عربية الإعلانات.... إلى أين؟
The Arabic of Advertisements […] To Where?
الملخّص
إن الممارسات المنتهجة في لغة الإعلانات العربية سوف تجرّ الويلات على مستقبلها ،وخاصة أنها تؤثِّر في فئات واسعة من شبابنا الذي يحفظ عباراتها ويردِّد مقاطعها، ويقلِّدها في تواصله اليومي. وبالتالي، فإنّها، كما سيأتي بيانه، تعمل على تسطيح الفكر، وتبقي التّواصل في درجاته الدّنيا، ويتمُّ بالحدِّ الذي لا يُفقه إلّا بردّه إلى المقام الذي تمَّ فيه؛ لغة تستدعي الإغراء وتلغي الإقناع، على الرغم من تبنّيها آلياته منهجًا في بناء الحجاج. تمارس التّدليس وتحجب الحقائق، الأمر الذي يحيلنا إلى أهمية اللغة في بناء الرسالة الإعلانية، ومن ثَمّة تخصيص حيّز من هذه الورقة للغة الإعلان من حيث خصائصها وآليات اشتغالها، وذلك حتى يتسنى لنا فهم الفلسفة التسويقية التي تتأسّس عليها هذه الرسالة.
Abstract
Practices followed in the language of Arabic advertisements will cause problems for the future of Arabic. The large affect they have on the lives of large numbers of youth who memorize their phrases and repeat jingles in their daily lives. This paper shows how language operates on the surface of thought, and communicates on its lowest levels. The language of advertising evokes seduction and does away with conviction, despite adopting mechanisms to build arguments. It practices fraud and hides facts. This takes us to the importance of language for constructing the advertising message, and part of this paper is devoted to the language of advertising in terms of its features and operating mechanisms, enabling us to understand the marketing philosophy underlying their message.
- عربية الإعلانات
- التواصل
- التدليس
- فلسفة
- Language
- Philosophy
- Advertisements
- Communication
إن الممارسات المنتهجة في لغة الإعلانات العربية سوف تجرّ الويلات على مستقبلها، وخاصة أنها تؤثِّر في فئات واسعة من شبابنا الذي يحفظ عباراتها ويردِّد مقاطعها، ويقلِّدها في تواصله اليومي. وبالتالي، فإنّها، كما سيأتي بيانه، تعمل على تسطيح الفكر، وتبقي التّواصل في درجاته الدّنيا، ويتمُّ بالحدِّ الذي لا يُفقه إلّ بردّه إلى المقام الذي تمَّ فيه؛ لغة تستدعي الإغراء وتلغي الإقناع، على الرغم من تبنّيها آلياته منهجًا في بناء الحجاج. تمارس التّدليس وتحجب الحقائق، الأمر الذي يحيلنا إلى أهمية اللغة في بناء الرسالة الإعلانية، ومن ثَمّة تخصيص حيّز من هذه الورقة للغة الإعلان من حيث خصائصها وآليات اشتغالها، وذلك حتى يتسنى لنا فهم الفلسفة التسويقية التي تتأسّس عليها هذه الرسالة.
توطئة
عملت تكنولوجيات الإع ماا والاتصال على اختراق الحدود القومية، وعلى التقريب بين الشعوب والأمم، ويسّرت التواصل بين الأفراد والجماعات، وسهّلت الاحتكاك بين الثقافات، فأصبحنا نتحدث عن الثقافة الكونية. وممّا زاد في إذكاء لهيب السعي نحو العالمية المنشودة هو التنافس التجاري المحموم بين العلامات التجارية، بغية الاستحواذ على الأسواق في جميع أرجاء المعمورة لتصريف منتوجاتها، متخذة من القوانين التي شرَّعتها المنظمات الدولية – تحت ستار
التعاون الدولي – سبيلً، إضافة إلى تلك التجمعات الإقليمية، بما وفّرته لها من حماية لحرّية انتقال رؤوس الأموال والممتلكات وحرّية التبادل التجاري. انعكست آثار هذه التحولات في ما يمكن أن نسمه بالاختراق Transgression) (العالمي لقطاع الاتصال والإعلان اختراقًا واضحًا، الأمر الذي جعلنا نعيش بداية تشكّل جغرافيا جديدة قوامها العلاقة المعقدة القائمة بين الاقتصاد والثقافة العالمية بفعل التشبيك، وصار معها تدويل صناعة الإعلان رهانًا أساسيًا، مسايرة لمرحلة تدويل المجتمع1. ومن ثمّ صار النّص، بوصفه بنية لغوية سطحية تتجسد عبرها تأثيرات العولمة، عرضة لتقاطعات لسانية وغير لسانية، وكذا على مستوى مضمون الرسالة الإعلانية، بخضوعه لجملة من التحويرات يمكن وسمها بإكراهات Contraintes) (العولمة، وذلك من منطلق أننا نعيش حضارة النّص المعولم بامتياز؛ ذاك النّص الذي يسعى إلى تكريس ثقافة الاختراق والاحتواء للآخر المستلَب، فهو يعمل على غرس القابلية فيه على التسليم بضَعفه أمام سلطة الهيمنة الغربية، وبالأخص الأميركية، و: «تتولى القيام بعملية تسطيح الوعي، واختراق الهوية الثقافية للأفراد والأقوام والأمم ثقافة جديدة لم يشهد التاريخ من قبل لها مثيلً: ثقافة إشهارية إعلامية سمعية بصرية تصنع الذوق الاستهلاكي (الإشهار التجاري) والرأي السياسي (الدعاية الانتخابية)، وتشيد رؤية خاصة للإنسان والمجتمع والتاريخ؛ إنها «ثقافة الاختراق» التي تقدمها العولمة بديلً من الصراع الأيديولوجي2، وهو ما يدفعنا إلى القول إن هذا النّص يحمل المتلقي المفترض على عيش حالة الانبهار، ومن ثَمّ الانقياد نحو الإيمان بالمفاهيم والقيم التي يحوِّلها، والتي تكون محصّلتها النهائية الانتقال بالمتلقي المفترض من مجرد متلق للنّص إلى مستهلك فعلي للمنتوج المشهر له. وهنا تتحول اللغة المتمظهرة عبر النّص من مجرد وسيلة إعلام واتصال إلى آلية من آليات ممارسة السّلطة3 وتحقيق التأثير الضاغط لصالح الرسالة الإعلانية، الأمر الذي يحيلنا إلى أهمية اللغة في بناء الرسالة الإعلانية، ومن ثَمّ تخصيص حيّز من هذه الورقة للغة الإعلان من حيث خصائصها وآليات اشتغالها، وذلك حتى يتسنى لنا فهم الفلسفة التسويقية التي تتأسّس عليها هذه الرسالة؛ ذلك أن التسويق لا يراد به، كما هو باد من ظاهرها، المنتوج أو الخدمة المروَّج لها، بل هنالك قيم مضافة تندرج ضمن ما يمكن وسمه بلغة تداولية بالمسكوت عنه، أو بالمفهوم، بتعبير علماء الأصول لدينا. ننتقل بعدها إلى موقعية اللغة العربية في الإعلانات الموجّهة إلى المستهلك العربي، وأي عربية تلك التي هي مدار المدارسة، ومستويات الخلل التي لحقتها، والسرّ الكامن وراءها. من المؤكَّد أننا لا نقصد بالخلل ما عُرف عند أس فاانا باللحن الذي يتجلى في مستويات التركيب والبناء الصرفي وفي الإعراب، وحتى في الجوانب الإملائية للغة المكتوبة، وقد قيل
عنه الكثير4. إن ما نتوجّه إليه بالقصد أعمق وأخطر – وإن كنّا لا نقلّل من خطر اللحن – لأنّه يمس جوهر اللغة وسرّ عبقريتها، ويخلخل نسقها الفكري في الصميم. تأسيسًا على ما تقدم، سيلحظ القارئ أننا أغفلنا التطرق إلى مسألة اللحن الذي يطبع الإعلانات التجارية؛ فتركيزي منصبّ على ما أجيز لنفسي تسميته الجرائم اللغوية التي تُرتكب في حق العربية وفق خطط مدروسة واستراتيجيات متقنة ومعدّة سلفًا، وموثوق من فعاليتها في الإتيان على بنيانها من القواعد؛ أي إن الورقة ستركز على ما له صلة بتكريس ثقافة الاختراق المتحدث عنها آنفًا. وتحضرني في هذا الموقف مقولة الأعرابي الذي وقف على مجلس الأخفش، فوجد القوم يتطارحون مصطلحات وتعابير لم يفقه منها شيئًا، وهو الأعرابي القحّ الغارق في البداوة: «أراكم تتكلّمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا»5، مع الفرق في النيات والمقاصد بين هؤلاء وأولئك. كما أن الورقة لن تركز على الوسائط وقنوات تمرير الرسائل الإعلانية، والأسس النفسية التي يُبنى عليها الإعلان، وغير ذلك من الأمور الفنية، فذلك مما تعجّ به الدراسات القائمة في ميدان الاتصال والإعلام. إن الممارسات المنتهَجة في لغة الإعلانات العربية سوف تجرّ الويلات على مستقبلها، وخاصة أنها تؤثر في فئات واسعة من شبابنا الذي يحفظ عباراتها ويردد مقاطعها، ويقلِّدها في تواصله اليومي. وبالتالي، فإنها – كما سيأتي بيانه – تعمل على تسطيح الفكر، وتبقي التواصل في درجاته الدنيا، ويتمُّ بالحد الذي لا يُفقه إلّ بردّه إلى المقام الذي تمَّ فيه؛ لغة تستدعي الإغراء وتلغي الإقناع، على الرغم من تبنّيها آلياته منهجًا في بناء الحجاج، وتمارس التدليس وتحجب الحقائق.
مفهوم الإعلان وخصائص لغته وآليات اشتغاله
المفهوم
لم نجد – في ما عدنا إليه – من تعريفات تعريفًا واحدًا يضبط الإعلان بما هو نص ذو بنية لسانية، بل هناك مفاهيم متعددة له في انبنائه الكلي لسانيًا، وأيقونيًا وتشكيليًا، وهي مرتبطة بقصديته، وكيفيات تشكُّل رسالته. من هنا، جاز لنا تأكيد أنه يستجيب للخصائص النّصية المتمثلة في الاستقلالية والانغلاقية والاكتمال الدلالي والتجلي الكتابي والغائية التواصلية وتمظهر ملفوظاته في سياقات فاعلة6، أي إن نصيته Textualité) (تتحقَّق مثل بقية النّصوص عبر قصديته وسياقيته وتواصليته وانسجامه واتساقه
وتناصه مع نصوص أخرى، وتحقيقه مبدأ الاستحسان7، إلّ أنه يكتسب فرادته من موضوعه، ومن الغاية التي وجِد لها. وليست غاية واضع النّص التعبير عن آرائه وأحاسيسه، وإنما الإعلام، وبالأخص العمل على إقناع المتلقّي، ومن هنا كان الفعل الإعلاني في قلب المسار الاتصالي، فالإعلام والإقناع تبليغ لرسالة. وكما هو م حَظ، فإن هذا التعريف قائم على أساس قصدية النّص المتمثلة في التأثير والإقناع، والوسيلة أو الحامل الممرَّر عبره النّص، وهي وسائل الاتصال. وقد حُدد أيضًا وفق مرجعية لسانية وسميائية، فنُظر إليه على أنه: «النّص اللغوي الذي قوامه الكلمة واللون والصورة والحركة والإيقاع، وهي عناصر تتضافر وتلتقي كلها أو بعضها لتكون لغة أخرى»8. ويبقى التعريف الأقرب – في نظرنا على الأقل – إلى طبيعته هو الذي يرى صاحبه أنه ممارسة خطابية لا يمكنها الانف ت من إشكالية التواصل، الذي يتطلب تفاعلً بين هيئات مرسلة ومتلقية، كما يستدعي حضور المعيار اللساني الثقافي المشترك، وهو ما يجعل منه فعل توجيهيًا Instructionnel) (في المقام الأول. وعليه، فإنه يصير ملتقى مجموعة من التقاطعات المتمثلة في التعاقدات المختلفة، اللغوية منها والاستراتيجية والتواصلية والثقافية9. الحاصل أن هذا التعريف ارتكز على مبادئ ذات بُعد تداولي، منها أنه فعل توجيهي، وبهذا يمكن رده إلى أفعال اللغة التي يحاط بها ضمن سياق ثقافي اجتماعي بناء على جملة من المواضعات Conventions) (القائمة بين أطراف العملية الاتصالية. بعد هذا البسط لمفهوم الإعلان بوصفه نصًا لسانيًا تواصليًا، نرى أن من الواجب أن نعرض لبعض التعريفات التي تصدت لمفهوم الإعلان في كُلِّيته. ونبدأ بما ورد في موسوعة Encarta، التي تقدمه على أنه الإعلان الذي يُقصد من ورائه الترويج لعملية بيع الممتلكات أو الخدمات، وممارسة فعل نفسي لغايات تجارية، ويسعى إلى تعريف الجمهور بمنتوج ما ودفعه إلى اقتنائه10. ويُعرَّف أيضًا بأنه «وسيلة غير شخصية لتقديم الأفكار والسلع أو الخدمات بواسطة جهة معلومة ومقابل أجر مدفوع»11. ويستخلَص من التعريفين أنهما يقدمانه على أساس الدور الموكول إليه (تقديم منتوج، عرض خدمة، طرح فكرة)، والقصد المتوخّى منه (دفع المتلقّي إلى الاقتناء، اعتناق فكرة)، والكيفية المنتهجة
(ممارسة فعل نفسي لتحقيق الإقناع). وقد لوحظ أن التعريفات التي قُدمت للإعلان انصبّت عليه بوصفه حدثًا اتصاليًا أكثر من قيامها بتحديد مفهومه12. تستوجب هذه العمليات المعقّدة تضافر جملة من الآليات التي تُسترفد من حقول معرفية مختلفة، يتقاطع فيها اللساني بالنفسي والاجتماعي والحضاري..13. لأجل تحقيق فعل ترويجي ذي ثأثير في المتلقّي المفترض، وهو ما يجعل الإعلان ينبني على المرتكزات التالية: القصد L’Objectif) (؛ الفئة
ترتبط هذه المرتكزات ذات الأساس التداولي التواصلي بالشروط التي تساهم في تحقق اشتغال الملفوظات، الذي يتجلّى في مراعاة حال المخاطب، والغاية من إنشاء الرسالة، والمستوى اللغوي الموظّف، وهي مرتكزات قائمة جميعها على كيفية الوصول إلى إقناع المتلقّي ودفعه إلى اقتناء المنتوج عن طريق التأثير، إما بالإقناع وإمّا بالإغراء.
خصائص الإعلان اللغوية
تتصف الكتابة الإعلانية بجملة من الخصائص: أولاها إقصاء كلّ شكل من أشكال الثرثرة بناء على قانون التعبيرية La loi d’expressivité) (14 الذي يتأسّس على اختيار الدوالّ الأنسب للمقام التواصلي، كالمميز Logo) (، والكلمات النادرة التي تعمل على تثبيت المنتوج/الخدمة لدى المتلقّي، وتعيين شكل المتوالية اللسانية ذات الصبغة التلغرافية. وثانيتها قيام الإعلان على مبدأ اللاتنظيم الجُملي، حيث تبدو جمله مفكّكة لا رابط بينها، فهي تقوم على مجرد «رصف الكلمات، أي إن وسائل الاتساق، كأسماء الإشارة والأسماء الموصولة والضمائر والظروف بمختلف أشكالها، تكاد تنعدم فيه»، وما يحقّق الانسجام الداخلي هو مراعاة طبيعة البنية العميقة للنّص، وذلك بفهم واستيعاب المفاهيم المنطقية الدلالية الموظّفة في النّص، الأمر الذي يجيز لنا أن نطلق عليه اسم النّص المتشظي Fragmenté) (، إذ يبدو مفكّكًا على مستوى البنية السطحية، متجاوِزًا لقواعد البناء النّحوي15. وثالثتها تميز جمل بعض النصوص بالسّمة التقريرية الإخبارية المباشرة، واعتماد المعاني الجاهزة التي يتقبّلها المتلقّي، ولا يشكّ في صدقيتها، لعدم منافاتها للطبع، وهي مدار الحِجاج. ورابعتها التكرار، وعلى الخصوص تكرار اسم المنتوج والعلامة التجارية المحددة لهويته، وذلك بقصد تثبيت المكرّر في ذاكرة المتلقّي، نظرًا إلى كون تكرار الاسم وعلامته من مظاهر تفرُّده وتميزه
التي تعمل على ترسيخ سمات الجودة والأصالة والمصداقية الضامنة للمنتوج، وكذا اللّعب على خاصية التجانس الصوتي القائم بين الفواصل اللغوية، ومن أمثلة ذلك توظيف الجناس والسّجع والتورية. يقود هذا كله إلى مراعاة المواصفات اللسانية الآتي ذكرها في إعداد النص الإعلاني الفعّال: – شعار صريح يشد الانتباه. – تقديم الأهمّ، والمتمثل في الإجابة عن الأسئلة التالية: مَن (الفئة المستهدفة)؟ ماذا (المنتوج)؟ كيف (طريقة الاستعمال)؟ أين ومتى (ظروف الاستعمال)؟ – تخصيص فقرة قصيرة لأجل التوضيح الدقيق للأوجه الأساسية للمعلومة المقدمة، وأن تنطلق من الأكثر دقة إلى الأكثر عمومية. – تذييل النّص بتوضيحات تتناول هوية المؤسسة، وكيفية الاتصال بها لطلب المزيد من المعلومات16. وبما أن غاية المعلنين ليست الدخول في حوار مع المتلقّي/المستهلك، وإنما الإمساك باهتمامه، فإننا نجد صنّاع الإعلان ومحرّري نصوصه يقومون بعملية استعلام، غايتها معرفة الفئة المستهدَفة أو الأكثر قابلية للاستجابة لمحتوى الإعلان، بقصد معرفة المتوجّه إليهم بهذا النّص (الجنس والسن والطبقة الاجتماعية...)، وما يفكرون فيه، وتصرّفاتهم، ونوعية رغباتهم، وطبيعة أحلامهم... لأن مثل هذه المعلومات تساعد على وضع الشعارات المناسبة، ومعرفة العوامل المحتمل وقوفها حاجزًا في وجه الرسالة أو العكس، أي إنها تقوم بدور العامل المساعد على صوغ نص ناجح يحقّق قصدية المرسل. مجمل القول أن لغة الإعلان تتميز بكون جُمَلِها صادمة ومبعثرة في فضاء الملصق ومكثفة، ويستثمر فيها المكوّنات كلها، والبنى اللسانية الظاهرة والمضمرة لخدمة مقصديته، ويعضده في وظيفته مكوِّن أيقوني يقوم بدور الترسيخ Encrage) (الدلالي، بمفهوم بارت (Barthes) 17، من منطلق أن هذا الخطاب بصري في جلّ بُناه. ولكي تحقِّق تلك الخصائص اللسانية فاعليتها تداوليًا، فإنها تنتظم في بنية ثلاثية تتمظهر في التسميات Appellations) (والشعارات Slogans) (والتحرير Rédactionnel) (.
آليات اشتغال اللغة في الإعلان
لا يمكن أن يجري من خ لاا الآليات الموظفة في الإقناع الإشهاري الحديث عن أدوات إجرائية تنبني على الحجّة والدليل المنطقي المفحِم، بل على العكس من ذلك تمامًا، لأن أساس الحِجاج هو اللسان والأيقونة، كتكرار اسم المنتوج، بغية غرسه في ذاكرة المتلقّي، واعتماد العبارات الموجزة ذات المقاطع البسيطة. وعلى حد تعبير اللساني جورج زيبف18: الكلمات الأقصر والأبسط والأكثر
تنوّعًا وظيفيًا والأكثر واستعمالً وتأدية، بمعنى أن نصًّا إعلانيًا ينبغي أن يتشكّل من 75 في المئة من الكلمات المُكوَّنة من مقطعين صوتيين (Syllabes) 19. كما يعتمد في أحايين أخرى على الغرابة في انتقاء المتواليات اللسانية، التي تثير الانتباه بطريقة تشكُّلها، إمّا على خاصّية صوتية معينة، تقوم على النّبر والتنغيم وتجانس الأصوات، وإمّا على خلابة اللغة. ينبغي أن يشار في هذا المقام إلى آلية أخرى تُعتمَد كثيرًا في الإعلان، ألا وهي توظيف اللغة بوصفها وسيلة للتدليس، فتتحوَّل من مجرد كونها وسيلة اتصال مثلى بين الفاعلين الاجتماعيين إلى آلية لمجموعة من الادعاءات التي تعدم الإثبات، وذلك بوساطة بعض الإحالات اللسانية، من أمثال: «جديد»، «عرض محدود»، «كمية محدودة»، «عرض صالح من... إلى...»، «بادروا إلى الشّراء قبل نفاد الكمية عبر إرسال قسيمة الشراء»، كلّ ذلك بغية إيهام المتلقّي بأن المنتوج نادر، ولا يُسوَّق إلّ بناء على طلب الزبون، وهذا ما يجعل المنتوج محاطًا بهالة من التبجيل تصنعها اللغة بتغييبها عن طريق هذه الآلية الخطابية لجميع المظاهر التجارية التي يُشتَمّ منها رائحة الربح وتصريف المنتوجات، أي يُبتغَى بهذه الآلية اللسانية «إيهام شخص ما بصحّة مقولات أو أقوال... ويؤدي الاعتقاد بصحة هذه المقولات إلى اتخاذ مواقف معيّنة من الأشياء والأشخاص وأساليب السّلوك»20. وأكثر ما يتجلّى ذلك في النصوص المروِّجة لمواد الزّينة والتجميل المزيلة لتجاعيد الوجه، وكذا تلك التي تقضي على شيب الشَّعر في مُدَد قياسية. ومن الطرائق اللسانية الأخرى لتحقيق التأثير المطلوب بناء الرسالة الإشهارية في قالب سردي ذي متن حكائي، يتمُّ من خلاله شَخْصنَة Personnification) (المنتوج في طولية زمنية تُظهر حالة الفرد قبل تعاطيه المادة المشهَر لها، والتي يسمّيها الباحث المغربي سعيد بنكراد «الماقبل»، وحالته بعد تدخُّل المادة، والتغيير الذي تحدثه في حياته، والتي يطلق عليها «المابعد»21، بمعنى أنه يتمُ «تَسْريد» Narrativisation) (وضع إنساني لعقدة طال أمدها في الزمان وفي المكان، ويتدخل المنتوج لحلِّها، مع ما يصاحب ذلك من حالة انتشاء، وهذا ما يدل ضمنًا على إخفاء الغاية النّفعية، كما في الحالات كلها، وبجميع الآليات الموظَّفة. وفي المقابل، يُعمَل من خلال هذه الآلية على تجلية البُعد القيمي للمادة/الخدمة المشهَر لها، فدخول السيارة إلى عالم الفرد ليس معناه امتلاك مجرد وسيلة تنقُّل، بل إن المعلن يركِّز على القيمة المضافة Valeur ajoutée) (، والمتمثلة في المكانة الاجتماعية، وكذلك بائع الأحذية النسائية، فإنه يبيع الأقدام الجميلة، والمشهِر للملابس النسائية، فإنه مروِّج للأنوثة الصارخة، وهلم جرًّا. ويوظِّف الإع ن آليتي التقرير والإيحاء في تمرير رسائله، وفق نمطية يسمّيها بارت المفارقة Paradoxe) (، وتتمثل في وجود رسالتين واشتراكهما في فضاء واحد على مستويين، الأولهو المستوى الحرفي الذي يوسم بالمستوى التقريري Dénotatif) (ويقدم المنتوج خاليًا من أي سقف قيمي. و الثانيهو المستوى الذي يُعرف بالمستوى الإيحائي Connotatif) (، وهو المراد، إذ يُدفَع من
خلاله المتلقي دفعًا إلى اقتناء المادة/الخدمة المشهر لها22. ومكمن المفارقة في اجتماع الرسالتين معًا، ويتمثل في دور هذين المستويين –برأينا على الأقل – في كون الأول يتصدى لمهمة تعريف المنتوج وجعله مألوفًا ومستأ نَسًا في الفضاء الذي يسري فيه، وذلك بحفر صورته وغرسها في مخيلة المتلقّي المفترض، ومن ثم العمل على دفعه إلى الشراء وإلى مزيد من الشراء. وتُعرف هذه المفارقة عند البعض بالثنائية الضّدية (Ambivalence) 23، والمتمثلة – كما سبق أن مرّ معنا – في اجتماع المستويين: الحرفي Littérale) (، وهو دوال النّص ومتوالياته اللّسانية، والإيحائي، وهو الَمقصِد والمبتغى، ويراد به التأثير في المتلقّي المفترض. يلاحَظ كذلك في هذا المقام لجوء المعلنين إلى استثمار الخطأ في تمرير رسائلهم، إذ يعمدون إلى توظيف بنى لسانية غير سليمة قواعديًا، بغية مد الصّوت وإبراز نبرة متميزة لأجل تثبيت العلامة التجارية المروَّج لها في ذاكرة المتلقّي، وكذا بغية خلق الفرْق، والتميز من العلامات المنافسة في سوق الخدمة ذاتها، بعملها على لفت انتباه المتلقّي بالخطأ الظاهر على المستوى السطحي للبنية، فبتوظيفه تكون البنية اللسانية قد خرجت عن مألوف الترّكيب. كما قد يتجلّى ذلك في الانتقال بين نظامين لغويين أو أكثر، وكمثال على ذلك ما نلحظه من المزاوجة بين التعبيرين العامي والفصيح في الإعلانات الجزائرية، وكذا إقحام بنى أجنبية من اللغتين الفرنسية أو الإنكليزية في النّص ذاته، وهو ما سنعود إليه بالتفصيل في موضع آخر من هذه الورقة، والمعروف بالتعاقب اللغوي. وإن نحن انتقلنا إلى النمطية التي تُعد وفقها تلك النّصوص، فإننا نلفيها غير محايدة ولا بريئة؛ فهذه الهيكلة تُستثمَر على أنها آلية حجاجية في قراءة النّصوص وتلقّيها، وذلك بعملها على تسهيل عملية إدراكها في أثناء عملية المسح القرائي24 لفضاء الملصق، وتكون صورة العلامة، أو ما يُعرف بالمُمَيز، ضامن المنتوج المشهَر له، ودليلً على مصداقية المادة/الخدمة موضوع الإعلان. بقي الالتفات إلى جانب على قدر كبير من الأهمية في انبناء هذه النّصوص، واستراتيجيات اشتغالها بغية تحقيق التأثير بالرسالة الممرّرة، وهو البُعد الأيقوني في علاقته بالنّص اللساني، والذي يمكن إدراجه ضمن بلاغة الصورة على حد تعبير بارت25، حيث تدخل في علاقة مع النّص قوامها الترسيخ والتدعيم كما أُشير إلى ذلك من قبل؛ فالمعلن الناجح ليس ذاك الذي يتمكَّن من إقناع المتلقّي بجدوى المادة/الخدمة المروَّج لها، بل ذاك الذي يتمكَّن من خلق حاجات، ولو زائفة، لديه عن طريق استثارة رغباته الدفينة وتحيينها بفعل لعبة الصورة الخلّبة التي تستطيع أن تخلِّص فعل الشراء من الراهن والمبتذل26، وتجعل من فعل التبضُّع متعة بإخراجه من دائرة الروتيني والمتكرِّر.
نخلص في خاتمة هذا المبحث إلى أن الدعاية الإعلانية قوامها الكلمة الخلّبة والصورة المخادعة، وذلك بدغدغة مشاعر المتلقّي وتحريك غرائزه. ولتأدية هذه المهمة، يستعين المعلن بالعوامل غير اللسانية المسترفدة من مرجعيات اجتماعية ونفسية، وهو الأمر الذي يجعل حقل الإشهار نقطة تقاطع لمجموعة من العلوم يستثمر نتائجها في بناء رسائل محقِّقة للغرض النفعي المتمثّل في الربح وتصريف المنتوجات. وبذلك يغلب عليه البُعد التداولي المضمر للتوجيه والمظهر للإثبات والتأكيد، بوصفه فعلً لغويًا.
راهن العربية في حقل الإعلانات
غدا الإع ن حقلً معرفيًا يتمتع – مثل بقية الحقول – بجهازه المفاهيمي ومعجمه القطاعي ولغته الواصفة وخاصيته التطورية المتجددة، وهو ما استتبع تحيينًا مستمرًا في المفردات الموظَّفة التي ينبغي لها أن تساير خاصيتة التطورية، وذلك بالرجوع إلى المعجم العام للغة، وكذا الاعتماد على الآليات اللسانية التي توفّرها قواعدها، كالقياس والنحت والتوليد والاشتقاق والحذف والاختصار، ومراعاة مجموعة من المعايير، مثل الاقتصاد اللغوي والسهولة والخفّة اللغوية. وصارت لغة الإعلانات، بما تحمله من مواصفات، محلّ انتقاد المَجْمَعيين، فوُجِّه إليها الكثير من الانتقادات اللاذعة، منها أنهم جعلوا اللغة خليطًا مستهجنًا، وأن مثل هذه الجرأة على تجاوز القواعد المعيارية تشوِّه اللغة. وفيهم من رأى فيها اغتصابًا وتحريفًا للتراكيب المتعارف عليها، وقد قيل كذلك إن لغة الإعلانات صارت لغة داخل اللغة27. كما أن أحد الغربيين وصف هذه اللغة في كتاب سمّاه القاعدة والوحش – مع ما تحمله دلالة العنوان من إيحاءات – باللغة اللقيطة bâtarde) (، وأن هذا المستحدَث «كائن لساني هجين وُلد من معصية أصولية»28. نعي ممّا تقدم أن الجرأة على قواعد اللغة ظاهرة متفشية في جميع اللغات وليست مقصورة على العربية؛ إذ كثرت الشكوى من إهمال المعلنين سلامتها القواعدية. ويكفي الاطّلاع على ما يُنشر في مختلف الصّحف من النّصوص لمعاينتها، فالأمثلة كثيرة. ويتبين ممّا سبق أن واضعي النّصوص الإعلانية يبحثون عن النجاعة بمختلف الطرائق ولو أدى بهم الأمر إلى تجاوز خطّ الممنوعات اللغوية، فكلّ ما يخلق التفرّد والتميز مباح عندهم. وهذا ما نلمسه بجلاء في الصرخة التي أطلقها أحد المتحمسِّين من صنّاع الإشهار في وجه منتقدي هذه اللغة المستحدثة، بدعوى أن الابتكار والتجديد يسوِّغان لهم اختراق اللغة وهدم نسقها، وفي ذلك الهدم بناء: «يجب أن نمتلك القدرة على الابتكار، يجب أن نغامر، وأن نخرج عن الصواب، فمعرفة القواعد لا تعني عدم اختراقها، فإن انعدمت الإبداعية، انعدمت معها الحياة، يجب أن تحيا اللغة، وأن تتطور مع الزّمن... نحن ملزمون بواجب الابتكار... ولكن لأجل الوصول إلى هذا المبتغى يجب أن نكون كالمناشف في القدرة على امتصاص التأثيرات الخارجية، فكل ثقافة، وكل لغة تعيش التهجين الآن، وهو ما يعني بالضرورة أن هناك عمل اقتراض،
وإعادة تملُّك للمقترَض، ولغة الإشهار لا تستطيع البقاء على الهامش، وإذا ما وقع لها ذلك فمعنى هذا أنها ستنقطع عن الحياة»29. إن هذه اللغة الموصوفة بالوظيفية، بما سبق عرضه من مواصفات، تكون قد تلبّست بلَبوس العولمة التي نراها تتبدى على مستوى سطح النّص وعمقه، والتي هي في الحقيقة آليات هدم ممنهج لنسق العربية وروحها.
آليات الهدم الممنهج لنسق العربية وروحها
أطلقنا وصف الهدم الممنهج على ما تتعرّض له اللغات بعامة والعربية بخاصة من مسخ وتشويه لنسقها وروحها في ميدان الكتابة الإعلانية في زمن العولمة، نظرًا إلى حالة تقنين الخطأ وتعييره كأنه الصواب تمامًا بدعوى مسايرة اللغة للتطورات الحاصلة في هذا الحقل الذي لا يتوقف عن التجدد، وكذا مواكبة للمستجدات في مختلف مجالات الحياة المعاصرة التي لا تقبل التجاهل والتأجيل. وقد أمكننا حصر هذه الآليات في:
الترجمة الجافة والمحاكاة الميكانيكية
إن متتبّع الدور المنوط بالترجمة القيام به في مجال الإعلان يجد نفسه بإزاء أربعة مصطلحات مفتاحية تتعاضد في ما بينها في هدم اللغات وإنتاج نسق ثقافي مساير للنظام المعولم. وهذه المصطلحات هي: العولمة وما يستتبعها من اختراق واحتواء للآخر، مع سعي إلى تحقيق الاندماج في ثقافة الغالب وهيمنته، وهو ما يعني ضمنًا إحلال الانصهار محل الصراع الأيديولوجي. الترجمة بوصفها إظهارًا للتمايز واغترابًا وإبقاء لمسافة التباعد مع الآخر واعترافًا بالأيديولوجيا. الإعلانبما هو ثقافة عولمية تهدف إلى الترويج الاقتصادي، وتعمل على خلق حالة انبهار تجاه الآخر من خلال منتوجه، وتعميم ثقافة صاحب السلعة/الخدمة وقيمه، وبيع أوهام وأحلام، وخلق حاجات زائفة، لأن الاستهلاك فعل ثقافي في المقام الأول. الثقافة بما هي مجموع القيم والموروثات والخصوصيات والممارسات والعادات والتقاليد التي تميز شعبًا من آخر. يحقق تلاقح هذه المصطلحات الأربعة تناسل منظومة مفاهيمية تتعالق في ما بينها لتشكّل قضية مركَّبة، يمكن أن نوجزها في الإشكالية الآتية: كيف يتحقَّق الاختراق العولمي المتمظهر في نصوص إعلانية للثقافات المحلية عبر الترجمة؟
إن الطرائق الترجمية تتأثر بشكل لافت بالاستراتيجيات المتبناة في الممارسة الإعلانية، وكذا في الترجمة لتلك النصوص؛ إذ إن الترجمة الحرفية Traduction littérale) (، بوصفها حفاظًا على التمايز والاختلاف، إذا اعتُمدت أسلوبًا، فمعنى ذلك أن المنتوج المشهَر له مرتبط بالمكان وبثقافة المنتج، وهو ما يُفهم منه أن الإحالة الثقافية تقدم سندًا قيميًا يرسِّخ المنتوج لدى المتلقّي المفترض، وهذه دلالات إيجابية يعمل المعلن على تعزيزها، كما في حالات الأجبان الفرنسية ذات الشهرة العالمية، التي تعتمد الترجمة الحرفية في نقل الرسائل إلى لغات العالم، من مثل La vache qui rit، حيث إذا اعتمد في ترجمتها أسلوب المحاكاة Calque) (، فتُترجَم إلى العربية بالبقرة الضّاحكة، أو يتمّ الإبقاء على اسم المنتوج كما هو في أصله الفرنسي، عبر عملية إعادة غرسه كما هو في اللغة/الثقافة المستقبِلة، من منطلق أنه اسم عَل م، وفق ما يسمّى التوطين Transplantation) (. ويكفي للتأكُّد من صحة هذا الادعاء العودة إلى تاريخ هذه العلامة التجارية في جميع الأسواق التي تسري فيها، والتي قيل عنها إنها تصلح للترجمة الحرفية إلى لغات العالم كافة، وهذا سرّ قوتها، كما قيل30. ويلجأ مترجم الإعلانات أحيانًا إلى ممارسة فعل ترجمي غير مباشر، يُعرف في حقل الإعلان بالتكييف Adaptation) (، بغية إخفاء ما قد يثير حساسية الشعوب المتوجَّه إليها؛ أي إن البعد المكاني هاهنا قد يكون عاملً معوّقًا في رواج المنتوج وانتشاره، ومن ثم يعمل المعلن والمترجم معًا على إخفائه، وبذلك يُصبَغ بالصبغة الكونية، كما يمكن أن ينتهج أسلوبًا ترجميًا آخر يُعرف بإعادة الكتابة Réécriture) (، وهو شكل من أشكال الترجمة التأويلية، قصد تأهيل الرسالة للتوافق ومقتضيات السياق السوسيوثقافي الجديد الذي ستخترقه. ويتبع المعلنون تقنية أخرى تساعد على اختراق الثقافات المحلية عبر النّصوص المعدَّة، وتتمثّل في أن النص عندما يوضع في لغة المصدر يراعي فيه القابلية للترجمة Traduisibilité) (، وهو ما يعني أن على معد الرسالة أن يضع في الحسبان أن رسالته ستنقل إلى لغات/ثقافات أخرى، أي عليه أن يؤهِّل رسالته للهجرة والعبور إلى مناطق لسانية أخرى31. كما يضع هؤلاء العامل الثقافي في الاعتبار بصورة دائمة، من منطلق أن الترجمة تقع بين ثقافتين لا بين لغتين32، وبهذا يتحوَّل المترجم من مجرد محوِّل من نسق لساني إلى نسق لساني آخر، إلى وسيط بين ثقافتين، مع ما تتطلبه مهمة الوساطة من تسلُّح بتقنيات ومهارات وقدرة على التكيف مع الأوضاع الترجمية الصعبة، بغية إيجاد الحلول التي تتعدد وتتنوّع بين اللساني وغير اللساني؛ فهي مهمة قوامها تذويب الاختلافات وتسهيل مرور النّص إلى الثقافة الهدف، وجعله مُتقبَّلً بحيث يؤدي التأثير الضاغط نفسه على المتلقِّي في اللغة الهدف، تمامًا مثل الذي أحدثه في اللغة المصدر. وبذلك
يصير المترجم مبدعًا:»فلا يكون عليه أن ينقل النّص الأصلي وينسخه، ولا بتبليغ معناه الأصلي، إذ لا علاقة للترجمة بالتبليغ والإخبار، مهمّة المترجم أن ينقل من ثقافة إلى أخرى »33. وحينئذ يكون الاختراق قد تحقّق؛ فالرسالة التي يحملها نص الإع ن ليست فقط تعدادًا لمزايا منتوج ما وحديثًا عن صفاته وخصائصه وكيفية استعماله، بل إنها تنقل أيضًا فلسفة حياة ونمط عيش وأسلوب تعامل ورؤية للعالم. وبذلك، تعمل الترجمة على تحقيق التعميم وتنميط الأذواق ونشر ثقافة المنتج، وبالتالي يُعمَّم النموذج. كما أن الإبقاء على أسماء العلامات التجارية وأسماء المنتوجات كما هي في اللغة المصدر، وإعادة غرسها في اللغة الهدف بتبني إجراء الاقتراض Emprunt) (، بحيث تصير هذه العلامات والأسماء لغة عالمية، هما ما يمكن اعتبارهما آلية من آليات الاختراق. وعليه، يصير لزامًا علينا تقبّل المقولة التي ترى أن التقنيات التي يوظفها المترجمون تستجيب لخصوصيات ومعايير ثقافية لها ارتباط وثيق باللغة/الثقافة المنقول إليها، وطبيعة المحوَّل عبر النّص المصدر34. يعمل النظام الكتابي على تحقيق الاختراق العولمي عبر الإعلان المترجم، متمظهرًا في رسائل مكتوبة بنظام مغاير، كما هي الحال مع العربية مثلً، عندما يتمُّ تمثيل أصواتها بنظام لاتيني، وهو شكل من أشكال الاقتراض يُعرف بالنقحرة Translittération) (. ولنا أن نمثل لذلك بحملة إشهارية أطلقتها إحدى شبكات الهاتف المحمول في الجزائر، حيث ظهرت في دعايتها سلسلة كلامية عامية مفصّحة بحروف لاتينية، تقول: Bladi sakna fi kalbi 35. وهكذا نرى أن العولمة أفلحت حيث عجزت الدعاوى، التي انتشرت في بداية القرن العشرين في العالم العربي مطالبةً باستبدال النظام الكتابي العربي بالنظام اللاتيني، مواكبةً للتطور وتخلّصًا من الإعراب الذي يُثقل كاهل اللغة، على حد زعم أنصار هذه الدعوى. وبهذا نلحظ أن الإع ن أضحى معول هدم، ولا أحد يستهجن هذه الظواهر التي بدأت تتغلغل، إذ أخذت طريقها إلى الرسائل القصيرة في الهواتف المحمولة، وأصبحنا جميعًا نقع في هذه الممارسات بوعي منّا وبغير وعي. وإذا ما استمرت هذه الظاهرة وغزت مواقع أخرى، فإن الأجيال المقبلة ستفقد مع الأيام الصّلة بتراث أسلافها، بافتقادها الآلية التي تمكِّنها من ذلك والمتمثلة في النظام الكتابي. بناء عليه، تتحوَّل الترجمة التي يُفترض فيها أن تُبقِي على مسافة الاختلاف قائمة بين لغتين/ثقافتين، إلى عامل من عوامل تذويبه، وبهذا يتمّ الانتقال من الصراع الأيديولوجي إلى الاحتواء، بغية تكريس
التفوُّق الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي. وتتنقل الترجمة من كونها ضرورة لسانية إلى ضرورة حضارية أيديولوجية، ونجيز لأنفسنا إطلاق تسمية سياسة ترويض اللغات القومية لتقبّل الثقافة العولمية. وأمّا العناصر الثقافية «التي لا تقبل الانصهار (من أجل العولمة) يجري مسخها لغويًا، وإلغاؤها فعليًا، فكلّ من يقاوم الذوبان يتعرّض للإدانة أوّلً والإقصاء ثانيًا. وخلاصة ذلك تتمثل في محاولة الابتلاع الثقافي»36. علاوة على ذلك، فإن الترجمة لا تعمل على تحويل «النّص المترجم فحسب، فهي عندما تحوِّله، تحوِّل في الوقت ذاته اللغة المترجمة، ويمكن أن نتذكّر هنا ما حدث للكتابة الفرنسية عندما انفتحت على الأدب الأمريكي، وأخذت تترجمه. بل إن هذا ما نلاحظه اليوم في اللغة العربية حيث أصبحنا نشتمّ في نصوصها رائحة اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية»37. وكانت المحصلة النهائية لهذا الإعجاب غرس حالة الاست ب في الفئات المستهدفة، وما يقوِّي زعمنا هذا هو اعتماد الإع ن في تمرير رسائله على التكرار أسلوبًا اتصاليًا، وهو ما يُعرف عند الإشهاريين بالط رق الإعلاني (Le matraquage publicitaire)؛ فبوساطة هذه الأداة، تُقدَّم الرسالة عبر جميع قنوات الاتصال المتاحة – وما أكثرها – وفي فترات متزامنة ومتقاربة إلى أن تثبت في ذهن المتلقّي المحتمل. هذا على الرغم من أن أهمية الترجمة ليست محل خلاف بالنسبة إلى الانفتاح على الآخر وتحويل المعرفة ونقل الخبرات ومسايرة التطورات الجارية في مختلف مجالات الحياة المعاصرة. أمّا محلّ الجدل ومثار الانتقاد، فهو أن المستلبين أرغموا العربية «على قبول جيش عرمرم من الألفاظ الأجنبية من دون طائل، وحشود من التعابير لاتتفق مع نواميس العربية ولاتحمل خصائصها... وقد أضرت هذه الأساليب التي تروِّج لها وسائل الإعلام العربيةَ كما تضرّ الحشرات السامة بالمحاصيل الزراعية»38. ومن هنا نفهم سبب نظرة الحذر والحيطة بإزاء كلّ مترجم لدى جميع الأمم وفي الثقافات كلها، وعبر التاريخ الإنساني الموغل في القدم، والذي يحفظ لنا أسماء لمترجمين كانوا ضحايا ترجماتهم، وإلى حد وصف الترجمة بالخيانة، وهو ما يبيح لي القول إنها شرّ لا بد منه.
تفشي النكلزة39
أثارت مسألة النكلزة Anglicisme) (، بوصفها ظاهرة لسانية ثقافية فرضت حضورها بشكل مكثف، بحثًا جادًا لدى المهتمين بالقضية، ليس فقط على مستوى التجاور في النّصوص الإعلانية والدعائية
فقط، وإنما عبر امتداداتها المختلفة في مناحي الحياة الأخرى أيضًا، فراحوا يكشفون عن أسبابها ودواعيها وآثارها في اللغات العالمية المنافسة؛ إذ اعتبرها البعض من انعكاسات العولمة، ورأى في ذلك رديفًا للأمركة التي تعمل على إلغاء «الحضارة والفكر واللغة لصالح اللغة والثقافة الإنجليزية، أي لغة وثقافة القطب الواحد الممثل في الولايات المتحدة الأمريكية»40. وتعود هيمنة الإنكليزية وانتشارها في الخطاب العالمي المعاصر إلى سببين رئيسيين لا ثالث لهما: الاستعمار البريطاني قديمًا، والسطوة الأميركية على العالم حاليًا: دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وإعلاميًا وتكنولوجيًا، ومن ثمّ صارت لغةَ التبادل التجاري والبحث العلمي والهيئات الأممية، وهو الأمر الذي دفع كلود تريشو (C. Truchot) 41 إلى إرجاع هذه الظاهرة في أساسها إلى عولمة الاقتصاد، وما يدور في فلكه لأن التحولات التكنولوجية والعولمة الكونية للنشاطات المتعددة لا تخص الحياة الاقتصادية فقط، وإنما تمتد تداعياتها أيضًا إلى الكثير من المجالات الثقافية ذات الصلة براهن الأفراد42. تشتغل الإنكليزية في الخطابات الإعلانية الموجّهة لغير الناطقين بها، وخاصة في البيئة العربية بوصفها رمزًا ثقافيًا يحيل إلى العصرنة والتقنية الرفيعة، وكذا إضفاء الطابع الكوني على المنتوج/ الخدمة المشهر لها، بمعنى أن الغرض من استخدامها هو السعي إلى الترويج للمنتوج وترقيته لدى جمهور المتلقين، وهو الأمر الذي يجعل من دلالة الرسالة وعمقها غير مهمين، بل إن الوظيفة الدلالية تتقلّص إلى لا شيء، فهي توظف لذاتها. ويتبدى هذا على مستوى الشعارات وأسماء العلامات التجارية والمنتوجات، وهو ما يؤهلها لاحتلال مواقع مهمة، وبارزة في فضاء الإعلان والملصق43، وهي في العادة لغة مختصرة ومقتضبة يسهل على المتلقّي فكّ سننها. ويكفي أن نشير هاهنا إلى إحدى العلامات التجارية المختصة بصناعة الألبسة الرياضية، والتي توقِّع إعلاناتها الموجَّهة إلى العالم كلّه بشعار إنكليزي44 لا يتغير مهما تكن لغة الإعلان.
الاقتراض
بقي أن نعرّج على ظاهرة أخرى تُعتبر من تجليات الاختراق العولمي، وتدخل ضمن هيمنة اللغات الأجنبية الوازنة على الفضاء اللغوي العالمي بعامة والعربي بخاصة، وتتمثّل في دخول أصواتها ومعجمها وتراكيبها ودلالاتها في صميم اللغات المهيمَن عليها، ومنها العربية، وحتى لدى أولئك الذين يبدون حساسية تجاه تفشي النّكلزة في لغاتهم، كالفرنسيين، الذين أبدوا الشكوى من اكتساح الإنكليزية للغتهم، حيث عُد الإع ن من أبرز العوامل التي ساعدت على ذلك، وهو ما أدى إلى
ظهور لغة هجين تُعرف بالفرنزية (Franglais) 45، ويُدلَّل بها على مجموع الاقتراضات من الإنكليزية البريطانية والأميركية على مختلف المستويات اللسانية، وتتمظهر من خ لاا الإلصاق والإلحاق، ومحاكاة أصوات الإنكليزية، والاستعانة بمعجمها لسد العجز الحاصل، خاصة في المجال المصطلحي للدلالة على تقنيات ذات مصدر أنغلوساكسوني46؛ إذ أضحت تثير اهتمام الدارسين وغيرة المدافعين عن لغاتهم، حتى أنهم وضعوا معايير للاقتراض L’emprunt) (الذي لا تسامح معه، والذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتجاوز 15 في المئة من معجم اللغة47. ومثلما تؤدي عمليات الاقتراض من دون ضابط بالنسبة إلى الأفراد إلى الغرق في الديون (الحديث هنا عن الاقتراض بمعناه المعجمي)، فإن اللغة التي يلجأ الناطقون بها إلى هذه الآلية بداع وبلا داع وجيه، سيكون مآلها الإفلاس بفعل التهجين والتلوث بالألفاظ والتراكيب الدخيلة48. وإذا كانت هذه حال اللغات التي توصف بالواسعة الانتشار بين ملايين الناس وذات الإرث الثقافي والعلمي في مواجهة تحديات العولمة، وعلى الرغم من انتمائها إلى عائلة لغوية واحدة،، فإن الأمر يصير أكثر حدة، ويتطلّب يقظة وحرصًا وبرامج علمية لمواجهة ظاهرة تكريس التفوق اللغوي الأجنبي، مع العلم بأن دراسة ميدانية لبرنامج الأمم المتحدة نشرت سنة 0012 أفادت بأن «نصف اللغات المحلية في العالم في طريقها إلى الزوال، وحذّرت الدراسة من أن تسعين بالمائة... من اللغات المحلية سوف تختفي في القرن الحادي والعشرين»49. واللغة العربية ليست بمنأى عن هذا الخطر الداهم؛ فقد أصبحنا نسمع ونشاهد ومضات إعلانية Spots publicitaires) (، ونقرأ ملصقات تكرِّس هذه الظاهرة، ومن أمثلتها: حملة دعائية واسعة النّطاق في الفضائيات المصرية لإحدى العلامات التجارية المروجة لمنتوج اسمه Tiger، تقول فيه الرسالة اللسانية: «كُلُّه يْتَيْقَرْ (بقاف معقودة) نَفْسُه»، نلحظ هنا كيف اشتُقت الصيغة الفعلية العربية المضارعة من اللفظ الإنكليزي المقترَض، فإذا «كان الوضع بهذه الصورة السلبية التي تهدد فيها بعض اللغات والثقافات الأخرى، والتي تُحسب مع ذلك في عداد اللغات والثقافات التي لها حضور متميز، ليس فقط داخل المشهد الغربي، بل وحتى ضمن المشهد العالمي، فإن الأمر بالنسبة للغة والثقافة العربية يزداد سوءًا نظرًا لتقلُّص دورها في السياق الحضاري»50.
التعاقب اللغوي51 ومزاحمة اللغات الأجنبية للعربية في عقر دارها
من تجليات الاختراق العولمي للنّص الإشهاري أن يقبل التعاقب اللغوي، عبر تجاور تراكيب تنتمي إلى لغتين مختلفتين أو أكثر، مشكّلة نصًّا مكتملً على مستوى بنيته السطحية. وتقدم المعاجم المختصة هذه الظاهرة اللسانية الاجتماعية على أنها استراتيجيا تواصلية، يستخدم من خلالها الفرد أو الجماعة تنوّعين لسانيين أو لغتين مختلفتين في المقام الاتصالي الواحد52. ويُرجع المختصون نشأة هذه الظاهرة إلى الثنائية اللغوية والاحتكاك القائم بين اللغات في المجتمعات53. يمكن التمثيل لهذا التعاقب اللغوي بمجموعة من النّصوص أطلقها المتعاملون في سوق خدمة الهاتف المحمول، وفي السياق السوسيو اقتصادي الجزائري54، واعتمدوا فيها عملية المزج والتهجين بين مجموعة من الأنساق اللسانية العائدة إلى العربية الفصحى والعامية الجزائرية والفرنسية والإنكليزية، وهو ما يدلل على أن التهجين أصبح يشكل للإشهاريين الجزائريين مادة أساسية يسترفدون منها بغية شد انتباه المستهلكين وحملهم على الإمساك بواقع صُنع بوساطة اللغة، مع أن هذا الواقع هو الذي صنع نفسه في حقيقة الأمر55. نلحظ هاهنا أن الفرنسية، التي تعاني هيمنة الإنكليزية في عقر دارها من خلال مصطلح الفرنزية الذي يُستشفّ منه أنها لغة مهيمَن عليها، تتحوَّل من مغلوب إلى غالب في الجزائر وفي بلدان المغرب العربي؛ إذ ينقلب الوضع اللغوي رأسًا على عقب، وذلك بهيمنتها على الخطابات الإعلانية، وهو ما نجم عنه وضع لغوي هجين وصفه باحث جزائري بالعرنسية56. وهذا ما يدفعنا إلى القول إن المعلنين اتخذوا من التهجين الذي كرسوه وأقحموه في لغة الضّاد سبيلً لمداعبة مشاعر ومخيال فئة مخصوصة من المجتمع، وهي تلك التي يتوجّه إليها الخطاب، ويمثّل الشباب فيها نسبة عريضة، مع ما تحمله من رغبة التحرّر والانطلاق، وكسر جميع الحواجز، وهنا تتدخّل اللغة بوصفها المحقِّق لهذه
الغايات، وهو ما تحيل إليه الإنكليزية لكونها اللغة العالمية الأولى، ورمز التقدم والرُّقي، وما إلى ذلك من الأحلام الشبابية. أمّا التناوب الأكثر توظيفًا في الإع نااات التجارية، وخاصة الجزائرية منها، فهو من صنف داخل جملي بطبيعته؛ إذ نجد مثلًالفعل من لغة والفاعل من لغة أخرى، كما في هذه الرسالة «تعيش L’Algérie ». وأمّا التعاقب بين العربية الفصيحة وعامياتها، فنلحظه جليًا في الإعلانات المشرقية، وقد وجدنا له نماذج من صنف خارج جملي، ويمكن أن نمثل له بهذه الرسالة « شاي ليبتون يقدر على كده ». كما وجدنا له نماذج في الجزائر، ومنها هذه الحملة الدعائية التي ورد في رسالتها هذا الصّنف من التناوب، الذي تمّ فيه الجمع بين متواليتين لسانيتين إحداهما فصيحة والأخرى عامية (نربح ليا، تربح ليك) حيث جاءت العبارات هجينة يمكن أن نصفها بلغة مولّدة جديدة. وقد سمّى أحد الدارسين هذه الظاهرة بتدويل النّصوص، وهي ظاهرة تتمثّل في إعادة الإنتاج الجزئي أو الكلّي إلى لغة المصدر، من خلال الإبقاء على جملة أو كلمة منها في صلب اللغة الهدف لاعتبارات ذات طبيعة ثقافية، أو إلى هيمنة تلك اللغة كما هي حال بعض اللغات الأوروبية المشهورة بجماليتها، وفصاحتها – كما يزعمون – ودقّتها الدلالية، إضافة إلى البريق والوجاهة اللذين تتمتع بهما عند المتلقّين في اللغة الهدف. ومن ثمّ، فإنّ الإبقاء عليها كما هي قد يُحدث أثرًا إيجابيًا أكثر من أثرها لو ترجمت، وبهذا تدخل ضمن ما سمّاه هذا الدارس بمستويات المعالجة الترجمية (Niveaux de traitement traductionnel) المتجسِّد في نظره عبر الإجراء التُرجمي المتمثل في الاقتراض57. وقد أطلق عليها غيره لفظة اللامترجم Non-Traduit) (من خلال حديثه عن تعاقب السَّنَن (L’alternance de code) 58 ضمن الرسالة الإعلانية الواحدة. خلاصة القول في المسألة أن مهما تعددت التسميات في وصف الظاهرة (تعاقب لغوي، تعاقب السنن، اللامترجم، ظاهرة لغوية اجتماعية، مستوى من مستويات المعالجة الترجمية)، فإن ما نحن بإزائه هو التهجين بعينه، ليُخرِج لنا في النهاية خليطًا لغويًا يلوِّث اللسان العربي ويمسخ روحه، ولا يبقى على مستوى الرسائل الإعلانية، بل يتعداها إلى مختلف أشكال التواصل اليومي، وخاصة لدى فئة الشباب السريعة التأثر بمثل هذه الممارسة اللغوية؛ فالأمن اللغوي القومي يفرض على الهيئات العلمية المختصة وكذا الرسمية التدخل لترشيد الممارسات السائدة في ميدان صناعة الإعلان.
هيمنة البصري على اللساني
يَسند النّصَ اللغوي خطابٌ بصري في جلّ بناه لأجل خلق الفرجة التي يبتغيها المتلقّي، وكذا رغبة من الإشهاري في تسطيح وعي المخاطَبين برسائله، تفاديًا للدخول معهم في حوار بوساطة التركيز
على عنصر الإغراء حال بناء الرسائل وإعدادها، لأن الصورة: «وسيلة تصنع حوارًا مباشرًا وصريحًا مع العين، والعين أداة نمطية لقبول الدليل، والدليل عند العين هو الصورة»59. بناء عليه، وُضِعت نمطية للصّور الإعلانية التي يجري تداولها في عالم الإعلان من وجهة نظر تواصلية، وفق الغاية المرجو تحقيقها منها من جهة، والعناصر التصويرية التي تحويها من جهة ثانية. وقد حُصرت في ثلاثة أنواع هي: الصّور التمثيلية Représentatives) (؛ الصور البرهانية Démonstratives) (؛ الصور الانطباعية Impressives) (. وبناءً على هذا التصنيف، تتنوّع طبيعة الصّور، من حيث محتواها ما بين الترّكيز الدعائي حول منتوج ما أو شخصية ما أو منظر طبيعي ما60. وقد بتنا نلحظ طغيان الخطاب البصري على الخطاب المكتوب في فضاء الإعلان، لأن العولمة التي يريدها المتحكِّمون في مصائر الشعوب تستهدف «إعادة ترتيب أوضاع العالم بعد مرحلة الاستعمار، من حيث الأسواق والثروات العالمية. وبذلك أهملت الثقافة وتحول الخطاب الصُوَري إلى وسيلة أخرى من وسائل الاتصال الإعلامي بكلّ ما يترتب عن وسائل الإعلام من مميزات ومساوئ. وبتعبير آخر، بدلً من الترجمة التحليلية والمتعمِّقة للآخر يتمّ التركيز على الصورة الظاهرة لتسييد تصوّر نمطي موحّد لا غرض له سوى ترتيب منطق الإقصاء الحضاري»61؛ فالإعلان في مكوّنه الصُّوري يعمل على تجميل الواقع، وهو بهذا يشيع بين جمهور المتلقّين ثقافة ترويجية استهلاكية تضفي على السّلع والمنتوجات المعروضة قيمة جمالية، وهكذا تكون الصورة قد أخذت مكانة ثقافة القراءة62. نخلص إلى أن النّص حتى وإن كُتب بلغة الأمّة المتوجَّه إليها، فهو لا يعكس ثقافتها بل هو دليل هُوية المؤسسة المعلِنة، وعنوان فلسفتها الاقتصادية، وبالتالي فإنه ينقل ثقافتها، وما اللغة في هذه الحال إلّ حامل يعمل وسيطًا بين المنتج والمستهلِك، بمعنى أنه يعمل على تكريس الاحتواء، فالعولمة: «التي يجري الحديث عنها الآن: نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. العولمة الآن نظام عالمي، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصال... إلخ كما يشمل مجال السياسة والفكر والأيديولوجيا»63.
مقترحات للارتقاء بالممارسة اللغوية في حقل الإعلان
إن الخصائص اللغوية المتحدَّث عنها والآليات الموظّفة تتعلّق في غالبيتها باللغات الغربية، وهذا لا يعني قصورًا في العربية، ولكن يراد لها، بوعي وبغير وعي، أن تكون كذلك بسبب عراقة صناعة
الإع ن في هذه البلدان، وحداثتها في العالم العربي، وكذلك طبيعة الأنظمة الاقتصادية القائمة هنالك، على خلاف ما هو الوضع عندنا، فهذه الصناعة ما زالت تراوح مكانها، ولم تبلغ بعد مرحلة النضج والإبداع؛ إذ لم تتجاوز هذه الصناعة طور التقليد واستنساخ النّصوص الغربية بمختلف سياقاتها، ثم إسقاطها على السياق السوسيو – ثقافي العربي، مع ما في هذا من خطورة على الثقافة المحلية والسلوكيات اليومية لأفراد هذه المجتمعات؛ فالنّص عندما يُصدر بأيقوناته – مع عدم احترام خصوصيات الآخر يحدث حالة تثاقف سلبي بين الثقافة القومية والثقافة الوافدة، فإذا كان لا وجود للأيقون الأخرس – بتعبير بارت – فإنه لا وجود للسان الأخرس؛ فاللغة حاملة مضامين ثقافية وفكرية، وهي أكبر من أن تُحصر في آلية تقنية بسيطة للتواصل. إنها تمثّل الخزان الثقافي الجماعي للشعوب البدائية كما الراقية، متجسِّدًا في أشكال لسانية دقيقة ومحددة مثل الأمثال والصّيغ السحرية والصّلوات الروحية والأساطير والخطابات التقليدية والأغاني. فالإنسان، بوصفة حيوانًا ثقافيًا، محكوم بالتحويل اللفظي للعالم المادي64. إنّها هوية الإنسان، بها يرى العالم، ويقطِّع تجربته، ويحوِّلها إلى غيره، إنّه يعيش اللغة، بمعنى أن تلك المضامين تشتغل في سياقات مخصوصة، وعليه تصير بنى لسانية معزولة خارج إطارها السوسيو – ثقافي. فإن كان لا بد من الاستعانة بخبرات الغير، فلتكن هذه الاستعانة بوعي، وتجنّب حالات الانبهار، مع العمل على تكييف ما يُنقَل وخصوصيات السّياق المنقول إليه؛ فالتعريب آلية مثلى متى تمّت عملية التحويل وفق ما يراعي خصوصيات لغتنا، ولنا في مقولة القدامى التي أوردها ابن جني في خصائصه هاديًا ومرشدًا: «ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب». يمكن هذا التكييف أن يتمّ بانتقاء العناصر الفاعلة في الموروث اللساني العربي، كاستثمار جماليات الخط العربي التي تمثّل أصفى نموذج لما يُعرف هنالك بأيقنة Iconisation) (اللفظ. زد على ذلك أن في متناول محرّري هذه النّصوص خزانًا من التراث المتمثّل في البلاغة والأشعار والأمثال والخطابة والحكايات الشعبية... يمكن الاسترفاد به في وضع نصوص تؤدي الغاية التي وضعت لها بنجاعة وموافقَة لطبيعة المتلقّين الذين تتوجّه إليهم. كما أن في مقدور واضعي الإعلانات الاسترفاد من آليات التناسل الداخلي للغة العربية، وفيها قدرة على تطويع كلّ حالة لغوية كالاشتقاق والنّحت، وتحيين المعجم العربي الزاخر بالأمثلة والشواهد والقياس. وفي إمكان مصمّمي الإعلانات أن يستعينوا، في مجال وضع المميزات المعبّرة عن هوية المؤسسات، بالرموز الثقافية التي تتيحها الحضارة العربية الإسلامية في مجال الهندسة المعمارية الإسلامية والفن الإسلامي والصناعات التقليدية، وخصوصيات البيئة العربية من قباب وأقواس وسيوف ورمال وصحاري وجمال وخيول... وغيرها، كأن يقوم المعلن بإدخالها في مكونات المميزات، إضافة إلى العناصر اللسانية الدالة على الهوية الثقافية، مثل الأسماء ذات الحمولة الدلالية المعبّرة عن الانتماء الحضاري. ولا بأس أن نذكر أمثلة لبعض الألبسة الخليجية التي تحمل مثل هذه الأسماء مثل الأصيل والمتحجّبة، وأنواع العطور مثل المذهلة، بنت النّور... وأن تكتب بلغة وخط عربيين، وتُنقل تلك الأسماء كما هي
بالخط الغربي، وفق ما يُعرف في الثقافة الغربية بالنقحرة؛ فهذه الأسماء صارت أعلامًا، ومن ثمَّ تصير دالة على التميز والتفرّد اللذين تتغياهما المؤسسات، وكذا توظيف الألوان ذات الدلالة الثقافية، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الإشهار الغربي، وبالتالي يصير النّص الإشهاري ملتقى لمجموعة من التقاطعات التي تنمّي الذوق العام، وتساهم في جمالية الفضاء الذي تشتغل فيه من دون الإخ لاا بمقصدية النّص، وذلك بوصفه محطة تقاطع للسياسي والاقتصادي واللساني والأيديولوجي والأنثروبولوجي والبيداغوجي والفني. ومن دون إدراك هذه التقاطعات والوعي بها، لا يمكن التعاطي مع هذا النّص وفهم آليات اشتغاله. يجدر بنا، بعد هذه الجولة التي نرى أنها كانت مركّزة ومقتصرة على وصف راهن لغة الإشهار العربي، وهو راهن لا يسرّ، أن نطرح البدائل مجسَّدة في آليات ملموسة قابلة للتجسيد، ويمكن أن تؤتي أكلها متى خلصت النيات، ووُجِدت الإرادة الصادقة التي تعمل على الارتقاء باللغة العربية في مختلف الميادين الحياتية المعاصرة. ولنا أن نجمل هذه البدائل والمقترحات في الآتي بيانه: • على المجمعيين في مختلف البلدان العربية، وتحت أي مسمّى، أن ينسّقوا جهودهم ويتبنّوا العمل الجماعي، وألّ يغرد كل واحد منهم خارج السرب، وذلك عن طريق البحث الجاد عمّا يؤطر هذه العاصفة ويحتويها، ويعمل على ترشيدها. وممّا ينبغي عليهم التفكير فيه هو الارتقاء بالعاميات العربية، وذلك بتفصيحها عن طريق صيانتها: «من الدخيل المتغلّب لأنها هي باب الإساءة إلى الفصحى إذا ما ظلّ مفتوحًا على مصراعيه، وهي الباب الرئيسي للاستلاب اللغوي... لأن العامية هي الخطّ المتقدم للدفاع عن الفصحى»65، فجلّ الرسائل أصبحت تجد رِفدها في المعجم العامي، وفي الموروث الشعبي من حِكم وأمثال. ونحن نرى أن العاميات متى ارتُقي بها وهُذّبت من الدخيل الأجنبي ستكون رافدًا مهمًّا للفصحى المعاصرة؛ فهي في الأصل انحراف عنها بفعل عوامل موضوعية – ليس مجال عرضها هاهنا – ثم إن وظائفها المجتمعية محدودة غير مؤثرة، وهما تتعايشان منذ قرون على هذه الأرض، ولم تتصارعا إطلاقًا، وإنما الخطر الداهم هو احتلال اللغات الأجنبية لمواقع يُفترَض أنها حكر على الفصحى. وللتدليل على هذه الدعوى يكفي أن نشير إلى خبر تناقلته المواقع المغربية عن احصائية قامت بها إحدى المؤسسات المختصة، مؤداه أن لغة نشر أو بث 70 في المئة من الإع نااات التجارية في المغرب هي اللغة الفرنسية، وأن 90 في المئة ممّا يترجَم منه يفتقد النكهة المحلية لأنه بأفكار فرنسية66. ولا نعتقد أن الوضع يشذ عن هذه القاعدة في بقية الدول العربية، وخاصة في بلدان المغرب العربي.
• توافر الإرادة السياسية الصادقة والمخلصة لخدمة اللغة العربية؛ إذ «إن الله يزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن»67، ويكون ذلك بوضع القوانين التي تحمي العربية في عقر دارها68، وتعمل على انتشارها خارج حدود الدول الناطقة بها، بوساطة تسخير المال العربي لخدمة اللغة العربية، من خلال وضع بنود في دفاتر الأعباء الخاصة بالإع نااات تلزم المتعاملين باستخدام اللغة العربية في إعلاناتهم الموجّهة إلى الأسواق العربية، وكذا تكييف أسماء منتوجاتهم وفق مقتضيات هذه الأسواق، وبالتالي فرض شروط جزائية على من لا يحترم مثل هذه الشروط، إضافة إلى تعريب المصطلحات المصاحبة للسلع المروَّج لها، فلا أحد ينكر الدور الذي تقوم به المنتوجات الحديثة في ترويج المصطلحات الوافدة التي غزت بشكل مكثف لغتنا، وذلك راجع إلى كون «شراء منتوج معناه شراء المصطلحية المصاحبة له... فالنّصوص التجارية أصبحت المروِّج للكلمات المولَّدة، والموضوعات المتخصّصة لدى فئات كبيرة»69. ولن نكون بدعًا في هذه الممارسات، لأن دولً غربية تتبنّى هذه السياسة اللغوية، كفرنسا التي يفرض فيها القانون المعروف بقانون إيفان (Lois Evin) 70 حظر الإعلان بغير الفرنسية على التراب الفرنسي71. كما أن تجربة تنويع التسميات للمنتوج الواحد هو من الممارسات السائدة في العمل الدعائي وفق مبدأ المحلية في الاتصال والتسويق واحترام خصوصيات الشعوب وثقافاتها. وهي ممارَسة حتى داخل الفضاء الأوروبي الذي يعيش الوحدة، بفعل التقارب في كلّ شيء، ومع ذلك تُحترم فيه خصائص كل مجتمع؛ ف Ariel في فرنسا مثلً تصير Cheer في اليابان، و Cajoline في فرنسا تصبح Snuggle في بريطانيا و Kuschelweich في ألمانيا72. هذا إضافة إلى وضع الجوائز التحفيزية للعاملين في هذا القطاع بغرض تكريم وتشجيع واضعي أحسن الرسائل الإشهارية المحرّرة باللغة العربية، والخالية من اللّحن والتهجين والعامية. • على مصمِّمي الرسائل والنّصوص الإشهارية العربية اعتماد تعريب المصطلحات والأسماء، وكذا الوحدات المعجمية التي ليس لها ما يقابلها في اللغة العربية، بما يتوافق وخصائص هذه اللغة وعبقريتها، وتجنّب ما أمكن عملية الاقتراض والمحاكاة، مع تشجيع التصميم للرسائل الإشهارية في العربية مباشرة.
• على معدّي النّصوص الإشهارية الغربية أن يضعوا في حسبانهم أن نصوصهم ستُرحَّل إلى لغات العالم المختلفة، ومن ثمّ يتوجّب عليهم انتقاء الوحدات المعجمية التي تمتلك القابلية للترجمة في إعداد نصوصهم73، لأنهم حين يعلمون حرصنا على احترام لغتنا وشخصيتنا الثقافية وعدم تسامحنا مع عمليات الغزو اللغوي والثقافي الممارَس عبر الإشهار، يتراجعون بدافع الخوف على مصالحهم، لأن رأس المال جبان كما يقول الاقتصاديون، والغاية النهائية من وراء أي حملة إعلانية الترويج للمنتوج وترسيخه في سوق تنافسية. • العمل على الارتقاء بالمعجم العربي، وجعله يمتلك القدرة على مسايرة التطورات التكنولوجية عن طريق الابتكار المستمر، والوضع الدائم للأسماء، والمصطلحات المناسبة لكلّ ما يستجد، حتى لا يجد الإشهاري نفسه أعزل في هذه المعركة الطاحنة؛ فالمعجم ضرورة حضارية قبل أن تكون لسانية، وعلينا أن نقتدي في ذلك بما هو لدى الأمم الراقية التي تسهر على العمل المعجمي فيها مؤسّسات تتميز بالاحترافية واستقطاب مختلف الكفاءات وفي شتى الميادين والمجالات، والتي لا شغل لها إلّ تطوير معجم لغتها، وتجديد مواده في الطبعات المتتالية التي تصدر على رأس كلّ سنة جديدة، كما هي الحال بالنسبة إلى الفرنسية في معجميها الشهيرين Larousse (لاروس) Le Robert (لوروبير)، وكذا معجم Oxford (أوكسفورد) للإنكليزية. • وضع معجم خاص بصناعة الإعلان موجّه إلى العاملين في هذا القطاع والمختصّين فيه، لأن اللغة العربية تعاني شبه انعدام مثل هذه المعاجم في أغلب القطاعات الحيوية. وعليه، فإن ما هو سائد بينهم هو التعامل بمصطلحية غربية: فرنسية أو إنكليزية، ومن ثَمّ يكون في اللغة الواصفة المتداولة ما يمت إلى العربية بصلة. • سنُّ قوانين ضابطة للممارسة اللغوية في حقل العمل الإعلاني، كأن تنشأ مثلً هيئات مختصة يمكن أن نطلق عليها تسمية سلطة الضبط، تكون مهمّتها ترشيد الممارسة الإعلانية وفق قوانين صارمة ملزمة، وتمتلك حق الرّدع لكل من يخالف أخلاقيات المهنة، بما فيها المخالفات اللغوية، وكذا إلزام الوكالات الإعلانية المختصة بالتدقيق اللغوي، قبل نشر الإعلان أو بثّه، وذلك بإنشاء قسم يتكفل بهذه المهمة، على غرار قسم الترجمة.