دور التأويل الدِّيني في عقد المصالحة بين الدِّين والسياسة
Augustine and Aquinas: Interpretation Reconciling Religion and Politics
الملخّص
تُعزى استعادة الحديث عن دور التأويل الديني في تجنيب البشرية «الخصام » الكبير بين «الدولة » والدِّين » إلى الإحياء المتزايد لموجة الصراع بين نطاقي المعبد و «كرسي الحكم الزمني»؛ ذلك بأن بعث النقاش بشأن المسألة الدينية – السياسية في عالم اليوم، أكان في المجال التداولي الإسلامي أم في المجال التداولي الموسوم ب :«الغرب» حيث «يناضل» بعض الأديان من أجل «الانعتاق» من المجال الخاص ،الذي وضعتها فيه موجات العلمنة المتتالية، والعودة إلى المجال العام
Abstract
The reappearance of talk about the role of religious interpretation in sparing humanity the opposition between "the state" and "religion" comes at a time of increasing conflict between church and the seat of temporal power. This is because revival in discussion about issues of religion and politics in the world today—whether in the Muslim or Western context. Religious movements in both worlds are struggling for liberation from the private sphere where they were placed by successive waves of secularization, and seek to return to the public sphere.
- السياسة
- التأويل الديني
- المصالحة
- الغرب
- Religion
- Politics
- Religious Interpretation
- West
- Reconciliation
أوغسطينُس والأكويني نموذجين
تُعزى استعادة الحديث عن دور التأويل الديني في تجنيب البشرية «الخصام» الكبير بين «الدولة» والدِّين» إلى الإحياء المتزايد لموجة الصراع بين نطاقي «المعبد» و«كرسي الحكم الزمني»؛ ذلك بأن بعث النقاش بشأن المسألة الدينية – السياسية في
عالم اليوم، أكان في المجال التداولي الإس مااي أم في المجال التداولي الموسوم ب «الغرب» (حيث «يناضل» بعض الأديان من أجل «الانعتاق» من المجال الخاص، الذي وضعتها فيه موجات العلمنة المتتالية، والعودة إلى المجال العام)، يقتضي
العودة إلى البدايات الأولى التي تحكّمت في القول الديني حيال السلطة الزمنية، وموقف الأخيرة من الشؤون الدينية؛ لأن من شأن التركيز على البدايات، وسبر أغوار الموجات المتعاقبة التي طبعت تداخل اللاهوت بالناسوت أو انفصالهما، أن يُجنّب
البشرية الاصطراعات التي لا فائدة منها. وعليه، تروم هذه الدراسة تسليط الضوء على التأويل الديني.
تمهيد
عرفت الع قااة بين المسيحية والإمبراطورية الرومانية مراحل عدة، وتخللها الكثير من المنعرجات؛ فبعد مرحلة التناغم الحاد بين السياسة والأديان الوثنية قبل ظهور المسيحية، أو بلغة ذلك الواقع، بين الإنسان الوثني والإمبراطور الروماني، حين ساد كثير من الود و«العبودية» جعل الأباطرة في موقع «الآلهة»، من دون أن يتسبّب ذلك في أي شعور بالتنافر. وكان على الوافد
الدِّيني الجديد أن يخوض معارك متواصلة بحثًا عن موقع داخل عالم تشكّل منذ قرون. فالوضع الذي ساد من قبل، تغيّر مع أول احتكاك بين دين «سماوي» كان يرفض عبادة الأوثان (وهنا دخل في صراع
مجتمعي)، فضل عن قيامه على مركزية أساسية تمثّلت في تحريم عبادة البشر والحجر، في مقابل عبادة إله غير مرئي، في بيئة عامرة بالآلهة الأرضية. وهذا ما صعّب من مأمورية حامل رسالة هذا
الدِّين وكذلك حوارييه في ما بعد، وانتقل خلال هذه المرحلة الدِّين والسياسة في الإمبراطورية من حلة التوافق إلى حالة الصراع، ودام هذا الوضع أكثر من ثلاثة قرون تعرّض فيه «المسيحيون» لصنوف
من التضييق. وما توفره الدراسات التاريخية يكفل التدليل على أن العلاقة بين الأباطرة والمسيحيين الأوائل لم تكن جيدة، بل سادها العنف والمعاناة؛ فقد ذكر المؤرخ سويتونيوس أن الإمبراطور كلاوديوس (14 – 45 م) أصدر مرسومًا بطرد جميع المسيحيين من مدينة روما، بدعوى أنهم أثاروا
القلاقل والاضطرابات بوحي من تعاليم المسيح. والملاحَظ أن المرسوم وصفهم باليهود، لأن الذهنية
الرومانية عدّت المسيحيين الأوائل طائفة من اليهود. وبالمثل، بطش الإمبراطور نيرون بالمسيحيين،
ملقيًا بمسيحيي روما في النار التي أشعلها في المدينة سنة.4 6 وكان ما سمّاه أحد الباحثين «فضيحة الصلب» هو العقاب الذي أُنزل بمرتكبي مثل هذه «الجريمة
العامة»؛ فالإمبراطورية التي «تخلت عن دينها المدني الجمهوري القديم، وأدخلت كل أنواع الآلهة الغريبة إلى هيكله، وسمحت لرعاياها باعتناق أغرب الأديان والعبادات الباطنية في حياتهم الخاصة، لم تكن لتسمح بأن ترفض أكثر الأديان خصوصية، وزهدًا في الدنيا وتواضعًا، أي المسيحية، الانخراط في
العبادة الجماعية الوحيدة المتبقية، عبادة الإمبراطور، ولذلك تعرض المسيحيون للاضطهاد الجماعي». ولم يحُل مسلسل التضييق المنتهج ضد المسيحية من انتشارها وتغلغلها في كثير من الأوساط، خاصة
داخل الطبقات الاجتماعية الدنيا من المجتمع الروماني، بعد أن هاجرت من فلسطين نحو عدد كبير من الولايات الرومانية المنتشرة في حوض المتوسط. استمر خلفاء نيرون في مسلسل محاربة المسيحية ومواجهة أتباعها ورموزها. والحال، أن معاناة المسيحيين والصبر على ما تعرضوا له، كانا أهم الدوافع التي أدّت بكثير من «رعايا» الأباطرة إلى
مراجعة موقفهم من هذه الديانة، وشكلت بداية القرن الثاني الميلادي إرهاصات هذا التحول؛ فقد تبدلت مرحلة الصراع تلك بين الإمبراطورية والمسيحية كليًا مع بداية نهاية الربع الأول من القرن الرابع،
فاختفت صور الإمبراطورية التي يرأسها إمبراطور «إله» ولا تدين بأي دين، بينما تسمح بسيادة الأديان الوثنية؛ هذه الإمبراطورية التي دخلت في صراع مع المسيح في البداية، ثم مع حوارييه وأتباعه الذين
(((حاتم الطحاوي، «الدِّين والمجتمع في العصور المسيحية القديمة والوسطى،» التسامح، العدد 71 (شتاء 007.)2 هذه الدراسة
من أهم ما كتب في الموضوع، ولا سيما أن صاحبها استند إلى مجموعة من البحوث القيّمة والتي يمكن الرجوع إليها من قبيل:
يوسابيوس القيصري: تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقس داود (القاهرة: [مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية]، 973 1)، وحياة قسطنطين
العظيم، ترجمة مرقس داود (القاهرة: [مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية]، 975 1)؛ أ. س. سفينسيسكايا، المسيحيون الأوائل
والإمبراطورية الرومانية، ترجمة حسان ميخائيل إسحق (دمشق: منشورات دار علاء الدين، 006 2)؛ محمد عبد الغني، أضواء على
المسيحية المبكرة (الإسكندرية، مصر: [د. ن].، 985 1)؛ نورمان ف. كانتور، التاريخ الوسيط، قصة حضارة: البداية والنهاية، ترجمة
وتعليق قاسم عبده قاسم (القاهرة: [دار المعارف]، 999 1)؛ موريس كين، حضارة أوروبا: العصور الوسطى، ترجمة قاسم عبده
قاسم، ط 2 مزيدة ومنقحة (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 000 2)، وجوزيف نسيم يوسف، أوروبا
العصور الوسطى: النظم والحضارة (الإسكندرية، مصر: [د. ن].،.)1965
(((خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة، جامعة البلمند؛ مراجعة بولس وهبة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0052)، ص.82
أرادوا نشر المسيحية في بقاع الإمبراطورية، حيث كانت العلاقة هنا بين الدِّين والدولة (الإمبراطورية). وكان اختفاء هذه الصورة في اتجاه رسم صورة مغايرة ومعاكسة تمامًا بدأت مع القيصر قسطنطين الأول،
أو قسطنطين الكبير، الذي قرّر في إثر انتصاره في إحدى حروبه سنة 312 للميلاد الاعتراف بالمسيحية
كدين للإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي فتح الباب للكنيسة الكاثوليكية لتصبح دولة داخل دولة، وهو الاعتراف الذي ساد حول مُسبّباته كثير من النقاش لا يسمح المجال بالتعرض لها في هذه الدراسة. من نافل القول أن رزمة من الأسباب ساهمت في حدوث هذا التحول، ولعل أبرزها ما يمكنه وسمه بدور التأويل الدِّيني في عقد «مصالحة» بين الدِّين و«الدولة»؛ إذ إن ما ساعد على تحقّق سرعة التوافق بين الحكم الإمبراطوري الروماني والمسيحية بعد الاعتراف القسطنطيني، هو أن المسيحية في بواكيرها
لم تبالِنسبيًا بقضايا الحكم والسياسة، معتبرة إياها «شؤونًا عابرة سرعان ما ستزول»، ولكن عندما
اتضح أن على المسيحيين انتظار «مجيء مملكة الله»، اضطرت السلطات الكنسية إلى التصالح مع العالم، ما دامت «العملية الطويلة التي توصلت بها الكنيسة إلى التفاهم مع الإمبراطورية، قد أسفرت عن وضع تبرير للسلطة السياسية القسرية ومجموعة من الموجّهات النافعة لأجل وضع الكنيسة في
صميم المجتمع المدني». وأدّت الكتابات اللاهوتية والسياسية دورًا مهمًّا في إسناد هذا التحّول،
حيث انتشر الفكر اللاهوتي الذي يدعو إلى طاعة الإمبراطور واعتبار ذلك من صميم طاعة الله. وجرى الرجوع إلى الكتاب المقدسمن أجل تدعيم المقولات اللاهوتية وإشاعة جو من القبول العام لدى معتنقي المسيحية. ومن هنا برزت مقولة «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله» المنسوبة أحيانًا إلى
المسيح ذاته، وأحيانًا أخرى إلى القديس بولس، الذي دعا إلى إطاعة الحكام طاعة الكاملة قائلً:
«فلتخضع كل نفس للسلطات العليا، فما السلطان إلّ لله، والسلطات القائمة في الأرض إنما هي
من أمره، فمن يعصي السلطات الشرعية إنما يعصي الرب، ومن يعصيها حلّت عليه اللعنة». وكتب
الأسقف القرطبي إلى الإمبراطور الروماني قسطنطينوس قائلً: «الله وضع في يدك هذه المملكة،
وإلينا سلّم أمور الكنيسة. مكتوب: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.. إذن.. ليس من حقنا أن نمارس أمور الدنيا.. وليس من حقك أيها الأمير أن تحرق البخور». أدى مذهب الخطيئة الأصلية بكثير من آباء الكنسية إلى استنتاج أن «الدولة كانت عقابًا إلهيًا بسبب
طبيعة السقوط البشري، ولكن، بهدي من الكنيسة، يمكن للدولة أن تؤدي دورًا مهمًّا في التاريخ الكلي
بتصحيح الخطأ البشري. ولئن استنتج الإغريق أن السياسة طبيعية للكائنات البشرية، فقد نظرت إليها الكنيسة، شأن الحرب والرق والملكية، على أنها نتيجة بديهية خالصة للإخفاق، وأما الفكرة الرومانية
(((محمد عابد الجابري، الدِّين والدولة وتطبيق الشريعة، قضايا الفكر العربي؛ 4، سلسلة الثقافة القومية؛ 92 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9961)، ص.94
(((جون إهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم؛ مراجعة فالح عبد الجبار (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0082)، ص.75
(((يحيي الجمل، «الحرية في المذاهب السياسية المختلفة،» عالم الفكر، السنة 1، العدد 4 (كانون الثاني/ يناير – آذار/ مارس
9711)، ص.35
(((Hos.Ep.Ad. Const. (ATHANAS.Hist.Arian 44)، نقلً عن: رأفت عبد الحميد، الفكر السياسي الأوربي في العصور
الوسطى (القاهرة: دار قباء، 0022)، ص.12
المتأخرة عن النظام الملكي المقدس – وهي آخر المحاولات لإعادة بناء النظام الإمبراطوري بدعم
من أفكار مستمدة من الشرق الوثني – فقد نُبذت تمامًا». وفي هذا السياق، جاء سانت أوغسطينُس، الذي يُعتبر أكبر مؤوِّل للدِّين المسيحي في عصره، ويُعِدّه عدد
كبير من الكنائس قديسًا؛ فهذا «القدّيس»، الذي ولد في إحدى الولايات الرومانية الشرقية مع أنه عاش
أعوامًا في القرنين الرابع والخامس (354 – 430 م)، ظل تأثيره مستمرًا طوال العصور الوسطى، خاصة
بعد التطويرات التي لحقت لاهوته على يد توماس الأكويني خلال القرن الرابع عشر. فما هي أفكار هذا «القدّيس» الذي تكاد الكنائس المسيحية تُجمع على أهميته ودوره في نشر التعاليم المسيحية؟ وكيف
يَنظر إلى العلاقة بين الدِّين والسياسة، أو بين مملكة الأرض ومملكة السماء على حد تعبيره؟ وكيفت
تطورت أفكاره على يد «تلميذه» الأكويني الذي يُعدّ من أكبر الشخصيات التي ستعمل على تطوير
المقولات الأوغسطينية من دون الخروج النهائي على الإطار العام الذي سطّره أوغسطينُس؟
أوغسطينُس: في العلاقة بين «مملكة الأرض» و«مملكة السماء»
إذا ما أردنا صرف النظر عن كل ما يحيط بأوغسطينُس وركّزنا على مقولاته اللاهوتية، وخاصة كتابه مدينة
الله– الذي وضعه للدفاع عن الدّيانة المسيحية ضد الوثنيين الذين اتّهموا الدِّين الجديد بالمسؤولية
عن انحدار الإمبراطورية وتخلّفها، بعد إعلان قسطنطين تبنّي المسيحية دينًا رسميًا لإمبراطوريته –
أمكن القول إن من الناحية الفلسفية والنظرية، يربط أوغسطينُس ربطًا دقيقًا بين الشؤون الزمنية التي
يطلق عليها «مدينة الله» والشؤون الروحية التي يطلق عليها «مملكة السماء»، وذلك من خلال عقد محاورات متعدّدة مع كثير من الفلاسفة، وعلى رأسهم أفلاطون وشيشرون، في ما يتعلق بأهداف
الحياة البشرية ونوعية السعادة التي يمكن أن ينالها عليها الإنسان، وهو يميل في هذا النقاش إلى أرسطو لا إلى أفلاطون، ويُعلي في درسه من قيمة قدرة الطبيعة وجودتها، ويتعرض بالشرح للخير
الكثير للمدينة الأرضية الخادمة لمدينة الله السماوية. تلك هي أسس الوجودية السياسية، وبها يحدد أوغسطينُس الشعب والدولة؛ إذ إن فكرته الوجودية
لا تقبل بوجود شعب أو دولة إلّ على أنهما تجمّع لكثرة تريد أن تعيش بموجب قانون مقبول في إطار
ما يسمّيه «المصالح المشتركة»، وهذا ما يجعله يَسِم الشعب الروماني تارة بأنه شعب يكوّن دولة،
وتارة أخرى بأنه بعيد عن ذلك، ومن خلال هذا الموقف نشأت الأوغسطينية السياسية؛ فبعد مناقشته
الفلاسفة والمتكلّمين، يقول إن الوقت حان لكي يختم أحد كتبه بتحديد مقصوده بمدينة الأرض ومدينة الله، فهما بحسبه «متداخلتان منذ البداية وإلى النهاية، إحداهما (مدينة الأرض) صنعت لنفسها ما شاءت من الآلهة»، وهي في نظره «آلهة كذبة في كل مكان حتى بين البشر، والأخرى (المدينة السماوية) المسافرة فوق الأرض لم تصنع لنفسها آلهة؛ لكن الله صنعها لتصبح له قربانًا حقيقيًا».
(((إهرنبرغ، ص.75
(((أوغسطينس، القديس، مدينة الله، نقله إلى العربية يوحنا الحلو، 3 مج، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 0072)، مج 3، ص.100 (((المصدر نفسه، ص.99
أمّا «مدينة الله»، فهي «التي تقدّم إلى الله الحقّ عبادة صحيحة»، ويرى أن مهمة الشعب في هذه
المدينة هي الدعاء «اليوم أترك لنا ذنوبنا»، رافضًا بذلك رأي الأفلاطونية الحديثة القائل ب «إله اليهود»
لا ب «إله المسيحيين ». ويعتقد منظّر الكنسية على عهد الإمبراطورية الرومانية بعد اعتناقها الدِّين
المسيحي، أن النظام والقانون الأرضي أو السماوي إنما هما الوسيلة التي تحافظ بها الحكومة على مصالح المجتمع البشري، وعلى هذا النحو فإن استعمال ما هو أرضي، بحسب أوغسطينُس، في
مدينة الأرض وفي مدينة السماء هو لمصلحة السلام الأبدي. وفقًا لهذا المنظور الأوغسطيني، تأسّست «مدينتان بنوعين من الحب: المدينة الأرضية بحب الذات
حتى وإن كان بمعصية الله، والمدينة السماوية بحب الله وإن باحتقار الذات، وبكلمة، تمجد الأولى ذاتها، والاخيرةُ الله، والأولى تطلب من البشر تمجيد البشر، لكن المجد الأعظم للأخرى هو الله، الشاهد على الضمير، الأولى ترفع رأسها في مجدها الخاص، وتناجي الأخرى الله، «إلهي انت مجدي، ورافع رأسي». في الأولى يحكم الأمراء والأمم التي يخضع لها بشهوة السلطان، وفي الأخرى يخدم الأمراء والرعايا بعضهم بعضًا بالمحبة الخالصة، الأولون (الأمراء) يحرصون على الجميع، والأخيرون (الرعايا) يقدمون الطاعة. المدينة الأولى تزهو بقوتها التي يجسدها الحاكمون، والأخرى
تناجي «أحبك، يا إلهي، فأنت قوتي». لكن السؤال المطروح هنا يدور حول رؤية أوغسطينُس لكلٍّ
من الدولة والكنيسة والعدالة، وحول العلاقة المحتملة بينهما، هل هي علاقة تضاد أم توافق؟ وهل
السماوي في خدمة الأرضي أم أن العكس هو المقبول بالنسبة إلى منظّر «مملكة الله»؟ على غرار الفكر اللاهوتي، ينهل أوغسطينُس من القاموس الرّعوي من أجل الدفاع عن تصوراته،
وذلك حينما يقول مثلً: «إن الأبرار الأولين كانوا رعاة للقطعان ولم يكونوا ملوكًا على بشر»، مستنتجًا
من ذلك أن «الله يريد أن يعلّمنا منطوق نطام الخُلقية وما تفرضه العدالة المرعية على الخطيئة». والمقصود بالخطيئة هنا الخطيئة الأصلية التي يعتقد بها الفكر المسيحي، أي إن الانسان أخطأ حين
لم يطِع الله في الجنة وارتكب الخطيئة التي هوَت به إلى العالم الأرضي. ووفق هذه المسلمة، تدور
أغلب المقولات اللاهوتية للفكر المسيحي، فإذا كان بعض اللاهوت يرى أن الخطيئة هي مَن فرضت
على الإنسان العقاب الإلهي المتمثّل في سطوة الحكم الزمني، فإن أوغسطينُس يرى، رغم أنه لا ينحو
بعيدًا عن هذا التصور، أن ثمة إمكانية للتكفير عن هذه الخطيئة، وذلك من خلال توظيف المدينة
الأرضية حتى تخدم مدينة السماء، ولن يتأتى ذلك إلّ إذا انصاع «الرعايا» للحكم الزمني بما أنه يهدف إلى تحقيق مراد الله وخدمته؛ فبناء على «مسألة الخطيئة الأصلية»، برر أوغسطينُس القمع الذي يمكن
أن تلحقه السلطة الزمنية ب «الرعايا»، ما دامت «العناية الالهية» هي التي منحت رجال السلطة السيادة، وذلك «عندما رأت الشعب جديرًا بمثل هؤلاء الأمراء السادة، إن لله المشيئة الكاملة في منح مملكة
الأرض للأتقياء أو للكفار».
(1((المصدر نفسه، ص.102 (((1 المصدر نفسه، ص.139 (((1 إهرنبرغ، ص.79 (1((أوغسطينس، ص 141
1(((جان جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي: من المدينة الدولة إلى الدولة القومية، ترجمة محمد عرب صاصيلا، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية، 9931)، ص.155
يتساءل صاحب مدينة اللهعن أي عدالة بالنسبة إلى الذي يرفض أن يخدم الله؟ وهذا السؤال مُنبعث
من تصور أوغسطينُس لكون العقل الخاضع لله هو وحده من يستطيع أن يأمر الشهوة وسائر عيوب النفس؛ فما دامت «النفس ليست خاضعة لله فهي لا تمارس سلطتها على الجسد، كما لا يستطيع العقل أن يمارس سلطته على الرذائل». ومن منطلق هذه الخلفية الدِّينية، يُعرّف أوغسطينُس الدولة
بأنها «مجموعة عاقلة تتوحّد حول تملّك مشترك وهادئ لما تحبّ، وإذا أراد إنسان أن يعرف شعبًا ما،
عليه بكل تأكيد أن يتأمّل في ما يحبّ، ولكن أيًّا يكن موضوع حبه واجتمعت مخلوقات عاقلة دون
حيونات وارتبطت فيما بينها في تملك مشترك وهادئ لما تحب، حُقّ لها شرعًا اسم دولة؛ وتكون دولة
ممتازة إذا كانت المصلحة التي تجمع بين الأفراد شريفة». لكن هذا الانفتاح سرعان ما يرتد إلى انتكاسة عند أوغسطينُس، فالمصلحة الشريفة تجمع الناس في إطار دولة توفّر لهم العدالة إذا، وفقط إذا، كان هؤلاء الناس مؤمنين، لأن «مدينة الكفرة لا تعرف العدالة الحقيقية، لأنها ترفض طاعة الله ». هكذا، إذن، هي العلاقة بين مدينة الله ومدينة السماء، وهكذا راح أوغسطينُس يُضفي الطابع التوافقي
بينهما، وهو التصور الذي قد يبدو أن هذا «القدّيس» قام، في نظر الكثير من الكنائس، باستيحائه من الاتفاق الجيد بين الإمبراطور قسطنطين وخلفائه من جهة، وأتباع الديانة المسيحية من جهة ثانية، وهو ما حدا به إلى النظر إلى الكنيسة «الحقة» على أنها «جسد المسيح، بينما الكنيسة الحسِّية التي تحيا
في مدينة الإنسان الناقصة إنما هي ‹ ظل الكمال ›، وكان قدر الإنسان المسيحي أن يتعايش مع الشر،
أمّا الكنيسة فهي ملجأه الوحيد الذي يعصمه من الخطيئة، وإذ اعتبرها ‹ الدوناتسيون › » ملاذًا من
العالم، فقد آمن أوغسطينُس بأن «مصيرها هو التعايش مع المجتمع الإنساني ككل، إذ تستطيع الكنيسة بتحالفها مع الدولة أن تحقق غايات الله عبر استيعاب وتحويل وتوجيه الصلات التي تشدّ الكائنات البشرية بعضها إلى بعض، بعد أن فقدت صلتها الجوهرية بسبب الخطيئة، إنها كونٌ صغير يمثّل رغبة الله في توحيد البشرية المتفرقة والمتباعدة، التي كان قد دفعها من إنسان واحد، وهكذا حل المجتمع المنظم كنسيًا لدى أوغسطينُس محل مدينة أرسطو وجمهورية شيشرون، واستأصل الإيمان والنعمة
الإلهية العقل والعمل المشترك». لا ينكر أوغسطينُس استفادته من الفلاسفة، ولا سيما من شيشرون، كي يعلي من شأن مدينة الأرض وتقريبها من مدينة السماء؛ إذ ناقش رسالة شيشرون بشأن الجمهورية، ووافقه على أن المصالح المشتركة يجب أن تتأسّس على موافقة المواطنين وعلى مبدأ العدل، لكن صاحب مدينة اللهنفى
أن يكون هذا العدل موجودًا في المدن غير المطيعة لله، لكي ينتهي إلى أنه «لا توجد أبدًا جمهورية حقيقية خارج الجمهورية المسيحية».
(((1 أوغسطينس، ص.152 (((1 المصدر نفسه، ص.161 (1((المصدر نفسه، ص.162 (1((نسبة إلى الأسقف دوناتوس الذي تزعّم مجموعة منشقة عن الكنيسة في قرطاجنة.
(1((إهرنبرغ، ص.87 (2((أوغسطينس، ص 190
الواضح أنها نظرة شاملة إلى الحياة والتاريخ تلك التي يُبلوِرها أوغسطينُس؛ نظرة تقوم على مفهوم
مسيحي للتاريخ والمجتمع، حيث تصنيف الناس إلى «مؤمنين» وكفرة. المؤمنون وجب خضوعهم للسلطة الحاكمة التي تسعى لتحقيق السعادة الأبدية، وهي ليس سعادة دنيوية وإنما سعادة أخروية تتمثّل في «التكفير عن الخطية الأصلية» والعودة إلى ملكوت السماء. لقد دافع أوغسطينُس عن «المفهوم
المسيحي للتاريخ، وذلك بتقديمه تصورًا لبداية جديدة تقتحم وتتقاطع مع المسار الاعتيادي للتاريخ
العلماني، إن هذا الحدث قد حصل كما يؤكد أوغسطينُس مرة واحدة، ولن يحدث مرة أخرى حتى
نهاية الزمان. إن التاريخ العلماني من وجهة نظر مسيحية يظل مربوطًا داخل دورات العصور القديمة –
إمبراطورية تنشأ وتسقط كما في الماضي – فيما عدا أن المسيحيين، وهم في ظل حياة الأبدية، يمكنهم
قطع دورة التغيير المستديم هذه، والتطلع بلامبالاة إلى المَشاهد التي تقدمها هذه الدورة». غير أن هناك من ينظر إلى الأوغسطينية نظرة تقترب من جعلها عنصرًا إيجابيًا في الحياة البشرية؛ فمدينة
الله ومدينة السماء متشابكتان تشابكًا معقدًا في كلٍّ من الشؤون الدنيوية والكنيسة، و«يكونان ميدانين متميزين ومترابطين من ميدان العمل الإنساني، وقد قضي على مدينة الإنسان ومدينة الله أن توحّدا معًا
حتى نهاية العالم، أمّا علاقتهما، فتشكل المجتمعات البشرية كلها وتستوعب كلية التاريخ البشري.
وبهذه الطريقة غيرت الأوغسطينية مقولة كانت سائدة في المنطقة الحضارية اليورومتوسطية حتى نهاية العصر القديم، وهي مقولة أن الدِّين يرتبط بشكل أساسي برفاهية الجماعة السياسية، وترتب على ذلك إمكانية النظر في ازدواجية عميقة نحو تكوين المجتمع الانساني، وتكوين الحكومة السياسية في الوقت ذاته. لكن هذا التأثير الأوغسطيني – في نظر سالفاتوري – في إعادة بناء العقل العمومي في المملكة
المسيحية في العصور الوسطى كان غامضًا بالرغم من أنها كانت نظرية أصيلة. لكن هل هذا التأثير ساهم في خلق نظرة جديدة نحو العالم المدني أو تغيير الموقف من السياسة المعتبرة عقابًا إلهيًّا؟ يبدو أن عالَم أوغسطينُس في نظر ستيفن دلو ليس من شأنه أن يتسع لتجربة المجتمع المدني،
فالمؤمنون يعيشون في خوف من الخطيئة، ولذلك فمن الوارد أن يكونوا في حالة خوف من حريتهم،
فهم في الحقيقة يميلون إلى رؤية حريتهم بوصفها إفصاحًا عن الخطيئة. ومن غير الوارد إذًا، بحسب
ما يخلص إليه صاحب كتاب التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، أن «يظهر في
المجتمع الذي صوّره أوغسطينُس حيّزًا مستقلً من التكوينات الجماعية يعمل كمصدر للسلطة في
سياق بيئة أخلاقية أوسع، فلكي يبزغ هذا الوضع، يجب على الأفراد أن يتحرروا من الرّعب الذي
وضعه أوغسطينُس في مدينة الأرض». فلئن كان سانت أوغسطينُس قد اعتُبِر أوّل منظِّر لاهوتي مسيحي يرى أن الهيكل السياسي شيئًا شريرًا
ومن صنع البشر، والحكومة عِقاب، أو على أحسن الفروض تكفيرٌ عن ذنب كبير، ف «قابيل هو الذي
أسس أول مدينة، فإن الهزيمة والدّمار أدوات إلهية مقدرة من أجل أن تأتي بالإنسان الى الكنيسة حيث
(((2 حنة أرندت، في الثورة، ترجمة عطا عبدالوهاب؛ مراجعة رامز بورسلان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0082)، ص.36
(((2 أرماندو سالفاتوري، المجال العام... الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام، ترجمة الدكتور أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 0122)، ص.191
2(((ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، ترجمة ربيع وهبة؛ مراجعة علا أبو زيد (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 0022)، ص.129
يمكن الحصول على الخلاص»، فهل كان ينبغي انتظار حلول القرن الثالث عشر حتى يُعاد تعريف
السياسة المسيحية والرؤية السلبية للدولة؟
توماس الأكويني بين «التجديد» والوفاء ل «القديم»
بينما استمرت الكنيسة الغريغورية في نهجها المُكرِّس لتفوُّق السلطة الروحية وإخضاع السلطة الزمنية
لها، وما صاحب ذلك من توتّرات وصراعات انتهت بتحقيق «السّمو الباباوي»، كان الجانب الفكري
والفلسفي بدوره يتفاعل مع هذه الأحداث، ويحاول أن يَجِد صيغًا من شأنها أن تساهم في تقديم
مقولات فلسفية ولاهوتية، وتفسير العالم وفك الاشتباك. لقد تساءلنا في ختام الفقرة المخصّصة لأوغسطينُس ما إذا كان الأكويني سيُعيد تجديد المقولات
اللاهوتية وتطويرها، وهو السؤال الذي نسعى هنا إلى محاولة معالجته من خلال التركيز على الإنتاج الفكري لهذا «المُجدّد الدِّيني». إن النزاع الذي عاشته أوروبا خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر ودار بين البابوات والأباطرة حول تحديد اختصاص السلطتين الروحية والزمنية، قد انعكس على الكتابات السياسية وأضفى عليها
صبغة جدلية حتى قيل «لو تمت المقارنة بين ما كُتب في الفلسفة السياسية ابتداء من موت أرسطو
حتى القرن الحادي عشر، فسوف نجده أقل من مجموعة الرسائل السياسية التي تركّزت حول النزاع الخاص بحق السياسيين في تنصيب الأساقفة، ونظرًا إلى أن الفكر السياسي يحتاج الى منهاج علمي
في البحث، كان نموه أبطأ إذا ما قورن بفروع العلم الأخرى التي تميل إلى الناحية الفلسفية؛ ففي القرن الثالث عشر، كانت مذاهب اللاهوت والغيبيات التي كانت الطابع المميز للفلسفة النظرية لا تزال تحجب الفكر السياسي، أمّا في القرن الرابع عشر فقد كثرت الكتابة في الفلسفة السياسية واستمر هذا
الاتجاه حتى الوقت الحاضر». في هذا السياق ظهرت كتابات الأكويني (1225 – 7412) الذي كان، على الرغم من متابعته
لأوغسطينُس في كثير من الأفكار والمقولات، متميزًا منه في بعض الآراء؛ فعلى عكس صاحب
مدينة اللهالذي جعل الإيمان أساس الفضيلة، كان، بفعل تأثّره بأفكار أرسطو التي بعثها المفكرون المسلمون، قد آمن بإمكانية أن يكون العقل والإيمان شريكين في تحقيق الفضيلة. وعلى الرغم من أن الكنيسة في عصره منعت تداول الفكر الأرسطي وتدريسه، فإنها عادت لتتصالح معه، وذلك
2(((برنارد لويس، لغة السياسة في الإسلام، ترجمة إبراهيم شتا (ليماسول، قبرص: دار قرطبة، 9931)، ص.48
(((2 جورج سباين، تطور الفكر السياسي، الكتاب الثاني، ترجمة حسن جلال العروسي؛ مراجعة وتقديم محمد فتح الله الخطيب (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 010[]2)، ص.132 (((2 كانت مؤلفات أرسطو توصف بالكفر أول ما جاءت إلى أوروبا المسيحية عن طريق المصادر العربية واليهودية. وكانت الكنيسة
تميل أول الأمر إلى تحريمها، وفعلً حرمت قراءتها في جامعة باريس سنة 0 وما بعده. ولكن على الرغم من ذلك، فإن التحريم 121
لم يكن قط ذا أثر فعّال، ولذلك عمدت الكنيسة بحكمة إلى التجديد بدلً من منعها، وليس هناك دليل على قوة التفكير عن المسيحية
في القرون الوسطى أنصع من سرعة تقبّل مؤلفات أرسطو التي لم تقف عند هذا الحد، بل تعدته إلى جعل هذه الكتابات حجر الزاوية
في الفلسفة الرومانية الكاثوليكية؛ ففي أقل من قرن من الزمان، انقلب ما كانوا يخشونه ويعتبرونه بدعة ضد المسيحية إلى شيء جديد
يرجى أن يكون مذهبًا دائمًا لفلسفة تصطبغ بالصبغة المسيحية. وقد قام بهذا العمل معلّمون من جماعات الرهبان، وخاصة ألبرت الأكبر
وتلميذه الأشهر توماس الأكويني، وهما من جماعة الرهبان الدومنيكان. انظر في هذا السياق: المصدر نفسه، ص.159
بوجود أمثال الأكويني الذين قاموا بالتوفيق بين المسييحية والأرسطية. وفي هذه «التركيبة الجديدة أصبح العقل والإيمان شريكين متلازمين في فهم البناء العقلاني للمجتمع، مجتمع يسهم فيه كل فرد من أجل الصالح العام». إن عمل الأكويني، يقول أحد الباحثين، واحد من المنعطفات في هذا المشروع الهائل؛ فحين وصل
إلى باريس للدراسة مع العالم ألبرت الكبيرِAlbertus Magnus) (سنة 4512، كان تدفق العلم العربي – الأرسطي يثير رد فعل عنيفًا داخل الكنيسة، وكان المؤمنون المسيحيون يواجهون أسئلة
ملحة تثير العقلانية العلمية. وفي الوقت نفسه، كانت الأهمية المتعاظمة للمراكز الحضرية والتوسع البطيء ل سأأواق يضغطان بقوة على الازدراء التقليدي للعالم الذي هيمن هيمنة مكينة جدًا على التفكير المسيحي منذ عهد أوغسطينُس. وتطلّب جهد الأكويني لتأسيس لاهوت مسيحي شامل أن يكون العقل رفيقًا للوحي، والقانون الطبيعي مدمجًا بالأخلاقية الكاثوليكية. يحاول الأكويني في كتابه الخلاصة اللاهوتية المتضمّن خمسة أجزاء، أن يجيب عن مئات الأسئلة
التي عنون بها فقرات هذا العمل؛ فهو لا يفضّل أن يجعل عناوين كتبه إجابات مسبقة، ولكنه يطرح أفكاره في صيغة أسئلة، ثم يشرع في مناقشتها ليخلص إلى إجابات يراها مسلمّات ينبغي التقيّد
بها. غير أن الأسئلة المطروحة في الخلاصة اللاهوتية قلّما تتطرّق إلى المسألة السياسية، وإن حدث
فمن أجل ربطها بما هو روحي طغى على مضمون جميع المجلّدات الخمسة التي يتكوّن منها
الخلاصة اللاهوتية. وغالبًا ما يعود الأكويني إلى النصوص الدِّينية المعتبرة لديه مراجع أساسية،
وإن كان أوغسطينُس قد ظل ملازمًا له لا يفارقه؛ إذ كلما أراد أن يبرهن عن أمر ما يقوله على لسان
«أستاذه»؛ فهو مثلً يستشهد برأي أوغسطينُس القائل: «يمكن للإنسان أن يفعل غير الإيمان مكرهًا،
ولكنه لا يمكن أن يؤمن إلّ مختارًا ويتعذّر وقوع الإكراه على الردة، فيظهر إذن أنه لا ينبغي إكراه
الكفرة على الإيمان»...، وذلك في سياق جوابه عن الأسئلة المتعلقة ب «الإيمان» و«الكفر» و«الارتداد». ومع أن الأكويني يرفض إكراه من يسمّيهم الكفرة من الوثنيين واليهود على الإيمان، فلا مانع لديه من
أن يقوم «المؤمنون إذا قدروا أن يكرهوهم على ألّ يصدّوا عن الإيمان بالتجديف أو بخبث الكلام أو بالاضطهاد، ولهذا كثيرًا ما يثير المسيحيون الحرب على الكفرة لا ليُكرِهوهم على الإيمان، بل
ليكرهوهم على أن لا يصدوا عن الإيمان بالمسيح، ومن الكفرة من كانوا قد اعتنقوا الإيمان يومًا وهم
يقرّون به كالمبتدعة أو أهل الردة، وهؤلاء يجب إكراههم حتى بالعقوبات البدنية أيضًا على أن يُنجزوا
ما وعدوا به ويلزموا ما اعتنقوه من قبل».
(2((ديلو، ص.130 (2((إهرنبرغ، ص.105
2(((توما الأكويني، القديس، كتاب الخلاصة اللاهوتية، ترجمه من اللاتينية الى العربية بولس عواد، 5 مج (بيروت: المطبعة الأدبية، 1887 – 9081)، مج 5، ص.501
((3(المصدر نفسه، ص.502
لا يختلف طرح الأكويني بخصوص حرية المعتقد عن كثير ممّن سبقوه أو عاصروه، ولا يختلف عن
المقولات الدِّينية في السياقات الدِّينية غير المسيحية، التي ترى في الذي يختار عدم الإيمان بعد أن
آمن بدعة وارتدادًا يجب على فاعله «الاستثابة» بالمفهوم الفقهي الإسلامي، أو القتل، ولا يجد الأكويني
«صعوبة» في «البرهنة» عن مقولاته: «إذا كانوا لم يعتنقوا الإيمان فلا ينبغي إكراههم عليه، أمّا إذا قد
اعتنقوه فينبغي إكراههم بالقوة على لزومه... فإذا كان النذر اختياريًا، فإن الوفاء به اضطرار، وكذلك
الإيمان». ويعود مرة أخرى إلى «سلفه» أوغسطينُس حتى يُقنع من يخالف بصوابية مذهبه، «ناقلً»
عنه قوله: «ليس لأحد منّا يريد موت المبتدع (الذي تراجع عن الإيمان) غير أن (...) الكنيسة الكاثوليكية
إذا كان هلاك البعض سببًا لانضمام الباقين إليها تشفي ألم قلبها الوَالِدي بنجاة شعوب كثرة». ورغم أن المُنظّر الأبرز في تاريخ الفكر المسيحي يقرّ بأن الظاهر هو كون «السعادة مقرونة بالسلطة
لتشبهها بالله من حيث هو غايتها القصوى ومبدؤها الأول»، فإنه يعارض أن يكون ذلك ما استقرت
عليه الحال، فالسعادة والسلطة قد لا تلتقيان، ما دامت الأولى في نظر الأكويني «مجال النقصان بينما السعادة هي الخير الكامل»؛ فعالم الملك وعالم الكنيسة مكمِلّان بعضهما لبعض، بالنسبة إلى
الأكويني، والناس بتدعيمهم القانون وإنجاز ما تقتضيه المدينة الفضيلة لا يعملون كمواطنين صالحين فحسب، بل كمسيحيين صالحين أيضًا. هل في هذا يتمايز الأكويني عن أوغسطينُس؟ هل بدأ
الفكر المسيحي ينظر إلى السياسة والدنيا على أنهما قد يكونان إيجابيين، وأن من شأنهما تحقيق بعض السعادة؟ يرى صاحب مؤلف تطور الفكر السياسيأنه أضحى في الإمكان، لأول مرة مند سقوط روما، الشّك في أن المجتمع السياسي خير إيجابي، حتى بصورة محدودة. والتركيز الحصري على الجماعة
الدِّينية – السياسية الموحّدة أخلى مكانه شيئًا فشيئًا أمام الإمكانات الأخلاقية التي ينطوي عليها
النشاط السياسي الدنيوي في مجتمع مدني مسيحي. كما يرى جورد سباين أن الأكويني كان صريحًا أيضًا في تأكيده «قانونية» الحكومة الصالحة، وأنها
تختلف عن الحكومة المستبدة. ولكن سباين يستغرب غياب الأكويني عن تحديد على وجه الدقة «ماذا يعني بالسلطة القانونية في هذا المقام؟». ورغم إحاطته بالقانون الروماني، فمن الواضح أنه لم ينتبه إلى أن الروح السائدة في هذا القانون ترمي إلى إعلاء سلطة الملك فوق القانون نفسه. ولا بد أنه كان على علم بما كتب عن النزاع بين البابوية والسلطة الإمبراطورية، غير أن علمه هذا لم يدفعه إلى القيام ببحث دقيق في المبادئ التي ترتكز عليها السلطة السياسية. يبدو أن الجِدّة التي تميز بها الأكويني تعود إلى تأثّره بالفكرة الأرسطية بشأن الدولة؛ فعلى غرار أرسطو،
قام باشتقاق الدولة من الطبيعة الإنسانية، مستنتجًا أن الدولة لم تعد «مؤسسة حددها الله باعتبارها
((3(المصدر نفسه. ((3(المصدر نفسه، ص 503 ((3(الأكويني، مج 3، ص.188 ((3(ديلو، ص.131 ((3(سباين، ص.163 ((3(المصدر نفسه.
نتيجة للخطيئة وعلاجًا لها، إنما هي تعبير عن الطبيعة الإنسانية، وهي تقوم بخدمة الله بمعنى إيجابي
على نحو مباشر. كان الأكويني – ضمن حدود النظرة المسيحية للعالم – مستعدًا لإجراء تسوية بين
المفاهيم الكلاسيكية والمفاهيم المسيحية عن المجتمع السياسي. وقد وافق أرسطو على أن المدينة هي أعلى وأشمل رابطة كوّنها العقل الإنساني». لم يذهب هذا الاستنتاج بالأكويني بعيدًا عن الأوغسطينية، فلاهوتيته منعته من أن يقترب أكثر من
أرسطو، إذ هو «ينظر إلى الدولة، ليس فقط باعتبارها علاجًا للخطيئة كما نظر إلى ذلك أوغسطينُس،
بل هي ما خططّه الله للإنسان». وبمحاولته الابتعاد عن التقييدات الإيمانية للعقل، يكون الأكويني قد جعل العقل «ملكة تتيح للإنسان قدرة محدودة على الفهم والمشاركة في أعمال القانون الالهي
الأبدي»، وبهذا يكون الأكويني متفقًا، رغم بعض الاختلافات مع أوغسطينُس من حيث أنهما يفترضان
محدودية عقل الإنسان، وحاجة الإنسان إلى الوحي. وفي ما يتعلق بالمصلحة العامة، فإن الله «قد وهب العقل للإنسان لكي يُوجّه أفعالنا، وإن عقلنا لا خطيئتنا هو الذي يهدينا إلى العيش مع الآخرين
في تجمع سياسي». يظهر أن مقصد الأكويني يتمثّل في محاولة التوفيق بين عناية الله وحرية
الاختيار عند الإنسان – حيث الاختيار يخضع للعناية الالهية – إلا أنه «جعل عناية الله بالأبرار أعظم
من عنايته بالأشرار»؛ إذ يرى أن «العناية الإلهية تشمل جميع الأشياء، وذلك بخلاف ما ارتأى ديمقريطس والأبيقوريون الذين ردوا كل شيء إلى الصدفة أو الاتفاق، وبخلاف ابن ميمون الذي ارتأى أن العناية تتعلق فقط بالجواهر غير القابلة للفساد». والمسألة الثانية التي اختلفت فيها الأكوينية عن الأرسطية تتعلق بمسألة الحرية، فبينما رأى أرسطو في مفهوم حرية الفرد فضيلة من الفضائل، ربط توماس الحرية بفكرة التعددية. ومن ثم، فإن المشاركة
تنتج من التعاون الحر الخلّق، ومن أجل فتح الطريق نحو هذه الحرية يجب المحافظة على هذه المشاركة من خلال حب الله وتوجيه الحياة الإنسانية نحو المساعدة المتبادلة التي تهدف إلى تحقيق
السعادة، فضلً عن أن الأكويني لم يَنحُ بعيدًا عن التنظيرات الأوغسطينية بخصوص العلاقة بين
السلطتين الروحية والزمنية؛ فهو وإن رام حصر السلطة الروحية في البابوية، فإنه منح البابا سلطة زمنية على الحكام المدنيين: «إن للبابا وحده أن يقرر ما يجب أن يقوله أو يفعله، بناء على مهمته الما بعد طبيعية، وهو ما يمنحه حق التدخل في السلطة الزمنية وكيف ما شاء وفي أي وقت يحلو له». وبعد أن صاغ الأكويني مفهوم الإنسان المسيحي على هذا النحو، ذهب إلى أن هذا الإنسان بطبيعته حيوان سياسي، ولكنه يتميز بأن الجذور الاجتماعية والأنثروبولوجية للسياسة تُعرَّف هنا على أسُس
جديدة. وكما لخّص إريك فجولين في ما ينقله عنه سالفاتوري، فإن «درجة التجديد الأكوينية لا يمكن
((3(إهرنبرغ، ص.107
(38) Thomas Aquinas, «On Kingship,» in: The Political Ideas of St. Thomas Aquinas; Representative Selections , Edited with an Introd. by Dino Bigongiari, Hafner Library of Classics, no. 15 (New York: Hafner Pub. Co., 1953), pp. 175-179.
نقلً عن: إهرنبرغ، المجتمع المدني.
(3((ميلاد ذكي غالي، الله في فلسفة القديس توما الأكويني ([د. م.]: مركز الدلتا للطباعة، 9961)، ص.84 ((4(المصدر نفسه، ص 83، والأكويني، مج 1، ص.333 ((4(سالفاتوري، ص.208 ((4(شوفالييه، ص.167
المبالغة فيها: لقد بدأ المفهوم السياسي في منظور توماس يأخذ معناه الحديث، فلقد شرعت ثنائية الدِّين والسياسة تحل محل الثنائية القديمة بين القوى الروحية والقوى الزمنية، لقد كان المجال السياسي برأي توماس ما يزال يتّجه كلية نحو الروح، ولكنه قد وضع أساس البداية للتطور الحاسم
الذي عبر في فكر جون لوك حول خصوصية الدِّين واحتكار العمومية للسياسة، أدى إلى عدم إمكانية التكامل الكلي للجوانب الروحية محل المجال العام للسياسة». ولهذا يرى فجولين «أنه إذا كان
تحلل دولة المدينة قد شكّل خلفية لظهور الفلسفة الرواقية، فإن تحلل النظام الإمبراطوري كان خلفية لتشكل النزعة الوجودية». ويمكن القول إن السياق العام الذي انبعثت فيه فلسفة الأكويني السياسية قد منعها من أن تغيّر نظرتها
بشكل كبير إلى الإنسان والتاريخ والمجتمع، ولكن في الوقت نفسه ساهمت الأكوينية في بداية الشّك في إمكانية أن يكون لمملكة الأرض، بالتعبير الأوغسطيني، شيء آخر غير أنها عقاب إلهي
عن الخطيئة أو تكفير عن الذنب، وهو ما سيتوطّد أكثر مع المصلحين الآتين من مجالات أخرى غير مجال اللاهوت، أمثال مارسليوس دي بادوا.
على سبيل الختم
إن الذي أدى بنا إلى استعادة الحديث عن دور التأويل الدِّيني في تجنيب البشرية «الخصام» الكبير بين «الدولة» و«الدِّين» هو هذا الإحياء المتزايد للموجة الصراعية بين نطاقي «المعبد» و«كرسي الحكم الزمني»؛ فبعث النقاش حول المسألة الدِّينية السياسية في عالم اليوم (سواء في المجال التداولي
الإسلامي أو المجال التداولي الذي وُسِم ب «الغرب»، حيث «يناضل» بعض الأديان من أجل العودة
إلى العمومية، و«الانعتاق» من المجال الخاص الذي وضعتها فيه موجات العلمنة المتتالية)، يقتضي العودة إلى البدايات الأولى التي تحكمت في القول الدِّيني حيال السلطة الزمنية، وموقف الأخيرة من الشؤون الدِّينية؛ لأن من شأن التركيز على البدايات، وسبر أغوار الموجات المتعاقبة التي طبعت تداخل اللاهوت بالناسوت أو انفصالهما، أن يُجنّبا البشرية الاصطراعات التي لا فائدة منها. وهكذا، سلطت الدراسة الضوء على عامل التأويل الدِّيني، أو التجديد الدِّيني كما يُطلق عليه في
المجال الاسلامي، من أجل ملامسة سبل معالجة الصراع الذي قام بين الكنيسة والإمبراطورية في التجربة المسيحية، والدور الأساسي الذي أداه «الفقه الدِّيني» في رفد هذه التجربة، والحؤول دون
التّجمّد عند منهج محدد سلفًا. هذا، ويجدر التنويه بأن عملية الاسترجاع هذه لم تهدف إلى التقليد
والمحاكاة والاستيراد، لأن ذلك غير ممكن من أوجه عدة؛ فالأفكار التي طرحها أوغسطينُس والأكويني أضحت متجاوزة اليوم، كما أن ما يحدث في مجال سياسي معين لا يمكن أن يتم «استيراده» وتنزيله ضمن بيئة مغايرة، ولكن الهدف كان استعادة المنهج لا المضامين، لأن التجربة أثبتت أن منهج الملاءمة والتفاهم والتسامح تغلب على المنهج العنفي المتطرف الطارد لقيم التسامح.
((4(سالفاتوري، ص.209 ((4(المصدر نفسه، ص.212