Return to Article Details الغير وسيطًا لمعرفة الأنا في الرحلة الأوروبية

الغير وسيطًا لمعرفة الأنا في الرحلة الأوروبية

بوشعيب الساوري

* أستاذ باحث في الرحلة.

الملخّص

انطلاقًا من مقولة سارتر الشهيرة "الغير هو الوسيط الذي لا غنى عنه لمعرفة ذاتي وباعتبار الرحلة انتقالً إلى مجال الغير وثقافته، فإن أنا الرحالة لا تتجلى و لا تتحقق إلا باللقاء مع الغير؛ إذ ليست لدى الرحالة ،أيضًا، سوى إمكانية وحيدة ليتعرف إلى ذاته، ويتحقق ذلك عبر نظرة الغير إليه ونظرته إلى الغير؛ فال "هناك " ليست كفضاء بعيد وإنما كخارج الذات هناك حيث يتم اللقاء مع الغير عبر الخروج من الذات لفهم الغير في اختلافه، وأيضًا لفهم الأنا. وحتى نتمكن من الكشف عن ذواتنا وذوات الآخرين وعبر الحوار، يمكن أن نفتح إمكانات قبول الاختلاف.

الكلمات المفتاحية:
  • الأنا
  • الغيرية
  • الحوار
  • وسيط الأنا

انطلاقًا من مقولة سارتر الشهيرة "الغير هو الوسيط الذي لا غنى عنه لمعرفة ذاتي"‏1، وباعتبار الرحلة انتقالً إلى مجال الغير وثقافته، فإن أنا الرحالة لا تتجلى ولا تتحقق إلا باللقاء مع الغير؛ إذ ليست لدى الرحالة، أيضًا، سوى إمكانية وحيدة ليتعرف إلى ذاته، ويتحقق ذلك عبر نظرة الغير إليه ونظرته إلى الغير؛ فال "هناك" ليست كفضاء بعيد وإنما كخارج الذات‏2، هناك حيث يتم اللقاء مع الغير عبر الخروج من الذات لفهم الغير في اختلافه، وأيضًا لفهم الأنا. وحتى نتمكن من الكشف عن ذواتنا وذوات الآخرين وعبر الحوار، يمكن أن نفتح إمكانات قبول  لاختلاف. وبالتالي، يبقى لانتقال نحو الغير لا غنى عنه لتشييد "أنا" الرحالة وهويته وإعادة اكتشافها. ولا يتحقق اللقاء مع الغير إلا بالعودة إلى الذات، وبشكل معكوس لا يتم تشييد فكر الأنا إلا بعد المواجهة مع المختلف، باعتبار أن الرحلة مجال لتجلّي الهوية الثقافية، انطلاقًا من حضور الإنسان وتفاعله وتصاديه مع الغير. ويقود هذا التفاعل أحيانًا إلى لانشداد إلى الهوية والتمركز حولها، ويقود أحيانًا أخرى إلى خلخلتها وانفتاحها بتوجيه من الوعي ب لاختلاف. لا تحدَّد الرحلة، إذن، باعتبارها انتقالً في الزمان والمكان فقط، بل بكونها أيضًا، وبشكل خاص، تماسًا مع الغير واكتشافًا له، بما يتيح الفرصة لأنا الرحالة لاكتشاف ذاتها أيضًا، وإعادة النظر في تمثّلها للغير وعالمه، وتكسير الثابت في نظرتها إلى العالم والأشياء. نحاول في هذه الدراسة إبراز كيف يُشيد الرحالة المغربي والمبعوث المخزني والتاجر والفقيه الحجوي (1874 - 956 1)‏3، في رحلته إلى أوروبا في بداية القرن العشرين، الهوية المغربية انط قااًا من تصادمه مع الغير، ومنجزه الباهر والصادم ووعيه بالهوة الفاصلة بينهما، وكيف انعكس هذا التحول الملموس على تشييد صورة الغير، وعلى لاستراتيجيات السردية والخطابية التي اختارها لتشخيص ارتحاله وتفاعله مع الغير، وإظهار كيف أن الحجوي، باعتباره واحدًا من الإص حيين

العرب، أدرك الغير، سواء الأوروبي أو غير الأوروبي، وتمثّله.

إرادة المعرفة

باعتبار الحجوي ينتمي إلى الخطاب الإصلاحي، لا غرابة في أن يعتني بالجانب المعرفي ويتطلع، باهتمام زائد، إلى فهم منجز الغير الناتج، في الغالب، من التقدم العلمي الباهر، والثناء، في أكثر من مناسبة، على أهمية العلم ودوره في التقدم الحضاري، والسعي إلى النهل منه. وما يؤكد هذا المسعى هو تحقيق الحجوي أمرًا جديدًا ومختلفًا في النصف الثاني من رحلته الذي خص به إنكلترا. وكانت رحلته تلك اختيارية، ولا سيما أنها لم تكن تحت ضغط أي إكراه رسمي، وهذا جديد بالنسبة إلى الرحلات السفارية المغربية نحو أوروبا؛ إذ كانت كلها بدافع رسمي يتمثّل في لاضط عاا بمهمة دبلوماسية. ويختار الحجوي الذهاب إلى إنكلترا بدافع من حُب المعرفة ولاكتشاف اللذين حفزهما ما قيل وما سُمع ليقودا إلى لاندهاش من منجز الغير، إلى درجة أنه صار عجيبًا لدى الرحالة. ويقتضي السفر إليه للكشف عن أسراره، بشكل مباشر، عبر العيان لا  لاكتفاء بالسماع. يقول: "فإني اخترت أن أذهب إلى لندرة ومنشيستر، لما أسمع عنهما من العجائب‏"4. ويبقى العلم والأخلاق التيمتين المهيمنتين على إدراكات الحجوي وعلى مشاهداته وما التقطه وما ركز عليه؛ فهو يعتبرهما قوة ما بعدهما قوة، انسجامًا مع مطمح الرحلة إلى المعرفة ولو اقتضى الأمر لانفتاح على الغير كضرورة تاريخية صارت ملحة اقتضتها المرحلة. تقود إرادة المعرفة الرحالة إلى التوقف عند أسباب تقدم الغير وتفوقه، والمتمثلة في خصلتين أساسيتين هما النظام والأخلاق، حيث يقول "ولولا هذا النظام وذلك الأدب لهلكوا‏"5، والكشف عن مكامن القوة لديه، من دون أن يفوت أي فرصة للتعمق في معرفته، ويستوقفه أمر زيادة ساعة من الليل في النهار فيقول: "وزيدت ساعة في هذه الحرب العظمى اختلسوها من الليل وزادوها في النهار لقصد لاقتصاد في الضوء وغيره‏"6. كما هو معلوم، رأى الرحالة الآخر واكتشفه، ويريد في خطابه أن يعيد، بالضبط، ما رأى وما ‏اكتشف7. ونلمس، بشكل جلي، رغبة ملحة من الحجوي في جعل القارئ يعرف ويتعلم، وفي أن يكون الآخر واضحًا لديه، ومعرفة أسباب قوّته وتفوقه. وحين يعجز عن معرفة تحول الغير وتشخيصه ونقله، يُرجع الأمر إلى القدرة الإلهية: "فما أقدر خالق الإنسان، وموفقه إلى إبداع ما يكل عن وصفه اللسان‏"8. فهناك إرادة لنقل معارف الغير إلى المتلقي، وهي تتحقق من خ لاا جعل القارئ يعرف عبر جعله يرى، لأن الغاية الإخبارية تبقى واحدة من السمات المميزة للمحكي الرحلي، إذ يتوجه الرحالة إلى القارئ ليجعله على علم بحصيلة ما رأى. ويتعلق الأمر بجعل القارئ يعرف الهناك المكتشَف، وذلك عبر استراتيجية العيان.

العيان

تمشيًا مع إرادة المعرفة التي وجّهت الرحالة، تبقى العين في النص الرحلي شاهدة على ما هو كائن، وتسمح، في الآن ذاته، ب لانتقال من

العالم المعروف إلى العالم المجهول‏9، وهو ما يفسر حرص الحجوي الكبير، وعن قصد ووعي، أن ينقل إلى قارئه ومتلقّيه ما يعرفه عن الآخر، مراهنًا على العيان كاستراتيجيا لكتابة رحلته. يقول: "ورأيت أن أقيد ما شاهدت في رحلتي هذه لإفادة أهل المغرب الذين لم يرحلوا ولم يعرفوا شيئًا من أحوال أوربا، ولم أرد أن أضخم رحلتي هذه بالتكلم على جغرافيات البلاد وتاريخها القديم والحديث‏"10، نظرًا إلى كون الرحالة شاهدًا بامتياز، انط قااًا من كونه رأى. يقول: "وما كتبت إلا ما رأيت"‏11. ويعلن، صراحة، عن رفض التمث ت والتصورات القبْلية التي تسبق الرحلة وفعل السفر قائً: "ويتصورونها بطريقة لا تنطبق على الحقيقة عند لاختبار"‏12، وهذا يؤكد الصراع الداخلي الذي كانت الذات تختزنه بين المرئي والمعرفة المسبقة، الأول يحفز الثانية، والثانية تحاول محو الأول‏13. تبعًا لذلك، لن تشيد صورة الغير انط قااًا من أنماط قبْلية أصلية عابرة للتاريخ، وإنما هي صورة تنبني على أساس العيان، ولا تتشكل إلا ب لاعتماد على تأثير منجز الغير في نفسية الرحالة؛ فهو منجز يفرض نفسه عليه ويجعله يتكلم بدلً منه، انطلاقًا من قوة المنجز الملاحظ وإبهاره ل نأأا، إلى درجة عجز اللسان عن القبض عليه والتقاطه. وهناك وعي بأهمية اللغة في فهم الآخر ومعرفته والوعي به. يقول: "ثم اعتذر بعدم معرفتي للغة القوم الذين أتكلم عن أحوالهم‏"14، والوعي بدورها في التواصل مع الغير. يقول: "إذن كان من الواجب أن نصحب معنا ترجمانًا‏"15. لكن الرهان على العيان لا يعني الغياب المطلق للسماع والذاكرة، وإنما يحضران فقط على سبيل المقارنة وليس لترميم شروخ الهوية، كما هي حال كثير من الرحالين السابقين عليه. وبذلك يرفض الحجوي وضع الغير في خانة واحدة ثابتة وإدخاله في إطار مُعَدّ سلفًا، ويبتعد عن التعميم ولاختزال ويترك العيان يشكل صورته. يبدو أن فعلي السفر والمقارنة غير منفصلين ‏داخل خطابٍ قطبُه هو لقاء الأنا بالغير16، ولا يمكن أن نعرف الأنا وهويتها إلا من خلال الغير، وتحضر صورة الأنا في المقارنة وإبراز أهمية الأنا. وفي رحلة الحجوي تصير الرؤية ‏هي الأداة الرئيسية للمقارن17.

لا ثبات لصورة الغير

ما ي حَظ على صورة الغير في رحلة الحجوي أنها ليست قبْلية وجاهزة وليست نمطية، وإنما تتأسس انطلاقًا من التفاعل مع الغير ولاحتكاك به، ومن طريقة تعامله مع الأنا، أي إنها مبنية على التجربة والمرئي والمعيش، وهي صورة بَعدية، أي بعد الرحلة وليست سابقة على فعل السفر. وما يؤكد هذا هو أن الغير ليس واحدًا وغير قابل للحصر داخل خانة واحدة وقالب جاهز، كما عوّدتنا الرحلات السابقة، وهي الكفر، فالفرنسي ليس واحدًا وهو ما يسجل التعميم ولاختزال. وجرى تشييد صورة الغير في رحلة الحجويتبعًا لإرادة المعرفة واسترتيجية العيان. كما نسجل غياب الدعاء على الغير وغياب نعته بالكافر، كما تعوّدنا لدى الغساني والعمراوي والفاسي، ونسجل تلاشي الخطاب العنيف تجاه الغير. ولكن يحضر بعض الأحكام الأخ قااية التي تلجم انفتاحه، خصوصًا تبرج النساء: "ولا سيما النساء فقد خلعن ربقة الحياء وتبرجن

تبرجًا لا يتصور فوقه إلا فساد الحيوانات في الطرق جهارًا [...] فهذا شيء أفسد الأخ ق، ولا تستحسنه الأذواق‏"18. كما أنه يشير إلى تعصب الغير وتسامح المسلمين، حين تضايقه نظرات الإنكليز إلى لباسه ولباس من كان معه، فيرد قائً: "فما أشد تعصبهم، وما أحسن تسامح المسلمين الذين لا يعيبون على الغريب شيئًا‏"!19. يطلع الخطاب بشأن الغير بقيمة ديداكتيكية، انط قااًا من هدف استراتيجي وضعه الرحالة، ولو أنه لا يعلنه، وهو ضرورة لاستفادة من منجز الغير، وذلك بالإقبال على العلم. ويتضح ذلك في تركيزه على أهمية العلم وحسن النظام لدى الغير: "ولقد أعانهم على هذا وذاك اقتدار رجالهم العظماء وسعة معارفهم مع علومهم وكمال النظام في الأعمال والأحكام، وما فطر عليه أهلها عمومًا من الشغف بالنظام في كل شيء، وإتقان كل عمل يأتونه، وعلو الهمة في الترفه وحب الجمال والتظاهر بالكمال، والهيام بالعلوم والمعارف. وأساس ذلك كله هو العلم، فالتعلم عندهم إجباري على الرجال والنساء‏"20. ويقول عن أهمية العلم: "فعلمنا أن الرياسة ليست بكبر سن ولا بعظمة جثة، وإنما يستحقها من له مزيد من علم ومعرفة"‏21. ويشيد بالأخ ق الحسنة للغير: "وقابلنا مقابلة لطف وأدب"‏22، مستحسنًا قيم الغير الأخلاقية والعلمية، ومحاولًالتماهي معها، ومتمنيًا لو كانت لدى الأنا. وكما يقول تودوروف: لا يفقه الرحالةُ الآخرين إلا بالقياس إلى حاجاته الخاصة‏23، فشُكلت صورة الغير على أساس أنه متمكن من المعرفة والنظام وحسن المعاملة. وما يفتقر إليه الرحالة في مجتمعه هو ما يوليه أهمية، أي العلم والمعرفة التي تمكّن مجتمعه من مواكبة الركب الحضاري. ويترجم ذلك في استغرابه تقدم اميركا السريع على الرغم من حداثة استق لااها. يقول: "ففي مدة قرن ونصف تبلغ أمة حديثة لاستقلال هذه العظمة؟ إنه لشيء عجيب‏"!24. ويقول في مكان آخر: "هذه أمة جاءت في الزمن الأخير ألّف علماؤها هذا العدد من الكتب [...] فما أعظم مدارك البشر إذا كان عائشًا في جو صاف يستنشق فيه هواء الحرية المطلق، ويتغذى بلبان العلم والتهذيب‏"!25، وفي ذلك تصريح غير مباشر وتلميح إلى الوعي بتأخر الأنا في مقابل تقدم الغير، لأن "كل صورة تنبثق عن إحساس، مهما كان ضئيلً، بالأنا، مقارنة مع الآخر وبالهنا مقارنة مع مكان آخر‏"26. الرحالة لا يكتفي بوصف الغير، وإنما يحكم عليه أيضًا، وأحكامه ذات أهمية كبرى بالنسبة إلى وعي الرحالة بذاته وبالتحول الذي طاول صورة الغير إلى ما هو إيجابي وصورة الأنا أيضًا إلى ما هو سلبي، وهو ما يجعلها موضوعًا للنقد. ولم تعد صورة الغير قائمة في الماضي، وإنما باتت مؤسسة على الوعي بالحاضر وبالمنجز الذي يقف دليً على تفوّق الغير على الأنا، وذلك على المستويات العلمي والتقني والسلوكي، وبالتغير الحاصل وثبات الأنا أمام تقدم الغير. على العموم، جاءت صور "الغير" إيجابية ومتغيرة ومتعددة في عمومها، وبعيدة عن الصور النمطية الجاهزة التي كانت مهيمنة على الخطاب الرحلي السفاري، وذلك انطلاقًا من هيمنة المرئي على المروي بالحضور ال فاات للعيان على السماع، والذي كان خيارًا واعيًا. وقد جعل الحجوي

يتجاوز الموقف الرافض ل خآآر والحكم عليه بالسلب ولانطواء على الذات، بحجة الخوف عليها من الذوبان ولانصهار، ويعانق ع قااة جديدة أساسها قبول الآخر ولاعتراف به بحجة الضرورة التاريخية التي تقتضي لانفتاح على الغير وفهم سر تقدمه، وذلك في إطار الوعي بتخلف الأنا، نظرًا إلى اندراجه ضمن الخطاب الإص حي الذي لم يرفض الغرب بل حاوره ‏ودعا إلى لاقتباس منه27. كما نلمس في رحلة الحجوي، إلى حدّ ما، نوعًا من التسامح في النظر إلى الغير، بلغة هنري باجو، وب لاعتراف بالآخر باعتباره متميزًا ولا يمكن ‏لاستغناء عنه28، لأن تكوين صورة عن الذات لا يتأتى إلا بحضور الغير، بلغة سارتر؛ فنلاحظ أن الحجوي يحاول، في كثير من الأحيان، تقبُّل الآخر كما هو، والبحث عمّا يمكن أن يستفاد منه، والبحث عن جميع التأثيرات التي تأتي من ‏الغريب29، والإقرار باخت فااه عنا. يقول: "إلا أن المنتقد له أن ينتقد أمورًا لا تناسب الأخ ق العالية ولكن علم كل أناس مشربهم‏"...30، والأمر "يتعلق بمعرفة الغير في اخت فااه"‏31. ويؤكد الرحالة أن الغير متحرك ومتغير، ولم يعد ثابتًا، كما تصورته جُل النصوص الرحلية السابقة على رحلة الحجوي، وأيضًا الثقافة السائدة، وإنما الأنا هي التي صارت ثابتة في مقابل تغير الغير، وكأن الحجوي يؤكد أنه لكي نتغير إلى الأحسن علينا أن نقر بتفوق الغير وتميز منجزه الذي صار يبهرنا.

الأنا في مرآة الغير

ينبني محكي الرحلة انط قااًا من نقطتي معْلم هما: أولًالرؤية وبعد ذلك التذكر، وكل رحلة محكومة بهذين الفعلين‏32؛ إذ يتحول الشيء المرئي إلى شيء مدرَك، فيترك فعل الرؤية مكانه لفعل المقارنة، وذلك من أجل رؤية الغير‏33، وأيضًا رؤية الأنا من خ لاا رؤية الغير، وكما يقول باجو: "إنني أنظر إلى الآخر، وصورة الآخر، ينقل نوعًا من الصورة عن هذه الأنا التي تنظر وتتكلم وتكتب‏"34، لأن الصورة فعل ثقافة وممارسة إناسية للتعبير عن الهوية والغيرية ‏في الآن ذاته35؛ فالصورة ترجمة ل خآآر وهي أيضًا ترجمة ذاتية ‏36، باعتبار أن الآخر محفز للرحالة على تشكيل صورة الأنا أو استحضارها، ومحاولة فهم السر وراء تقدُّم الغير في مقابل تخلّف الأنا، بالحرص على لابتعاد عن الصور النمطية التي تكون عادة عائقًا أمام تحقيق هذه الغاية. وبجعل من رحلته خطابًا نقديًا للذات، كان رهانه الأساسي، للوعي بأسباب تقدم الغير، هو لانط ق من فكرة مؤداها أن معرفة الأنا لا تتأتى إلا بحضور الغير، فالوعي بالغير يقود الأنا إلى معرفة ذاتها، كما هي لا كما كانت تعتقد أنها هي. لذلك يتساءل تودوروف: "أليس من الواجب علينا معرفة اللاأنا لكي نفهم الأنا؟‏"37، باعتبار أن الرحلة هي نقلة إلى الآخر وانتقال إليه وإلحاح على تقديمه هناك ومقارنته بوضع الأنا ‏في اختلافها المعرفي والفضائي38، وكما يقول غادامر: "أن نكون منفتحين على الغير يتضمن بأن أقبل بتركه يؤكد لي شيئًا معارضًا لي‏"39. يتخلى الحجوي، بوعي، عن المنطق الدفاعي المقاوم الذي يعمل، ما أمكن، على تحسين صورة الأنا وتزيينها، ولو اقتضى الأمر بعثها انطلاقًا من ترميم تقيمه الذاكرة، ليقدم لنا صورة للأنا موسومة بالنقد انطلاقًا من صورة الغير، لأن

الغير طريق إلى الوعي بالذات بقدر ما يوقظ ‏الذات على حقيقتها40. يقر الحجوي بتأخر الأنا، ويحاول الكشف عن أسباب هذا التأخر: "عجبًا لكم، ما حصل ملل لمن ألّف أو كتب أو طبع أو سفر أو ادخر أو بنى أو رصف أو جنس [...] ف أمل في ارتقاء من به داء الملل، فالملل آفتنا العظمى وسبب من أسباب تأخرنا وتقدم غيرنا، إنا إذن لمن العاجزين‏"41. يعكس هذا تبصرًا بعيوب الذات وبكل ما يجعلها عاجزة عن فهم السر وراء تقدم الغير وتخلّفها. ويتعلق الأمر بصورة الآخر المغربي الذي يرفضه الرحالة ويحاول استبعاده، وهذا ناتج من الرجّة التي تركها "الغير" الأوروبي لدى الرحالة وجعله يعيد النظر في الأنا التي لم تعد وحدة متجانسة، بل صارت تتضمن آخرها الذي صار موضوعًا للوم والعتاب، والذي يصل إلى حد التأنيب كما في النص أعلاه. تتأسس صورة الأنا في رحلة الحجوي انط قااًا من مجموعة من الح لات لانفعالية التي يعيشها الرحالة في أثناء مشاهداته: دور العلم والنظام وحسن الأدب في تفوّق الغير في مقابل تخلّف الأنا: في محاولة الحجوي استيعاب اللحظة التاريخية عبر الإقرار بتفوق الغير على مستوى العلم والنظام وحسن المعاملة، وإشادته بدور هذا الثالوث في رقي الأمم، يقر بتخلّف الأنا، فيقول: "بذلك ارتقى مجموع الأمة من الحضيض الذي وقع فيه مجموع الأمم الغير متمدنة التي لا يعرف غالب أفرادها كتابة ولا أدبًا ولا حسابًا ولا ولا... كأهل المغرب الأقصى مث‏"42، وأيضًا في المبادرة الفردية التي تغيب لدى الأنا. يقول عن دور الجمعيات ونوادي العلم في فرنسا: "وهم لا يتكلون على الحكومة في كل شيء مثلنا، ولا سيما في العلم الذي هو أهم ما يهم‏"43، وفي التآلف بين الموظفين الفرنسيين، وهو أمر مفتقَر إليه لدى الأنا، يقول: "وما أحقنا أن يتآلف بعضنا بعضًا‏"44. الصورة الغالبة على الأنا في الرحلة هي أن ذات الرحالة موضع استغراب بالنسبة إلى الغير؛ إذ بيّن الرحالة، في أكثر من مناسبة، أنه أصبح موضع استغراب وفرجة، وخصوصًا من لباسه "يتعجبون من لباسنا كأن الإنسان ما خرج من بطن أمه إلا باللباس الأوربي‏"45. وهناك صورة أخرى مهيمنة على جل مشاهداته الحجوي وهي صورة المندهش من الغير ومن منجزه، على اعتبار أن "الآخر قد يمثّل الجدة فيبهرنا بغيريته‏"46. وقد حصل هذا لانبهار بفرنسا بسبب التقدم العلمي والمخترعات كالهاتف والمصعد والكهرباء. يقول عن باريس: "وبالجملة فباريز دار العجائب ومجمع الغرائب‏"47. وقد تمثل هذا في لانبهار أيضًا بالصناعة والتجارة والأخ ق لدى الإنكليز، ويقوده انبهاره إلى محاولة فهم سر نجاحهم في التجارة، فتبهره البنية التحتية. يقول: "وفي تلك المحطة ترى من الخطوط الحديدية فوق الأرض وتحتها، فترى قطارًا فوق قطار مما يدهش البال ويحير العقل‏"48 بالتركيز على عجائب المنجز ونظامه المحكم. ويتمظهر هذا لانبهار بشكل كبير في العجز عن الوصف: "ما لا نقدر على وصفه‏"49، ويصل لانبهار إلى لاندهاش: "فهناك يدهش اللب ويحصل الحيرة‏"50، وحين يعجز عن فهم ما يشاهده يحتمي بالقدرة الإلهية كوعي بالقطيعة والهوة الحضارية الفاصلة بين

الأنا والغير: "ويفهم العالم معنى قوله تعالى:

وهناك صورة أخرى نابعة من شهادة الغير الذي يعترف بالقوة العسكرية ل نأأا المغاربية؛ التونسية والمغربية والجزائرية، في إثر مشاركتها في الحرب العلمية الأولى إلى جانب القوات الفرنسية من خ لاا شهادة الجنرال غورو: "واعترف بما شاهده من بسالة الجنود المغربية والجزائرية والتونسية‏"51. تبعًا لذلك، تبقى رحلة الحجويوثيقة ذات أهمية كبرى، في سياقها التاريخي، فهي شاهدة على تغير في وعي الأنا بالغير وبذاتها، ولا تتحرج من نقدها أمام تفوق الغير وتعدد مزاياه على مستوى العلم والنظام وحسن الأدب.

تركيب

هكذا يتبين لنا أن تتبّع صورة الآخر وكيف يتمظهر لدى الأنا، هو أيضًا خطاب عن الأنا، وقراءة وتشخيص لها، وإبراز عوامل ضعفها مقارنة بالغير، باعتبار أن الفضاء الأجنبي يتيح ل نأأا إعادة اكتشاف ذاتها، ويجعلها تعيد النظر في هويتها وكيفية التعبير عنها، وهو ما سمح للحجوي بتجاوز منطق الصدام مع الغير والصورة النمطية المكرورة عن الهوية وعن الغير، أي هو إقرار بالتغير والتحول الذي طاول نظرتنا إلى الأنا، وكانت الرحلة لدى الحجوي بمثابة مسافة مكّنت الأنا من إعادة النظر في ذاته، وإعادة اكتشافها انط قااًا من الغير المختلف.

الهوامش

  1. Jean-Paul Sartre, L’Existentialisme est un human- isme , collection pensées (Paris: Nagel, 1965), pp. 66-67.
  2. Elizabeth Chalier-Visuvalingam, "Littérature et al- térité: Penser l’autre,"  Revue d’études françaises , no. 1 (1996), p. 158.
  3. محمد الحجوي، "الرحلة الأوروبية،" في: سعيد بنسعيد العلوي، أوروبا في مرآة الرحلة: صورة الآخر في الرحلة المغربية المعاصرة، دراسات في الأدب الجغرافي، ارتياد الآفاق (أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ عمان: الأهلية للنشر والتوزيع،.)2006
  4. المصدر نفسه، ص.169
  5. المصدر نفسه، ص.179
  6. المصدر نفسه، ص.121
  7. Véronique Magri, "Le Discours sur l’autre à travers quatre récits de voyage en Orient," L’Information Gram- maticale , vol. 63, no. 1 (1994), p. 47.
  8. الحجوي، ص.114
  9. Bernard Fernandez, "L’Homme et le voyage: Une connaissance éprouvée sous le signe de la rencontre," p. 16, sur le site: <www.Marco-Polo.org>.
  10. الحجوي، ص.121
  11. المصدر نفسه، ص.181
  12. المصدر نفسه، ص.114
  13. Roland Le Huenen, "Le Récit de voyage: L’Entrée en littérature," Etudes littéraires , vol. 20, no. 1 (Prin- temps-Eté 1987), p.49.
  14. الحجوي، ص.114
  15. المصدر نفسه، ص.193
  16. Mehmet Emin Özcan, "Voyager et comparer: Le Rôle du récit de voyage dans la formation de l’esprit comparatiste," Hacettepe Üniversitesi Edebiyat Fakülte- si Dergisi , vol. 20, no. 1 (2003), p. 33, sur le site: <http// WWW.Edebiyatdergisi.hacettepe.edu.tr/2003201Meh​ met Emin ÖZCAN.pdf>.
  17. المصدر نفسه، ص.39
  18. الحجوي، ص.145
  19. المصدر نفسه، ص.188
  20. المصدر نفسه، ص 129 -.130
  21. المصدر نفسه، ص.118
  22. المصدر نفسه، ص.126
  23. ت. تودوروف، "الرحالة الحديثون،" ترجمة حسن الشامي، الكرمل، العدد 35 (9901)، ص.168
  24. الحجوي، ص.125
  25. المصدر نفسه، ص.147
  26. دانييل - هنري باجو، الأدب العام والمقارن، ترجمة غسان السيد (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 9971)، ص.91
  27. 7(2) سالم يفوت، " لاستشراق، وعي بالذات من خ لاا الوعي بالآخر،" أيس (الجزائر)، العدد 2، السداسي الأول (0072)، ص.45
  28. H.G. Gadamer, Verite et methode; les grandes lignes d'une hermentique philosophique, Ed. Seuil, (Par- is, 1976), p.27.
  29. علي حرب، التأويل والحقيقة: قراءات تأويلية في الثقافة العربية، ط 2 (بيروت: دار التنوير، 0072)، ص.56
  30. باجو، ص 108 -.109
  31. Chalier-Visuvalingam, p. 139.
  32. الحجوي، ص.147
  33. الحجوي، ص.145
  34. المصدر نفسه، ص.130
  35. Chalier-Visuvalingam, p. 134.
  36. المصدر نفسه، ص.130
  37. Özcan, p. 37.
  38. المصدر نفسه، ص.136
  39. المصدر نفسه، ص.38
  40. المصدر نفسه، ص.187
  41. باجو، ص.92
  42. المصدر نفسه، ص.57
  43. المصدر نفسه، ص.93
  44. المصدر نفسه، ص.156
  45. المصدر نفسه، ص.98
  46. المصدر نفسه، ص.184
  47. تودوروف، ص.168
  48. المصدر نفسه، ص.120
  49. 8(3) عبد النبي ذاكر، الواقعي والمتخيل في الرحلة الأوروبية
  50. المصدر نفسه، ص.136 (51) المصدر نفسه، ص.184 (52) المصدر نفسه، ص.165
  51. إلى المغرب (أكادير: جامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم
  52. الإنسانية، 9971)، ص.44