Return to Article Details A Reading of Azmi Bishara’s Project: Religion and Religiosity – a Prolegomena to Volume One of Religion and Secularism

قراءة في مشروع عزمي بشارة- 1- الدِّين والتديّن: مقدمة تتحول إلى جزء أول من كتاب الدِّين والعلمانية

A Reading of Azmi Bishara’s Project: Religion and Religiosity – a Prolegomena to Volume One of Religion and Secularism

وجيه كوثراني

Wajih Kawtharani

الملخّص

يخلص عزمي بشارة إلى الدعوة إلى موقف إبستيمولوجي ومنهجية جديدة في البحث العربي عن موضوعة الدِّين وأنماط التديّن، كبديلٍ من تجاهل العلمانويين العرب لها، أو استخفافهم بها . هنا منتهى الجسر الموصل عبر دراسة الدِّين والتديّن إلى مبحث العلمنة والعلمانية في مشروع عزمي بشارة " الانتقال من مبحث الدِّين والتديّن إلى مبحث العلمانية " في الفصل الخامس والأخير من الجزء الأول . فيختتم مدخله الذي أصبح كتابًا – مقدّمة برابطٍ يحاول عبره تلخيص وإيضاح ما بدأه، والعبور إلى الجزء الثاني من مشروعه : الصيرورة الفكرية للعلمنة والعلمانية

Abstract

In his landmark texts, Azmi Bishara calls for the development of a new epistemological and methodological standpoint in Arab research into religion and types of religiosity, urging this as an alternative to the secularist Arab tendency to ignore or disregard these topics. The study of religion and religiosity ultimately connects with the study of secularism and secularization in Azmi Bishara's The Transition from the Study of Religion and Religiosity to the Study of Secularism , in the fifth and final chapter of the first volume. He concludes his prolegomenon – a book in its own right – with a summary of his starting point before proceeding to the second volume of his project: The Intellectual Process of Secularization and Secularism. This project examines Bishara's thinking and explores its ramifications.

الكلمات المفتاحية:
  • العلمانية
  • الدين
  • التاريخ
  • الأساطير
  • المقدس
Keywords:
  • Religion
  • Religiosity
  • Secularization
  • the Myth
  • Secularism

الثاني من مشروعه: الصيرورة الفكرية للعلمنة والعلمانية.

أن يعزم باحث على الشروع في تأليف كتاب شامل عن تاريخ العلمانية، بعد أن كُتب الكثير الكثير في الموضوع، وأن يكون لديه جديد يقوله، وأن يهيئ العدّة لذلك، مراجعَ ومصادرَ بلغات أوروبية إنكليزية وألمانية

وفرنسية، فضلً عمّا كُتب في الموضوع باللغة العربية، أو ما تُرجم، وأن يبادر ويبدأ بكتابة

يخلص عزمي بشارة إلى الدعوة إلى موقف إبستيمولوجي ومنهجية جديدة في البحث العربي عن موضوعة الدِّين وأنماط التديّن، كبديلٍ من تجاهل العلمانويين العرب لها،

أو استخفافهم بها. هنا منتهى الجسر الموصل عبر دراسة الدِّين والتديّن إلى مبحث

العلمنة والعلمانية في مشروع عزمي بشارة «الانتقال من مبحث الدِّين والتديّن إلى

مبحث العلمانية» في الفصل الخامس والأخير من الجزء الأول. فيختتم مدخله الذي

أصبح كتابًا – مقدّمة برابطٍ يحاول عبره تلخيص وإيضاح ما بدأه، والعبور إلى الجزء

مدخلٍ حول الدِّين والتديّن ليكون مقدّمةً للبحث المطوّل في درس السياقات التاريخية لتَكوُّن العلمانية والعلمنة في العالمين الغربي والعربي الإسلامي، كل ذلك يعني أنه «تورّط» في مشروع كبير وضخم يتطلب سنوات من العمر، ويكون أمام أحد خيارين: إمّا التخلي يأسًا، وإمّا الإقدام تحديًا للنفس قبل أن يكون تحديًا لأي شيء

ودراسة السياسات، 013 2)؛ ج 2 في 2 مج، مج:1 العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 015 2)، ومج:2 العلمانية ونظريات العلمنة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015

آخر. هذا التحدي الذي يبدو في حال الإصرار، بل العناد، للخوض في مسالك التاريخ – تاريخ

الأفكار وشعابها – يتقوى من طاقة التفاؤل

والأمل بالتاريخ، والإيمان بجدوى العمل، كما خبرتُ بعض م مااح هذه السمات في «العقل العملي» عند عزمي بشارة، حيث يتوزع نشاط هذا الرجل في مشاريع كبرى كثيرة للنهوض بالثقافة العربية المعاصرة. يتحوّل المدخل، الذي عزم بشارة على أن يكون

مجرد مدخل للشروع في التأريخ للعلمانية والعلمنة، إلى كتاب أوّل ناجز بعنوان الدِّين

والتديّن، فلماذا الحديث عن الدِّين والتديّن قبل

الحديث عن العلمانية والعلمنة، وفي كتاب هو الجزء الأول من المشروع الكبير؟ الدافع هو الاضطرار إلى توضيح القضايا المشوبة ب «التشويش والغموض» في النقاش السائد في أوساط المثقفين العرب؛ فمن جهة، هناك تحريم الخوض في هذه المسائل عند البعض، ومن جهة ثانية، هناك انتقاد للدِّين عند البعض الآخر، وكأنه مجموعة من الخرافات والأساطير (ص. 8). البديل من هذا الانحراف، بوجهيه، عن منهج النظر العلمي، هو معالجة البنية الفكرية للإيمان، ودراسة الدِّين كحالة تديُّن، أي كظاهرة

ثقافية اجتماعية. في البداية، أي الفصل الأول من الكتاب: المقدَّس والأسطورة والدِّين والأخ ق، بحث في الفرق والمشترك بين تجربة المقدَّس والتجربة الدِّينية، اللتين تتلخص جدلية الع قااة بينهما في التالي: «ليس الدِّين تجربة المقدّس، ولا يُختزل فيها؛

أولً لأنها تجمعه إلى ظواهر أخرى؛ وثانيًا

لأنه أغنى بالتمايزات والمؤسسات والأبعاد الاجتماعية. هو أصغر منها وأكبر منها في

الوقت ذاته». مفارقات يشرحها عزمي بشارة

عبر معالجةٍ مستفيضة للمشترك والفرق بين الدِّين والأسطورة والدِّين والأخ ق والدِّين والسحر. «الأسطورة، بدايةً، نمط معرفي يتوحد فيه المقدّس والدنيوي قبل وعي انفصالهما» (ص. 01)، وبعد الفصل «تُعمّر الأسطورة... بصفتها جزءًا من

العقيدة محكومة بها، وترسب في الوعي الشعبي والتديّن الشعبي خارج العقيدة أيضًا»، وتصبح

الأساطير «حكايات بدايةٍ أو خلق تجيب عن سؤال ‹لماذا؟› بواسطة رواية البداية. وكما أن الدِّين ليس مجرد وعي زائف... فإن الأسطورة

ليست مجرّد تمثيل مشوّه للواقع أو تمثيلً غير

حقيقي للحقيقة، بل هي مكوّن حضاري، وأداة

تعبير وكشف لعمق النفس البشرية، ولغة رموز تكثف الكوني، وتحاول أن نسبغ عليه معنى كليًا» (ص. 11). هذا التكثيف لمعنى الأسطورة وتكوّنها ودورها

يشرحه عزمي بشارة في عرض نظريات شارحة في حيز واف من الفصل الأول (ص – 02 1

يعرض عزمي بشارة في الفصل نفسه لموضوع السحر «بصفته تعاملً ‹عمليًا› مع المقدّس»،

ومع «قوى الغيب بخيرها وشرّها». هل هو تعامل

ما قبل علمي مع الدنيا؟ يشدد عزمي بشارة على هذه المفارقة الدالّة على رؤية متميزة لاستمرارية الدِّين، في حظ أن التعامل مع الأسطورة أو السحر باعتبارهما حالة «ما قبل علمي» ساهم في انتشار التعامل النظري مع الدِّين كأنه رؤية طفولية وبدائية للعالم. ولكن «حين دحض العلم هذا الجانب من الدِّين، لم ينته الدِّين، بل انحسر من مجالات معينة» (ص. 11).

لا شك أن هذا الانسحار مساعد لفهم كلٍّ من ظاهرة التديّن المستمرة وظاهرة القابلية للانسحار

وظاهرة العلمنة المتدرجة. يقول بشارة: «العلمنة قد تنزع السحر عن العالم مع اكتساب الإنسان أدوات في فهم الظواهر وإنتاجها، لكنها لا تنزع من الإنسان قابليته ل نااسحار. وهو ينسحر بالملكة نفسها التي حدّدنا أنها تنبهر بالمقدس»

متمثَّلً «بالنبل وبالجمال وبالسامي والجليل» (ص. 21). في سياق البحث في الع قااة بين الدِّين والأخ ق، يرى عزمي بشارة «أن الدِّين يقدم منظومات أخلاقية)...(، ولكن لا يوجد تطابق بين الدِّين والأخلاق»، بل قد ينشأ أحيانًا تعارض بين الواجب الدِّيني والواجب الأخ قااي في ظرف تاريخي معين وحالة من حالات التديّن

(ص 117 1).70 – يخلص عزمي بشارة إلى القول في نهاية الفصل الأول: «ليست المشكلة في العلاقة بين الدِّين والأخ ق في التديّن الشعبي

ومفهوم الله كضمير كوني موضوعي/ أنطولوجي موجود في كل مكان، ولا في نسبة الأحكام الأخ قااية الدِّينية وحتى براغماتية المتديّن وانتهازيته)...(» (ص 169 1). 70 –

والمشكلة «تكمن في تغلب الجانب العقدي على الأخ قااي إلى درجة تسويغ ارتكاب أعمال غير أخ قااية بتبرير عقدي، أو في تحويل الدِّين لا إلى طقس جماعي فحسب، بل إلى عصبية وهوية جماعية، بحيث يغلب فيه الطابع العصبوي على البعد الأخ قااي، وأخيرًا في أدلجة الدِّين وتحويله إلى تبرير

لسياسات، فحينها يتحوّل أداةً لتبرير كثير

من الأفعال غير الأخ قااية. يجري هذا... بحجة تطابق الدِّين والأخلاق... في حين أن

المهمة تكمن في رؤية الفرق. وفقط رؤية

الفرق تُمكّن الإنسان من أن يؤكد الجانب الأخلاقي في الدِّين» (ص. 1).70

لا يمكن تصور دين من دون تديّن، ولا يمكن

تخيل دين من دون إيمان، ولكن يمكن توقع تديّن من دون إيمان، مقارنات ومفارقات

يخصص لها عزمي بشارة فصً كامً (الفصل الثاني بعنوان: التديّن) (ص – 73 1 يتتابع تحليل هذه المقولات وشرحها

عبر مختارات دالّة من المراجع الفلسفية والاجتماعية والأنثروبولوجية والتحليل النفسي: وليم جيمس، رودولف أوتو، فان ديرلوي، ط لاا أسد، فرويد، ماكس فيبر، وعبر مقارنات لغوية – ألسنية لمفردات القرآن

مع مرادفاتها أو تشابهاتها في اللغة العبرية القديمة، شأن مفردة «الكوثر» التي لا تعني نهرًا في الجنة كما يرى بعض المفسرين

المسلمين، بل لعلّ لها أصً في العبرية في مفردة «كوشر» وتعني «الح لاا» (كمال الصليبي)، وتستوقف في هذه المتابعة صفحات من «نماذج إس مااية» لشرح مقولة الدِّين من وجهة نظر المفسرين وعلماء الكلام المسلمين، أبرز ما نقرأ فيها شرح هذه العلاقة الملتبسة بين العقل والإيمان: «يقتصر دور العقل في الدِّين بالنسبة إلى المؤمنين على تفسير النصوص قطعية الثبوت في حالة كونها غير قطعية الدلالة...، لكن ما يجعلها يقينية ليس العقل بل الإيمان» (ص. 11)2 وثمة مثل تاريخي أيضًا حسم النقاشات حول جمع آيات القرآن وترتيبها وطولها أو نقصانها بمقولة غير علمية هي «التوقيف»، والقبول الإيماني

«بالقرآن كما دُوّن مصحفًا» (ص. 212)

خ صة هذا الفصل: «يوجد تديّن من دون

إيمان، لكن لا دين من دون تديّن»، و«التديّن

ممارسة اجتماعية للدِّين». يتدرج الشرح في هذا الفصل (التديّن)، وكما

هي حال هيكلية الكتاب ومساره العام إلى استنتاجات تبني، حجرًا حجرًا، جسر العبور

لفهم حقل الع قااة ذي القطبين المتجاذبين في التاريخ الاجتماعي – الثقافي: التديّن

والعلمنة. وهذا ما مكّن مبنى الكتاب أن يوصل إلى الاستنتاج الذي يجسر هذا العبور: «يمكن القول أن انحسار مظاهر التديّن هو من علائم

[ع مااات] ما يسمّى عملية علمنة المجتمع

والثقافة السائدة في الغرب، لكن الأهم من ذلك هو رؤية أن العلمنة قد أدت لا إلى فصل مجالات مختلفة عن الدِّين فحسب، بل أيضًا فصلت الإيمان عن التديّن، بحيث أصبح في

الإمكان ممارسة إيمان وإشهاره فرديًا من دون

دين، وأيضًا ممارسات [ممارسة] أنماط مختلفة من التديّن من دون إيمان ديني، في نوادي كرة

القدم وفي الحركات الاجتماعية والمعجبين بالفنانين وغيرها» (ص. 2).41 على أن الأهم هو ما يُحظ في تدين

المجتمعات الإس مااية من أنماط تديّن،

فاقت درجاتها وأشكالها أحوال المجتمعات الإسلامية التقليدية والمحافظة قبل ما يسمّى

«الصحوة الإس مااية». النتيجة: «... التديّن

ما عاد يشير إلى دور الدِّين في الحياة فحسب، بل يشير إلى ذاته بصفته مظهرًا

اجتماعيًا معبرًا عن تطلعات قوى اجتماعية

وهويات وأزمات ثقافية، وأحيانًا أجندات سياسية. التديّن في هذه الحالة ليس الدِّين،

بل هو حراك اجتماعي متبدّل الأهداف

والمنطلقات، خطابه ديني وثقافته دينية. ويمكن تصور وضع يزداد التديّن فيه ويقل

الإيمان» (ص. 2).42

نقلة في الفصل الثالث إلى موقف العلم والفلاسفة في عصر التنوير من الدِّين والإيمان (هيغل، كانْت، هايدغر، ماركس)، ونظرية ماكس فيبر في علم اجتماع الدِّين. إن المنهج العلمي لا يتناول المطلَق بالبحث، أكان العلم علمًا طبيعيًا أم علمًا اجتماعيًا.

ولا يدرس العلم صفات لله أو ماهية الجنة أو النار أو عذاب القبر «إلّ باعتبار تخيلها والإيمان بها موضوعًا للبحث، ومجالً من مجالات دراسة الأنثروبولوجيا» (ص. 472)، بل إن لمن العبثية أن نستخدم «مفاهيم المنطق التحليلي أو الفلسفة الوضعية في فهم مقولات الدِّين»، كإثبات وجود الله أو درس صفاته، وإن حاول اللاهوتيون ورجال الدِّين شخصنة الله وتوصيفه؛ فالمشكلة هنا «ليست في الدِّين بل في تحويل الدِّين إلى مقولات من هذا النوع تستدعي التفنيد المنطقي أو العلمي» (ص. 47)2 بل حتى «ولو نفى الإلحاد الدِّين عقليًا، فإنه لا يلغيه، فالأشياء لا تُدرس بالعقل

وبالتالي لا تُنزع قدسيتها بالعقل أيضًا. والدليل

أن الدِّين لم يختفِ بمجرد نشوء النظريات المادية في نشوء العالم..». فالدِّين ليس نظرية، والتديّن لا يخضع للتشخيص بين الصحيح أو

الخاطئ. إنه «تجربة في التواصل مع المجال المقدّس»، يقترب المعنى هنا من الفهم القرآني للدِّين باعتباره «بنية فطرية»، و«فطرة الله التي فطر الناس عليها» (ص. 52).0

يستحضر عزمي بشارة الفلسفة عبر كانْت وهيغل لتأكيد «فصل العقل والمحاكمات العقلية عن الإيمان والفعل الإيماني» (ص. 152). وقد «أكد هيغل، خ فااًا للتنويريين الذين سبقوه، أن لا بد من مصالحة الفلسفة مع التقاليد الدِّينية المتراكمة كي يكون التفكير نابعًا من العقل الكلي لا من الفهم وحده

)...(»، ويعلق بشارة: «لكن هيغل بعمله هذا كان يحوّل فلسفة التاريخ إلى بديلٍ

من ال هااوت. إنه المثال التام للتاريخانية الميتافيزيقية الغائية التي أثرت تأثيرًا عميقًا في

التاريخانيات كلها، وفي مقدمتها التاريخانية الماركسية» (ص. 252). في المقابل، يقرأ بشارة هايدغر فيجده نقيض التفكير الهيغلي: «إن الدِّين قضية إيمانية لا ع قااة لها بالعقل ولا مكان لها حتى في التفكير»، ويجد في مقاربات كانْت تأكيدات واضحة لمقولة «إن الدِّين ليس نظرية علمية»، وهي المقولة ال زاامة التي تتكرر في ثنايا الكتاب، على أن شبينوزا سبق كانْت في «تحديد الفرق بين موضوعات الإيمان وموضوعات العقل، لكنه لم يميّز طبعًا بين البنى العقلية

السابقة على التجربة وتلك الناجمة عن التجربة» (ص. 52).4 هذا في حين أن أهمية كانْت تكمن في أنه فنّد

المغالطة المنطقية المسماة الإثبات الأنطولوجي لوجود الله، حيث يشرحها عزمي بشارة بلغة بسيطة، وهي «أن من فكرة الشيء يمكن استنتاج فكرة وجوده لا وجوده في الواقع، ولا الإيمان بوجوده»؛ ف «الإيمان بالله ليس ناجمًا عن إثبات

وجوده...» (ص. 552). و«يُخرج كانْت استنتاج وجود الله من مجال

العقل المحضويحوّله إلى العقل العملي

حيث تقود الممارسة الأخ قااية إلى الإيمان بالله». والأخ ق هي «فعل إنساني حر، وخيار للعمل بموجب القانون الأخ قااي». يشرح عزمي بشارة هذا التمييز بالقول: «وحين يحدد كانْت الفعل الأخلاقي ذاتيًا وموضوعيًا،

فإنما يؤكد أنه لا يقود إلى السعادة بالضرورة، ولا حتى في حال اقتناع الإنسان بالقانون الأخلاقي» (ص. 652). يتابع بشارة شرح هذا التناقض في العقل العملي: «نرى أن بعض الناس لا يفعلون خيرًا

ويعيشون سعداء في حياتهم فيما يرتكبون الشرور، وأن كثيرًا من الخيّرين فاعلي

الخير... يلاقون في حياتهم البؤس والتعاسة. هذه محاولة تصويرية لتناقض ‹ العقل العملي › الباحث عن أمل. في رأينا أن الأمل يمنحه الإيمان. وهو ليس بالضرورة إيمانًا بالآخرة؛ إذ قد يكون إيمانًا بأفعال دنيوية خالصة مثل الفعل النضالي ضد الشر الاجتماعي» (ص. 52).7 نعود إلى كانْت لفهم تناقض العقل العملي الذي يقود إلى الله: «إذا كان نقد العقل العمليجوابًا

عن سؤال ‹ماذا عليّ أن أفعل؟›، فإن عدم وجود

علاقة ضرورية بين السعادة والفعل الأخلاقي...، يقود إلى الإيمان بخلود الروح وبالله. هنا الله هو ذلك اللقاء بين السعادة والفعل الأخلاقي، وهو الخير الأعظم الذي لا يتوصل إليه الإنسان في الحياة. ومن هنا فهو الإجابة عن السؤال: ‹ماذا يمكنني أن آمل؟›» (ص. 652). مرّة بعد مرّة، ومن غير أن «يتعب» كما يقول،

يجري تأكيد «ارتباط التديّن بالأمل»، وتُفهم تبعًا

لذلك «العودة إلى التديّن» مرحلةً بعد مرحلة

في التاريخ: «البحث... عن لقاء بين فعل الخير والسعادة» (ص. 652).

وهذا ما يدفع عزمي بشارة إلى مقاربة فلسفة كانْت من زاوية علم الاجتماع باعتباره «رؤية وظيفية مستترة للدِّين، كأن كانْت يؤسس نظريًا

لوظيفة اجتماعية للِّين» (ص. 652). على أن هذا النوع من التعامل مع الدِّين (كمهذب نفسي ووازع اجتماعي) نجده بكثرة في آداب الفقهاء والوعاظ المسلمين. مثال يسوقه عزمي بشارة في هذا الصدد هو ك ماا الماوردي في الأحكام السلطانية عن الدور الإص حي والتوليفي والأخ قااي للدين: « وليس في العقل ما يجمعهم على فهمٍ يتساوى

فيه قويهم وضعيفهم، ويتكافأ فيه شريفهم ومشروفهم، لذلك وقفت مصالحهم على دين يقودهمإلى جمع الشمل واتفاق الكلمة» (ص. 62).3 من جهة أخرى، ومن قبيل خ صة القول في الفلسفة الوضعية التطورية التي عبّر

عنها أوغست كونت وتبنّاها علمويو القرن

التاسع عشر، وهي تتلخص بثلاثيته التطورية: اللاهوت ← الفلسفة ← العلم، يخلص عزمي بشارة إلى القول: «لا، لم يكن أوغست كونت على حق، ولم تحل الفلسفة محل ال هااوت، ولا احتل العلم التجريبي مكان الفلسفة، بل وُجدت جميعها بالتزامن باعتبارها أبعادًا

للثقافات المختلفة، وعناصر في مركباتها مع

اختلافٍ في هيمنتها بوصفها أنماطًا في الوعي» (ص. 2).72 شهد التنوير الأوروبي، بصيغته الأوروبية الراديكالية، وعبر عدد كبير من رموزه، نقدًا متطرفًا وتبسيطيًا للدِّين، فتعامل معه

«باعتباره أداة سيطرة أيديولوجية على الناس البسطاء بواسطة الخرافات»، للسيطرة على أذهان الناس لمصلحة رجال الدِّين والطبقة

الاقطاعية. على أن مفكرين نقديين (أمثال ماركس وماكس فيبر) لم يتعاملوا مع الدِّين بهذه البساطة. يصحح عزمي بشارة الاستخدام المبتسر لمقولة ماركس الشائعة بالعربية «الدِّين أفيون الشعوب»، فيعيد ترجمة النص عن أصله الألماني لنكتشف أن المقولة هي «الدِّين أفيون الشعب» وليس الشعوب. والجملة جاءت في سياق تحليل عيني لحالة

محددة في ألمانيا: «بالنسبة إلى ألمانيا، أنجِزَ

عمليًا... نقد الدِّين... الإنسان هو الذي يصنع

الدِّين وليس الدِّين هو ما يضع الإنسان... الإنسان هو عالم الإنسان والدولة والاجتماع، وهذه الدولة وهذا الاجتماع ينتجان الدِّين باعتباره وعيًا مقلوبًا...» (ص. 822)،

و« البؤس الدِّيني تعبير عن بؤس الواقع، وهو في الوقت ذاته احتجاج على بؤس الواقع.

الدِّين هو تنهيدة المظلوم، وقلب عالَمٍ لا قلب

له وروح أوضاع بلا روح... إنه أفيون الشعب»

(ص. 83)2 يعلّق عزمي بشارة: «إن مقولة الدِّين أفيون الشعب ليست ما يتخيله المرء عادةً، وإنها تعكس تفكيرًا مركّبًا عند ماركس

في شأن وظيفة الدِّين، ومصدره في عملية اغتراب الإنسان عن ذاته في عملية خ ص وهمي، وهو تعبير عن بؤس الواقع ونقد له في آن...»، ويعني هذا أن نقد الدِّيني الحقيقي عند ماركس هو في تغير الأوضاع «عبر نقد الع قااات الاجتماعية والقانونية والسياسية، المهم هو نقد الأرض لا نقد السماء» (ص. 83)2 وهكذا، فإن الجانب المعرفي والمنهجي في تعامل ماركس مع الدين، باعتباره «مؤسسة اجتماعية تقوم... بتطوير مصالح طبقية»، وهذا ما يعتبره عزمي بشارة

بحق «دليً على عمق رؤية أدوات المادية التاريخية ونجاعتها، أكثر من المضاربات

الفلسفية التي ظلت تنبز [تبرز] في فكر ماركس هنا وهناك» (ص. 2).88 على وجه الإجمال، لم ينظر آباء علماء الاجتماع ماركس وفيبر ودوركهايم وزيمل إلى الدِّين باعتباره خرافات أو موضوعًا هامشيًا،

وإن توقعوا انحساره مع عملية التحديث والتصنيع والعقلنة. هذا في حين ينفرد فيبر عن الآخرين باكتشافه

دورًا لدِين معيّن، أو لنمط من التديّن في

الحداثة نفسها. وربما لهذا يفرد عزمي بشارة مبحثًا عنه في الفصل الثالث بعنوان «فيبر والتناقض المزعوم بين الدِّين والحداثة» (ص. 290).302 – يلخص عزمي بشارة ما أضافه فيبر إلى تأكيدات ماركس لأهمية المصالح الاقتصادية في التحكم في مصالح الناس، فيراها كما يلي:.1« إن المصالح التي يسعى الناس... إلى تحقيقها ليست اقتصادية فحسب، بل هنالك مصالح معنوية وأخرى متعلقة بالسيطرة والقوة والمنزلة..2 إن اعتناق دين معيّن والانتماء إلى جماعة دينية معيّنة قد

يساهمان في صوغ فهم الناس لمصالحهم. 3. إن منظومة دينية ثقافية معيّنة قد يكون

لها أثر في أخ قااية الجماعة، بحيث يُسهّل

هذا الأثر، أو يصعّب، التكيف مع منظومات

اقتصادية بعينها» (ص. 2).90 الإضافة الأخيرة تتجلى في الاستنتاج الذي توصّل إليه فيبر عندما درس الأوضاع

الاقتصادية في أميركا الشمالية وأوروبا البروتستانتية التي نشأت فيها الرأسمالية،

فوجد «أن نمطًا معينًا من البروتستانتية المتحدرة من الكالفينية والقائمة على

أخ قاايات التقشف والعمل والشعور بالواجب باعتباره جزءًا من العبادة، ساهم في

تشجيع نشوء «الرأسمالية» (ص. 90)2 على أن الأهم في مساهمة فيبر في علم اجتماع الدِّين في كتابه الاقتصاد والمجتمعهو أنه أثار الاهتمام المتدرج بدراسة «مدى تديّن

الحداثة». هذا الاهتمام أنتج حقًا – وكما

يقول عزمي بشارة – الكثير من « محاولات

التأريخ الجديدة التي تعيد دراسة دور الدِّين في الحداثة وتراجع التعامل معه كأنه بقايا من دور سلبي معطل لها». أمثلة كثيرة من هذه الدراسات يعرضها عزمي بشارة في هذا المبحث المهم (ص. 291).302 –

وعلى غير المألوف لدى معظم الباحثين الذين يبدأون مباحثهم بالتعريف أو بالتعريفات، يؤجل عزمي بشارة الخوض في التعريفات إلى ما بعد إنجاز فصول ثلاثة من الشروحات والتوضيحات التأسيسية للسياقات الوظائفية لمقولات الدِّين والتديّن والإيمان والأسطورة والسحر، أي

لدراستها جميعًا كظواهر اجتماعية تاريخية

ذات سمات وع ئااق وتمايزات ووظائف.

وهو يخصص للتعريفات فصً رابعًا بعنوان

«تعريفات». يتتبّع بشارة لفظ الدِّين في داخل متون التراث

العربي – الإس مااي، لا بحثًا عن تعريفات

قائمة بذاتها، بل عن الدلالات المرتبطة باللفظ، وذلك في سياقات اصط حية أو مفهومية فقهية أو صوفية. ويكثف اقتباساته المتعددة، فيختار نماذج من علوم التفسير والحديث والتصوف وحقل التاريخ والأخبار والأدب؛ اقتباسات بُذل جهد كبير من أجل

استخراجها من متون كتب التراث، ومن

جمهرة اللغة لابن دريد، ومن لسان العرب لابن منظور، والفراهيدي صاحب كتاب العين، إلى جانب تتبّع معاني اللفظ في

القرآن بالعودة إلى مفسرين، كابن الجوزي والطبري والقرطبي والزمخشري والسيوطي وعبد الله بن عباس، وكذلك من خلال العودة إلى نصوص ف سفة وعلماء ك ماا وفقهاء،

كالشهرستاني في المِلل والنِّحل والغزالي، وإخوان الصفا وابن تيمية وابن قيّم الجوزية

والمناوي والتهانوي (ص. 305).338 – من خلال هذا الجهد، يستنتج عزمي بشارة أن «الفضاء المعرفي الإسلامي لم يشهد جهدًا في تحليل ظاهرة الدِّين، وهو جهد علماني... متأخر بصفة عامة، كما لم يشهد جهدًا في تفكيك مفهوم الدِّين وتأمّل استخداماته وسياقاته...»،

ذلك «أن ظاهرة تحييد الدِّين معرفيًا ومقاربته

بمناهج علمية... منافسة له ومنفصلة عنه هي ظاهرة جديدة في تاريخ العلوم الإنسانية». ومع ذلك، ي حظ عزمي بشارة في قراءته النصوص التراثية ولدى النبهاء والمفكرين من علماء الدِّين «تحديدات لا تتنازل عن الانحياز العقيدي، لكنها تقترب من جهد التعريف العلمي» (ص. 306). من ذلك مثً، قراءته للشهرستاني الذي ينطلق من عملية التمييز بين الإيمان واعتناق الدِّين، وهي مقولة سبق أن أكدتها الآية ﴿ قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾، ليميّز (الشهرستاني)

بين «المعارف» والواجبات: «الواجبات كلها بالسمع، والمعارف كلها بالعقل. فالعقل لا يُحسّن ولا يُقبّح، ولا يقتضي ولا يوجب،

والسمع لا يُعرّف أي لا يُوجِد المعرفة، بل

يوجب». وهنا يتساءل عزمي بشارة: «أليس هذا نوعًا من التقسيم المبكر غير المتطوّر بعد

بين العقل المحض (العقل)، والعقل العملي (السمع)؟» (ص).328 يقرأ عزمي بشارة نص الغزالي المقتبس من كتابه الاقتصاد في الاعتقاد، حيث يربط فيه الغزالي بين نظام الدِّين ونظام الدنيا، فيجعل

من الأخير شرطًا لقيام الأول. يقرأ نص الغزالي كالتالي: «ما يقصده الغزالي بالدنيا ويحتاج إلى ‹إمام› هو ما تحتاج إليه أي مؤسسة مجتمعية، مثل التجارة والعلم وغيرها [وغيرهما]. وهذا لا يعني... أن نستنتج من ذلك أن الدنيا هي الدِّين والدِّين هو الدنيا»، بل يعني أنه «كي يقام

الدِّين يجب أن تنظَّم شؤونه، وحتى تنظّم هذه الشؤون يجب أن تنتظم شؤون الدنيا، وكي تنتظم شؤون الدنيا لا بد من إمام» (ص – 329

بل إن عزمي بشارة يجد عند إخوان الصفا «بداية فصل شبه وظيفي علماني بين الدِّين والدنيا،

يمكّن من تعريف الدِّين، لكن كليهما، الدِّين

والدنيا، خاضعان للناموس، وهو بلغةٍ أخرى شرعة الله السارية في الكون كله، باعتباره ناظمًا فوقيًا للدين والدنيا معًا» (ص).330 عندما ينتقل عزمي بشارة إلى «الدِّين في لغات أخرى»، يثير معضلة الترجمة في إيجاد المترادفات في المعنى بين المفردات. يفحص مصطلح «دين» في اللغة العبرية عبر كلمة «دَت»، ليصل إلى استنتاج مفاده أن «الدِّين»

باعتباره لفظًا منفصلً في اللغات السامية كان يعني تاريخيًا «شريعة وقانونًا». لكن المشكلة

(والمشكلة هنا معرفية) تقع «عندما يُنقل

إلى حضارات لم يحصل فيها تبلور الظاهرة (الدِّينية) باعتبارها ظاهرة يسهل تمييزها من غيرها» (ص).341

من هنا يرى «أن محاولات تعريف الدِّين هي محاولات حديثة نسبيًا»، ويشير إلى رأي

جوناثان سميث J. Smith) («الذي حصر ما يقارب خمسين تعريفًا للدين في الأدبيات البحثية المختلفة»، ووصل إلى نتيجة مضمونها أن «مصطلح الدِّين هو محض خلق الباحثين أنفسهم، فالباحث يبدع المفهوم لأغراض تحليلية بأفعال تخيلية من المقارنة والتعميم». وهكذا، إذن، «لا يقول التعريف العام الكثير ظاهرًا، ولكنه قادر على التعين في السياقات

التاريخية المختلفة... أي يصبح الأهم هو دراسة الظاهرة الدِّينية العينية، أي التديّن العيني»

(ص).342 إذن عود على بدء، هذا هو أحد المفاتيح المفاهيمية الأساسية، وبالتالي المنهجية، للدراسة: دراسة التديّن، بما هو تجليات

وتمظهرات وتمث ت للدِّين – في المجتمع

وبين الناس، وليس الدِّين بما هو جوهر إلهي (غيبي) منفصل ومستقل. يصبح التديّن

وأشكاله وأنماطه الظاهرة والباطنة، جزءًا من

التاريخ، وحالً من أحواله، وربما الحال الأبرز والأكثر ظهورًا وفعالية فيه (بحسب المراحل

والمجتمعات). لذلك، فإن التعريفات تبقى قاصرة، إذا أخذنا في عين الاعتبار جملة من المتغيرات التي يشرحها عزمي بشارة: تغير المراحل في التاريخ، واخت ف الثقافات والحضارات، وتعدد التمث ت والمعاني لما يسمّى دينًا

أو لما يناظره لناحية الأهداف أو المقاصد أو العبادات أو الطقوس. لذلك يرى بشارة أن الجهد في تعريف الدِّين هو في حد ذاته جهد علماني ناتج من تحديد مجال الدِّين

(ص. 348). ومن هنا الإشارة إلى أهمية ما يقوله فيبر وقبله ماركس من أن التعريف يبدأ في السياق الحضاري والمجتمعي؛ يبدأ في «نهاية البحث»، أو هو عملية تطوير للبحث (ص).347 من هنا أيضًا أهمية الإشارة إلى تأثير كتاب مرسيا الياد، تاريخ الديانات، في العلوم الاجتماعية، حيث يكون عمل الدراسات الدِّينية هو البحث في أشكال التعبير عن المقدّس (الذي هو خارج الزمان والمكان) في جزء من الواقع في الزمان والمكان، أي في الواقع الجزئي للثقافات العينية المختلفة (ص).350 ولقد تناول بشارة، في سياق مبحث التعريفات وتصورها، مسألة المقدّس من زوايا عدة؛ فالمقدّس «ليس هو الله أو الأجداد بالضرورة، كما في الديانات المعروفة، بل هو ما تحس به في حضرة المقدّس وأنت تمر بتجربته، إنه الإحساس بمعنى وبحقيقة نفسية روحية تختلف عن التفصيلات اليومية المادية، وعن التعميمات العلمية وغير العلمية التي يستنتجها الناس منها» (ص 352 – 353). من هنا جازت

المقارنة بين الأسطورة والمقدّس والدِّين، والتشديد على التداخل بين هذه الظواهر الثلاث. أمثلة كثيرة يسوقها بشارة لتبيان استدخال الدِّين للأسطورة، ولمناقشة مسلّمة «التوحيد» في الديانات الإبراهيمية، ولتعدد مفهوم الله وتسمياته في الحضارات والأديان؛ ف «الديانات

عمومًا لم تنفِ عند نشوئها التاريخي كل ما

سبقها من تصورات للكون وعقائد عن مكانة المقدّس فيه، بل نفت جزءًا منه، واستوعبت

جزءًا آخر، وأخضعته لتفسيراتها. ويظهر ذلك

في الحكايات التي تفسر الدِّين، ويُستمد جزء

منها من أساطير الماضي، والديانات القائمة،

كما يظهر أيضًا في حقيقة أن الديانات تقدّس الأماكن والمواسم نفسها، وتمنحها تفسيرات مختلفة، يعلق فيها جزء من تجارب المقدّس

الماضية...» (ص).355 ويناقش أيضًا، إشكالية التطور الأحادي للتوحيد، فيقول في نظرية «التطورية الدِّينية»: «تاريخ الأديان ليس البنية القائمة للتديّن منشورًا على

مدى صيرورة تاريخية كأنه مراحل يتمثل أرقاها في الديانات التوحيدية؛ إذ أثبتت الدراسات منذ بداية القرن العشرين أن هنالك إيمانًا بإله واحد في ‹ديانات بدائية› عند قبائل مختلفة، وأن الإحيائية ما زالت قائمة، وهي حية ترزق في الديانات المتأخرة على شكل جن وأرواح» (ص).356 يشدد عزمي بشارة على الإنجاز الرئيسي ل نأأثروبولوجي جيمس فريرز، الذي يقول ب «أسبقية السحر وأنماط أخرى من التعامل مع الأرواح، التي تسكن الأشياء والوجود على الدِّين، أي إنه رأى أن هنالك مرحلة أرواحية ما قبل دينية... بالإمكان القول إنها لم تكن دينًا

بسيطًا، بل كانت ظاهرة عينية مركّبة من تعامل المجتمعات مع الطبيعة والكون اسمها السحر، وإن مجالات عديدة تفرّعت منها وتقاطعت مع

الدِّين...» (ص).357 حول فكرة التوحيد والإله الواحد، ينقل بشارة فكرة فرويد الواردة في كتابه موسى والتوحيد، وهي أن «الإيمان بإله واحد نشأ عند الفراعنة قبل اليهود، وأن موسى الموجود في حاشية الفرعون... هو مصري رُكّ بت يهوديته

لاحقًا». فكرة الإله الواحد نجدها أيضًا عند العرب قبل الإس ماا، يستشهد بشارة بالآية: ﴿ ما نعبدهم

إلّليقرِّبونا إلى الله زُلفى ﴾ ثم يقول: «هذا هو

ادعاء عبدة الأصنام عن أنفسهم، ومن الواضح

أن لديهم فكرة عن الله، وإلّ لما نقلها القرآن الكريم » (ص).364 في المقابل، نجد تعددية آلهة في بدايات التوراة: نجد أسماء مثل «إيل» و«إلوهيم» الذي «اشتق

منه لفظ اللّهم الذي يتوجه به العربي المسلم والمسيحي في الصلاة، وأخيرًا يهوه، هي أسماء

لآلهة كنعانية مختلفة، تظهر مركّبة ومختلطًا بعضها ببعض في التوراة» (ص).364 كما «تظهر هذه التعددية الإلهية داخل النصوص اليهودية في شكل قصص صراع بين الآلهة في بعض الحالات، وفي شكل صراع بين شعوبٍ نجم عن صراع الآلهة... ولكن يجري طمس هذه الحكايات في حالة التديّن اليهودي والسردية اليهو – مسيحية، كما

يجري ذلك بواسطة عملية الترجمة إلى اللغات الأخرى بتوحيد تسمياتها جميعًا تحت اسم

الله» (ص. 365).366 – كما أن «أوصاف الله عند القرشيين يوم الدفاع عن مكة ضد الأحباش تشبه كثيرًا أوصاف يهوه القاتل

والماكر والذي ينتقم ويعاقب... إلخ. وليس هذا

دليلً على تأثر القرشيين... باليهودية...، بقدر ما هي البيئة الصحراوية» (ص).367 أطلق اليهود على إلههم اسم يهوه (أي الذي

هو)، و«ليس مصادفةً أن يتخذ يهوه عدة أسماء، يبدو أنها لا تشير إلى إله واحد. ومن هنا... تسمية ‹إلوهيم› بصيغة الجمع للتدليل على الله في اليهودية. فأوصافه تتبعه... بصيغة الجمع.... إن هذا هو أصل مصطلح ‹اللهم› في التعبير عن الله سبحانه وتعالى، وليس كما يقال أنه جمع بين ‹الله› وضمير ‹هم›. فهذه صيغة غريبة غير معروفة بالعربية. وحتى لو صحت فإنها تقترب كثيرًا من تركيب ‹إلوهيم›» (ص).367

على أن هناك ديانات في الشرق الأقصى «تتضمن عنصر التجربة الدِّينية وعنصر العقيدة ومن دون فكرة الله المشخصنة. ففي الهندوسية ليس الله وجودًا قائمًا بذاته مضافًا

إلى العالم. كما أن البراهمية تقوم على عجز الفكر والكلمات عن وصفه... وهو ما ندركه

في النشوة فقط، وما البوذية إلّ آليات وأدوات الوصول إلى هذه النشوة». على أن فكرة الله أُسقطت على الديانات

كلها، وطُرحت كأنها «كانت دائمًا متجانسة في

اليهودية ذاتها... يعود الإشكال هنا إلى الخطأ (المنهجي) في اعتبار جوهر الظاهرة هو أيضًا بدايتها التاريخية». وهذا ما فعله هيغل: وحدة المنطقي والتاريخي، «أو توازي التحليل النظري للظاهرة مع مراحل تطورها التاريخي المفترضة والمسقطة على التاريخ» (ص).368 ولا شك أن نظرية الطوطم والتاريخ عند فرويد هي أيضًا من هذا النوع. فهو «يُسقط جوهر

الدِّين كما يراه حاليًا على تاريخه، فيجعله

بداية تطور الظاهرة تاريخيًا. إنه يميل... إلى

تحويل قتل الأب إلى حدث تاريخي... لا إلى اعتباره مجرد حالة نفسية متعلقة بالحضارة. وهو يربط نشوء الدِّين بهذا الحدث التاريخي، فيقع هو نفسه في براثن المقاربة الأسطورية...» (ص).368 بعد استعراض لمعطيات تاريخية كثيرة تشير إلى مزالق التبسيط في النظريات أو تعميم نظرية على جميع الحالات وتحميلها أكثر مما تحتمل، وبعد كمٍّ واسع من عرض المقاربات

الاجتماعية في تعريف الدِّين والتديّن (من

ماركس، إلى دوركهايم، إلى ماكس فيبر إلى الياد وآخرين...)، يصل بشارة إلى استنتاج أن «التحليل الاجتماعي للدِّين» يفتح

الباب لتعريفاته الوظيفية، وأن هذه الأخيرة (التعريفات الوظيفية) تتأسس على فهم دوره في إعادة إنتاج الجماعة وحفظ توازنها واستمرارها في التاريخ... هذا إضافة إلى دور الدِّين في ملء الحيز الاجتماعي – النفسي

(الوجودي) ل نإإسان. من هنا صيرورة تحول الدِّين إلى أيديولوجيا انط قااًا من وعي هذه الوظائف المركّبة والمتعددة الأبعاد في الإنسان والجماعة، وفي هذه الأيديولوجيا يتقاطع الدِّيني والعلماني، ومن خ لاا هذا التقاطع، قد تبرز أيديولوجيات وحركات اجتماعية تقوم بدور وظائف الدِّين، وقد تحاول أن تكون بدائل له، ولكن من دون أن تنجح. بل إن هذه الاستحالة و«توقف نشوء أديان جديدة» (غير بديلة) هو من مؤشرات العلمنة» (ص).386 على أن عزمي بشارة يستدرك ليميّز بين الدِّين

وتعريف وظائفه، فهذه الأخيرة متغيرة بتغير المجتمعات وتحولاتها: «لم ينجح علم تاريخ الأديان وسوسيولوجيا الأديان في الاتفاق على هدف أو وظيفة أصلية للدين». وبالعودة إلى المؤرخ الفرنسي رينيه جيرار، يشدد بشارة على الم حظة التالية: «حتى لو اتُّفق على وظيفة للدِّين في سياق اجتماعي سياسي حضاري

محدد، فإن الوظيفة متغيرة إلى درجةٍ لا يمكننا

معها اعتبارها تعريفًا عامًا للدِّين باعتباره ظاهرة،

إلّ بالقول لا بد من أن للدِّين وظيفة، من دون تحديدها...، وهذا يعني تغير وظائف الدِّين بتغيره» (ص).387

يخلص عزمي بشارة إلى الدعوة إلى موقف إبستيمولوجي ومنهجية جديدة في البحث العربي عن موضوعة الدِّين وأنماط التديّن،

كبديلٍ من تجاهل العلمانويين العرب لها، أو

استخفافهم بها. هنا منتهى الجسر الموصل عبر دراسة الدِّين والتديّن إلى مبحث العلمنة

والعلمانية في مشروع عزمي بشارة «الانتقال من مبحث الدِّين والتديّن إلى مبحث العلمانية»

في الفصل الخامس والأخير من الجزء الأول.

فيختتم مدخله الذي أصبح كتابًا – مقدّمة برابطٍ

يحاول عبره تلخيص وإيضاح ما بدأه، والعبور إلى الجزء الثاني من مشروعه: الصيرورة الفكرية للعلمنة والعلمانية. في هذا الرابط يناقش عزمي بشارة بعض الأفكار السائدة أو المتداولة في تعريف العلمنة والعلمانية، كالقول بفصل الدِّين عن الدولة، أو تحييد الدولة في الشأن الدِّيني أو هي خصخصة القرار في الشأن الدِّيني، أو أنها الفصل بين السلطة الدِّينية والسلطة المدنية (فرح أنطون)، أو هي التساهل بمعنى التسامح عند جون لوك. بعيدًا عن التعريفات (الجاهزة) التي هي «نهايات» أو «تعبيرات» وليست مسارات، فإن تعريف الدِّين يبقى – في المنهج التاريخي

الذي يتّبعه عزمي بشارة في مبحثه – هو ظاهرة

علمنة، «أي صيرورة تمايز في هذا العالم ورسم حدود بين الدِّين والدنيا، وذلك قبل نشوء مفهوم العلمانية كأيديولوجية بوقت طويل، وقبل نشوء مفهوم العلمنة كأنموذج سوسيولوجي في فهم هذه الصيرورة» (ص. 401).402 – المنهج نفسه يطبّقه بشارة على رؤية العلمنة

كجزء من صيرورة تاريخية: «يمكننا... أن نرى نشوء اللاهوت والفقه ودور كل منهما». كصيرورة علمنة، «تبدأ الحاجة إلى هذه العلاقة المتجسدة في اللاهوت والفقه مع بدء الحاجة إلى التوسط بين الله والعالم، وبين الناس والله والسلطة». كما تنشأ الحاجة إلى

القانون والمؤسسات.... وفي هذا الإطار والسياق تنطلق بداية العلمنة (من دون أن تسمّى كذلك). تستمرّ عملية التواصل أو التجاذب بين الدِّين

والدولة لمصلحة الدولة أولً ولمصلحة السياسة عمومًا. ومن هنا يأتي الاستنتاج المهم: «صيرورة

العلمنة لا تبدأ بفصل الدِّين عن الدولة في أي مجتمع، بل بتمايز البعدين في الواحدة الواحدة، بحيث يبدأ أحدهما بالسيطرة على الآخر مولدًا تمردات وتدينًا شعبيًا وردات فعل وأصوليات

وسلفيات وغيرها» (ص).422 وفي هذا المسار المضطرب، لا تبدأ المجريات المؤدية إلى العلمنة بمعناها الضيق بفصل الدِّين عن الدولة، بل بتحوّل الدولة إلى العنصر الأقوى

في مركّ ب دين/دولة؟ بحيث تتحوّل الع قااة

إلى صراع ينتهي إلى استخدام الدِّين مؤسسةً وعقيدةً ورجال دين ونصًا في عملية تبرير للدولة

(ص).422 ي حَظ هذا المسار في سياق الفكر السياسي

الأوروبي كما الفقه السياسي الإس مااي. وقد «توصل كارل سميث... إلى نتيجة تفيد أن المفاهيم والمصطلحات أو المفاهيم السياسية ذات الأهمية كلها كانت في الأصول مصطلحات لاهوتية، أي أنها عبارة عن علمنة لمفاهيم ومصطلحات لاهوتية. كان ذلك في سياق محاولته فصل العوامل الدِّينية عن السياسية في ما سمي الحروب الدِّينية. جاء ذلك في الفصل الثالث من أطروحته ال هااوت السياسي في تحليله معنى السيادة. إذ احتلت الدولة مكان الله في اللاهوت عند الحديث عن السيادة، ومن هنا فإن المصطلحات ال هااوتية التي تتوسط العلاقة مع الله باتت تتوسط العلاقة مع الدولة» (ص).424

يعلّق عزمي بشارة على أطروحة كارل سميث بالقول: إذا كان ذلك صحيحًا، فما العجب إذا

قلنا إن المفاهيم السياسية العربية هي مفاهيم إس مااية فقهية معلمنة، وإن المفاهيم العربية العلمانية الحديثة هي مفاهيم معلمنة من لاهوت آخر، وليس منها ما هو أكثر علمانية من الآخر من حيث المنشأ. لكن يكمن التحدث في الوظيفة التي تؤديها، وفي الغاية التي تستثمر من أجلها. هل هي خدمة غاية ديمقراطية أم استبدادية؟ هل تقود إلى عقلنة التفكير في السياسة والمجتمع أم إلى أسطرته؟» (ص).424

خلاصة

إن المسار نحو العلمنة الضمنية – كمنطق

وكضرورة تاريخية – يبدأ بسيطرة منطق الدولة،

حيث تجري، تدريجيًا، عملية إخضاع الدِّين

للدولة. وفي مسار هذه العملية الآخذة بالتحضر وبالتمدن (نموذج نشأة الدولة الإس مااية وتطورها)، يتمظهر الدِّين بأنماط متعددة من التديّن: تديّن الهيئة الحاكمة، وتديّن المؤسسة

الدِّينية، والتديّن الشعبي في مختلف أشكاله. هنا

تبدأ الدولة باحتكار الوظائف الأخلاقية للدِّين وتلحق المؤسسة الدِّينية بها، وهذا شكل من أشكال العلمنة يوازيه ويتمفصل معه شكل من أشكال التديّن. ومن جهة المعارضة قد تستمد

من الدِّين خطابًا دينيًا ضد الدولة (ص).424 السؤال الباقي وربما الأهم هو: كيف جرى مفهوم تحييد عن الشأن الدِّيني، وهو البعد الأساسي من أبعاد عملية العلمنة، لكنه ليس البعد الأول وربما ليس الأخير؟ «‹العلمنة›، إذا صح استخدامها مفهومًا [اليوم]،

هي جزء من عملية فصل متدرجة للديني عن الدنيوي، وللمقدّس عن العادي، ولله عن

العالم...»، وإذا كانت العلمنة صيرورة بهذا الاتجاه فيصبح من السذاجة، كما يقول عزمي بشارة، «قصرها على مفهومٍ أو عملية فصل

الدِّين عن الدولة، أو قصرها على آخر تجليات هذا الفصل، وهو خصخصة القرار بالشأن

الدِّيني، وتحييد الدولة عن قرار فرد أو اتحادٍ من الأفراد...» (ص 440 441 –). إن العلمنة –

كما هي حال التديّن – صيرورة. وهذه الصيرورة

لا تختص بدين من الديانات دون غيره، «بل هي عملية التطور الاجتماعي ذاتها؛ عملية تمايز الوظائف الاجتماعية وتوسطها بعلاقات

تشكّل الوحدة الاجتماعية والسياسية... وهناك فرق في أنماطها وظروفها التاريخية، وهنالك أيضًا فرق في النتائج التي توصلت إليها...» (ص).441 إذًا، هناك أنماط من التديّن، كما أن هناك

أنماطًا من العلمنة. وإذا كان الأمر كذلك، فهناك تواريخ للعلمنة والعلمانية، وأنماط منها ونماذج وتجارب تاريخية، في العالم. كيف جرت صيرورة العلمنة تاريخيًا؟ أفي الأفكار

أولً؟ وفي الاختبار التاريخي ثانيًا؟ بحثًا عن الجواب أو الأجوبة، يبحر عزمي بشارة في رحلة طويلة في بحار المنشأ، ومواطن التحول وحركات المد والجزر لصيرورة العلمانية في جزء ثان هو عبارة عن مجلدين: الصيرورة الفكرية، وصيرورة التجارب والخبرات والنظريات.

الهوامش

(1) ما يذهب إليه عزمي بشارة في شرحه إشكالية العقل العملي عند كانْت، من زاوية نظرية، يؤكده في التجربة التاريخية العملية، العلاقة بين فرح أنطون ومحمد عبده كما لاحظتُها كمؤرخ في مجال الأخ قاا العملية المشتركة أو

الواحدة التي جمعت بين الرجلين في الموقف الداعم لإضراب

عمّال لفّ السجائر في مصر الذي امتد ثلاثة أشهر منذ كانون

الأول/ديسمبر 8991 إلى شباط/فبراير 9001، وشمل أكثر من ث ثااين ألف عامل. ورغم الاخت ف ال هااوتي – الفلسفي بين الاثنين في موضوع «الإيمان والعقل»، فإن هذا الاخت ف لم يمنع بعد مضي أشهُر من أن يلتقي

الرجلان، كل من موقع، عبده من موقع الفقيه المجتهد في حقل المعاملات والمقاصد في الفقه الإسلامي، وأنطون من موقع الباحث الاجتماعي والمناضل من أجل أمن المجتمع وحقوق الإنسان والمواطن، في دعم إضراب عمّال لفّ

السجائر في مصر والحصول على مبدأ التحكيم بين العمّال

وأرباب العمل بإشراف الدولة. كانت هذه الواقعة موضوع مقالة: وجيه كوثراني، «فرح أنطون ومحمد عبده: إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة في العقل

العملي،» منبر الحوار، العدد 39 (صيف 999 عيد.)1 ثم أُ نشرها مع مقالات مختارة، في: أفكار النهضة بين الأمس واليوم، من الدعوة لها إلى البحث فيها، تحرير وتقديم وجيه كوثراني (بيروت: منتدى المعارف، 0112)، ص 173 1.79 –

(2) محاولات التأريخ الجديدة بتأثير ماكس فيبر، والتي أشير إليها في هذا السياق، يمكن الاستدلال عليها أيضًا في أعمال مؤسسي وأعلام مدرسة الحوليات الفرنسية، من الجيلين الأول والثاني. وقد كانت أطروحة فلوسيان فيفر، أحد المؤسسين، عن مسألة «ال تااديّن» في القرن السادس عشر، دين رابليه

(Le Problème de l’incroyance au XVIe siècle::)1942(

La religion de Rabelais) ودراسته أيضًا عن لوثر (1928)، يضاف إلى ذلك إشادة مارك بلوخ M. Bloch) (وبول فين، بدور فيبر التجديدي في البحث في تاريخ الأفكار وأنماط التديّن في

كتبهما عن التاريخ وكتابته. مثال: Comment Paul Veyne,

on écrit l’histoire; augmenté de Foucault révolutionne l’histoire , L’Univers historique (Paris: Editions du Seuil, 1978), pp. 44–47.

(3)  القرآن الكريم، «سورة الحجرات،» الآية.14 (4) وهذه المقاربة المفاهيمية والمنهجية التي يعتمدها عزمي بشارة هي على عكس المقاربة التي يعتمدها ناصيف نصّار في

دراسته « الأمة بين الدين والتاريخ »، حيث يفصل نصّار بين ما

هو تاريخي وضعي يتمثّل في أفكار تتماثل مع مفاهيم الحداثة

الأوروبية حول «الأمة» مثلً، وبين مفاهيم إسلامية عن الأمة، يحسبها نصّار لا تاريخية، أو من ضمن ثنائية تاريخ/دين، أو

ليست جزءًا من التاريخ! انظر: ناصيف نصّار، مفهوم الأمة

بين الدين والتاريخ: دراسة في مدلول الأمة في التراث العربي الإسلامي (بيروت: دار الطليعة 1).980 (5) يمكن أن نضيف أن فرويد اقتبس الفكرة عن المؤرخ الأميركي برستد من كتابه فجر الضمير Dawn of The () Conscience، وهو من كبار علماء «المصريات» والإسرائيليات في مطلع القرن العشرين. راجع النص المقتبس عن برستد في: سيجموند فرويد، موسى والتوحيد، ترجمة عبد المنعم الحنفي (بيروت: الدار العربية، 9781)، ص 31.32 –

(6) يورد عزمي بشارة في هذا السياق، حيث يشدِّد على عملية

«إخضاع الدين لمنطق الدولة» وهو محق في هذا التشديد، أمثلةً سريعة من تاريخ الخلفاء الراشدين، وتجاربهم، لكن بعضها

يستدعي التوقّف والنقاش، ولا سيما عند المثل الذي يسوقه عن الخلاف بين معاوية وعلي، معتمدًا على رأي متسرّع وغير

دقيق لبرهان غليون، يقول إن انتصار معاوية كان انتصارًا لمنطق

الدولة وتراجعًا لمنطق الثورة الدينية والإمامة الدينية التي مثلها

علي (ص. 426). والحقيقة أن المصادر والمراجع المتخصصة في الموضوع تشير إلى أن الصراع كان صراعًا سياسيًا بامتياز

بين الطرفين، وكلاهما استخدم حججًا شرعية سياسية، حيث

طالب معاوية عليًّا بدم عثمان، وأصر علي على «شرعية البيعة»

وليس على أي مبرر ديني آخر. ويجد قارئ مساجلات علي مع معاوية ومع الخوارج أنها تشدد على حقه اعتمادًا على شرعية

البيعة وليس الشرعية الدينية أو حقه في الإمارة دينيًا. إن مفهوم

الإمامة بالمعنى الديني وكحق منصوص عليه عند الشيعة، مسألة بدأت بالتبلور بعد قرن من حدث «التحكيم». أمّا علم

الكلام الشيعي وعلم أصول المذهب الإمامي، فسينتظران ثلاثة قرون حتى يبدآ بالتبلور نظريات دينية وكتبًا أصولية معتمدة. أمّا

التأرخة لعلي بن أبي طالب في سيرته وممارساته في مرحلة الصحابة، بل في مرحلة خلافته، فينبغي أن تتموضع في ظروف مكانها وشروط زمانها. وظروفها وشروطها تصدر عن البيئة الاجتماعية والثقافية والأصول والانتماءات القبلية التي انتمى إليها الجميع، علي (الهاشمي) ومعاوية (السفياني) وبين مناصرين في العراق ومناصرين في الشام، مع الحافز الديني الكبير لمشروع ضخم. والخ صة التي يمكن تسجيلها هي أن الصراع كان سياسيًا

بأبعاد متعددة. أمّا إذا بحثنا عن الثورة الدينية – خارج القوتين

السياسيتين اللتين يسمّيهما هشام جعيط، أهل الشام من جهة،

وأهل العراق من جهة أخرى – فهي جماعة القرّاء الذين أصبحوا

الخوارج. ولا بأس هنا من اقتباس رد علي على حجة الخوارج

الذين قالوا «لا حكم إلّ لله» بقوله «الحكم لله وفي الأرض

حكّام، لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يضم الشعث ويجمع الأمر ويقسم الفيء ويجاهد العدو، ويأخذ من القوي للضعيف، حتى يريح برّ ويستراح من فاجر».

وإذا كان لا بد من البحث عن أوجه خ ف في الخطاب السياسي والممارسة السياسية عند الطرفين علي ومعاوية، فهي تقع في الاختلاف على تَمثّل «المنظومة الأخلاقية». صحيح

أن الدِّين يقدم منظومات أخلاقية، ولكن يبقى أن الدِّين غير

الأخلاق كما يؤكد عزمي بشارة هذه المقولة في أكثر من مكان. فإذا كان الأمر كذلك، فإن ثنائية أخلاق/سياسة هي الثنائية التي تميز بين علي ومعاوية وليس ثنائية دين/سياسة. وهذه الثنائية

لا تزال محنة أبدية في التاريخ حتى اليوم، شأن محنة التناقض الذي عبّر عنها كانْت في العقل العملي، بين السعادة والتعاسة.

«يمكن أن نكون خيّريين لكن تعساء، ويمكن أن نكون أشرارًا

ولكن سعداء». انظر أيضًا عزمي بشارة (ص 256 – 725)، حيث يشرح هذا التناقض بلغة جميلة ومؤثرة.