الأنطولوجيا النقدية للحاضر الإمبراطوري في فكر مايكل هاردت وأنطونيو نغري
A Critical Anthology of the Imperial Present in the Thinking of Michael Hardt and Antonio Negri
الملخّص
يُمثّل كتاب "إعلان. هذا ليس بيانًا" لأنطونيو نغري ومايكل هاردت واحدًا من أهمّ ما كُتب في الفلسفة السياسية بعد ما يُسمّى الربيع العربي. وفي هذا الكتاب تطفو شبكة من المفاهيم والأدوات المنهجية التي اعتمدها نغري بمعية هاردت لتحليل الإمبراطورية وأشكال السلطة والسلطة المضادة التي تُشكّل عالمنا اليوم وتعيد تشكيله. يُقدّم نغري وهاردت في هذا الكتاب المشترك، والرابع في مسيرتهما، وجهًا آخر للمقاومة، بل وجهًا جديدًا من داخل الإمبراطورية ذاتها: إنه الجمهور الذي يُجسّد تلك الكثرة من الفرادات والذوات المنخرطة في مسار التحرّر من نفوذ إمبراطورية العولمة الجديدة، والذي هو الشكل الميكروسياسي الجديد والوجه الثوري الوحيد القادر اليوم على الثورة، وحركته تكشف عن الرغبة الكبرى للجموع الإنسانية في التحرّر والانعتاق.
Abstract
Abstract: Déclaration. Ceci n’est pas un manifeste (English title, Declaration: this is Not a Manifesto) by Michael Hardt and Antonio Negri, is one of the most significant books to emerge on the political philosophy of the Arab Spring. In the book, Negri explains the key concepts and methods used by him and Hardt to analyze the concept of Empire, and the new forms of power and counter-power that are shaping and reshaping our world today. This is the fourth book co-authored by Hardt and Negri and builds on their previous writings on empire and multitudes.
- الإمبراطورية
- الفرادة
- الجمهور
- الذات
- الأنطولوجيا
- Multitudes
- Subjectivity
- Resistance
- Communism
- Globalization
إذا كانت العناوين Titres) Les) عتبات1 وبوّابات غير محروسة أو غير مُحصّنة من حيث إنها تترك دائمًا منافذ للقراءة والتأويل، وإذا كان العنوان يُمثّل أعلى اقتصاد لغوي ممكن من جهة أنه يلم شتات المقاصد المعبّر عنها في النصّ الذي يرافقه، وأخيرًا إذا كان العنوان جزءًا من المبنى الاستراتيجي لكل أثر أدبي أو فلسفي، فمن الضروري أن نتوقف عند عتبته واستنطاق دوال. ه هذا الإجراء أو الاقتضاء أملته ما انتهت إليه الدراسات السيميائية المعاصرة حين اعتبرت أن العنوان يُعدّ من أخطر البؤر النصّية التي تحيط بالمتن، إذ يُتيح للقارئ إمكانية التموقع في ردهات النص وأقبيته كلحظة أولى قبل الشروع في فتح مغالقه نظرًا إلى ما يحمله من معانٍِمؤجّلة من شأنها أن تحمي النصّ المؤوَّل من غزو القراءات المتسرعة. ربما لا يتحمل البحث التوسع في تفصيل ما يتضمّنه عنوان الكتاب الأخير لمايكل هاردت2وأنطونيو نغري3، نعني بذلك كتاب: Déclaration. Ceci n'est pas un manifeste (إع. ن هذا ليس بيانًا) من إكراهات، لذلك سنعمد إلى التركيز على الوظيفة الإيحائية المصاحبة4؛ فهذا العنوان يوحي في بنائه بضربٍ من التقابل بين
(La Fonction connotative attachée)
مفهومي الإع ناا والبيانوكأنه للوهلة الأولى يشدّد على نسف التجاور أو التماس الدلالي بينهما، ويرد لفظ إعلاننكرة، هاربًا من حدود التحديد وكأنه يروم البحث عن هويته في المتن بعيدًا عما لحق بمفهوم البيان في الفلسفة السياسية من ترسبات أيديولوجية بلغت أوْجها مع البيان الشّيوعيلماركس وإنغلز. البيانات كلها تَعد بعوالم بديلة تبدعها ذات سياسية تكون عادة مقهورة، وفي هذه البيانات تُحدَّد طبيعة الذات السياسية ويتعيّن موقعها في الصراع، وتَتشك ل الغايات والأهداف؛ ف« للبيانات سلطة الأنبياء القدامى القادرين على صنع شعب بواسطة قدرة رؤيتهم وحدها»5.
ذهب لوي ألتوسير إلى أن البيان يمثّل جنسًا من أجناس الكتابة، ورصد في إطار متابعته هذا المشكل أوجه تشابه بنيوية بين البيان الشّيوعيوكتاب الأمير لمكيافيلّي الذي اعتبره بيانًا سياسيًا، انطلاقًا من السّمات المميّزة لكل منهما، ذلك أن شكل الأطروحة في النصّين تُحدّده العلاقة بين الخطاب وهدفه؛ إذ «يقوم بيانا ماكيافيلّي وماركس- إنغلس، بعيدًا عن تراث العلوم السياسية وخارجها، بتحديد ما هو سياسيّ بحركة الجمهور، كما يُحدّدان الهدف على أنه الإنتاج الذاتي للذات»6. كما أن الخطاب ذاته هو حصيلة العلاقة الإنتاجية بين الذات والموضوع. ورغم أوجه الاخت ف في تمثّل طبيعة العلاقة بين الذات والموضوع، أي بين الجمهور والأمير عند مكيافيلّي وبين البروليتاريا والحزب الشيوعي عند ماركس وإنغلز، فإنها قادت الأول نحو مشروع أو حلم طوباوي على قاعدة ديمقراطية كفيلة بربط الذات بالموضوع، ودفعت بماركس وإنغلز إلى تتبّع مسار خط ي وحتمي يحكم التاريخ، وهذا ما جعل ألتوسير يخلص إلى أن النصين/البيانين على مستوى البراكسيس «يَعتبران الحاضر فراغًا يمأه المستقبل»7، أو هو «فراغ من أجل المستقبل»8.
لكن هل يكفي ما انتهى إليه هاردت ونغري من أن البيانات الحداثية ما عادت ملائمة لذات ما بعد الحداثة اليوم حتى ندرك مغزى العنوان « إعلان. هذا ليس بيانًا »؟ يبدو أن الأمر أعمق من ذلك كثيرًا؛ إذ إنه يعود إلى التحولات التي عصفت بالذات والموضوع في الزمن الإمبراطوري الجديد. ألم يكتبا في بواكير أعمالهما المشتركة أنه «يتعيّن على أي بيان، أي خطاب سياسي اليوم، أن يطمح إلى تأدية وظيفة نبوئية سبينوزية، وظيفة رغبة كامنة في الجمهور. ليس ثمة، أخيرًا، أية حتمية أو حلم طوباوي: إنها، بالأحرى، قوة مضادة جذرية، مرتكزة وجوديًا (أنطولوجيًا) لا على أي – فراغ من أجل المستقبل– بل على أساس النشاط الفعلي للجمهور، خلقه الإبداعي، إنتاجه، وقدرته – في غائية مادية»9. وحين ندفع بالسؤال إلى أرضٍ أخرى، يبرز سؤال آخر هو: هل يقتضي الاهتمام بمسألة الحركات الاجتماعية من الفكر اليوم أن يتعاطى معها على أنها إع نيشرّع لذاته في ضوءِ العرضي والطارئ والتصادفي والفوري والفجائي واللامحتمل، بعيدًا عن تخوم منطق الوحدة ومقولات التطابق وخط ية التاريخ، أي خارج الرؤى التقليدية التي كرّستها الحداثة ذاتها وأنتجتها؟ انتهى جميع أشكال العبور التي وعدتنا بها السرديات القديمة إلى مآزق، فانهزمت السرديات والأنساق الكونية، وانهزمت قصة التنوير والحكاية الكبرى للتغيير الماركسي للعالم، ولم يبق غير إعلان الحدث
الانتفاضي/الثوري/ المحايث للفعل السياسي الحاسم الذي تُنجزه الجماهير، فهذه «الحركات أعلنت استقلالً جديدًا وسلطة مؤسِّسة عليها تطويره »10. ليس هناك اليوم ذات طلائعية، بل هناك فائض من الوجود علينا تملّكه، و«ربما الأكثر أهمية هو أن الجماهير في منطقها وممارساتها كما في شعاراتها ورغباتها أعلنت مجموعة جديدة من المبادئ والحقائق»11. فإذا كانت البيانات يخط ها الفلاسفة والزعماء والأنبياء، فإن الإعلانات12 تبدعها الجموع الثائرة، ووحدها المبادئ والحقائق التي تتضمّنها إعلاناتهم تُعيد اكتشاف حزمة العلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض؛ فالإعلان وليس البيان هو ما يشكّل دائمًا أرضية تأسيسية لمجتمع بديل عمّا هو سائد. لكن، ألا يكون الإع ن بيانًا للكيفية التي أعلنت بواسطتها الحركات الاجتماعية شعاراتها ومبادئها وحقائقها الجديدة التي ستستأنس بها الجموع الفقيرة في وحشة طريق نضالها ولحظات صراعها من أجل الانعتاق والتحرر؟ ألا يكون الإعلان بيانًا يؤشّر على بطلان البيانات السياسية/التبشيرية/ النبوئية/ الجنائنية للحداثة؟ إن التفكير مع إع نهاردت ونغري هو ضرب من التعالق الفلسفي مع أوضاعنا الراهنة وما يخترقها أنطولوجيًا من آلام وأوجاع، وسياسيًا من عنف واستبداد، واجتماعيًا من حيف وظلم. إنه نصّ يسائل التاريخ على نحو إشكالي ليضيء قضايا الحاضر من دون أن يُغفل أن الحاضر ذاته لا يُشكّل مرجعًا أو طوق نجاة، ذلك أن قيمة التفكير في التاريخ تتحدّد قبل كل شيء في قدرته على التمثّل النقدي للحاضر بما يحمله من أشكال عنف وهيمنة محدَّدة في الزمان والمكان تَطرح على الفكر مسؤولية إبداع واستبصار أشكال مناسبة للمقاومة. وليس لهذا الفكر المعبّر عنه بصوتين مختلفين (هاردت ونغري) إلا أن يتّخذ شكل إع ن مسارٍ وعُدّة للترحال والسفر، حيث يكون الترحال حدثًا وعنوانًا لعلاقتنا التأسيسية بمقبلٍ يتأرّج في تربة الحاضر الذي منه وعلى امتداد قحطه الأنطولوجي وظلمته نستنبت أسئلة العالم كأفق محايثة وإطار مادّي لوجودنا لا يمكن تجاوزه، حيث يسكننا قدرًا ونأوي إليه فرادات موجوعة تُحدّد معالم مستقبله في كلّ آنٍوفي «عالم كلّ الناس هذا يرتفع النشيد التراجيدي للحرية وغناء الأرض وتراتيل الحياة وإيقاعات الأصوات التي لم تتّبع قطّ ما تخطّه المراسيم. فالذين ترتفع أصواتهم لا يطردون خوفًا أو ضيقًا بل هم يرسمون بأصواتهم كمترحّلين مسارب وسبل التقاء في الظلمة»13؛ ذلك أن «أشكال الصراع الجديدة والكيانات الذاتية الجديدة لا يتم إنتاجها إلا في أثناء وقوع الأحداث، في أوضاع النزعة البدوية الكونية الشاملة القائمة على الترحال الدائم»14. تلك هي بوصلة الكتابة التي وجّهت الرجلين، فهما يعيدان مع كلّ كتاب جديد صوغ القضايا والأسئلة ضمن محاور جديدة وإمكانات أخرى لتفاعل الفكر مع الحدث أو مع ما يقع إسكاته وإرجاؤه أو
تهميشه. في فلسفة نغري وهاردت أوتاد كثيرة تشدّ الكيان للكيان حتى يقول العالم الذي يَتشك، ل إذْ يُشكّله الإنسان في لحظة كايروس) Kairòs)15 متمردة على زمنها، تُواجه العالم وإنْ على جهة الضحك والاستهزاء؛ ف «هذا العالم غالبًا ما يكون فاقدًا للمعنى، لكن إذا تعذّر فهمه، فمن الممكن دائما الضحك عليه»16، وتلك هي صيغة الفرادة التي تُحدّثنا عنها هذه الفلسفة التي نُعت صاحبها الأول بشيطان السبعينيات17 وتأكّ د صاحبه هاردت في مفتتح الألفية الثالثة من ضرورة وأهمية الإصغاء جيدًا لشيطان الحبّ والفقراء، فكان أن اعتكف معه «على طرح متعة الوجود في مواجهة بؤس السلطة والنفوذ18. لا شك أن كتاب إع ن. هذا ليس بيانًا يُقدم إلى القارئ إضاءات بشأن مسار مشروع هاردت ونغري الفلسفي والسياسي، وهو مشروع يحمل مفهوميًا ما يُعرّي حقيقة واقع أزمنتنا وأوضاعنا الراهنة وما يسمح كذلك بالفعل فيه والتحرر منه. ولقد تشك لت ملامح هذا المشروع بصورة واضحة مع كتاب الإمبراطورية19 سنة 2000، حيث كشف هذا العمل عن الأشكال الجديدة للهيمنة وعن مظاهر الإمبريالية المعاصرة ومفاعيلها وحدودها عبر تقصٍّ جينيالوجي دقيق لمفهوم السيادة في أصولها وتحولّاتها كما في مسارات تشكّل إمبراطورية العولمة الجديدة التي أفرزت وجوهًا جديدة من المقهورين والمستعبدين وعديمي الهوية والجنسية، والإقامة في وضع ما بعد حداثي يتميّز بتداخل وتشابك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي. ولم يكن الأمر متعلّقا في هذا الكتاب بإعلان برنامج للفعل السياسي بقدر ما كان الهاجس هو تشخيص الحاضر وإعادة التفكير في مفاهيم السلطة
والمقاومة من أجل بناء قاعدة مفهومية لمشروع جمهوري20 جديد يمكّن المسحوقين من مواجهة الإمبراطورية أو الآلة المتوحشة للسلطة الحيوية. إن مشروع جينيالوجيا الحاضر وفكرة إنتاج الذاتية من داخل السلطة هما من ضروب الحدس القوي عند فوكو والتي سنجد صداها في تحلي ت هاردت ونغري في حوار حول فوكو بين الماضي والمستقبل: «بالنسبة إلينا نحن الذين نواصل اعتماد فوكو رغمًا عنه وأبعد منه، هذه هدية منه منحنا إيّاها بسخاء استثنائي»21، و«يكفي توسيع هذه الحدوسات حول إنتاج الذاتية ونتائجها»22 حتى ندرك أن تحليلات هاردت ونغري بشأن الليبرالية الجديدة وانعكاساتها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية مثّلت منفذًا لفضح البُنى والآليات المنتجة للبؤس والاغتراب الجديد؛ ففي كتاب إع ن. هذا ليس بيانًا يُحدّد الكاتبان أربعة وجوه للذاتيات السائدة اليوم تختزل الملامح الكبرى لأزمة، وهي «ذاتيات مَدينة وذاتيات مُؤَعلمة وذاتيات مُؤمَّنة وذاتيات مُنابة، الأولى يُخضعها المال والبنوك والثانية يُهيمن عليها الإع ماا وشبكات الاتصال والثالثة يَسلبها الخوف وتعميم حالات الطوارئ والرابعة يُشكّلها الفساد الديمقراطي ويُدعّم تَحييدها السياسي»23، وهي وجوه لا تعبّر عن تشكيلات اجتماعية منفصلة أو متمايزة بقدر ما تُعيّن وضعًا إنسانيًا مأزومًا تتضافر في إنتاجه هذه الوجوه مجتمعةً وفق إيقاع أنظمة معقّدة من العلاقات السلطوية التي تتحكّم في الذوات عبر تشكيل وعيها وأفكارها ورغباتها وتحنيط خيالها والتلاعب بأحلامها ومن ثمة توجيهها نحو فخاخ استراتيجيات يُحدّدها الساسة وأباطرة المال وكهنة الإعلام وتجّار الخوف.
ينتقي الكاتبان بدقة المفاهيم والمقولات الماركسية القادرة على تفسير ما يحدث بعد ماركس، ويُبدعان من المفاهيم ما يلائم عصر التحولات، لذلك لا يستخدمان كلمة إمبراطورية استخدامًا مجازيًا، فهذا المصطلح ليس مجرّد استعارة بل هو مفهوم له أسسه النظرية ودعائمه الوظيفية، وعبره تمك ن هاردت ونغري من إعادة التفكير في تطوّر صيغ الإنتاج اليوم والتعرّف إليه في بيوسياسةٍ تشمل جميع الأفكار والأفعال والرغبات في الحياة الاجتماعية، وتمثّ من خ لاا هذا المفهوم كيف توسّعت مسارات الاستغ لاا والاغتراب. فالإمبراطورية، كما وصّفتها هذه الفلسفة، تستند إلى غياب مطلق للحدود
التي تُقيّد سلطتها، وهي ليست كما الإمبريالية24 نسق غزو واجتياح، ولا هي مرحلة في مسار التقدّم وإنما هي سلطة خارج التاريخ أو فوقه وهدف حكمها هو الحياة الاجتماعية برمّتها (الإمبراطورية هي الصيغة النموذجية للسلطة الحيوية)، وهي تزعم السلام رغم واقع الحروب الذي رافقها في ظهورها ولازمها في مسارها، لذلك تُفهم الإمبراطورية على أنها نمط سيطرة ونظام تسلّط تفرضهما رأسمالية معولمة لا مركز لها. أدرك هاردت ونغري تحت وقع تأثير ماركس أن «عالم الإنتاج هو العالم الذي يتمّ فيه الكشف عن أشكال اللامساواة الاجتماعية بوضوح، فضل عن أن العالم الذي ينبثق منه يتضمّن أكثر أشكال مقاومة الإمبراطورية - وبدائل سلطتها وجبروتها فعاليةً – نجاحًا»25. أليست السلطة، كما انتبه إليها فوكو، هي فعل ذات على ذات أخرى؟ ألسنا اليوم في فضاء تتقاسم فيه السلطة المؤسَّسة (الإمبراطورية) والسلطة المؤسِّسة (الجمهور) الفعل وردّ الفعل؟ إن الوجه التأسيسي للجمهور هو ما يُرعب السلطة المؤسَّسة التي نشأت في سياق الخوف من الجمع. كما أن التفكير الدستوري الليبرالي برمّته قام على قاعدة الخوف من استق لااية الجمهور واقتداره، وحتى «نقد مفهوم السلطة المؤسِّسة الذي يعتمد على التعارض ‹مؤسِّس/ مؤسَّس›، سواء كان ذا إيحاء جدليّ أو حيويّ، هو زائف. فعلً، في حقبة ما بعد الحديثة، لا تستطيع السلطة المؤسِّسة معرفة هذا التعارض من حيث إنها تعطى بحسب المدّ الذي يستدرج المشترك للتكوّن ضد الفراغ على حافة الزمن، لأنها حاضرة دائمًا في عرض ذاتها لأبدي عرضًا يخصّها، فإنّ السلطة المؤسِّسة تنفي أن شيئًا ما يمكن أن يُعتبر مؤسَّسًا»26. ويرصد نغري في كتابه
modernité Le Pouvoir constituent, Essai sur les alternatives de)السّلطة المؤسِّسة، محاولة
في بدائل الحداثة)، وتحديدًا في الفصل السابع الذي يحمل العنوان «تقويم الاقتدار»، صيرورة التأسيس الذي لازم مفهوم السلطة مبدأً للعقلنة الشاملة وأدّى إلى أزمة فعلية لأنظمة السياسية الحديثة تمظهرت أساسًا في التنافر بين اقتدارات الجمهور وآليات الإدراج والتسويغ التي انتهجتها السلطة، وتاريخها
يكشف عن سعي الجمهور للتقوّم كذات مطلقة27 لسيرورة الاقتدار، ف «حركة السلطة المؤسِّسة لا تُستنفد - القوة ستواجه المصادفة دائمًا وما تزال، عمل المجتمع سيُكافح العمل الميت الذي تراكمه السلطة، لكّن السلطة المؤسِّسة تحيا وتستبق صيرورتها الخاصة في هذه الأزمة المتواصلة »28. واضح إذًا أن السلطة القائمة اليوم، سواءً في وجهها الحداثي أو في بُعدها البيوسياسي، لا تقوم إلا على الخوف من الجمهور. لذلك نفهم ل مَ تتناظر هيمنتها ومفاعيلها مع كلّ تحوّل تاريخي في الإنتاجِ الجمهوري الذي لا ينفكّ يُعاود في كلّ آنٍوحين تأكيد دور سلطته المؤسِّسة الحاسم والمبدع كطريق للخلاص جذريًا من بربرية السلطة الإمبراطورية ومساراتها، ولعلّ هذا ما قصده هاردت ونغري بأن «الوجوه الأربعة المغلوبة في المجتمع المعاصر تمتلك كلها القدرة على التمرّد وعلى الانقلاب إلى وجوه اقتدار. هذا الانقلاب ليس نتيجة لمسار ديالكتيكي ولكنه حدث وكايروس ذاتي يحط م علاقات الهيمنة ويقلب المسارات التي تُعيد إنتاج وجوه الهيمنة هذه. لا يتعلّق الأمر هنا بحدس نظري بسيط من جانبنا بل بصلاحية حقيقة مؤكّدة عبر دورة الصراع التي بدأت سنة 2011 والتي صنعت سلسلة كاملة من وضعيات تمرّد ومقاوم»29، حيث تنتشر وتنفتح أمام الجمهور زمانية مخصوصة تتجاوز الحرية المؤسِّسة للحدث الزائل، وتُحقّق سلطة الفقراء في ثورة دائمة، وديمومتها ستفك ك الوحدة المتناقضة للحدث والتاريخ وللمؤسِّس والمؤسَّس. هكذا تكشف مسارات الاحتجاج والرفض عن تصالب السلطة والاقتدار كما تكشف عن عجز النظام العولمي عن مراقبة العرضي والفجائيّ الذي تأتيه الجموع الثائرة في كلّ مكان: «ألا تجد تحولّات الرأسمالية ‹ندًّا› غير متوقّع في الانبثاق البطيء لذات جديدة بوصفها بؤرة مقاومة؟ ففي كلّ مرّة يحصل فيها تحوّل اجتماعي، ألا تكون هناك حركة انقلاب ذاتي بالتباساتها ولكن بطاقاتها أيضًا؟»30. فعً، هذه الأسئلة «الدولوزية» تحملنا حيث إمكان اجتراح خطوط المقاومة، وحيث إمكان قلب الذاتيات المستلَبة إلى ذاتيات مقاومة في رحم السلطة البيوسياسية الغاشمة؛ إذ من داخلها وعبرها وضدّها يكون التخريب مجديًا. يقول نغري: «إلى جوار السلطة هناك دائمًا الاقتدار، إلى جوار الهيمنة هناك دائمًا التمرّد... هناك حيث الناس يتأل مون، هناك حيث هم الأكثر فقرًا واستغلالً، هناك حيث اللغات والمعاني هي الأكثر انفصالً عن كلّ سلطة فعل، ومع ذلك حيث يوجدون: لأن كلّ هذا هو الحياة وليس الموت»31.
انطلاقًا من تفكيك مفهوم السلطة، يفهم هاردت ونغري المنطق الذي يحكم الحركات الاحتجاجية وأشكال الكفاح والصراعات المتصاعدة كمسار تأسيسي فعلي يهمّ هذا الجيل دون غيره، اقتفاءً بخطى الآباء المؤسِّسين الفرنسيين والأميركيين32؛ فمن حقّنا أن نستعيد العالم الذي سُرق منّا، بل من واجبنا أن نُعيد بناءه على أنقاض أوجاع وعذابات أزمنتنا، لأن «مثلما ثمّة زمن للاستغلال والاغتراب ثمّة زمن للمقاومة والتحرّر هو الذي تستعيده الحياة ضدّ الزمن الذي يستلبه الموت، زمن التحرّر هذا ليس أي زمن كان بل هو كايروس من حيث هو الزمن الحاسم أو الذي في أوانه، ومن حيث هو ما لا تسمح الحياة أنطولوجيًا بتراجعه أو بتراخيه أو بحلّه»33. في فكر هاردت ونغري يطفو مشروع الفعل المقاوم في قلب الإمبراطورية وضدها34، حيث يتوجّب على الجمهور التقاط الفرصة التاريخية المواتية واختيار شكل المقاومة الأنسب لمواجهة ما عرفته استراتيجيات السلطة اليوم من تحولّات جذرية؛ إذ «ليس مشهد الإمبراطورية عالمًا مصفّحًا بالفولاذ، بل هو مشهد يفتح أبواب الإمكانية الحقيقية لقلب ذلك النظام، ويوفّر طاقات جديدة لصالح الثور»35، ويجعلنا رغم المعاناة نستشعر طرقًا ونستبصر سبلً لتغيير اتجاه العولمة وطيّ أشرعة الرأسمالية بدفعها إلى أقصى منتهاها، حيث يتطابق مع سلطتها شكل المقاومة التي يُبدعها الفعل الجماعي للجمهور. يذهب الكاتبان إلى أن مصطلح الجمهور اتخذ في القرن السابع عشر معنى تقنيًا في الخطاب السياسي الشائع، لإشارة إلى الطبقة السفلى في المجتمع والمحرومة من الملْكية والحقوق والسلطة. كما اقترن هذا المفهوم بالفقر36 والجهل والعنف والفوضى، والتصقت به جميع النعوت الدونية، وبقي تاريخه محيِّرًا فلسفيًا لأن الخطابات والنصوص التي تناولته قليلة ونادرة، وأغلب مراجع الحداثة تعاطت معه بسلبية وحطّت من قيمته وسحبت منه حتى الوجود ذاته، ونظرت إليه كشتات أفراد تحكمهم النزاعات والفوضى، وهذا الشتات لا يتشك ل في جسم سياسي إلا من خ لاا الدولة التي تنفي وجود الجمهور ذاته، وهو ما تقوله فلسفات التعاقد التي انبنت على منطق المفارقة والتعالي؛ إذ نجد لدى هوبز تمييزًا واضحًا بين الشعب والجمهور، حيث إن الشعب وحدة وذو إرادة واحدة ويمكن أن ننسب إليه فعً محدّدًا، ولا شيء من هذا يُقال عن الجمهور الذي هو مجموع أفراد وإرادات غير متناغمة، وهو كذلك المجموع الإنساني الفوضوي وال مااتجاس
والذي يتوجّب السيطرة عليه حتى ينتظم في جسم سياسي37. ولتجاوز هذه الدلالات السلبية وإعادة بناء هذا المفهوم، يعود هاردت ونغري إلى خط مادي محايث اخترق تاريخ الفلسفة السياسية وتبلورت حدوساته الأولى مع مكيافيلّي وتكثّفت مع سبينوزا وتعمّقت مع ماركس، وستكون افتراضات سبينوزا بشكل خاص حاسمة في تشكّل الدلالات الأنطولوجية لمفهوم الجمهور عند الكاتبين38.
لمتابعة هذه المسألة، سنتوقف حيث توقف هاردت ونغري عند بعض التحديدات السالبة، أي في ما لا يكونه الجمهور أو في ما ليس هو؛ ف «نحن نعرف مسبقًا ما لا يكونه الجمهور: هو ليس الشعب أي وحدة مبنية من خلال السلطة السيادية، وهو ليس طبقة أي وحدة مبنية من خلال الاستغلال الرأسمالي، وهو ليس قومية أي وحدة مبنية أيديولوجيًا من طرف السلطات ذاتها وموجّهة ضد الأعداء في القوميات الأخرى. لكنه ليس كذلك مجرّد حشد لا متمايز: على العكس من ذلك، هو مجموعة فرادات مباش رة للعمل»39. هذا القول يمكّننا من التوقف عند أربعة مستويات دلالية تتعارض مع مفهوم الجمهور: فعلى المستوى الأول، ليس الجمهور الطبقة العاملة بالمعنى الماركسي، بل هو مفهوم طبقة عاملة جديدة من جهة كونه قوّة عمل مستغَلة، وهو أوسع من الطبقة العاملة لأنه إذا كان المجتمع بتمامه مهيمَنًا عليه ومستغَلً من رأس المال، فإن الجمهور يتطابق بدقة مع هذا البُعد الاجتماعي للاستغلال، وهو ليس الطبقة العاملة لأن زمنية الاستغلال وفضاءه تغيّرا جذريًا (قوّة العمل أصبحت مرنة في الفضاء والزمن)40، وليس في الأمر تناقضًا حين نعتبر أن الجمهور ليس هو الطبقة العاملة وإنما هو مفهوم طبقة أوسع، ذلك أن مفهوم الطبقة العاملة محدود من زاوية الإنتاج (يشمل أساسًا العمال الصناعيين فقط) كما من زاوية التعاون الاجتماعي (يتضمّن عددًا قليلً من العمال في دائرة الإنتاج الاجتماعي.) الجمهور إذًا طبقة، ويجب أن يُنظر إليه بشكل مختلف عن النظرة إلى مفهوم الطبقة العاملة، لأنه كيان منتج وفي حركة دائمة، وهو مستغَل في إنتاجه من جهة الزمن ومن جهة الفضاء كذلك باعتبارهِ كيان المجتمع المنتج وكيان التعاون الاجتماعي. علىِالمستوى الثاني، الجمهور لا يستوعبه مفهوم القومية التي أنتجتها سلطة الحداثة، ولا هو مفهوم يمكن إدراجه في المنطق الميتافيزيقي للهوية.
وقد اعتبر نغري أن الصراع الذي قادته روزا لكسمبورغ41 ضد النزعة العمالية الضيقة في الأممية الثانية وضد أرستقراطية العمال، مثّل حدسًا لمفهوم الجمهور، وليس صدفة أن يتصاعد نقدها ضد النزعة القومية التي ظهرت في صلب الحركة العمالية في عصرها42. أمّا على المستوى الثالث، فمن الضروري تأكيد الاختلاف الذي يفصل مفهوم الجمهور عن مفهوم الشعب43؛ إذ لا يُفهم الجمهور عبر مصطلحات التعاقد القائمة على منطق إدراج التعدّد والتنوّع في الواحد، فالجمهور كثرة غير قابلة للقياس والتكميم، وإذا كان الشعب ممثَّل كوحدة هي «الإرادة العامة»، فإن الجمهور غير قابل لأن يكون مُمثَّلً لأنه كيان يقف على خطّ مواجهة العقلانية الغائية وتعالوية الحداثة؛ فكلٌّ من هوبز وروسو وهيغل صاغ بطريقته مفهوم الشعب انطلاقًا من مفارقة السيادة. وفي سياق هذه الفلسفات، يتبدى الجمهور عنوانًا للفوضى والحرب، وعلى تلك القاعدة اتخذ الفكر الحديث صبغة مزدوجة: فمن جهة جرّد هذا الفكر كثرة الفرادات وأدرجها في الوحدة بشكلٍ متعالٍتحت مفهوم الشعب، ومن جهة أخرى محا مجموع الفرادات التي تُكوّن الجمهور ليجعل منها حشدًا من الأفراد، وهذه النقطة تقودنا إلى المستوى الرابع، حيث يتعارض الجمهور مع مفهوم الحشد كما مع العامّة والغوغاء والدهماء؛ إذ غالبًا ما تُستعمل هذه الكلمات لتعيين قوّة اجتماعية عمياء ولاعقلانية، سلبية وخطيرة، عنيفة وسهلة التوجيه ومطواعة، وهي لا تُشكّل في تماثلها مجموع فرادات44، لكن علينا الانتباه إلى أن الجمهور حشد، وإن يكن غير متميز، من جهة كونه كثرة من الأحداث المنتجة وشبكة فرادات تتعيّن في المشترك. ضدًّا لكلّ التصوّرات المثالية، وبعيدًا عن فكر المفارقة والتعالي الذي يمحو مسط ح المحايثة، فإن نظرية الجمهور على العكس تضع جميع مقولات الحداثة السياسية جانبًا، بدءًا من وحدة الذات (الشعب)، مرورًا بإطار تشك لها (العقد بين الأفراد)، وصولً إلى صيغ حكمها، لأن الجمهور اسم المحايثة وعنوانها، ذاتها وموضوعها، ولا يتعلّق الأمر بأوّلية الأفراد أو أسبقيتهم، وإنما بمجموع الفرادات غير المُمثَّلة والتي تُعيّن الجمهور ذاتًا ثورية ومسارًا ورغبة مطلقة في التغيير؛ ف «الجمهور يُبنى مُكوِّنًا في المشترك الذّاتيات الفريدة التي هي نتاج هذا المسار»45، و«الذّاتيات، كلّ ذاتية تتحقّق
في فرادتها عبر فعل الجمهور تُساهم إذًا بطريقتها في مسار تغيّر الجمهور ذاته »46، هذا المارد الذي لا يُستوعب في وحدة المتعدّد عبر حركة الجدل ونفيه47 كما عند أفلاطون وهوبز وهيغل، إذ يتعذّر أن يشمله الجدل لأنه كائن حيّ لا يقبل الإدراج ولا الإنابة، وهو قبل كلّ شيء اسم لأنطولوجيا الامتلاء ضد الفراغ، وإنتاج للحياة ضد البقاء الطفيلي، وهو كذلك الذكاء والرغبة في مواجهة العقل الأداتي من خ لاا قدرة الفرادات التي تُكوّنه على خلق أقصى التوسّطات، «حيث تتمازج الأجساد ويتكلّم البداة لغة مشتركة كما لو كانوا في عيد حصا»48. وحين نتمثّل الجمهور كمجموع فرادات وننتبه إلى اقتدار هذه الفرادات ونترجم رغباتها في أفق الجسد، نتحقّق من أن كلّ جسد في حدّ ذاته جمهور49، أي عمل حيّ وتعبير وتعاون وبناء مادّي للعالم والتاريخ؛ فالجمهور ليس فقط كثرة أجساد تتماوج وتتمازج وتتهجّن وتتحوّل في حركة أبدية، وانّما هو أيضًا مكنة إنتاج عظيمة، وهذا ما أدركته الميتافيزيقا لحظة مواجهتها الجسد حين عملت على نفي الجمهور الذي يتضمّنه حتى يتسنّى لها في ما بعد نفي جمهور الأجساد وتحييده سياسيًا، ومن ثمّة تبرير استغلاله وفتح المجال للتنكيل به. إن اقتدار الجمهور، منظورًا إليه من خ لاا الأجساد التي تشكّله وتكوّنه، يمكن أن يفتح لنا منفذًا لدراسة هذا المفهوم في ديناميته وثرائه وتكوينه وحرّيته في ثلاثة أبعاد، أولها في نظرية العمل، حيث الأبعاد الثقافية والمعرفية وغير المادية، وحيث لا تتطلب الذاتيات قيادة حتى تتصيّر تعاونًا، فالميل التكويني للجمهور نحو صيغ التعبير المنتجة هو دائمًا لامادّي وذهني ويتشكّل كإعادة تأسيس مطلق للذّكاء العام في العمل الحيّ. أمّا البعد الثاني، فيتعلّق باللغة وتجربة المشترك التي تمثّل قاعدة لكلّ تعبير إنساني منتج؛ ذلك أن اللغة تأخذ الشكل الأساسي في تجربة المشترك، وهي حين تتقاطع مع العمل الحيّ تتشكّل كآلة أنطولوجية منتجة للمسارات التأسيسية. وأخيرًا «حين لا يرتكز خطاب التحرّر على الأنطولوجيا يُصبح إيطوبيا، حلمًا فرديًا ويترك الأشياء على حالها»50؛ ذلك أن التحرّر لا يتجسّد مادّيًا إلا عبر تطوّر الجمهور الذي يتأسّس كجسد اجتماعي للفرادات، حيث كلّ «ذاتية فريدة تكتشف أنه لا يوجد حدث لا يُفضي إلى إعادة تأليف فرادات أخرى، وأنه لا يوجد كيان مشترك للذاتيات الفريدة دون تمرّد. مسار التفريد يبدأ أيضًا في التجسّد: الإثبات الذاتي والتقويم الذاتي والقرار الذاتي كلّها موجّهة نحو حالة جماعية، كلّ الحركات السياسية وُلدت بهذه الطريقة: من خلال قرار قطيعة يقود إلى اقتراح فعل ‹مشترك»›51.
عبر هذه الأبعاد الثلاثة ندرك أن مادة الجمهور الأولى هي اللّحم))La Chair52، أي الجوهر الحي المشترك الذي فيه يتطابق الجسد والذكاء في امتلاء الحياة؛ إنه هذا الجسد ما بعد الحداثي للمقهورين والمستعبَدين، أو هو ذاك الاقتدار الذي يتصيّر جسدًا للذكاء العام، ويُحوّل أوجاعنا إلى أشكال جديدة للحياة، وهو ما يعني أن الجمهور ليس معطى ثابتًا وإنّما هو مشروع تبنيه القرارات والأفعال المتشابكة في صلب كثرة الفرادات والرغبات المتدافعة التي تعكف متعاونة في العمل على إنتاج عالم الحياة وإعادة إنتاجه بصورة مستقلّة، وهذه الاستق لااية تعني بناء واقع وجودي جديد، يُنتج الناس فيه المعلومة الحيّة ويتبنى حقائق جديدة غير تلك التي تروّجها الرأسمالية. وحتى من وجهة نظر الاقتصاد السياسي، يعبّر الجمهور عن نشاط بيوسياسي، و«إذا كانت الكثرة متآزرة، فإن الجمهور مجموعة من الجَمهرات المنتجة للذاتي»53. كما أنه ليس ذاتًا سياسية عفوية وإنما هو مشروع للتنظيم السياسي الذي يجعل الانتقال ممكنًا من وضع الكائن - الجمهورêtre-multitude)) إلى التشك - جمهورًاّ ل54 faire-multitude)). وربما نمضي بعيدًا في القول مع نغري وهاردت إن «الجمهور يمكن أن يكون وجهًا ثوريًا، وأكثر من ذلك، إنه الوجه الوحيد القادر اليوم على الثور»55. إنه كيان يتشكّل في رحم العالم ماردًا رهيبًا وإمبراطورية مضادّة تتعالق فيها السلطة والاقتدار أسوارًا لمدينة الناس جميعًا، ويتصالب فيها الحبّ والفقر أعمدةً للحرية والانعتاق، ويتشابك فيها الإبداع واللغة نسيجًا للمشترك الذي يقول أنطولوجيا الامت ءاا ضدًّا للفراغ والعدمية التي رافقت الكثير من الخطابات بشأن مفهوم الجمهور. ومشترك الجمهور ليس مجرد غاية، وإنما هو مسار لبناء الكائن، لأن الإنسان يرغب في أن يكون كثرةً من العلاقات ولا يحتمل أن يكون وحيدًا، لذلك يجب أل يُفهَم المشترك بصفته هويّة ولا بصفته أصً أو مرجعًا، إنه إنتاج التعدّد والتقارب والتضاد بين الفرادات، وثمرة اللقاءات والمواجهات، وهو ليس الكلّي ولا يُختزل فيه وإن كان يتضمّنه ويُعبّر عنه، إنه أوسع منه، وهو زمانيًا أكثر منه ديناميًا. ينهض مفهوم المشترك ضد الخاص والعمومي56 كعُدّة) Dispositif) لإدارة ديمقراطية جذرية لكل ما يتضمّنه نسيج النشاط الاجتماعي من تعاون الفرادات وحرّيات المُنتجين.وهو ليس العمومي الذي يجد أساسه في الواحد) l’Un) كتجميع عضوي لأفراد، وليس كذلك الخاص لأن العمومي ليس شيئًا آخر غير هوية الخاص، و«من وجهة النظر هذه، فإن ما أسمّيه ‹المشترك› يختلف بشكل أساسي
في الوقت نفسه عن ال‹خاص› وال‹عمومي›. ليس المشترك هو الخاص لأنه لا يستند إلى الفرد: إنه ليس قطّ هوويًا. لكنه ليس العمومي كذلك، لأن العمومي مرتبط بشيءٍ ما متعالٍ، ومنفصل عن حركة الواقع- وهو ما يترجمه اليوم أننا عندما نتحدث عن العمومي في الاقتصاد فإننا نرجعه إلى ما يرتبط بعمل الدولة»57. المشترك إذًا لا يُمثّل طريقًا ثالثًا ذا قدرة على التوسّط بين الخاص والعمومي، ولكنه طريق ثانٍ يتمظهر في الواقع كغريم وبديل لرأس المال58 على الرغم من أن «رأس المال لا يستطيع الاستغناء عن المشترك، وهذا يتمظهر اليوم بطريقة متزايدة الوضوح دومًا. لتحديد أطياف المشترك هذه، سيتوجّب علينا اتباع طريق التآزر الاجتماعي المنتج ومختلف صيغ التجريد التي يتمثّله في المجتمعِ الرأسمالي»59؛ ذلك أن كشف مظاهر المشترك في الواقع يُمثّل خطوة مهمة في بناء قواعد هجرة الجمهور خارج علاقته برأس المال. وعبر المشترك وحده يُعيد الجمهور اكتشاف ما كان على الدوام وجهه الثوري، حيث لا يكون فعله تمثيليًا على شاكلة الصيغ التنظيمية القديمة للطبقة العاملة، وإنما فعله وحركته يُفهمان كفعالية تصنع الإمكان وتبني السلطات وتخلق أجسادًا لذاتيات جديدة60 تتجلّى فضاءً إنتاجيًا يخطّ ملحمة التعاون الإنساني في بناء صرح التاريخ، ويحطّم ع قااات الخوف التي أفرزها منطق السوق المنفلت. لقد أعلنت الجماهير في خضم دورة الصراعات الجديدة، وفي نقاط كثيرة من العالم، أن الأنظمة الاستبدادية والعفنة ول ى زمانها إلى غير رجعة. ونجح الجمهور فعلً في تأسيس أجساد جديدة خارج دائرة الاستغلال؛ أجساد متحرّكة ومرنة وذكية ومتعاطفة ومتآزرة ومبادرة، لا ترى المستقبل إلا على شكل حزمة من الإمكانيات المفتوحة على جميع الاحتمالات في مواجهة سلطة إمبراطورية تحتمي بغياب المكان والزمان. حين نتحدّث عن المشترك الذي ينشأ داخل الجمهور المقاوِم، فإننا لا نعني «الكائن مع» (Être avec) فقط، بل نعني ما هو الأهم: «الفعل مع») Faire avec (الآخرين61، حيث تنتظم الجماهير تلقائيًا ب قيادة لتُراكم الحركة في تناغمٍ رغم تنوّع روافد فراداتها، وتَبني مشتركها في قلب المعارك التي قرّرت دخولها. ويتّخذ هذا المشترك ثلاثة معان دلالية؛ فهو في المعنى الأول مرتبط بالطبيعة والثروات المشتركة في العالم المادي، وفي المعنى الثاني مجسَّد بالإبداعية والعمل الإنساني والذكاء الجماعي للجمهور. أمّا في المعنى الثالث، فهو منطوق بالحق في الاخت ف وفي تعاون فرادات الجمهور المتعارضة مع التماثل الذي تصنعه السلطات القائمة.
إن المشترك الذي يتحدث عنه هاردت ونغري يقدّم الوسائل الضرورية التي بواسطتها تُترجَم الإمكانات التي تنفتح لجمهور الفقراء، وهو الجمهور الذي يتوزّع اقتداره ثلاثيًا: اقتدار اجتماعي يجسّده التعاون، واقتدار ترميزي يتمثّل في خلق المعنى، وأخيرًا اقتدار لغوي تُحدّده أشكال التواصل الجديدة. إن الفقير في حقل الفعل «ليس موضوعًا شك لته المعاناة ولكّنه الذات البيوسياسية بإط ق. لم تُشكّله رجّة وجودية (أو تخلّق جدلي موجع): إنه الخلود العاري لاقتدار الكينونة. وإنه ليس بإمكاننا التفلسف ما لم نكن فقراء. الفقر هو بالفعل حيّز إفراطيّ تُطرح فيه المسألة البيوسياسية بشكل مطلق. ففي هذا الحيّز يُرغم الجسد في عرائه على تجربة التجديد على حافة الكينونة وتُفتح اللغة على التهجين خاضعة إلى عجلة الاعتراف بالمشترك»62 الذي تبنيه الفرادات التي تتواصل عبر اختلافاتها وتلتقي حول ديمقراطية نزاعاتها وصراعاتها وتوافقاتها63. هذا يعني أن ليس ثمة فرادات تنشأ أو تفعل خارج المشترك، ولا وجود لتواصل لا يتأسّس على المشترك، وليس هناك إنتاج من دون تعاون مؤسَّس على الوجود - في - المشترك (Être - en - commun)، ولا مقاومة تبني سلطتها ضد البُنى الإمبراطورية للسلطة من دون تفاعل جمهور الفرادات مع المشترك الذي يمتّن العلاقات ويضاعف الصراعات ويجذّر المعارك ويُكثّر الشبكات، بل ليس هناك مقاومة ناجعة من غير تحديد عدوٍّ مشترك، ألم يؤكد هاردت ونغري أن «التعرّف على عدوٍّ مشترك من جهة واجتراح لغة مشتركة للمعارك النضالية من جهة ثانية يشكّلان مهمّتين سياسيتين حاسمتين »64 في مسار الحرية والتحرّر؟ المشترك إذًا ليس أفقًا ل نااتظار ولا نهاية مسار، وإنما هو شرط كلّ تقويم اجتماعي من جهة كونه الفضاء السياسي الذي يشكّل الذّاتيات ويبدعها، وهو الذي يجعل الجمهور كائنًا خارج كلّ قياس؛ إنه يضع الحياة موضع كينونته حين يعطى في استحالة فصل الحياة عن الفعل. المشترك يتقوّم كل مرّة في اخت ف فراداته طاقةً أنطولوجيةً ورغبةً ماديةً تغذّي جميع صراعات الجمهور ومقاوماته من أجل الحياة، وكأن المشترك حدث أكثر ممّا هو وجود، أو كأنه حدث متفرّد وكايروس تقوله اللحظة الحاسمة أو المناسبة، وتبنيه الجماهير في طريق حلمها بالحب والحرية ورغبتها في بناء بديل يفتح الطريق لعالم جديد من دون قمع وطغاة، ومن دون بنوك تصادر الحياة وديون تقبض أرواح الفقراء. وفي كلمة، هو صيرورة وسيرورة لا تنتصر من دونهما إرادة المقاومة الثورية على إرادة القهر والطغيان.
إن حركات المقاومة، وبالتحديد دورة صراعات اليوم، فتحت آفاقًا وراكمت تجارب ما كان في الإمكان توقّعها؛ فتتابع الوضعيات الثورية ربما يقلب المسارات التي تعيد إنتاج وجوه الهيمنة.
وهذا الانق ب ليس نتيجة مسار ديالكتيكي ينتهي معه الفقر والبؤس والعزلة والخوف، بل هو كايروس65 مقاومة، إذا فهمنا الكايروس كحدث يتيحه الحاضر على حافة الزمن، حيث تنفتح الزمنية على إقبالية الوجود آنًا ينبثق بين تمام الزمان وانفتاح المقبل؛ فالفرادات التي وجدت مرجعها في الوجود - المشترك اكتشفت أن الحدث المقاوِم هو ما تنتجه هي ذاتها حين تتصيّر كايروسًا متكثّرًا. لذلك تتشكّل المقاومة اليوم كصيغة للفعل في ارتباط وثيق بسياسات المشترك، وقيمتها ليست في ما تحقّقه من تغيّر وإنما في كونها هي ذاتها جوهر التغيّر لأنها صيرورة تُشكّل الحدث في تاريخية الحاضر وكأنه جرح متنقل يأبى الاستقرار؛ ذلك أن المقاومة تستمد قوّتها من تجذّرها في صلب التفصي ت الدقيقة للحياة اليومية في شكل إرادات ورغبات ترفض نظم الهيمنة، وتقترح مخارج هروب، وتجترح مسارب تأسيس بديلة، وهي في ذلك كله تتشك ل من أحداث تقطع مع التوجّه الخطّي للزمن التاريخي. يقودنا هاردت ونغري إلى البحث «عن كيفية وجود مغايرة تُواجه استغراقنا في عالم فقد وجْهه وفيه امّحت وُجوهنا»66، أي البحث عن ط رق انف ت من السلطة. وليس المهمّ أن نعرف إلى أين تقود هذه الطرق، بل المهمّ أن نشير إلى مسارب لا تكون فيها الثورة انفجارًا عارضًا أو غاية تُحدّد بَعديًا في خطّية التاريخ؛ فالثورة ليست حدثًا مفاجئًا بل فعل مقاومة لا يستكين، والمسار الثوري صيرورة لتشكّل الجمهور وبناء وعيه السياسي في جسد المشترك بما هو اللّحن الجماعي الذي يشحذ عزائم الفرادات ويقوّي تضامنها ويُنمّي إبداعيتها، ومن دونه يصبح العزف المنفرد نشيدًا جنائزيًا و«لا شيء بإمكانه تعويض الوجود المشترك لأجساد والاتصال المجسّد الذي يُشكّل قاعدة الذكاء والفعل السياسي الجماعيي»67. إن مساهمة هاردت ونغري تتجسّد في ما نسجاه من ربطٍ غير مألوف بين الحركات الاحتجاجية ومسألة المشترك، الذي يُبنى في مسار هذه الحركات وفي خضّم لحظاتها الجائشة، بعيدًا عن كلّ مركزية أو تمثيل من شأنهما إلغاء الفعل وسلب اقتدار الفاعل. هذا بعض ما اكتشفته حركات اليوم وما انتبه إليه الكاتبان منذ أمد طويل حين أدركا أن مقولات اليسار الدوغمائي ما عادت قادرة على فهم عمق التحولّات التي طاولت السلطة ونسق الإنتاج. وربما ليس ثمّة تعبير أبلغ ممّا ورد في الصفحة الأخيرة من إع ن. هذا ليس بيانًا: «يتوجّب علينا إفراغ كنائس اليسار كلّيًا ورَتْج أبوابها وإحراقها! الحركات الاجتماعية اليوم ليست فعّالة لغياب قادتها ولكن بالتدقيق لأنها دون قادة. إنّها منظ مة أفقيًا وهي تأخذ شكل جماهير وإصرارها على الديمقراطية في كل المستويات هو أكثر من فضيلة: إنه مفتاح
سلطتها»68. إن رغبة الجمهور مسكونة بهاجس المقبل، وقرارها يُقرأ كحدثٍ وليس كتراكم خطّي / كرونولوجي، أي يُفهم كتعبير مفاجئ للكايروس في حركة الجماهير وفي تراكم المشترك والقرارات الجماعية؛ فلحظة التغيير/الانتصار قادمة ولا ريب، وهي بصدد التحوّل إلى حدث قوّي، و«الزمن توزّع بين حاضر قد مات ومقبل حيّ- والهوّة بين الاثنين لا تتوقّف عن الاتساع، في اللحظة المناسبة، يدفعنا حدث كسهم في هذا المقبل الحيّ. هذا سيكون فعل الحبّ السياسي الحقيقي»69. لكن يبدو أننا اليوم لم نستسغ بعدُ الحبّ كمفهوم سياسي يبني إتيقا السلطة المؤسِّسة كشكل رابطة سياسية تتجسّد في علاقة الاقتدار بالجمهور، حيث يصنع الحبّ ط رقًا لاستكشاف السلطة وإنتاجية المشترك وبناء الحرية؛ ف «من فنومينولوجيا الفقر إلى أنطولوجيا المحبّة مثلما كان يقول أنطونيو نغري. الفقر قوّة حيوية مولّدة للمقاومة، والمحبّة جمع ودوام وإيقاع وحراك يستصحب القاطن والراحل. الفقر والمحبّة معًا، يعركان المادّة ويفتحان اللغة ويصنعان وجوهًا أخرى للواقع»70. إذا كان المشترك هو الشكل الجديد للذاتية السياسية، فإن الحب والتعاطف والألفة هي ط رق وكيفيات وجود متميّزة، معها تنفتح إمكانات وآفاق، وفيها تنفجر طاقات الفعل الإنساني ضد الانغلاق وأشكال الاست ب. الحبّ والتعاطف عبر الألم لا يشيران إلا إلى إرادة تأبى أن تخبو أو أن يهدّها الوهن والارتكاس؛ فكلّما اجتمعت الفرادات المتأل مة في وضعية حبّ ثورية، تشكّلت على الأرض حياة جديدة، وبعبارة نغري: «الألم مفتاح يفتح باب الجماعة، كلّ الموضوعات الجماعية الكبرى شك لها الألم... الألم هو الأساس الديمقراطي للمجتمع السياسي، بينما الخوف هو أساسه الديكتاتوري والاستبدادي»71. لا شكّ أن حركات المقاومة قدّمت خلال مسيرتها الشاقة تجربة غنية لإتيقا الفرح والحب، وأعلنت أنْ ليس هناك اليوم حركات ط ئااعية، بل هناك فائض حب يصنع الوجود، وعلى جمهور الفقراء أن يتملّكه. لذلك، يذهب هاردت ونغري إلى أن الفقر والحب لا يقولان شيئًا غير «إتيقا مفتوحة تضمّ مباشرة الفرادات بما هي شروط تحقّق الجمهور واقتداره»72؛ فعبر الفرادة يُتابع الكائن الإتيقي مهمّات التحرّر إن كانت في نظر البعض مستحيلة، وحتّى انتظاره الحدث المؤسِّس سيكون انخراط ا في تأسيس الحدث ذاته. وهذا الانفتاح الذي تبنيه إتيقا الفرح يتناظر مع التجذّر الأنطولوجي لهذا الكائن. وإذا كان ثمّة أفق للحرية غير ما تبشّر به الليبرالية الجديدة وثمّة أفق سلطة مؤسِّسة، فلا بدّ لهذا الكائن من كسب الأفق الأول وبناء الثاني، ولا بدّ من تحويل ممكنات الاقتدار إلى إرادة عينية تُراكم العمل الحيّ وتقول حقيقة التأسيس التي تخترق المشترك وتُعبّر عنه بشكل فعلي، والتي يتلاشى معها الفرق بين السياسي والاقتصادي، ويتطابق إنتاج الخيرات الاقتصادية وإنتاج العلاقات الاجتماعية،
وتُحايث الديمقراطية الجذرية الاقتدار بما هو سلبٌ بالفعل للسلطة المؤسَّسة. وإذا كانت الوضعية الراهنة ملائمة لإبداع عالم آخر ممكن، فذلك لا يعود إلى الأزمنة الشاملة للديمقراطية ولا إلى حالة الاستثناء والحرب الدائمتين، وإنما إلى أن السلطة المؤسِّسة للجمهور نضجت وأصبحت قادرة عبر شبكات التواصل والتعاون والإنتاج المشترك. إن الثورة كما يتمثّلها هاردت ونغري لا تُولد إلا في رغبة الجمهور وفي قدرته على الفرح وتحويل الأوجاع عبر الضحك إلى أحلام في قلوب المقهورين. وإن ما يُلهم الثوريين في العالم ويضاعف أملهم في إمكانية القضاء على أنظمة الاستبداد واقتلاعها من جذورها هو أن حلم إطاحة الرأسمالية أصبح اليوم جزءًا من لغة الملايين.
إن ما يمكن ملاحظته في النهاية هو أن هاردت ونغري لم يتخلّصا من سحر مقولة التغيير وتوابعها النظرية، ولكنهما ابتكرا مفاهيم جديدة تت ءاام مع التحولّات التي طاولت السلطة وأنساق إنتاجها؛ فمفهوم الجمهور لا يُلغي مفهوم الطبقة، ومفهوم المشترك ليس بدي عن الشيوعية، وقد علّمنا ماركس «أن الشيوعية هي بناء وأنطولوجيا، أي بناء مجتمع جديد من خ لاا الإنسان المنتج وعبر فعلٍ ينكشف فعّالً لأنه موجَّه نحو نمو الكائن »73. هكذا يفهم هاردت ونغري الماركسية ويواص ن تجذيرها بعيدًا عمّا كرّسته بعض القراءات الوثوقية، التي لم تدرك أن هذه النظرية طرحت أسئلة عصرها وقدّمت إجاباتها الممكنة وعلينا تثويرها، لأن لها سياقاتها التاريخية والواقع الذي أفرزها، وواقع الأمس الرأسمالي ليس هو واقع اليوم الإمبراطوري. وربما لهذه الأسباب نفهم تصاعد أصوات فوكو ودولوز وغاتّاري في جميع كتابات هاردت ونغري وحواراتهما، وكأنّهما يردّدان بنبرة فلسفية ما كان يقوله دولوز بصيغة فيها الكثير من التحدي: «أعتقد أن غاتّاري وأنا بقينا ماركسيَّين»74. مهما يكن من أمر، فإن فكر هاردت ونغري هو لحظة من لحظات صيرورة مشروع فلسفي بدأت تتشكّل ملامحه الأولى مع التحولّات التي عصفت بالعالم في نهاية القرن الماضي، وبالتالي يجب ألا يُقرأ بمعزل عن مسار مشروع صاحبَيْه وهما يستبصران المقبل في دهماء الواقع، ويفتحان الأبواب الكبرى التي لا تفتحها إلا قلّة مبدعة ومقاوِمة. لكن، هل سنستفيد اليوم من هذه الأبواب المشرَعة التي فتحها هذا الفكر حتى لا يكون «في المقاومة لبس أنطولوجي يجعلها تترنح بين الفعل والانفعال»؟ References
المصادر والمراجع
العربية
هاردت، مايكل وأنطونيو نيغري. الإمبراطورية: إمبراطورية العولمة الجديدة. تعريب فاضل جتكر.
الرياض: مكتبة العبيكان،.2002
الأجنبية
Books
1. Agamben, Giorgio. La Communauté qui vient: Théorie de la singularité quelconque.
Trad. de l’italien par Marilène Raiola. Paris: Éd. du Seuil, 1990.
2. ______. Homo sacer, I: Le Pouvoir souverain et la vie nue. Trad. de l’italien par
Marilène Raiola. Paris: Éd. du Seuil, 1997. (L’Ordre philosophique)
3. Beck, Ulrich. La Société du risque: sur la voie d’une autre modernité. Trad. de
l’allemand par Laure Bernardi ; préf. de Bruno Latour. Paris: Aubier, 2001. (Alto)
4. Bensaïd, Daniel. Résistances: Essai de taupologie générale. Paris: Fayard, 2001.
5. Cocco, Giuseppe et Antonio Negri. Global: Luttes et biopouvoir à l’heure de la
mondialisation: Le Cas exemplaire de l’Amérique latine, traduit de l’italien par
Jeanne Revel. Paris: Éd. Amsterdam, 2007.
6. Dardot, Pierre, Christian Laval et El Mouhoub Mouhoud. Sauver Marx ?: Empire,
multitude, travail immatériel. Paris: Éd. la Découverte, 2007. (Armillaire)
7. Guattari, Félix et Antonio Negri. Les Nouveaux espaces de liberté. Avec en annexe
Des libertés en Europe par Félix Guattari; Lettre archéologique et Postface 1990
par Toni Negri. Fécamp: Nouvelles éd. Lignes, 2011.
8. Hardt, Michael et Antonio Negri. Commonwealth. Traduit de l’anglais (États-Unis)
par Elsa Boyer. Paris: Stock, 2012.
9. ______. Déclaration: Ceci n’est pas un manifeste. Traduit de l’anglais par Nicolas
Guilhot. Paris: Raisons d’agir éd., 2013.
10. ______. Multitude: Guerre et démocratie à l’âge de l’empire. Trad. de l’anglais
(États-Unis) par Nicolas Guilhot. Paris: La Découverte, 2004.
11. ______. Lent Genêt: Essai sur l’ontologie de Giacomo Leopardi. Traduit de l’italien
par Nathalie Gailius et Giorgio Passerone. Paris: Éd. Kimé, 2006. (Philosophie en
cours)
12. ______. Marx au-delà de Marx. Traduit de l’italien par Christian Bourgois. Paris:
L’Harmattan, 1997.
13. ______. Spinoza et nous. Traduit de l’italien par Judith Revel. Traduit de l’italien
par Judith Revel. Paris: Éd. Galilée, 2010. (La Philosophie en effet)
14. ______. Trilogie de la différence: Théâtre. Traduit de l’italien par Judith Revel.
Paris: Stock, 2009.
15. Negri, Antonio. Du retour: Abécédaire biopolitique. Entretiens avec Anne
Dufourmantelle. Paris: Calmann-Lévy, 2002. (Petite bibliothèque des idées)
16. ______. L’Anomalie sauvage: Puissance et pouvoir chez Spinoza. Traduit de
l’italien par François Matheron; préfaces de Gilles Deleuze, Pierre Macherey et
Alexandre Matheron. Paris: Presses universitaires de France, 1982.
17. ______. Art et multitude: Neuf lettres sur l’art suivies de métamorphoses: Art et
travail immatériel. Paris: Mille et une nuits, 2009. (Essai)
18. ______. Fabrique de porcelaine: Pour une nouvelle grammaire du politique.
Traduit de l’italien par Judith Revel. Paris: Stock, 2006. (L’Autre pensée)
19. ______. Goodbye mister socialism: Entretiens avec Raf Valvola Scelsi. Traduit de
l’italien par Paola Bertilotti. Paris: Seuil, 2007.
20. ______. Job, la force de l’esclave. Trad. de l’italien par Judith Revel. Paris: Bayard,
21. ______. Kairòs, alma venus, multitude: Neuf leçons en forme d’exercice. Trad.
de l’italien par Judith Revel. Paris: Calmann-Lévy, 2001. (Petite bibliothèque des
idées)
22. ______. Le Pouvoir constituant: Essai sur les alternatives de la modernité. Trad.
de l’italien par Étienne Balibar et François Matheron. Paris: Presses universitaires
de France, 1997. (Pratiques théoriques)
23. ______. Spinoza subversif: Variations (in)actuelles. Trad. de Marilène Raiola et
François Matheron. Paris: Kimé, 1994. (Collection philosophie-épistémologie)
24. ______. Traversées de l’empire. Texte traduit de l’italien et annoté par Judith
Revel. Paris: L’Herne, 2011. (Série des Carnets anticapitalistes)
25. Žižek, Slavoj. Le Sujet qui fâche: Le Centre absent de l’ontologie politique. Traduit
de l’anglais par Stathis Kouvélakis. Paris: Flammarion, 2007.
26. ______. Vivre la fin des temps. Traduit de l’anglais par Daniel Bismuth. Paris:
Flammarion, 2011. (Bibliothèque des savoirs)
Periodicals
1. Actuel Marx: no. 48: Communisme , 2010.
2. Conjonctures: no. 35, Automne 2002.
3. Le Magazine Littéraire: no. 468, Octobre 2007.
4. Multitudes: no. 9, Mai-Juin 2002.
5. Nouveaux Regards: no. 26, Aout 2004.