فض تبعية المعرفة العربية المعاصرة
Deconstructing Arab Epistemological Dependency
الملخّص
قامت فكرة مشروع فض تبعية المعرفة العربية المعاصرة على أن يأخذ المفكر على عاتقه نقد مجموعة من المؤلفات العربية التي يراها جديرة بالاهتمام، محاولًا تقويم أطروحاتها أو نقضها. وفي الخمسين سنة الماضية لقيت هذه المشاريع كثيرًا من النقاش الذي يمكن تلخيص نتائجه، رغم صعوبة ذلك، في نقطتين مهمتين تركَّز عليهما النقد الذي وُجِّه إلى تلك المشاريع: النقطة الأولى هي انطلاق المفكر في قراءته النصوص من موقف مسبق يقوم على أيديولوجيا بعينها، والثانية هي استخدام المفكر مفاهيم ومنهجيات وأطر نظرية طورها الفكر الغربي الحديث، من دون أن يعيد خلقها بحسب مقتضيات نظره في موضوعه. ويجب ألّا يُغيِّب هذا النقد النتائج الإيجابية التي حققتها تلك المشاريع، من ذلك أنها أنتجت جدالات مهمة بخصوص انعكاس الفكر العربي على نفسه، فبرز سؤال مهم يخص علاقة النص باللحظة التي يُقرأ فيها، متّخذًا صيغتين ارتبطتا بعضهما ببعض هما: "التراث والتجديد" و "الأصالة والمعاصرة".
Abstract
In the past fifty years such projects that have deconstructed contemporary Arab epistemological dependency have given rise to a great deal of discussion. Deconsructing contemporary Arab epistemological dependency involves taking on a project to critically assess a noteworthy group of Arabic writings, evaluating or refuting their main theses. The findings of such projects have often been criticized, and criticism falls into two categories. The first is an assumption that the intellectual starts out reading texts from a preset position informed by a particular ideology, and therefore reads set of texts in a particular way. The second assumption is that the intellectual makes use of concepts and methodological frameworks developed by modern Western thought, and does not re-create frameworks according to the requirements of his or her own consideration of the matter at hand. Such criticism, however, should not lose sight of the positive results achieved by these deconstructionist projects, for they produced important debates regarding the reflection of Arab thought upon itself, and justified posing important questions of the relationship of text to the moment of reading the text. This study turns to two instances where such questions were asked: the inter-related formulations: heritage and renewal; and authenticity and contemporaneity.
- الفكر الغربي
- التجديد
- التراث
- الأصالة
- المعاصرة
- Renewal
- Authenticity
- Heritage
- Western Thought
- Epistemological Dependency
في فهم الحاضر وحق تفسير الحداثة
قامت فكرة مشروع فض تبعية المعرفة العربية المعاصرة على أن يأخذ المفكر على
عاتقه نقد مجموعة من المؤلفات العربية التي يراها جديرة بالاهتمام، محاولً تقويم أطروحاتها أو نقضها. وفي الخمسين سنة الماضية لقيت هذه المشاريع كثيرًا من النقاش
الذي يمكن تلخيص نتائجه، رغم صعوبة ذلك، في نقطتين مهمتين تركَّز عليهما النقد الذي وُجِّه إلى تلك المشاريع: النقطة الأولى هي انطلاق المفكر في قراءته النصوص
من موقف مسبق يقوم على أيديولوجيا بعينها، والثانية هي استخدام المفكر مفاهيم ومنهجيات وأطر نظرية طورها الفكر الغربي الحديث، من دون أن يعيد خلقها بحسب مقتضيات نظره في موضوعه. ويجب ألّ يُغيِّب هذا النقد النتائج الإيجابية التي حققتها
تلك المشاريع، من ذلك أنها أنتجت جدالات مهمة بخصوص انعكاس الفكر العربي
على نفسه، فبرز سؤال مهم يخص علاقة النص باللحظة التي يُقرأ فيها، متّخذًا صيغتين
ارتبطتا بعضهما ببعض هما: «التراث والتجديد» و«الأصالة والمعاصرة».
مقدمة
تميزت السنوات الخمسون الماضية من تاريخ الفكر االعربي، التي امتدت من ستينيات القرن العشرين حتى نهاية العقد الأول من هذه الألفية، بما يمكن تسميته فكر «المشاريع» النقدية؛
ففيها تبنّى عدد من المفكرين العرب خططًا هدفت إلى قراءة نصوص الفكر العربي قراءات نقدية
بغرض تجديده. وانقسمت المشاريع إلى قسمين، توجه الأولإلى قراءة التراث العربي القديم، وتوجه الثانيإلى نقد الفكر العربي المعاصر. ويمكن التأريخ للنوع الأول بمشروع طيب تزيني مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط 971(1)، ومثله مشروع حسين مروة الذي بدأ بكتاب النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية 978(1)، ثم تراثنا، كيف نعرفه (985.)1 وتبع ذلك عدد من المشاريع، استأثر بالاهتمام منها في الثمانينيات مشروع محمد عابد الجابري الذي جاء في كتب عدة استهلها
بكتاب نحن والتراث، ثم أعقبها بثلاثة كتب أكملت مشروعه الذي عُرف باسم نقد العقل العربي.
وأنجز حسن حنفي أيضًا مشروعًا بدأ بكتاب التراث والتجديد (9811)، وتبعته كتب أخرى كان من
بينها من العقيدة إلى الثورة. وسار آخرون على درب دراسة التراث، واحتفظ كل صاحب مشروع
بملامح خاصة ميزت فكره، فمن المفكرين من غلّب الفكر على النقد، كما فعل طه عبد الرحمن في
كتابه العمل الديني وتجديد العقل (9971)، ومنهم من غلّب النقد الأكاديمي على الفكر، مثل نصر حامد أبو زيد في دراساته المتعلقة بالتفسير عند علماء المسلمين. أمّا المشاريع التي توجهت إلى نقد الفكر العربي المعاصر، فبدأت بداية حقيقية مع كتاب عبد الله
العروي الأيديولوجيا العربية المعاصرة (صدر بالفرنسية سنة 9671 وتُرجم إلى العربية سنة 9701)، واستمر المشروع بصدور العرب والفكر التاريخي (9851، ط 2)، وتوسع في كتب لاحقة. وتنتمي
إلى هذا النوع من المشاريع أيضًا أعمال طيب تيزيني الأخيرة. وهناك مِن المفكرين مَن ساهم في
الجانبين، فتناول التراث القديم والفكر المعاصر، ونجد ذلك لدى غالي شكري مثلً، وعدد من مفكري المغرب العربي الناشطين حاليًا، ربما أبرزهم كمال عبد اللطيف. ويبدو أن، بعد هذه السنوات
الخمسين، يمكننا النظر في هذه المشاريع لمعرفة ما حققته، وما يتطلب النقد والتطوير فيها. ولا شك في أن الأفكار والأحكام التي سترد في هذه الدراسة لا تنطبق بالدرجة ذاتها على جميع هذه المشاريع، كما أنها، وإن كانت تنطبق بدرجة كبيرة على معظمها، قد لا تنطبق على قلة استثنائية منها. قامت فكرة المشروع على أن يأخذ المفكر على عاتقه نقد مجموعة من المؤلفات العربية التي
يراها جديرة بالاهتمام، محاولً تقويم أطروحاتها أو نقضها. وفي الخمسين سنة الماضية لقيت هذه المشاريع كثيرًا من النقاش الذي يمكن تلخيص نتائجه، رغم صعوبة ذلك، في نقطتين مهمتين تركَّز
عليهما النقد الذي وُجِّه إلى تلك المشاريع: النقطة الأولىهي انطلاق المفكر في قراءته النصوص
من موقف مسبق يقوم على أيديولوجيا بعينها، والثانية هي استخدام المفكر مفاهيم ومنهجيات وأطر نظرية طورها الفكر الغربي الحديث، من دون أن يعيد خلقها بحسب مقتضيات نظره في
موضوعه. ويجب ألّ يُغيِّب هذا النقد النتائج الإيجابية التي حققتها تلك المشاريع، من ذلك أنها
أنتجت جدالات مهمة بخصوص انعكاس الفكر العربي على نفسه، فبرز سؤال مهم يخص علاقة
النص باللحظة التي يُقرأ فيها، متّخذًا صيغتين ارتبطتا بعضهما ببعض هما: «التراث والتجديد»
و«الأصالة والمعاصرة». شغلت هاتان الصيغتان الفكر العربي طوال ثمانينيات القرن العشرين، وكان أبرز ما نُشر بشأنهما كتاب صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (الأصالة والمعاصرة) (987.)1 وقد كشفت النقاشات التي تناولت تلك المشاريع أنه، سواء تعلق الأمر بقراءة النصوص التراثية أو قراءة النصوص المعاصرة، فقد بقيت مشكلة تتمثّل في ضعف قدرتها الإنتاجية
نتيجة تحكّم مرجعيات الفكر الغربي فيها؛ ففي ما يخص مشاريع قراءة النصوص التراثية، أُخِذ عليها تكرار ما تقوله نصوص التراث من دون إضافة أي جديد، أو قَسر نصوصه لتكرر ما يقوله الفكر
(((محمد نجيب بوطالب، «قراءة في القراءات الجدلية للتراث العربي،» المستقبل العربي، العدد 041 (تشرين الأول/أكتوبر
9871)، ص 51.3
الغربي. أمّا مشاريع قراءة الفكر العربي المعاصر، فقد أُخذ عليها تبنّي اتجاهات الفكر الغربي
بطريقة حرفية أحيانًا، وبطريقة تلفيقية أحيانًا أخرى. في الحالين، أُخِذ على تلك المشاريع ضعف البُعد النقدي فيها، وارتهان الفكر العربي لأطر التفكير المأخوذة عن الفكر الغربي، في الوقت الذي
كانت فيه معظم تلك المشاريع قد قامت على فرضية مخالفة مضمونها أن تجديد الفكر العربي ممكن بأن يعود بالنقد على نفسه فقط. إن فهم هذا التناقض وتفسيره هما موضوع هذه الدراسة التي تربط بين ما استهدفه فكر تلك الفترة، وهو تجديد الفكر العربي من داخله، وما انتهى إليه ذلك الفكر من إعادة إنتاج للفكر الغربي. عندما أخذت تلك المشاريع على عاتقها تطوير الفكر العربي بأن يعود على ذاته بالنقد، لم تتخذ استراتيجيا للتعاطي مع علاقات الضغط الواقعة من جهة الفكر الغربي على إرادة صاحب المشروع ووعيه. وتَعتبر الدراسة أن التوجّه إلى نقد الفكر العربي من الداخل من دون امتلاك استراتيجيا لتخفيف
الضغط الذي تمارسه الأفكار الواردة من خارج النصوص، أحدث استقطابًا في فكر تلك المشاريع
بين الموضوع المدروس ووسائل نقده. وقد نشأ الاستقطاب عن اختلاف أدوار المسلّمة الرئيسية القائمة خلف فكرة النقد الداخلي؛ فالنقد من الداخل يعني انطلاق الناقد من ذات الانشغالات التي ينطلق منها صاحب الفكر المراد نقده بأثر انتمائهما إلى ذات المجتمع والتاريخ، في المقابل، لم يعط أصحاب المشاريع النقدية أهمية كبيرة لانطباق هذه القاعدة على الفكر الغربي الذي أخذوا عنه أدوات النقد ومناهجه، فلم ينل ارتباطها بانتماءات المجتمعات الغربية ومشاغلها اهتمامًا كبيرًا عندهم، ولم
يساهم في تطوير توقعات حدوث ضغوط من جانب تلك الأدوات والمناهج على وعي الناقد، أو على النص المراد نقده. ربما لا يرى أصحاب تلك المشاريع وجودًا لهذا الاستقطاب والضغط على مشاريعهم؛ فغالبًا تتضمن
نصوص كل مشروع إشارة إلى أن الأخذ عن الفكر الغربي يجب أن يتقيد بمقتضيات الموضوع المدروس، وأنه يجب أن يتم بطريقة ناقدة. لكن هذا القول يبقى دائمًا إجراء وقائيًا يقف عند المقدمة
النظرية، ومن النادر جدًا أن يظهر له أثر داخل مشروع ذاته، فيجري تبنّي المفاهيم والمنهجيات والأطر
النظرية من دون تمحيص نقدي، وهذا يؤكد ما تفترضه هذه الدراسة من وقوع ضغوط من جهة الفكر المتبنَّى، على تلك المشاريع. يمكن تلخيص المشكلة التي تتصدى لها الدراسة في السؤال التالي: لماذا لم يُنتج الفكر العربي،
طوال فترة الخمسين سنة التي أعقبت انفكاك الشعوب العربية من الاستعمار، تقاليد فكرية قادرة على الإحاطة بالحاضر العربي، سواء كان ذلك في مجال إنتاج الأفكار أو في مجال نقدها؟ فمن النادر أن نجد أمة توافر لها ما توافر للعرب من تراث مشبع بالمعرفة، واتصال بالمعرفة الحديثة منذ وقت مناسب، وإمكانات للبحث والنشر تفوق إمكانات كثير من الأمم الأخرى، ومع ذلك يعاني فكرها المعاصر ضعف المردود الملاحظ في الفكر العربي. ففي الخمسين سنة الماضية، حدث في آسيا الصغرى أو جنوب شرق آسيا أو شبه القارة الهندية أو حتى في أفريقيا جنوب الصحراء تطور واضح
(((حسن حنفي، التراث والتجديد (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 9811)، ص.38
(((عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا: الأدلوجة (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 983.121 1)، ص
لمساهمات فكرية خلّقة، استُثمر الفكر العالمي المعاصر لتحقيق تراكم في اتجاهات إيجابية، تسير
شيئًا فشيئًا نحو ترسيخ تقاليد فكرية وبحثية تُعنى بحاضر تلك الأمم. تهدف الدراسة إلى استكشاف المسار الذي اتخذه للفكر العربي في تاريخه القريب، فتدرس بعض المشاريع التي استهدفت تجديده، بمنهج يسعى لفهم الترابط بين الفكر العربي والفكر الغربي والعلاقات القائمة بينهما، من منطلق يقارب ما سمّاه عبد الكبير الخطيبي «النقد المزدوج ». ويُستفاد
في ذلك من جهود بعض المفكرين التي تنتظم مناطق مختلفة في جنوب الكرة الأرضية، مستهدفين التفكير في حاضر شعوبهم بطرق متحررة من هيمنة أطر التفكير الغربي المرتبطة بواقع المجتمعات الغربية. ومن حيث الحد الزمني، تُعنى الدراسة بجهود المفكرين العرب المعاصرين الذي كتبوا، والذين ما زالوا يكتبون، عقب فترة التخلص من الاستعمار، وتشمل فترة الخمسين سنة الأخيرة تقريبًا.
ولاستحالة تغطية نتاج الفترة كلها، تختار الدراسة النماذج الأفضل تمثيلً للاتجاهات الرئيسية. ومن حيث المكان، تُعنى الدراسة بنتاج كل مفكر ينتمي إلى الثقافة العربية وإن كان يكتب بلغة غير عربية ويعيش في دولة غير عربية، ما دام فكره يهدف إلى فهم الحاضر العربي. وستُستخدم في هذه الدراسة
عبارة «الفكر الأوروبي» بمعنى مرادف لعبارة «الفكر الغربي»، مع ملاحظة أن الأولى ستُستخدم عند
الحديث عن فترة الحداثة – لكون الفترة تقتصر على التاريخ الأوروبي – بينما ستُستخدم الثانية لتشير
إلى الفكر القائم اليوم في أوروبا وأميركا الشمالية معًا. من الناحية المنهجية، تنظر الدراسة في طرائق توظيف المفكرين العرب أدوات فكرهم ومصادره، معتبرة أن المواقع المختلفة التي ينطلق منها المفكرون داخل المجتمع تقود إلى نتائج مختلفة بخصوص كيفية توصيف حاضرهم المشترك، وأن ما يحققه الذين ينطلقون من انتمائهم إلى المجتمع المدروس، يختلف عمّا يحققه الذين ينطلقون من انتمائهم إلى مجتمعات أخرى. يلتقي هذا المنظور،
الذي يركز على تعددية التواريخ، مع المنهج التأويلي في افتراض تأثير مجموعة عناصر مشتركة تخص مجتمع المؤولين (تراث وتقاليد فكرية ولغة)، تدعم تداولهم وتطويرهم فهم الظاهرة الاجتماعية. لكنه يفارقه أيضًا في مواضع مهمّة، أولها أنه لا يعتبر تلك العناصر المشتركة تعمل ضمن وحدة مغلقة، مثل
تلك التي تُعرف عند فلاسفة التأويلية باسم «الدائرة التأويلية»، فهذا الانغلاق لا يناسب إلّ مجتمعات متخيلة، منغلقة على تاريخها وتراثها. أمّا منظور التواريخ المحلية، فيتخذ فيه تعدد التواريخ وانفتاحها
مكانة مهمة كونه ينظر إلى حركة التاريخ الحي، حيث تنتفاعل تواريخ الشعوب والمناطق، محتفظة باختلافاتها، فتتماس دوائرها وتتقاطع. من هنا تتخذ التأثيرات المتبادلة بين التواريخ، إلى جانب التعدد والاختلاف، مكانة مهمة في هذا المنظور. إن التجربة التاريخية التي ساهمت في تكوين هذا المنظور، الذي هو قيد التطور في مناطق متعددة، هي تجربة شعوب جنوب الكرة الأرضية التي عانت القمع والإخضاع والتبعية لمصلحة مركز النظام
العالمي الحديث ممثَّلً في الغرب بصورة رئيسية. تلك الشعوب التي قُضي على تواريخها بالإبعاد
(((عند الخطيبي، يهدف النقد المزدوج إلى البحث في علاقة الفكر العربي بالفكر الغربي من جهة اختلافه عنه، لكنه لا يتناول الاختلاف من جهة الهوية التي تستبعد الطرف الآخر، وإنما من الترابط الذي يسكن الاختلاف وينتج منه وينتجه أيضًا. للتعرف إلى
الفكرة عند صاحبها، انظر: عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج (بيروت: دار العودة، 9851)، ص 15 1.8 –
عن التاريخ الحديث المكتوب بوصفه تاريخًا أوروبيًا نقيًا، وفُرضت عليها التبعية بالقدر الذي منعها
التفكير في واقعها وتشخيص مشكلاته، وقمعت عندها إرادة تغيير ذلك الواقع. هذا هو ما يجعل منظور تعدد التواريخ يناسب الفكر العربي المعاصر لينفك من النظر إلى تاريخ المعرفة الحديثة بوصفه تاريخ فعالية العقل والروح الأوروبية في التاريخ، وبالتالي، يتحرّر من وهم ضرورة الرجوع إلى لحظة الحداثة
(المعتبرة أوروبية خالصة) في كل لحظة يجد نفسه في حاجة إلى التفكير في حاضره الخاص. ليس نقد التبعية جديدًا في الفكر العربي؛ فمنذ السبعينيات اهتم عدد من المفكرين العرب بتوضيح آليات إنتاج التبعية وصونها في النتاجات الغربية الفكرية وغير الفكرية، فنجد عند سمير أمين معنى مشابهًا
متضمنًا في مفهوم فض الارتباط. ونجد عند غالي شكري استخدامًا لمفهوم «الحزمة التكنولوجية» في
كشف الترابطات القائمة في مجال الصناعة لخلق التبعية وتعميقها. لكن، لم تجر في الفكر العربي محاولة نظامية – في ما نظن – لبحث الترابط الذي يخلقه الفكر الغربي داخل نصوصه ليؤمّن انزلاق
الآخذين عنه، من منطلقاتهم السليمة القائمة على ضرورة التفاعل مع المعرفة المعاصرة، إلى تورطهم في إعادة إنتاج التبعية، عن طريق إعطاء تفسيرات نشأة الحداثة مكانة مركزية في تلك المهمة. إذن، موضع النقد هنا، هو كيفية ممارسة الفهم والتفسير لدى الطرفين: الآخذ والمأخوذ عنه؛ فبينما تنطلق
تفسيرات المفكرين الغربيين لحداثتهم من تاريخهم الخاص حين يصورونها حدثًا أوروبيًا خالصًا،
لا يسعى المفكر العربي إلى تفسيرها منطلقًا من تاريخه الخاص الذي يتقاطع مع التاريخ الأوروبي، ولا يراها لحظة «ثنائية تاريخ» تتضمّن تاريخه، بل يراها، مثل الأوروبي، لحظة أوروبية خالصة. تفترض الدراسة أن النظر إلى تاريخ المعرفة من جهة «تعددية التواريخ» هو المنطلق الوحيد الذي
يحقق للمفكر العربي المعاصر انعتاقًا من أوهام التاريخ الحديث المكتوب من وجهة نظر أوروبية خالصة تسعى إلى تمكين أوروبا من صوغ تاريخ البشرية على نموذجها. وهو انعتاق لن تنعكس نتائجه الإيجابية على عمل المفكرين العرب وحدهم، بل أيضًا على عمل جميع مفكري العالم غير الغربي، والغربي نفسه. لقد أظهر مفكرو الغرب الذين استهلوا جهود نقد المركزية الغربية، تقديرًا
كبيرًا للاختلاف، لكن الاختلاف لن يأتي إلّ من خارج الغرب، من الفكر اللاغربي. لكن هذا الأخير
لن ينطلق من دون تحرر عقول المفكرين غير الغربيين من ضرورات إعادة إنتاج الفكر الغربي التي يستلزمها الرجوع المتكرِّر إليه. والتحرر نفسه لن يتم، ما لم يُكشَف عن مكانة تواريخ الشعوب غير
الأوروبية في تاريخ العالم الحديث، عن طريق إعادة فهم التاريخ الحديث وتدوينه باعتباره حدثًا تشاركيًا نجم عن تقاطع التاريخ الأوروبي مع تواريخ الشعوب غير الأوروبية.
الفكر العربي المعاصر وتحولات الحاضر
هناك أسباب عدة تُضفي مشروعية على إمكان النظر إلى فترة الخمسين سنة الماضية من التاريخ العربي، باعتبارها وحدة متماسكة، أهمها أن العالم تغير كثيرًا في هذه الفترة، ف العالم العربي
ولا العالم الخارجي بقيا ثابتين فيها. ويَظهر تغير العالم العربي في جوانب كثيرة، أبرزها عودة القوى
العسكرية الغربية إلى البلاد العربية بمبررات ومسميات جديدة، وتلاشي تأثير جامعة الدول العربية،
(((غالي شكري، مقدمة في تأصيل سوسيولوجيا المعرفة، دكتاتورية التخلف العربي؛ 1 (بيروت: دار الطليعة، 9861)، ص.35
وبروز تأثير المؤسسات الدولية وتجمعات عربية صغيرة تقوم على قطاعات ركنية داخل الجغرافيا العربية. لكن أبرز هذه التغيرات هو تراجع الاهتمام بالقضايا الجوهرية التي تخص الوجود العربي نفسه، مثل استعادة الأرض العربية المحتلة، لصالح قضايا تخدم الهيمنة على الوجود العربي، مثل قضية «الإرهاب». وعلى الصعيد العالمي، يمكن رؤية التحولات في جوانب عدة، ربما أهمها سيطرة الغرب الملتف حول الولايات المتحدة على الشؤون الدولية عامة وشؤون العالم العربي خاصة. وهناك الأزمة الاقتصادية الطويلة الأمد التي يشهدها النظام العالمي، وأيضًا تحوّل المؤسسات الدولية
إلى أدوات لرعاية مصالح الدول الكبرى وحلفائها (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، المحكمة الجنائية الدولية). لا تقف تلك التحولات عند حدودها الظاهرية، بل تمتد لتعيد صوغ أوضاع البلاد العربية
عالميًا وإقليميًا؛ فمثلً، يتيح ربط الإس ماا بالإرهاب تصوير المنطقة العربية وتقديمها إلى العالم
والتفكير فيها باعتبارها جزءًا من «فضاء إرهاب عام» عابر للقارات، غير محدَّد جغرافيًا ومشوَّش
مفهوميًا، يمتد من أفغانستان شرقًا إلى مالي ونيجيريا غربًا. في هذا الفضاء يُحشر المسلمون، بشعوبهم
وتواريخهم وثقافاتهم المختلفة لاستثارة وتبرير سلوك عالمي عنيف تجاهم. ومن التحولات أيضًا ما تم في ميدان الفكر وطرق إنتاج المعرفة، وهذا يمس على نحو مباشرة مساعي تجديد الفكر العربي. يشهد على عمق أثر التحولات المذكورة، هذا الحراك السياسي والاجتماعي الواسع الذي ظهر في المنطقة العربية عقب نهاية العقد الأول من هذه الألفية، والذي سيكون له، في الغالب، نتائج عميقة الأثر في الفكر العربي. ويشهد على ضعف مردود الفكر العربي المعاصر، أن المحاولات التي جرت لرصد هذا الحراك وفهمه، لم تأت بجديد واضح، وإنْ بُذل فيها جهد يستحق التقدير من جانب
مجموعات مختارة من الباحثين. فهذا الجهد ركّ ز، في معظمه، على موضوعات جديدة، خاصة في ما يتصل بأدوار الشباب ووسائط المعلومات والاتصال، بيد أنه درسها من زوايا نظر ومفاهيم
لا تقدِّم جديدًا، مثل: التنوير والهوية والتراث. من هنا، يبدو أن التحولات الفكرية، التي غالبًا ما تتبع
لحظات الحراك الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة، لم تظهر بوادرها بعدُ في العالم العربي. ويشير
هذا التأخر بوضوح إلى ضرورة التفكير في المسار الذي اتخذه الفكر العربي في الفترة الماضية، آملين بأن يساهم ذلك في الكشف عن مسارات تتيح للمفكرين العرب اقترابًا أكثر من فهم دوافع ومحفزات
الحراك الحالي، وتؤمن فهمًا أعمق له ومشاركة أكثر تأثيرًا فيه. طبعًا، لا تنطلق هذه الدراسة في نقدها الطرائق التي أخذ بها المفكرون العرب عن الفكر الغربي من
أفكار، مثل ضرورة العودة إلى التراث أو الحفاظ على الهوية والذاتية، وغير ذلك من أفكار تصدر من خارج اللحظة العالمية الراهنة، وإنما تنطلق ممّا تقوم عليه هذه العالمية من ضرورة البدء من موقع
الاختلاف، الذي قمعته جهود الإع ءاا من شأن التاريخ الأوروبي وفرض مركزية التاريخ الأوروبي على تاريخ العالم. من هذه الزاوية، تتوجه الدراسة إلى إيضاح أن الروابط الضمنية، التي تقيمها
التفسيرات الأوروبية للحظات التاريخ الأوروبي الحديث مع المركزية العرقية، هي التي تُكسِب
المعارف الأوروبية سلطة خفية تمارس ضغطًا على جميع المفكرين، وتدفعهم إلى الخضوع لكامل نظام المعرفية الغربية. ففي العادة، يبدأ المفكر العربي بما يحتاج إليه من أدوات تحليلية ونماذج
(((أمحمد مالكي [وآخرون]، الإنفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية، إعداد كمال عبد اللطيف ووليد عبد الحي (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012
يحاول ضبطها لتعينه على التفكير في موضوعه، وتطوير النماذج التي تناسبه، لكنه سرعان ما يجد نفسه متجهًا إلى تبنّي منهجيات تضمر فلسفة قد تبعد عن، أو تتناقض مع، منطلقاته الفلسفية الأساسية. تبدأ هذه الدراسة بتتبّع كيفية حدوث هذا الانزلاق في بعض مشاريع المفكرين العرب، ثم تحاول
تفسيره بالكشف داخل تلك المشاريع عن تبنّيها التفسيرات التي صاغها المفكرون الأوروبيون
لتاريخهم الحديث، باعتباره تاريخًا مفارقًا لتاريخ البشرية، تاريخًا نموذجيًا، ينبغي لجميع شعوب
العالم تقليده من أجل تحقيق التقدم الذي حققته أوروبا. من هنا، يكتسي التاريخ الأوروبي سلطة قد
تغوص إلى إعماق لا شعور المفكر العربي، فينتج من ذلك تسليمٌ بتفوّق المعرفة الغربية وخضوع
لنظامها الكامل، فيعود المفكر من رحلته، التي قصد فيها الاستعانة بأدوات بعينها تعينه على دراسة
موضوعه، محمَّلً بعتاد كامل استُعير دونما حاجة موضوعية.
في مرجعية أدوات التفكير: سلطة نموذج الحداثة الأوروبية
تستند الغالبية العظمى من المفكرين العرب إلى فكرة ترى أن الاسترشاد بالمسار التاريخي للتقدم الذي تم في أوروبا يُعتبر خير سبيل لفهم الحاضر العربي، وحتى لتحويله. وليس ذلك بسبب مواقف
عملية، مثل تقصير وقت البحث أو الاقتصاد في الجهد، بل بسبب ظن بأن تلك التجربة توفر أفضل أدوات المعرفة وأكثرها قدرة على فهم أوضاع المجتمعات وتحويلها في أي زمان ومكان، بمعنى أنها
تشكّل مَعين معرفة علمية أقرب إلى الاكتمال وتحيط مسبقًا بطرق فهم الواقع وتحويله. صحيح أن الذين يقرون بالأخذ بهذه الطريقة عن النموذج الأوروبي يقرنون ذلك بضرورة إعمال النقد في المأخوذ، لكن سرعان ما تنتهي المهمة، التي تقصد غالبًا أدوات الفهم، إلى استعارة الفكر كله الذي
يرتبط بتلك الأدوات، لتنتج معرفة فقيرة و«تابعة» بالحاضر المراد فهمه والأوضاع المراد تحويلها. تلقى لحظة الحداثة، عند غالبية المفكرين العرب المعاصرين، مكانة مختلفة عن مجمل التاريخ الحديث، تلزمهم بالرجوع إليها لفهم الحاضر العربي والإسلامي؛ ففي ندوة نُشرت أوراقها في كتاب
بعنوان الإسلام والحداثة، عبّر عدد من المفكرين العرب عن ذلك بطريقة متشابهة. وعُرِّفت الحداثة
عندهم بطريقة متقاربة، حيث اعتبرت «تحولً في الفكر وطريقة المعرفة»، رغم أنها وضِعت في
لحظات مختلفة من تاريخ أوروبا. وربما يكون اختلاف اللحظات التي وضِعت فيها ناتجًا من اختلاف
الأوروبيين أنفسهم في شأنها. لكن لاختلاف الأوروبيين منطقًا يحكمه، هو النزاع بينهم للاستئثار بلحظة الحداثة كي يربطوها بالتاريخ القومي للأمم الأوروبية؛ فحين توضع في القرن السابع عشر وتُربط بالتحول الصناعي، يضعها ذلك ضمن تاريخ الإنكليز، وحين توضع في القرن الثامن عشر وتُربط بالتحول الاجتماعي، يضعها ذلك داخل تاريخ الفرنسيين، وحينما توضع في القرن التاسع عشر وتُربط بتحوّل الوعي الفني والأدبي، يضعها ذلك أيضًا في تاريخ الفرنسيين وتاريخ الألمان معًا. إذن، ليست جميع هذه اللحظات سواءً لدى الأوروبيين، لا من حيث المكان الذي ظهرت فيه، ولا من
حيث المضمون المنسوب إلى كلٍّ منها، ولا من حيث الفاعلين الرئيسيين فيها، وهي بالتالي ليست
(((انظر، تحديدًا، مساهمتَي محمد أركون وهشام شرابي في: أدونيس [وآخرون]، الإس ماا والحداثة: ندوة مواقف (لندن: دار
الساقي، 9901)، ص 321.383 –
لحظة متفَقًا على سماتها ودلالتها عندهم، ولا تقبل الوصف بطريقة موضوعية ومحايدة. مع ذلك، يُعِّرف المفكرون العرب لحظة الحداثة عن طريق تجميع سمات متباينة ولصقها في مواضع تاريخية
مختلفة، لتضفي عليها دلالة الرفعة والسمو، ويتم تجاوز ارتباط تفسيراتها بتواريخ القوميات والشعوب الأوروبية. وفي الوقت الذي تعبِّر فيه اختلافات طرق التأريخ للحداثة عند المفكرين الأوروبيين عن
ارتباطهم التام بتواريخهم المحلية، يقود الانشغال بالحداثة عند المفكرين العرب إلى نقيض ذلك؛ إذ يترتب عليه إهمال تواريخ شعوبهم وانصرافهم إلى تبنّي وجهة نظر المفكرين الأوروبيين بخصوص
التاريخ الحديث. وإذا كان موقع لحظة الحداثة ومضمونها يتحددان بالنسبة إلى المفكرين الأوروبيين
انطلاقًا من تواريخ شعوبهم، فإنه يجب ألّ يكون بغير ذلك بالنسبة إلى الشعوب الأخرى، فيتحدد بتماس التاريخ الأوروبي مع تواريخ الشعوب غير الأوروبية في لحظة بعينها. بالتالي، لا يبدو ممكنًا
لأي مفكر عربي، مثله مثل أي مفكر آخر ينتمي إلى البلاد غير الأوروبية، أن يفكر في الحداثة من خارج لحظة التماس بين تاريخ مجتمعه والتاريخ الأوروبي الحديث. من هنا، تُعتبر لحظة التقاء العرب بأوروبا الحديثة لحظة جوهرية تساهم في إعطاء الحداثة مضمونها في فضاء الفكر العربي الحديث والمعاصر معًا. وبالطبع، ترتبط هذه اللحظة بدخول الاستعمار الأوروبي إلى الأراضي العربية.
نخلص من هذا إلى أنه لا يمكن في أي حال من الأحوال فهم لحظة الحداثة بحياد وموضوعية، فهذا ما لا وجود له لدى مفكري أوروبا نفسها، وهو ما يمتنع أيضًا على كل مفكر ينتمي إلى الشعوب غير الأوروبية، وبوجه خاص تلك التي عانت تجربة الاستعمار الأوروبي. بغضّ النظر عن الطريقة الملتبسة في التعاطي مع التاريخ الأوروبي الحديث، ولحظات الحداثة التي تُنتقى منه، يُسفر عن تعامل المفكرين العرب مع فكر الحداثة، ومع الحاضر المراد فهمه أو
تغييره، مشكلتان: أولاهما إلغاء فعالية إنتاج المعرفة نتيجة إثبات فكرة خاطئة عن علاقة المعرفة بفهم الحاضر. وتتركز المعرفة الخاطئة بخصوص علاقة المعرفة بالواقع، في الاعتقاد بأنها تستوعبه وتحيط به على نحو مكتمل ومسبق، بحيث يمكن، اعتمادًا على تلك المعرفة، صوغ تصميمات
جاهزة لعمليات تحويله، تنتظر فقط مَن يطبّقها على الواقع. هذه الفكرة تطابق بين المعرفة الاجتماعية
ومعرفة مهندس العمارة الذي بمجرد تزويده بقطعة أرض ذات موقع معيّن، وتعريفه بوظيفة المبنى
المراد إنشاؤه، يستطيع بما له من دراية مسبقة بأنواع مواد البناء وخصائص التربة وتكاليف التنفيذ، أن يضع خارطة مكتملة وخطة عمل تطبقان حرفيًا، فيظهر المبنى إلى الوجود مطابقًا لما سبق تصوره.
والراجح أن المعرفة لا تسبق الواقع سبقًا متمّمًا، بل تُزامنه وتسايره من حيث معرفته أو تحويله، وتعيد،
في محاولتها استباقه والتنبؤ بحركته، بناء نفسها بحسب ما يتضح من أخطاء فيها. بهذه الطريقة تتشكل المعرفة وتولد مع حركة الواقع. أمّا المشكلة الثانية، فهي تذويب وحدة الحاضر وتفكيكيه بإحالته إلى مجموعة متغيرات مستقلة. هنا،
يعتقد المفكر أنه يستطيع، بفعل معرفته الارتباطات التي تقيمها هذه المتغيرات مع المتغيرات التابعة، أن يتوصل إلى معرفة جميع المجتمعات.؛ فمثلما يُراعى في صناعة نوع معيّن من اللباس متغيرات
السن والحجم والنوع ليوافق حاجات مستخدميه المختلفين، يصبح نوع المجتمع لدى المفكر العربي (طائفي، قبلي، بطريركي،...إلخ)، ونوع القدرات الاقتصادية المتوافرة له (مستوى نمو قوى الإنتاج، قدرته على جذب الاستثمارات العالمية، ميزاته التفضيلية للتجارة والصناعة العالمية... إلخ)
متغيرات مستقلة تحدد الكيفية التي تساعد على تطبيق النموذج العام، المطوّر عن معرفة المجتمعات
الغربية بذاتها، أو عن خبرة إدارتها شؤون شعوب المستعمرات. هنا يصبح المفكر أقرب إلى التقني، إذ يمكنه فهم حاضر جميع مجتمعات العالم بمجرد الإلمام بتلك المتغيرات، وتقديم وصفة تحويلها.
و«المفكر» في هذا النموذج هو، في أسوأ أحواله، حرفي مقلِّد، وهو، في أفضل أحواله، «خبير» ماهر، يقرُب ممّن يُسمَّون اليوم «الخبراء الدوليين»، الذين تستخدمهم الليبرالية الجديدة أداة لضمان
تبعية الشعوب لمركز النظام العالمي. وهو لا ينتمي بأي حال إلى فئة المفكرين الذين هم بالضرورة يشاركون مجتمعاتهم جهود الانعتاق من جميع أشكال الإخضاع الداخلي والخارجي، ويعبّرون عن
ذاتهم ضمن هذا الانشغال الذي يربطهم بمجتمعاتهم. هاتان المشكلتان الناتجتان من تعامل المفكرين العرب مع فكر الحداثة الأوروبية، حالتا دون تطوير
تقاليد فكرية خلّقة قادرة على مواجهة الحاضر، بدءًا من وصفه ومرورًا بفهمه وانتهاءً بتحويله. فلنحاول
هنا تقدير الأهمية التي تتخذها الحداثة، بوصفها حدثًا أوروبيًا خالصًا، في مشاريع المفكرين العرب. كتب باحث عربي «... إن الحداثة في تجلياتها الحالية، سواء كحدث تاريخي أو كمفهوم نظري، هي نتاج غربي في الزمان والمكان. إنه من الصعب مناقشة هذا المفهوم دون الرجوع إلى التربة الغربية. لقد
شهد الفكر الإنساني تحولً لم يشهده من قبل، وكان له أثر كبير على كل مناحي الحياة الإنسانية. لأول مرة التحمت الدعوة إلى احترام إنسانية الإنسان دون تمييز، وإلى ترسيخ العقلانية كحكم في تقييم الأفهام والأفعال، وتجسّد ذلك في نظام ديمقراطي يحترم الرأي الآخر ويحتكم إلى رأي الأغلبية، وإلى
جعل التجربة معيار المعرفة».... هنا، يُنقل معظم التوصيفات الغربية للحداثة، والتي تصوِّرها حدثًا
إيجابيًا خالصًا، كما هي لتُصَب في مكان واحد. لكن حساسية الباحث النقدية لا تخونه، فيستدرك
سريعًا: «مع ذلك، فإننا لن نعالج المفهوم باعتباره كونيًا بسبب ما طرأ على هذه التجربة عندما أصبحت
أداة أيديولوجية في يد الحركة الاستعمارية». رغم هذا الاستدراك، لا يولي الكاتب أي أهمية لارتباط الحداثة بالاستعمار، بحيث يساعده على إعادة النظر في التعريف الذي صاغه للحداثة، وذلك لأنه ينسبها إلى لحظتين، لحظة إيجابية خالصة من كل سوء، ولحظة سلبية لوّثها الاستعمار. الأولى هي
الأصل ويمكن الأخذ بها، والثانية عارضة يمكن تجاهلها، وهكذا تُبرأ الحداثة من الاستعمار. يلخص هذا الموقف طريقة معظم المفكرين والباحثين العرب في التعاطي مع الحداثة الأوروبية، حيث يُنظر إليها من زاوية التفسيرات الأوروبية التي تنسب إليها كل خير وتحذف منها كل شر. إن
تحويل الفكر بخصوص هذه النقطة تحديدًا، هو الذي يستطيع أن يقلب طريقة النظر إلى الحداثة، فإذا
ما نظر إليها الباحث أو المفكر العربي انطلاقًا من موقع مجتمعه وانشغالاته، فإن تفسيره لها لن يتطابق مع تفسير المفكر الأوروبي، وعندها لن تكتسب الحداثة جاذبية عمياء. إن سطوة نموذج الحداثة الأوروبية لا تقف عند من يصرِّح باتخاذه مرجعًا من المفكرين العرب، بل
تنتشر على مستوى اللاوعي لدى من يرفضه أيضًا؛ فخلف معظم محاولات الانعتاق في الفكر العربي
(((عبد الرحمان اليعقوبي، الحداثة الفكرية في التأليف الفلسفي العربي المعاصر (محمد أركون -محمد الجابري- هشام جعيط)،
مراجعات في الفكر العربي المعاصر؛ 5 (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 0142)، ص.23
(((المصدر نفسه، ص 2.4
لإحياء التراث وتجديده وإعادة قراءته، كان نموذج الحداثة «الإيجابي» هذا قائمًا. لقد انتهى محمد
عابد الجابري، مثلً، في مشروعه الذي استهله بنقد الآخذين بالنماذج الجاهزة، إلى جعل لحظة ابن رشد اللحظة التي يجب أن يستردها الفكر العربي لتطوير فكر عقلاني، وحفِّزته في ذلك فكرة أن الغرب تطوّر باستلهام العقلانية التي تنتمي إلى تراث ابن رشد. هنا قَبِل الجابري التفسير الذي صاغه
المؤرخون والمفكرون الغربيون للحداثة الأوروبية، باعتبارها مسيرة متصلة نحو عقلنة الحياة، وبذلك تحكمت تفسيراتهم في قراءته التراث العربي. وبينما أراد الجابري من مشروعه أن يحوّل واقع الفكر
العربي، نجده أعاد إنتاج الفكرة الأوروبية عن التحول الفكري حسبما صوروها عن تاريخهم: «مسيرة تدفعها العقلانية نحو مزيد من العقلنة». كان الجابري قد أسَّس شرعية مشروعه على نقد سابقيه، الذين وصفهم بأنهم قرأوا التراث قراءة
أيديولوجية تسعى إلى إنطاقه بما يقوله نموذج اكتمل سلفًا في التاريخ. واليوم انتهى عدد من منتقديه إلى خلاصة مشابهة لما خلص إليه بشأن الذين انتقدهم. كتب أحد الباحثين: «إن دارس فكر الجابري يلاحظ أنه لا يتردد في مختلف أبحاثه ودراساته الرشدية، في خلع عباءة الباحث الفلسفي ليرتدي عباءة المناضل السياسي، حتى يتأتى له رسم صورة لفيلسوف قرطبة على مقاس مشروعه الأيديولوجي: العربي الوحدوي التقدمي الاشتراكي. وهي الملاحظة التي تحظى بما يشبه الإجماع بين أغلب الباحثين في فكره».... رغم القول المتكرر عند الجابري وغيره، بضرورة اتخاذ موقف نقدي حيال الفكر الغربي، فإن الانعتاق من سلطة الفكر الغربي والقدرة على نقده يبدوان غير متحققين في معظم الجهود الفكرية
التي طُرحت على الساحة العربية؛ فحين يرى الجابري أن الرشدية تمثّل بالنسبة إلينا ما تمثّله الديكارتية عند الفرنسيين والروح التجريبية عند الإنكليز، فإنه يقيس الرائد العربي على النماذج الأوروبية. هنا، لا بد من الإشارة إلى أن الآراء التي تطرحها هذه الدراسة تستهدف في المشاريع التي تدرسها، الجوانب التي تتعلق بموضوع الدراسة فقط، وهي جوانب محدودة تكشف عن عمق المشكلة التي تتناولها، لكنها لا تختزل الجهد الكبير والثراء الذي تتصف به تلك المشاريع؛ فمشروع الجابري يوفر إمكانات قراءة متنوعة وغنية، وقد أبرز عدد من نقاده الأطر المناسبة التي يمكن أن يُقرأ ضمنها مشروعه
بوصفه مشروعًا عميقًا. وحتى لا يُعمّم الحديث بخصوص الموقف من التاريخ الأوروبي الحديث
على جميع المفكرين العرب، لا بد من الإشارة إلى ثلاث مساهمات استثنائية لا يمكن تناولها هنا، لما تستحقه من دراسة منفصلة، ويبقى من الضروري تسمية أصحابها، وهم: سمير أمين وإدوارد سعيد وعبد الكبير الخطيبي. فهؤلاء الثلاثة تمكنوا من تقديم رؤى ناقدة لأطر التفكير المتمركزة حول الغرب، وربما لهذا السبب اهتم الغرب ذاته بأفكارهم، مع أن المفكرين العرب لم يستثمروا هذه المساهمات لتطوير تقاليد نقدية خلّقة، كما فعل مفكرو «مدرسة التابع» الهنود مثلً.
1(((عبد النبي الحري، طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري: صراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية (بيروت: مركز نماء
للبحوث والدراسات، 0142)، ص.24
(((1 المصدر نفسه، ص 2.4
(((1 عبد السلام بنعبد العالي، التراث والهوية: دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب، المعرفة الفلسفية (الدار البيضاء: دار توبقال،
9871)، ص 2.3
بالنسبة إلى بقية المفكرين العرب، وهم الغالبية العظمى، نلاحظ أنهم يتوزعون بين مجموعتين طرفيتين يمكن وضعهما بعضهما في مقابل بعض، بحسب موقف أعضائهما من الأخذ عن الفكر
الغربي. الأولىيسلّم أفرادها بإمكان الأخذ عنه، مع تركيز متفاوت على ضرورة نقده، ويتخيرون مناهج وفلسفات بعينها، مثل الماركسية والليبرالية والعلمانية، وأيضا القومية. وفي مقابل هؤلاء، تقف المجموعة الثانية التي ينطلق أفرادها من الفكر الإس مااي، وهؤلاء أيضًا يتفاوتون في ما بينهم من حيث إنهم يأخذون عن الفكر الغربي ولا يقطعون صلتهم به كليًا، ومن هؤلاء حسن حنفي الذي
يأخذ عن الفلسفة الأوروبية بحرّية، وطه عبد الرحمن الذي يطغى عليه الأخذ من الفكر الصوفي
الإس مااي. وموقف هذين الاتجاهين الطرفيين واضح، وعالجه كثيرون، من بينهم من ينتمي إلى هاتين المجموعتين ذاتهما. ولعل عمل عبد الله العروي الأيديولوجيا العربية المعاصرة يعدّ من أبرز الأعمال التي تناولت المصادر الفكرية لدى المفكرين العرب باعتبارها أيديولوجيات؛ فهو خلص إلى «أن الدور التاريخي الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي تشيّد على ضوئها السياسات الثورية الرامية إلى إخراج البلاد غير الأوربية من أوضاع
سلطوية مترهلة إلى أوضاع صناعية حديثة. ليست هذه الفرضية فكرة مسبقة بل نتيجة استطلاع التاريخ الواقع. وهي المبرر الوحيد لحكمنا على السلفية والليبرالية والتقنوقراطية بالسطحية، وعلى الماركسية بأنها النظرية النقدية للغرب الحديث، النظرية المعقولة الواضحة النافعة لنا في الدور التاريخي الذي
نحياه». هنا ينازل العروي أعضاء المجموعتين المذكورتين، آخذًا بالماركسية دليلً لفهم الواقع العربي وتغييره، وعنده يشكل التاريخ الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية مسارًا
متصلً للتقدم ينتصب في مواجهة التواريخ الأخرى. أمّا إذا ما كان ذلك التاريخ نتاج تقاطعات
مجموعة من التواريخ التي لا تتيح له أن يصبح المعبِّر عن حركة التاريخ المتقدم، فهذا ما لا يسمح
به تصور العروي. وبالتالي، فإن نصه يحجب أي إمكان للنظر إلى حضور التواريخ غير الأوروبية في ذلك المسار الأوروبي (الخالص). وهذا الحجب هو بالضبط ما تفعله نصوص المفكرين الأوروبيين، بمن فيهم ماركس نفسه كما سنرى لاحقًا. بالتأكيد، لا يقف فكر العروي عند هذه النقطة التي تركِّز
عليها الدراسة وتستهدف فهم علاقة الفكر العربي المعاصر بأُطر التفكير الغربية، فمفهومه أكثر اتساعًا
ممّا لدى كثير من المفكرين الآخرين بخصوص التعاطي مع الفكر الغربي، وهو يشير إلى ارتباط
الأطر المرجعية بمواقع المفكرين داخل المجتمع، وصلة ذلك بالمصالح التي يخاطبونها، جاعلً من الأفكار تأويلات تتأثر بمواقع المفكرين. بما أن الدراسة الحالية ليس غرضها عرض تنوع مواقف المفكرين العرب، وإنما دراسة طرائق استخدامهم أدوات الفكر الغربي ومواقفهم النقدية من التفسيرات الغربية لتاريخ المعرفة الحديثة، فإنها تستبعد المواقف الطرفية التي تقوم على القبول والرفض المسبق للفكر الغربي، وتعنى بمساهمة من يتعاملون معه بدرجة من الطواعية، تتيح لهم الأخذ عنه وفي الوقت ذاته تحقيق قدر من نقده وإن كان محدودًا، ويشكل هؤلاء المجموعة الثالثة التي تهمنا هنا.
(1((العروي، ص.125
(1((بنعبد العالي، ص 23.
من أفراد المجموعة هذه مَن بدأ مشروعه بنقد تبنّي تقاليد البحث والتفكير الغربي بطريقة جامدة،
وأفضل من يمثلهم هشام شرابي الذي اقترح مدخلً نقديًا يتوجه إلى الفكر الغربي وإلى الفكر العربي
المعاصر في الوقت ذاته. إلّ أن المشروع الذي اتخذه، وهو مشروع نقد البنية البطركية (الأبوية)، انزلق
تدريجيًا في المسار الذي غلَّب التاريخ الأوروبي على اللحظة العربية الحية، بالقدر الذي يكشف أنه
تبنّى منطلقًا نقديًا تجاه لحظة الحداثة، لا لأنه ينطلق من تاريخه الخاص، وإنما لأنه يعتنق وجهة نظر
أوروبية متأخرة تنتقد الحداثة. فلنأخذ هذا الموقف «الناقد للحداثة وفاءً للحداثة» بقدر من التفصيل. يبدأ شرابي بنقد الطريقة التي يتعاطى بها بعض المثقفين العرب مع واقعهم، فيكتب: «كثيرًا ما ينسى
المثقفون العلمانيون تجربتهم الذاتية في كتاباتهم، فتظهر وكأنها أبحاث يقوم بها باحثون أجانب تتصف بالتجريد والاغتراب الأكاديمي. ينطوي هذا الموقف على نتائج في غاية الأهمية، إذ إن مقاربة الذات من موقع الآخر وبأسلوبه (موقع الباحث الأجنبي وأسلوبه) تؤدي بالضرورة إلى تبعيّة فكرية يصعب
التغلب عليها. في هذا الموقف مثلً، يصنف النظام الأبوي وكأنه مجرد نظام بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة في العالم الثالث، فيعالج ‹ بالموضوعية › ذاتها التي يعالج بها الكتّاب والباحثون الغربيون
الأجانب مظاهر هذه الأنظمة وأشكالها الخارجية. في هذا النوع من التحليل تصبح إشكالية الحداثة موضوعًا نظريًا بحتًا خاليًا من المعاناة الحياتية التي تشكل المنطلق الصحيح لأي تحليل صادق
للحداثة، ويصبح الباحث العربي فيه غريبًا، منفصلً عن الموضوع الذي يعالجه. في هذا الموقف
يصبح النص أكثر أهمية من موضوعه». يرى شرابي، وهو على حق هنا، أن محاكاة المفكرين
والمثقفين العرب نموذج الباحث الذي يطبّق طرائق البحث الغربي الحديث تطبيقًا ميكانيكيًا وغير
نقدي، تجعله بعيدًا كل البعد عن ذاته ومجتمعه وحاضره، وهو ما لا يفعله الغربيون حين يتصدون
لدراسة مجتمعاتهم، إذ هم يدرسونها بقدر كبير من الانشباك مع الواقع، وفي سياق ذلك الانشباك يجادلون النظريات والتفسيرات المعطاة لتاريخهم والظواهر الاجتماعية، فيحولونها ويتجاوزونها، وبذلك يخلقون فكرًا حيًّا في مواجهة الحاضر. يعتبر شرابي أن مواجهة الواقع تتم عبر الفكر: «يتميز دور المثقف في المجتمع البطركي (الأبوي) المعاصر عن دور المثقف في المجتمعات الحديثة باستهدافه التغيير الاجتماعي من خلال المداخلة الفكرية المباشرة بما يجري حوله». ويربط ذلك ببروز نمط جديد من التحولات في ثمانينيات القرن العشرين، حين وقعت في الاتحاد السوفياتي السابق وبولونيا والصين تحولات غير عنيفة، أنتجها حراك
بلا ثورات؛ فحين ذاك «دخلنا منعطفًا جديدًا أظهر أن الفكر الذي رافق المراحل السابقة بحاجة إلى
إعادة نظر وإلى صياغة جديدة بضوء الظروف والأوضاع المستجدة. لهذا، فإن الخطر الأكبر على حركة النقد الجذرية يأتي من داخلها، أي من خطر التمسك بالأيديولوجيات الماضية وبالاتجاهات الفكرية والممارسات التقليدية التي لم تعد تصلح لمجابهة أوضاع نهاية القرن العشرين وتحدياته». هنا،
لا تؤدي التحولات، التي خالفت نموذج الحداثة الأوروبية القائم على الثورات، بشرابي إلى أن يستنتج تعددية أنماط التحول السياسي والاجتماعي، بل يجعل من هذا الإبداع المخالف للنموذج نموذجًا جيدًا
يقمع به إمكان أن ينتج الحراك عن غير مثال سابق. وهو بهذا يقمع، ضمن مشروعه الفكري الذي يتخذه
(((1 هشام شرابي، «معنى الحداثة،» في: أدونيس [وآخرون]، ص.376
(((1 المصدر نفسه، ص.372
مخرجًا وحيدًا من سلطة البنية البطركية، فكرة إمكان حدوث التحول من داخل تلك البنية، دونما حاجة
إلى تفكيكها. ما الذي يمنع أن تنتج المجتمعات الأبوية نموذج تحولها الخاص؟ ألم يحوّل الآسيويون
مجتمعاتهم ويحققوا حداثتهم من دون أن يحتل تفكيك السلطة الأبوية مكانة مركزية عندهم؟ يرى شرابي أن مشروعية تفكيك هذه البنية تصدر من أن «مجتمعات ما قبل الحداثة يخضع فيها الفرد إلى نظام واحد بأشكال مختلفة تقوم كلها على السلطة الواحدة والإرادة الواحدة التي نجد نموذجها البنيوي وأصلها التاريخي في سلطة الأب». هكذا يُضفي التمييز المسبق بين مجتمعات الحداثة
ومجتمعات ما قبل الحداثة الشرعيةَ على مشروع نقد السلطة الأبوية. ويتبع ذلك أن السلطة الأبوية يجب تفكيكها دونما اعتبار للدرس المأخوذ من التاريخ المعاصر بخصوص لا أحادية نماذج التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي أثبتته تجارب شعوب آسيا أو أميركا اللاتينية أو الاتحاد السوفياتي السابق، حسبما نبّهَنا شرابي نفسه. ويتأكد تفضيله أحادية النموذج المأخوذ من التجربة
الأوروبية، حين يبيّن كيف حاول أن يكتب بطريقة مختلفة، ساعيًا إلى نقد النظام الأبوي، فيقول:
«بهذا، فإن تحليلي لبنية المجتمع العربي في تطوره التاريخي وواقعه المعاصر، هو انعكاس للواقع الحياتي الذي عشته وأبناء الجيل المثقف الذي أنتمي إليه (وبهذا أيضًا، فإن قراءة فوكو أو دريدا مثلً، هي قراءة سيَرهم الذاتية وتجربتهم التي مر بها الجيل الذي ينتميان إليه»). بعكس ما بدأ شرابي، حين انتقد تقليد المفكرين والمثقفين العرب للباحث الأجنبي، آخذًا عليهم عدم تحليلهم الظواهر الاجتماعية من جهة معايشتهم لها، وحين ألح على تعددية طرائق فهم وتحويل الواقع، فإنه انتهى إلى التقليد حين تبنّى التقسيم الذي تقيمه المعرفة الغربية بين المجتمعات الحديثة وقبل الحديثة على أساس هيمنة السلطة الأبوية، وحين تبنّى أيضًا، بطريقة غير نقدية، مفهومًا للكتابة
يتطابق مع مرحلة بعينها من مراحل الحداثة، هي مرحلة ما بعد البنيوية. من هنا، يظهر لنا أن شرابي ينتقد موقف المفكر العربي الذي يقلد الباحث الغربي عندما يتصدى لدراسة حاضر المجتمعات العربية، لا بسبب موقفه الجذري من التبعية الفكرية التي تملي ذلك التقليد، وإنما لأنه يجعل من
لحظة بعينها من لحظات الحداثة مثالً ونموذجًا يحتذيه، هي لحظة التفكير بعد البنيوي التي توجّهت
بالنقد إلى الحداثة الكلاسيكية وتراثها العلمي والفلسفي. لماذا يحقق نص شرابي، حين يُرتّب على هذا النحو، انزلاقًا متواصلً نحو قبول سلطة النموذج
الأوروبي، والأطر النظرية والمنهجية للفكر الغربي دونما نقد عميق؟ لنفهم ذلك، يجب أن ننظر في تعريفه للحداثة. فشرابي يضعنا أمام الأوصاف المأخوذة عن نصوص المفكرين الغربيين: «إذا نظرنا إلى مفهوم الحداثة من زاوية التحول الاجتماعي، لوجدناه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بخصائص اجتماعية واقتصادية تنبثق من القدرة الصناعية في مطلع القرن التاسع عشر ومن الثورة التكنولوجية في النصف الأول من القرن العشرين. وإذا نظرنا إلى هذا المفهوم من زاوية الفكر والمعرفة والإبداع الفني، لوجدنا
(1((المصدر نفسه، ص.373
(1((المصدر نفسه، ص.373
أنه يتصل اتصالً وثيقًا بالتحولات الجذرية في العلوم الإنسانية والطبيعية، وينعكس في الأدب الواقعي وفي الفن الانطباعي والتجريدي». يشير شرابي هنا إلى الحداثة «الجمالية» التي أرساها بودلير، كما تطورت عن طروحات المفكرين والفلاسفة الفرنسيين والألمان، ولا يهتم بالتحولات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية
التي تكوَّن في ظلها ذلك المفهوم، والتي أوجدت فرقًا بين الحديث وغير الحديث سكن العلوم
الاجتماعية التي برزت في تلك الفترة، إلى يومنا هذا. بمعنى آخر، يقبل شرابي التفسيرات الأوروبية التي تردُّ نشأة الحداثة إلى تحولات أحدثها الأوروبيون، وترتبط بالعلم والصناعة والفكر وطرق إنتاج
المعرفة والنظر إلى العالم... إلخ، منصرفًا عن الأساس التاريخي الذي تكونت ضمنه تلك الحداثة وتفسيراتها وكأنها غير مشترطة تاريخيًا، في حين كان في إمكان النظر في تاريخ الحداثة من جهة
التاريخ العربي أن يزوده بتفسير يختلف عن تفسير المؤرخين والمفكرين الغربيين. أليس ذلك هو مضمون الرأي الذي أورده شرابي نفسه حين اعتبر أن الباحث العربي يجب أن يقارب ظواهر مجتمعه من موقف الانشباك بها، وليس من موقف الانفصال الذي يتبناه الباحث الاجنبي؟ ألا يعني ذلك أن المعرفة الاجتماعية التي ينتجها باحث منتم إلى المجتمع المدروس تختلف عن تلك التي ينتجها آخر
لا ينتمي إليه؟ إعمالً لفكرة ارتباط المفكرين بمجتمعاتهم وتواريخهم، ما الذي سينكشف إذا انتقلنا إلى النظر في الكيفية التي أنتَج بها الفلاسفة والمفكرون الأوروبيون تفسيرات حداثتهم؟
في اصطناع التاريخ الأوروبي الحديث: هيغل وتفسير الحداثة
كتب شرابي: «ينعكس خطاب أو مقال الحداثة في ثلاثة حقول حددها هيجل في مطلع القرن التاسع عشر ثم أعاد تحديدها نقديًا يورجن هابرماس في نهاية القرن العشرين، وهي الحقل العلمي والأخلاقي
والفني، ولكلٍّ منها حقيقة خاصة به». ينقل شرابي عن هيغل توصيفه الحداثة في ما يبدو وكأنه توصيف محايد، لكن لا توصيف هيغل ولا تفسيره للحداثة، ولا تفسيرات جميع الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين المنتمين إلى التقليد الهيغلي، وهو التقليد الأعظم تأثيرًا في الفكر الغربي المعاصر، لا شيء
من ذلك يبقى محايدًا حين يتعلّق الأمر بالتاريخ الأوروبي؛ فقد بيّن هابرماس نفسه مدى عمق ارتباط
مفهوم هيغل للحداثة بالظروف السياسية والأوضاع الاجتماعية التي شهدها عصره وعاشها مجتمعه. ويكشف النظر في نصوص هيغل أن تفسيره الحداثة يتضمن عناية مسبقة بوضع التاريخ الأوروبي في
مقدمة التاريخ العالمي، مقلِّلً من شأن كل تاريخ يعطي الشعوب غير الأوروبية حضورًا، وبوجه خاص
الشعوب التي تحدَّدَ تاريخ أوروبا الحديث في مقابلها، وهي شعوب الشرق وشعوب أميركا. إن كلَّ ما يصبو إليه فكر هيغل بشأن فلسفة التاريخ، وتحديدًا بشأن لحظة الحداثة، هو إثبات فكرة التفوق الأوروبي المألوفة لدى أسلافه مفكري التنوير؛ فهو يرى أن وعي الإنسان الأوروبي بلحظة
الحداثة يمثّل قمة وعي الإنسان بالتاريخ، ففيها يعرف الإنسان نفسه بوصفه «عاقلً وحرًا في الوقت
(1((المصدر نفسه، ص.378
2(((هنري لوفيفر، ما الحداثة، ترجمة كاظم جهاد (بيروت: دار بن رشد، 9831)، ص.17
(((2 شرابي، ص.376
(((2 يورجن هبرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: وزارة الثقافة، 9951)، ص 39 وما بعدها.
ذاته». يرسم هذا الوعي عند هيغل فرقًا مطلقًا في تاريخ البشر، لأن «المفارقة الكبرى هي أن الإنسان يعلم ما هو عليه، وعندئذ يكون موجودًا حقًا، وبدون ذلك لا يكون العقل، الحرية، شيئًا»، ومن هنا «يترتب على هذا التفريق كل مفارقة التاريخ العالمي». ليوضح هيغل ما يقصده، يضع الشرقيين في مقابل الأوروبيين قائلً: «إن الشرقيين مثلً هم أناس وأحرار بذاتهم كبشر، لكنهم ليسوا كذلك، لأنهم لم يعوا الحرية، ويتقبلون كل استبداد ديني أو سياسي. وإن كلَّ المفارقة بين شعوب الشرق وتلك حيث ينعدم الرق، هي أن هؤلاء يعلمون أنهم أحرار، وأنهم يملكون الحرية. كما أن الشعوب الأخرى هي بذاتها حرة، لكنها غير موجودة بعدُ كشعوب حرة، هو ذا أصل التعديل الواسع في حالة العالم،
نعني إذا لم يكن الإنسان حرًا إلّ بذاته أم كان يدرك بأن ماهيته، تعيينه، طبيعته أن يكون فردًا حرًا».
والأوروبي بخلاف هؤلاء عند هيغل: «الأوروبي يعرف نفسه، فهو موضوع لنفسه، والتعيين الذي يعرفه هو الحرية». يضع هيغل الشرق (المستعبَد الذي لا يعي حريته) نقيضًا للأثينيين (الذين يعون
حريتهم ويستعبدون غيرهم)، ليجعل من تاريخ أوروبا الحديث في ارتباطه بالمسيحية لحظة التركيب الذي يتجاوز الاثنين ويبلغ قمة التاريخ، ممثلً في لحظة الحداثة. إذن، ليست تفسيرات الأوروبيين لتاريخ الحداثة، بوصفها تاريخًا للتفوق الأوروبي، شيئًا عارضًا، بل هي عمود المفاهيم والتعريفات التي يقوم عليها التأريخ الأوروبي للحداثة. ويصبح وضع التراتب بين تواريخ الشعوب لجعل التاريخ الأوروبي في المقدمة خطوة ضرورية عند هيغل، فيُدخل على فكرة
تساوي البشر في الحرية التي أقرها أولً، ما يسميه «التعديل»، جاعلً معرفة البشر حريتهم تُحْدث فرقًا
بينهم، لتتيح وضع الأوروبي أمام الشرقيين، بزعم أنه «يعي حريته»، وبذلك يستولي الأوروبي على حركة التاريخ، ويحوز حق تسيير جميع البشر وفق تاريخه. وقد استعيدت هذه الفكرة، وهذا المثال على وجه الخصوص، عند معظم وارثي التقليد الهيغلي باختلاف ميولهم الفلسفية، حتى عند من أراد لفكره أن يكون الأكثر بعدًا عن التمييز بين الشعوب، مثل كارل ماركس. في نص خصصه ماركس لنقد الممارسات غير الإنسانية التي سلكتها بريطانيا في الهند إبان احتلالها لها، تتراءى تصنيفات هيغل المتحيزة ضد الشعوب، إذ تربط حكام الشرق بالاستبداد وشعوبه بالعبودية. فبعد أن أورد ماركس عن البريطانيين الكثير من الفظائع، استدرك منبِّهًا من يمكن أن يتعاطف مع الهنود
من قرائه: «علينا أن لا ننسى أن هذه المشاعة القروية الهانئة كانت على الدوام، مهما بدت بريئة لا ضرر منها، أساسًا مكينًا للاستبداد الشرقي، وأنها كانت تحصر العقل البشري في أضيق الإطارات، جاعلة منه أداة طيعة للأوهام، مقيدة إياه بسلاسل عبودية القواعد التقليدية، حارمة إياه كل عظمة، وكل مبادرة تاريخية».
2(((جورج ويلهام فريدريك هيجل، م حاضرات في تاريخ الفلسفة: مقدمة حول منظومة الفلسفة وتاريخها (بيروت: المؤسسة
الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 9861)، ص.93
(2((المصدر نفسه، ص.95
(25) Hans-Georg Gadamer, Reason in the Age of Science , translated by Frederick G. Lawrence (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1981), p. 36.
(((2 كارل ماركس وفريدريك انجلس، في الاستعمار: مجموعة من المقالات والرسائل (موسكو: دار التقدم، [د. ت.])، ص.22
هنا يستعيد ماركس، بلغة بعيدة عن التحليل التاريخي، التلخيص نفسه الذي قدّمه هيغل للشرقي، حابسًا
إياه في «العبودية للتقاليد واستبداد الحكام»، ويزيد على ذلك «تقييد العقل البشري»، و«حرمانه من كل مبادرة تاريخية». هكذا، يدلي ماركس بدلوه في سجل الصور النمطية التي حبس فيها معظم مفكري أوروبا شعوب الشرق: الهندي المستعبد، الصيني المنعزل، العربي القاسي، المسلم المتعصب... إلخ. أكثر من ذلك، يرى ماركس في الاستعمار، ورغم موقفه الناقد لمسلك البرجوازية الاستعماري، شكلً من أشكال تحقق الضرورة التاريخية التي ستنقل التقدم إلى بلاد الشرقيين العاجزين عن تحريك التاريخ. وبسبب هذه الرؤية، ينقلب العنف والتدمير الذي يُلحقه البريطانيون بشعوب آسيا عملً بنّاءً
عند ماركس، حين يكتب: «إن صفحات تاريخ سيطرة البريطانيين في الهند تكاد لا تنطق بشيء غير التدمير، وعملهم البنّاء يكاد لا يظهر وراء أكوام الأنقاض. ومع ذلك، بدأ هذا العمل ». عند هيغل نفسه توجد فكرة ماركس التي تعتبر أن على الشعوب غير الغربية أن تصبر على الاستعمار الأوروبي، وتتحمل شروره، لتكتسب شيئًا من التقدم والاستقلال. فهو يقول عن سكان أميركا الأصليين، بعد أن ينسب إليهم جملة سمات سلبية، «وسوف ينقضي وقت طويل قبل أن ينجح الأوربيون في أن يبثوا فيهم روح الاستقلال». هنا، يرى هيغل أن الشعوب الأخرى ستتقدم بمقدار اقتراب «الروح» الأوروبية منها. هكذا، تبيّن نصوص كبار المفكرين الأوروبيين انطلاقهم في النظر إلى التاريخ الحديث من تاريخهم
ولحظتهم الحاضرة. ويبقى صحيحًا أنهم يمارسون النقد على فكرهم ويعملون على تصحيحه، لكن
ذلك بدوره يتم من موقع الانشغال بتاريخهم ومجتمعاتهم وتراثهم، لا من موقع تراث أمم أخرى ومجتمعاتها وتواريخها؛ فلا تفسير لخضوع هذين المفكرَين الأوروبيَّين الكبيرَين لصور الشرقيين
النمطية المتداولة لدى عامة الأوروبيين في القرن التاسع عشر، سوى انتمائهم إلى التراث الفكري الذي يكرر ذلك، ويستخدمه للحطّ من الشعوب وتبرير الاستعلاء الأوروبي عن طريق إضفاء الطابع العقلاني على عناصر ذلك التراث، لينغرس في عقول غير الغربيين متلبسًا ثوب الفلسفة والعلم، وهذا
ما يؤمّنه ويعيد إنتاجه الأخذ بغير نقد عن الفكر الغربي. عند هذا الحد، يتضح لنا شيئان بخصوص التفسيرات الأوروبية للحداثة: أولهما أنها ليست تقارير علمية بخصوص لحظة قائمة موضوعيًا في التاريخ الأوروبي، بقدر ما أنها مساهمة في اصطناع تلك
اللحظة وخلقها وإضفاء مسحة الحقيقة التاريخية عليها؛ فالحقائق تنتج في اللحظة التي تفسّر فيها.
والواقع أن المنظور التأويلي الذي يتبنّاه فيلسوف مثل غدامير يكشف لنا أن الخطاب التاريخي ليس معنيًا فقط بفهم الوقائع التاريخية، بل معني أيضًا بمخاطبة الآخرين. هذا يعني أن تفسيرات الظواهر
الاجتماعية تصب أيضًا في خانة صوغ العلاقات بين البشر، وعلى هذا النحو، ليست تفسيرات الحداثة خارج إشكاليات علاقة الغرب بالشرق وسائر الشعوب غير الأوروبية.
(2((المرجع نفسه، ص.50
2(((جورج ويلهام فريدريك هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة وتقديم وتعليق أمام عبدالفتاح أمام، 2 ج (القاهرة: دار
الثقافة للطباعة والنشر، 980 1)، ج:1 العقل في التاريخ، ص 205.206 –
الشيء الثاني الذي يكشفه النظر في تفسيرات الفلاسفة الأوروبيين للحداثة، هو أن كتابة الأوروبيين تاريخها لا تنفصل عن الارتباطات التي يقيمها المفكر الأوروبي مع تراثه بجميع مكوناته، ومن بينها المكون المسيحي. ومعلوم المكانة التي تعطيها الفلسفة التأويلية للتراث في ممارسة التفسير، فغدامير يبيّن ارتباط التأويل بالتراث المسيحي، ومعظم فلسفات التفسير الغربية المعاصرة حتى ما
بعد الحديثة منها تعود إلى خبرة تفسير النصوص الدينية عند مسيحيي أوروبا؛ ففردريك جيمسون يردُّ أصول منهجه التفسيري إلى التفسير المجازي، متّبعًا جوناثان كلر الذي استرجعه من
تراث القرون الوسطى المسيحي، وكذلك يردُّ تودروف منهجه في التأويل الأخلاقي إلى
علماء اللاهوت. يبيِّن هذا أهمية أن يعيد المفكر العربي ارتباطه بحاضر مجتمعه وتاريخه حين يستعين بتفسيرات
الفكر الغربي والعالمي للحظات التاريخية؛ فعليه أن يفكر فيها بحسب مشاغل مجتمعه ومتطلبات حاضره. ويمكن في الوقت ذاته الإفادة من الفكر الأوروبي بوصفه فكرًا متقدمًا ساهم فيه الأوروبيون
مثلما ساهمت فيه أمم كثيرة أخرى، من دون افتراض تميّز أو تفوّق، لا لذلك التاريخ ولا للشعوب
الأوروبية. في المقابل، يبقى من الضروري لكل مفكر أن يأخذ عن ذلك الفكر بوعي تام، ويتعاطى معه منطلقًا من تاريخه الخاص وانشغالاته الخاصة، فهذا المسلك وحده هو الكفيل بنزع الطابع الأسطوري لذلك الفكر.
إن رفع شأن الحداثة في التفسيرات الغربية هو الذي يُنتج ذلك القبول غير المشروط للفكر الغربي،
فيحدث الانزلاق من استخدام الأدوات التي يحتاج إليها المفكر العربي إلى تبنّي النتاج النظري بكامله. لقد أصبح مفهومًا مؤخرًا أن هويات المفسرين تساهم في تحديد زوايا نظرهم إلى الظاهرة
الاجتماعية؛ فإدوارد سعيد تمكن من تغيير النظرة إلى المعرفة الاستشراقية لأنه درسها نقديًا من زاوية
تأثرت بهويته الهجين التي تجمع المكون الشرقي بالمكون الغربي، وهو ذاته ما ساعد مفكري مدرسة التابع الهنود على إعادة النظر في تاريخ الحداثة الغربية من زاوية نظر تاريخ الهند. والمثال الأوضح على ضرورة التعاطي مع تراث الحداثة بمنظور نقدي، هو موقف عدد كبير من مفكري أميركا اللاتينيية المعاصرين؛ فهُم يطورون أفكارًا، مثل العصيان المعرفي epistemological disobedience) (وفكر
فض الكولونيالية de-colonial thinking) (وتفكير التخوم border thinking) (، عبر تلاقح فكري مع ما ينتجه المفكرون المعاصرون المنتمون إلى عالم الجنوب، مثل الكيني واثينغو نغوغي الذي ينادي بما يسمّيه «فض كولونيالية العقل» de-colonizing the mind) (. ويغدو هذا كله ممكنًا لأن
هؤلاء لا يتبنّون التفسيرات الغربية للحداثة، ويطورون تفسيرات لنشأتها تنطلق من تواريخ شعوبهم
(29) Fredric Jameson, The Ideologies of Theory: Essays 1971-1986 , Foreword by Neil Larson, Theory and History of Literature; 48-49 (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988), vol. 1: Situations of Theory , p. 41. (30) Tzvetan Todorov, The Conquest of America: The Question of the Other , Translated from the French by Richard Howard (Norman: University of Oklahoma Press, 1999), p. 3.
ومن تواريخهم الوطنية التي تقاطعت معها. والشيء المهم لدى كثير من هؤلاء المفكرين هو أن الشعوب غير الأوروبية لا يمكنها أن تتعاطى مع تاريخ الحداثة إلّ بإعطاء لحظة الاستعمار مكانة مركزية في سرديتها التي تنتجها لتاريخ الحداثة. لكن التشديد على لحظة الاستعمار وحدها لا يكفي لتفكير الجميع في تاريخ الحداثة الأوروبية بطريقة نقدية؛ فلكلِّ تاريخ منطلقاته الخاصة واستراتيجياته التأويلية، وما يناسب تاريخ شعوب وجغرافيا معينة قد لا يناسب أخرى. وفي ما يخص المنطلق المناسب لتفسير نشأة الحداثة من زاوية التاريخ العربي، يبدو أن التركيز على ارتباط التاريخ بالجغرافيا أمر ضروري، وأن معاينة نشأتها بالرجوع إلى لحظتها الباكرة هي ما يعطي ذلك التفسير أساسًا نظريًا وتاريخيًا مشروعًا. فمثلما ترتبط الحداثة بتاريخ كل شعب من الشعوب
الأوروبية في رقعة جغرافية معينة ولحظة تاريخية معينة، ترتبط كذلك بتاريخ الشعوب العربية برقعة معينة هي شبه الجزيرة الآيبيرية، ولحظة تاريخية معينة، هي القرن السادس عشر؛ فتلك المنطقة كانت في ذلك التاريخ تنتمي إلى التراث الأندلسي بقدر انتمائها إلى التراث الأوروبي تقريبًا، ولم تكن
القطيعة بين التراثين قد برزت بعد. يؤرَّخ لظهور أوروبا الحديثة ببداية القرن السادس عشر، وهي اللحظة التي يتعمّد مفكرو بلاد شمال
غرب أوروبا تجاهلها لأنها مقرونة بلحظة فتح أميركا، وبالتالي فهي ترتبط بتاريخ إسبانيا، التي كان ميراثها الأندلسي حيًّا حتى ذلك الوقت، ولم يكن قد مُحي، كما تزعم الكتابات الأوروبية. فقد
أوضحت دراسات معاصرة أن نمط الحياة والثقافة في إسبانيا استمر هجينًا طوال القرن السادس عشر. من جهة أخرى، ارتبط توسع إسبانيا في أميركا بالعلاقات المتوترة مع ساحل المتوسط
الجنوبي؛ فبظهور النفوذ العثماني في البحر الأبيض المتوسط، أُجبِرت إسبانيا والبرتغال على التوسع خارج نطاق المتوسط لانقطاع اتصالهما بسواحله الشرقية ومصر. بل إن مجمل الخبرة التي اعتمدها الإسبان في أميركا إبان حروبهم ضد الأزتك والإنكا لتوطيد سيطرتهم في المكسيك وبيرو استُمدت من خبرة حروب «الركونكستا» التي أدارها الإسبان ضد مسلمي الأندلس، واعتُبرت حروب أميركا امتدادًا لها. هذه هي ظروف الفتح الإسباني لأميركا، وهو الفتح الذي نتج منه تدفّق الذهب والفضة إلى أوروبا، وأدّى إلى توسع أسواقها، وغذى توسعها الاستعماري في العالم، وأنتج التراكم الهائل
للمال في المدن الأوروبية الكبرى، وصعدت في إثره مكانة كلٍّ من هولندا وبريطانيا وفرنسا. مع انتظام التجارة داخل أوروبا وانفصالها عن الشرق، وضع الأوروبيون تصورًا لأوروبا باعتبارها
«غربًا» يعود تراثه إلى الإغريق. فقبل ذلك الوقت، كان الأوروبيون يعتبرون ب داا اليونان جزءًا من
الشرق. وتشكل هذه الخطوة المرحلة الأولى في اختلاق صورة أوروبا وهويتها الحديثتين. ومع تراكم الثروة التي وردت من المستعمرات، ظهر ما سُمّي «الثورة الصناعية»، وهنا أنتج الفكر الأوروبي سردية
(31) Barbara Fuchs, «The Spanish Race,» in: Margaret R. Greer, Walter D. Mignolo and Maureen Quilligan, eds., Rereading the Black Legend: The Discourses of Religious and Racial Difference in the Renaissance Empires (Chicago: University of Chicago Press, 2007), p. 88. (32) Matthew Restall, Seven Myths of the Spanish Conquest (New York: Oxford University Press, 2003), p. 25.
الحداثة الثانية، حداثة القرن السابع عشر (أو الثامن عشر) التي ستمحو حداثة القرن السادس عشر
الإسبانية، وتُحِل محلها حكاية تحولات مزعومة جرت داخل أوروبا وحدها، وأنتجت خيرًا خالصًا.
تلك التحولات هي: التقدم العلمي والعقلي وتحوّل الروح الحديثة. هذه هي المرحلة الثانية من مراحل إنتاج صورة الحداثة الأوروبية، التي تزيح ما يجعل الحداثة نتاجًا
لتقاطع التاريخ الأوروبي بتواريخ الشعوب غير الأوروبية، مثل التوسع الاستعماري، وتبنّي ميراث المعرفة التي تطورت في الشرق. بخلاف ما تزعم هذه السردية، جاء التحول نحو العلم والمعرفة في أوروبا متأخرًا جدًّا، ولم ينتشر العلم في أوروبا طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكان
نثارًا مشتَّتًا في مناطق متباعدة، ولم يكن قد تكوّن سياق جامع له حتى النصف الثاني من القرن
الثامن عشر. إذن، لاستيعاب تاريخ الحداثة الأوروبية بطريقة نقدية، لا بد من الانتباه إلى ارتباط لحظتها التأسيسية بوحدة المجال الأوروبي – الأندلسي، كما يشدد على ذلك نقاد الحداثة اللاتينيون. ويعني ذلك،
في ما يخص نقد تفسيرات الأوروبيين لتلك اللحظة، ضرورة تأكيد النقاط التالية: – إن اقامة اتصال يربط بين تاريخ الإغريق والرومان وأوروبا الحديثة، كانت نتاج تأويل تاريخي
خدم عمليات تخيل وإنتاج هوية أوروبية واحدة (بيضاء مسيحية متحضرة) تجمع شعوب أوروبا وأممها المختلفة. – إن لحظة الحداثة الباكرة المتمثّلة في التوسع الإسباني والبرتغالي، ترتبط بتاريخ الأندلس ارتباطًا
عميقًا؛ فحتى القرن السابع عشر، لم يكن هناك فرق حاسم بين بلاد أوروبا وبلاد المسلمين في جنوب المتوسط وشرقه. – إن النظام والرفاه اللذين انتظما بلاد أوروبا وطبعا حداثتها بمظاهر الرقي، لم ينتجا من العلم والتقدم
الصناعي وحدهما، بل ارتبطا إلى حد بعيد بخبرة الضبط التي تراكمت عن إخضاع المستعمرات للنظام، ونجم الرفاه والغنى عن العنف والقمع: إبادة شعوب أميركا، واسترقاق أفارقة غرب أفريقيا، ونهب ثروات المستعمرات وصبّها في أوروبا. – في الوقت الحاضر، يعتمد تقدّ م الغرب على صون علاقات التبعية، وتؤدي تفسيرات الحداثة
التي ترفع مكانة الغرب دورًا مهمًّا في تحقيق ذلك، كونها تؤمّن تبعية نخب الجنوب ومفكريه
وأجياله الناشئة. من دون إعطاء اعتبار لمثل هذه الحقائق، سيبقى من العسير تمامًا تحرير عقول النخب في البلاد
غير الغربية. وتبقى مهمة نقد الطريقة التي فُهم بها الصعود التاريخي لأوروبا الحديثة، وتحقّق بها بروزها في واجهة ومركز النظام العالمي، هي المهمة التي لا يمكن من دونها ابتدار فض التبعية.
(33) Pedro Lange-Churión and Eduardo Mendieta, eds., Latin America and Postmodernity: A Contemporary Reader (Amherst, NY: Humanity Books, 2001), p. 17.
ويساهم العمل المقترح هنا في تغيير معرفة الأوروبيين أنفسهم تاريخهم الحديث، وليس فقط في تغيير موقف الشعوب غير الغربية من تاريخ العالم؛ فالنظر إلى تاريخ العالم الحديث من زوايا لم ينظر منها الأوروبيون، سيكشف لهم عن علاقات جديدة لم تكن مرئية لهم. ومن جهة ثانية، ينتج من هذا
العمل نفسه، تغيير نظرة الشعوب غير الغربية إلى تاريخها، فالعرب مثلً، سيتعرفون إلى جوانب جديدة من تواريخهم لم تلق اعتبارًا عندهم من قبل. بخصوص أثر التفسيرات غير المتمركزة أوروبيًا في فهم الأوروبيين تاريخهم، يمكن أخذ نموذج
واحد للتفسيرات التي ربطت التاريخ الغربي بتواريخ الشعوب غير الغربية، وهو نموذج تطور في مجال التاريخ الاقتصادي وتركز على «تحليل النظام العالمي» للرأسمالية من وجهة نظر تربط بين مختلف مناطق العالم، وقد ساهم في تطويره عدد من مفكري الجنوب، من بينهم المصري سمير أمين. ونتناول هنا باختصار مساهمة جيوفاني أريجي في ما يتعلق بنشأة النظام الاقتصادي العالمي
وتطوره مرتبطًا بالظاهرة الاستعمارية. فمع أن أريجي أوروبي ويركز على نشأة الرأسمالية في أوروبا، فإن أفكاره تأثّرت بفترة عمله في بعض البلاد الأفريقية في ستينيات القرن العشرين، إبان فترة التحرر الأفريقي من الاستعمار. كما أنه وجّه عنايته مؤخرًا إلى نماذج شرق آسيا الصاعدة، خاصة الصين.
وقد أثّر تفسيره في فهم ظواهر التاريخ والفكر في العالم الغربي بطريقة لم تكن ممكنة انطلاقًا من تاريخ أوروبا وحده. تمثّلت مساهمة أريجي البارزة في كتابه القرن العشرون الطويل: المال والقوة وأصول أزمنتنا، الذي صدر سنة 9941، وأرسى فيه نظريته بخصوص الدورات النظامية لتطور الرأسمالية والقائمة على تعاقب: تراكم المال، وتوسع التصنيع، ثم تحوُّل المال إلى سلعة. في نظريته هذه، عكس المسار
المألوف لتطور رأس المال الذي عبّر عنه ماركس بالمسار التالي: «سلعة/رأس مال/سلعة»، معتبرًا أن
السلعة تتحول إلى رأس مال يوظَّف مرة أخرى لإنتاج سلع، وأن تحوّل النقد إلى رأس المال يميز فقط
الحقبة الأخيرة من تطور الرأسمالية. لكن أريجي رأى أن المسار النظامي للرأسمالية معاكس لذلك، فهو يسير في جميع المراحل في دورات، تبدأ جميعها بتراكم المال نتيجة ممارسة التجارة المدعومة بالعنف المجتمعي، ويجري في المرحلة الثانية توظيف هذا المال في إنتاج السلع، ثم يُفصل المال
نفسه في المرحلة الثالثة تدريجيًا عن شكله السلعي ليتخذ التبادل صورة صفقات مالية. ينطبق هذا المسار على جميع مراحل الرأسمالية عند أريجي، منذ القرن الثالث عشر الذي توسعت فيه تجارة المدن الإيطالية وحتى أحدث لحظاتها المتمثلة في صعود الصين. وهو يعتبر ذلك المسار ملازمًا
لدورات التراكم النظامي لرأس المال على الصعيد العالمي. ومع أن تحليلات أريجي تتركز على مركز
النظام الرأسمالي، أي أوروبا، ولم يقم بالتركيز على منطقة شرق آسيا إلّ مؤخرًا، فإن أفكاره تطورت
عندما تخلى عن مناهج التحليل الاقتصادي الغربية القائمة على النماذج المجردة، وربط الدراسة الاقتصادية بمقاربات التاريخ والأنثربولوجيا، ناظرًا إلى النظام العالمي على أنه ترابط لاقتصادات
(34) William I. Robinson, «Giovanni Arrighi: Systemic Cycles of Accumulation, Hegemonic Transitions, and the Rise of China,» New Political Economy (November 2010), p. 7.
قومية مختلفة، بالقدر الذي يجعل الرأسمالية منظومة أشكال متنوعة من النشاطات، يصعب وصف أي منها بمعزل عن الآخر بأنه نشاط رأسمالي خالص، وهو ما يعني أن مركز النظام لا يبقى فاعلً من دون ارتباط بالأطراف. استثمر المفكر الأميركي فردريك جيمسون نظرية أريجي هذه ليعيد النظر في تاريخ الثقافة الغربية، رابطًا الأهمية التي يتخذها رأس المال النقدي في مسيرة الرأسمالية، بمسيرة التجريد التي تلحق بالنتاجات الثقافية في الغرب، متوازية مع توسع توظيف المال في مجال الاقتصاد. ففي مجال الفلسفة، يذكِّرنا جيمسون بمساهمة جورج زيمل التي ربط فيها بين تطور المدن الأوروبية الكبرى والحياة الذهنية فيها، واعتبر إغراق الفكر في التجريد مرتبطًا بتحكم المال في حياة سكانها. فالمال عندما يكتسب قيمة في ذاته لا لكونه وسيط تبادل، كما هي الحال في مرحلة التعامل مع السلع، فإنه يطبع بخصائصه التجريدية طريقة تفكير سكان المتروبولات، ويؤدي إلى انفصال الخصائص المميزة لموضوعات الطبيعة فتصبح ذات قيمة مستقلة. هكذا يتحول الكلام والفكر والبشر إلى صيغ ورسائل رقمية تتدفق عبر الإنترنت في الوسائط والبرامج التفاعلية، ويتم استبدال العالم الحقيقي بعالم الصور والألوان والأشكال. ويتوافق هذا مع تدفّق التبادلات التجارية بين أجزاء العالم التي تتم في صورة أرقام تتبادلها المؤسسات المالية من دون انتقال المال نفسه، وهكذا يزداد التجريد تجريدًا في حياة البشر. وفي مجال الفن، يربط جيمسون بين تحكّم المال في الحياة الأوروبية وظهور الحداثة المتأخرة، ويعكس العلاقة بين المرحلتين الواقعية والتجريدية، فيربط الأولى بمرحلة الرأسمالية الصناعية التي تعطي المال الشكل السلعي الملموس، ويربط الثانية بمرحلة رأس المال المالي، حيث تتخلص التراكم من الشكل الملموس. هنا تصبح تجريدية كاندنسكي الروحية وتعبيرية جاكسون بلوك التجريدية مظهرين في الفن التشكيلي لتوغل منطق المال في الحياة. تبرز هنا ملاحظتان مهمتان: يجب أن نلاحظ أولً كيف تنتقل النظرية الجديدة من مجال الاقتصاد بسلاسة ويسر إلى مجال الثقافة والفن، حيث تؤول بطريقة جديدة. وهذا بسبب وجود تلك الأفكار في وسط متجانس هو وسط الفكر الغربي، الذي يربط مفكريه التاريخ الفكري ذاته والانتماءات ذاتها، من أوروبا إلى الولايات المتحدة. ولنقارن هذا بما يحدث حين تنتقل الأفكار من فضاء الفكر الغربي إلى الفضاء العربي، حيث يتسبب عدم التجانس في تلك التوترات التي تغذي التناقض بين الفكرة وتأويلاتها، فينحبس الفكر في دور التبعية. الملاحظة الثانية هي أن مفكري الغرب بدأوا يتبينون جدوى النظر إلى تاريخهم في ضوء النتائج التي قدّتها محاولات ربط التاريخ الأوروبي الحديث بتاريخ العالم غير الأوروبي. ورغم محدودية الربط الذي يقيمه أتباع «تحليل النظام العالمي»، فإن نموذجهم يقدم مثالً يمكن أن يقاس عليه التقدير المتوقَّع لإعادة كتابة تاريخ الحداثة من زاوية تقاطعات التاريخ
(35) Fredric Jameson, The Cultural Turn: Selected Writings on the Postmodern, 1983-1998 (London ; New York: Verso, 1998), pp. 150-151.
الأوروبي مع تواريخ الشعوب الأخرى، كونه يتيح تقديم سرديات بديلة لفهم اللحظات المهمة التي اعتُبرت منغلقة على التاريخ الأوروبي وحده. لقد تبنّى المفكرون الأوروبيون في فترة الخمسين سنة المدروسة هنا، مشاريع عدة استهدف كثير منها نقد طرائق التفكير الغربية التي تحكمت في الفكر الأوروبي الحديث؛ فمنها ما ركز على نقد التمركز المنطقي ونقد الهوية المتجانسة، ومنها ما ركز على نقد ارتباط المعرفة بالسيطرة والإخضاع، ومنها ما ركز على نقد هيمنة العقل الأداتي، ومنها ما ركز على نقد طرق فهم وتحويل العالم. وقد شكلت هذه الأفكار مجتمعة الأرضية التي تطور عليها منظور التواريخ المحلية، رغم أنه اغتنى بمصادر كثيرة من تراثات فكرية متنوعة غير غربية. مع ذلك، يقطع منظور التواريخ المحلية مع جميع تلك المشاريع الغربية بسبب انطلاقه من نقطة تقع خارج انشغالات المفكرين الأوروبيين، الذين يسعون إلى نقد التمركز الغربي حول موضوعات بعينها، بهدف تجديد روح الحداثة وتزويدها بدافع جديد يضمن استمرارها، وبالتالي يصون مكانتها المركزية في التاريخ بطريقة جديدة. وعلى العكس من ذلك، يهدف منظور التواريخ المحلية إلى تفكيك الأساس الذي تقوم عليه فكرة المركزية نفسها، وليس فقط مظاهرها؛ فهو لا يستهدف فض تمركز فكر جغرافيا معينة (أوروبا أو الغرب) حول موضوعات محددة (المعرفة، القوة، الأداتية...إلخ)، بل يستهدف فضًّا جذريًا للتمركز حول مصدر متميز بذاته ينتج
تلك المعارف: شعب يمتاز عن غيره من الشعوب، أو ثقافة تمتاز عن غيرها من الثقافات، أو عقل يمتاز عن غيره من العقول. بخصوص التاريخ العربي، تلفتنا هذه الطريقة في التعاطي مع التاريخ الحديث، أي بوصفه تقاطع تواريخ متعددة، إلى الدور الكبير الذي أدته تنوعات شعوب وجغرافيات وتواريخ وثقافات المنطقة العربية في تشكيل حاضرها، وسيؤدي ذلك إلى اعتبار هذه التنوعات عوامل تخصيب وتعميق للترابط الذي قام بينها. فتركيز النظر على لحظة الحداثة الباكرة سيوجه النظر إلى شمال أفريقيا، وسيربط التاريخ العربي بظهور التأثير العثماني في حوض المتوسط. وسيعطي المغرب العربي مكانة مهمة في فهم التأثيرات التي دفعت إسبانيا إلى التوجه نحو الأطلسي. كما سيعطي جنوب الجزيرة العربية والخليج العربي وشرق أفريقيا مكانة مهمة في فهم الأوضاع المتعلقة بالحد من النفوذ البرتغالي في
(36) Jacques Derrida, «Structure, Sign, and Play in the Discourse of Human Sciences,» in: Richard Macksey and Eugene Donato, eds., The Structuralist Controversy: The Languages of Criticism and the Sciences of Man (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1972), p. 217.
(3((ميشيل فوكو، فلسفة التنوير، ترجمة محمد عبد الرحمن حسن (الخرطوم: دار سلوم للنشر، 0072)، ص.50 ((3(من أجل شرح مختصر ودقيق لتطور هذا المفهوم عند مفكري مدرسة فرانكفورت في سياق نقدهم للحداثة، انظر القسم
الخاص بالنظرية النقدية في: هشام عمر النور, تجاوز الماركسية إلى النظرية النقدية (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2012)،
ص – 621.7 11
(3((أشار ليوتار إلى تراجع أفكار الحداثة بشأن طرق تحويل العالم، ملاحظًا بروز نمط جديد من مشروعية المعرفة يقوم على
«ألعاب اللغة»، انظر: جان – فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة، ترجمة أحمد حسان (القاهرة: دار شرقيات،
9941)، ص.36
منطقة البحر الأحمر، وعدم نجاح البرتغال في تحقيق نجاحات في المحيط الهندي مماثلة لما حققته إسبانيا في ما وراء الأطلسي. أمّا تركيز النظر على ظاهرة الاستعمار الحديث، فسيوجِّه الانتباه إلى الأدوار التي مارسها النفوذ الأوروبي في لحظة الحداثة العليا (القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) في المناطق الشرقية وبلاد الشام وسواحل المتوسط الشرقية، والتي أنتجت في ما بعد الدول العربية بوحداتها السياسية الحالية. سيساهم فهم التاريخ بهذه الطريقة في إلقاء الضوء على التصورات التي يصوغها حاليًا الغرب والقوى
الإقليمية الفاعلة في المنطقة، لتفكيك هذه الوحدات السياسية وإعادة تركيبها، بحسب تواريخها وثقافاتها وتداخلاتها العشائرية والطائفية، لصون مصالحها في المنطقة. من جهة أخرى، سيتيح فهم الروابط القائمة في المخيلة الأوروبية بخصوص الشرق، واصطناع هوية ثانية لأوروبا مع الحداثة العليا، صنعت منها «غربًا» ينتمي إلى عالم ما وراء الأطلسي. كما سيتيح الكشف عن كثير من مكونات المخيلة التي ساهمت في إنتاج صورة الغرب الجديد والشرق القديم، بوصفهما فضاءين مصطنعين أكثر منهما واقعيين.
خاتمة
يوضح المسار الذي اتخذه الفكر العربي خ لاا الخمسين سنة الماضية، ضرورة إعمال النقد في الأطر النظرية والمنهجيات المأخوذة عن الفكر الغربي، وعلى وجه الخصوص التفسيرات التي تنسب إلى ذلك الفكر مكانة مميزة، وذلك لارتباط التفسيرات بمجتمعات المفسرين وانشغالاتهم الخاصة. ويبيّن أيضًا أن ما لم يتم الانعتاق من التفسيرات المتمركزة حول التاريخ الأوروبي، لن يتسنّى التحرر
من سلطة نموذج الحداثة الأوروبية على الفكر العربي. كما يبيّن أن ممارسة نقد ثنائي الاتجاه موجّه
إلى الفكر العربي والفكر الغربي في آن معًا، سيكشف عن آفاق واسعة للفكر العربي تعتقه من التقيد بلحظة فريدة تسكن تاريخًا معينًا (فجر الحضارة العربية الإسلامية)، أو رقعة مجيدة تحتل جغرافيا محددة (أوروبا والغرب)، وسيتيح، أخيرًا، التعرّف إلى الكيفية التي استجابت بها الجغرافيات العربية
المتنوعة لضرورات التاريخ، وغذت بكيفيات مختلفة وحدة الثقافة العربية والتاريخ العربي.
مراجع إضافية
عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل. ط.2 بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
مجموعة مؤلفين. ما وراء التفكيك. ترجمة محمد عبد الرحمن حسن. الخرطوم: دار سلوم للنشر،