Return to Article Details The Arab Novel, Literary Criticism, and the Creative Imagination of Youmna Eid

الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية للناقدة يمنى العيد

The Arab Novel, Literary Criticism, and the Creative Imagination of Youmna Eid

أحمد الجرطي

Ahmed el-Garti

الملخّص

تعمد هذه الدراسة إلى متابعة آخر تحولات الممارسة النقدية عند يمنى العيد، انطلاقًا من الوقوف عند بعض قراءاتها التحليلية لبعض النصوص الروائية العربية، وتحديدًا منها النسوية، والسؤال إلى أي حد ظلت وفية لمسارها النقدي الذي لاحت مفاصله المنهجية الناضجة منذ مؤلَّفها البارز في معرفة النص، وهو المسار الذي شدَّدتْ من خلاله على ضرورة محاورة المفاهيم النقدية الغربية، وإعادة استزراعها في الحقل الثقافي العربي في ضوء التمرس بالنصوص الروائية العربية، والإنصات إلى عوالمها التخييلية المائزة المجبولة بأنساق دلالية ومرجعية خاصة، وهو الأمر الكفيل، بحسب يمنى العيد، باستيلاد مثاقفة نقدية بنّاءة مع الآخر تتحرر من إطلاقية محمولاته المعرفية، وتنجح في تخصيص أسئلة النقد العربي وإفراد رهاناته المنهجية والفكرية.

Abstract

This study tracks the latest developments in the criticism practice of Youmna Eid. It takes as its starting point her analytical readings of Arabic novels, particularly those written by women, and examines the extent to which she has remained true to her critical path. This path, and its mature methodological features, were best laid out in her most prominent work On Knowledge of the Text, where Eid emphasized the need to engage with Western concepts of criticism and to transplant these into the Arab cultural realm given the sophistication of Arabic fictional texts. In Eid's view, such an effort could inform the generation of a constructive cultural criticism that would enable an engagement with The other' free of the ballast of epistemological absolutes, one that could successfully bring into relief the key questions of Arabic literary criticism and its methodological and intellectual milestones.

الكلمات المفتاحية:
  • الرواية العربية
  • المتخيل
  • النصوص
  • الممارسة النقدية
Keywords:
  • Texts
  • Critical Practice
  • Imagined
  • Arab Novel

المنهجية والفكرية.

مفتتَح

تطمح هذه الدراسة لمؤلَّف يمنى العيد الموسوم ب الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية إلى الوقوف عند خصوصية الطرح الذي قدمته المؤلِّفة بشأن نشأة الرواية العربية الحديثة، مفكِّكةً من خلاله جملة من التنظيرات النقدية العربية التي قاربت سؤال تشكّلها في

نحو رؤية جديدة لسياق التكون وآفاق الممارسة النقدية

تعمد هذه الدراسة إلى متابعة آخر تحولات الممارسة النقدية عند يمنى العيد، انط قااًا من الوقوف عند قراءاتها التحليلية لبعض النصوص الروائية العربية، وتحديدًا منها النسوية، والسؤال إلى أي حد ظلت وفية لمسارها النقدي الذي لاحت مفاصله المنهجية الناضجة منذ مؤلَّفها البارز في معرفة النص، وهو المسار الذي شدَّدتْ من خلاله على ضرورة محاورة المفاهيم النقدية الغربية، وإعادة استزراعها في الحقل الثقافي العربي في ضوء التمرس بالنصوص الروائية العربية، والإنصات إلى عوالمها التخييلية المائزة المجبولة بأنساق دلالية ومرجعية خاصة، وهو الأمر الكفيل، بحسب يمنى العيد، باستي داا مثاقفة نقدية بنّاءة مع الآخر تتحرر من إطلاقية محمولاته المعرفية، وتنجح في تخصيص أسئلة النقد العربي وإفراد رهاناته

عصر النهضة في ضوء مرجعيات نقدية ناجزة مستوحاة من النظرية الأدبية الغربية الحديثة، كنظرية جورج لوكاش وحوارية ميخائيل باختين، مغفِلةً بذلك مغايرات السياق الحضاري والمجتمعي العربي الذي تشرّبته سرديات التنوير، وساهمت في تمييز صياغتها الفنية وتنسيب دلالاتها.

ترتكز جدة هذا التصور، الذي ابتدأته يمنى العيد بشأن تكوّن السردية العربية الحديثة في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، على إعادة الحفر في طبيعة الأسئلة والهموم والصراعات الفكرية والأيديولوجية التي كانت تروم الرواية العربية تشخيصها وتحبيكها عبر متخيلها الفني الذي تتراكب داخله أنساق الموروث السردي العربي القديم، بكشوفات الشكل الغربي الوافد، متشابكةً بذلك مع محاضنها الدنيوية والمجتمعية، وبالتحديد مع ما أسمته «الهامشي»، المغيّب خلف ما هو مؤسساتي ومنوالي، والمتصل بحياة الطبقات الدنيا المقصية عن دائرة المجتمع وتقسيماته الطبقية القارة، وهو الهامشي الذي استقطرت نسغه في تجديل مرجعيات مخضلَّة بمنابت ما هو معيش ومجتمعي، متحررة بذلك من محاكاة النموذج الروائي الغربي والامتثال لأساليبه السردية الجاهزة. كما ترنو هذه الدراسة إلى متابعة آخر تحولات الممارسة النقدية عند يمنى العيد، انطلاقًا من الوقوف عند بعض قراءاتها التحليلية لبعض النصوص الروائية العربية، وتحديدًا منها النسوية، والسؤال إلى أي حد ظلت وفية لمسارها النقدي الذي لاحت مفاصله المنهجية الناضجة منذ مؤلَّفها البارز في معرفة النص، وهو المسار الذي شدَّدتْ من خلاله على ضرورة محاورة المفاهيم النقدية الغربية، وإعادة استزراعها في الحقل الثقافي العربي في ضوء التمرس بالنصوص الروائية العربية، والإنصات إلى عوالمها التخييلية المائزة المجبولة بأنساق دلالية ومرجعية خاصة، وهو الأمر الكفيل، بحسب يمنى العيد، باستيلاد مثاقفة نقدية بنّاءة مع الآخر تتحرر من إطلاقية محمولاته المعرفية، وتنجح في تخصيص أسئلة النقد العربي وإفراد رهاناته المنهجية والفكرية.

تكوّن الرواية العربية من ثقافة الهامش إلى سؤال ما بعد الحداثة

قبل الوقوف عند خصوصية الطرح النقدي الذي قدمته يمنى العيد بشأن كيفية نشأة الرواية العربية وتطورها، وعلاقتها بحقلها الثقافي والاجتماعي، سنحاول التذكير بأهم التنظيرات التي اكتنز بها المشهد النقدي الروائي العربي قبل صدور كتاب الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية، وذلك حتى يسهل علينا تحديد ما يكمن خلف تصورها لنشأة الرواية العربية من خلفيات فكرية، وما يرشح به من مغايرات نظرية. يمكن تصنيف هذه التنظيرات التي قدمها كثير من النقاد العرب البارزين إلى ث ثااة اتجاهات أساسية، هي التالية: – اتجاه أوليقول بالنشأة الغربية الخالصة للرواية العربية. ومن أنصار هذا الاتجاه في النقد العربي المعاصر صبري حافظ، الذي أعلن في كتابه اللماح تكوين الخطاب السردي العربي دراسة في سوسيولوجية الأدب العربي الحديثأن نشأة السردية العربية الحديثة وليدة بروز حساسية فنية جديدة1 عند جمهور جديد ضاق ذرعًا بالمرويات السردية الشفوية، والأساليب النثرية الكتابية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، لإغراقها في ما هو غرائبي وعجيب ومفارق للمعيش والمجتمعي، ولإيغالها من حيث الأسلوب في الصنعة البديعية المتكلفة. هذا فضً عن أنه تكوّن لدى هذا الجمهور الناشئ رؤية مغايرة للعالم2 جعلته ينفر بسبب ثقافته المتحصلة من احتكاكه بالأدب الغربي الحديث وممّ ا هو مكرس وسائد وتقليدي، ويرنو إلى إبداع جديد أكثر انغراسًا في ما هو دنيوي ومتحول، وهو ما استجاب له كتّاب القرن

التاسع عشر من خ لاا استحداثهم هذا اللون السردي الجديد في الثقافة العربية، متمثّلً في الرواية والقصة، مستثمرين في ذلك انفتاحهم على المنجز السردي الغربي، وتشبعهم بأنساقه الفكرية والفنية3. يندرج ضمن هذا الاتجاه أيضًا موقف الناقد المغربي سعيد يقطين الذي قدمه من خلال كتابه قضايا الرواية العربية الجديدة: الوجود والحدود، حيث أنكر، وبحدة حاسمة، أن يكون لفن الرواية جذور في التراث السردي العربي القديم4، مشدِّدًا على أن الرواية فن غربي حديث، وامتدادها إلى الثقافة العربية تم بفضل جملة من الوسائط الغربية، كالطباعة والترجمة وبشكل أبرز الصحافة، لما اضطلعت به من دور منتج في الاقتراب باللغة العربية من الحياة اليومية، موسعةً بذلك دائرة التلقي. هذا بالإضافة إلى تخصيب البنية التخييلية للرواية، ورفدها بطاقات تعبيرية هائلة انبجست من قدرتها على صهر مختلف تقنيات الفنون الأخرى داخل صوغها الروائي، وتمثيل مختلف التصورات والأفكار المتصارعة في الواقع الاجتماعي5. – اتجاه ثاننقيض للاتجاه السابق، وهو يرفض الاعتراف بفاعلية المؤثر الغربي. ويُعتبر الناقد العراقي عبد الله إبراهيم من أبرز ممثّليه؛ إذ يذهب في كتابه البارز السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة إلى أن التنظيرات القائلة بأن ميلاد الرواية العربية هو حصيلة التأثر بالثقافة الغربية، إنما تكشف في تضاعيفها عن خضوع لمصادرات الخطاب الاستعماري، وامتثالٍلمعاييره الناجزة عن كونية أشكاله وتفوّقها، وقابليتها لأن تتحول إلى مقاييس نهائية نموذجية تُقوّم في ضوئها باقي الأشكال والفنون الأخرى المنتجة لدى أمم مغايرة من دون استحضار جدّة سيرورتها التاريخية والثقافية، وخصوصية محاضنها الاجتماعية6، مشدِّدًا في الوقت نفسه على أن ظهور الرواية العربية في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر، هو وليد تحلُّل المرويات السردية الشفوية وتفكُّكها، وتحوّلها إلى رصيد سردي منبهم هو بمثابة الأرضية الخصبة التي انطلقت منها بواكير الرواية العربية7. – اتجاه ثالثيمكن نعته – من منظورنا – بالاتجاه الفلسفي التحليلي. ولا تعني هذه التسمية أن أصحابه يتشرّبون خلفيات فلسفية ونقدية معيّنة في استقرائهم ملامح تشكّل الرواية العربية وأفق مستقبلها، لأن حتى ممثّلي الاتجاهين السابقين يتشربون بدورهم مرجعيات فكرية ونقدية محددة في مقاربتهم لسؤال نشأة الرواية العربية، وإنما المقصود بهذه التسمية، وكما تكشف دراساتهم، عدم احتفالهم بتعيين طبيعة نشأة الرواية العربية: هل هي غربية خالصة أم حصيلة الحراك الثقافي والاجتماعي الذي جاش به عصر النهضة؟ وإنما تنصب مقاربتهم بالدرجة الأولى على تفسير مغايرات الحقل الثقافي والاجتماعي والفكري الذي تناسجت مع أسئلته سرديات جيل التنوير، تفسيرًا فلسفيًا ونقديًا لاختطاط الطرق المعرفية، الكفيلة بتوصيف كيفية نشأة الرواية العربية، واستشراف المنعطفات المحتملة لتطورها، ويمكن التمثيل لهذا الاتجاه الثالث بموقفين بارزين متباعدين من حيث الفترة الزمنية، وهما لعلمين من أعلام الثقافة العربية المعاصرة. يتجلى الموقف الأول في الأطروحة التي قدّمها المفكر المغربي عبدالله العروي في كتابه الشهير الإيديولوجية العربية المعاصرة، وتتحدد أبرز تمفصلاتها في تبخيس الجهود العربية الأولى التي بُذلت من أجل استنبات الشكل الروائي

العربي، لأنها – من منظور العروي – اكتفت بالمحاكاة الحرفية للشكل الروائي الغربي البرجوازي، غافلة عمّا يختزنه من حمولات فلسفية من جهة ومشروطيته من جهة ثانية، بسياقات تاريخية محددة تقف وراء تجديل شخصياته الروائية، وما ينحفر وراءها من أبعاد فكرية ومرجعية تتجلى في تقاليد المجتمع البرجوازي الغربي8، وهو ما جعل هذه المحاولات الروائية العربية – بحسب العروي – تتورط في السطحية والاجترار والافتعال الفني، وتخفق في إنتاج أعمال روائية ممهورة بنوعية الأسئلة والقضايا الموّارة في محاضنها الدنيوية والتاريخية9، الأمر الذي دفعه للتشديد على أن الشكل الأنسب للروائيين العرب في تشخيص قضايا مجتمعاتهم هو الشكل القصصي وليس الروائي10. أمّا الموقف الثاني، فيتمظهر في الأطروحة النّفاذة التي قدمها الناقد الفلسطيني فيصل درّاج من خ لاا كتابه نظرية الرواية والرواية العربية، وقد انطوت على كثير من الأحكام النقدية المثيرة للجدل، في مقدمتها اعتبار فيصل درّاج ولادة الرواية العربية ولادة معوّقة عند رواد النهضة، لكون الحقل الثقافي الذي ولدت في محضنه البواكير الأولى للرواية العربية هو حقل مونولوجي يفتقر إلى تعددية المعارف وتنوعها، نتيجة خضوعه لثقافة تقليدية تلقينية منحازة إلى ما هو مكرَّس وسائد ومتوارث من جهة11، ولعجز النص التنويري الذي كان يواكب انبلاج سرديات القرن التاسع عشر وتطورها عن تخصيص أسئلته من جهة ثانية، لأنه ظل مشتتًا وملتبسًا ينوس بين ثنائيات متصارعة من قبيل التراث/الغرب، العقل/الإيمان... النقل/الاجتهاد12. من هذا المنظور، ووفقًا لطرح فيصل درّاج من أن في الوقت الذي وجدت فيه الرواية الغربية فضاء معرفيًا يتدثر بحوارية المعارف واختلافها، وبجملة من علوم متعطشة إلى التجديد والمغايرة والابتداع ساعدتها كثيرًا على تنسيب أسئلتها وتخصيب وعيها الاستيطيقي بقضايا الذات والمجتمع والوجود، عجزت الرواية العربية تمامًا عن إيجاد السياق الثقافي الملائم الذي يعضدها في تحيين مرجعياتها وتخصيصها وفق جِدة محاضنها التاريخية، وهو ما جعلها تتغرب كليًا عن منابتها الاجتماعية، وترتحل نحو المتح من روافد غربية مستعارة. يقول فيصل درّاج: «كان على محمد حسين هيكل أن يستلهم في رواية زينب تعاليم جان جاك روسو بعيدًا عن دانييل ديفو الذي استلهم فلسفة مواطنه جون لوك، وعلى فرح أنطوان أن يبسط اشتراكية فرنسية، تاركًا الفرنسي زولا يتعامل مع أفكار فرنسية»13. في ظل هذه المعطيات، يخلص فيصل درّاج إلى أن تطور الرواية العربية ظل مفارقًا لخصوصية مغايرات زمنها التاريخي والاجتماعي، وهو ما ترتب عنه إخفاقها في نهاية المطاف في تجذير انتمائها إلى واقعها العربي، والتحول إلى ظاهرة مجتمعية على صعيد القراءة والجمهور. على هذا الأساس، واستنادًا إلى هذا التحليل النقدي السريع الذي تناولنا به أهم التنظيرات النقدية المتصارعة في الحقل الثقافي بشأن نشأة الرواية العربية، ما هو موقع تنظير يمنى العيد ضمن هذه الطروحات المتباينة من حيث الروافد الفكرية والنتائج المستخلصة؟ وإلى أي حد يمكن الوقوف عند بعض معالم الإضافة والجِدة عند هذه الناقدة اللبنانية من دون الوقوع في مطب المطابقة مع المحمول النقدي الغربي، والانسياق وراء جاهزيته النظرية؟

ترفض يمنى العيد التصورات المنافحة عن وجود تقاليد سابقة للرواية في الموروث السردي العربي، مشدِّدة على حداثتها في الثقافة العربية، وكونها وليدة التفاعل مع المنجز الروائي الغربي. وممّا يبرهن، من منظور يمنى العيد، على جِدة الرواية في الأدب العربي الحديث، هو العناء الشديد الذي واجهته في تمييز صياغتها الفنية، حيث ظلت ترزح في تشكّلاتها الأولى مع رواد النهضة ضمن إسار محاكاة الشكل الروائي الغربي. تقول يمنى العيد: «لقد كانت الكتابة الروائية العربية تواجه قلقًا والتباسًا لا فقط على مستوى المسرود، أو الحكاية وبما هي حكاية المعيش في الواقع [في نهضته وحروبه وهزائمه، في ما يُبنى ويُهدم]، بل أيضًا على مستوى المتخيل الذي عانى، فنيًا، قلق المتغيّر والمختلف، قلق الإفادة من تجربة الآخر دون السقوط في التقليد والمحاكاة، والعجز عن قول ما تود الكتابةُ قولَه»14. من هذه الوجهة، فإن إقرار يمنى العيد بالدور الفعال الذي اضطلعت به ثقافة الآخر في ظهور الرواية العربية لايعني – من منظورها – اغتراب هذه الرواية الكلي عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، وما كان يشهده من «حياة مدنية مربكة، يتجاور فيها القديم والحديث بكل مكوناته وظواهره التي تخص الثقافة والعمارة واللباس والسلوك، ومجمل نظم العيش وتقاليده»15، بل إن الرواية العربية حاولت ببنيتها التعبيرية التي كانت في طور التخلق، ويتناسج داخلها أسلوب السرديات الموروثة مع التقنيات الغربية الوافدة الانغراس في محاضنها الدنيوية، تشخيص ما تمور به من أسئلة وقضايا وتحولات. ولذلك ستحاج يمنى العيد جملة من التنظيرات التي قادها الوقوع في إسار بعض النظريات الروائية الكبرى في الغرب إلى تبخيس المنجز السردي العربي خلال عصر النهضة، والحكم عليه بالاغتراب عن واقعه الثقافي والحضاري، والتماهي مع التقاليد الفنية والفكرية للرواية الغربية. يأتي في مقدم هذه التنظيرات السائدة، الطرح الذي قدّمه فيصل درّاج بشأن نشأة الرواية العربية، حيث انتهى، مستضيئًا بحوارية باختين، إلى نعت ولادة الرواية العربية ب «العجز والإعاقة». تقول يمنى العيد، مُذكّرة بموقف فيصل درّاج: «هكذا، واستنادًا إلى تنظير باختين، قد يبدو الحقل الثقافي العربي الذي يفتقر إلى تنوع المعارف وتعددها، وحواريتها، وبالتالي إلى وعي معرفي متعدد ومتنوع تستدعيه الشخصيات الروائية باعتبار حواريتها، حقلً عاجزًا عن توفير الشرط الإنتاجي لعمل روائي عربي. أو قل: إن مثل هذا العجز سيترك أثره في إمكانية صياغة خطاب روائي عربي يستحق إدراجه في هذا النوع الأدبي الحديث، أو وضعه على مستواه، حتى لكأن الرواية العربية تعاني، وحسب البعض، إعاقة وسمت نشأتها كما تطورها لاحقًا»16. في هذا الاتجاه، ترى يمنى العيد أن على الرغم من وجاهة نظرية باختين في إضاءة خصوصية السياق الحضاري الأوروبي الذي احتضن ظهور الرواية الغربية وتميز بتعددية المعارف وحواريتها، وبروز جملة من العلوم والفلسفات المتحررة من قداسة الماضي وكهنونيته، وماهوية تصوراته عن الذات والوجود البشري، منحفرة في المقابل في ما هو دنيوي ومتحول، فإنه ينبغي عدم الافتتان الكلي بشعرية باختين والتسليم بإط قاايتها النظرية، لأن من شأن ذلك أن يؤدي بالنقد العربي إلى الوقوع في شراك القراءة الإسقاطية التي من تبعاتها إغفال خصوصية السياق الثقافي والمجتمعي الذي

يعاد في ضوئه، من جهة، استزراع مغايرات المحمول النقدي الغربي، وتغييب، من جهة ثانية، جِدة المحاضن التاريخية والدنيوية التي تسترفد الرواية العربية أسئلتها ومعطياتها، وهو ما تورط فيه فيصل درّاج، من منظور يمنى العيد، إذ انساق، بتأثير من باختين، وراء مطب المقايسة؛ فما دام أن ولادة الرواية الغربية هي ولادة منتجة لأن فضاءها الحضاري الغربي الذي تفاعلت مع اشتراطاته تميّز بحوارية المعارف وانفتاح علومه على النسبي والمتغير، فإن ولادة الرواية العربية هي في المقابل ولادة معوّقة لأن سياقها الثقافي والمجتمعي يخلو من المواصفات السابقة المعيارية التي التحف بها السياق الغربي، لكونه ظل مستكينًا لما هو واحدي وتقليدي، ومفتقرًا إلى علوم ومعارف تضع حدًّا لسطوة القديم، وتستشرف بأسئلتها أفق الابتداع والمغايرة17. على هذا الأساس، تقدّم يمنى العيد تصوّرها لنشأة الرواية العربية خ لاا عصر النهضة؛ فرغم مكابدتها الشديدة في تمييز قولها الفني بسبب الحضور الطاغي للمؤثرات التقنية الغربية، وعدم التخلص تمامًا من أثر الموروث السردي، حيث استمرار غلبة صوت الراوي على صوت الشخصيات الروائية، فإن الرواية العربية استطاعت أن تشق لنفسها طريقًا منتجًا استعاضت به عن حوارية المعارف وتعددية التصورات التي اشترطتها جملة من النقاد العرب المنحازين إلى نظرية باختين، لكي تكون الرواية العربية منتجة، وعن تقاليد المجتمع البرجوازي الغربي التي اشترطتها أيضًا جملة من النقاد المفتونين بنظرية لوكاتش، لكي تكون ممهورة بأصالة شخصياتها، وتمثيلها خصوصية مجتمعها. يتجلى هذا الطريق المنتج – من منظور يمنى العيد – في انعطاف الرواية العربية نحو ما هو هامشي ومُغيّب خلف هيمنة الثقافة الرسمية، واستبداد أنساقها المؤسساتية؛ فهذا الهامشي، المتصل بحياة الطبقات الدنيا ورتابة عيشها ومعاناتها الإقصاء والتجاهل، هو الذي استطاع أن يرفد الرواية العربية بخصوصية على صعيد مرجعياتها، ويدفعها نحو تنسيب حكايتها. تقول يمنى العيد: «ويمكن القول بأنه كان للرواية العربية في تعاملها مع الهامشي أو المهمش مسارها المختلف، وإن أفاد، هذا المسار، من تجربة الغرب وفنية الرواية الغربية، إلّ أن هذه الإفادة لم تلغ إمكانية مجيء هذا المهمش بكل خصوصية عالمه إلى الرواية، وبالتالي استدعاء الضرورات التقنية الفنية لنسج حكايات هذا العالم على مستوى المتخيل. في هذا العالم، وعلى مستواه المتخيل، يتخذ الوعي اللغوي المعرفي طابع المضمر، والمسكوت عنه، والمنفي»18. من هذا المنظور، ترى يمنى العيد أن متح الرواية العربية، في بداياتها الأولى مع جيل التنوير، من تقنيات المنجز الروائي الغربي لم يُسيّج جهودها في دائرة التقليد الأعمى والمحاكاة الحرفية؛ إذ سرعان ما عملت على تمييز خطابها الفني بتأثير من تشرّبها منابت هذا الهامشي المبثوث في تفصيلات الحياة اليومية لفئة من المغمورين والمقصيين داخل نسيج المجتمع. كما أن هذا الهامشي الذي استدعته الرواية العربية في تطورها هو بمثابة بديل منتج لتنوع لغوي حواري معرفي افتقرت إليه الثقافة العربية بسبب تجذر ما هو ماضوي وتقليدي في سيرورتها التاريخية، وذلك نتيجة المنافذ الثرة التي يفجرها هذا الهامشي أمام الرواية العربية لتكسير المنوالية الاجتماعية، والنفاذ وراء مشاعر الغياب، وتأويل الدلالات المضمرة التي تنقل معاناة الشخصيات وترسم تضاريسها وتمايزاتها. وفي هذا الصدد

تقول يمنى العيد: «وهكذا تنسج حكايةُ المهمش روايتَها، تبنيها على إيقاع زمنها، وبدينامية سردية حوارية لعالمها. وبهذه الخصائص الفنية ينفتح عالم الحكاية الخاص على عالم الإنسان العام. إنه الفني الذي يجعل الحكاية توحي بأكثر ممّا تقول. أو هي الفنية الروائية التي ترتقي بالمروي الخاص إلى العام»19. وهكذا، خ فااًا لجملة من النقاد العرب الذين قادهم إغفال الدور المنتج لهذا الهامشي المنسرب في محاضن السياق المجتمعي، الذي استقبل ولادة الرواية العربية في إفراد مرجعياتها، وتخصيص بنائها الفني من دون مراوحة ما هو كوني، إلى استشراف أفق مأزوم للرواية العربية، كما هي الحال مثلً مع المفكر المغربي عبد الله العروي الذي رأى أن الشكل الأنسب للروائيين العرب في التمثيل السردي المنتج لقضايا مجتمعاتهم ومتغيراتها هو الشكل القصصي وليس الروائي، بسبب غياب ملابسات المجتمع البرجوازي الذي احتضن نضج الرواية الواقعية الغربية وأصالتها، هذا من جهة، وغياب المرجعيات الفلسفية والفكرية التي تشرّبها أعلام هذه الرواية الكبار في ابتداع شخصيات تعكس بحضورها الفني اللماح ما أسماه عبد الله العروي عقدة مجتمعاتها20، من جهة أخرى. وكما هي الحال أيضًا مع فيصل درّاج الذي لم يقف عند حدود تبخيس جهود التنويريين العرب في استنبات الشكل الروائي، ووسمها بالإعاقة، بل جعل هذه الصفة السلبية تتحول إلى حكم ناجز يطاول سيرورة الرواية العربية بمختلف تجاربها الفنية والفكرية21. خلافًا لهذه التصورات القاتمة بشأن واقع الرواية العربية خ لاا عصر النهضة وامتداداتها طوال عقود القرن العشرين، تشدِّد يمنى العيد على نجاعة الرواية العربية بفضل هذا الهامشي في تخصيص حكايتها، والتقاط جميع متغيرات الواقع العربي، وتشخيص تمفصلاتها، وهو ما يلوح مثلً في المنجز الروائي لإبراهيم أصلان الذي لا يحفل بحلِيّ البلاغة، ولا بالصياغات الإنشائية الموغلة في الترميز والاستعارة في بناء مرجعياته، بل يتوسل هذا الهامشي في سبر معاناة المقهورين والمقصيين، وتصوير ما يطاولهم من انسحاق وتشظٍّ في ظل رتابة عيشهم وجمود حياتهم22. وهو الهامشي نفسه الذي يشكّل حاليًا – من منظور يمنى العيد – استراتيجيا أساسية لدى جملة من الروائيين العرب في سبيل مقاومة تيار ما بعد الحداثة، الذي يحاول ترهين شعرية الخطاب السردي بانزياحات اللغة، وتهشيم الحكاية، وتمويه المرجعي وتعتيمه في ظل التركيز على انفلات الدوال، ومراوحتها لمدلولاتها، مجردًا بذلك النصَّ الأدبي من سلطته المرجعية، ومثبّتًا حقائق ذات صلة بحياة الإنسان العربي واشتراطات زمنه وتاريخه23، كما هي الحال، مثً، مع بعض الروائيات النسويات اللواتي اغترفن من نبع الهامشي والمنطوق الشفاهي لتفكيك المركزية الذكورية، وخلخلة صورها النمطية المندسة في التاريخ الإنساني لتأبيد دونية المرأة وجعلها في أكثر المواضع انحطاطًا، وتسييجها في دائرة التابع والمقصي. من الروائيات اللواتي خصّتهن يمنى العيد بإضاءات نقدية لماحة، الكاتبة اللبنانية علوية صبح التي تفرد مشروعها الروائي، منذ روايتها مريم الحكايا ووصولً إلى اسمه الغرام، باستلهام تفصي ت الحياة اليومية، والتناص مع بنية الشفوي المنطوق لإفراد صوت الأنثى وإيصال معاناتها في ظل تكلس ثقافة المكتوب الممهورة

بجبروت الثقافة الذكورية وأنساقها الأيديولوجية الناجزة. تقول يمنى العيد: «ولقد قدمت علوية صبح عملً روائيًا ينطوي، حسب رؤيتها، على فكرة لما هي الرواية العربية، وذلك حين بنت عالم روايتها وفق منظور يقول: أولً يتمثل الشفهي من حيث هو لغة الحياة. ثانيًا يتمثل نمط من السرد هو من جهة نمط المنطوق الشفهي، وهو من جهة ثانية نمط صيرورة زمن الحياة نفسها»24. ما يمكن استخلاصه إذن من هذا الطرح النقدي الذي قدمته يمنى العيد بشأن نشأة الرواية العربية، انسجامه الشديد مع خصوصية مشروعها النقدي الذي شدَّد على ضرورة قراءة المرجعي متمفصلً عبر ما هو لغوي وتعبيري وسردي، ويظهر ذلك في اعتبار يمنى العيد استدعاء الرواية العربية تفصيلات الهامشي ال باادة في محضن واقعها الخارجي هو الطريق المنتج الذي استطاعت بواسطته الانعتاق من محاكاة المنجز الروائي الغربي رغم تعثرها خ لاا مرحلة البدايات، والنجاح في تنسيب حكايتها وتمييز خطابها الفني. وهو الطريق البنّاء نفسه الذي اختطته في مقاومة شطط تيار ما بعد الحداثة في بتر النصوص عن محاضنها التاريخية، وتحديد شعريتها المائزة في اللعب الحُر للدوال ومراوغتها لمدلولاتها دونما نهاية، وذلك انطلاقًا من إعادة تبئير السرد حول ما هو معيش ودنيوي، وحول ما أقصته ثقافة المكتوب من دائرة اهتمامها، وعملت على تسويره في خانة العَرضِي والثانوي. كما نستنتج من خ لاا هذه النتائج المتحصلة من مساءلة يمنى العيد لولادة الرواية العربية ومستقبلها إيفاءها الشديد بالمحددات المنتجة، التي اشترطتها للمثاقفة البناءة والمثمرة مع المحمول النقدي الغربي، والمتمثلة في تأكيد ضرورة عدم الانسياق وراء إط قاايته النظرية، ومطابقة هياكله التجريدية الناجزة، لأن من شأن ذلك أن يورط الممارسة النقدية في ما يمكن تسميته الصنمية المنهجية، حيث تغدو مقاييس الآخر النقدية معايير حاسمة لتقويم تجاربنا الثقافية والأدبية من دون مراعاة اشتراطاتها التاريخية والدنيوية الخاصة، وهو ما بدا لنا واضحًا في رفض يمنى العيد معيارية نظرية باختين ومصادراتها عن ضرورة توافر حقل ثقافي حواري مكتنز بتعددية المعارف والتصورات، لتكون ولادة الرواية ولادة منتجة تستجيب لنسغها الفني والمعرفي النزّاع نحو قيم التنوع والاخت ف والديمقراطية، لأن الرواية العربية استطاعت تجاوز سياقها الثقافي المطبوع بالاستبداد والتقليد، ومصادرة الحريات انطلاقًا من الحفر في قاع الهامشي، وتسريد تمفصلاته لإعادة بناء قواعد الرواية وتقنياتها الفنية وفق مرجعيات حية غير منفصلة عن حكاية الإنسان العربي وصراعاته من أجل العدالة والحرية. لكن السؤال الأبرز، الذي يستثيرنا ونحن نشيد بجميع هذه المكتسبات النفاذة التي استوقفتنا في تنظير يمنى العيد لنشأة الرواية العربية، هو: هل استطاعت يمنى العيد فعً تجاوز نظرية باختين كليًا في تشديدها على أن «الثقافة العربية، وبما هي ثقافة المتداول والمهمش، قادرة على أن توفر إمكانية لصياغة خطاب روائي عربي لا تعيقه مقولة باختين في نظرية الرواية التي ربطت بين نشوء الرواية والحقل الثقافي الذي حقق ثورته المعرفية»25. جوابًا عن هذا الإشكال، يمكننا القول إن يمنى العيد استطاعت فعً، في شقٍّ من طرحها

النقدي، تجاوز معيارية حوارية باختين التي انصاع لإطلاقيتها النظرية كثير من النقاد العرب، وذلك انط قااًا من عدم تبخيسها مسار الرواية العربية خ لاا سياق التشكل أو التطور، أو وسمها بالإعاقة والاغتراب لتفاعلها مع سياق ثقافي مترع بغلبة المكرس والمتوارث والناجز. لكن على نقيض هذه الأحكام المجحفة التي ناقشناها سابقًا، تحتفي يمنى العيد بالطريق المنتج الذي اجترحته الرواية العربية في تحقيق خصوصيتها بواسطة تشرُّب الهامشي، واستثماره في تمييز خطابها الفني لكي يظل موصولً بالأسئلة والقضايا المتضافرة في المحاضن التاريخية والاجتماعية التي يحيا في كنفها الإنسان العربي. لكن الأمر الجدير بالإشارة في هذا الاتجاه هو، من منظورنا، التشديد على استمرار يمنى العيد في الاستفادة من نظرية باختين، وهي ترهن مستقبل الرواية العربية الوضاء بتشخيص هذا الهامشي، واتخاذه خامة فنية أساسية لتخصيص حكايتها، ومقاومتها جميع إغراءات فورة ما بعد الحداثة الرامية إلى عزلها عن منابتها التاريخية، واقتلاعها من سياقاتها المجتمعية باسم شعرية السرد، وانزياحات اللغة، لأن متفحّص نظرية باختين يلاحظ التثمين العالي الذي حظي به هذا الهامشي من صاحب «شعرية دوستويفسكي» في بحثه عن منابع جديدة لنشأة الرواية تختلف عن تصورات لوكاتش التي ربطتها بتناقضات المجتمع البرجوازي، وذلك عبر تأكيد أن الرواية فن حواري نشأ بعيدًا عمّا هو مركزي ومؤسساتي، وفي كنف مجموعة من الأشكال الثقافية الشعبية التي أنتجتها الطبقات الدنيا في نزوعها نحو خلخلة تقاليد الثقافة الرسمية المكرسة، وتفكيك هرميتها المتوارثة، بحثًا عن التنوع والعدالة والديمقراطية، كما هي الحال مع الحوارات السقراطية والهجائيات المنيبية والكرنفال26. ويظهر هذا الاحتفاء بالهامشي عند باختين أيضًا حتى في استقرائه مستقبل الرواية الغربية، انطلاقًا من رهن آفاقها المنتجة برفض التدجين والانصياع لما هو مؤسساتي ومركزي، والإيفاء لهامشيتها المقلقة التي لا تتوقف عن النقد والمساءلة، وتقويض الأنساق الأيديولوجية المغلقة، فضً عن إيصال صوت الجماعات المهمّشة والمغمورة، المُدين للتراتبية الاجتماعية، والباحث عن الديمقراطية والتوازن الاجتماعي27. لكن، مع تسليمنا بمتح يمنى العيد من هذا الرافد الباختيني في شقٍّ من جانبه النظري عن نشأة الرواية الغربية ومستقبلها، فإن هذا المتح ظل مصحوبًا عندها بوعي نقدي نفَاذ يحرص على إعادة استزراع كشوفاته النقدية وفق مغايرات السياق الثقافي والمجتمعي الذي تتفاعل معه الرواية العربية، ويتشرّب النقد أسئلته لتخصيص ممارسته النقدية، وتنسيب رهاناته المنهجية والمعرفية.

دينامية الممارسة النقدية

بين خصوصية المرجعي الحي

وتميّز المتخيل الروائي

لاستج ءاا خصوصية الممارسة النقدية عند يمنى العيد، وما عرفته من تطور على صعيد تحليل البنية الفنية للنصوص الأدبية، وتأويل كيفية تناسجها مع مرجعياتها الخارجية المنزرعة في بنية الواقع الاجتماعي، سنتوقف عند فصل تطبيقي من كتابها الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية، موسوم ب «العنف وأثره في عالم الرواية المتخيل»، وهو الفصل الذي حاولت من خلاله

تتبّع أثر العنف الذي عرفه المجتمع اللبناني في إثر اشتعال نار الحرب بين طوائفه في تمييز المتخيل الفني للرواية، وتشكيل قواعدها السردية وفق ما أفرزته السيرورة التاريخية والسياسية للواقع اللبناني من دلالات جديدة ومعان طارئة. وهكذا ترى يمنى العيد أن رواية حجر الضحك للكاتبة اللبنانية هدى بركات استطاعت تقديم رؤية انتقادية لقيم العنف والتقتيل، التي استشرت في حياة المجتمع اللبناني زمن حربه الأهلية انطلاقًا من ابتداع نمط جديد من الشخصية الروائية هو شخصية خليل التي تتداخل في نسيج كينونتها قيم الذكورة والأنوثة، وتشي في التباس هويتها وتشابكها باصطراع الأيديولوجيات والمواقف في الواقع الخارجي. تقول يمنى العيد: «تنبني شخصية خليل، في ‹حجر الضحك› على خلفية الحرب اللبنانية الأهلية، ومن منظور ي زاام بين العنف والذكورة ليشي بم زاامة بين الأنوثة والهدوء أو الس ماا، وينتقد ثقافة اقتصر نتاجها على الرجل وعُيّرت بمعيار الذكورة، وكأن غياب المشاركة النسائية ومعيارها، شاهدًا على العنف الدموي الذي تحيل إيديولوجيته عليه»28. من هذا المنظور، إذا كانت الروايات النسوية الأولى التي حاولت أن تثور على المركزية الذكورية، وتفضح ثقافتها المبطنة بالتبخيس والاسترخاص للمرأة ووعيها الأنثوي الجديد النزّاع إلى التغيير والحرية من خ لاا حبك شخصيات نسائية تتنكر لقيم الأنوثة بداخلها، وتتطلع إلى التماهي مع الشخصيات الذكورية، اعتقادًا منها بأن في هذا الاستدعاء لقيم الذكورة والتشبه بها إثباتًا لهويتها الأنثوية، كما هي الحال مثلً في شخصية «لينا» في رواية أنا أحيا لليلى بعلبكي، فإن الملاحَظ في رواية حجر الضحك أن بطلها خليل لا يرى في الاستجابة لقيم الأنوثة الضاجة بداخله عيبًا ينتقص من رجولته، فهو «كالأنثى، يحب غرفته ويهتم بتنظيفها وترتيبها. يطبخ و‹يرق دوائر العجين›. يمارس عن رضى ما اعتبرته بطلة ليلى بعلبكي، ضدها وسعت إلى تحرير ذاتها منه. وهو، شأن الإناث، وخلافًا للذكور أقرانه، يشعر بالخوف وينتابه القلق وتعتوره الحيرة. يلوذ بالصمت، ويقمع خجله أمام الآخرين. يعاني مشاعر الوحدة وتشوش روحه»29. على هذا الأساس، فإن هذا الاحتفاء الذي تلمسه يمنى العيد عند شخصية خليل بمعالم الأنوثة ومظاهرها البيولوجية والإنسانية، هو مؤشر على وعي الشخصية بالخطاب النقيض الملازم للذكورة وقيمها، والمتمثّل في العنف والحرب والدمار، وهو ما يشهد به تاريخ البشرية، حيث اقترنت الحروب دومًا بالرجال وأطماعهم المادية والاجتماعية المتجسدة في السيطرة والسيادة، وما يشهد به أيضًا واقع المجتمع اللبناني الذي أدى اخت ف مصالح زعماء طوائفه السياسية والأيديولوجية إلى نشوب فتيل حرب داخلية تداعت في إثرها جميع قيم الس ماا والجمال والمحبة، التي ناضل جيل التنوير من أجل ترسيخها. استنادًا إلى هذه المعطيات، لا يُعَدّ انحياز شخصية خليل إلى الجانب الأنثوي المَ وّار بداخله مؤشرًا على عدم سويّته، خاصة إذا استحضرنا تاريخ الثقافة الأبوية وما راكمته من صور جوهرانية بنسيجها تُمجد الرجولة والفحولة، وتقصي في المقابل الأنوثة، مُسيّجة حضورها في دائرة ما هو دوني وهامشي، لأن يمنى العيد ترى في عدم سويّة شخصية خليل، بالتساوق مع خصوصية القراءة النقدية التي تقدمها (يمنى العيد) للنصوص الروائية، والحريصة على

تأويل دلالاتها متشابكةً مع لحظاتها التاريخية، وإناطة متخيلها الفني بالإحالة إلى المرجعي الحي المنسرب في محاضنها المجتمعية، نقول ترى في عدم سويّة هذه الشخصية نوعًا من السوية، لأنها بميلها إلى مشاعر الأنوثة الصارخة ونوازعها بأعماقها تعكس منظور رواية حجر الضحكلعالمها، حيث يوحي انكفاؤها على شقها الأنثوي برفضها، من جهة، قيمَ الحرب والتقتيل المرتبطة بالذكورة والسائدة في العالم الخارجي، واستشرافها، من جهة أخرى، عالمًا جديدًا تتجذر في فضائه قيم الس ماا والسكينة والوئام المرتبطة بالأنوثة وأحلامها. إن ممّا يضاعف صدقية هذا المرجعي الحي الذي تحاول رواية حجر الضحكتمييزه داخل بنيتها النصية الداخلية، والذي ينيط الهدوء بالأنوثة، والتدمير والعنف بالرجولة، أن في الوقت الذي يختار فيه خليل بطل الرواية إعادة تشكيل هويته من جديد، حيث يجهض نوازع وصوت الأنوثة بداخله، وينحاز إلى قيم الذكورة وممارساتها الاجتماعية، فإنه يتورط بدوره في القتل والعنف، وكأنه في بحثه عن سويته البيولوجية «الذكورة» إمعان في ال سوية الإنسانية المتمظهرة في الحرب والتخريب والاقتتال. تقول يمنى العيد: «يختار خليل، تحت وطأة ما يعتبره الآخرون لاسويته، أن يكون مثلهم، أي ذكرًا شبيهًا بذكورة تمارس العنف. كأنه بذلك يقتل ما فيه من أنوثة. وكأن قتلها فيه هو علامة على غيابها خارجه أي، في العام الاجتماعي – الثقافي »30. ووفقًا لركائز هذه المقاربة النقدية، التي ميّزت استراتيجيات تحليل يمنى العيد للأنساق الفنية والدلالية لرواية بركات حجر الضحك، يتضح لنا مدى حرص يمنى العيد الدائب والمتجدد على الإيفاء بثوابت مشروعها النقدي التي تشكلت منذ كتابها في معرفة النصوالقائمة على عدم الانسياق وراء فتنة مفاهيم البنيوية التي تفرغ البنى الداخلية للنصوص الأدبية من حمولاتها المرجعية والفكرية، بحثًا عن نظام كلي تُرجِع أصداءه تقنياتها الأدبية من جهة، ونزوعها نحو توصيف مظاهر شعريتها من جهة ثانية، انطلاقًا من عزل النصوص الأدبية عن الخارج، ورهن نجاعة الممارسة النقدية برصد القوانين والآليات النصية المنتجة لأدبيتها، وهو ما قادها إلى الشكلانية والتجريد. هذا بالإضافة إلى تجاوز توجهات النقد السوسيولوجي التقليدية التي أمعنت في تقديم قراءات اختزالية للنصوص الأدبية تركز على تحليل مرجعياتها الاجتماعية، وما يقابلها في الواقع الخارجي من صراعات فكرية ومادية وأيديولوجية، مُ غْ فِلة بذلك الأفقَ الإنساني الرحب الذي تتوهج به التجارب الأدبية، ويمنحها صدقها الفني والفكري في التأثير في المتلقين، متعالية بواسطتها على ما هو عقائدي وطبقي، ومهمشة أيضًا الجوانب التخييلية للأعمال الأدبية التي تساهم في انزياحها عمّا هو كائن وقائم، مشيدة بذلك مرجعيات داخلية لها استقلاليتها المحايثة المنفتحة على ما هو ممكن ومحتمل. إذن، يمكن القول إن يمنى العيد تواصل، بتحديدها الوظيفة المنتجة للممارسة النقدية في كتابها الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية بعيدًا عن أواليات البنيوية المغرقة في النزعة النصية الخالصة، وعن طروحات سوسيولوجيا الأدب التقليدية الموغلة في الجمالية الانعكاسية التمثيلية، الانسجامَ مع منطلقات مسارها النقدي النظرية والإجرائية، المتحددة أهم مفاصلها الكبرى في النظر إلى المستويات السردية

والتخييلية واللغوية للخطاب الأدبي، باعتبارها حاملة ومشخّصة لمرجعيات ودلالات اجتماعية متواشجة مع الواقع الخارجي، وهو ما يظهر بج ءاا في كيفية تأويلها الدلالات والمعاني المضمرة وراء ضدية شخصية خليل في رواية حجر الضحك، حيث حرصت على استقراء أبعادها الاجتماعية الغائبة، وأنساقها الثقافية الدفينة التي تشي بها التفافات السرد، وبُناه التشفيرية والنصية المحايثة. وهكذا، تؤشر ضدية شخصية خليل، من منظور يمنى العيد، في تماهيها في جانب كبير من متواليات الرواية السردية مع ع مااات الأنوثة، وتمركزها الداخلي حول مشاعرها وقيمها المرادفة للس ماا والوداعة، على مغادرة هذه القيم بنية الواقع الخارجي نتيجة تسلط ثقافة الذكورة المُكرِسة للعنف والتقتيل. كما يأتي فض شخصية خليل للنزاع المحتدم داخل تركيبته البيولوجية خ لاا مسار السرد باختيار الانتماء إلى الرجولة على مدى استمرار تجذر قيم العنف والحروب والصراعات في العالم، وهو ما كرسته شخصية خليل بانخراطه مثل شبيه الذكور في القتل والتدمير31. تأسيسًا على هذه الاستراتيجيات التأويلية لعالم الرواية المتخيل، الذي تُعَ دّ الشخصية الروائية جزءًا من بنيته الفنية، تظل يمنى العيد حريصة على تحليل الدينامية النصية والسردية للنصوص الروائية، لا باعتبارها منطلقًا لتحديد شعرية النصوص وأدبيتها، أو استخ ص انتماءات الكتّاب الأيديولوجية والفكرية، ولكن باعتبارها حاملة تصورات ودلالات اجتماعية رغم استقلاليتها النصية، إلّ أنها تظل منفتحة على الواقع الخارجي لإضاءة أسئلته وقضاياه، والاستبصار بسيرورته التاريخية والفكرية. بجانب هذا المتن الأول، سنتوقف عند رواية علوية صبح مريم الحكايا، التي حاولت يمنى العيد من خلال مقاربتها تحليل خصوصية خطابه الفني، وديناميته السردية في حبْك المرجعي الحي المتفصل في الواقع الاجتماعي. ترى يمنى العيد أنه خلافًا لثقافة المكتوب التي تكلست وتحجرت، قامعة صوت المهمشين وموارية معاناتهم في ظل تنميطاتها القارة بين ما هو مركزي وطرفي، وتراتبيتها الاجتماعية الجامدة، تمتح علوية صبح من ينابيع الثقافة الشفهية لإفراد منطوق الأنثى، وخلخلة التقاليد السردية المتصلبة الممهورة بالقيم البطريركية المنحازة إلى الرجل والمزدرية للأنوثة. من مظاهر هذه الثقافة الشفوية المنصهرة في البنية الفنية لرواية مريم الحكايا تمثيلها تلك اللهجات والأساليب والأصوات السائدة عند الطبقات الشعبية، لتنسيب تصوراتها وتمييز حكايتها، وهو ما يضفي على حضور شخصياتها في الرواية توهجًا إنسانيًا، ودفقًا وجدانيًا نابضًا بحرارة المعيش وطزاجة المجتمعي، بعيدًا عن الأوصاف الناجزة والترسيمات السردية المغلقة32. كما ينضاف إلى هذه التقنية التعبيرية، المساهمة في حوارية رواية مريم الحكايا وبوليفونيتها، اغترافها من التقاليد السردية التراثية خاصة بعض قواعد السرد الشهرزادي المتجسدة، من منظور يمنى العيد، في تقنيتين أساسيتين: – تقنية الحكاية الإطار، من حيث هي وعاء يحتضن الحكايات، ف «تقتصر الرواية على حكاية واحدة تنبني وفق قواعد الحبكة والمدخل والحل، وتستلزم التبئير والنمو التصاعدي للزمن»33.

– تقنية السرد التناسلي الذي به تتوالد الحكايات وينمو الزمن السردي حلزونيًا، بدلً من «نموه الخطي أو ترتيبه التجاوري، أو تكسره تكسرًا استرجاعيًا منظمًا، أو تكسرًا تداخليًا غامضًا»34. وفي هذا الاتجاه، ترى يمنى العيد أن على الرغم من متح رواية مريم الحكايا من هذه التقاليد السردية التراثية لتكسير خطية السرد الكلاسيكي، الذي نيط بتيار الواقعية المغرق في التبسيطية والمحاكاة المباشرة للواقع الخارجي، فإن ذلك لا يعني انخراطها في موجة التجريب، وانضمامها إلى تلك الروايات التجريبية التي كتبها اللبنانيون في زمن الحرب وعن الحرب، لكونها، رغم التقائها مع هذه الروايات التجريبية في تكسير الأنساق السردية التقليدية وتجاوز إطارها المغلق، لا تترك السرد مفتوحًا، كما تفعل تلك الروايات، بل تعيد بناءه وتشبيكه وفق واقع مرجعي جديد يرسم متغيرات فضاء مدينة بيروت، وكيفية تجاور زمن الحياة المدينية بالحياة الريفية الوافدة لتشخيص أنماط السلوك المتبدلة، والحفْر في المسارب المعتمة المضمرة خلف سطح المجتمع العاكسة ل قإإصاء والتهميش اللذين يطاولان شريحة عريضة من شرائح المجتمع غارقة في الجهل والفقر والبؤس35. هذا بالإضافة إلى أن رواية مريم الحكايا تعيد، باستلهامها الثقافة الشفوية وتستثمر وسائلها السردية في تفتيت تناغم وحدة الحكاية مفسحة المجال أمام صوت الأنثى الساردة للانسياب في الحكي، خلخلة سلطة الذكَر السردية التي تجذرت في عمق الموروث الثقافي والإبداعي الإنساني، ودسّت تصوراتها الناجزة عن تفوّق الرجل ودونية المرأة، معوّقة بذلك صوت الأنثى للتعبير عن هُويتها، ومُسيّجة لوجودها في دائرة الامتثال لقيم الثقافة الأبوية. من هذا المنطلق، فإن انسياب الأنثى في السرد هو نزوع نحو الثورة على وضعها المنمَّط في خانة التابع، ونهوض من موقعها الهامشي نحو الإمساك بسلطة الكلام، لحبْك سرد جديد يعيد خلخلة الصور الجوهرانية المطمورة في محضن البطريركية عن المرأة، وتتغيا تبخيسها وتأبيد دونيتها، منتجًا في الآن نفسه وعيًا جديدًا بكينونة الأنثى يدرأ عنها التنميطات الذكورية المسبقة، والتقسيمات الأبوية المغلقة، مشرعًا وجودها على أسئلة المستقبل ورهانات المحتمل. من هذه الزاوية، فإن اتشاح رواية مريم الحكايا بهذه الاستراتيجيات السردية الجديدة التي تعيد الاعتبار إلى الثقافة الشفوية، ولا تنساق وراء إغراءات التجريب المفضية أحيانًا إلى تعتيم المرجعي، وبتر النص الروائي عن سياقه الخارجي، إنما هو عند علوية صبح مؤشر على ملامح كتابة سردية مغايرة تتفرع متخيلًاجتماعيًا جديدًا ينزاح عن تكلس ثقافة المكتوب الموغلة في تكريس الهرمية الاجتماعية المتوارثة، وتجذير أنساق الثقافة الأبوية المتواترة للنفاذ إلى عمق حياة المهمشين، والتقاط نسغ وجودهم ورغائبهم التواقة إلى تكسير جمود عيشهم وضآلته، وتحديدًا منه وجود فئة واسعة من النساء التي لا تزال حياتها قابعة في دائرة التجاهل والإقصاء باسم مصالح البطريركية المسكونة بالتسلط والهيمنة36. ووفقًا لآليات هذا الاشتغال النقدي الذي ميّز هذه القراءة التحليلية التي قدّمتها يمنى العيد لرواية مريم الحكايا لعلوية صبح، فإن الملاحَظ هو حرصها على تأويل المتخيل الفني للرواية في تشابكها مع دلالات ومرجعيات اجتماعية منزرعة في الواقع الخارجي، تساهم، من جهة، في الإيحاء بصدقية المسرود المشخص عبر

البنى السردية واللغوية والتخييلية للرواية، وتؤكد، من جهة ثانية، على أنه رغم تواشج المرجعي الروائي مع أسئلة واقعه الخارجي، فإن هذا التواشج ليس قائمًا على مبدأ المقابلة المباشرة، أو المرآوية الاجتماعية التي تورطت فيها سوسيولوجيا الأدب التقليدية، وإنما على مبدأ الاستقلالية التي تحفظ للعمل الإبداعي خصوصيته الفنية المائزة، مع رهن ديناميتها التعبيرية المنتجة بإضاءة شروط الواقع الاجتماعي الحاضنة لتشكل النصوص الروائية. في هذا السياق، نختلف مع الناقد العراقي ماجد السامرائي الذي انتهى في قراءته النقدية ل الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية إلى أن الممارسة النقدية عند يمنى العيد خلال مقاربتها النصوص الأدبية تركز على مستوى المضامين بالدرجة الأولى، وتَنْظُر إلى الجوانب الفنية باعتبارها تالية لها. يقول السامرائي: «ومن هنا في ما قرأتْ من أعمال، عمدت – أي يمنى العيد – إلى محاكمة مضامين هذه الأعمال، ما جعلها تؤكد على أن ما ينبغي أن نُقوّم الأدب به، معياريًا، هو ‹معيار إبداع الحقائق› الذي جعلها تقدم الجانب الفني تاليًا للجانب الموضوعي. وبذلك قدمت قراءة أيديولوجية المنطلق والمبنى بامتياز في كتاب حقق إضافة واضحة إلى المكتبة النقدية للرواية العربية»37. يلاحظ المتأمل في هذا المقتطف، الذي اجتزأناه من تحليل السامرائي لخصوصية الممارسة النقدية عند يمنى العيد، تورطه في الكثير من المفاهيم المنبهمة، والأحكام النقدية المثيرة للتساؤل؛ فهو لا يوضح أولًالمقصود بالقراءة الأيديولوجية عند يمنى العيد، لأن جميع القراءات النقدية التي تعاقبت على تاريخ النظرية الأدبية الحديثة هي قراءات قابلة لأن تُنعت بالأيديولوجية، سواء بتشرّبها خلفيات فلسفية وفكرية ناظمة لجهازها المفاهيمي، أو بتركيزها خ لاا دراسة الأعمال الأدبية على جوانب محددة لتحصيل نتائج ومعارف معيّنة؛ فحتى تلك المناهج التي ادعت براءتها من الأيديولوجيا، وتحقيق علمية النقد واستقلاليته عن العلوم الإنسانية من خلال التسلح بعُدة مفاهيمية دقيقة، وآليات إجرائية ملموسة لتوصيف أدبية النصوص، وكيفية تراسل قواعدها الفنية مع النسق العام لنوعها الأدبي، كما هي الحال مع الشعرية والسرديات، إنما هي مناهج مغرقة في الأيديولوجيا، لأن بعزلها النص عن سياقه الاجتماعي ورهن الممارسة النقدية بإضاءة بنيته الفنية، تفرغه من دلالاته الإنسانية والفكرية، وتعطل فاعليته في التغيير الاجتماعي، وإنتاج معرفة بالكينونة البشرية. على هذا الأساس، فإن وسم السامرائي الممارسة النقدية عند يمنى العيد بالقراءة الأيديولوجية لا ينير شيئًا من خصوصية هذه الممارسة، بل يُدخل القارئ في متاهة من اللبس والغموض، وإن كنت أرى أن المقصود بالقراءة الأيديولوجية عند السامرائي، وكما يشي بذاك حكمه على آلياتها التحليلية بإعطاء أولوية للجانب المضموني على الجانب الفني، هو اعتقاده أن المنهج النقدي عند يمنى العيد ما زال حبيس دائرة سوسيولوجيا المضامين التقليدية التي لم تستطع تقديم مقاربة منتجة لكيفية تواشج الفني والمرجعي داخل التجربة الأدبية، نتيجة تركيزها على تفسير محتوياتها الاجتماعية، وكيفية تمثيلها الصراعات الطبقية المادية والفكرية المَوّارة في الواقع الخارجي، من دون الاحتفال بالمظهر الفني الذي هو عنصر أساسي من عناصر النص الأدبي، وسر فرادته الفنية وخصوصيته الإبداعية.

من هذا المنظور، غاب عن السامرائي الرافد النقدي الذي تتشرب يمنى العيد منظومته المنهجية، وهو سوسيولوجيا النص الحريص على تحليل الحمولات الاجتماعية والأنساق المرجعية للنصوص الأدبية، متمظهرة ومُبَنْيَنة عبر ما هو لغوي وسردي وتخييلي. من تجليات ذلك، كما تتبّعنا عند يمنى العيد، سواء في دراستها النقدية لرواية مريم الحكايا أو حجر الضحك، عدم فصلها الخصائص الفنية للنصوص الروائية عن دلالاتها الاجتماعية والفكرية، نظرًا إلى اقتناعها المنهجي بأن العناصر التخييلية المُشكِّلة للبنية النصية ليست مجرد وعاء فارغ أو قالب فني تُسكب في إطاره المضامين، بل تنتج في تضافرها متخيلً فنيًا حاملً رؤى ودلالات رغم جِدتها عن محاضنها الدنيوية، إذ هي مضيئة لاشتراطاتها التاريخية والمجتمعية. وتأسيسًا على هذه النتائج المستخلصة لدينا من تحليل خصوصية الممارسة النقدية عند يمنى العيد في كتابها الرواية العربية: المتخيل وبنيته الفنية، فإننا نؤكد أن المنطلقات النظرية والمنهجية التي استوحتها في قراءتها للأعمال الروائية العربية هي استمرار لركائز مشروعها النقدي منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين، وتتميز تمفصلاتها بالتشديد، من جهة، على أن الطريق المنتج نحو بناء خصوصية نقدية عربية هو رفض الامتثال لجاهزية المناهج النقدية الغربية، والتسليم بإطلاقيتها التصورية والمعرفية، لأن في ذلك إسقاطًا لأوالياتها على النصوص الأدبية، وهو ما يفضي إلى اقتلاعها من منابتها التاريخية، وإدخالها قسرًا في الهياكل التجريدية الغربية الناجزة مسبقًا للاستدلال على فاعليتها المنهجية ومعياريتها التطبيقية، وبالحرص، من جهة أخرى، على إعادة إنتاج مفاهيم المحمول النقدي الغربي في ضوء ما تتميز به النصوص الإبداعية من بنى نصية نوعية، ودلالات اجتماعية ملتحفة بنسغ ما هو معيش ومجتمعي. كما أن من ركائز هذا المشروع النقدي عند يمنى العيد وضْعها استراتيجيات تحليلية وتأويلية لها ديناميتها النقدية المنتجة؛ فرغم كونها تتأطر ضمن سوسيولوجيا الأدب، فإنها تشق لها مجرى خاصًا داخل سيرورتها النقدية، حيث تتجاوز سوسيولوجيا الأدب التقليدية التي انحصر النقد العربي الواقعي طويلً داخل طروحاتها، وحَدّت من نجاعته المنهجية لتورطه في مقابلة ميكانيكية بين الأدب والواقع تجهض خصوصيته الفنية، وتحوّل القراءة النقدية إلى محاكمات سياسية حدية مغرقة في التقسيمات الأيديولوجية، والتنميطات الطبقية المستوحاة ممّا هو عقائدي وحزبي، ولا ع قااة لها البتة باستقلالية الأدب ومائزيته. وهي إذ تتجاوز هذا الطابع الأطروحي المباشر الذي انحبس ضمن دائرته النقدُ السوسيولوجي العربي، وبدا قاصرًا عن مواكبة الطفرة النوعية التي حققتها الرواية العربية، مكتنزةً بتقنيات سردية هائلة وعوالم تخييلية فسيحة، ومخضلّة بدلالات إنسانية ضافية، فإنها بانفتاحها على اتجاه سوسيولوجيا النص، الذي صاغ باختين مفاهيمه الكبرى وعمل بيير زيما على تطعيمها وتخصيبها في ضوء روافد فكرية ونقدية جديدة لم يتأت لباختين الاط عاا عليها، تتصل بمدرسة فرانكفورت النقدية، والمناهج النصانية كالسرديات والسيميائيات، وترتكز مغايراته الأساسية على تشريح الحمولات الاجتماعية للنص الأدبي، ممظهرة ومبنينة عبر ما هو تركيبي وخطابي38، تساهم يمنى العيد، من جهة، في تحديث النقد السوسيولوجي العربي لتجاوز اختزاليته التحليلية للنصوص الأدبية، مُشرعة

دينامية الممارسة النقدية على توجه جديد يسائل دور البنية الفنية في تمييز المرجعي، وتساهم، من جهة أخرى، في إعادة مراجعته عبر أنساقها اللغوية والسردية والتخييلية، ليصبح بذلك الشكل الأدبي حامً لمنظور دلالي وتاريخي يُنتج، رغم استقلاليته النصية المحايثة، وعيًا بشروط الواقع الخارجي وسيرورته المجتمعية. في ظل هذا الإجراء التحليلي الدامغ للممارسة النقدية عند يمنى العيد، تظل هذه الممارسة وفية لإطارها الإبستيمولوجي الحاضن والمُوجّه لاستراتيجياتها التصورية والتأويلية والمتمثّل في الفكر السوسيولوجي الحريص على البُعد الاجتماعي لكل نشاط ثقافي فلسفي أو تخييلي، ومشروطيته بسياقاته التاريخية والفكرية والدنيوية.

الهوامش