Return to Article Details The Limits of Academic Discourse on the Vernacular of Moroccan Arabic

حدود بناء الخطاب

The Limits of Scientific Discourse on Vernacular Moroccan Arabic

محمد علي الحنشي

Mohammed Ali Hanachi

الملخّص

* باحث في اللسانيات الاجتماعية، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس، المغرب.

Abstract

A review of the various Moroccan academic approaches to understanding the Vernacular of Moroccan Arabic, that is Moroccan spoken Arabic, is provided in this paper. El Hanchi attempts to elucidate the foundations on which an academic understanding of Moroccan Spoken Arabic is built, in a bid to understand efforts which seek to replace Modern Standard Arabic with Moroccan Spoken Arabic across official channels throughout the country. To this end, the author examines the dominating Euro-American attitudes to language in Morocco, to better understand how Western scholars theorized Moroccan Spoken Arabic. Rhetoric in the Euro-American academe sets off from the supposition that there is an irreconcilable chasm between Modern Standard and Moroccan Spoken varieties of Arabic, demanding also that Moroccan dialect replace Modern Standard Arabic in official correspondence. Western academics, presenting ostensibly scholarly defenses for the promotion of Moroccan Spoken Arabic are joined by a less luminary, diatribe-based approach which is promoted by their lesser counterparts outside of the academe.

الكلمات المفتاحية:
  • العامية
  • المصالحة مع الذات
  • تبخيس القيمة
  • إعادة الاعتبار
Keywords:
  • Social Status
  • Morocco
  • Sociolinguistics
  • Language
  • Identity

مقدمة

في مستهل هذا البحث، نحدد منطلق الطرح «العلمي» الغربي لمسألة العامية من مفارقة الفصحى والعامية وأنماط تجاوزها، والأسس النظرية التي يقوم عليها. ثم نُبرز مرتكزات وحدود بناء صرحه النظري، ونقدّم انتقادات بعض المعرّبين الفرنسيين لهذه الطروحات. ويُعتبر هذا الطرح امتدادًا لنقد «صفاء العربية»، ليخلص إلى تعددها، ويندرج في إطار الطروحات المدافعة عن فكرة «إح لاا العامية محل الفصحى»، التي بدأت في القرن التاسع عشر، ويساهم كل جيل جديد من الباحثين اللسانيين الغربيين في إعطائها «قوة إقناعية جديدة»، وهذا الجيل من الباحثين يتوسل بالمبادئ الحقوقية الكونية للدفاع عن اللغات الأم لأقليات ومن ضمنها العامية.

الأسس النظرية للطرح «العلمي» حول العامية

يرتكز الطرح «العلمي» المدافع عن العامية على إبراز «مفارقة العامية والفصحى»، بحيث يسلط الضوء على تناقضات الوضع اللغوي المغربي وتعارضاته، ويبتغي طلب الانسجام باسم حق الاعتراف باللغة الأم (إحلال العامية محل الفصحى)، ونصادف هذه الطروحات باستمرار لدى بعض الباحثين اللسانيين الغربيين ومن يتبنّى وجهة نظرهم.

مفارقة العامية والفصحى

تنطلق دومينيك كوبي في دراستها وضعية العامية في المغرب من هذه الملاحظة المفارقة: لا تتوفر العامية على مكانة رسمية في المغرب، لكنها تحتل مكانًا مهمًا عمليًا، لأنها لغة التداول اليومي. وسيكون حلّ هذه المعضلة بالنسبة إليها هو دفع منطق التحليل إلى مداه بترسيم العامية. وتعضد أطروحتها بربط العامية المغربية بمفهوم الهوية؛ إذ لا يمكن الاعتراف بمغربية المغربي الحقيقية إلا إذا كان يتقن العامية المغربية في جميع تلويناتها، فمصالحة المغربي مع هويته تمر عبر إعادة الاعتبار إلى العامية1.

  1. Dominique Caubet, «Métissages linguistiques ici (en France) et là-bas (au Maghreb),» VEI-Enjeux (Ville Ecole Intégration), no. 130 (Septembre 2002), p. 118.

ونلاحظ الطرح نفسه لدى كريستوف بيريرا الذي يرى أن العامية هي اللغة الأم لأغلبية الساكنة، لكنها لا تتوفر على مكانة لدى السلطات. وهو يرى أن العامية لا تُعتبر لغة بل لهجة، بلا قيمة معرفية، ولا تعلم في المدارس، وليست موضوع تدريس خاص، ولا تعتبر معرفة حقيقية، وهي مبخّسة القيمة. وما يضيفه هو أن العربية ليست اللغة الأم لأحد، رغم أنها اللغة الرسمية. ويخلص بيريرا إلى أن الوقت حان لعدم التقليل من قيمة العربية المغاربية، لأن اللغة ع مااة تطبع الهوية. وكلما قلّلنا من قيمة العامية، نقلل من قيمة كل الساكنة وعاداتها وتقاليدها وثقافتها، فالعربية المغاربية هي لغة ثقافة ومن المهم التعريف بذلك2.

الأرضية الحقوقية لإبراز المفارقة

لن نستوعب خطاب كوبي إذا لم نبحث عن جذوره في المنظومة الفكرية للحركات الحقوقية في الغرب. هذه المنظومة الحديثة نسبيًا تتضمن مسائل متعددة، من بينها مسألة الحقوق اللغوية للشعوب، بحيث أصبح الحق في استعمال اللغة الأم في السياق العالمي المعاصر أحد حقوق الإنسان الجديدة التي تدعمها المنظمات الدولية، لتمكّن «الأقليات» من المطالبة بحقوقها اللغوية3. يستند النقاش المعاصر بشأن أخ قاايات الاعتراف بالهويات الثقافية واللغات الأم على أسس ذلك الإرث الحقوقي4. ويرى الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور Ch. Taylor)) أن «الاعتراف ليس مجرّد مجاملة نقدمها للآخرين، بل هو حاجة إنسانية ملحة بالنسبة إليهم (...)، وانتفاء الاعتراف ينجم عنه إلغاء الهوية وإعطاء صورة سلبية عن الذات»5. وتبرز مكانة العامية وقيمتها، ومدى ملحاحية الاعتراف بها من هذا المنظور الفكري والحقوقي. لذلك، يسعى البعض إلى الدفاع عن حقوق «عامية قائمة بذاتها». وتستند أطروحة «مفارقة العامية والفصحى» على هذه الأرضية الحقوقية من أجل الانتصار ل«إحلال العامية محل الفصحى». ونعرض لبعض نماذج الباحثين الذين جعلوا في صلب اهتمامهم المدخل الحقوقي للنهوض بالعامية.

- الاعتراف بالعامية وردّ الاعتبار إليها

تندرج الباحثة ألكسندرين برونتيني في هذا الإطار، بحيث ترافع عن ردّ الاعتبار إلى العامية، وتمط المفهوم ليستوعب مجالً دلاليًا أوسع؛ فهي لا تقتصر على المجال الجغرافي المغاربي، بل توسّعه

  1. Christophe Pereira, «Arabe maghrébin,» papier présenté à: «Langues d’Europe et de la Méditerranée,» (Colloque International, LEM, Nice, 31 Mars - 2 Avril 2005), p. 4.
  2. Catherine Miller, «Langues et médias dans le monde arabe, arabophone: Entre idéologie et marché, convergences dans la glocalisation?,» dans: Abdenbi Lachkar, dir., Langues et médias en Méditerranée , préf. de Teddy Arnavielle, langue et parole. Recherches en sciences du langage (Paris: L’Harmattan, 2012), sur le site: <http://halshs.archives-ouvertes.fr/docs/00/57/88/51/PDF/InviteConf.pdf>.
  3. Patrick Savidan, Le Multiculturalisme , que sais-je?: société; no. 3236 (Paris: Presses universitaires de France, 2009), p. 43.
  4. المصدر نفسه، ص.36

إلى مجالات، حيث يوجد مغاربيون؛ فالتعريف ليس مرتبط ا بحدود ترابية بل بالسلوك اللغوي في حد ذاته، ولو خارج الحدود التقليدية المعروف بها. وبذلك تتبنّى مفهوم «العربية المغاربية»، التي يتكلّمها المغاربيون في بلدان المغرب العربي، بالإضافة إلى بلدان مهجرهم (فرنسا وبلجيكا وهولندا)...، وهي تضع تقابلً كاملً بين عربية «مغاربية» وأخرى «مشرقية.» وتتخلى الباحثة عن مفهوم العامية لمصلحة «العربية المغاربية»، لماذا؟ لأن العامية تحمل شحنة سلبية في مقابل العربية التي تُعتبر اللغة الحقيقية والرسمية وذات الحظوة. أمّا العاميات، فغالبًا ما يُنظر إليها كاستعمال غير لائق لهذه اللغة. وتدافع الباحثة عن فكرة مفادها أن العاميات ليست مشتقة من اللغة العربية، بل تطورت على «هامش» هذه اللغة، و«بفعل تأثير عوامل اجتماعية وسياسية ودينية متعددة». وهذا الاختلاف بين اللغة والعامية موجود بالأحرى على مستوى اختلاف في المكانة والاعتراف. وفي ما يتعلّق بالكتابة، تعترف الباحثة بافتقار «العربية المغاربية» إلى رسمٍ مقعّد، لأن الكتابة محفوظة للعربية المعيارية. لكن «العربية المغاربية» كُتبت وما زالت تُكتب، رغم ذلك، بالحرف الذي يتوفر عليه متكلّموها: العربي أو العبري أو اللاتيني6.

- النهوض بالعامية باسم الحق في اللغة الأم

تصادفنا باحثة لسانية فرنسية أخرى تشارك كوبي في مهمة تشييد النموذج «العلمي» لإرساء دعائم العامية في المجتمع المغربي، هي الباحثة كاترين ميلر التي نقلت مجال بحثها من السودان إلى المغرب، وجاءت في مهمة دراسية إلى مركز جاك بيرك في العاصمة الرباط7. ترسم ميلر مخطط عمل ذلك المركز لمدة سنتين تاليتين، بحيث تُحْدث انعطافًا في توجهات البحث نحو قضايا لسانية، في حين كان المركز يعكف على إنجاز دراسات حول المجال الحضري، وربما أوقعت هذا التحول لكونها لسانية التكوين والاهتمامات.

- رد الاعتبار إلى العامية يجعلها في واجهة النقاش

تحدّد ميلر مدار النقاش اللغوي العمومي في المغرب في قضيتين خلافيتين: العامية والأمازيغية. أمّا النقاش اللساني الغربي، فينصبّ اهتمامه على مسألة العلاقة الملتبسة بين الفصحى والعامية في العالم العربي، من جانب مفهوم الثنائية اللغوية (Diglossie) الذي تحك م في نظرة اللسانيين المتعاقبين للمسألة، وبقي ثابتًا من ثوابت تفسير الظاهرة.

  1. Alexandrine Barontini, «Valorisation des langues vivantes en France: Le Cas de l’arabe maghrébin,» Le Français aujourd’hui , no. 158 (Septembre 2007), pp. 20-21.
  2. كاترين ميلر مديرة معهد الدراسات والبحوث حول العالم العربي والإسلامي بإيكس - أون - بروفانس، فرنسا، وهي متخصصة بالدراسات اللسانية المتعلقة بالسودان ومصر.

لا تكتفي ميلر بإحصاء وتصنيف الدراسات اللسانية بشأن المغرب، بل تقيّمها وتُصدر أحكامًا عن مدى نجاعتها وجدواها، وما يشغلها بالذات هي القضايا اللغوية المرتبطة بالمجال الحضري8. وتهتم ميلر بموضوع لغة الصحافة والإعلام، وبالخصوص موقع العامية فيها، وتنطلق من فرضية حق اللّغات الأم في ردّ الاعتبار، وتبوئتها مكانة الريادة، وتنظر إلى المسألة من جانب تهويل التضييق على العاميات، ساعية لفسح مجالات أرحب لها في الوضع اللغوي الحالي. إنها تبالغ في إظهار العامية وتخفي ما سوى ذلك، فبؤرة اهتمامها هو مصير العامية ومآلها. وتعمل على إبراز التناقضات والتقليل من التوافقات، وتحمل مشعل بعث العاميات والنهوض بحقها في الاعتراف. وقادها البحث في قضايا الإع ماا العربي إلى اكتشاف فراغ بحثي في قضية لغة الإع ماا العربي، وخاصة في بلدان المغرب العربي، وهنا تقتطع لنفسها مجال بكرًا للبحث لم يسبقها إليه أحد، فتستمد مشروعية بحثها فيه من وجود هذا الفراغ9، وتتصدى لإنجاز خطة عمل بحثية تتضمن قضايا متعددة، لكنها تخدم سؤالها الكبير، ألا وهو موقع العامية في هذا المشهد كله.

- الأيديولوجيا العروبية تعيق النهوض بالعامية

تسلط ميلر الضوء على متاعب العاميات في الدول العربية المتحررة من الاستعمار، بحيث عملت الأيديولوجيا العروبية المهيمنة على فرض الفصحى على العاميات، لتصبح اللغة المتداولة للساكنة، ودعمت اللغة العربية بترسانة من القوانين، وكرّستها في مؤسسات التعليم والإعلام. ومنذ سنة 1959، انتبه تشارلز فيرغسون لهذا التوجه في العالم العربي10. كما كانت تلك الدول تنظر بعين الارتياب إلى علم دراسة العاميات، بل كانت تمنع تدريسه في جامعاتها، بحيث أوقفت جامعة الجزائر العاصمة دروس الأمازيغية والإثنولوجيا التي كان يلقيها الباحث الأمازيغي مولود معمري، لأن تدريسها يندرج ضمن علم استعماري مرتبط بالماضي، ويوقظ نعرات التفرقة والتجزئة المهدِّدة لوحدة العالم العربي11. على منوال الباحثين الأجانب، تثير ميلر ملاحظة ماكرة: إذا كانت كل جهود الدولة الوطنية قد انصبت على التعريب، واعتنت بنشر العربية الفصحى، فلم لم تطرد العربية الفصحى تمامًا العامية من التداول في جميع مناحي الحياة العامة؟ يأتي ردّ دراسات الرأي حاسمًا: إذا كان المتكلّمون يحترمون الفصحى لارتباطها بالقرآن، فإنهم يجدون صعوبة في إدراكها لغة مرتبطة بالحداثة أو التعبير التلقائي والحميمي. ولكي لا تُتّهم تلك الدراسات بأنها متحاملة على العربية الفصيحة، تستدرك منبهة إلى أن «المقصود ليس هو انتقاد سياسات التعريب والأنظمة التعليمية الجامدة، بقدر ما هو المطالبة بالحق في تثمين

  1. Catherine Miller, «Approches sociolinguistiques de la ville,» Questions de recherche au Maghreb , no. 5 (Janvier 2009), p. 1.
  2. Miller, «Langues et médias,» sur le site: <http://halshs.archives-ouvertes.fr/docs/00/57/88/51/PDF/InviteConf.pdf>.
  3. المصدر نفسه.
  4. Fatma Khelef et Redouane Kebièche, «Evolution ethnique et dialectes du Maghreb,» Synergies monde arabe , no. 8 (2011), p. 28.

اللغات الأم (في إطار نهوض المنظمات الدولية بحقوق اللّغات المحلية والأم)، كما تطالب بذلك فئة نشيطة سياسيًا (مثقفون وفنانون ومناضلون... إلخ)12.

اقتراحات لتجاوز المفارقة

يتفق إبراهيم السامرائي مع تشخيص كوبي للوضعية اللغوية، وهي وضعية يشترك فيها المغرب مع باقي الدول العربية، ويقول: «تبرز المشكلة في أن العرب في يومنا هذا لا يتكلمون بالفصيح من العربية، فالعامي الدارج هو المستعمل، وأمر العامي مشكلة المشكلات أيضًا، فهناك لهجات مختلفة باختلاف البلاد.» وإذا كان هذا الباحث يقر بما أقر به ذلك التشخيص، فهو يخالفه في أسلوب الحل، بحيث يدعو إلى تقريب الفجوة بين العامي والفصيح، وليس إلى استقلالية العامية عن الفصحى، وذلك من خلال نشر العلم والثقافة، للرفع من مستوى العامية وتقريبها من الفصحى13.

خلفيات البناء «العلمي» حول العامية ومرتكزاته ومضمراته

كما رأينا، يوجد اختلاف جذري بين المنظورين الغربي والعربي في طريقة التعامل مع الواقع اللغوي العربي نفسه الذي يتسم ب«مفارقة العامية والفصحى»، بحيث يدفع المنظور الغربي إلى تجاوز المفارقة بإبعاد العامي عن الفصيح والاستقلال بذاته، في حين يأمل المنظور العربي في تقريب الهوة بينهما. وفي ما يلي نسلط الضوء على مضمرات ومرتكزات المنظور الغربي في دعوته إلى إح لاا العامية محل الفصحى. لكن قبل ذلك نعرّج على خلفيات اهتمام صنّاع القرار والباحثين في فرنسا خصوصًا، وفي الغرب عمومًا، بمسألة اللغة العربية والعامية.

خلفيات الانشغال ب«قضية العامية»

لن نستوعب اهتمام الباحثين الفرنسيين خصوصًا والغربيين عمومًا، بقضية العامية إذا لم نعرف حجم حضور الجالية المغاربية الديموغرافي والثقافي والهوياتي واللغوي في فرنسا وأوروبا على وجه العموم. لذلك، فإن المعطيات الرقمية والإحصاءات الكمية تقدم لنا صورة واضحة عن حجم هذا الحضور ونوعية الرهانات المرتبطة به في فرنسا التي تُعتبر القوة الاستعمارية السابقة في شمال أفريقيا، وتواصل انشغالها بالدول المغاربية والجالية المغاربية الموجودة فيها. يُبرز بيريرا هذا المعطى المركزي المتمثّل في أن العامية جزء من لغات الجالية المغاربية في أوروبا، وليست لغة شمال أفريقيا فقط، بحيث يتكلمها م يااين الأشخاص المنحدرين من بلدان شمال أفريقيا الذين يعيشون في أوروبا. ويذكر مثل حالة فرنسا وإسبانيا وهولندا، حيث إن جزءًا مهمًّا من الساكنة منحدر من بلدان شمال أفريقيا، وحيث أ نجز بشأن هذا الموضوع عدد كبير من الدراسات السوسيولسانية أو هو في طور الإنجاز14.

  1. Langues et cité: Bulletin de l’Observatoire des pratiques linguistiques , no. 15: L’Arabe en France (Octobre 2009).
  2. إبراهيم السامرائي، التطور اللغوي التاريخي، ط 3 (بيروت: دار الأندلس، 1983)، ص.5
  3. Pereira, p. 5.

على المستوى الجغرافي، تجاور أغلب دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القارة الأوروبية، ويتكلم أغلب ساكنتها العاميات العربية. ويقدّر عددهم بأزيد من 200 مليون شخص، وهذا عدد تقريبي فقط، وبذلك تُعَدّ اللغة العربية (بتنويعاتها المختلفة) عدديًا من أكثر اللغات أهمية على المستوى العالمي15. أمّا في فرنسا، فيتكلم العربية (بتنويعاتها المختلفة) ما يناهز 3 ملايين شخص من أصل مغاربي، لكن تتكلمها أيضًا أقلية عربية مشرقية... وتدرّس الفصحى في التعليم الثانوي والعالي (المعهد الوطني للّغات والحضارات الشرقيّة (INALCO) والجامعات.) كما تدرس العامية المغاربية في المعهد الوطني للّغات والحضارات الشرقيّة بباريس منذ القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى عدد كبير من اللهجات العربية. ولغة عربية مرتبطة ببلدان لها هذا الحجم وجالية مغاربية وعربية كثيفة، لا يمكن إلا أن تكون في قلب انشغال الدارسين والباحثين اللسانيين الفرنسيين خصوصًا، والأوروبيين والغربيين عمومًا، بل وفي قلب انشغال صنّاع القرار في فرسا. يتحدث الباحث محمد شطاح عن «مشروع فرنسا اللغوي في بلدان المغرب العربي الذي يقوم على استراتيجية طويلة الأمد تسعى إلى إحلال العامية محل الفصحى والوصول في النهاية إلى ازدواجية تقوم على استخدام العامية في التواصل اليومي واللغة الفرنسية في مجال الإعلام والتعليم ومختلف المعاملات والأنشطة الاقتصادية»16.

التأسيس «العلمي» لقضية العامية: نموذج كوبي

بعدما تناولنا الإطار العام المتحكم في الاهتمام بالأبعاد والرهانات اللغوية (حجم حضور اللغة العربية – بتلويناتها المختلفة - في فرنسا والغرب عمومًا)، لنبين الأسباب المادية لتنامي الانشغال بها، ننتقل الآن إلى تناول الموضوع اللغوي في حد ذاته، بالبحث عن كيفية بناء الطرح «العلمي» المدافع عن العامية. ونذكر من أبرز ممثلي هذا الطرح دومينيك كوبي التي تنتمي إلى التقليد اللساني الغربي الذي يحمل عن اللغة العربية (وتنويعاتها) تصورًا محددًا، وهو ما نحاول توضيحه. أنجزت كوبي أطروحة حول العامية المغربية، وواصلت انشغالها بها في مسارها العلمي، وهي باحثة متخصصة بالعامية المغاربية في المعهد الوطني للّغات والحضارات الشرقيّة في باريس17، لكنها انتقلت من وضعية الباحثة اللسانية إلى وضعية المناضلة الداعية إلى الدفاع عن العامية، وحاولت

  1. Langues et cité: Bulletin de l’Observatoire des pratiques linguistiques , no. 15: L’Arabe en France (Octobre 2009), p. 1.
  2. محمد شطاح، «الازدواجية اللغوية في وسائل إعلام بلدان المغرب العرب: دراسة نقدية،» ورقة قدمت إلى: المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية، دبي، 7 10- أيار/ مايو 2013، على الموقع الإلكتروني: <alarabiahconference.org/uploads/conference_research-991325527-1406789918-166.pdf>.
  3. Dominique Caubet, L’Arabe marocain , études chamito-sémitiques: Langues et littératures orales, 2 vols. (Paris; Louvain: Ed. Peeters, 1993), vol. 1: Phonologie et morphosyntaxe , et vol. 2: Syntaxe et catégories grammaticales, textes.

توظيف رأس مالها المعرفي لخدمة قضيتها، وهي تنطلق من وجهة نظر حقوقية حول ضرورة الاهتمام باللهجات المحلية استنادًا إلى تقرير برنار سيركليني سنة 1999، الذي أحدث وضعية جديدة بعد الاعتراف بالعربية المغاربية واحدة من لغات فرنسا18.

وضعية العامية في البلدان المغاربية وفرنسا

تختار كوبي التنظير العلمي لهذا المشروع، وتجد نفسها منخرطة في المسألة اللغوية بين ضفتي المتوسط، وتعقد مقارنة بين اللغة الفرنسية والعامية، وترى أنهما يتماثلان في عدم التوفر على مكانة رسمية، ويتباينان على مستوى التمثلات، فاللغة الفرنسية تُعتبر لغة الحداثة والاقتصاد، بينما العامية هي لغة الهوية رغم عدم الاعتراف بذلك، وكذا لغة تهيكل الشخصية في مرحلة الطفولة وعلى مدى الحياة19. نلاحظ ممّا سبق استناد كوبي إلى الوضعية اللغوية في فرنسا لفهم الواقع اللغوي في المغرب؛ فهي تنتقد هيمنة اللغة الوحيدة في فرنسا، وتدعو إلى احترام الاختلاف والتعدد اللغوي، وهو الأمر نفسه الذي تسجله على الوضعية اللغوية في المغرب. وهي ترى أن فرنسا ما زالت تهيمن عليها لغة واحدة)monolingue)، لأسباب تاريخية20، حيث سعت المدرسة الفرنسية إلى بث أيديولوجيا لسانية تجعل من الوحدة اللغوية الفرنكوفونية مبدأً مؤسسًا للدولة الفرنسية، إذ يجب ألا تكون الفرنسية فقط اللغة الوحيدة للدولة واللغة المشتركة لجميع الفرنسيين، وهذا ما هو إيجابي بلا منازع، بل اللغة الوحيدة لكل فرنسي. وتم تقديم اللغات التاريخية الأخرى لفرنسا كتهديد لوحدة فرنسا21، وهذا ما ينطبق كذلك على المغرب، بحسب كوبي. تتسع مقاربة كوبي لتشمل البلدان المغاربية، وتعقد مقارنة بين وضعية العامية في البلدان المغاربية وفرنسا، فتستنج منها أن البلدان المغاربية تبخس قيمة العامية على مستوى التمث ت، في حين أن فرنسا لا تعترف بالثقافة واللغة المغاربيتين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نقص في تقدير الذات لدى أفراد الجوالي المغاربية، لكنها تسجل، من جهة أخرى، مواقف إيجابية في المجتمع المدني الفرنسي الذي أدمج في الثقافة الفرنسية الكثير من العناصر المغاربية22. تستنجد كوبي بتاريخ غرب حوض البحر الأبيض المتوسط للاستدلال على وجاهة تصورها المتمثّل في كون فضاء المتوسط سمح بالتعدد اللغوي، على عكس التقليد اللغوي التاريخي الفرنسي الذي ظل وفيًّا لمبدأ هيمنة اللغة الوحيدة. لذلك، تعتبر كوبي أن فضاء المتوسط كان دائمًا مجال لامتزاج

  1. Bernard Cerquiglini, «Les Langues de France: Rapport au ministre de l’éducation nationale, de la recherche et de la technologie et à la ministre de la culture et de la communication,» (Avril 1999).
  2. Caubet, «Métissages linguistiques,» p. 119.
  3. المصدر نفسه، ص.119
  4. المصدر نفسه، ص.120
  5. المصدر نفسه، ص.120

الحضارات، رغم تبنّي بعض السياسات الرسمية للغات الوحيدة، واستمر تنوع اللغات وأنتج تمازج اللغات على الضفتين. يعزز الباحث اللساني المغربي شمعون ليفي هذا التوجه بالقول: «هناك واقع اجتماعي متعدد اللغات، يعارضه البعض بدوغما: ‹أمة واحدة، ولغة واحدة›، لكن غالبًا ما يناهض هؤلاء أنفسهم ‹الأفكار المستوردة› دون أن يعوا أيضًا أن هذه فكرة مستوردة من أوربا القرن 19، وهي فكرة في العمق يفندها الواقع اللّساني لأمم الأوربية نفسها. فلم تستطع فرنسا اليعقوبية إنهاء اللغات الجهوية (الألزاسية أو الكورسية أو الأوكسيطانية أو الكاطالانية أو الباسكية...)، وأصبحت بلجيكا أمة مزدوجة اللغة، دون نفي مشاكلها. وتعيش سويسرا، بس ماا، بلغاتها الأربع. فليس التعدد اللغوي هو الذي يخلق النزاعات، بل نفي هذا التعدد، ونفي الواقع، الذي تؤدي إليه النزاعات بالاعتداء على المواطنين في جزء من هويتهم العميقة»23. هنا يقارن ليفي بين نماذج أوروبية في الأساس والمغرب، لكن إلى أي حد يمكن إقامة هذه المقارنة؟ فتطور أوروبا يمكّنها من استيعاب الاختلاف، في حين أن الوضعية التاريخية للمغرب تجعله يخفي هذا الاختلاف ويتخوف منه...! أمّا كوبي، فتستخلص نتائج عملية، وتعتقد أن ازدواج اللغة أو تعددها عامل غنى وليس عائقًا، كما يرى البعض ذلك. وتستنتج من هذه المقدمات ضرورة الانتقال من هيمنة الوحدة اللغوية إلى ضرورة التعدد اللغوي وحق اللغات في الوجود والاعتراف.

مرتكزات نموذج كوبي

انتقلت كوبي من دراسة العامية كلغة أقلية في فرنسا إلى دراستها كلغة متداولة في المغرب، الأمر الذي يجعلها تبحث عن المواد الخام لاستعمالها في بناء موضوعها علميًا. وقد استندت في ذلك البناء إلى مرتكزات عدة:

- المرتكز الأول: الظرفية الملائمة لانبثاق الاهتمام بالعامية

تتصور كوبي أن الاهتمام بموضوع العامية بدأ مع مطلع الألفية الثالثة. ويحمل هذا التصور قطيعة مع الماضي مركزًا على مرحلة محددة يجد لها مرتكزًا من خلال نقطة انطلاق. لكن ماذا تعني ببداية «الاهتمام»؟ إنها تعني به الوعي بتحول موضوع العامية إلى قضية تخرج من مستوى الحضور العادي إلى مستوى الحضور الإشكالي، بحيث توجد قطيعة جذرية بين ما سبق وما سيأتي. نقطة التحول الجذري هاته هي المحطة التاريخية المفصلية لأحداث الدار البيضاء في 16 أيار/مايو 2003، بحيث تربط كوبي بين تلك المحطة وعودة الاهتمام بالعامية برابط الهوية المغربية، بحيث

  1. Simon Lévy, «Repères pour une histoire linguistique du Maroc,» papier présenté à: «Les Langues maternelles au Maghreb,» (colloque international, Tizi-Ouzou, Algérie, 16-20 Octobre 1990), publié dans: Estudios de dialectologí a norteafricana y andalusí (Zaragoza: Universidad de Zaragoza, Area de Estudios Arabes, 1996), pp. 127-128.

ترى فيها مفتاحًا ومنعطفًا في مسار الدعوة إلى العامية؛ إذ عرف المغرب في إثر تلك الأحداث دينامية جديدة، تمثّلت في قضية الموسيقيين الشباب المتهمين بعبادة الشيطان، والتفجيرات المختلفة في العالم التي تورط فيها مغاربة في سنتي 2003 و 2004، وهو ما كان له على الأقل ميزة تحرير الكلام على ما مكّن من دفع المغرب نحو مثل هذا المنزلق، فبدأت الأصوات ترتفع من مختلف الآفاق لإعادة الاعتبار إلى العامية كلغة مشتركة للجميع24. في السياق نفسه، يعتبر الباحث الفرنسي بيير فيرميرين، المهتم بالشؤون المغربية، أن مأساة 16 أيار/مايو 2003 يجب أن تعمل على تسريع وعي المغرب بإعادة الاعتبار إلى العامية، وهو يلمّح إلى أن أسباب تلك الأحداث تجد أسبابها المفسرة في تجاهل منح وضعية واضحة للعامية، والعمل على استمرار نوع من الغموض في موقعها بالنسق اللغوي المغربي25.

- المرتكز الثاني: مجلة تيل كيل

وجدت كوبي في مجلة تيل كيل) Tel Quel) أحد مرتكزاتها، لأن خطها التحريري يتبنّى الدعوة إلى العامية، بالإضافة إلى أنها تصدر باللغة الفرنسية، مفتاح كوبي لفهم المجال اللغوي المغربي. وترجع كوبي، في حفرها لتبيّن جذور الظاهرة، إلى بداية الألفية الثالثة، محاوِلة البحث عن الإرهاصات الأولى لبداية الدعوة إلى العامية في المغرب، وتجد مرتكزها في ملف نشرته في المجلة المذكورة سنة 2002 بعنوان: «العامية لغة وطنية»، وتعتبر أنه سيظل ملفًا عالقًا بالذاكرة. وقد جاء فيه: «العامية هي لغتنا الوطنية الحقيقية. والعربية المغربية، التي هي لغة حديثنا اليومي، لا تُحمل على محمل الجد. ومع ذلك، فإنها اللغة الوحيدة التي توحدنا»26. تركّز كوبي على عنوان «اللغة العامية هي لغتنا الوطنية» كما جاء في المجلة، وهذا ليس منصوصًا عليه دستوريًا في المغرب. كما أنها تؤكد أن العامية هي لغتنا الوطنية الحقيقية، في إشارة إلى أن اللغة العربية المنصوص عليها في الدستور ليست لغتنا الوطنية الحقيقية. هذه هي الخلاصات التي نخرج بها من قراءتنا لطريقة تحليل كوبي. وعندما تتحدث عن «اللغة التي توحدنا»، تُبرز جانب الوحدة والتوحيد، خصوصًا أنها توحد بين متكلمي تنويعات الأمازيغية الذين لا يتفاهمون في ما بينهم إلا بها27.

  1. Dominique Caubet, «Génération darija!,» dans: Estudios de dialectología norteafricana y andalusí (Zaragoza: Universidad de Zaragoza, Area de Estudios Arabes, 2007), p. 240.
  2. Pierre Vermeren, «Langue et violence au Maghreb,» Le journal hebdomadaire (14 Juin 2003).
  3. Caubet, «Métissages linguistiques,» p. 150.
  4. Dominique Caubet, «Darija, langue de la modernité-Entretien avec Noureddine Ayouch,» dans: Estudios de dialectología norteafricana y andalusí (Zaragoza: Universidad de Zaragoza, Area de Estudios Arabes, 2003), p. 136.

تستند كوبي إلى افتتاحية مدير المجلة أحمد بن شمسي بعنوان «ما هي هويتنا الحقيقية؟ إنها العامية،!وهي توجد على طرف لساننا كل يوم »، ويرى أن لغتنا المشتركة الوحيدة هي العامية، والعامية تشك ل هويتنا الحقيقية، والعامية: لغة حية والعربية لغة تحتضر28. ويعتبر أحمد بنشمسي أن العامية تتوفر على مقومات اللغة. ولنتبيّن فهمه للعامية، نضرب هذا المثل: إنه يرى أن عوض استخدام عبارة «أنقر على الفأرة»، نقول ب«المغربية»: «كليكي ف سوري » (clikif’la souris (، فالأمر أسهل بالنسبة إليه! ويطلِق بنشمسي على العامية المغربية اسم «مغربية»، عوض «العربية المغربية» لاجتثاثها من جذورها العربية، والتخلي عن الاستمرارية والقطع مع جذور الثقافة العربية الإس مااية للشخصية المغربية، والاحتفاء ب«تمغربيت»، أي بما يربط المغاربة في ما بينهم فقط. ويرى بنشمسي أن الكلمات الفرنسية إرث وملك ل«المغربية» التي تستوعبها في إطار بنيتها الخاصة، لكن ردّنا هو: لم لا تنقيه اللغة العربية من الإرث الاستعماري؟ لأن تلك العبارات الدخيلة يوجد مقابلها في اللغة العربية. وإذا كانت وضعية الاستعمار لم تسمح بالبحث عن مقابلات للكلمات الأجنبية، فالآن يمكن استعمال كلمات عربية نظرًا إلى تطور البحث العلمي والتعليم والإعلام بالعربية. فيجب التفكير في مسألة كيفية استعمال عبارات مثل سيارة عوض «طوموبيلا» automobile)) ومكان عوض «بلاصة» place)...) يتحدث بنشمسي عن العامية كمكوّن للهوية المغربية بمفرداتها من اللغات الاستعمارية، كما لو أن تلك المفردات ثابت من ثوابت الهوية الأصلية المغربية، وليست نتيجة غصب وغلبة واستعمار. لكن تلك المفردات الدخيلة تخلق عدم انسجام، وهي عناصر نشاز داخل اللغة العربية والهوية المغربية. ونتساءل: هل يتكلم بنشمسي الفرنسية أو يكتبها من دون احترام قواعدها وصرفها وقاموسها؟ فهو يخفي أن هذه الهوية التي يعتبرها حقيقية هي نتيجة عوامل خارجية، يسكت عنها. هناك أمر يجعلنا نتساءل: لمَ تحيل كوبي دائمًا إلى مجلة تيل كيل؟ ولمَ تحيل دائمًا إلى نصوص فرنسية؟ ما معنى ذلك في بنائها موضوعها ودفاعها عن العامية؟ يبدو أن ذلك من أهم مداخلها، بحيث ترتكز على كتابات نخبة مغربية فرنكوفونية، تنسجم مع أفكارها، بل يمكن أن نقول إن قوتها الضاربة في دفاعها عن العامية هي مجلة تيل كيلالتي تُعتبر وسيلة إع ماا معبئة أكثر منها ناقلة أو عاكسة لنقاش يتعلق بمكانة العامية داخل الفضاء العمومي المغربي.

- المرتكز الثالث: الشباب جيل العامية

إذا كانت كوبي قد وجدت في مجلة تيل كيلبعض المواد الخام لبناء تصورها المدافع عن العامية، فإنها وجدت في مهرجان «البولفار» لموسيقى الشباب نقطة ارتكاز أخرى لتدعيم بنائها النظري. وقد

  1. Caubet, «Génération darija!,» p. 234.

اختارت لدراستها الموضوع هذا عنوانًا دالً هو «جيل العامية»، فالجيل الشاب المغربي الصاعد يحمل مشروع النهوض بالعامية، بكل ما يمثّله من فتوة وقوة الآمال والأح ماا؛ فهذا الجيل متحرر من جميع قيود الأجيال الماضية، ويعبّر عن حركة اجتماعية مغربية تنبثق من المجتمع المدني، وتغيب عنها الطبقة السياسية تمامًا. وتتضمن هذه الحركة إعادة اعتبار جديد للعامية (العربية المغربية) التي تستعمل بانفتاح لتحديد هوية مغربية جديدة وقريبة من الواقع أكثر من العبارة «العربية» التي تُستعمل رسميًا. تؤرخ كوبي لانبثاق هذه الحركة المجتمعية المغربية العميقة في بداية الألفية الثالثة، ومجالها مهرجان «البولفار»، حيث يتصالح المغاربة مع أنفسهم، ويعيدون تملّك عناصر من هويتهم سبق أن تم التخلي عنها عمومًا لمدة طويلة، ويستعملون العامية لدعم الهوية المغربية الجديدة المتعددة. وهي ترى أن هذه الحركة، التي تسجل الوعي بهوية جديدة ومتعددة، تستند بقوة إلى العامية، لكن ما يؤخذ على كوبي أنها حينما تحتفي ب«جيل العامية»، تسلك سبيل التعميم السهل، ولا تنتبه إلى تعدد فئات الشباب المغربي وانشغالاتهم المختلفة، بحيث لا يشكلون وحدة منسجمة، كما أنها حينما تتحدث عن هوية متعددة، لا تأخذ بعين الاعتبار جميع مكونات الهوية المغربية، وتضخّم مكونات على حساب أخرى خدمة لأطروحتها. تجد كوبي في مهرجان «البولفار» ما يعكس لرؤيتها، ففيه يتحدث الجميع العامية، خصوصًا أن الشباب هم الحاضرون فيه، ويعبّرون من خلال العامية عن آمالهم وأحلامهم بكلامهم الحقيقي29. تضفي كوبي على عامية الشباب صبغة «الك ماا الحقيقي» في مقابل الك ماا الوهمي والمزيف، أو ما شئنا من التعابير المماثلة، بمعنى أن مجال إنتاج الك ماا المعبّر عن هموم الشباب هو مهرجان «البولفار»، ومجالات إنتاج الك ماا الأخرى لا تستحق ذلك الوصف. وبذلك تنظر إلى مهرجان «البولفار» بوصفه حامل مشروعًا مجتمعيًا تربويًا لغويًا يتجاوز المستوى الموسيقي الشبابي، ليكون نموذجًا يُحتذى في نظامنا التعليمي العتيق الذي يعتمد على التلقين والحفظ.

- المرتكز الرابع: العامية لغة حداثة

اصطدمت كوبي بمأزق التوصيف القدحي لمفهوم «العامية» الذي يحضر في التمثلات العامة للمغاربة على أنه ملتصق بلغة الشارع والابتذال والتخلف. لذلك حاولت نفض غبار هذه الشحنة السلبية عنه وربطه بقيم إيجابية تتجلى في الحداثة والعصرنة والإبداع... ووجدت في نور الدين عيوش، ممثِّل «التيار الحداثي»، المدافعَ عن استخدام العامية. وقدمت في دراسة بعنوان: «العامية لغة الحداثة، حوار مع نور الدين عيوش» العاميةَ في صورة إيجابية جديدة.

  1. المصدر نفسه، ص.236

ونسجل هنا أن كوبي عندما اهتمت ب«نموذج عيوش» خرقت مبدأ «القطيعة التاريخية» مع ماضي ما قبل الألفية الثالثة، لتعود إلى شخصية ذات تاريخ طويل، مع توظيف العامية في المجال السمعي - البصري عمومًا، والإشهاري خصوصًا. تفند كوبي في حوارها فكرة مفادها أن العامية تعني التخلف والأمية، وتقدم عيوش باعتباره أحد المدافعين عن العامية التي هي عامل حداثة، وهي على وجه الخصوص، أداة ضرورية لإقامة ديمقراطية حقيقية، إلى جانب الأمازيغية30. وتُبرز نورَ الدين عيوش كأحد الفاعلين النشطين في مجال النهوض بالعامية في المغرب، من خ لاا تقديم تجارب تدريس ناجحة لأطفال بالعامية في مؤسسة زاكورة، وريادته في استعمال العامية في الإشهار، واستعداده لإط ق قناة مستقبلية بالعامية اسمها «مفيدة»31، لكن مشروعه لم ير النور. يعزز عيوش منطلقات كوبي، فيقول إنه شعر منذ طفولته بالفرق بين لغة المنزل، وهي العامية، ولغة المدرسة التي سمّاها الفصحى واعتبرها «لغة أخرى»، في حين أن اللغة الفرنسية، وباقي اللغات الأجنبية المدرّسة في المغرب، تتشابه بين اللغة المتعلمة في المدرسة واللغة المتحدث بها في المنزل32 ونستشف من كلامه أننا نعيش وضعية شاذة، وأننا نحتاج إلى التخلص منها وتجاوزها بالمصالحة مع الذات والاعتراف بالعامية وعدم بخسها قيمتها. وتقدّم كوبي نورَ الدين عيوش في صورة المبادر إلى إحداث تحولات جذرية ارتكازًا على العامية؛ ففي مجال الإع نااات التلفزيونية، كان عيوش السبّاق إلى استخدام العامية في الإشهار. ويقول عيوش: «عندما لا يفرض علينا المعلن اللجوء إلى العربية الفصحى، نستعمل العامية تلقائيًا. وأرى أن استعمال العربية الفصحى خطأ، لأن الناس لا يفهمونها، وهناك 90 في المئة من الوصلات الإشهارية تقدم بالعامية.» لا يخفى ما لوسائل الاتصال الجماهيرية (المكتوب والسمعي - البصري والإشهار) من وقْع عند استخدامها العامية، بحكم الترابط بين هذه المجالات وتبادلها التأثير والتأثر، ولكونها الفضاء العام الذي يشكّل الملكة اللغوية للناشئة والناس عمومًا. ويردّ عليه العربي المساري بالقول: «تصر الوكالات على استعمال العامية في الملصقات الإشهارية التي تفرض نفسها على المارة في الشارع. وقد سبق لي أن كتبت أن بعض العبارات تُكتب في تلك

  1. Caubet, «Darija, langue de la modernité,» p. 135.
  2. المصدر نفسه، ص.137
  3. المصدر نفسه، ص.137

الملصقات بطريقة هي أقرب إلى الألغاز. وأريد أن أنبّه مرة أخرى إلى الخطورة التي ينطوي عليها استعمال عبارات بالعامية في تلك الملصقات، بالنسبة للناشئة»33. وفي مجال الصحافة المكتوبة، يقدّم عيوش تجربته الصحافية؛ فقد أصدر جريدة تسمى زاكورة بكتابة عربية بسيطة ومشكولة وحروف كبيرة وتعابير بالعامية قصد فهم الناس لها. ويبرز من خ لاا ك ماا عيوش حضور هاجس الفهم والتبسيط. لكن في ما يتعلق بإشكالية الفهم: ما هي شروط الفهم؟ هل التبسيط أم القرب أم ماذا؟ ولماذا هذا الهاجس في الحث على مسألة الفهم؟ هل للوصول إلى الناس أم لتحسين استيعابهم أم لاستقطابهم؟ إن اختيار كوبي لنور الدين عيوش ليس اعتباطيًا، بل يعبّر عن مواقف لغوية جريئة، من قبيل «الفصحى ليست لغتنا، بل أتت من الخارج، وفُرضت علينا، وهي ليست لغة متكلمة. في حين أن العامية لغة حيّة ومتداولة في حياتنا اليومية»34. ويُرجع عيوش سبب عدم الاعتراف بالعامية إلى بعض الأحكام الجاهزة لدى الجهات الرسمية من قبيل الوحدة العربية، وكون العربية لغة القرآن35. وينتصر للعامية التي يعتبرها سهلة القراءة والفهم، وحيوية وبابًا نحو الانفتاح على العلوم. أمّا الفصحى، فصعبة القراءة فتُوقع في الخطأ36. الهدف من قول عيوش هذا هو إحلال العامية السهلة محل العربية الفصحى الصعبة. لكن «الصعوبة أو السهولة اللغوية أو غيرهما أمر نسبي، ومن العسير جدًا الوصول إلى إجابة واحدة جامعة مانعة، كل شيء مجهول يكون في البداية صعبًا على المتلقي، إذ من عرف أل ف ومن جهل استوحش، أو الناس أعداء ما جهلوا، ولا بد من التفصيل والتحليل وتجنّب أسلوب التعميم. قد يكون هناك وجه صعوبة وعسر في لغة ما بالنسبة لهذا الأجنبي، ومثال سهولة ويسر بالنسبة لأجنبي آخر، وذلك عائد في معظمه إلى خلفية كل منهما اللغوية واستعداد كل منهما ومقدرته على تعلم أشياء جديدة. وبهذا الصدد من الواجب ذكر ما لأسلوب التدريس وطبيعة مادة الكتب التعليمية من تأثير كبير في نجاح العملية التربوية التعليمية أو فشلها»37. وكما نرى، يمثّل نور الدين عيوش نموذج النخبة الفرنكوفونية المدافعة عن استعمال العامية والمناه ضة للعربية الفصحى. ووجدت فيه كوبي صوتًا حامل مشروعها اللغوي نفسه، لذلك فسحت له مجال القول لتدعيم طروحاتها.

  1. محمد العربي المساري، «الفصحى والدارجة في الإعلام،» ورقة قدمت إلى: ندوة أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، -20 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2010، ص 3 (نص مرقون.)
  2. Caubet, «Darija, langue de la modernité,» p. 139.
  3. المصدر نفسه، ص.140
  4. المصدر نفسه، ص.141
  5. حسيب شحادة، «اللغة العربية واللهجة العامية: تعليق على «اللغة العربية واللهجة العامية»،» على الموقع الإلكتروني: <http://web.beitberl.ac.il/~bbsite/aitat/alresale-files/alrisala-07/9HasibShahade.pdf>.

- المرتكز الخامس: العامية لغة المستقبل

ترى كوبي في استخدام الشباب العامية من أجل التواصل عبر تقنيات الاتصال العصرية، من هاتف نقال وإنترنت، دليً قاطعًا على قدرتها على ركوب موجة الحداثة التواصلية38، لتصبح بذلك لغة المستقبل. ويقرن المحللون ظاهرة كتابة العامية للتواصل عبر التكنولوجيات الحديثة بتحولات مجتمعية، تتجلى في كونها حركة شبابية مدينية (المدن الكبرى) تستعمل الحرف ال تاايني وبعض الأرقام لكتابة العربية. ويسجّل بيريرا ازياد كتابة الشباب، بصورة خاصة، للعربية المغاربية بالحرف ال تاايني في الرسائل النصية القصيرة ومواقع الدردشة والتواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، وفي وسائل الاتصال الحديثة المستعملة بكثرة في البلدان العربية. وعندما يوظف الحرف ال تاايني للكتابة، تستعمل أرقام 3 و 7 و 9 لكتابة بعض الحروف العربية التي تشبهها39. لكن كتابة العامية بحروف لاتينية ليست مسألة متعلقة باقتناع الفاعلين الاجتماعيين أو اختيار أو قرار مفكر فيه وواع، بل هو نتيجة السبق في تطور البرامج الإلكترونية لإنترنت بالحرف اللاتيني، بحيث لم تكن البرامج العربية متوافرة في الأجهزة الإلكترونية، لكن مع وجودها الآن قد يتغير الأمر بالميل إلى الكتابة بالحرف العربي.

- المرتكز السادس: العامية لغة إبداع

تدافع كوبي عن أطروحة مفادها أن العامية هي لغة الإبداع وليست لغة شارع مبتذلة أو سوقية، ماضيًا من خ لاا الزجل والملحون...، وحاضرًا، من خ لاا الأغاني الشبابية (أغاني الراب) التي تعبّر عن واقع الشباب حقًا40. وقد أجرت حوارًا مع عمر السيد، أحد أفراد مجموعة ناس الغيوان الغنائية التي تعتبرها من أهم المجموعات الممثلة لإبداع بالعامية المغربية41.

مضمرات طروحات كوبي

حددنا أعلاه أهم مرتكزات نموذج كوبي المدافع عن عامية مغربية قابلة للاستعمال في شتى مناحي الحياة اليومية والعلمية. أمّا الآن، فنرصد أبرز الاختلالات التي تعتري هذا النموذج.

  1. Caubet, «Génération darija!,» p. 242.
  2. Pereira, «Arabe maghrébin,» p. 123.
  3. Caubet, «Génération darija!,» p. 240.
  4. Dominique Caubet, «Entretien avec Omar Sayed (Nass El Ghiwane): «ed-darija dyal-na, fi-ha el-3etriya!»,» dans: Estudios de dialectología norteafricana y andalusí (Zaragoza: Universidad de Zaragoza, Area de Estudios Arabes, 1999), p. 121.

المضمر الأول: صعوبة التسمية

نودّ أن نسجّل هنا استعمال كوبي مرادفات متعددة لتعبّر عن «العامية»، كما تستخدم عبارات كثيرة لتعبّر عن «الفصحى». وهذا يعني أن الأمر ما زال في طور الإنضاج، ولم يتحدد بدقة حتى اللحظة، حتى بالنسبة إلى هذه الباحثة التي آلت على نفسها التخصص بالموضوع.

المضمر الثاني: التركيز على الحاضر وإهمال الماضي

نأخذ على كوبي أنها أقصت محطات تاريخية سابقة مهمة، وهذا ما لا يتماشى مع الفهم السليم لاستمرارية التاريخ، وفضّلت منطق القطيعة الجذرية فتحررت من السياق التاريخي العميق للواقع اللغوي المغربي، كما لو أنها حلت في فضاء لغوي يُكتشف أول مرة. ولذلك، يطلق لها هذا التحرر العنان للنظر في الوضعية اللغوية كما هي الآن، فليس لها الوقت أو الرغبة أو الأدوات أو القدرة على القيام بأركيولوجية لترسبات الواقع اللغوي ومساراته، في حين يتوفر معارضوها على وعي بالتاريخ ربما يقيدهم، لكنه يجعلهم واعين بسياق الموضوع، وبالتالي يحميهم من التسرع في إطلاق الأحكام. وعلى العموم، نحن أمام رؤية خارجية وأخرى داخلية، ويخلق الموقع وزاوية النظر التصورَ ويحددانه. وإذا كانت أعمال كوبي تفتقد الموضوعية، فهذا لا يعني أننا نضع الأعمال اللسانية الغربية في المكانة المعرفية نفسها، بل يزخر بعضها بأعمال موضوعية مفيدة للغاية.

المضمر الثالث: عدم مساءلة اللاوعي المعرفي الغربي

ينطبق مفهوم «اللاوعي المعرفي»، بحسب ميشيل فوكو، على أسس كوبي النظرية، ويشير هذا المفهوم إلى البديهيات والأسس والمسلّمات الضمنية التي تنفلت من الوعي، وتشك ل المسكوت عنه والجزء اللامرئي من الخطاب واللامفكَّر فيه، بحيث لا يمكن أن نفكر في أي شيء في أي وقت، بل لا نفكر إلا في إطار ما يشكل الفكر الممكن لفترة محددة. ينطلق بعض الباحثين الغربيين من ذلك ال وااعي، وبه يدركون واقع الوضع اللغوي في المغرب. وتنطلق كوبي من ذلك اللاوعي المعرفي الجمعي، الذي يشكل أساس مقاربتها للواقع اللغوي في المغرب، ويتردد صدى المسلمات والمقدمات والنتائج نفسها في أبحاث الأجيال العلمية الغربية المتعاقبة بشأن المغرب.

المضمر الرابع: منزلق سحب الخاص على العام

ترى كوبي في ظواهر وأحداث محددة عوامل فاعلة وحاسمة، وتحمّلها ما لا تحتمل، وتعتبرها عناصر ومؤشرات تخدم أطروحتها وتنتصر لها. لكن قصور كوبي المنهجي يكمن في أنها تنطلق من حالات خاصة (مهرجان موسيقى شبابي ولغة بعض الشباب)، وتعممها على جميع المغاربة، فتسقط في منزلق سحب الخاص على العام، وتستنتج من ظواهر محددة في الزمان والمكان، وخاصة ببعض الفئات العمرية، توجهاتٍ عامة تُسقطها على المجتمع برمّته.

ذهب الباحثون سبً ومذاهب شتى في تحديد جذور الثنائية اللغوية وتفسيرها، ونبشوا في كتب تاريخ اللغة للتعرف إلى أسباب هذه الثنائية، عكس كوبي التي اكتفت بما وجدته من وضعية لغوية، فليس في برنامجها أو نيتها فهم الوضع الحالي من خ لاا ربطه بماضيه بقدر ما تبحث له عن استقلالية وتأسيس مشروعيته وتحويله من واقع ربما يكون محط سؤال إلى وضعية مستساغة، بل ضرورية التحقق والترسخ. وهنا يقع تداخل في الخيط الرفيع الذي يجب أن يفصل بين المعرفي والأيديولوجي، ويخفي الانبهار بالضجيج عمق المقاربة النقدية، ويحجب عنا جدّية مقاربة المسألة اللغوية في المغرب.

المضمر الخامس: السقوط في النزعة الاختزالية

تخفي كوبي العناصر التي تشوش على صفاء نموذجها التحليلي لتقدم أطروحتها متماسكة، وبذلك تخرق أخلاقيات الباحث العلمي الموضوعي الذي يستحضر جميع مكونات المجال المدروس، ولا يختزل أو يقصي بعض العناصر، لأنها لا تتماشى مع تأكيد مسلماته وفرضياته. وبذلك تفقد كوبي صفة الباحثة الموضوعية النزيهة، لتصبح صاحبة قضية تدافع عنها بطرق شتى، وتستبعد العناصر التي تفند طرحها؛ فعوض أن تشخص الوضعية اللغوية كما هي بتعددها وتناقضاتها، تسلط الضوء على مكونات المجال اللغوي التي تسعى للنهوض بها، وتترك المكونات الأخرى في العتمة؛ فهي باحثة بين منطقين: كشف الحقيقة وحجبها بما يخدم مصلحة رؤيتها.

المضمر السادس: وضعية ملتبسة بين الباحثة والمناضلة اللغوية

حينما تدرس كوبي الوضعية اللغوية في المغرب، تستحضر في الخلفية الوضعيةَ اللغوية في فرنسا، وتحاول الإمساك بخيوط ما تعتبره بنية حركة مجتمعية عميقة «تلقائية» شبابية (مهرجان «البولفار)» وإع مااية (مجلة تيل كيل) و«فكرية» (نور الدين عيوش) وثقافية فنية (ناس الغيوان) ومستقبلية (تنامي استعمال الشباب العامية في تكنولوجيات المستقبل)، تشترك في استعمال العامية أو الدعوة لها. ووضعت عليها لمستها العلمية، لبناء لبنات موضوعها، ولتقعّد هذه الظاهرة أو الحركة بأدوات معرفية ومنهجية. والسؤال المطروح هو: إلى أي حدّ أفلحت كوبي في استخراج عناصر وحجج منسجمة ومتماسكة، تصلح عنوانًا لظاهرة أو حركة مجتمعية عميقة لغوية وثقافية وفكرية، وتعيد النظر في سؤال اللغة والهوية في المغرب؟ قامت كوبي بتشخيص حالة جزء من الحقل اللغوي في المغرب، وهنا تكمن وجاهة مساهمتها في تسليط الضوء على مكوّن من المجال، إلا أنها لم تتوقف هنا، وتجاوزت هذا المدى، واستغلت نتائج بحثها، في حين كان عليها أن تفهم طبيعة سياق اشتغالها ولا تتعداه. كان عليها أن تقتصر على دور الباحثة الموضوعية، وتطرح المعطيات التي تتوصل إليها من دون أن تسعى إلى تعميمها أو توظيفها لغايات وقضايا أخرى؛ فمقدماتها وتشخيصها صحيحان، لكنهما جزئيان ولا يشملان الحقل

اللغوي برمّته، وهي تعتمد في رؤيتها على الانتقائية والاختزالية، وبالتالي لا يمكن أن تستنتج منها خلاصات كلية. لكن، ل مَ لبست كوبي جبة المناضلة كي تدعو إلى العامية وخلعت جبة الباحثة؟ أو لِمَ وظفت جبةِ الباحثة لتكون مناضلة في سبيل الدعوة إلى العامية؟ هل اختلط عليها الأمر، أم كانت واعية بوضعيتها وهي تتناول موضوع العامية؟ أتيحت لكوبي فرصة التعبير عن رأيها صراحة في النقاش الدائر على الساحة الاجتماعية والسياسية في المغرب بشأن مسألة اختياراته اللغوية، فميّزت بين وضعيتين للنظر: وضعية الباحث ووضعية المواطن، منطلقة من مشروعية الباحث ورأس ماله المعرفي، لأنها لا تتوفر على شرعية المواطنة. وعلى أساس هذا الاحتياط المنهجي، أقرّت بأن رأيها ينبعث من كونها لسانية وم حِظة للمجتمع المغربي، وليس كما قد يفعل ذلك مغاربة، كمواطنين مشاركين في نقاش سياسي. والاحتياط المنهجي نفسه أكدته حينما وُجِّه إليها استفسار عن مكانة العامية في المجتمع المغربي، وهذا الاستفسار هو مدار بحثها، فقالت: «لا يمكن أن أعطي نصائح حول هذه المسألة، فعلى المجتمع المغربي أن يقرر. وهذه اللغة التي تستعملها نسبة من الشباب المغربي تحتاج إلى الاحترام وليس الاحتقار. وهذه هي الحالة في المغرب منذ 7 أو 8 سنوات، وهذا أمر جيد أن يتم التصالح مع لغته أو لغاته الأم، هذا يمك ن من انطلاقة جيدة في الحياة. يمكن أن نستثمره لتسريع سيرورات تعلم لغات أخرى، مع اللغة العربية في المرتبة الأولى»42. لكن، هل التزمت كوبي في ردّها بحياد الباحث وواجب عدم تدخّل الأجنبي في قضايا مجتمعات مغايرة؟ إذا كان ثمة حسنة تُحسب لأجانب الدارسين للعامية، فهي أنهم «لا يتأثرون بقداسة اللغة العربية الفصحى (الك سيكية). لذلك فهم يشعرون بضرر أقل في اختراق الطابو ومساءلة اللغة بطريقة موضوعية وأكاديمية»43. هذا هو التصور الذي تبنّاه أيضًا طه حسين الذي تشبّع بالمناهج النقدية الغربية، ونجد أثره في النصوص التي جمعها له جاك بيرك. يقول طه حسين: «لا ينبغي أن يكون لنا احترام كبير للنصوص القديمة. فالاحترام يعيق التفكير. وليس له دور في اكتساب الكفاءة اللغوية، التي لا تكتسب بتكرار ما قيل أو كُتب إلى درجة استبطانه ومعرفته عن ظهر قلب. يجب أن نتبنى رؤية نقدية. وإلا سنكون مثل الببّغاء، نكرر ونقلد، ولا نتعلم لغة»44.

  1. Amine Harmach, «Dominique Caubet: «La Darija a vu son statut évoluer dans la société civile»,» Aujourd’hui le Maroc , 9/7/2010.
  2. Ali Mekkhaz, «Le Darija une langue qui déchaîne les passions,» Le Courrier de l’Atlas , 13/5/2007.
  3. Dora Carpenter-Latiri, «L’Arabe, butin de guerre?,» GLOTTOPOL: Revue de sociolinguistique en ligne , no. 1 (Janvier 2003), p. 63.

لكن كوبي لم تقتصر على تشريح الموضوع بمبضعها النقدي الموضوعي، بل اتخذت مواقف لا تتماشى مع ضرورة حياد الباحث وصرامته العلمية. ولم تُوفَّق في إخفاء توجهها واختيارها الداعم للعامية، رغم أنها اختبأت وراء مشروعية الباحث ولبست قناع المحترِمة قرار المجتمع المغربي وأنه سيّد موقفه. من بين المهمات التي أخفقت فيها هي محاولتُها إقامة ربط تعسفي بين العامية والحداثة والديمقراطية والعلوم والعولمة، لأنها لم تقدم حججًا دامغة للتدليل على وجاهة طرحها في هذا المجال، وبقيت دفوعاتها تعاني القصور، لأن اكتمال صرح بنائها النظري حول العامية لغةً حيّة متجددة ومنفتحة على المستقبل، لا يتم إلا بحمل العامية مشروع لغة تنتج معارف وعلومًا ومصطلحات تقنية، فضل عن كونها لغة الهوية.

النقاش في شأن قضايا العامية في فرنسا

حاولنا أعلاه توضيح مرتكزات أطروحة كوبي وتبيان مضمراتها في فهم الوضع اللغوي المغربي. كما ميزنا بين المستويين المعرفي والأيديولوجي في أطروحتها. أمّا الآن، فنقدّم لمحة عن النقاش الذي جرى في فرنسا بين كوبي وبعض المتخصصين بالدراسات العربية، للتعرف إلى خلفيات الاهتمام النظري ب«قضايا العامية.»

خلفيات النقاش اللغوي في فرنسا

يعسر فهم خلفيات كوبي ومسلّماتها من دون العودة إلى النقاش الفكري الثري الذي عرفته فرنسا حول وضعية العامية والفصحى في مؤسسات التعليم والمجتمع الفرنسي بأسره. ويفيدنا الإلمام بالخطوط الكبرى لذلك النقاش التعرف إلى انعكاساته في الساحة المغربية، لكي نمأ البياضات التي لا تفصح عنها كوبي وهي تباشر عملها في المجال اللغوي المغربي. إن النقاش الدائر حول موقع العربية الفصحى والعامية في المجال اللغوي الفرنسي لا يمكن أن نستوعب خلفياته وأبعاده ورهاناته من دون أن نستحضر سياق السجال الذي صاحب مختلف مواقف الداعين إلى تدريس العامية في البكالوريا الفرنسية أو إلى حذفها، وهو سجال قوي، و«عنيف» أحيانًا؛ ففي تلك المرحلة، تبلورت حول المسألة أبرز الطروحات.

تدريس العامية في البكالوريا بين مؤيد ومعارض

في سنة 1999، صنّف تقرير الباحث اللساني الفرنسي برنار سيركليني (B. Cerquiglini) العربية المغاربية ضمن «لغات فرنسا»، لكن وزارة التربية الوطنية أعلنت في السنة نفسها حذف الامتحان الاختياري للعربية العامية في البكالوريا. هذا الامتحان، الشفوي حتى سنة 1994، الذي كان له الاستحقاق الكبير للاعتراف بمعارف مكتسبة خارج المدرسة، مر إلى الامتحان الكتابي سنة 1995 مع 27 لغة أخرى «ليست موضوع تدريس»، وتم نقلها إلى المعهد الوطني للّغات والحضارات الشرقية.

استقطبت العربية العامية 10.111 مرشحًا في سنة 1999، أي 78 في المئة من 28 لغة، و 2 في المئة من المرشحين في البكالوريا. لكن رغم نجاح العربية العامية وشعبيتها المتعاظمة، وتراجع العربية الفصحى التي ضمّت 1722 مرشحًا فقط، بعد سنتين من تدريسها، جرى في سنة 2001 شطب العربية العامية نهائيًا من لائحة اللغات المعتمَدة لدى وزارة التربية الوطنية. كانت كوبي من أشد المدافعين عن تدريس العامية في البكالوريا، لكنها خسرت هذه «المعركة» وأصيبت بالإحباط وخيبة الأمل، ورأت «الثأر» في الانفتاح على المغرب45.

أزمة فرنسا تفتح آفاقًا جديدة لكوبي في المغرب

ترى كوبي أن النكسة التي مُني بها تدريس العامية في البكالوريا لا تتماشى مع انتعاشها في المغرب. وتأسف لهذا الحذف أو الحيف لأنه تزامن مع ولادة حركة مجتمع، خاصة في المغرب الذي يقدم العربية المغربية عنصرًا أساسيًا في تحديد الهوية الوطنية، ومع تزايد استعمال هذه اللغة من دون مكانة رسمية في الإنترنت، وتوسع مداها، لتشمل الصحافة المكتوبة والراديو والتلفزيون، وتصبح مرادفة للحداثة والعولمة46. وقد تابعنا سابقًا كيفية اهتمام كوبي بالتنظير لنموذج مغربي متصالح مع لغته (العامية) وهويته (تمغريبيت)، أمّ ا الآن، فنعرض ل عااتراضات التي وجهها معربو فرنسا لأسسها النظرية.

معربو فرنسا ينتقدون طروحات كوبي

تعرضت طروحات كوبي لاعتراضات وجيهة من لدن معربي فرنسا خلال النقاش الدائر حول تدريس العامية في البكالوريا الفرنسية. وفي هذا الإطار نسجل ملاحظة مهمة هي أن أفكار كوبي لا تلقى قبولً «علميًا» حتى لدى بعض المتخصصين اللغويين الفرنسيين باللغة العربية، وهو ما يُبعد الطابع «الأيديولوجي» و«المتحيز» للعروبة الذي قد يوصم به باحث لساني عربي يتصدى لانتقادها. وتتمثّل هذه الاعتراضات في ما يلي:

- الاعتراض الأول: لا لتدريس العامية بمعزل عن الفصحى

أقوى الانتقادات الموجَّهة إلى كوبي نجدها لدى الباحثة اللسانية دورا كاربنتر لاتيري التي تميّز بين موقفين متعارضين جذريًا لمعربي فرنسا من تدريس العربية الفصحى أو العامية في البكالوريا هناك. الموقف الأول يدافع عن تدريس العامية بمعزل عن الفصحى، وهذا الموقف تتبنّاه أقلية، من بينها كوبي المسؤولة عن شعبة العربية المغاربية في المعهد الوطني للّغات والحضارات الشرقيّة في

  1. Dominique Caubet, «L’Arabe maghrébin à L’INALCO: Enseignement et recherche,» Langues et cité: Bulletin de l’Observatoire des pratiques linguistiques , no. 15: L’Arabe en France (Octobre 2009), p. 9.
  2. المصدر نفسه، ص.9

باريس. والموقف الثاني يوصي بتعليم الفصحى، فضلً عن تعليم يمكّن من فهم العاميات الأساسية، وهو موقف أغلبية معربي فرنسا47.

- الاعتراض الثاني: الفصحى ليست لغة ميتة مثل اللاتينية

تنتقد كاربنتر لاتيري الباحثةَ كوبي لأن الأخيرة تشبّه العربية الفصحى باللاتينية؛ فمن منظور كوبي، ليست العربية الفصحى اللغة الأم لأحد، وتعل م قراءتها هو تعلّم لغة أخرى، ويقترب الأمر من وضعية اللاتينية التي تعتبرها كوبي لغة ميتة48. إلا أن كاربنتر لاتيري تُبعد نعت «الميتة» عن اللغة العربية وتصفها بالمليئة بالحيوية. وإذا كانت الفصحى ليست اللغة الأم لأحد، فإنها تُقرأ وتُكتب وتدرَّس، ولها مؤسسات تحميها وتحافظ عليها في التعليم والمسجد والإع ماا (الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون والفضائيات.) توضح كاربنتر لاتيري أن الباحثة كوبي تؤسس حجاجها على مقترحات تقرير سيركليني بشأن لغات فرنسا. وتُرجع اهتمام كوبي الحصري بالعامية إلى استنادها إلى مقاربة حقوقية مثالية للدفاع عن اللغات «المهيمَن عليها»، وهذا أمر مشروع، حينما يتعلق الأمر بالدفاع عن العاميات الأمازيغية. وترى أن مقاربة كوبي لا تأخذ بعين الاعتبار وضعية المغرب العربي، حيث ساهمت عوامل التعريب وتعميم التمدرس ووسائل الإعلام في تعديل قدرات الفصحى، حتى لو أن هذه القدرات يمكن أن تكون كامنة أو غير مستعملة. والتركيز على المغرب العربي فقط لا يأخذ بعين الاعتبار الشعور شبه العام لدى العرب بالانتماء إلى مجال ثقافي مألوف، حتى لو كان هذا المجال مختلفًا، كما تؤكد ذلك الشهرة الكبيرة لقناة الجزيرة الفضائية القطرية49. تنبّه كاربنتر لاتيري إلى أن العولمة الإع مااية (فضائيات الجزيرة والعربية...) أعطت الفصحى قوة كبيرة، في حين تساهم النقاشات حول الدفاع عن لغات الأقليات في إعادة تحديد مكانة العاميات50.

- الاعتراض الثالث: العامية كلغة أُم ليست منفصلة عن الفصحى

تعتبر كاربنتر لاتيري أن دفاع كوبي عن العامية بوصفها اللغة الأُم المنفصلة عن العربية هو حجة مهمّة، لأنه يستند إلى مبدأ مهم في ديداكتيك اللغة وتهيئتها، وهو المبدأ الذي ينص على أن أول استئناس للطفل بعالم المدرسة يجب أن يتم عن طريق اللغة الأم واللغة المألوفة لوسطه الأصلي. هذا المبدأ ذو آنية حارقة على جبهتين: جبهة تثمين العامية وجبهة استعمالها في تدريس الأطفال51.

  1. Carpenter - Latiri, p. 54.
  2. المصدر نفسه، ص.55
  3. المصدر نفسه، ص.56
  4. المصدر نفسه، ص.54
  5. المصدر نفسه، ص.56

إلا أن الحديث عن تعليم الطفل باللّغة الأم في المدرسة، حتى يستطيع التدرج في تعلم لغة المدرسة، أصبح متجاوزًا، لأن ذلك يعني أن وسائل تلقين الطفل الوحيدة هي اللغة الأم، في حين أن الطفل أصبح يتعرض للغة العربية من خ لاا برامج الأطفال في التلفزيون، بل ويتابع برامج موجّهة إلى الكبار، وهذا ما يجعل إلمامه بها ممكنًا، ولا ينتظر حتى ينتقل من المنزل إلى المدرسة للتعرف إليها؛ فهو يطلع على اللغة الأم (العامية) كما يطلع على اللغة الفصحى. وهناك حاجة إلى إنجاز دراسة عن علاقة الطفل بوسائل الإعلام الحديثة، وأثر تعرّضه لكمٍّ هائل من العبارات العربية؛ فقاموسه اللغوي أصبح أكثر غنى، وانفتاحه على العالم اللغوي أو العوالم اللغوية أصبح متاحًا. وهو لا ينتقل بين جزر أو فضاءات لسانية ولغوية مغلقة بعضها على بعض، بل يعيش في جميع هذه الفضاءات اللغوية معًا، وهذا ما سيكون له تأثير في مكتسباته ومؤه تااه ومعارفه اللغوية. ويضع أطروحة اللغة الأم موضع تساؤل، لأن اللغة الأم تعني ربما وضعية لغوية بدائية أو أولية أو منغلقة نسبيًا ولا علاقة لها بالعوالم اللغوية الأخرى.

- الاعتراض الرابع: لا للفصل بين العامية والفصحى

يشير برينو هاف (B. Halff(، وهو مفتش عام للغة العربية في فرنسا بين سنتي 1974 و 2000 ومشارك في تأسيس الجمعية الفرنسية للمعربين، إلى أن كوبي تحب اللغة التي تنشغل بها، وهي العامية، وهذا الحب قوي وعنيف؛ فالعامية عالم لغوي، وهناك محاولة لاستكشاف هذا العالم بعمق من طريق قطعه عن الفصحى. والدفاع عن العامية هو في المجرد أمر مشرف تمامًا، لكن الدفاع عن العامية في البكالوريا كمانح كفاءة تكتفي بذاتها يُحْدث قطيعة بين الناس والفصحى، كما يُحْدث، عبر هذا أيضًا، القطيعة عن العاميات التونسية والجزائرية الأخرى52. وبحسب هاف، يجب على المرشحين للبكالوريا أن يعرفوا العربية الفصحى، بالإضافة إلى العامية التي تعطي بلا شك ولوجًا لتواصل أصيل لكن محدود، وأن يتقنوا الانتقال من واحدة إلى أخرى، كما يفعل العرب ذلك53. يطرح هاف وجهة نظر مدافعة عن أولوية تدريس العربية الفصحى التي تمثّل قيمة مضافة وترفع الناس نحو الأعلى، وهو ما يمك ن الولوج، انطلاقًا من أعلى، لمختلف التنويعات الجهوية. ويسجل ملاحظة وجيهة مفادها أن مكانة العامية بعيدة عن أن تكون محلولة في الجامعات العربية. لذلك، يجب أن يدرس العرب أنفسهم التراث الذي يعبَّر عنه بالعامية، وأن يدرسوه موضوعًا جديرًا بالدراسة، ويعترفوا به عنصرًا مشكِّلً لهويتهم54.

  1. المصدر نفسه، ص.61
  2. المصدر نفسه، ص.62
  3. المصدر نفسه، ص.63

- الاعتراض الخامس: تكامل لا تعارض بين العامية والفصحى

يميّز ليك دوفولس)L. Deheuvels)، أستاذ الأدب العربي في المعهد الوطني للّغات والحضارات الشرقيّة في باريس، بين سجلين للعربية، أحدهما مكتوب والآخر شفوي؛ فعبارات العربية الفصحى أو الأدبية أو الكلاسيكية، غالبًا ما تحيل إلى سجلات المكتوب، في حين تحيل العامية إلى العائلتين الكبيرتين للعاميات العربية المقترنة بالشفوي: العربية المغاربية (التونسية والجزائرية والمغربية)... والعربية المشرقية (المصرية والسورية واللبنانية والعراقية.)... كما أنه يقرأ في مواقف كوبي حججًا مشابهة للحجج المعبَّر عنها في الحلقات الدراسية لبلدية إعكوران، إحدى بلديات دائرة عزازقة التابعة لولاية تيزي وزو، في آب/أغسطس 1980. وهي عمل تحليلي للوضعية اللسانية في الجزائر تمخضت عنه توصيات عدة، أهمها أن الأمر لا يتعلق بتعارض بين العربية والأمازيغية وإنما بين العربية والعامية، وهذا يمثّل توجهًا أيديولوجيًا في قراءة الوضعية اللغوية، ويبتعد عن مبادئ التحليل العلمي الموضوعي. والخيط الناظم للتوصيات هو أن العربية الفصحى لغة أجنبية في شمال أفريقيا واللغة الوحيدة والحقيقية، أي اللغة الأم، هي العامية. والنتيجة هي أنه يجب إخراج اللغات الأجنبية: الفرنسية والعربية الفصحى، وتأسيس كل شيء على العربية الجزائرية والأمازيغية. وقدّم دوفولس فقرات من التوصيات تلك، تعبر عن توجهاته الأساسية؛ ففي الصفحة 81 من أشغال تلك الحلقات نقرأ: «لا يخفى الطابع الأجنبي للعربية الفصحى عن الشعب الجزائري»، وفي الصفحة 82: «ليست العربية الفصحى لغة الشعب الجزائري، ولم تكن أبدًا كذلك»، وفي الصفحة 83: «في العربية السعودية، والكثير من الدول الإس مااية، أصبحت عامية قبيلة قريش لغة رسمية لأنها لغة القرآن»، وفي الصفحة 91: «فُرضت العربية الفصحى لغة رسمية لأغراض سياسية»، ونُفي بُعد اللغة العربية الأكثر رحابة، واعتُبر أنها تعارض التيارات الحالية للانفتاح على العالم. يعلق دوفولس على مواقف كوبي اللغوية قائلً إنها تناضل من أجل قضية الدفاع عن العامية. وهذا مشرف بشرط ألّ تفرض أحد تنويعات العربية لغة وحيدة. ولا يمكن إقصاء التنويعات الأخرى، ولا يمكن تقديم العربية الفصحى على أنها مماثلة للاتينية. وكما نلاحظ، فإن الطابع الحاد للنقاش يرجع إلى اختلاف تعريف اللغة العربية. ويصنّف دوفولس نفسه ضمن المتخصصين بالعربية في فرنسا، وهُم الذين لا يرون تعارضًا بين العامية والفصحى، بل يرون تكاملً بينهما. بالفعل، يكمن حل المواجهة بين العربية الفصحى والعامية في فكرة التكامل، حيث هناك وظائف للعامية وأخرى للفصحى، وحيث تكون ممكنة ووجيهة، ولا تثير السخرية والضحك عند استعمالها، أو التقزز والاستهجان منها55.

  1. المصدر نفسه، ص.66-65

كوبي ترد على منتقديها

ردّ كوبي على الانتقادات فرصة كي تفصح عن المنطلقات المتضمنة في خطابها بشأن تصورها الوضع اللغوي في المجالين المغاربي- العربي والفرنسي من المنطلقات التالية:

- المنطلق الأول: للعامية تنويعتها العليا لا التنويعة السفلى للفصحى

تحلل كوبي رأي كاربنتر لاتيري، وترى فيه موقفًا أيديولوجيًا يتأسس على وحدة اللغة العربية، وهذا ما تترتب عنه ضرورة الإلمام بالنوعين، النوع العالي، وهو العربية الفصحى، والنوع السفلي، وهو العربية العامية، وأن من لا يتقن النوعين لا يجيد العربية. تفنّد كوبي هذا الطرح بتقديم هذه الحجج: في البلدان العربية، اليوم، ن سب أمّية مرتفعة جدًا. ويعرف الجميع أن النِّسب الرسمية أقل ممّا هي فيِ الحقيقة؛ المغرب ومصر: 50 في المئة، الجزائر 35 في المئة، تونس: 25 في المئة. ماذا تستنتج كوبي من هذه المعطيات؟ تستنتج أن عددًا كبيرًا من العرب لا يتقنون العربية الفصحى. ثم تنتقل إلى فرنسا لتكمل الصورة في شقها الأكثر قتامة: معظم الآباء والأجداد الذين هاجروا في الستينيات اختيروا بشكل خاص، عندما كانت سياسات تشغيل كثيفة في مناطق كان قليل من الناس فيها يعرفون الكتابة والقراءة. لماذا؟ كان هناك نقص في اليد العاملة، لكن كان هناك أيضًا طريقة في محاربة النزعة النقابية. وهنا تستنتج أن ملايين العرب لا يعرفون قراءة العربية الفصحى، وبذلك ترد على كاربنتر لاتيري بالقول إن هناك أناسًا لا يتقنون إحدى التنويعتين. وهذا يقود كوبي إلى طرح سؤال المكانة: هل يمكن حقًا القول إن الأمر يتعلق باللغة؟ وتجيب: العربية الفصحى هي لغة لا تُكتسب بطريقة التحدث الطبيعية، بل في إطار مدرسي أو في المسجد. وتخلص إلى أنها تنهج خطوات الملاحظة السوسيو لسانية، ولا تُصدر أحكامًا قيمة، من قبيل ما ألصقوه بها من قولهم «ما تتكلمينه ليس لغة عربية». وتجزم بأن المعطيات والوقائع التي قدمتها للتدليل على طرحها غير قابلة للدحض من لدن منتقديها56. تحدد كوبي نسبة متقني نوعي العربية ب 10 أو 15 في المئة من النخبة المثقفة، فضل عن الفرنسية والإنكليزية، وهي نسبة ضئيلة لا تأخذها كوبي بعين الاعتبار، لكنها تتحدث عن غالبية الناس الذين تلتقي بهم كل يوم في المغرب أو الجزائر أو تونس أو مصر، بما أنهم يريدون الحديث أيضًا عن الشرق الأوسط.

  1. C. Caitucoli, «Entretien avec Dominique Caubet: A propos de l’article de Dora Carpenter-latiri «L’arabe, butin de guerre ?»,» (28 janvier 2003), p. 6.

وتستبعد كوبي تمييز منتقديها بين تنويعتين للعربية: عليا وسفلى، وترى في هذا التمييز حكم قيمة لا يتماشى مع قناعاتها. وتدافع عن العربية العامية التي تتوفّر على تنويعتها العالية؛ فهناك عربية عامية أدبية: الشعر والغناء والحكايات والأمثلة الشعبية، مختلفة عن العربية الفصحى57.

- المنطلق الثاني: تثمين العامية لغةً حية وحداثية

تستنتج كوبي من طيات انتقادات كاربنتر لاتيري لها تمييزها بين موقف يدافع عن العربية لغة حية (وهو ما تتبنّاه كاربنتر لاتيري)، وموقف كوبي الذي يعتبر العامية لغة حية والعربية مكان الذاكرة (lieu de mémoire)، أي إنها حبيسة الماضي أكثر من ارتباطها بالحاضر أو انفتاحها على المستقبل. وتؤكد تبنّيها هذا الطرح، لأنه يعيد تثمين هذه اللغات وهذه الثقافات العائلية، ويمك ن من التصالح مع الذاكرة ومع صورة الأبناء عن آبائهم، لإعادة بناء الذات. لا تقتصر كوبي على رؤية ماضوية للعامية كمكان للذاكرة، بل تراها لغة حداثة أيضًا58. وتتساءل: «أليس للمهاجرين الحق في شكل من أشكال تثمين لغتهم العامية؟ لأن تبخيس قيمة العامية معناه جعلهم يكرهون ذواتهم، ويرفضون الحديث بها. هل نُفهمهم أن ما يتكلمون به ليس شيئًا ذا قيمة، وأن آباءهم غير متعلمين، سواء بطريقة عنيفة أو بطريقة لطيفة؟ عندما نقول لهم: ‹سنعلمكم، سنرفع من مستواكم›. أنا لست بيداغوجية، لكن كلسانية لا يمكن أن أقبل هذا، ولا سيما إذا لم نثمن الثقافات الحقيقية للناس كما هي، لا يمكن أن نحملهم على دراسة العربية الفصحى. ألا يمكن أن نثمن العامية، ونسقط ضحية الثقافة الفرنسية التي ترفض الأشياء غير المكتوبة؟ لا ندعهم ينغلقون في مركّب نقص، بمبرر أن آباءهم لا يعرفون الكتابة والقراءة. وهناك من أبناء جيلنا من لهم أجداد لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة، في بوادي فرنسا»59.

- المنطلق الثالث: العامية أداة ولوج الأجنبي المجال اللغوي العربي/المغربي

توجّه كوبي السؤال التالي: كيف يكون تواصلي مستساغًا في الفضاء اللغوي المغاربي أو المشرقي؟ هل بامت ك لغة اليومي الشفوية أم بإتقان اللغة المكتوبة؟ وترى أن امت ك ناصية اللغة الشفوية (العامية) هو مفتاح الأجنبي لولوج الفضاء اللغوي العربي من دون أن يكون محط سخرية أو اندهاش من الساكنة المحلية، لأنه يتكلم العربية ككتاب، وهذا يتنافى مع واقع التواصل اليومي في الفضاء اللغوي العربي. وأول ما يصطدم به الأجنبي الراغب في امتلاك مفاتيح التواصل مع السكان هو الهوة الموجودة بين السجلين الشفوي والكتابي، فيتغلب على هذا المأزق بتعلم لغة اليومي. تطالب كوبي بتدريس العامية المغاربية أو المشرقية كما هي في واقع البلدان العربية، وتنتقد مناهج تلقين العامية لأجانب الذين يزورون الدول العربية لغرض من الأغراض، لأنهم يتعلّمون لغة لا تمت

  1. المصدر نفسه، ص.6
  2. المصدر نفسه، ص.7
  3. المصدر نفسه، ص.9

بصلة إلى واقع أداء التحية مثً في البلدان العربية. كما أنها تنتقد تلقين اللغة لأجانب في إطار وضعيات اصطناعية، مثل مترجمي المؤتمرات الدولية، وتطالب بتلقين وضعيات حقيقية لتداول الشفوي الأقرب إلى واقع البلدان العربية.

- المنطلق الرابع: لا لتضخيم الإعلام في تمتين الفصحى

تردّ كوبي على الطرح القائل بمساهمة الإع ماا في تقوية العربية الفصحى بالقول إن الناس الذين يتهافتون من جميع البلدان العربية على الفضائيات العربية مثل الجزيرة، تمدرسوا جميعًا، وهُم يعرفون قراءة وكتابة العربية الفصحى. لكن الناس في القرى، الذين لم يلجوا المدرسة، لا يتهافتون على قناة الجزيرة، بل يتعلق الأمر بنخبة متعلّمة، وهذا يرتبط بسياسات التربية في دول عدّة؛ فهناك بلدان يعرف 20 في المئة من ساكنتها التحدث بالفصحى، وهناك بلدان ليس فيها من يعرف ذلك، لكن يجب عدم المبالغة في معدل الناس الذين يستطيعون التحدث بالنوعين بارتياح في البلدان العربية60. تحدد كوبي جمهور وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية الفصحى في نطاق النخب والمدن. وهدفها هو البرهنة على أن اللغة العربية الفصحى تقبع في مجال ضيق، لكن المعطيات السوسيولوجية الميدانية تُظهر أن الفضائيات العربية تتوجه إلى المثقف وغير المثقف، وإلى المدن والبوادي على حد سواء، فلا يعني عدم إمكانية المتلقي قراءة اللغة العربية الفصحى أنه غير قادر على فهم واستيعاب ما تبثه الإذاعات والفضائيات العربية، بل علّمته التجربة أن يفهم مضامينها، وأصبح يستوعبها بسهولة.

خلاصة: من النظرة التجزيئية إلى النظرة التكاملية والتركيبية

إن التمييز المنهجي الصارم بين مصطلحات العامية والفصحى... إلخ، هو بغرض الإيضاح والشرح البيداغوجي. وفي الواقع، ربما تتداخل المصطلحات هذه وتترابط وتكون بينها جسور، ولا نعتقد أن الأمور منفصلة بعضها عن بعض وأن بينها حدودًا حقيقية ونهائية. وهذا ما يجعل المقولات الفكرية المجردة تؤثر عمليًا في نظرتنا إلى الواقع. وقد نفهم الواقع متمايزًا على أساس المقولات، فينقلب المتداخل إلى مقولات منقطعة بعضها عن بعض؛ فكما أن الخرائط تدل على المجالات الجغرافية وليست هي تلك المجالات، فإن الكلمات تسمّي الأفكار والأشياء، وتمايز بينها، لكنها لا تحلّ محلها. وربما توصلت جيورجين أيوب إلى فكرة توفيقية لتجاوز مفارقة العامية والفصحى، وهي ترى أن «ما يميّز حياة العربية في بداية الألفية الثالثة هو العلاقة الجديدة بين اللغة الشفوية واللغة المكتوبة، إذ لا يمكن أن نعارضهما، فاللغة العربية الفصحى تُسمع على مدار اليوم في الإذاعة ونشرات التلفزيون والخطابات السياسية، وتُقرأ في الجرائد والكتب.. إلخ. وهناك تداخل وتكامل بينهما»61.

  1. المصدر نفسه، ص.10
  2. Georgine Ayoub, «La Langue arabe entre l’écrit et l’oral,» dans: Robert Bistolfi et Henri Giordan, dirs., Les Langues de la Méditerranée , les cahiers de confluences (Paris: L’Harmattan, 2003), p. 45. <http://web.beitberl.ac.il/~bbsite/aitat/alresale-files/alrisala-07/9HasibShahade.pdf>.

تداخل وتحاور مستمرّين، وأعادت النظر في ثنائية منظومة الرواية والتدوين.

المصادر والمراجع

العربية

بيروت: المكتبة العصرية،.2003

للنشر،.1992

راوي، صلاح. فقه اللغة وخصائص العربية. القاهرة: مكتبة الأسرة،.1993

الثقافة،.1964

على الموقع الإلكتروني:

ويقول جيلبير غرونغيوم: «إن رأي جيورجين أيوب، الذي يتحدث عن هذه الوضعية اللسانية الجديدة، حيث يشتد التلاقي بين المكتوب والشفوي، يجعلنا نعيد النظر في مفهوم ‹الخطأ اللغوي› (اللحن»)62؛ فوسائل الاتصال الحديثة أتاحت للفصحى والعامية حياة جديدة، بحيث جعلتهما في References الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن. أسرار البلاغة، تحقيق محمد الفاضلي. صيدا، خليفة، عبد الكريم. اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث. ط 3. عمان، الأردن: دارالفرقان ريمان، إيمان وعلي درويش. بين العامية والفصحى: مسألة الازدواجية في اللغة العربية في زمن العولمة والإعلام الفضائي. ملبورن، أستراليا: شركة رايتسكوب المحدودة،.2008

السامرائي، إبراهيم. التطور اللغوي التاريخي. ط 3. بيروت: دار الأندلس،.1983

سعيد، نفوسة زكريا. تاريخ الدعوة إلى العامية وأثرها في مصر. الإسكندرية، مصر: دار نشر شحادة، حسيب. «اللغة العربية واللهجة العامية: تعليق على «اللغة العربية واللهجة العامية».»

شطاح، محمد. «الازدواجية اللغوية في وسائل إعلام بلدان المغرب العرب: دراسة نقدية.» ورقة قدمت

إلى: المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية، دبي،10-7 أيار/ مايو 2013. على الموقع الإلكتروني:

<alarabiahconference.org/uploads/conference_research-991325527-1406789918-166.pdf>.

عبد التواب، رمضان. لحن العامة والتطور اللغوي. القاهرة: دار المعارف، 1967. (المكتبة اللغوية) عون، نسيم. الألسنية: محاضرات في علم الدلالة. بيروت: دار الفارابي،.2005

  1. Gilbert Grandguillaume, «Les Enjeux de la question des langues en Algérie,» dans: Bistolfi et Giordan, dirs., pp. 141-165. 1. Ayoub, Georgine. «La Langue arabe entre l’écrit et l’oral.» dans: Bistolfi, Robert et Henri Giordan (dirs.). Les Langues de la Méditerranée. Paris: L’Harmattan, 2003. 2. Barontini, Alexandrine. «Valorisation des langues vivantes en France: Le Cas de l’arabe maghrébin.» Le Français aujourd’hui: no. 158, Septembre 2007. pp. 20-27. 3. Bistolfi, Robert et Henri Giordan (dirs.). Les Langues de la Méditerranée. Paris: 4. Bourdieu, Pierre. Ce que parler veut dire: L’Economie des échanges linguistiques. 5. Caitucoli, C. «Entretien avec Dominique Caubet: A propos de l’article de Dora 6. Carpenter-Latiri, Dora. «L’Arabe, butin de guerre?.» GLOTTOPOL: Revue de 7. Caubet, Dominique. «L’Arabe maghrébin à L’INALCO: Enseignement et recherche.» Langues et cité: Bulletin de l’Observatoire des pratiques linguistiques: 8. ______. «Arabe maghrébin: passage à l’écrit et institutions.» Faits de Langues: (Les Cahiers de confluences). pp. 31-53. L’Harmattan, 2003. (Les Cahiers de confluences) Paris: A. Fayard, 1982. Carpenter-latiri «L’arabe, butin de guerre ?».» (28 janvier 2003). sociolinguistique en ligne: no. 1, Janvier 2003. no. 15: L’Arabe en France , Octobre 2009. vol. 7, no. 13, 1999. pp. 235-244.

كيليطو، عبد الفتاح. أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال،.2013

.______ الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي. الدار البيضاء: دار توبقال،.1988 (المعرفة الأدبية)

.______ لن تتكلم لغتي. بيروت: دار الطليعة،.2002

المساري، محمد العربي. «الفصحى والدارجة في الإع ماا.» ورقة قدمت إلى: ندوة أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 21-20 تشرين الأول/ أكتوبر.2010

مكرم، عبد العال سالم. التعريب في التراث اللغوي: مقاييسه وع ماااته. القاهرة: عالم الكتب،

الأجنبية