المعرفية والسلطوية، مؤكدًا ارتباط المعرفي السلطوي للمثقَّف بأيديولوجيته التي يؤمن بها، وتفتت سلطويته بقوة سلطة المجتمع، ووفرة المعرفة التي كانت مقتصرة عليه. كانت مداخلة خباب النعمان «المثقَّف والثورة: جدلية العلاقة ونطاق التأثير» (الورقة الحادية عشرة) آخر عرض في هذه الجلسة التي سعت لكشف العلاقة بين المثقَّف والثورة، حيث أثار الباحث سؤال ما إذا كان دور المثقَّف في إشعال ثورات الربيع العربي تأثيريًا أم شكليًا، وما إذا كان هذا الربيع قد أفرز أنماطًا جديدة في أدوار المثقَّف، ليخلص إلى القول إن أدوار المثقَّفين في صنع الثورات أدركها تراجع نسبي لأسباب ذاتية وموضوعية متعلقة بإعادة توزيع رأس ماله الرمزي المعرفي، منتقدًا مقولة «موت المثقَّف»، ومبشّرًا بميلاد مثقَّف عمومي.

شكّلت الجلسة الخامسة برئاسة رشيد العناني الشق الثاني المكمّل للجلسة التي سبقتها؛ إذ تمحور موضوعها حول «المثقف العربي وأدواره المتجددة: أسئلة الفكر والممارسة». وفيها تدخّل عبد العزيز لبيب ببحث تحت عنوان: «من مولد المثقف إلى أزمة ‹أن نعمل أم نفكر؟»› (الورقة الثانية عشرة)، وهو بحث أثار سؤال التمييز بين المثقَّف والمفكر، وعدم تماثلهما في مسار النشأة والتطور، ومن ثم طرح إشكال معرفيًا يتمحور حول الوقوف على كيفية حلول «المفكر المثقَّف» محلّ «المفكر الحكيم»، وما هي مآلاته في الزمن الراهن؟ سلّط فريدريك معتوق في مداخلته «مثّقفو الأنسيكلوبيديا الفرنسية ومثقَّف دائرة المعارف العربية» (الورقة الثالثة عشرة) ضوءًا مقارِنًا بشأن تجربتين كان لهما الهدف الموسوعي نفسه، ولكنهما اختلفا في بيئة الإنتاج ذهنيًا واجتماعيًا وسياسيًا. ويتعلق الأمر بمؤلِّفي الأنسيكلوبيديا الفرنسية والأنسيكلوبيديا العربية لبطرس البستاني. وقد أفلح الباحث من خلال الدراسة المقارنة أن يُبرز اختلاف النتائج بين الموسوعتين: ففي الوقت الذي جاءت حصيلة الفكر الموسوعي التنويري الغربي مسبوكة بذهنية تقدمية جماعية، ومتحررة من أي سطوة سياسية، أتى العمل الموسوعي العربي في سياق العبقرية الفردية، وبرعاية الدولة، وفي غياب مشروع حضاري متكامل.

سعت الجلسة السادسة، التي ترأسها فريدريك معتوق والمتمحورة أيضًا حول المثقَّف العربي وأدواره المتجددة، إلى سبر غور بعض القضايا والتجارب. وعُرضت خلالها ثلاث أوراق، عالج في إحداها بلكبير بومدين موضوع «نقد مسار المثقَّف العربي: دراسة ميدانية لتحليل أهم الفجوات في المسؤوليات والأدوار » (الورقة الرابعة عشرة)، وهي دراسة أبانت عن وجود فجوات في مسؤوليات المثقَّفين العرب وأدوارهم، وعزت الفجوات إلى علاقاتهم

المعتلّة بالمجتمع والسلطة، وتسيّد العولمة وشبكات الإعلام والتواصل الاجتماعي على حساب أقلام المثقَّفين. أمّا الورقة التي قدمها حميد الهاشمي تحت عنوان: «المثقَّف العربي وموقفه من قضية المرأة: العراق في الفترة من نهاية القرن 19 وحتى نهاية القرن 20 نموذجًا» (الورقة الخامسةعشرة)، فهي استحضار سوسيو- تاريخي لموقف المثقَّف العراقي من قضية المرأة، ركّز فيه على تعليم البنات في العراق، وظهور الدعوات التي نادت بحرية المرأة. كما ألقى الضوء على أهم المعارك التي خاضها المثقَّف في مجال تحريرها، والتي أفضت إلى ما وصفه بمكاسب المرأة التي تحققت لها خلال العقود الأولى من القرن العشرين بفضل الدور الذي اضطلع به المثقفون. ورصدت ورقة حيدر سعيد «مولد المثقف اللادولتي: حالة العراق» (الورقة السادسة عشرة) المتغيرات التي عرفها العراق منذ استيلاء حزب البعث على السلطة إلى الغزو الأميركي، وكيف انتقل المثقَّف العراقي خلالها من المثقَّف الحزبي إلى مثقَّف الدولة التي احتوته، ثم كيف بدأ تشكلّ مخاض جديد بعد انتهاء حكم حزب البعث، حيث صار المثقَّف العراقي يعيد تعريف هويته ووظيفته، منطلقًا من مفهوم المثقَّف اللادولتي التي حددت الورقة مكوناتها في ثلاث نزعات: النزعة الرسولية، والنزعة النقدية، ثم النزعة الفكرية.

توقفت الجلسة السابعة التي ترأسها عبد الوهاب الأفندي عند «قضايا الهوية والمجال الثقافي»، حيث طرحت ورقة يوسف الشويري «دور المثقَّف في التغيرات التاريخية: المثقَّف والمجال الثقافي» (الورقة السابعة عشرة) فكرة إيجاد معادلة نظرية وعملية لتجاوز إشكالية القطيعة أو الاستمرارية، ودعت إلى تبنّي الهوية الحداثية والاستقلال الفكري في كل إبداع ثقافي، مع التزام القواعد العلمية أو الفنية المتعارف عليها. وطرح علي الصالح مولى من جانبه سؤال المثقَّف الهووي من خلال ورقته «هل من حاجة إلى مثقف هووي؟» (الورقة الثامنة عشرة)، وهي ورقة أقامت طموحها على إشكالية مركزية تتغيا النظر في موجبات انتهاء زمن المثقَّف الهووي وظهور زمن ال«ثينك تانكس»، واستحضرت خضوع عالم الإنسان المادي والرمزي لإكراهات وتحولات تتغير بمقتضاها سنن الوجود الاجتماعي والسياسي والقيمي. وبما أن المثقَّف كائن فاعل في هذا العالم، فإنه يخضع أيضًا لقوانين التغير في الوظيفة والأداء، معتبرة أن نهاية المثقف الهووي كانت في الأساس نهاية لكل الزمن الذي نشأ داخله. اختُتمت هذه الجلسة بمداخلة النور محمد تحت عنوان «المثقَّف العربي وتحديات التجديد الديني» (الورقة التاسعة عشرة) التي وضعت الأصبع على غياب أي حوار جِدي ومنتج بين السلطة الدينية والسلطة المعرفية في العالم العربي، وهو ما أسفر عن عرقلة مشروع الإصلاح الديني الذي رامه المثقَّف العربي، عكس المثقَّف الغربي الذي انخرط منذ وقت مبكر في الحوار المباشر مع الحقل الديني، فتحقق نتيجةَ ذلك نوع من التعايش السلمي بين الديني واللاديني.

بدأ اليوم الثالث من المؤتمر بجلسة عامة برئاسة إدريس واعويشة بمحاضرة افتتاحية ألقاها بنسالم حميش تحت عنوان: «عن المثقفين وتحولات الهيجمونيا.» تضمنت المحاضرة محورين أساسيين: أولهما توصيف لمفهوم المثقَّف، وقراءة نقدية للمشهد الثقافي، صنّف المحاضر من خلالها المثقَّفين، بينما خُصص المحور الثاني لفحص تأثير تحولات الهيجمونيا في المثقَّف العربي. ركّز المحاضر على ظاهرة خطرة تعمل علىِ تحويل بيئة المثقَّفين إلى بيئة موبوءة، معوِّقة لأي دور إيجابي للمثقَّف العربي، وتتجسد في سوء الاعتراف البيني بين المثقَّفين العرب، ونزوعهم الاعتزالي، مشيرًا إلى الهشاشة والتفكك وتكريس مأساة الانقطاع وعدم التواصل بينهم، وسلوك التهاجر والتنابذ ونزعة الإقصاء، ناهيك عن تفاقم سوء الاعتراف البيني إلى درجة أن بعضهم لا يقرأ للبعض الآخر. في المحور الثاني من المحاضرة، تناول حميش مفهوم الهيجمونيا واستعمالاتها الدلالية في الكتابات القديمة، ليصل إلى مفهومها المعاصر المتمثّل في نظرية «الفوضى الخلّ» قة و«استراتيجية الدمار» التي صاغها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة في ظل حكم آل بوش، وفي ترسانة من الآليات أهمها الاحتواء، أو التصنيف في محور الشر والدول المارقة، أو تنظيم الحرب الاستباقية. أمّا انعكاساتها، فخط رة وذات أبعاد متعددة، فهي تحقق أولً «العبودية الإرادية»، التي هي من تمظهرات التسلط والاستبداد الرأسمالي المتوحش الذي يستعمل الحديد في قفاز من حرير. وركزّ المحاضر على دور الاستعمار في شكليه القديم والجديد في تدمير الهوية العربية، مستحضرًا نماذج من الجزائر والمغرب. بعد التشخيص لتمظهرات الهيجمونيا وانعكاساتها على المثقَّف العربي، طرح حميش سؤالً في غاية الأهمية حول جدوى الحوار الحضاري في ظل الهيجمونيا المتسيّدة، وما إذا صار هذا الحوار الحضاري عبارة عن ملهاة أو أفيون؟ وأجاب عن ذلك بأن بالنظر إلى الهوة بين المثقَّفين والمجتمع المدني من جهة، والسياسيين والفاعلين الاقتصاديين من جهة ثانية، وبالنظر أيضًا إلى غلبة الصدامات ومنطق الأقوى وقانونه، فإنه يُحكم على أخلاق الحوار بالركون إلى مجموعة من التمنيات العاطفية. غير أن ثقافة الحوار هاته تجد مقوّضها في كتلة المعوقات المعقدة المجانسة لواقع الهيجمونيا بشقيه، الظاهر المباشر والماكر المتخفي. بعد المحاضرة الافتتاحية، تواصلت سلسلة جلسات المؤتمر ب الجلسة الثامنة التي تناولت تيمة «المثقف في السياق العربي - الإسلامي» برئاسة سعيد بنسعيد العلوي. وقد شكّلت ثلاث أوراق مواد هذه الجلسة، قدّم أ ولاها عبد الوهاب الأفندي تحت عنوان: «حول المثقف الإسلامي: الوظيفة والمنهج والإشكالات » (الورقة العشرون) انطلق فيها من فرضية أن إشكالية المثقَّف الإسلامي لا تقلّ صعوبة عن حلّ المعادلة المعقدة التي يواجهها المفكر الإسلامي لتجسير الهوة بين الماضي والحاضر؛ فالمثقَّف لا يكون إسلاميًا إلّ إذا عبّر عن رؤية متجذرة في إطار التراث الإسلامي، وامتلك القدرة على إشعاع السلطة الروحية، مع قبضه على ناصية الحداثة، وتمكّنه من خطابها. واستدل الأفندي بمجموعة من نماذج المثقَّفين

الإسلاميين الذين خاضوا التجربة، ولكن قلّة منهم تمكّنت من المزاوجة بين المحاولة والنجاح مثل المفكر محمد إقبال. بمنظور آخر، تصدت مداخلة عبد العزيز راجل لدراسة «خطاب السياسة عند المثقف المقاصدي» (الورقة الحادية والعشرون) مؤكدة بروز ظاهرة نخبة المثقَّفين المقاصديين خلال الحراك الشعبي الديمقراطي، وارتباطهم بقضايا المجتمع وتعبيرهم عن هويته. لذلك، سعت ورقته إلى إماطة اللثام عن فاعلية الدور الذي يقوم به المثقف المقاصدي في تحيين المقاصد وتفعيلها لتلبية حاجات الإنسان المعاصر، وخلصت إلى القول إن هذا الصنف من المثقَّفين لا يمكن إلّ أن يكون مع مطالب الشعوب الثائرة والطامحة إلى الحرية والديمقراطية. أمّا الورقة الثالثة التي أعدها عبد اللطيف المتدين، فعالجت موضوع «الاجتهاد الفقهي والسلطة غير الشرعية» (الورقة الثانية والعشرون)، وتمحورت حول إشكالية تولّي الحكم من خلال بُعدين: يتمثّلالأولفي تولّي الحكم بطرق غير شرعية منحها الفقهاء صفة الشرعية دفعًا للضرر، وعملً بالمصلحة، بينما يتجلى البُعد الثانيفي تخلّي الحاكم عن منصبه أو في إزاحته بسبب إخلاله بشروط الأمر المعقود له، أو بسبب انتفاء شرعيته. وتكشف الورقة عن نماذج من الاجتهادات الفقهية الكلاسيكية التي أطّرها الباحث في مستويين: مستوى تأسيسي اعتبر فيه الفقهاء التغلب والوراثة وسيلتين مشروعتين لتولّي السلطة، وإن كانت اجتهادات أخرى ذهبت إلى اعتبار ذلك مسًّا بحقوق الرعية. أمّا المستوى الثاني، فيتجسّد في اجتهادات فقهية معاصرة حول مسألة الخروج عن الحاكم، وهي التي برزت مع انتفاضات الربيع العربي. واستثمر الباحث معطيات المستويين معًا ليستشف أوجه التقاطع بينهما.

كانت الجلسة التاسعة برئاسة المولدي الأحمر آخر الجلسات العلمية للمؤتمر، وخُصصت لموضوع «المثقف والثورات العربية: أسئلة الهوية والوظائف المفتقدة»، قدمت فيها ثلاث أوراق: عرض خالد العسري في بدايتها لموضوع «المثقف العربي وإشكال الحرية والهوية زمن الموجة الأولى من الربيع العربي» (الورقة الثالثة والعشرون)، أبرز فيه أن المخاض المفصلي الذي عاشته دول الربيع العربي أثار مفارقات في خطاب المثقف العربي بين لحظة كان فيها منظّرًا لمتطلبات التغيير، ولحظة أصبح فيها التغيير منفلتًا من يده. لذلك، فإن أهم الإشكالات التي ركزت عليها الورقة تتمثّل في البحث عن دلالات الحرية في فكر المثقَّف العربي إبان ثورات الربيع التي عرفتها المنطقة العربية. وأعقبت هذه المداخلةَ الورقةُ التي قدّمها امحمد جبرون في موضوع «المثقف العربي وأزمة الهوية: دراسة في مصير المثقَّف وأثره خلال الربيع العربي» (الورقة الرابعة والعشرون) وتناول فيها التوتر الذي شاب علاقة المثقَّف العربي الحداثي بالجمهور، خاصة إبان الربيع العربي. وفسّر هذا التوتر بأسباب عميقة وبنيوية ترتبط بملابسات ظهور المثقَّف في السياق العربي النهضوي الذي عبّر عنه ب«أزمة الهوية»، مستنتجًا أنه لا يمكن تجاوز هذه الأزمة وإعادة الروح إلى علاقة المثقف بالجمهور من دون إصلاح هذا العطب الهوياتي الذي اعتبره مسؤولً عن إخفاق المثقَّف التحديثي.

اختُتمت الجلسة بمداخلة سعيد أقيور التي عالجت موضوع «المثقَّف العربي والوظائف المفتقدة في ثورات الربيع العربي» (الورقة الخامسة والعشرون)، وطرحت إشكالية عدم مسايرة المثقَّف لإيقاعات تحولات مجريات الربيع العربي لكونها لم تكن على مقاسه، وهو ما جعله يسعى إلى وقف عجلتها، مبيّنًا أن المثقَّف افتقد في خضم انتفاضات الربيع العربي وظيفته النقدية، وانحاز إلى المنظومة الاستبدادية للسلطة، وأظهر العداء لكل تغيير ملموس، وهو ما يفوّت فرصة التحول التاريخي نحو مستقبل أفضل. بعد استكمال الجلسات العلمية، عُقدت الجلسة الختامية للمؤتمر من أجل عرض مجموعة من الملاحظات التقييمية للنتائج التي تمخض عنها، والتوصيات المنبثقة عنه. كما نُظِّم في مساء اليوم نفسه حفل توزيع جوائز المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بين الباحثين الذين حظوا بشرف الحصول عليها..

في ختام هذا التقرير، نسجّل بعض الملاحظات التي عنّت لي أو استقيتها من المناقشات والحوارات التي جرت، سواء في جلسات المؤتمر أو في الجلسة الختامية. لقد أجمعت المناقشات على أن المؤتمر شكّل علامة فارقة، ومحطة مفصلية في مراجعة أدوار المثقَّف العربي، ومحاولة حفر وإعادة تركيب، يروم انتقالها من طور الترهّل والشيخوخة والإخفاقات والشروخ، إلى طور الفعالية والتجدّد، وأن هذا المثقَّف الذي كان يُنظر إليه على أنه مفتاح لحلّ الإشكاليات المجتمعية الكبرى، أصبح هو نفسه جوهر المشكل، وموضع السؤال. كما تبيّن أن موضوعه الذي كان يُعتقد أنه أُشبع بحثًا، لا يزال موضوعًا مستعصيًا وأقرب إلى دائرة الظِّل. والجدير بالملاحظة أن بقدر ما فحصت أوراق المؤتمر أعطاب أدوار المثقفين السالفة وشخّصتها، وأبانت عن هشاشة بعض النظريات السابقة وانتهاء صلاحيتها، فإنها شكّلت محطة لكسر الرتابة والقيم الجاهزة وجسّ النبض، للإقلاع بالأدوار المستقبلية للمثقَّف، وترويضها وفق ما تمليه معطيات زمن ما بعد الحداثة، وذلك بتلمّس الخيوط الدالة، وطرح الأسئلة العميقة والهادئة للتأمل والتدبر، والارتكاز على السياقات التاريخية المحيلة إلى عصر النهضة، بهدف استكشاف المشترك والمتقاطع من أجل تحيينها وفق الطفرات التكنولوجية والقيم الكونية، بعيدًا عمّا ميّز الطروحات السابقة بشأن دور المثقَّف من مواقف تستند إلى نظرية المؤامرة. في الوقت ذاته، أتاح هذا المؤتمر فرصة طرح أسئلة جذرية وجريئة من قبيل المثقَّف اللادولتي، وموت المثقَّف أو استمراريته، وعلاقته الملتبسة بالثورة، وإشكالية دوره في الدفاع عن هوية مقبلة على التحلل. كما أنه أفلح في استنطاق قضايا كانت تُعَدّ إلى وقت قريب مغيَّبة، أو كانت تشكل تابوهات في بعض المجتمعات العربية. وقد سمحت الأوراق أيضًا بخلخلة المفاهيم الشائعة ومراجعتها، وتصحيح بعض المسلّمات بنقدها وإخضاعها لمبضع التشريح والمساءلة. نشير أيضًا إلى أن معظم الأوراق ربطت دور المثقَّف بالقضايا الراهنة، خاصة ثورات الربيع، وثالوث الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان،

وحمّلت المثقَّف مسؤولية المشاركة في هندسة ثورة ربيع عربي ثان تكون مادته هذه المرة ثورة ذهنية لا سياسية. كما وقف المشاركون في المؤتمر على ضرورة التحرز في صوغ أي دور للمثقَّف، بعيدًا عن مراعاة التحولات الدولية، وتغيّر قيم السوق الثقافية، والانفتاح على مجتمع المعرفة. وبالمثل، رسم المؤتمر خطاطة لمجموعة من الأزمان الجديدة التي سيكون لها تأثير في صوغ دور المثقَّف من قبيل الزمن السيبرني، وزمن ما بعد الخوف، وزمن التغيير الناعم، وزمن ال«ثينك تانكس»، ونبّه إلى بعض المطبّات التي قد تُجهض أدوار المثقَّف وتكبح مسيرتها من قبيل الفوضى الخلّقة، واستراتيجية الدمار، والعبودية الإرادية، والاستتباع من طرف الطرف الأقوى في عالم معولم. وممّا نحسب أنه يشكّل قيمة مضافة في هذا المؤتمر هو حرص بعض الأوراق على التمييز والتدقيق في مغلقات أدوار المثقَّف، ووضع الأمور على محك التحقيق، والفحص المجهري للأدوار المستقبلية للمثقَّف على هدي البحث الإمبريقي، والتاريخ المقارن، عوض التعميم المهزوز والنظريات الفضفاضة. كما أن المؤتمر عمل على تأصيل لحظات تأسيس أدوار المثقَّف لفهم تطوراتها وحيثياتها. ولا يمكن لمتتبِّع أشغال المؤتمر على نحو منصف إلّ أن يثمّن النقلة النوعية المتجسدة في حرص الأبحاث الخاصة بتجسير الفجوة بين المثقف والجمهور على وضع خريطة طريق؛ فبعد أن كانت هذه الإشكالية توصف بكونها معضلة مزمنة، أتاحت أبحاث المؤتمر الاستماع إلى مقاربات عملية تدعو إلى تسخير الطفرة التكنولوجية، ومنصات التواصل الاجتماعي، ونزول المثقَّف إلى الميادين، بهدف ردم هذه الفجوة، وخلق سلوك ثقافي تفاعلي. كما سمح المؤتمر ببروز دعوات تنادي بالانتقال إلى التفكير جماعيًا ومؤسساتيًا وشبكيًا، وباستراتيجيات إيجابية لتجاوز تحديات ثقافة متعولمة، بدل التفكير فرديًا وانعزاليًا. كما دعت إلى إعادة النظر في نقدنا للمثقف حيال أدوار لم يمارسها أصلً، أو لم تُتَح له فرصة ممارستها. وبالمثل، أتاح المؤتمر فرصة مناقشة مسألة المثقَّف الخبير، وضرورة إعادة الاعتبار إليه حتى يكون خبيرًا مناضلً نقديًا، وتقديم تصورات بشأن دور المثقَّف في الإصلاح الديني، والنبش في دور المثقَّف المقاصدي الذي طفا على السطح بعد انتفاضات الربيع العربي. هذا، ولا يمكن لمتتبِّع المؤتمر إلّ أن يشيد بأبحاث الشباب الذين أتيحت لهم فرصة المشاركة كي يُدلوا بدلائهم في هذا الموضوع الشائك، مع ما بصمته أوراقهم من طابع التجديد، المبشّرة بتراكمات اجتهادية ستصقلها التجربة. ومع التنويه بقيمة أبحاث المؤتمر وشموخ طروحاتها، فإنها لم تخل من بعض الهنات السلبية التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، والتي لا تنقص من قيمة حصيلتها العلمية المتميزة، بقدر ما تسعى إلى إثرائها وتخصيب تربتها في المؤتمرات المقبلة؛ فراصد مفهوم دور المثقَّف يجد أن هذا المفهوم لم يكن من الوضوح بما فيه الكفاية، ولم يتبيّن فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود بسبب تداخُل السياقين الغربي والعربي في تشكيل ملامحه من جهة، وبسبب الإسقاطات والتنميط الصارم والمغلق لبعض المفاهيم والأدوات الإجرائية من جهة أخرى. بل ربما يمكن القول أيضًا أن

المؤتمر حمّل المثقَّف من الأدوار ما يفوق طاقته، وحاسبه انطلاقًا من مكيال ثقيل من المسؤوليات التي رماها على عاتقه. نحسب أيضًا أن المؤتمر لم يُزِل الغشاوة كاملة عن أدوار المثقَّف المستقبلية وعلاقتها بالتحولات التاريخية الراهنة لإنجاح ثورات الربيع العربي، وتجاوز هشاشة الدولة، وتحديد اتجاهات البوصلة لإعادة بنائها. كما أن سؤال المؤتمر ظلّ يخفي جملة من المضمرات، بعضها يتصل بالواقع الراهن، وبعضها لا يزال منشدًّا إلى تصورات بشأن أدوار المثقَّف في أزمان عفا عليها التاريخ، ولم تكن مثقلة بالمتغيرات ذاتها التي تتشكّل اليوم في ظل تاريخ معولم، ونهاية جغرافية محسومة، وسوق ثقافية تجردت من القيّم، وأصبحت تخضع لمعايير سوق رأسمالية متوحشة. يضاف إلى ذلك أن بعض الأبحاث اهتم بطرح الفرضيات أكثر من اهتمامه بصوغ نتائج دقيقة وأسئلة إبداعية جديرة بالدرس مستقبلً. وبقدر ما كان بعضها غنيًا بالمفاهيم، افتقرت تقنياته ومناهجه إلى الوضوح والتطبيق. وبالمثل، كان الجانب الإعلامي لتغطية المؤتمر الحلقة الأضعف، خاصة من جانب الإعلام المغربي. ونعتقد أن مؤتمرًا في حجم المؤتمرات التي يعقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وفي موضوع ذي عيار ثقيل من طينة أدوار المثقَّف، كان قمينًا بأن تُخصَّص له تغطية واسعة تليق بمقامه وهيبته العلمية والأكاديمية. أمّا التنظيم، فلا يسع المتتبِّع المنصف إلّ أن ينوّه بجهد المنظِّمين المحكم، والتسيير المتقن للمؤتمر، سواء في جلساته العلمية أو في الأمور اللوجستية وغيرها. وإذ نشيد أيضًا بالمناقشات الجادة والصريحة التي كانت تعقب كل جلسة علمية من جلسات المؤتمر، فإن الطموح يحدونا إلى القيام في المؤتمرات المقبلة بتوزيع الأبحاث إلكترونيًا قبل عقد المؤتمر إتاحةً لفرصة الاطلاع عليها، ولتكون هذه المناقشات أكثر ثراء وأغنى عطاء. كما نتطلع إلى رفع منسوب المشاركة النسوية في أشغالها، وجعْل مساحة الاهتمام بوضعية المرأة أوسع في قلب هذه التغيرات ضمن الأوراق البحثية، حتى يكون حضور المرأة المثقفة حضورًا وازنًا غير منقوص.