Return to Article Details قراءة في مشروع عزمي بشارة (2) العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية

قراءة في مشروع عزمي بشارة (2) العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية

وجيه كوثراني‏ *

* أستاذ جامعي، والمدير العلمي لإصدارات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

الملخّص

يتابع عزمي بشارة في كتابه الثاني من مشروع "الدين والعلمانية في سياق تاريخي "، وبعد أن كان قد أسس في كتابه الأول الدين والتدين المرتكزات الأولية والعامة التي يمكن أن يشيد عليها العمارة التاريخية لصيرورة العلمنة والعلمانية في حيزين من جغرافية العالم الحضارية، في الغرب وفي عالم الإسلام والعرب ، فينجز الجزء الثاني من المشروع:الصيرورة التاريخية للعلمنة " في الغرب، وذلك في مجلدين أولهما يتناول الصيرورة الفكرية، أي التطوّر الفكري الأوروبي الممهّد للعلمانية والمواكب لمسارها فكريًا، وثانيهما يتناول النظريات العلمانية وتجاربها في بلدان نماذج، كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وبلدان أخرى.

الكلمات المفتاحية:
  • الدين
  • العلمانية
  • سياق تاريخي
  • عزمي بشارة

يتابع عزمي بشارة في كتابه الثاني من مشروع "الدين والعلمانية في سياق تاريخي"، وبعد أن كان قد أسس في كتابه الأول الدين والتدينالمرتكزات الأولية والعامة التي يمكن أن يشيد عليها العمارة التاريخية لصيرورة العلمنة والعلمانية في حيزين من جغرافية العالم الحضارية، في الغرب وفي عالم الإسلام والعرب‏1، فينجز الجزء الثاني من المشروع: "الصيرورة التاريخية للعلمنة" في الغرب، وذلك في مجلدين‏2، أولهما يتناول الصيرورة الفكرية، أي التطوّر الفكري الأوروبي الممهّد للعلمانية والمواكب لمسارها فكريًا، وثانيهما يتناول النظريات العلمانية وتجاربها في بلدان نماذج، كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وبلدان أخرى. الفرضية الكبرى لتأريخ الأفكار المتعلقة بفهم نشوء العلمنة والعلمانية بشكل متدرج في أوروبا والغرب - ومن دون أن تسمَّى كذلك - هي أن الصيرورة الفكرية للعلمنة في أوروبا لا يمكن فصلها، ولا سيما في مرحلة التحولات الأولى، عن التطورات الحاصلة في الفكر الديني أولً، ولا عن عملية "دنيوة" - كما يقول المؤلف -

للثيولوجيا وال هااوت، قبل أن ترتبط "بنشوء ثقافة منفصلة لأنماط المعرفة غير الدينية المتأثرة بالعلم"، وقبل "نشوء الفكر السياسي للدولة". ي حظ عزمي بشارة، بعد رحلة مضنية في مسالك التاريخ الفكري الأوروبي منذ عصر النهضة (القرن السادس عشر) وحتى القرن العشرين (حين تبلور المفهوم واستقر، وتأسست بشأنه النظريات ولاجتهادات)، أن الصيرورة التي افترضها وحاول ربطها في الحيزين وبين الحيزين (دنيوة الثيولوجيا وعقلنة الفكر السياسي للدولة)، تتمثل تاريخيًا في عمليات مركّبة، تمايز واتصال ووحدة، أو وحدة واختلاف ونقد ونقد للنقد، حيث يلاحظ أن هذه الصيرورة "تتقدم لولبيًا فتبدو كأنها تعود القهقرى ليتبين أنها لا تعود، بل تمضي إلى الأمام بشكل لولبي" (ص 11.- 12) التأريخ ل"صيرورة لولبية"، وفقًا لهذا الوصف، هي مهمة "مؤرخ ل فأأكار" غير عادي، لأنها تتطلب معرفة بالفلسفة ومصطلحاتها ومفاهيمها، وبعلم لاجتماع على أنواعه وأبوابه (ديني وسياسي وثقافي)، ناهيك عن معرفةٍ بعلوم الدين، من ثيولوجيا ولاهوت وعلم أصول وفقه،

وخبرة مؤرخ محترف عارف بقواعد التأريخ للوقائع والحقب، ناهيك أيضًا بمعرفة لغات كافية ومصادر ومراجع متخصصة ومناسبة. اثنا عشر فصً، وعلى امتداد تسعمئة صفحة، يتابع عزمي بشارة هذه "الصيرورة الفكرية اللولبية" الصاعدة والهابطة، المتقدمة والمتراجعة، الجامدة في حيز والمتوثبة في حيز آخر، مبتدئًا هذه المرة من توضيح المصطلح والمفهوم واللفظ (عِلمانية أو عَلمانية) (الفصل الأول)، إلى مبحث في مقدمات العصر الوسيط (من القرون الوسطى إلى عصر النهضة) (الفصل الثاني)، إلى موضوعة الأنسنية الكاثوليكية ومركزية الإنسان (الفصل الثالث)، إلى مبحث الإص ح الديني (لوثر) والموقف من الدولة والمدارس الإص حية (الفصل الرابع)، إلى نشوء منطق الدولة (الفصل الخامس)، إلى لاكتشافات العلمية وموضوعة العلم والدين والفلسفة (الفصل السادس)، إلى مبحث العلاقة بين "العقل في إطار الدين والدين في إطار العقل" (الفصل السابع)، إلى موضوعة الدين في فكر التنوير (الفصل الثامن)، إلى ما بعد التنوير: من الريبية إلى العقل المطلق إلى نقد العقل (هيوم، كانْت، هيغل، نيتشه)، إلى العلمانية باعتبارها أيديولوجيا في القرن التاسع عشر (الفصل العاشر)، إلى نماذج في النقد الحداثي للتنوير - كارل شميت - (الفصل الحادي عشر)، وصولً إلى الفصل الأخير (الثاني عشر) الذي ينتهي بتقديم "نماذج ليبرالية وديمقراطية معاصرة في حرية الدين والعقيدة".

المفردة والمصطلح في أن منشأ المصطلح ديني

يشدّد عزمي بشارة في الفصل الأولعلى "أن لمصطلح العلمانية الغربي تاريخًا" (ص. 50)، وأن منشأه ديني، "ويعود إلى تفصيلات وتمايزات وظيفية في الكنيسة ذاتها (صفة الرهبان العاملين في الدنيا ككهنة في النواحي والتجمعات السكانية). كما أنه استُخدم لاحقًا كمصطلح في وصف عملية نقل أملاك الكنيسة إلى الدولة في حالة المصادرة، كما في نص معاهدة وستفاليا عام 6481 (ص 50 - 51). ومن خلال التاريخ، يكتسب المصطلح تدريجيًا معانيه المتعاقبة قبل أن يجري تجريده مفهومًا عامًا. في هذا السياق، يشدد المؤلف على أمرين تاريخيين أوروبيين في نشوء المصطلح: الأمر الأولهو أن المصطلح جاء من عالم الدين، والأمر الثاني هو أن حق السلوك الإلهي في الحكم ليس فكرة قروسطية، بل وليد المرحلة لانتقالية (غير الواضحة الحدود) بين العصر الوسيط وعصر الحداثة، ومنه ظهر تعبير العلمانية مصطلحًا (ص. 55). وجاء ظهور الدولة الوطنية على أنقاض الحروب الدينية ليردّ عليها في سياق مفاعيل وستفاليا؛ أي إن نظرية الدولة، التي كانت بمثابة رد على اللاهوت، "تضمنت - كما يقول المؤلف - علمنةً للمصطلحات ال هااوتية"، ف"لم يجر التنافس مع قدسية الكنيسة من دون إضفاء قدسية ما على السلطة الدنيوية بعلمنة مصطلحاتٍ دينية واستخدامها في وصفها" (ص. 55) لكن الدولة، وقد "جلبت معها الخوف من تغوّلها"، استدعت قيام القوانين لناحية تحديد الواجبات والحقوق كمقدمات لنشوء نظريات العقد لاجتماعي، ونقاش مسائل الحريات على اخت ف أبوابها ودرجاتها: "بدأت الليبرالية مع فكرة الحرية الدينية، وتحوّلت من التسامح الديني وحرية الضمير عند المفكرين إلى الليبرالية السياسية في القرن التاسع عشر (...)". أمّا عن موقع العلمانية في هذه الليبرالية، يلاحظ عزمي بشارة أن "الليبرالية لم تكن في منشئها التاريخي وفي جوهرها علمانيةً، تسربت العلمانية إليها بالتدريج.." (ص. 57)

لا يني المؤلف يشدد على "أن سياق نشوء العلمانية هو أولً وقبل كل شيء نشوء الدولة الحديثة التي تتفوّق على المؤسسة الدينية وتسيطر على الدين وتحتكر العنف"، وصولً إلى التفريق ال حق بين المجالين، واستخدام المصطلح كمفهوم يقتضي تطبيقه الفصل بين المجالين. وهنا أيضًا "لا تكمن مشكلة فهم العلمانية في فصل الكنيسة عن الدولة، فهذه مسألة مؤسسية لا يشكل تشخيص حدودها الفاصلة مهمة مستحيلة في علم القانون (...)، وإنما الإشكال يكمن في ادّعاء فصل الدين عمومًا عن السياسة بشكل عام. فمن الصعب أن ندرس الأولى بمعزل عن الثانية في أي بلد، لأن الدين والسياسة قائمان ضمن نظام ضبط اجتماعي رمزي أو هوياتي تعامل مع الأيديولوجيا والمقدّس والرموز والعصبيات في المجتمع، فكيف يمكن أن ينفص؟اا إن شكل الفصل الممكن هو في الوعي، بمعنى ضعف أحدهما أو تراجعه، فمن دون علمنة الوعي يصعب الفصل" (ص. 61) ومن هنا أيضًا يصح القول إن العلمانية والعلمنة صيرورتان تاريخيتان لا تاريخ واحد، وإن انتشار الثقافة العلمانية في مجتمع من المجتمعات يأتي على درجات (ص. 65) يُفرد بشارة صفحات من هذا الفصل أيضًا لنقاش التشكيل اللفظي للمفردة، عِلمانية أو عَلمانية، مؤكدًا ما قاله زكي نجيب محمود الذي يراها عَلمانية. إلا أن الأهم هو أن يؤدي المصطلح المعنى الذي يراد من المفهوم، أكان عِلمانية أم عَلمانية. ولا بد من عودة إلى عبد الله العلايلي وإلى محيط المحيط (بطرس البستاني) لإثبات أن العَلماني نسبةٌ إلى عَلْم، بمعنى العالم، و"رجل عَلماني أي ليس رجل دين" (ص 79 - 80). على أن استبعاد كسر العين من اللفظ لا يستبعد اشتمال العَلمانية على النظر العلمي، وإن كان النظر العلمي إلى الأمور والأشياء لا يكفي لإيفاء العلمانية معناها باعتبارها نظرًا "إلى العالم الزمني في مقابل التفسيرات التي تحيل على قوى من خارج العالم والزمن والتاريخ" (ص. 80). لكن هذا لا يجعلها "فلسفة علمية"، وهذا أيضًا مدخل صالح لمناقشة آراء بعض المفكرين العرب في المسألة: عادل ضاهر ومحمد أركون وعبد الوهاب المسيري (ص 81 -.)91 يخلص هذا الفصل إلى ملاحظة مفيدة ستكوّن في الفصول ال حقة، وعلى ما أرجح، دليً أو محورًا مركزيًا للأفكار. مؤدى هذه الملاحظة هو أن مصطلح "العلمنة"، وبسبب تعدد التفسيرات القائمة في تعريفه، يُحْدث "أكثر من ارتباك في استخدامه". ويعطي عزمي بشارة أمثلة بشأن تضارب "استخدام مصطلح العلمنة حينما يضاف إلى لفظة الدين"، كأن يقال "علمنة الدين". ويقترح تجنّب استخدام هذا التعبير لأنه يؤدي في توزّع معانيه إلى الإرباكات التالية: - تحويل الدين إلى أداة في يد قوى علمانية للتأثير فيه والسيطرة عليه. - تحوّل التدين إلى نمط تدين عند إنسان علماني يقبل فصل الدين عن المج لات المختلفة التي جرت علمنتها. - دفع الدين إلى لاهتمام بقضايا الدنيا، أي العودة عن لانفصال عن المج لات الدنيوية إلى لاتحاد بها.. فعلمنة الدين تعيد إدخاله في الدنيا‏3. - تحويل قيم دينية إلى قيم علمانية، أو اعتماد عبارات ومصطلحات دينية في داخل خطاب وثقافة علمانية (...) (تذكير بمقولة كارل شميت) (ص. 93) تجنبًا لهذا الإرباك في لاستخدام، ومنعًا لتحويل استخدام المصطلح إلى مذهبية فلسفية أو عقيدة (أي علمانوية ترجمة ل Secularism,

Laicisme) في مواجهة مجتمع متدين، يقترح عزمي بشارة "من أجل تحقيق حالة لا يلتقي فيها التحرر من الإكراه الديني إكراهًا علمانيًا، لا بد من دراسة الأوضاع لاجتماعية، وتحديد ماذا ينتج عند شعب من الشعوب في مرحلة تاريخية معينة حين تدرس الع قااة بين الدين والدولة والمجتمع السياسي، من زاوية نظر تلتقي فيها الإرادة للدفاع عن حرية المعتقد مع منع الإكراه في الدين" (ص 94 -.)95 هذا ما يفتح الأبواب واسعة أمام دراسة صيرورة العلمنة أو صيروراتها المتعددة، وتعدد الثقافات والحضارات والشعوب، وعدم لانحباس في تعريفات جاهزة أو طريقة محددة في لفظها وتشكيلها.

من القرون الوسطى إلى النهضة: هل في جوهر المسيحية علمانية؟

أوروبا المسيحية، وبالتحديد أوروبا القرون الوسطى، تشكّل حقلً مليئًا بالمعطيات التاريخية التي من شأنها فحص ما قبل البدء بصيرورة العلمنة في أوروبا؛ ذلك أن زعمًا ساد في أوساط قطاع واسع من المثقفين، عربًا وأجانب، إسلاميين ومستشرقين، مؤداه أن المسيحية كدين تحمل في بنيتها قابلية العلمنة، ولا سيما عندما يُستحضر كدليل جواب السيد المسيح عن سؤال: لمن نعطي الضريبة؟ وهو: "أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". يرفض عزمي بشارة هذا الزعم، مبينًا من خلال استعراض سياقه التاريخي وملابسات القول في ظرفيه المكاني والزمني، تهافته كدلالة جوهرية على القابلية المسيحية في "أصلها" للعلمانية (ص 124 - ‏)1274. إن تبيان تهافت تفسير مقولة المسيح "علمانيًا"، ومن خلال العودة إلى ملابسات تاريخيتها، مهم بلا شك، لكن التوسّع في الكلام على "مقدمات العصر الوسيط" في فصل مستقل طويل (ص 100 - 781) يبدو لي ضروريًا، ولا سيما في جانبه المعرفي والعام (الإبستيمولوجي) وفي جانبه المعلوماتي المدرسي، وخصوصًا للمثقفين العرب، ولربما لبعض المؤرخين العرب؛ فمن قسطنطين الذي أعلن المسيحية دينًا رسميًا ل مإإبراطورية، إلى عهد الملوك الأوروبيين الذين ورثوا الإمبراطورية الرومانية الغربية، ومنذ القديس أُغسطين وحتى توما الأكويني، لم تكن الع قااة بين المسيحية، كما مثَّلتها بالبابوية من جهة، والإمبراطورية ولاحقًا بالملوك والأمراء من جهة ثانية، على نمط واحد، ف كان ال هااوت واحدًا ولا كانت سياسات الطرفين واحدة. ولا سيطرة لواحدة على الأخرى قائمة على طول الخط، ولا تبعية لواحدة على الأخرى دائمة. جدل لاستتباع والصراع كان هو الدائم بين الطرفين. يلخص عزمي بشارة في مقدمة هذا الفصل الطويل حركة المد والجزر، بل حركة التجاذب بين القوتين بصيغٍ تعريفية تأشيرية لا تغني عن القراءة، بل تستدعيها بقوة (ص. 103) لقد أوصل، إذن، مسار العصر الوسيط والأوروبي، أو بالأحرى مساراته المتعرّجة أو اللولبية، إلى ظاهرة مفصلية: تراجع السلطة البابوية وصعود سلطة الدولة باعتماد الحق الإلهي للملوك. لم تكن هذه الظاهرة علمنة بحد ذاتها، بل مؤشر سيقود إليها. على أن بداية النزعة الأنسنية في عصر النهضة في القرن السادس عشر، والتي تجلّ ت ب لاهتمام بالدراسات الإنسانية ذات النزعة المعادية أو الناقدة للدين والداعية للدعوة إلى التراث اليوناني والروائي في الشعر والأدب والفن، أوحت لبعض المفكرين بتصور النزعة الإنسنية "مرادفةً للعلمنة" (مثال لويس عوض)، وهذا تصور غير صحيح، كما

يرى عزمي بشارة؛ الصحيح أن مرحلة ثانية من تاريخ "الصيرورة الفكرية للعلمانية" تتشكل تاريخيًا، فتتكون جمهوريات مستقلة في إيطاليا "تضمن حدًا من الحرية في عدد منها"، ولكن ما طبع هذا العصر بشكل عام - خارج إيطاليا - هو صعود الدولة الملكية واحتدام صراعها مع البابوية (...)، إضافة إلى إعادة اكتشاف اليونان والرومان، واكتشاف العلوم العربية بعد ترجمتها الواسعة إلى اللاتينية. ظواهر كثيرة مترابطة تترافق على طريق نشوء النزعات الوطنية على المدى الطويل: تحويل اللهجات المحلية إلى لغات قومية؛ إحياء التراث الثقافي ما قبل المسيحي؛ ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللغات المحلية؛ أدب دنيوي جديد (دانتي)؛ شعر إنساني معبّر عن العواطف والمشاعر؛ تمجيد الإنسان (بترارك)؛ فنون تحاكي نزعة الخلق الإلهية (مايكل أنجلو، رفائيل، ليوناردو دافنشي...) (ص 190 -.)196 وفي تفاعل مع هذه النهضة (المذكورة)، يضيف عزمي بشارة: "نشأ التيار الأنسني في المذهب الكاثوليكي ذاته" (...)، اعتبار المحبة والبُعد الروحاني أساس الدين، ونزعة إلى التوفيق بين المذاهب المختلفة (ص. 022)، بل ذهبت هذه النزعة إلى أن "مصدر فساد الكنيسة غير كامن في العقيدة، بل في الدوافع المادية، مثل شهوة رجال الدين للسلطة والمال" (ص. 203) غير أن تيارًا نقديًا آخر من داخل الكنيسة الكاثوليكية، بل تيارًا "متمردًا" قاد إلى البروتستانتية، هو ما مثّله لوثر في نقاشه مع الإص حي الكاثوليكي إيرازموس. وهنا عرض لأهم عناصر النقاش بين الطرفين يلخصه عزمي بشارة "لفهم الع قااة بين نمطي التفكير ال هااوتيين على أبواب الحداثة المبكرة" في أوروبا (ص 205 - 213). خ صة القول في عصر النهضة أنه كان عصرًا دينيًا بامتياز، وليس "علمانيًا، كما يحسبه بعض المثقفين العرب من زاوية النظر إلى وجهٍأحادي من وجوه الأنسنية، وهو العودة إلى آداب وفنون ما قبل المسيحية. ثمة مظاهر تتابع دراستها في الفصل وتشير إلى ما يسميه عزمي بشارة "ازدواجية عصر النهضة". ومن مظاهر هذه لازدواجية استخدام مذهب الشك، أو الريبية scepticisme)) "كمنهج فلسفي" عند بعض الرهبان الكاثوليك في مواجهة البابا، كما استخدمه مارتن لوثر قبل انشقاقه (ص 220 - 223) والمفكر الفرنسي ميشيل مونتين M. Montaigne) (لاحقًا. وكانت هذه مقومات الإص ح الديني بوجهيه: البروتستانتي والكاثوليكي، لكن ظاهرة جديدة، وهي "علمنة السياسة" على المستوى النظري، برزت في هذا العصر في كتابات مكيافيلّي (1469 - 5271) الذي لم يستخدم أيضًا تعبير "العلمنة" في كتابالأمير، لكنه "أول من تصور السياسة مجالً دنيويًا صرفًا بين مفكري عصر النهضة في الغرب"، وهذا لا يعني - كما يقول عزمي بشارة - أن الملوك والحكام لم يمارسوا السياسة الدنيوية عمليًا.

الإصلاح الديني: البروتستانتية والكاثوليكية

لكن حركة التاريخ في أوروبا آنذاك كانت تسير وتتفاعل وتتمخّض عبر ديناميات ودوافع أخرى تتمثّل في ما يسميه المؤرخون "الإص ح الديني"، وهذا الأخير لا يقتصر - كما يظن كثير من المثقفين والباحثين العرب - على دعوة لوثر والحركة البروتستانتية وأحد تعابيرها الكالفينية، بل هي جملة من المسارات المتداخلة، وذات التأثيرات المتداخلة أو المتنابذة أو المستثيرة

الواحدة ل خأأرى، داخل الكاثوليكية وداخل البروتستانتية نفسها. أمّا في ما يتعلق بتقييم البروتستانتية تاريخيًا، ومن زاوية دورها في موضوع التسامح، فينبغي عدم التعميم أو المبالغة، في رأي عزمي بشارة: "فهي لم تضف شيئًا إلى الأنسنيين الكاثوليك في موضوع التسامح (...)"، وما فعلته البروتستانتية ليس إضافة نظرية فلسفية، أو لاهوتية حقيقية، بل هو "دنيوة" الدين وإدخاله في حياة الناس اليومية، كأخلاق وكنمط حياة (..) وكخيار فردي. هذا فضً عن إط قااها التنافس لاقتصادي بالسماح بمصادرة أملاك الكنيسة. أمّا لجهة التسامح، "فلم تُبد البروتستانتية أي نوع من التسامح في البداية"، بل إن توافقها مع الدولة كان بداعي التمرد على الإمبراطورية لتأكيد لاستق لااية، وعلى كنيسة روما لتأكيد سلطة الدولة. لذلك، "ترافقت بدايتها مع قمع ديني غير مسبوق لتأسيس كنيسة الدولة وفرضها". أمّا ما دُعي في هذا السياق التاريخي الأوروبي بالتسامح، فهو تسامح يتطلبه منطق الدولة (بعد تغلبها)، وبداعي لاستقرار والسلم الأهلي واحتواء المعارضة. يلخص عزمي بشارة هذه الحال التاريخية بالقول: "كان هذا عقل الدولة الذي عاد إلى مصادر ثيولوجية مهمشة كانت تدعوه إلى التسامح في تاريخ الفكر الديني للمذهب السائد، بروتستانتيًا أكان أم كاثوليكيًا، أو ولّد عقل الدولة مصادر من هذا النوع" (ص. 258) النتيجة التي يخلص إليها عزمي بشارة في شأن مساهمة الكالفينية في صيرورة العلمنة هي أنها نزعت السحر عن ع قااة الدين بالعالم، وهو لم يجر في الكاثوليكية، لأن الكاهن بقي في الكاثوليكية أشبه بساحر يمكنه أن يمنح المؤمن وصفة لفعل أشياء تسهّل عليه الغفران؛ بهذا وبممارسة المؤمن لاعتراف أمامه، كان الكاهن يحرر المؤمن من القلق والتوتر والخوف الدائم من الخطيئة التي يحملها البروتستانتي الكالفيني معه في الحياة. ولم تنصح الكالفينية للمؤمن ببعض أعمال الخير كي ينال الخ ص وغفران الخطايا، بل "طلبت منه نظامًا كامً ومنضبطًا من حياة الفضيلة والقداسة" (ص. 279) في غضون القرن السادس عشر، تفصلت سياقات كثيرة عند محور "الإص ح الديني"؛ سياقات اقتصادية واجتماعية وثقافية وفلسفية وفنية، لكن يمكن أن نشدد على الخ صات التالية التي يسجلها عزمي بشارة وننقلها بشيء من التصرف: - لم يكن القرن السادس عشر مقدمة للثورة العلمية فحسب، بل كان أيضًا عصر الثورة الروحانية على المأسسة البروتستانتية والدوغمائية الجديدة. - التأسيس أو التمهيد لمفهوم الفرد ولاستقلالية الأخلاقية. - الروحانية هي التي اصطدمت بالكنيسة قبل العلم. - الروحانية المتسامحة، سواء في البروتستانتية أو الكاثوليكية، كانت في أساس الدعوة إلى التسامح. - مع نشوء منطق الدولة وزيادة قوة السلطات الدينية، انفسح المجال للتسامح الديني إذا كان في مصلحة الدولة، ول كإإراه الديني إذا لم يكن التسامح في مصلحتها. وهذه الدينامية هي التي تسمح لاحقًا بتحول مفهوم التسامح من مبدأ ديني إلى مبدأ علماني. غير أن في سياق البحث عن النظريات المؤسسة لمنطق الدولة، يتابع عزمي بشارة البحث عن "نوع آخر من التفكير في أواخر القرن السادس عشر والقرن السابع عشر كأساس لفكر سياسي"، فميّز أفكار منتمين إلى الطبقة الوسطى من سياسيين ومحامين وف سفة؛ هذه الطبقة التي

أصبحت أكثر تسييسًا وقربًا من فكرة الدولة المطلقة. ويُدرج بشارة هذا التيار في ما يسمّيه "الرواقية الجديدة" حيث يرى أنه متجاوز ومقابل للتيارين الدينيين: اليسوعية الممثّلة ل صإإ ح الكاثوليكي المعاكس، والكالفينية الممثّلة للأقليات البروتستانتية. يعرض بشارة في هذا السبيل ملخصًا لأفكار ليبسيوس (ص. 453) وبودان (1530 - 5961) (ص. 463)، ثم لأفكار هوبس (ص 348 - 52:)3 "بموجب تفكير هوبس، فإن المسيح لم يأتِ ليعلّم الناس الفلسفة والمنطق والسياسة. في هذه المج لات على الناس أن يتعلموا بأنفسهم وأن يطيعوا قوانين وقرارات كيانهم المشترك (...). لا يوجد موضوع لا يمكن الخ ف في شأنه، لكن المهمة تكمن في منع تحول الخ ف إلى حربٍ أهلية، جماعة البشر المختلفين والمتعددي الآراء والإرادات هم جمهرة أو جمهور، أمّ ا ما يحولهم إلى شعب، فهو توحيد الإرادات والتبعية لسيادة واحدة.." (ص. 350) هكذا، بدأت فكرة الدولة والتنظير لها تخرج تدريجيًا من "رحم ال هااوت" وتتطوّر في صيغة "منطق الدولة"، ولا سيما عند فئة من المثقفين والمستشارين، أكانوا رجال دين أم لا (ص. 355)

العلم والدين

أمّ ا بشأن الع قااة بين العلم والدين، وكما أشكلت هذه العلاقة مع بدايات النهضة العلمية في غضون القرن السابع عشر، فإن معالجتها تكتسب مع عزمي بشارة بُعدًا مغايرًا لما يتردد في أدبيات شائعة (ولا سيما أدبيات عربية) عن التناقض والصراع بين الطرفين، أو عن عداء الكنيسة للعلم والعلماء، أو عن مناهضة هؤلاء للدين أو للكنيسة. معطيات كثيرة يقدّمها عزمي بشارة في الفصل السابع بشأن نظرية كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن وديكارت، وبشأن م بااسات ع قااة هؤلاء بالكنيسة، وهي ملابسات لم تكن تدور بالضرورة حول حرية البحث العلمي أو النظريات أو لاكتشافات العلمية الرياضية أو الطبيعية بحد ذاتها، بل كانت نتاج ظروف وحسابات سياسية وأدوار ومواقع في الصراع بين القوى الفاعلة حين تزامنها مع الحدث، صراع الكنيسة مع البروتستانتية آنذاك. لذا، يرى عزمي بشارة أن محاكمة غاليليو في عام 6331 جراء دفاعه عن نظرية كوبرنيكوس "جاءت في ظروف من المزاودة" (ص. 783)، وأن الف سفة لا الثيولوجيين هم الذين اتهموه بالهرطقة (ص. 375) على وجه الإجمال، وفي محاولة تلخيص للمسار الذي قطعه "التصارع بين العلم والفلسفة"، فإن العلم خرج من رحم الفلسفة مع نشوء "اختصاصات علمية جديدة"، وشق له مسار تطور مختلفًا خارج الفلسفة. أمّ ا بالنسبة إلى علاقته بالدين والمؤسسة الدينية، فقد تكيف العلم في مراحله الأولى مع الرؤية الدينية، وحصر نفسه في مجاله، لكن ما ميّز صيرورة الحداثة هو أن الصراع بين العلم والرؤى الكلية أدى بعد كل أزمة وجولة إلى تعديل الرؤى الفلسفية والدينية نفسها بالتأويل أو بالتجديد، أو على الأقل إلى انسحابها وحصر اهتمامها في مج لات أخرى. فصيرورة الحداثة تميزت ب لانتقال من حصر العلم لنفسه في مجاله الخاص، إلى حصر الدين في مجاله، لأن العلم اكتسح المعرفة مجالً بعد آخر (ص 393 -.)394 جملةٌ من العوامل المتداخلة اجتمعت في سياق تاريخي، ولذلك لا طائل - في رأي عزمي بشارة - من وراء محاولات الإجابة عن سؤال: "ما الذي جاء أولً ومن قاد إلى من؟ هل قادت

لاكتشافات العلمية والتحوّل الفكري إلى تغيير الموقف من الدين؟ أم أدّت إليه تحولات اجتماعية عميقة حكمت تلك لاكتشافات ودفعت إليها؟". يبدو أن الإجابة الأسلم هي أن خصوصية بداية الحداثة تتمثل في توافر شَرطي التطوّر الفكري والصيرورة  لاجتماعية.

استثمار مصطلح الطبيعة والطبيعي في دراسة الفعل الإنساني والتدين

"تطور العلم عبر التفاعل مع الطبيعة، ولم يؤدّ ذلك مباشرة إلى تغيير في تفكير العلماء أو الناس عمومًا في قضايا الدين. لكن التفكير العلمي أوجد الأدوات لنخبٍ فكرية وثقافية للتعامل مع المجتمع والتاريخ الإنساني بواسطة ما توصل العلم إليه وبمنهجه التجريبي" (...) إذن، "هي لحظة في بداية الحداثة، لحظة استثمار مصطلح الطبيعة والطبيعي على نطاق واسع، لا في وصف قوى الطبيعة الموضوعية خارج أذهاننا، بل في وصف الفعل الإنساني نفسه، بما فيه التدين، كفعل طبيعي يمكن تحليله بموجب قوانين الطبيعة ذاتها، أو بموجب فهم تلك المرحلة لقوانين الطبيعة" (ص. 418) تتوالى شروحات عزمي بشارة لأفكار هوبس في الأخ ق والمعتقدات (الم ئااكة، الآخرة...)، ويذكر هنا "أن ثمة تقليدًا إنسانيًا لإرساء الأخلاق والقانون على القيم الطبيعية منذ الرواقيين"، حيث يجري في سياق عصر النهضة وصولً إلى التنوير، عَود إلى التقليد الرواقي كجزء من نقد اللاهوت المسيحي الذي تعامل مع الطبيعة كبعدٍ فاسد ومفسد في الحياة (ص).425 وبتأثير من مفكر فرنسي التقاه هوبس في باريس، هو إسحق لابيرير I. La peyrere) (، دخل هوبس ميدان نقد التوراة من خ لاا القول بأن "موسى كتب أشعارًا من التوراة"، "مشككًا عمليًا بمصدرها الإلهي". ويستعرض عزمي بشارة جملة من الآراء النقدية المؤسسة: - لابيرير يرى أن آدميين وجدوا قبل آدم، نهاية التاريخ باعتناق اليهود المسيحية، حيث يرى عزمي بشارة في هذا الرأي "إرهاصات المسيحية الصهيونية" المعاصرة. - شبينوزا [اسبينوزا] ينتقد الأساطير التوراتية "لأنها اختُلقت لعامة الناس الذين لا يسعفهم عقلهم من إدراك الأمور، وتشكيك بتاريخية الأحداث التوراتية، الإيمان الكوني عنده، هو بنظره ذلك الدين الإلهي الطبيعي المستنبط من طبيعة الإنسان، ودراسة العلم قوانين الطبيعة تعني دراسة مراسيم الله وقوانينه التي سنّها (ص 429 -.)430 خ صة القول في هذا المسار الذي لم يكتمل هي أن بعد تطور العلوم والقبول التدرجي بنظرية كوبرنيكوس في مركزية الشمس، ونشوء التاريخ النقدي للتوراة والنقاشات بين ال هااوتيين أنفسهم، ما عاد كل شيء يعدّل كي يت ءاام مع التوراة ويجد مكانًا له فيها، بل أصبحت "تفسيرات التوراة تعدّل كي ت ئاام العالم الجديد" (ص. 432) في هذا السياق أيضًا، حدث التحوّل من اعتبار حالة الأشياء الطبيعية نجسة أو دنسة إلى اعتبارها حالة أصلية تشكل جوهر الأشياء، وهذا ما كان يقصده ف سفة التنوير عندما قالوا بفكرة "الدين الطبيعي"، أي "جوهر الدين"، وأضفوا على موضوعة هذا التفكير مثالية مقدسة فقالوا بالحقوق الطبيعية والمقدسة، وكما ستكون عليه صيغة "حقوق الإنسان المقدسة" في الإع ن الصادر عن الثورة الفرنسية. كما أن النقد الديني سيتجذر في نهاية القرن السابع عشر. ومن نماذج هذا التجذر، الذي يتوقف عنده عزمي بشارة، نموذج بيير بايل

P. Bayle) (؛ إذ يعرض لأهم الأفكار الواردة في كتابه: أفكار متنوعة في مناسبة ظهور مذنب، في سنة 680.1 وكانت المناسبة مثار شيوع أفكار شؤم وسوء طالع في المجتمعات الأوروبية، في حين كانت المناسبة بالنسبة إلى بايل حالة دعوة إلى التنوير ضد الجهل، ومحاولة لينزع عن الظاهرة الطبيعية أي معنى أخ قااي وخرافي ولينفي أي تأثير للنجوم في حرية الإنسان: "الإنسان يقرر أن يفعل الخير أو الشر وليس النجوم" (ص 435 -.)439 وفي مسألة التسامح، يخطو بايل خطوة متقدمة على جون لوك الذي استثنى الإلحاد من التسامح؛ إذ ظلت منطلقات لوك مسيحية، في حين أن بايل ذهب إلى اعتبار ديانات الوحي "تحمل في داخلها بذور الحروب الأهلية". على أن فكرة التسامح الديني "شكلت بعد الحروب الدينية في أوروبا أحد المصادر الفكرية لتحييد الدولة في الشأن الديني، وذلك برفض استخدام قوة الدولة لفرض مذهب ديني أو ل مإإ ءاا في شؤون الإيمان"، شأن لوك، وصولً إلى مرحلة جون ستيوارت مِل، حيث طوّرت الفكرة إلى مفهوم الحرية، ولاحقًا إلى مفهوم التعددية في الدولة الديمقراطية المدنية، ليصبح المبدأ هو التعددية وليس التسامح الديني. بعد تولاند، كتب تيندال Tindal) (كتابه (المسيحية قديمة ق دم الخلق) ليشدد على أن "حقيقة الدين هي الأخ ق"، والدين بموجب حقائق الفعل هو "معرفة واجباتنا كأوامر إلهية". يرى عزمي بشارة في هذه المحطة من أفكار التأليهية بداية لانتقال إلى الدين في إطار العقل العملي قبل تنظيرات كانْت بهذا الشأن، وظهور العلاقة بين فكرة الدين الطبيعي والتأليهية وأخ قااية الدين عند تيارات رئيسية في التنوير: "تؤمن التأليهية بوجود كائن أسمى يستحق أن يُعبد وبأن ممارسة الفضيلة جزء من الدين، وحتى من العبادة" (ص. 472) إلا أن عودة إلى هيوم لدى عزمي بشارة من شأنها أن ترينا تمايزًا مع التأليهية في تقييم دور العقل؛ إذ توصلت هذه الأخيرة إلى دين العقل لا إلى الدين الطبيعي الذي تدّعيه (...)، فهي افترضت إنسانًا كونيًا عقلانيًا له قدرات كونية على الفهم والإيمان بمبادئ دينية مجردة (إنسان التنوير)، في حين أن الإنسان لدى هيوم هو عواطف وغرائز، وهدف ورغبات، وهنا يكمن أساس الدين في تفسيره، وليس في العقل والأخ ق (ص. 473) يضاف إلى هذا أن "مثقفين في القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأوا باستخدام المنهج لاستقرائي التجريبي من إرث بيكون حتى هيوم، مرورًا بجون لوك وعلماء مثل نيوتن وغيره، في جمع المعلومات وصنع تجريدات وتصنيفات ترتب السكان في العالم بناءً على صفات معينة وتربط بينها وبين القدرة على الفهم والأخلاق وإدارة المجتمعات. كان لتطبيق المنهج لاستقرائي التجريبي على صفات البشر الجسدية وربطها بالثقافة والأخ ق والعادات أعظم الأثر في جعل الأفكار العنصرية الأولى تبدو نظريات علمية" (ص 485 -.)489 أمّ ا الموقف الكاثوليكي، فيمتاز عن المواقف العلموية والبروتستانتية بتعامله مع السكان الأصليين ك"بشر"، إلى وقوف الآباء اليسوعيين والدومينيكان ضد القمع الجسدي ولاستبعاد، لكن هؤلاء - وكما يستدرك عزمي بشارة - "لم يقفوا معهم كما هم، بل بعد إسقاط صورة البراءة المسيحية عليهم" (ص. 482)

الدين في فكر التنوير

في الفصل الثامن، ثمة عودة إلى "موضوعة الدين في فكر التنوير" للتوقف عند بعضٍ من

جوانبها. ويحفل هذا الفصل بتعريفات وتمييزات على قدر كبير من الأهمية بالنسبة إلى القارئ العربي، بل بالنسبة إلى الباحث العربي أيضًا. معروف أن التنوير هو "استمرار طبيعي للثورة العلمية في القرن السابع عشر، وللإنتاج الفكري لبيكون وديكارت وجون لوك (...) إنه الفكر الذي أرسى الأساس للموقف العلماني الداعي إلى تحديد دور الدين في الدولة والمجال العام.." (ص. 499). وهو أيضًا، وبشكل أكثر تبسيطًا، على حد قول عزمي بشارة، فكر علماني (للدقة دنيوي)، وربما يصل عند بعضهم إلى حد الإلحاد... لكن التمييز ضروري من وجهة معرفية وعملية بين فكر التنوير "العلماني" والصيرورة لاجتماعية للعلمنة؛ ففكر التنوير فكر "قلة"، بينما صيرورة العلمنة هي "صيرورة اجتماعية وثقافية شاملة تمر بها الكثرة الكاثرة" أي المجتمع ككل. يستعرض عزمي بشارة، محلً، نماذج من آراء المفكرين التنويريين بيير بايل من خلال قاموسه الفلسفي التاريخي، وهيوم بريبيته التي كانت مؤثرة جدًا في مفكري التنوير الفرنسيين، وأعلام الإنسيكلوبيديا الفرنسية كمحررَيْها الرئيسيين ديدرو ودار لامبير (ص. 504)، ومفكرين (ف سفة) آخرين: مونستكيو، فولتير، روسو... (ص 502 -.)521 ي حظ عزمي بشارة في هذا السياق أن "فكر التنوير لم يتفلسف في نقد الدين لمصلحة العامة ولا لغرض إقصاء الدين من المجال العام، بما فيه الدولة، لكنه انتقد ممارسات الكهنة، وحوّل الدين نفسه ومنشأه إلى موضوع للدراسة والبحث، وتابع بلورة مفهوم الدين الطبيعي..." (ص. 506) يشيع في الثقافة العامة العربية بصورة خاصة تعميم مفاده أن فكرة التقدّم التصقت بفلسفة التنوير وشملت أع مااه، فيصحح عزمي بشارة هذا لاعتقاد بقوله: "لم يكن ف سفة التنوير حتى منتصف القرن التاسع عشر بهذه السذاجة، وأبدوا تحفظات على عمومية فكرة التقدم، وأظهروا الكثير من الشك في شأنها. وانطبق هذا على بايل وفونتنيل وفيكو وهيوم ودي بروس وبولانجيه والبارون دولباك، جميعهم كانوا مترددين في شأن فكرة التقدم وانطباقها على المجتمع بشكل عام، وكانوا يميلون عمومًا إلى قصرها على النخبة المفكرة. وفي نهاية القرن فحسب، تحوّلت فكرة التقدم في التاريخ إلى رؤية شاملة عند كوندورسيه بشكل خاص.." (ص. 557)، وقبله عند تورغو وهلغتيوس.

التنوير الألماني

في الفصل التاسع (ص 605 - 678)، يستعيد عزمي بشارة أفكار التنوير بإيجاز، ليتابع خط التحوّل من الريبية عند هيوم إلى دور العقل عند كانْت، وصولً إلى فلسفة هيغل في الدين، إلى فلسفة نيتشه في الأخ ق، أي ينصبّ التركيز على التنوير الألماني. يذكر عزمي بشارة أن هيوم أراد أن يكتب تاريخًا طبيعيًا للدين، وأن يحلله من خلال فهم الطبيعة الإنسانية، أي إنه حاول باختصار تفسير الدين تفسيرًا طبيعيًا أنثروبولوجيًا (ص. 608). واعتبر هيوم أن تعددية الآلهة أقدم من التوحيد، وأن الدين في الحالتين (التعدد والتوحيد) يقع في حيز العاطفة ويعبّر عن مركّب الخوف والأمل عند الإنسان. بل يذهب فرويد إلى تحبيذ التعدد على التوحيد، فهذا الأخير "يرفض الآخر"، في حين أن التعددية الإلهية "أتاحت تطور النفوس الشجاعة". النقطة الأهم في هذه لاستعادة في الفصل التاسع هي كيف تلقى التنوير الألماني هذه الآراء (آراء هيوم) وآراء التنوير الفرنسي، ولا سيما آراء روسو وفولتير؟

يرى عزمي بشارة أن بعض الف سفة الألمان (من ذوي النزعة الدينية التصوفية)، مثل هامان، معاصر كانْت في ألمانيا ومترجم أجزاء من كتاب هيوم، وكيركيغارد تلميذ هيغل لاحقًا، رأى "أن ريبية هيوم تخدم الدين، لأنها تكشف أن لا أساس عقلانيًا للدين وتنسبه إلى الجانب الشعوري الإيماني، وهذا ما يؤكد حقيقة الدين الإيمانية" (ص. 612) أمّ ا موقف التنوير الألماني عمومًا من العقائد الرسمية للكنيستين البروتستاتية والكاثوليكية، فكان موقفًا نقديًا، ولكنه اختلف (قبل القرن التاسع عشر) عن التنوير الفرنسي "بإي ئااه الوظائف لاجتماعية للدين أهمية قصوى" (ص. 612) في مقابل النزعة التطورية التي ميّزت الكثير من مفكري التنوير الفرنسيين، أُعجب المفكرون الألمان بجان جاك روسو، ولا سيما بميله إلى التشكيك في فوائد المدنية ودعوته إلى العودة إلى الطبيعة في التربية، وإيمانه بأهمية البُعد الروحي في ترسيخ العقد لاجتماعي الذي سمّاه "الديانة المدنية" (ص. 613) يعود عزمي بشارة ليتوقف مليًا عند كانْت الذي انتمى، في رأيه، إلى تقاليد ثلاثة: التنوير الفرنسي والتنوير الإنكليزي والتنوير الألماني معًا، إلا أنه لم يتوقف عند حدود هذه التقاليد، فكانت ثورة كانْت في الفلسفة "ثورة أنثروبولوجية"، فأصبح سؤال الفلسفة عنده هو: "ما الإنسان؟"، ومن هذا السؤال تتشعب الأسئلة كلها بشأن حدود العقل. ماذا يمكنني أن أعرف؟ هو سؤال نقد العقل المحض؛ ماذا عليّ أن أفعل؟ هو سؤال الأخ ق؛ ماذا يمكنني أن آمل؟ هو السؤال الذي يقود إلى الإيمان (ص. 617). عند كانْت، "الديانة الداخلية" هي التي تمكّن من ممارسة الأخ ق القائدة بذاتها، أي ما يمكن أن نسمّيه - على حد قول عزمي بشارة - "الأخ ق العلمانية اليوم"، بل إن فلسفة كانْت الأخ قااية تقول ب"اشتقاق الدين من الأخ ق، لا الأخ ق من الدين".

• هيغل

مقارنة بكانْت، الذي كان يرى أن هناك، من منظوره، "قدرات عقلية تجمع المعطيات الحسية وتحوّلها إلى موضوع، وأخرى تجعل من الممكن تصنيفها والتفكير فيها"، بعبارة أخرى، كان ثمة ثنائية، أي حالة فصل بين الشيء بذاته من جهة، والمقدرة الحسية والعقلية من جهة أخرى، ينتقل عزمي بشارة إلى هيغل الذي بحث عن طريق لجمعهما وتجاوز هذه الثنائية التي ميزت فلسفة المعرفة عند كلّ من ديكارت وكانْت: "اتجه هيغل إلى اعتبار الله هو التفكير نفسه، هو جوهر الكون ومنطقه. للكون جوهر واحد هو التفكير ذاته، الله ليس كائنًا شخصًا، هو المطلق الذي يجمع الذات والموضوع"، هو مفهوم فلسفي يساهم في فهم الله والتاريخ والفن والدولة والفكر والوجود و"الإيمان بالله"، كما يظهر هذا في الديانات المختلفة. وإذ لا يهدف عزمي بشارة من مشروعه البحثي دراسة تاريخ الفلسفة، ولا دراسة أفكار كلٍّ من فلاسفة التنوير، فإنه يركز على "إبراز ما له ارتباط بإشكالية الع قااة بين العلمانية والدين". يختار من محاضرات هيغل في فلسفة الدين اقتباسات دالة على "تشخيص ك سيكي لعملية العلمنة من دون تسميتها بهذا لاسم"، "مع ازدياد معرفة الأشياء النهائية وتوسع العلوم بشكل يكاد يكون غير محدود، واتساع مج لات المعرفة كلها، يتقلص مجال معرفة الله". وكلما ازدادت معرفة الفلسفة والعلوم، تقلص الفضاء المتبقي للدين إلى درجة أن الله يصبح إله الفجوات التي لم تصلها المعرفة العلمية (ص. 650)

يرفض هيغل تدخّل الدين في السياسة بصفته حامً موقفًا سياسيًا، لأن الجماعات الدينية التي تتبع مبدأً دينيًا في السياسة لا تلبث أن تشكل تحديًا للدولة (ص. 656)، وهذا لا يعني أن هيغل كان ضد الدين. يشرح عزمي بشارة هذه المفارقة لدى هيغل بالقول إن "القوانين الوضعية للدولة تتعامل مع النسبي والنهائي، وبالتالي لا يجوز خلطها بالحقيقة المطلقة التي يمثلها الدين (..) الدولة تمثّل الأخ ق الموضوعية للمجتمع كله في مقابل محاولة تيار ديني محدد أن يفرض تصوره للدين على المجتمع ككل. يخلص عزمي بشارة بعد شرحه وتحليله أفكار هيغل المثيرة في جدليتها، وخصوصًا إشكالية الع قااة بين الدين والدولة (ولا سيما لما يراه هيغل من خصوصية في البروتستانتية التي تؤمن - في رأيه - بالحرية الفردية وعلى عكس المعتقدات الكاثوليكية والإس ماا)، يخلص إلى أن هيغل "حوّل الفلسفة من خدمة الدين إلى احتواء الدين كمرحلة إليها"، وهنا تكمن في رأي عزمي بشارة حداثته وعلمانيته لا في فصل الدين عن السياسة والفلسفة، بل "في رؤية الدين كمرحلة نحو الفلسفة، وكوظيفة عق نااية في تماسك المجتمع والدولة" (ص. 659) خ صة ما يراه عزمي بشارة في فلسفة هيغل وموقعها في منظومة التنوير هي أن هيغل لم يغير موقف التنوير من الدين - ولم يتهم مفكري التنوير بالمادية أو فقدان القلب وتضييع الأصالة وهدم التقاليد والأعراف والأخ ق كما اتهمهم المتدينون والمحافظون، لكنه احتوى التنوير والدين سوية في مسيرة العقل في التاريخ (...) (ص. 664)، وهو بذلك فسح المجال لنشوء النقد الحداثي حيال التنوير، كحالتي ماركس وفيورباخ (ص 660 -.)666

• نيتشه

على أن أهم ناقدٍ للتنوير، بعد اكتمال أفكار التنوير في فلسفة هيغل الجدلية والتوفيقية بين "الدين ونقد الدين"، هو نيتشه. وإذا كان هناك من يعتبر هيغل "آخر فيلسوف مسيحي" (إذ عرض الفلسفة بشكل مسيحي وعرض المسيحية بشكل فلسفي) (ص. 659)، وإذا كان قد "حوّل التنوير إلى ميتافيزيقا"، فإن نيتشه يختتم هذه المرحلة من تاريخ الفلسفة الأوروبية، ويدشن مرحلة جديدة في نقد التنوير، مؤسسًا لأفكارٍ يراها البعض إرهاصات أفكار ما بعد الحداثة أو تأسيسًا لها في ما بعد. يعلّق عزمي بشارة بدايةً: "إذا كان فكر ماركس يقود في النهاية إلى عودةٍ جدلية إلى مشاعيةٍ بدائية طبيعية مفترضة قبل تقسيم العمل ونشوء الطبقات (...) لكن على مستوى حضاري أرقى، فإن نيتشه يدعو إلى العودة إلى أخ ق طبيعية مفترضة تقوم على غرائز الإنسان الطبيعية وحبه لنفسه وإرادة القوة للسيطرة والبقاء.." (ص. 667). وإذ يذكر بشارة أن هذه الأفكار أتت بعد انتشار فكر داروين، يضيف أن نيتشه "قام بعملية نقد للميتافيزيقا والمبادئ المتجاوزة للعالم الطبيعي" (..)، إلا أنه حوّل الصراع بين أخ ق الأسياد وأخ ق العبيد، وبين الطبيعة الإنسانية إلى ميتافيزيقا أخرى، وتوّجها بمفهوم الفضيلة عند الإنسان الفائق أو "الإنسان الأعلى" (ص. 669) من أين أتت أخلاق العبيد في رأي نيتشه؟ اعتقد نيتشه أن المسيحية بصيغة بولس الرسول (الذي يبرئ المسيح منه) هي الديانة الأكثر تعبيرًا عن أخلاق العبيد، والأكثر تأسيسًا لها بتقديسها الزهد والنفور من الحياة (..)، فالتسامح فيها "ناجم عن تحويل العجز إلى قيمة..." (ص. 669)

أمّا بالنسبة إلى الموقف من الدين عمومًا، فاعتبر نيتشه الدين والأديان "مسألة تهم العامة وتنشغل بها"، و"الأديان هي شغل العامة.. لا يوجد شيء على لاطلاق أكثر زيفًا من القدسي" (ص. 671). وعندما قال نيتشه ب"موت الله وآلهة أُخر"، فلم يكن ذلك دعوة، وإنما كان توصيفًا واستنتاجًا لما آلت إليه الأمور والأحوال حتى عصره وما بعد عصره. يشرح عزمي بشارة آلية هذا المآل: "عندما نظر نيتشه إلى الخلف ورأى صيرورة انهيار الإيمان المسيحي بالله، تمكن من رؤية صعود النزعة المدنية الأوروبية وانهيار الأخلاق، وبالتالي فإن شيئًا لن يكون حقيقيًا بل سيصير كل شيء مباحًا. وكانت نتيجة تأم تااه طوال خمسة عشر عامًا الجمع بين إرادة القوة ومذهب العودة الأبدية، فإن موت الإله تتبعه الحرية العدمية، ولا بد من تجاوزها ذاتيًا بإرادة القوة بالوصول إلى العودة إلى الأبدية" (ص. 670) يموضع عزمي بشارة أفكار هذا الرجل في سياقه التاريخي والبيئة الفكرية التي أنجبته والتوقعات المستقبلية التي أرهصت فيها تأملاته، وإن بدت مرتبكة: "لا شك أن فكر هذا الرجل كان مرتبكًا مثل روح العصر التي عبّر عنها، التي جمعت نقد الدين إلى نقد العقل ونقد التنوير في آن؛ وذلك قبل عقدين فقط من ولوج أوروبا دوامة الأيديولوجيات الشمولية من جهة، والعدمية من جهة ثانية؛ ولازدهار والرخاء لاقتصادي من جهة، والأزمات الكبرى من جهة ثانية؛ وعصر الفردية والفن ولانح لاا من جهة، وعصر الجماهير من جهة أخرى؛ عصر الإبداع ولاختراعات من جهة، والصناعة الثقافية من جهة أخرى... وهي التي أدت كلها إلى الحروب العالمية الكبرى وجرائم الإبادة. ليس فكر نيتشه مسؤولً عن هذه المرحلة بل هو الفكر الذي يحمل إرهاصاتها العاصفة بصوغ أدبي".

- جدلية التنوير (أدورنو - هوركهايمر)، كارل شميت، فوكو

في الفصل الحادي عشر، يحلل عزمي بشارة ث ثااة نماذج "في النقد الحداثي للتنوير" في مرحلة ما بعد نيتشه: - نموذج من مدرسة فرانكفورت ممثًَّ في كتاب جدلية التنوير لثيودور أدورنو (Adorno) - 1903(969 1) ولماكس هوركهايمر.)1973 - 1895((Horkheimer) - نموذج كارل شميت (1888 - 9861) في اللاهوت السياسي. - نموذج ميشيل فوكو. • أدورنو - هوركهايمر (جدلية التنوير) من وجهة نظر مؤلّفي جدلية التنوير، وكما يشرحها عزمي بشارة، رفض التنوير الأساطير التي كانت قائمة، لكنه أقام أساطير بديلة، "أهمها أسطورة العقل الكلي القدرة" والذي ما لبث المسار المنطقي للتنوير أن حطم أساطيره، ومن بينها أيضًا أسطورة العقل الكلي (ص. 715): "العلم الذاهب إلى السيطرة على الأشياء هو امتداد للسحر بأسلوبه ومنهجه (...) يقيم العلم تابوهاته (أو محرماته) (...)، استبدل التنوير خوف الناس القديم من الظواهر الطبيعية، بانفجارات نزاع دورية أو موسمية: الأزمات لاقتصادية الكبرى والحروب مثً (...) يقود العقل التنويري إلى اختزال الحقيقة وقصرها على النجاح والإنجاز (...) مناقب العصر الحديث هي المهارات التي تؤدي إلى إنجازات بغضّ النظر عن الفضيلة.." (ص 720 -.)722 يطوّر عزمي بشارة النظر إلى هذه المسألة ليراها "مسألة مفتاحية لفهم الظاهرات الجديدة: ظهور بدائل الدين في القبلية شبه الدينية ل يأأديولوجيات الدنيوية (سواء أكانت وضعية أم دينية - سياسية)"، وظاهرة لانتقال في نمط

التدين "من التدين الشعبي التقليدي إلى التدين الجماهيري" الحديث والمعلمن، وإنْ حمل خطابًا دينيًا (ص. 725) • كارل شميت (اللاهوت السياسي) يلفت عزمي بشارة النظر إلى أن "في النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما في الثمانينيات والتسعينيات، جرت عملية إحياء لكارل شميت من اليسار واليمين، حتى من اليسار الأكاديمي. ويشبه اكتشاف فكر شميت السياسي باكتشاف العلوم السياسية المتجدد باستمرار لمكيافلّي، لناحية قدرة شميت على صوغ السياسة عارية وكأنه يصوغ معادلات رياضية من دون البُعد القيمي وب أقنعة" (ص  727 ا). نقرأ عرضً لأفكاره السياسية، هذه بعض ملامحها ملخصةً: - فكر شميت هو دفع بمنطق الدولة إلى نتيجته القصوى في حالتي الحرب وإع ن الطوارئ (شرعية إلغاء الدستور). - الليبرالية هي الرومانسية السياسية من زاوية الفرد وب طائل (حالة منحلة من المصالح الفردية والحزبية). يعلّق عزمي بشارة على هذه الأفكار: "وكي يؤسس شميت هذه الأفكار لتت ءاام مع العصر، فإنه لا يلجأ إلى الدكتاتورية، بل يعدّل مفهوم الديمقراطية لتصبح ديمقراطية الجماهير (لا الأفراد) التسلطية، وهو يعتمد على الهوية الوطنية اللاسياسية المصمّمة لتلائم مجموعة متجانسة من السكان يقودها قائد كاريزمي" (ص. 737) وفي مكان آخر، ليست السيادة هي التعبير عن الإرادة العامة، كما هي الحال عند روسو؛ إنها تتوافق مع شخصنة هوبس للسيادة، لكنها مؤسسة على أسس جماهيرية، "فالتعبير (يصبح) لاستفتاء الشعبي والدكتاتورية الشعبوية التي اتخذت مظاهر فاشية ونازية في أوروبا ودكتاتوريات رثه في المشرق العربي، تبنّت أيديولوجيات الأنظمة الشمولية وأدوات لاستفتاء والتعبئة الجماهيرية، لكنها ظلّت أسيرة الرثاثة السلطانية وأنظمة القرابة وترييف مؤسسات الدولة" (ص. 735) الخلاصة أن شميت يرفض تأسيس السياسة على أيديولوجيات كبرى إنسانية أو دينية، وهو بذلك يقدّم - بحسب ما يرى عزمي بشارة - "خدمة في تعرية السياسة التي تطرح نفسها باسم أيديولوجيات كبرى" (ص. 742)

- في نقد النقد العقلاني للتنوير

• ميشيل فوكو من زاوية الموقف من الدين والعلمانية، وفي حقل الموقف من التنوير وأوجه نقده المتعددة، من داخل الحداثة ومن زاوية ما بعدها، يكتفي عزمي بشارة بمناقشة قصيرة. لا يجد معالجة واضحة لدى فوكو لموضوعة الدين، يقرأ شذراتٍ عن "روحانية الجسد" وقمع الجسد في الدين (ص. 743). أمّ ا بشأن موقع الله في فلسفات التنوير، فيشير بشارة إلى مقالة فوكو (9661) الذي يقول: "إن الله مات عند هيغل، لأن العقل احتل مكانه، وعند فيورباخ أيضًا لأن تحرر الإنسان احتل مكانه، وعند نيتشه كذلك، لكن نيتشه أبقى مكانه فارغًا، إذ مكّن الإنسان من أن يحتلّ مكانه إذا تحرر من الإنسان والله في آن" (ص. 744). ويعلّق بشارة: "هذا برأيي نص أدبي وتفسيره مفتوح على احتم لات كثيرة"، ويشرح السبب في أن فوكو يطرح أسئلة ولكن لا يجيب عنها فلسفيًا (ما هي ولماذا نشأت)، بل يبحث عن نشوئها وكيفياتها في "أركيولوجية نشوء الأفكار" (كيف نشأت وكيف تعمل، وما هي القوى التي تعمل من خلالها..") (ص. 744) على أن ميزة فوكو هي في المنهج الذي يقترحه لتحليل الع قااة بين "العق نااية وفائض

القوة"، وكان خيار بعض المنتمين إلى مدرسة فرانكفورت "فحص طريق التنوير". يقترح فوكو طريقًا أخرى لبحث هذه الع قااة، سبيلها عدم التعامل مع عقلنة المجتمع ككل، خلافًا لما فعل أدورنو وهوركهايمر، بل التركز في مج لات في الحداثة كالجنون والمرض والجنس والجريمة والموت. والمهمة هنا هي فحص تطور تكنولوجيات واستراتيجيات التعامل مع هذه الظواهر من خ لاا تحديدها وإقصائها وتثبيت المجتمعات لما هو عادي وطبيعي (...). وعلى الباحث، في رأي فوكو، العودة إلى تاريخ أقدم من التنوير كي يعرف كيف وقعنا في فخ تاريخنا الخاص (...) (ص. 747) إن "ما بعد الحداثي"، وكما يتمثّل في مسار فوكو الفكري، يشكّل أيضًا أساسًا لمساءلة. وتعليقًا على وصف فوكو لفكره بأنه يشبه "ثيولوجيا سالبة"، باعتبارها سالبة بخصوص العلوم الإنسانية لا الثيولوجية، يقترح عزمي بشارة مصطلح "العلم السالب" لأنه "يهدف إلى تبيين الفضاءات التي يقصيها العلم عن مج لاته (...)"؛ ففوكو "يطرح أسئلة لم يتطرق إليها العلم، لكنها من النوع الذي يمكنه التطرق إليها، كما يسائل المصطلحات والأدوات العلمية، بشكل علمي أيضًا، وأحيانًا بصوغ أدبي وسجالي نيتشوي الطابع". لكن "الفرق بين هذا النمط من الموقف العلماني وحتى الإلحادي (من جهة) وإلحادية نيتشه (من جهة ثانية) هو أولً في أن فوكو حاول أن يبحث علميًا في بعض المج لات التي أهملها العلم والمتعلقة بتاريخ نشوء الذات الحداثية عبر مؤسسات الرقابة والمرض والجنس، ومن زاوية نظر الكشف عن لعبة القوة السياسة من "المصطلحات الموضوعية"، وثانيًا في أن تشكيكه في موضوعية العلم يجعله يحترم أنواع الخطابات المختلفة، بما فيها الديني، ليس من منطلق ديني، لكن نتيجة رؤيته نسبية "الحقيقة العلمية" (ص. 749) وفقًا لهذا المزاج الفكري، تصح مساءلة نظرية العلمنة أيضًا باعتبارها خطابًا وسردية تشكلت بناءً على مصالح سياسية وقوى اجتماعية (...). وعلى الرغم من غياب معالجة منهجية عنده لموضوع الدين، تحتل "العلاقة بين الله والإنسان وموت الإله وموت الإنسان" مكانة مركزية في فكره، لكن هذا لا يعني أنه متدين، لكنه آخذ ب لاعتبار التأثيرات الدينية في الفكر والسياسة. أمّ ا بالنسبة إلى موقف فوكو من "عق نااية التنوير"، فيرى عزمي بشارة "أنه يمضي في كسر حدود العقلانية وفي تجاوز التنوير مع لاعتراف بدوره الحاسم في تشكيل المجتمع الحديث.. وإلى تجاوز العقلانية في مناقشة تاريخ الجنون وتاريخ الجنس، وكلها موضوعات ذات علاقة بالدين" (ص. 750) في هذا المنظور الفكري، يتموضع الدين كجزء من الثقافة بالمعنى الواسع، فلا يرى فوكو أساسًا لاعتبارهما منفصلين.

• جون رولز، هابرماس، تيلور

في الفصل الأخير (الفصل الثاني عشر) من المجلد الأول، وفي الجزء المخصص لمتابعة الصيرورة الفكرية للعلمانية والعلمنة، يعرض عزمي بشارة نماذج دالّة من كتابات ليبراليين معاصرين سبق أن أبرزوا دورًا ما للدين، أو حاولوا أن يوجِدوا مكانًا له في المجتمع المعلمن، أو تأثيرًا ما في انتظام العلاقة المتوازنة بين المجتمع والدولة، أو بين أطراف المجتمع السياسي ومكوناته. عودة موجزة إلى الليبرالية في القرن التاسع عشر أولً، للتذكير، بشكل رئيسي، ب دو توكفيل، الذي يحظى ب لاهتمام لتميزه بإبرازه دور الدين في المجتمع السياسي الأميركي وهو الآتي من

التقليد الفرنسي؛ إذ إنه خصص لذلك فص كامً ومهمًا في كتابه الديمقراطية في أميركا بعنوان: "التأثير غير المباشر ل رآآاء الدينية في المجتمع السياسي في الولايات المتحدة". ويقتبس عزمي بشارة قوله: "لا تؤدي الديانة في أميركا دورًا مباشرًا في حكم المجتمع، ولكن مع ذلك يمكن اعتبارها أولى المؤسسات السياسية (...) لأنها سهّلت استخدام المؤسسات الحرة" (ص. 775) على أن النماذج المتأخرة في "العلمانية الليبرالية الحديثة" أكثر دلالةً وتعبيرًا عمّا آلت إليه الجد لات المنصبّة على معالجة إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة في الراهن، وهذه المرة، وفي عصر العولمة والسوق وصعود النيوليبرالية، معالجة ما آلت إليه الليبرالية نفسها، وكيف يمكن تجديدها وتطويرها ومتابعة تجاذب موقعها بين الدين والعلمنة. أسماءٌ يدرس عزمي بشارة ما كتبته تحت وطأة الإشك لات والأسئلة الجديدة المعاصرة: جون رولز (1922 - 0022) وريتشار روتمري ويورغن هابرماس وتشارلز تيلور. يرى عزمي بشارة أن رولز تميز من الليبراليين الذين سبقوه بأنه وضع الحريات ضمن نظرية شاملة في العدالة، حيث تضْمن العدالة ممارسة القيمة العليا الليبرالية، أي الحرية، وهو بذلك جمع تقليدين في الديمقراطية الليبرالية، أحدهما أكثر تأكيدًا لعنصر الحرية ومستمد من التقليد الإنكليزي، والآخر أكثر تقليدًا للمساواة ومستند إلى التقليد الفرنسي، كما أنه متأثر بنظرية كانْت في الأخلاق. على أن ليبراليته لا تنبع من المبادئ التأسيسية لعقلانية الأنوار، فالمهم بالنسبة إليه تساوي المختلفين؛ أن يكون المؤمنون بعقيدة دينية متساوين في الحقوق في نظام ديمقراطي، وبالتحديد في "المجال السياسي" وليس في حقل النظريات الفلسفية. لا شك أنها أهداف نبيلة، ولكن عزمي بشارة يتساءل في معرض عرضه ونقده أفكار رولز ثم يعلّق بالقول: "لكن هذه الفضيلة العظمى بملاقاة الناس في منتصف الطريق ولاتفاق على مبادئ العيش المشترك قد تكون أقل أهمية من فضيلة وإخ ص البشرية بالنسبة إلى الأصوليين، أصوليين دينيين أكانوا، أم تابعين عقيدة أخرى..". إن "مثل هذا الطلب يتطلب من أصحاب العقائد التنازل عن بعض هذه العقيدة المناقضة لمبدأ التعددية...". هذا وجه أساسي في المشكلة، ويبدو أن رولز "يريد من النظام الليبرالي أن يحاول قدر المستطاع، لأن المجال السياسي لا يتطلب الغوص عميقًا في الفلسفات المختلفة" (ص. 790). ثمة مقولات أو مبادئ مشتركة تقوم على "الحس المشترك" أو "الحس الشائع" تمكن من هذا الت قااي أو الحوار أو لاجماع. لكن المشكلة الكبرى، كما يعبّر عنها عزمي بشارة، والتي تواجه مثل هذه الدعوات إلى الليبرالية السياسية، هي "أن المجتمعات ليست مؤلفة من مجموعة أفراد، فإنها لا تقوم على العقل والحرية، فالمجتمع يكاد يكون ظاهرة دينية (..) ويتطلب تماسك المجتمع تخيله كجماعة ذات سمات وطقوس وأعراف مقدسة هي أساس الوطنية والقومية في عصرنا (..)". أمّا المشكلة الثانية، فإنه "يصعب ممارسة الحرية الفردية السياسية والمدنية التي هي الديمقراطية الليبرالية في مجتمع لا تنتشر فيه ثقافة ديمقراطية، يصعب فيها على الفرد تحمّل مسؤوليته كمواطن، ولا تتفق فيه القوى السياسية، دينية أكانت أم علمانية، على قواعد اللعبة الديمقراطية" (ص. 807). ولا شك أن هذه هي المشكلة المعضلة التي تواجهها مآزق التحوّل الديمقراطي ببُعديها الليبرالي والعلماني في المجتمعات العربية. يتابع عزمي بشارة عرض أفكار هابرماس في هذا السياق، فيرى أن هابرماس مثّل أنموذجًا

آخر عن التيار الذي دفعت به الظروف الجديدة إلى تطوير الفكر العق نااي التنويري عبر "توليفة" تجمع بين أفكار المنفعية والبراغماتية والماركسية والفيبرية والنظرية النقدية، "لتنتج تصورات لأفكار الحرية والعدالة والتواصل". وقد اقترح هابرماس أساسًا جديدًا للمجال العمومي يشرعن السلطة السياسية عبر الحوار العق نااي، وهو يسعى لتأسيس الديمقراطية من خارج آلياتها البيروقراطية الممأسسة عبر إحياء المجال العمومي (تغيير بنية المجال العمومي 962.)1 وتتابع أبحاث هابرماس لتطوير فكرة المجال العمومي وتعميقها في كتابين لاحقين: نظرية الفعل التواصلي 981(1)، والوقائع والنفاذ 1).992(وإذ اعتبر هابرماس أن التنوير مشروع غير مكتمل وأن حل أزماته لا تقتضي التخلي عنه بل إكماله، رأى أن الحل هو في "العقلانية التواصلية" كبديل من العقلانية الأداتية التي كانت موضوع انتقاد كثيرين، ولا سيما من جماعة ما بعد الحداثة. كما أن هابرماس يقف ضد المحاولات المعاصرة لإحياء ال هااوت السياسي لكارل شميت "والمشحون بالحملات الدينية الآتية من القرن السابع عشر، مرحلة نشوء الملكيات المطلقة (...)" (ص. 815) أمّا موقفه من الدين، أو موقع الدين في مشروعه الفكري، فقد تدرّج لاهتمام به بفعل ضغط الأحداث العالمية المشبعة بالأبعاد الدينية، كما يشرح ذلك عزمي بشارة، لينفذ إلى الموقف التالي: "ضرورة أن يحترم العلمانيون رؤية المتدينين وزاوية نظرهم عند مقاربة الأمور، والعكس أيضًا صحيح" (ص. 816) ي حظ عزمي بشارة أن المجتمع الذي يوفر إمكانية تعايش كهذه هو مجتمع ما بعد علماني، "وهو عند هابرماس ممكن في دول علمانية فحسب". والجديد في الأمر هو "قبول التعددية وشرعية المساهمة الدينية في المجال العام، كثقافة لجماعات غير علمانية" (ص. 816). إذًا، يؤكد هابرماس في كتاباته المتأخرة "ضرورة تطوير موقف ما بعد علماني يأخذ في لاعتبار حيوية الدين في المجتمعات المختلفة، ولا يهمل إنجازاته المتراكمة على مستوى الهوية والأخلاق معًا" (ص. 817). وكامتداد لهذا الرأي، يقرأ عزمي بشارة معارضة هابرماس لأصوليتين: العلمانية التي ترى أن الحداثة انتصار العقل على الجهل، والدينية التي ترى في الحداثة حالة انحطاط (...) وابتعاد عن الدين والروحانية. في السياق نفسه، يستوقف عزمي بشارة أيضًا نقاشان آخران مع هابرماس حول أفكاره، أولهما نقاش هابرماس والبروفسور ماتسنغر في سنة 0042، أي قبل سنة واحدة من ترسيم هذا الأخير حبرًا أعظم (بنديكت السادس عشر)، وثانيهما (0092) نقاش بين هابرماس والمفكر الكندي تشارلز تيلور (مؤلف كتاب المتخيلات الاجتماعية الحديثة ‏)5. وفي هذا النقاش، يتوافق هابرماس مع رولز في التمييز بين علمنة الدولة وعلمنة المجتمع؛ فهو يفسح في المجال للمساهمة الدينية في المجال العمومي، ويقف موقفًا حادًا من إعادة تقديس الدولة وضد أي محاولة لاستعادة ثيولوجيا سياسية، بأي حجة، ويرى أن التعبير عن هذه المساهمة الدينية في المجال العمومي يجب أن يكون بلغة مفهومة للجميع "لا لأتباع العقيدة أو الديانة التي باسمها يتكلّم الفاعلون فحسب" (ص. 822) لكن ما يسمّيه هابرماس لغة العقل العام (أو العمومي) أثار نقدًا لدى تشارلز تيلور؛ فهذا الأخير اعترض على مفهوم العقل العمومي، لأنه يرى أن التخي ت لاجتماعية الحديثة تتشكل بواسطة النظام الأخلاقي الحديث. وهي لا تمثل مجموعة من الأفكار، بل تمثل "ما يجعل

ممارسات المجتمع متاحة عبر استخلاص معنى لها". يعلق عزمي بشارة: "خلافًا لرولز وهابرماس، يرى تيلور أن الدين لا يفترض أن يشكل حالة خاصة، والتركيز عليه يعود إلى ظروف تاريخية ما عادت قائمة. لا حاجة إلى الهوس بالدين تحديدًا، ويكفي الحديث عن العقائد بشكل عام، دينية كانت أم دنيوية، ولهذا فإن الأنظمة التي تستحق صفة علمانية لا يُفترض أن تُفهم بوصفها متاريس ضد الدين، لكن بوصفها تلك التي تستجيب للتنوع الداخلي للمجتمعات الحديثة" (ص. 823) كثيرة ومتعددة هي النقاشات وأوجه الخ ف بين المفكرين المعاصرين بشأن ما آلت إليه الصيرورة الفكرية للحداثة والتنوير ولليبرالية والعلمانية، والتي يعرضها ويناقشها عزمي بشارة في هذا الفصل، لكن ملاحظةً للباحثة الإيطالية نادين أوربيناتي N. Urbinati) (تستوقفه وهي تشير إلى التجربة الإيطالية في علاقة التعامل مع اللغة والقيم والفضاء العام والإقناع، في موضوعة القوانين وتحريرها وقبولها، ومفاد هذه الملاحظة هو "أن شروط المفكرين لا تكفي، لأنها كلها شكلية، والديمقراطية ليست مجرد شكل، بل يجب أن يرافقها التزام قيم معينة، ومنها التمييز الواضح بين القانون المدني والقانون الكنسي أو الديني... إلخ" (ص. 826) والنص يشير إلى اخت ف الخصوصيات واخت ف الأمكنة والبيئات والمجتمعات، وبالتالي لاخت ف في الخبرات والتجارب التاريخية. لذا، يكتفي عزمي بشارة في هذا المجلد بعرض ونقاش عينات ونماذج من هذه الصيرورة الفكرية الطويلة المدى زمنيًا، والواسعة الحقل مكانًا، والمتعددة التعابير فكريًا وفلسفيًا وأدبيًا، ولكنها المحتاجة إلى رفدها بالخبرات التاريخية المتمثّلة في النظريات العينية والخبرات التاريخية الفعلية، وهذا هو موضوع المجلد الثاني من هذا الجزء: العلمانية ونظريات العلمنة.

الهوامش

  1. القسم المتعلق بعالم الإس ماا والعرب سيكون الجزء الثالث من المشروع، وهو الآن - كما أشار المؤلف ‏ - قيد الإعداد.
  2. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، 2 ج، ج:1 الدين والتديّن، ط 2 منقحة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0132)؛ ج 2 في 2 مج، مج:1 العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 015 2)، ومج:2 العلمانية ونظريات العلمنة (بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات،.)2015
  3. تأكيدًا لهذا المنحى في التفسير، نرى رجال دين مسلمين منغمسين في شأن الدنيا والسياسة يعلنون على الم "أن الإس ماا دين علماني"، منهم، على سبيل المثال، السيد محمد حسين فضل الله.
  4. سبق أن أشرت إلى هذا الموقف وشددت عليه في مقدمة كتابي الفقيه والسلطان (...) عندما ناقشت رأي كلٍ من المستشرق برنارد لويس والكاتب الإسلامي محمد عمارة، وهو رأي يردد الحجة نفسها، "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" لإثبات علمانية المسيحية أو قابليتها للعلمانية، وعدم قابلية الإس ماا لها، وهي حجة تتهافت تاريخيًا في التاريخ المسيحي كما في التاريخ الإس مااي. انظر: وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في ايران، الصفوية - القاجارية والدولة العثمانية، ط 2 منقحة (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 0012)، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، انظر: وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين، العثمانية والصفوية - القاجارية، ط 4 (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0152)، ص 15.)31-
  5. صدر عن المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، بترجمته العربية: تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، ترجمان (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015