Return to Article Details On Secularism and Theories of Secularization: Reading Azmi Bishara (Volume II of Part One) [Arabic]

قراءة في مشروع عزمي بشارة (3) العلمانية ونظريات العلمنة

On Secularism and Theories of Secularization

وجيه كوثراني

Wajih Kawtharani

الملخّص

يستجمع عزمي بشارة طاقة الاستخلاص والاستنتاج وتكثيف المعاني، ليسجل سمات "أنموذج نظري في فهم علمنة السياسة والدولة". على أن الأنموذج في الجهد البحثي المبذول لا يعني "اختزالًا لتطور مستقيم تصاعدي من فكر التنوير إلى الحداثة" لرسم تيار أو خطٍ ناظم يرسمه الباحث انطلاقاً مما آل إليه المفهوم في نهايته، فيتصوّره متطابقًا مع بدايته، أصلًا ومآلًا وتعريفًا، بل على العكس؛ ذلك أن الرحلة المقصودة هي رحلة مؤرخ للأفكار أخذ على عاتقه الحفر في طبقات هذه الأفكار، ليتعرّف إلى سياقات وتحولات وانقطاعات وتمايزات واختلافات، وأنماطٍ من الانفصال، وأنماطٍ من الفصل وأنماطٍ من الوحدة؛ فقد حاول عزمي بشارة طرح التمايز بين الدين ومجالات الحياة الأخرى في الفكر الديني، فضلًاعن العلم والسياسة ، كما أنه توقّف في مفاصل عدة عند انسحاب الدين التدرجي من مجالات المعرفة.

Abstract

In his book Religion and Secularism in Historical Context , Azmi Bishara deploys his vast arsenal of deductive reasoning and conceptualization to attempt a "theoretical model to understand the secularization of politics and the state". Bishara's approach refutes any direct and causal teleological relationship that ties the thinking of the enlightenment to modernity. In contrast, Bishara's approach is scholarly history of the ideas, chronicling periods of continuity punctuated by schisms of discontinuity. Bishara seeks also to highlight the distinctions which mark religion out from the other domains included within religious thinking, in addition to the distinctions he makes between religion, science and politics. Finally, Bishara also highlights the gradual withdrawal of religion from other spheres of knowledge production.

الكلمات المفتاحية:
  • العلمانية
  • نظريات العلمنة
  • الأساطير
  • المسيحية
  • الإصلاح الديني
Keywords:
  • Religious Reform
  • Mythology
  • Secularism
  • Secularization
  • Religion

Reading Azmi Bishara (3)

التأريخ كعملية علمنة

في المجلد الثاني من الجزء الثاني من كتاب الدين والعلمانية في سياق تاريخي، يستكمل عزمي بشارة رحلته العلمية الطويلة في دروب التجربة الغربية لصيرورة العلمنة التاريخية. وعندما يجري التشديد في سياق النص على مفردة التاريخ والتاريخية، فإنه لا بد من العودة للبدء في المجلد المخصص للخبرات والنظريات، في توضيح أبعاد الاستخدام لمعنى التاريخ والتأريخ عندما يتصدى الباحث للبحث في تاريخية العلمنة كممارسة وفكر ونظرية (أو نظريات متعددة). وإذا كان التأريخ (أو علم التاريخ) هو محاولة الإجابة عن سؤال «ماذا حدث فعلً» (ص 30)، وبغضّ النظر عن مدى القدرة على توفير الإجابة (المطابقة للواقع)، فإن محاولات التأريخ للدين وللمقدس بدءًا من عصر التنوير تتم بمعزل عن الرواية الدينية، بل بإخضاع الرواية الدينية والأسطورة للنقد التاريخي، فتصبح عملية التأريخ العلمي بحد ذاتها، وبصرف النظر عن أيديولوجية المؤرخين (سواء كانوا متدينين أو علمانيين صراحة)، عمليةً مؤدية إلى علمنة الموضوعات التاريخية (ص. 32). بل إن في المرحلة نفسها التي تطور فيها علم التاريخ (أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين)، قام عالم الاجتماع ماكس فيبر واللاهوتي إرنست ترولتشِ (1865 – 1923) بتحويل فكرة العلمنة نفسها إلى موضوعة تاريخية، أي إلى صيرورة تاريخية ليفهم من خلالها التاريخ الحديث (ص. 32). خلاصة القول الذي يشدد عليه عزمي بشارة هي «أن كتابة التاريخ كأنه عملية علمنة هي نتاج مرحلة ما بعد الجمهورية الثالثة التي انتصرت فيها العلمانية (في فرنسا) باعتبارها أيديولوجيا دولة، وهي نتاج كتابة التاريخ باعتباره تاريخًا قوميًا أيضًا» (ص. 34)

على أن العلمنة على مستوى كتابة التاريخ «تعني الفصل بين عقائد المؤرخ واتجاهاته المعيارية والصيرورة التاريخية»، لكن عزمي بشارة يستدرك، وهو يشدد على هذا «الفصل»، ليشير: «لكننا نجد في المقابل أن هذه العلمنة في نطاق التدوين التاريخي اختُرقت بالمعياريات والأساطير الجديدة التي تظهر كأنها من طبيعة تاريخية، لا من نوع الأساطير الفائقة للتاريخ»؛ ذلك «أن كل عملية تأريخ هي علمنة، لكنها تحتمل بذور أسطرة جديدة» (ص. 37)، أي يمكن أن تتحول إلى أيديولوجيات، لكن أيضًا «لا يعني هذا الأمر أن الأيديولوجيات كلها أساطير» (ص. 41)، «ف يجوز أن تضيع الفوارق عند كشف الأساطير الكامنة في المناهج الفكرية المختلفة بالادعاء أنها كلها خاطئة». والمثل الذي يعطيه عزمي بشارة على هذا التمييز ذو دلالة مزدوجة: دلالة معرفية منهجية عامة، ودلالة ذات معنى خاص بالموضوع المطروح: (العلمانية). يقول: «ثمة فرق بين العلمانية باعتبارها حماية للحريات الدينية ورفضًا لتدخل الغيب في عملية فهم الظواهر، والعلمانية كعداءٍ للدين قد ينشئ ديانات بديلة » (ص. 42) بل أيضًا ثمة فروقات بين علمانية وأخرى. ومن هنا يتحدد منطلق المعالجة أو المعالجات التي سيقوم بها عزمي بشارة في رحلته بين البلدان وبين النظريات: «ننطلق من أنه في الإمكان الحديث عن علمانيات، لا عن علمانية واحدة، وذلك في سياقات مختلفة وبلدان مختلفة. إن فضاءات مختلفة للعلمانية تقدم فضاءات مختلفة للدين المتبدل. فسياقات نشوء العلمانية في أوروبا غيرها في أميركا، وتختلف في كليهما كما بين سياقاتهما وسياقات نشوئها في تركيا والهند...» (ص. 47)

الحالة الأوروبية حالة تاريخية

قبل الدخول في دراسة نماذج من العلمنة في أوروبا، يذكّرنا عزمي بشارة في فصل موجز (الفصل الثاني) بأفكار رئيسية سبق شرحها، وأهمها أنه «ما من جوهر علماني للحضارة المسيحية وفي أنه لم يكن ثمة فصل بين الدين والدولة في المسيحية ولا في غيرها، لأنه لم يكن ثمة دولة، بمعنى الدولة ذات السيادة، وفي أن الفصل يبدأ بنشوء السيادة، ومقدمتها إخضاع الدين للسلطة الزمنية التي تجسد السيادة وتغلّب منطق الدولة وجوهرها التشريع المستقل والسيادة على الشعب والأرض، ونشوء الأجهزة البيروقراطية، بما فيها نظام الضبط المسمّى البوليس، وفي أن هيمنة الكنيسة على السلطات الدنيوية انقضت قبل الحداثة، وأن فرز منطق الدولة ونشوء الدولة الوطنية هو الخطوة الثانية في علمنة الدولة. وفي أن هذه الخطوة لم تكن في البداية منفصلة عن فرض التجانس الديني نحو الداخل في توحيد العقيدة والعبادات ونحو الخارج في نشوء فكرة الأقليات (...) وفي أن بداية الحداثة شهدت انتشارًا للدين والتدين (...) وفي أن حق الملوك الإلهي بالحكم ليس دلي على سيطرة الدين، بل على تفوّق الدولة وقدسيتها الجديدة التي تبدأ بقدسية الحاكم وتنتهي إلى قدسية الدولة والوطن والأمة وغيرها، وفي أن القداسة ليست هي الدين (...)، وفي أن أنظمة تسمّى اليوم علمانية من دون

استخدام المفردة أو المصطلح، وفي أن السياسيين الأميركيين لا يصفون أنفسهم علمانيين، وفي أن هدف الفصل في أميركا كان الدفاع عن الحرية الدينية من تدخّل الدولة» (ص. 53) تلك هي عناوين دالّة، أو محاور مفصلية في مسار المباحث التي يقوم بها عزمي بشارة بدءًا من الفصل الثالث (نماذج تاريخية)، وصول إلى عقد المقارنة بين هذه النماذج الأوروبية والنموذج الأميركي (الفصل الخامس.)

ملاحظات من التاريخ الإنكليزي

يبدأ المؤرخون عادةً بالتأريخ لبدء انفكاك الع قااة بين البابوية وملوك أوروبا بالرواية المقارنة بين محاولتي هنري الرابع وهنري الثامن؛ فقد حاول هنري الرابع في سنة 1075 تعيين الأساقفة باستقلال عن إرادة البابا. وكانت النتيجة فرض البابا الحرم على الملك، واضطرار الأخير إلى الامتثال أمامه «خاشعًا راكعًا». أمّا هنري الثامن (1491 – 1547)، وبعد مضي حوالى أربعة قرون، فنجح في محاولته للاستقلال عن البابوية، وكانت تكلفتها احترابًا أهليًا وعنفًا دينيًا كبيرين. هنا لا يمكن عزل الأسباب الشخصية (زواج الملك مرة ثانية، وعلى نقيض العقيدة الكاثوليكية) عن الأسباب السياسية – وكما يشدد على ذلك عزمي بشارة – كما أنه لا يصح تفسير موقف الملك بتأثير الإصلاحية اللوثرية؛ فهنري الثامن كان مناهضًا في البداية للبروتستانتية. وفي الواقع كان خياره مسعى وتأكيدًا لحق الملوك الإلهي في الحكم، وتحقيقًا لحق السيادة (السيادة على الأرض والشعب)، وأداة ذلك توحيد العقيدة الدينية بين الملك ورعيته، حيث ستعلن «العقيدة الأنغليكانية» دينًا رسميًا للمملكة. على عكس ما يشاع عن حالة التحوّل الإنكليزية «الهادئة» لاحقًا، فإن هذه المرحلة التي يرغب بعض المؤرخين في نسيانها كانت في التاريخ الإنكليزي مرحلة عنف ديني لا مكان فيه ل«تسامح»1 أو لتقدير فن أو رمز ديني لآخر. يشرح عزمي بشارة محطات من هذا المسار الذي سيُتخذ فيه تدابير قسرية لفرض دين الملك باسم «الحق الإلهي»، وليخلص إلى رأي مصحح لما يشيع أيضًا عن الأصل الزمني التاريخي للحق الإلهي، أي نسبته إلى القرون الوسطى، فيقول: «إن مسألة الفرض الواعي والموحد للدين كعقيدة لنظام الحكم هي من نتاج نهاية القرون الوسطى والتمهيد لمرحلة الحداثة. وهي خلافًا لما هو رائج ليست آتية ممّا يسمَّى بعهد القرون الوسطى، إنها من مقدمات الحداثة.»

  1. يعلّق عزمي بشارة على الإصلاح الديني آنذاك: «شمل الإصلاح الديني ردة سلفية أصولية شملت تدمير تماثيل فنية دينية الطابع وصور ولوحات دينية وغيرها، ممّا يُستهجن اليوم حينما يجري في بلدان أخرى. وهذا يذكّرنا بأن الفرادة التي تُلصق بالتطورات في بعض زوايا العالم الإس مااي مبالغ فيها، وأن الكثير من الأمور التي تجري في العالم العربي والإس مااي لها سوابق في حضارات وديانات أخرى، وأنها تجري في العالم الإسلامي في سياقات مختلفة، وبشكل متأخر فحسب» (ص. 79) و«في عهد إليزابيث، وحين اكتملت كنيسة الدولة الأنغليكانية بعقيدتها الرسمية التي تجمع عناصر من الكاثوليكية والبروتستانتية الكالفينية، (حصلت) موجات من العنف والقمع الديني وحالات من ‹فرض الجزية› على من أصرّ على أن يبقى كاثوليكيًا في إنكلترا (...)، وطالب البعض الملك بتحطيم الأوثان، وكان المقصود بذلك رموز الكاثوليكية التي شبِّهت بالوثنية لقبولها الفنون التنويرية... إلخ» (ص. 81)

بل إن ثمة تصويبًا آخر يسجله عزمي بشارة من خ لاا استعراضه بعض محطات التاريخ الإنكليزي؛ فبعد أن أصبحت العقيدة الأنغليكانية الديانة الرسمية للمملكة، وتوطدت كنيستها ككنيسة قومية، أضحى «المذهب الأنغليكاني هوية قومية» للشعب، فعندما حاول تشارلز الأول في سنة 1625 إبداء نوع من التسامح مع الكاثوليك، تعرّض لمتاعب من قِبل البرلمان وبعض الفرق (ص 82 – 83). هذه المعطيات التاريخية وغيرها تطرح - برأي عزمي بشارة - «إجراء تعديل على الفهم التاريخي لنشوء الدولة القومية المركزية والحديثة»، والقائل إن ذلك يحصل «بفصل الدولة عن الدين». الأمر لم يكن كذلك في البدايات، بل إن التدين المذهبي وعلى مذهب واحد (عقيدة واحدة) قد يصبح جزءًا من تكوّن هوية وسياسات هوية، وقد يصبح الشعب أكثر تمسك ا بها من الدولة (موقف البروتستانت الإنكليز من الكاثوليك) (ص. 85) في موازاة هذا الاعتبار (اعتبار الدور الذي أدته العقيدة الأنغليكانية في تكوين الهوية الإنكليزية والبروتستانتية للهوية البريطانية بدءًا من سنة 1707)، فإن علمنة المجتمع الإنكليزي جرت بالتدريج، كما جرت علمنة الدولة من دون المساس بهذه الهوية، ولم تبق في بريطانيا المعاصرة قوانين تجمع الدين إلى الدولة، أو تميز ضد مواطنين بسبب الطائفة التي ينتمون إليها، لكن الكنيسة بقيت تؤدي دورًا رمزيًا في الهوية الوطنية (ص. 109). كذلك كان شأن الوطنية الاسكتلندية مع الكنيسة المشيخية رغم الهوية البريطانية الجامعة. كما أنه كان للكاثوليكية، ولاحقًا «الثورة الفرنسية وبعض مظاهر العلمانية المتطرفة وحتى بعض الإلحاد تأثير يدفع إلى التمسك بالدين وربطه بالهوية البريطانية في الجهة المقابلة» (راجع شرحًا وافيًا لهذا المسار (113 –.))116 ما يود عزمي بشارة قوله في خلاصة التأريخ للتجربة الإنكليزية وتاليًا البريطانية هو «أن رفع الهوية الوطنية ومركزية الدولة في الحداثة رافقته عملية تقديس للدولة وللجماعة الوطنية. وهذا التقديس لم يكن بدايةً قائمًا بذاته بل مستمدًا من العقائد الدينية الرائجة والمصطلحات الدينية التقليدية المعروفة للسكان (..)» (ص. 117)

هل ينطبق القول على التجربة الفرنسية؟ - ملاحظات من التاريخ الفرنسي

في فرنسا أيضًا اتخذت الصيرورة التاريخية التي سمّاها عزمي بشارة «صيرورة علمنة المجال السياسي» شكل إخضاع الكنيسة للدولة؛ فقد نظ م فرنسوا الأول علاقة بروما، «واكتسب حق المشاركة في تعيين المناصب العليا في الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية». فالملك وحّد كاثوليكية فرنسا وفرنس كنيستها، بل إنه لم يتوان عن التحالف مع السلطان العثماني (سليمان الأول) ضد ملك مسيحي (شارل الخامس) لإنقاذ عرشه. ويعني هذا أن «الاعتبارات المصلحية باتت تعلو على الاعتبارات الدينية»، كما يعني أن «الصراع مع المذهب القريب أكثر تهديدًا للنظام من الدين المختلف والبعيد» (ص. 121)

وهكذا سادت في فرنسا بين سنتي 1520 و 1560 القاعدة التقليدية في الحكم المطلق في بداياته: إيمان واحد وقانون واحد وملك واحد (ص. 122) ومن قبيل ردة الفعل، ظهرت أصوات تدعو إلى «وفاق ديني»، ولكن الحرب الأهلية كانت «الممر» الذي لا بد منه منذ سنة 1559 وحتى صدور مرسوم نانت (1589). في هذا السياق يُبرز عزمي بشارة أهمية «الاعتبارات السياسية للدولة» في هذا التحوّل، ودور نشوء «فئة السياسيين» حيث يؤخذ الفرق بين الاعتبارات السياسية للدولة واعتبارات المؤسسة الكنسية، فالأولى تنطلق من ضرورة ترسيخ الولاء للدولة قبل الولاء للدين والمذهب (ص. 125). على أن موقف «التسامح» ليس دائمًا هو التعبير الم ئاام عن مصلحة الدولة، لأن مصلحة النظام الحاكم تطلبت في مراحل معيّنة تغيير سياسة التسامح إلى عكسها. وظلّت هذه هي الحال إلى أن ترسخت الحرية الدينية كجزء من النظام نفسه (ص. 125) قبل ذلك، في فرنسا – كما هي الحال في جميع أنحاء أوروبا - «اتخذت الحروب الدينية أشكالً غاية في الوحشية في ممارسة طرفيها. ففي فترة الثورة البروتستانتية وهيجانها في أوروبا، جرى حرق التماثيل والصور الدينية والأيقونات واللوحات الفنية التي تحمل صور العائلة المقدسة، كما أ حرقت المسارح في ألمانيا وهولندا وفي مقاطعات فرنسية مثل بروفنس ودوفنييه في العقد السابع من القرن السادس عشر. كما جرت ممارسات بشعة جدًا وصلت إلى حد التمثيل بأجساد الأحياء المترتب عن شيطنتهم وجعلهم تجسدًا للشر، وبالتالي إباحة كل شيء ضدهم، بما في ذلك التعذيب وقتل الأطفال» (ص. 127) في مجال البحث عن الدور السياسي الهادف إلى تمكين أسس الدولة عن طريق «التسامح» في التجربة الفرنسية، يستحضر عزمي بشارة موقف ريشليو، وهو «مثال للسياسي مع أنه رجل دين»؛ إنه مثال المستشار السياسي الذي يعمل بموجب منطق الدولة ويعارض الحروب المذهبية بقوة. يستحضر اقتباسًا للمستشار ذا دلالة هو «إن تنوع الأديان لا يجعل منا دول مختلفة. فنحن، وإن كنا منقسمين في الإيمان نبقى متحدين في خدمة الأمير، بحيث يستحيل على أي كاثوليكي أن يفضّل إسبانيًا على فرنسي من الهوغونو في الشؤون المتعلقة بالدولة» (ص. 129) إذًا، كما في بريطانيا، كذلك في فرنسا، قامت الملكية المطلقة عمليًا بمركزة العقيدة بما يت ءاام مع ما يمكن تسميته ببداية هوية وطنية (ص. 131)، وهكذا تشكلت الحالة التاريخية لتمركز السلطة في العرش (سواء في عهد لويس الثالث عشر 1610 – 1643، أو في عهد لويس الرابع عشر 1638 – 1715)، ولتشك ل الهوية الوطنية بداية انطلاقًا من الهوية الدينية الغالبة لدى الأكثرية حيث كان يُنظر إلى الأقليات بعين الريبة والشك في «ولائها» للدولة (ص. 131). وتنطبق هذه الحال على فرنسا، حيث كان يُنظر إلى أقلية الهوغونو، وعلى حال إنكلترا حيث كان يُنظر إلى أقلية الكاثوليك (يذكّر

عزمي بشارة برسالة جون لوك عن التسامح، حيث يقصر التسامحَ على ما بين الف رق البروتستانتية وليس تجاه الكاثوليك) (ص. 131) أمّا الثورة الفرنسية – وكما يقول عزمي بشارة – «فمسّت مكانة المؤسسة الدينية ومكانة الدين مسًا حقيقيًا وفعليًا، ليس في الحيز العام فحسب، بل في مجال نفوذها التقليدي أيضًا، أي في العائلة». لكن هذا القول لا يتناقض أيضًا مع ما يقوله عزمي بشارة: «إن دولة الملكية المطلقة أخضعت الدين عمليًا»، فكانت بذلك «من أهم أدوات العلمنة في التاريخ» (ص. 133). كما أنه لا يتناقض مع المعطيات التاريخية التي تشير إلى دور رجال دين في عملية العلمنة الضمنية. في فرنسا يعطي مثً شارل موريس دو تاليران الذي أصبح أسقفًا، وكان قد طالب بملكية دستورية (ص. 133) يعرض عزمي بشارة لإجراءات حصلت بموجب الدستور المدني للكهنوت الذي صدر في سنة 1790، وأهمها دمج الكنيسة بالدولة على أساس غاليكاني، حق المواطنين (كل المواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ودياناتهم) بانتخاب الأساقفة والكهنة، وإلقاء العشور، وتحرير الرهبان والراهبات من نذور بتوليتهم، وتحويل رجال الدين إلى موظفي دولة. صحيح أن هذا القانون جاء ليشكّل مرحلة أساسية في تطوّر «العلمنة»، لكن- وكما يرى عزمي بشارة - «ليس بالمعنى اللاحق لفصل الكنيسة عن الدولة، بل بمعنى إخضاع الكنيسة لسلطة الدولة»، مكررًا ما سبقت الدول الأخرى غير الكاثوليكية، فرنسا إليه، بموجب معاهدة وستفاليا، مستعيرًا تعبير أحد المؤرخين: إن الدستور المدني للكهنوت «جعل الكنيسة الفرنسية، بضربة واحدة، بروتستانتية في التنظيم وإن لم يكن في العقيدة» (ص. 140) لكن ما هو «خاص علماني فرنسي» في هذه المرحلة يتلخص «بالتفريق بين الكهنة الدستوريين وغير الدستوريين»، أي بين الملتزمين بالقانون والخارجين عليه (ص. 141)، أي عمليًا المعترفين بسلطة الدولة المركزية والمتمردين عليها. في سياق هذا التاريخ للوقائع الذي يقوم به عزمي بشارة، يحرص أن يوضح نقطة دقيقة ومهمة لفهم التطور الراديكالي اللاحق للعلمانية الفرنسية، خصوصًا الذي ستمثّله الجمهورية الثالثة في سنة 1905 (ص:)142 يعرض لأهم سياقات التاريخية الموصلة إلى هذا المآل الراديكالي للعلمانية: - عمّمَ انتشارُ لغة الثورة الفرنسية النزعات العلمانية الدنيوية في المفردات والأخلاق، وهي اللغة التي ساهم في صوغها ليس فلاسفة فحسب بل كتّاب نصف شعبيين، مثل توماس باين، عصر العقل.. (ص. 142)

- علمنة جماهير المدن، واتساع دائرة المثقفين المستنيرين وانتشار ديانة الماسونيين بين النخب المتعلمة.. (ص 142 –.)144 - ظهور عبادة «الكائن الأسمى» في تقليد امتد من روسو إلى روبسبيير الذي حارب الإلحاد والاعتقاد «بعبادة العقل» (ص 142 –.)144 - شيوع أسطورة «عبادة العقل» الإلحادية في تناقض مع عبادة «الكائن الأسمى» وقلب القداسة من الملك إلى الأمة، عبر إيراد سلسلة من الأمثلة والوقائع. يستنتج عزمي بشارة: «يمكن القول بوثوق أن الثقافة العلمانية انتشرت بعد الثورة في أوساط أوسع من النخبة التي كانت تأخذ بها، والفئات المحدودة من جماهير المدن قبل الثورة. وحصل الانتشار الواسع بفعل الهيمنة الثقافية بعد الثورة، وكانت أدواتها التعليم (المدرسة الرسمية والنشر)» (ص. 145) يتوقف عزمي بشارة عند أهمية ما أنجزه نابليون؛ فمرحلته هي مرحلة مأسسة النظام بعد اللاستقرار المديد. يستشهد بالمؤرخ فشر الذي يقول عن نابليون (...) أنه آزرَ الدين لأنه سر النظام الاجتماعي، والتعليم لأنه يُمكنه وضعه في القالب الذي يريده، وناصر روح الدقة العلمية في الحكومة لأنها تخدم السلطان، وآداب السلوك التقليدية لأنها تلجم تهكم الباريسيين اللاذع (ص. 147) وبالفعل، أدرك نابليون أهمية الدين والإكليروس في ضبط المجتمع، فاهتم بأن يكون الكهنة تحت سلطة الأساقفة، والأساقفة تحت سلطة الدولة (ص. 149)، كما أنه وقّع مع البابا اتفاق بابوية الكونكوردات (1801)، وفيه حاول البابا أن يعيد الكاثوليكية ديانة رسمية للدولة، لكن نابليون وافق على اعتبارها ديانة الأغلبية فحسب (ص. 148) على أن أهم إنجازاته المتعلقة بدفع عملية العلمنة إلى الأمام هو «إتمام المنظومة القانونية التي سُميت باسمه، فأول مرّة في التاريخ – كما يقول عزمي بشارة – نظمت الحياة الدنيوية المحض للناس بقوانين شملت مجالاتها كلها»: إنشاء جامعة باريس بإدارة الدولة؛ إنشاء نظام ليسيه تعليمي صارم؛ قوانين اجتماعية واقتصادية وشخصية (زواج، ط ق) بمنطق علماني تم فيه دمج القانون المدني الروماني في قوانين الثورة (..)، «وكلها»، كما يعلق عزمي بشارة، «مظاهر علمنة وتنظيم علماني للحياة الدنيوية، تتجاوز في أهميتها التأسيسية السجالات النظرية ضد الدين» (ص. 148) على أن التعليم ومدارسه كانا الساحة الرئيسية لمعركة العلمنة في فرنسا: «معلم المدرسة في الجمهورية الثالثة (أصبح) كاهن الأبرشية الحديث، لكنه كاهن العلم والمعرفة»، وأصبحت المدارس امتدادًا للدولة وعقيدتها اللاييكية. وفي حالة فرنسا، يلاحظ عزمي بشارة أن هذه العقيدة لم تكن ليبرالية، بل أداة للتحرر. وقانون فصل الدين عن الدولة كما صاغه أرستيد بريان) A. Briand (في سنة 1905، هو منطق جون لوك أكثر ما هو منطق روسو كما يرى جان بوبارو) J. Bauberot (الذي عارض وحده

منع الحجاب في المدارس، مفسرًا العلمانية بصورة محايدة في «لجنة ستاسي» في سنة 2003 عندما نوقشت أزمة الحجاب آنذاك. خ صة القول في التجربة الفرنسية، كما يعرض عزمي بشارة لوقائعها، أن العلمانية «تجسدت في خطوات تشريعية متدرجة (كانت بدورها) محل طرح ومساومة، كسب فيها العلمانيون المعركة الأخطر وهي السيطرة على مناهج التعليم. كانت مرحلة برامج جول فيري العلماني» (ص. 159) غير أن مفارقة تاريخية شهدها تاريخ هذا الصراع في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وهي أن المعركة بين العلمانيين والكنيسة الكاثوليكية انحصرت في الداخل، أمّا في الخارج، وبالتحديد في المناطق التي خاضت فيها فرنسا معاركها التنافسية الكولونيالية مع الدول الأوروبية الأخرى، وفي مقدمتها بريطانيا، فس ح الكنيسة والتبشير اليسوعي كان س حًا ناجعًا بيد الساسة العلمانيين والجنرالات ورجال الأعمال الفرنسيين، والنخب الأكاديمية في الجامعات الفرنسية، ولا سيما جامعة ليون2. أمّ ا في الداخل الفرنسي، فإن سنة 1905 أصبحت، كما يقول عزمي بشارة، «رمزًا لمأسسة فصل الكنيسة عن الدولة وقوننته ودسترته». على أن هذه الرمزية لا تعني في التاريخ الفعلي «بدايةً أو نهاية»؛ إنها محطة في مسارٍ متدرج لعملية العلمنة استمرت أكثر من قرن، وهي – أي العلمانية – تبقى «منتقصة»، أي غير مكتملة كمشروع في التاريخ، رغم خصوصيتها الفرنسية الراديكالية والحادة. استكمالً لمواصفات التجربة الأوروبية، يستعرض عزمي بشارة باختصار أهم سمات مسارات العلمنة في كلٍّ من ألمانيا وإسبانيا وبولندا، حيث دينامية الصراع بين الأطراف كانت هي العنصر الغالب في مجمل التجربة الأوروبية.

- بين أوروبا وأميركا

هذا في حين أن الولايات المتحدة الأميركية تقدم نموذجًا مختلفًا يكتسب في الفصل الخامس المعنون «بين أوروبا وأميركا: واقع العلمنة» أهمية بالغة لخصوصيته التاريخية المتميزة؛ فمنشأ الولايات المتحدة كدولة حديثة مختلف من الأساس، وكذلك تطوّر التدين في المجتمع الأميركي، «وهما أمران لا ينفصلان»، على حد قول عزمي بشارة. كما أن مصدر العلمانية الأميركية يختلف عن

  1. عرضنا في كتابنا المعنون ب بلاد الشام في مطلع القرن العشرين: السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني، قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية (وهو صادر عن المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات في طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة، بيروت، أيار / مايو 2013) نماذج من الوثائق الفرنسية العائدة إلى الإرسالية اليسوعية في لبنان وإلى مصادر عسكرية وغرفتَيْ تجارة مرسيليا وليون وبعثة الخبراء الفرنسيين برئاسة بول هوفلين (أستاذ القانون في جامعة ليون). تبيِّن هذه الوثائق (وهي عبارة عن تقارير ومراسلات رسمية)، مدى التعاون الكبير الذي قام بين هذه الأطراف في التخطيط للتصدي لنفوذ القوى الأوروبية المزاحمة، ولتمكين السيطرة الفرنسية على سورية ولبنان قبل الحرب العالمية الأولى وفي أثنائها وبعدها.

مصدر العلمانية الأوروبية، لأن هدف الأولى لم يكن اجتثاث سيطرة الكنيسة أو تحديد سلطتها، ولا تأكيد سلطة الدولة وحمايتها من تدخّل الكنيسة، بل كان حماية الدين والحريات الدينية؛ فثمة أنماط من التدين والتقوى «ترفض أن تتدخل في شؤونها سلطة سياسية في وقت كانت تحمل فيه ذاكرة اضطهاد في ظل كنيسة الدولة والمذهب الرسمي للدولة في أوروبا»، والعلمنة في هذا العالم الجديد «تصبح شرط الحياة الدينية» (ص. 250) كان دي توكفيل، وقبل ظهور الأبحاث الحديثة والكثيرة عن التدين في الولايات المتحدة، قد نبّه باكرًا – كما ي حظ عزمي بشارة – على مفارقة تاريخية، وهي: «حيث تتحقق عملية فصل الكنيسة عن الدولة تمامًا، (أي في الولايات المتحدة) تزدهر الكنائس اجتماعيًا وتمتلئ بالمصلين»... (ص. 251). مفارقة أخرى ي حظها دي توكفيل «بدهشة» مفادها حظر الروابط الأهلية والتعاضدية في فرنسا – الثورة، بينما يقوم المجتمع الأميركي على الجمعيات والاتحادات الطوعية (ص. 252) يضيف عزمي بشارة أن أميركا لم تختبر الحكم المطلق ونظيره الكنسي الهرمي، ولم تختبر نوعًا من كنيسة الدولة والقيصروبابوية، وهذا فرق أساسي بين البروتستانتية الأوروبية والبروتستانتية الأميركية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكاثوليكية. واعتمادًا على دي توكفيل أيضًا، نذكر أن الكاثوليكية الأميركية وجدت نفسها في وضع جديد كان فيه «أكثر المؤمنين طاعةً وأكثر المواطنين استق لاً»، كما امتاز قادة الكنيسة الكاثوليكية ب «موقف علماني أكثر تشددًا» (ص. 254)، بل إن الكنيسة الكاثوليكية قبلت واقع الفصل بين الدين والدولة مبكرًا وعمليًا وقبل أن تقبله الكنيسة الأم في الفاتيكان (ص. 256)، وكانت الكنيسة الكاثوليكية بمثابة «كنيسة إثنية للمهاجرين من الدول الكاثوليكية» (...) في حين تحوّلت الكنائس الإنجيلية إلى «الديانة المدنية» في مجتمع المهاجرين البيض (ص. 256) هناك خصوصيات عديدة للحالة الأميركية تخص المهاجرين بصفة ع قااتهم بكنائسهم المتعددة، يشرحها عزمي بشارة بالقول إنها أدت إلى تثبيت التعددية الدينية في قانون ولاية فرجينيا الأساسي الذي قدّمه توماس جفرسون في سنة 1779 وأقره مجلس الولاية في سنة 1786 كأول تعديل دستوري، وينص على منع الدولة من تأسيس كنيسة ويؤكد على حرية ممارسة الشعائر الدينية (ص. 259). وهذا يعني – كما يشير عزمي بشارة – «بناء جدار فاصل بين الكنيسة والدولة» (ص. 259). هذا «الجدار» كان موضع تجاذب في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر بين تيارات تدعو إلى تعديل دستوري يعترف بالله كمصدر لجميع السلطات، والسيد المسيح كحاكم رئيس (رابطة الإصلاح الديني) وبين تيارات تدعو بوضوح ودون لبسٍ في تفسير تعديل جفرسون إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة (الرابطة الوطنية الليبرالية.)

يرى عزمي بشارة أنه خ لاا هذا التجاذب دخل مصطلح العلمانية إلى أميركا، «وكان هذا بعد عام 1870، إذ لم يكن هذا التعبير قائمًا في ذهن من أعدوا الدستور الأميركي، وكان جلهم علمانيين بمفاهيم عصرنا» (ص. 264). بدأ استخدام مصطلح العلمانية للتعبير عن وعي نضالي وذي برنامج: «رفض إشهار علاقة رسمية بين الدين والدولة والأمة، وعلمنة قطاعات من الحياة العامة، ولا سيما تحرير التعليم من قبضة البروتستانتية في العقد الثالث من القرن العشرين» (ص. 264). إذ ا العلمانية المعلنة برزت في أميركا في سياق عمل واعٍ لا كجزء من عملية تطور تلقائي. لذا، بقي المجتمع الأميركي محافظًا على أنماط تدينه، كما تجنب غالب الساسة الأميركيين استخدام مصطلح العلمنة أو العلمانية. يلاحظ عزمي بشارة ما يلي: «اعتقد الأميركيون في القرن التاسع عشر، مثل المسلمين في أيامنا، أن العلمانية تعني العداء للدين. وما زال المصطلح يحمل هذه الشحنة السلبية» (ص. 265)، ولكن من دون أن يؤثر ذلك في مفاعيل مبدأ الفصل، «كان يعني وضع قيود على الحكومة والكنائس ليس بعدم ذكر الدين في القرارات والتشريعات فحسب، بل أيضًا بالتشكيك في شرعية تدخّل الدين والكنائس في التجند والتجنيد لدعم تشريعات معينة أو في تبريرها تبريرًا دينيًا وعدم تمويل مؤسسات كنسية أيضًا حتى ولو كانت معايير التمويل علمانية وتنطبق على نشاط اجتماعي أو خيري» (ص. 266) يخلص عزمي بشارة من هذا العرض لتاريخية العلاقة بين التدين والدولة في الولايات المتحدة إلى القول: «... ما عدا تحديد مدى فصل الكنيسة عن الدولة ودرجة تحييد الدولة في الشأن الديني، يمكننا الحديث عن مجتمعات أكثر علمانية وأخرى أقل علمانية في ثقافتها والخطاب المهيمن فيها (...)» (ص 281)، فهل جاز الحديث عن علمانية متشددة وعلمانية محايدة، أو علمانية صلبة وأخرى رخوة؟

أنماط العلمانية: علمانية صلبة، علمانية رخوة

كمحاولة جواب، يرى عزمي بشارة أن الطريق «الفضلى»3 لتحييد الدولة في الشأن الديني هي مسار تاريخي لا يؤدي إلى وصول أوساط إلى هذه القناعة ببرامج ثقافية وسياسية تدعو إلى الفصل والتحييد فحسب (أوساط نسميها علمانيين بالمعنى الأيديولوجي للكلمة)، بل إلى وصول المتدينين أيضًا إلى قناعة مفادها ضرورة تحرير الدين من سيطرة الدولة (ص. 282) والحقيقة أن هذه المعادلة – النموذج تحققت في تجربة الولايات المتحدة، ففيها نشأ عمليًا أنموذج الفصل بين الدين والدولة وليس الاكتفاء بإخضاع الدين للدولة، خ فااًا لما حدث في بداية الثورة الفرنسية، وخلافًا لإقصاء الدين عن الحيّز العام الذي تطوّر إليه الأنموذج الفرنسي (ص. 283)

  1. وبالنسبة إليه، إن حكم قيمة مثل «أفضل» لدى الحديث عن المجال العام، يعني أنه أكثر ت ؤاامًا مع قيم عليا مثل الحرية والمساواة...

من هنا أمكن القول، كما يرى عزمي بشارة، «أن أنموذجين صعدا على أنقاض الحالة الأوروبية التي كانت قائمة قبل الحداثة، وثمة درجات في الواقع لكل أنموذج من الأنموذجين: الأول علمانية صلبة متشددة لا تكتفي بفصل الدولة عن الدين، بل تتخذ موقفًا سلبيًا من التدين على المستوى الاجتماعي، وتنظر بإيجابية إلى انحسار الإيمان، أقله في المجال العام. أمّا الثاني فيتلخص بعلمانية رخوة سالبة (..) علمانية ترى أن تتبنّى الدولة موقفًا محايدًا ومتسامحًا تجاه تعددية الأديان والمذاهب وحرية ممارستها وحرية الفرد في اختيار العقيدة (...)»، والنتيجة التي يشدد عليها عزمي بشارة هي أن «العلمانية (في المحصلة) هنا ليست موقفًا من الدين، بل من طبيعة الدولة» (ص. 283) وإذا كان ثمة نماذج من العلمانية بين رخوة وصلبة، فهل ثمة علمانية بروتستانتية وأخرى كاثوليكية؟ في هذا الجانب من التصنيف، يتجنب عزمي بشارة هذه الثنائية، ليرى في الأمر علامات تمايز عديدة في الأدوار والطبائع والخصائص؛ فلما كانت أنماط العلمنة تؤثر في أنماط التدين، ولما كانت هذه الأخيرة تؤثر أيضًا في صيرورة العلمنة تاريخيًا، فإنه يصبح من الخطأ مطابقة البروتستانتية والتنوير، أو القول بعدائية الكاثوليكية للتنوير أو بعدائيتها للعلمانية على طول الخط. ذلك أن ثمة ميل لدى باحثين لتجاهل الجانب الأصولي في البروتستانتية، لأنها تفسح المجال لفردانية العودة المباشرة للنص ولكن تدفع إلى الأصولية أيضًا. أمّا بالنسبة إلى الكاثوليكية، فصحيح أنها تعوّق الإيمان الفردي، ولكنها تحمي المؤمن من وهم التواصل المباشر مع الله واحتمال الانشقاقات الدائمة ونمو الفِرق والكنائس المتعددة. لذا، فإن الأصولية الدينية المعاصرة أكثر انتشارًا في المجتمعات البروتستانتية، لأنها أكثر عرضةً لنمط التدين الأيديولوجي وأقل قدرة من الكاثوليكية على اعتراض الدولة الشمولية. أمّا بالنسبة إلى الخيار العلماني، فإنه يتحدد في الكاثوليكية إمّا مع الكنيسة وإمّا مواقف علمانية من خارجها. أمّا في البروتستانتية، ونظرًا إلى تعدد كنائسها، فإن «العلمانية المحايدة بين تعددية الكنائس هي الأكثر احتمالً...» (ص. 297) على صعيد التمايزات بين صيغ العلمانيات في البلدان الكبرى – النموذج، يلخّص عزمي بشارة هذه التمايزات كما يلي: «ولا زالت الولايات المتحدة تشك ل مصدر التعقيد الرئيس لنظرية العلمنة باعتبارها دولة علمانية المؤسسات، وبنيتها الدولتية معلمنة، لكن لم تنتشر فيها تقاليد أيديولوجية علمانية)..(وينتشر فيها التدين بشكل استثنائي بالنسبة إلى دولة ديمقراطية علمانية.» ولكي لا يساء هذا الفهم عند البعض، يشدد عزمي بشارة على «أن الولايات المتحدة ليست دولة دينية ثيوقراطية، ولن تصبح كذلك في المستقبل المرئي»، على الرغم من انتشار التدين في المجتمع الأميركي وممارسة تأثيره لا على الوضعيات العائلية فحسب، بل على الحياة السياسية أيضًا (ص. 324)

في المقابل، هناك كنيسة رسمية في بريطانيا، لكن الدين والتدين لا يمارسان تأثيرًا في السياسة وصنع القرار. أمّا في الدول الأوروبية الغربية الأكثر علمانية من بريطانيا، فهي الأقل تعرضًا لمثل هذا الانتشار للتدين، في ما عدا في أوساط بعض الأقليات التي تستخدمها ملجأ حماية.. (ص. 325) خلاصة القول في العلمنة، وكما تُفهم في العلوم الاجتماعية في الغرب بشكل عام، هي أنها أنموذج (برادايم)، أي أنها مجموعة من فرضيات ونظريات متسقة في فهم التحوّل التاريخي في الحداثة. يرى عزمي بشارة في هذا الزعم «أن هذه هي حقيقتها وهذا وهمها أيضًا أنها تشكل جانبًا من الحقيقة، لكنها لا تفسر كل شيء، وتبقى ظواهر كثيرة ممتنعة على هذا الأنموذج خارج نطاق تفسيره» (ص. 334)، اعتمادًا على مقالة ديفيد مارتن Martin) (D. وأندرو غريلي Greely) (A. في نقد العلمانية في غضون الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. يؤكد عزمي بشارة أن «هذا البرادايم يتعلق في النهاية بالدولة، لأن العلمنة في رأينا هي غالبًا عملية تقديس في الوقت عينه، فهي حيث تقصي الدين عن مجال ما (ولا سيما إذا كان هذا المجال غير العلم) لا تكتفي بإقصاء الدين، بل تقدّس مرجعيات أخرى مثل الدولة، والقومية والأمة هما الجماعة التي احتلت محل جماعة المؤمنين. وجرى تدريجًا تقديس هذه الكيانات باستخدام الأدوات الدينية الجمالية نفسها، مثل الموسيقى والأناشيد والرسم والنحت والشعائر الدينية والطقوس والأزمنة والأماكن المقدسة، ودنيوة المصطلحات اللاهوتية ذاتها» (ص. 335) بالعودة إلى إريك فوجلين Voegelin) (E.، يمكن اعتبار أيديولوجيات الشمولية نوعًا من الديانات (ديانات سياسية)، ولا سيما أن التدين الكامن فيها قوة حقيقية «تقود مؤمنيها إلى الحماسة لجرائم تصل إلى حد كوارث حقيقية» (ص. 353)، وإذ لا يكفي أن تدان أخلاقيًا لحل موضوعها الخطير، لا بد من «إحياء التدين الروحاني.» كما أن هذه الأيديولوجيات الشمولية ليست عودة إلى البربرية، بل هي «الوجه الآخر لعملية العلمنة» في مسار الحداثة عندما يختفي الإله ويتلاشى المعنى. عندما يكون الله «مخفيًا» خلف العالم، تصبح مضامين العالم الدنيوي ذاته آلهة جديدة (...): «العلمنة وثقافة الأنسنية هما التربة التي نبتت فيها الحركات الدينية المعادية للمسيحية مثل الاشتراكية القومية النازية وإن كشف طابعها كتدين بديل أهم من التبشير الأخ قااي ضدها» (ص 353 – 355). بل إن «الغنوصية» كفلسفة تاريخية تدعو إلى تحويل موضوعات الإيمان، بما هو غير مرئي، إلى موضوعات للمعرفة هي التي تقود (كفلسفة للتاريخ) إلى الفكر الشمولي، وإلى إحداث الفراغ الروحي وغياب المعنى في الحضارة الغربية (رأي فوجلين.) مهما يكن من أمر واقعية هذا التحليل النقدي للحداثة، وضمنها العلمنة، فإن عزمي بشارة في سياق عرضه هذا الرأي في أكثر من مكان يتوقف عند دعوة فوجلين إلى «التجديد الديني.»

هل ثمة فرق بين «الديانة السياسية» و «الديانة المدنية»؟

لا يرى عزمي بشارة «فرقًا جوهريًا بين ما يُسمّى الديانات السياسية أو الدنيوية، ولا سيما تلك المرتبطة بمقدسات دنيوية من جهة، والديانة المدنية من جهة أخرى إلا بالدرجة وبموضوع التقديس. ففي حالة الديانة المدنية يجري الحديث عن تقديس الرابط بين الفرد والشعب والدولة بما يؤسس لشرعية الدولة، أو حتى النظام القائم، إذا ما أصبحت مبادئ هذا النظام السياسي جزءًا من العقيدة المدنية التي تجمع بين المواطنين» (ص. 365) بالعودة إلى روسو، يلخّص عزمي بشارة سمات الديانة المدنية التي يؤسسها العقد الاجتماعي؛ فهذه الأخيرة «لا تبقي من الديانة التقليدية إلا دين الإنسان الذي لا يتعارض مع المسيحية أو مع غيرها من الديانات التي يرفض (روسو) أن تعتنقها الدولة. على أن روسو لم يؤسس ديانة قائمة بذاتها بقدر ما اختار نهج تأليهية فلاسفة التنوير الحد الأدنى المطلوب لوجود دين، وربط هذا الحد الأدنى بالدولة. هذا الربط (أو عدم فصل الدين عن الدولة) لا يعني فرض دين مثل المسيحية كدين للدولة، بل تحويل مبادئ العقد الاجتماعي ذاته إلى ‹دين مدني› يتضمن أخلاقيات الدين الطبيعي (دين الإنسان) وعلاقة الحب والولاء لمبادئ العيش المشترك المتفق عليها؛ هي نوع من ‹الوطنية الدستورية›، وصاحب السيادة يسهر على هذه الوطنية الدستورية (الديانة المدنية) ولا دخل له بالمعتقدات الماورائية الأخروية الأخرى. الديانة المدنية إع ن إيماني مدني خالص يعود إلى صاحب السيادة أن يضبط بنوده». هنا يلاحظ عزمي بشارة احتمال الانزلاق نحو الإقصاء في عملية الضبط لمبادئ هذه الديانة: التخوين محل التكفير (ص. 367) يرى عزمي بشارة أن هذه المفاهيم رسبت في فكر الثورة الأميركية، كما في فكر الثورة الفرنسية؛ ففي الثورة الفرنسية «عبادة الكائن الأسمى التي أعلنها روبسبيير (والذي كان روسيويًا) كبديلٍ من عبادة العقل هي ذاتها ‹الدين المدني›، إذا أضيفت إليها فضائل الولاء للجمهورية والوطنية الفرنسية» (ص. 368)

أفكار روبرت بيلا «الدين المدني»

بعد إشارات سريعة تذكّر بآراء فلاسفة وعلماء اجتماع بوظيفة الدين اجتماعيًا ومدنيًا وإنسانيًا كما عند جون ستيوارت ميل ودوركهايهم وغيلنر (ص 368 – 370)، يتوسّع عزمي بشارة في شرح ومناقشة أفكار روبرت بيلا Bellah) (R. في « الدين المدني في أميركا » (مقالة صدرت في سنة.)1967 رأى بيلا في هذه المقالة ديانة مدنية نشأت إلى جانب الديانات الممأسسة الأخرى، ورأت في الشعب الأميركي شعبًا مختارًا يحمل رسالة سماوية ومبادئ مستمدة من الله، وأن أساس هذا المصطلح موجود في إع ن الاستقلال (1776) ويتكرر في خطابات الآباء المؤسسين، وفي خطاب كينيدي، ولهذه الديانة أماكن مقدّسة وذاكرة وأعياد ورموز وأيقونات. ويُعرّف بيلا هذه الديانة بالقول: «الديانة

المدنية هي البُعد الديني الموجود في حياة كل شعب ومن خلاله يُفسّر تجربته التاريخية من منظور متجاوز للواقع» (ص. 371) وبشيء من التوسع، يعرض عزمي بشارة أفكار بيلا فيقول: - قلّما يلقي رئيس أميركي خطابًا لا يذكر فيه الله مرات عدة، والله هنا ليس يسوعًا، الله هو الراعي لأميركا. - ليس مجرد طقس، يوحد المذاهب، ومقبول في الديانات والمذاهب كلها. - يُذكر لا مراعاةً لمشاعر المتدينين، إنه يُعبّر عن علاقة بنيوية في فهم أميركا لذاتها. - والله في مفهوم بيلا ليس معزولً عن عناصر أخرى في الديانة المدنية الأميركية، إنه «مفهوم مركّب يشمل الأيديولوجيا الوطنية وعناصر من الديانات المسيحية والتوراة، ومفهوم شعب الله المختار ورسالته الكونية والطقوس والشعائر والأماكن والأزمنة الوطنية المقدسة» (ص. 373) يلاحظ عزمي بشارة أن أطروحات بيلا أثارت نقاشًا واسعًا بين علماء الاجتماع الأميركيين الذين حاولوا مقارنتها بالديانات التقليدية القائمة. وفي مقابل هذا الاهتمام وردًّا عليه، يرى بشارة أن مفهوم الديانة المدنية «غير صالح لتفسير ديانة دائمة، بل يُفسّر ظواهر في مراحل محددة، وما هو دائم (في رأيه) منذ العلمنة في الحداثة هو انتقال ممارسة العلاقة بالمطلق والمتجاوز والواحد، بما في ذلك الطقوس التي تعيد إنتاج الجماعة والانبهار بالمقدّس إلى ظواهر علمانية يمكن الجزم بأن أهمها يدخل في إنتاج الهويات الجماعية، ولا سيما الوطنية والقومية وإنتاج المعنى للفرد أيضًا، ولا سيما معنى الحياة ومعنى الموت» (ص. 373) هذه الملاحظة تكتسب واقعيتها التاريخية عندما نعلم أن بيلا صُدم في إثر أزمة الستينيات والسبعينيات في القرن العشرين، وتحت وطأة حرب فيتنام وارتفاع معدلات الجريمة والعنف، فكتب كتابه The Broken Covenant («العهد المنكوث» أو «الميثاق المكسور»)؛ إذ بدا له أن ما يتجه إليه المجتمع الأميركي هو التراجع عن «الالتزامات الأخلاقية» ومبادئ الحرية وفضائل المصلحة العامة للجمهورية، وهي المبادئ التي أ سست خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين كانت الحرية المساهمة في الحيز العام، وتطابق الحرية مع الفضيلة، والتقاطع بين الأخلاق البروتستانتية والأخلاق الرومانية القديمة. هذه هي «الفضائل الجمهورية» لدى الآباء المؤسسين والنخبة المؤسسة للولايات المتحدة (ص. 374) دعا بيلا إلى العودة إلى دين مدني كهذا تكوّن عند الاستقلال وتأسيس الدولة، «لأن النفعية والعقلانية لا تكفيان، والعلم ليس الطريق الوحيدة إلى الحقيقة، وإذا لم يتحقق ذلك ف شك لديه في تحلل المجتمع الأميركي وانهياره» (ص. 375)

يخشى بيلا على هذا الدين المدني من التشوّه وإفراغ محتواه، إذ يقول «إن الدين المدني في أميركا اليوم قشرة فارغة، فمنذ البداية كان عهدًا خارجيًا، والعهود الخارجية ضرورية والقانون الخارجي ضروري ما دام الناس ليسوا م ئااكة، لكن في الجمهوريات لا يكفي الميثاق الخارجي الشكلي (...) يجب أن يتحوّل الميثاق الخارجي إلى ميثاق داخلي، أي أن يصبح ذا معنى في نفوس حامليه» (ص. 386) لكن المعنى يبقى في الحالة الأميركية محمولً على متن إشكالية تكوين تاريخي لصور التأسيس وأساطيره وإشكالية استذكار واستخدام للذاكرة. اعتمادًا على الباحثة كاثرين ألبانيزAlbanese) (C.، يلخّص عزمي بشارة هذا الاستذكار بالقول «إن الديانة المدنية الأميركية جمعت بين فكر التنوير الذي تأثر به الآباء المؤسسون وغيرهم من مثقفي المرحلة الأولى من تأسيس الولايات المتحدة من جهة، والرموز العبرية التي أنتجتها الكنائس الطهرانية من جهة أخرى، وجمعت هذه الأخيرة بين رؤية الكنائس كتنظيم طوعي شبه اتحادي أو ميثاقي لنخبة مختارة من المؤمنين، والرموز التوراتية. نظر هؤلاء إلى هجرتهم إلى أميركا بأدوات مخيلتهم الدينية. ومن هذا المنظور وبهذه الأدوات بدا أنهم خرجوا من العبودية في أوروبا (مصر) عبر الأطلسي (البحر الأحمر) إلى الحرية في القارة الجديدة (أرض الميعاد) لتشكل هناك دولة حرة مقارنة بالدول الأوروبية (مدينة على جبل – نور لأغيار)، كما أنهم صاغوا عذاباتهم وآلامهم في الهجرات الغزيرة الضحايا بآلام شعب إسرائيل من جهة، وبضمير مسيحي مُعذّب من خطايا ارتكبت في الماضي» (ص. 381) يستعيد عزمي بشارة من كتّابٍ وعلماء اجتماع كثُر توصيف أساطير وتحليلها، من بينها عظة جون ونثروب على متن السفينة التي حملته ومهاجرين آخرين في سنة 1630 إلى خليج ماساشوستس، وفيها استخدام التشبيه التوراتي: مدينة على جبلفي وصف نظرة الأميركيين إلى أنفسهم «كشعب مختار صاحب رسالة» (ص. 375). وكتب هيرمان ملفيل) H. Mellville ((1819 – 1891)، وهو أحد أهم كتّاب أميركا: «نحن الأميركيين شعب الله المختار وإسرائيل عصرنا، خرجنا من العبودية كما خرج شعب إسرائيل» (ص. 380) في سياق البحث عن إبراز الدور الديني التوراتي – البروتستانتي إلى جانب دور التنوير الأوروبي وقدسية الدولة في البعث الأميركي الجديد (تشبيه جورج واشنطن بموسى وبقائد روماني)، ينتقد عزمي بشارة من يعتقد من بين مثقفي القرن العشرين أن الدين أيديولوجيا فحسب، بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح (تبرير وإسناد للنظام القائم). يقول: «مثل هذا التحليل لا ينطبق على التاريخ الأميركي، ولا سيما في القرن التاسع عشر. لقد دفعت حركات الأحياء الدينية مرة بعد أخرى في اتجاه التغيير والإص ح الاجتماعي». ويضيف: «إن حركات إحياء ديني واسعة سبقت الحرب الأهلية في العقد السابع من القرن التاسع عشر والثورة الأميركية في العقد الثامن من القرن الثامن عشر، وانتشرت حركات امت ءاا ديني وروحي أدت إلى رؤية النقص أو عدم الكمال في الواقع السياسي، فأسست

فعلً ثوريًا ودفعت أيضًا إلى فعل اجتماعي سياسي أسس بدوره دساتير أو إصلاحات دستورية ذات طابع علماني تمامًا» (ص. 383). وفي الوقت نفسه، انتشر الوعي الوضعي الليبرالي القائم على تقاليد مستمدة من بيكون ونيوتن وجون لوك، و«ترافق ذلك مع صعود المبادرة الاقتصادية وقطاع الصناعة والأعمال...» وجمع الثروة والمال. يستعرض عزمي بشارة أنماطًا من موجات النقاش في موضوع الديانة المدنية، فهل هي ديانة وثنية؟ وهل تشمل عناصر من المذاهب المسيحية السائدة في أميركا، أم هي مجرد احتفاء قومي بالعظمة الأميركية؟ (ص 388 –.)389 يستعيد عزمي بشارة في محاولة الجواب من وجهة نظره، ما كان قد أسهب في شرحه في الجزء الأول عن تحوّل الأيديولوجيات القومية إلى أديان دنيوية. يقول: «في رأينا لا يختلف ذلك عمّا نعرفه عن الأيديولوجيات القومية المختلفة التي انسجمت في دين رسمي للدولة وطقوس قومية ووطنية وأساطير منشأ. وتتفاوت هذه بين الدول، حيث تتخذ لها في المجتمعات العلمنة طابعًا دنيويًا يكاد يكون وثنيًا، ونجد في دول أخرى اختلط فيها الدين بالقومية، عناصر من الديانات والمذاهب الممأسسة في هذه الديانة المدنية، بما في ذلك مشاركة الكهنة ورجال الدين في طقوسها. ونعتقد أن هناك انسجامًا بين المذهب الديني وهذه الروح القومية المدنية في أميركا، وبدرجة أقل في إنكلترا، وبشكل مختلف في إيرلندا وبولندا» (ص. 389) بهذا المعنى، يكون دي توكفيل – كما يكشف عزمي بشارة – قد سبق روبرت بيلا، صاحب مفهوم «الديانة المدنية»، بقرن واحد حين اعتبر (دي توكفيل) أن الوطنية عندما تؤدي إلى بذل جهد عظيم هي بذاتها نوع من الدين، فهي لا تعمل بالعقل بل تعمل بموجب نبض الإيمان والمشاعر (ص. 389) عديدة هي الآراء التي تعتبر القوميات ديانات بديلة دنيوية، وكما يعرض لها عزمي بشارة (ص 389 – 340)، غير أن بعضًا منها يستوقف بداعي المراجعة والنقد، ومنه رأي لعال م الاجتماعِ الأميركي مارتن مارتي) M. Marty (الذي يرى أن بعض من ينظر إلى الحركات الجماهيرية كلها تحت عنوان الديانات، يعرّف الدين تعريفًا واسعًا إلى درجة يصبح كل شيء دينيًا (...). وهذا يعني أن لا شيء هو دين (...). إن المجتمعات إذا كانت معلمنة فسوف تكون مركّبة في رؤيتها الديانات المدنية، فالموضوع برمّته هو بحث عن غاية ومعنى (ص. 394) بناءً عليه، يستنتج عزمي بشارة: «في المجتمعات المتدينة كما في حالة المجتمعات العربية والمجتمع الأميركي مثلً، لا يمكن تصور نجاح ديانة دنيوية مدنية، إلحادية الطابع لا تتضمن أيًّا من عناصر الدين التقليدي. فالوطنية والقومية منذ البداية تختلطان بعناصر من تاريخ الإسلام ومفرداته في المجتمعات العربية وبعناصر من المسيحية في المجتمع الأميركي» (ص. 394)

ويؤكد هنا مجدَّدًا هنا ما شرحه في الجزء الأول، فيشير إلى فشل إقامة ديانات جديدة في العصر الحديث، وإلى أن ما ينشأ هو بدائل من الديانات... «وهذه البدائل تعيد إنتاج العلاقة بالمقدس عبر طقوس وشعائر جماعية في زمن العلمنة». يكرر ليؤكد «أن الدين ليس هو المقدس، وإن كان المقدّس أو التقديس شرط وجود الدين. إن إقامة الشعائر والطقوس لمحاكاة الدين أو لخلق نوعٍ من عبادة الشخصية أو العرق أو الدم أو غيره لا تنجح في النهاية بتشكيل ديانات جديدة في زمن العلمنة، زمن التمفصل والتمايز بين عناصر المجتمع ووظائفه، لكنها تستعير رموزًا وتعبيرات وأدوات ولغة دينية وتعلمنها، كما توجه طاقة المشاعر الدينية بشكل يضفي قداسته على انتماءات وولاءات وهويات مستحدثة» (ص. 395) م حظة يسوقها عزمي بشارة أخيرًا على هامش البحث في الديانة المدنية أو الدنيوية، أو كملحق لبحث علاقة الدين بالاستعمار وسياسته، وللبرهنة على «أن الاستعمار لم يكن نشاطًا علمانيًا صرفًا » خ فااًا لما يُدّعى؛ فقد بيّنت الدراسات التاريخية الحديثة أهمية دور الدافع الديني في الحم ت الاستعمارية المبكرة، كحملات الإسبان والبرتغاليين في أميركا الجنوبية المتأخرة، وكحملة الفرنسيين على سورية ولبنان4، وحتى الدول التي جرى فيها فصل الكنيسة عن الدولة عبر عملية علمنة مكثفة، مثل فرنسا، لم يتعرض استعمارها لعملية علمنة بمعنى تحييد الدولة دينيًا. لذا، من المستغرب، كما يلاحظ عزمي بشارة، «انتشار التوقع أن يرد سكان المستعمرات (على المستعمِر) بحركات علمانية، فدوافعه ونزعاته لم تقتصر على الشؤون الدنيوية التي كانت قائمة من دون شك، بل تجاوزتها إلى دوافع ونزعات دينية أيضًا»5 (ص 401 –.)402

خاتمة

في خاتمة هذه المرحلة الطويلة الممتدة على طُرق صيرورات العلمنة في أوروبا وفي أميركا، والتي حاولنا خلالها مرافقة المؤلف في ما لخصناه أو في ما استخلصناه من اقتباسات مختارة من متون المجلدات الثلاثة، يستجمع عزمي بشارة طاقة الاستخلاص والاستنتاج وتكثيف المعاني، ليسجل في هذه الخاتمة سمات «أنموذج نظري في فهم علمنة السياسة والدولة». على أن الأنموذج في الجهد البحثي المبذول لا يعني «اختزال لتطور مستقيم تصاعدي من فكر التنوير إلى الحداثة» لرسم تيار أو

  1. شارك اليسوعيون في هذه الحملة أيضًا من خلال التنسيق الذي جرى بينهم وبين رجال الأعمال الفرنسيين (غرفتي تجارة مرسيليا وليون) والتدخل المشترك في رسم خطوط السياسة التوسعية الفرنسية في ب داا الشام. راجع تقارير غرفة تجارة ليون وغرفة تجارة مرسيليا، ورسالة رئيس الإرسالية اليسوعية في سورية إلى وزارة الخارجية الفرنسية، حيث تجمع جميعها على المطالبة بوحدة سورية الطبيعية والكاملة (بما فيها فلسطين) وإخضاع نطاقها الجغرافي للنفوذ الفرنسي. راجع نصوص هذه التقارير في: وجيه كوثراني، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين - السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية، ط 3 مزيدة ومنقحة (بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 210-204، 409 و.413
  2. إن مشروع تأسيس جامعة القديس يوسف (اليسوعية) في بيروت، ثم تأسيس كلية الحقوق فيها لتخريج نخبة إدارية وسياسية لبنانية تكون جاهزة لاستلام مواقع سياسية وإدارية في مشاريع سياسية قادمة، كان أيضًا جزءًا من تخطيط قام به خبراء وأساتذة جامعة ليون (العلمانية) واليسوعيون. وقد «افتُتحت كلية الحقوق في بيروت في تشرين الثاني/نوفمبر 1913، ونيطت باليسوعيين مهمة الإدارة والتدريس فيها، بينهما كانت جامعة ليون تشرف على التعليم وتقدم الشهادات»، انظر: المصدر نفسه، ص.202

خطٍ ناظم يرسمه الباحث انطلاقًا ممّا آل إليه المفهوم في نهايته فيتصوّره متطابقًا مع بدايته، أصلً ومآلً وتعريفًا، بل على العكس، ذلك أن الرحلة المقصودة هي رحلة مؤرخ لأفكار أخذ على عاتقه الحفر في طبقات هذه الأفكار، ليتعرّف إلى سياقات وتحولات وانقطاعات وتمايزات واختلافات، وأنماطٍ من الانفصال، وأنماط من الفصل، وأنماطٍ من الوحدة. فقد حاول عزمي بشارة طرح التمايز بين الدين ومجالات الحياة الأخرى في الفكر الديني فضلً عن العلم والسياسة (...)، كما توقّف في مفاصل عدة عند انسحاب الدين التدرجي من مجالات المعرفة، وميّز بين انسحاب الدين وانسحاب المقدّس)...(، وأن نقد العلمانية باعتبارها أنموذجًا فكريًا لا يعني أن العلمنة وهْم وأنها لا تضيء جوانب مهمة من الصيرورة التاريخية (...) فهي (العلمانية) تبرز «كمجموعة مواقف فكرية وأخلاقية متعلقة بعلاقة الدولة بالدين تاريخيًا في مرحلة تعاظم دور الدولة وشموليته في الحداثة عمومًا (...)» (ص 409.)410- فما حدث في مقدمات الحداثة الأوروبية – هو «محاولة دمج الشرعية الدينية والدنيوية في شخص الملك، وكذلك توحيد الدولة – الأمة دينيًا». وإذ دام الصراع حتى أن الأمة ما عادت تتطابق مع الانتماء الديني، فإن هذا لم يكن ممكنًا من دون سيطرة منطق الدولة على الدين، وصول إلى الانفصال، وذلك عبر دينامية تطور معقدة من التمايزات والتوترات والتجاذبات؛ فعند محاولة المجتمع الحديث حشر الدين في مجال الحيّز الخاص أو في مجال الفرد «تول د العلمنة توترات عدة»، ذلك «أن الدين ظاهرة اجتماعية تاريخية متعلقة بتشابكٍ أصيل فيه بين العام والخاص، والنسبي والمطلق، والدين نظام ضبط اجتماعي أيضًا، ويصبح هوية جماعية وعصبية وعزوة في الديانة والملة أيضًا» (ص. 420) اعتمادًا على هذه الاستعادة المركّزة، يقدم عزمي بشارة في هذه الخاتمة «أنموذجًا يتضمن تعميمات ناجمة عن عملية الاستقراء والتحليل (..) وأخرى هي فرضيات نظرية تتضمن احتمالات يمكن من خلالها فهم تطورات في حالات أخرى. يلخص هذه التعميمات في آخر صفحات الكتاب، لتشكل ترسيمةً ترشيدية، وفي ما يلي نكتفي باستعادة عناوينها الرئيسية. • العلمنة عملية تمايز للمجالات المعرفية والاجتماعية، تتغلب فيها أنماط المعرفة العلمية في فهم الظواهر، ويعلو فيها منطق الدولة على الدين في المجتمع الحديث. ولا يعني ذلك اندثار الدين والتدين، كما لا يعني بالتأكيد غياب المقدّس عن الحياة الإنسانية. • من جهة الدين، تعني العلمنة رسم حدود للدين كفكر وظاهرة اجتماعية مميزة بذاتها. ويؤدي ذلك إلى احتمالات يلخص عزمي بشارة مداراتها كالتالي: - أن ترفض المؤسسة الدينية الفصل، ولكن الرفض لا يدوم طويل، وهو يتخذ مسارات متعرجة إلى أن تفضل المؤسسة الدينية الفصل على الخضوع لمنطق الدولة. وترافق هذا القبول بالفصل بأن يأخذ الدين وظائف جديدة في مجالات الضمير والأخلاق وأعمال الخير الاجتماعي.

- قد يعبّر الدين عن نفسه بأنماطٍ من الإيمان الفردي والانجذاب إلى ديانات «من مجتمعات تبدو لإنسان المعلمن أكثر روحانية (كانجذاب الشباب الغربي إلى ديانات من الشرق الأقصى في ستينيات القرن الماضي...» (ص. 424) - قد يبقى الدين في السياسة بعد علمنة الأخيرة: استخدام الدولة للدين. - في المقابل، قد يعود الدين إلى المجال العام بتسييس الدين ضد الدولة. • «أمّا من جهة المجالات العامة التي جرت علمنتها، كمجال السياسة والدولة، فتُضفى قدسية على الدولة وعلى الأمة وعلى القومية والوطنية، فيستحضر المقدّس لإضفائها على هذه المجالات» أساطير ورموزًا وأدبًا وفنًّا. «كما يُضفى المقدس على قيم السياسة بربط الدين التقليدي بالهوية الوطنية، أو يتحوّل الدين نفسه إلى طائفة، سواء على مستوى الأقلية أو الأكثرية، بل إن السياسة والمجتمع (بعد العلمنة) ‹تتوق إلى المقدس›»، ويُترجم هذا التوق «بتقديس الحركات القومية والأعياد الوطنية والعلم والنشيد والرموز ومظاهر مختلفة من ‹الدين المدني› كما يسمّى في الولايات المتحدة الأميركية.»

يؤكد عزمي بشارة أن جميع هذه الأشكال من التمايز والانفصال واقعة في داخل الحداثة، «وأن انحسار الوعي الديني من مجالات الحياة المختلفة والثورات الناجمة عن ذلك، والتي تشد إلى استعادة الوحدة، هي جزء من هذه العملية. لكن الوحدة الأصلية المتخيلة أو غير المتخيلة ما عادت قائمة، فكل وحدة بعد الانفصال، في الفكر أكانت أم في الممارسة، ليست عودة إلى الأصل الذي كان قبل الانفصال» (ص. 428) إن مثل هذا التأكيد لا يكتسب فقط أهمية منهجية في التأريخ لأفكار ولأفكار الحداثة بوجه خاص، بل يكتسب أهمية أيضًا في التأريخ للتعامل النقدي مع المفاهيم أو المقولات، كمقولة «العودة إلى الدين» بما هو أصل لتحقيق ما يسمّى مث «وحدة الدين والسياسة» لتوهمها «أص »، أو كمقولة تحقق العلمانية والخ ص من الدين ووظيفته توهمًا لتعريف كامل ومنجز للعلمانية. يختم عزمي بشارة أنموذجه بالقول: «لا يكفي التمييز بين المجال الديني والمجال الدنيوي لفهم فعل الدينامية الناجمة عن تمايزهما في المجتمعات، بل سوف يكون ضروريًا أن نميز بين أنماط التدين والفئات الاجتماعية وأنواع الدولة، ودرجة تطور المجتمعات. ومن دون هذا لا يمكن فهم الكثير. ومن دون هذه التمايزات بين درجة تطور المجتمعات المختلفة وتاريخ

الدولة العينية ودرجة علمنة الوعي فيها، تسقط نظرية العلمنة في تعميمات». إذ ا، المهم هو إدراك التمايزات المعقدة والمركّبة بين مجال ومجال، اقترابًا أو انحسارًا أو انفصالً. هذه التمايزات استقرأها عزمي بشارة من المجتمعات الأوروبية وأجرى تطبيقها عليها. أمّا تطبيقها كنظرية شاملة، كما يقول، «فأمر غير ممكن إلا بأخذ البُعد النظري جدًا والمتعلق بالدين وتعريفاته وتمييزه من الشعور بالمقدس، ثم فحص معنى انحساره وتراجعه في كل مجتمع، وكيفية نشوء الدولة ودينامية اكتسابها شرعيتها ونشوء أنماط التدين المختلفة وتفاعلها مع هذه الدينامية لدى فئات اجتماعية مختلفة» (ص. 431) إذًا، إنها لمهمة كبرى قادمة لمرحلة أصعب: استقراء المجتمعات العربية والإس مااية من زاوية هذا الأنموذج المفاهيمي والمنهجي؛ مهمة وعد عزمي بشارة بإنجازها والانكباب عليها رغم انشغالاته الواسعة كلها لتستكمل الجزأين السابقين، فيقدم للمكتبة العربية مرجعًا جامعًا وعميقًا وجديدًا نحتاج إليه في هذا الموضوع الشائك وفي هذه المرحلة المفصلية من التاريخ العربي.