Return to Article Details Freedom and Impediment to Action: Foundations for a Liberal Concept of Freedom in the Arab Thought

الحرية ومعوقات الفعل: التأسيس لمفهوم ليبرالي للحرية في الفكر العربي

Freedom and Impediment to Action

رجا بهلول

Raja Bahlul

الملخّص

تقوم الورقة بمناقشة عدد من الأفكار المترابطة، والتي يراد بها أن تقودنا إلى نتيجة مفادها ألّا مبرر للاعتقاد بعدم إمكانية تأصيل المفهوم الليبرالي للحرّيّة في سياق الثقافة العربية الإسلامية. بالإمكان تلخيص هذه الأفكار كما يلي: للمفهوم الليبرالي للحرّيّة أساس ميتافيريقي، يتم بموجبه تصور الحرّيّة على أنها تكمن في غياب العوائق من أمام الفعل، و(من ثمّ) تحدد الفعل على أساس من الرغبة أو المشيئة. لهذا الأساس الميتافيزيقي تجليات مختلفة في مجالات السياسة والاقتصاد ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية، إذ يمكن الحديث عن "حريات ليبرالية". لهذا الأساس الميتافيزيقي حضور على صعيد الفكر الفلسفي القديم، سواء اليوناني منه أو العربي - الإسلامي. وجد هذا الأساس الميتافيزيقي فرصته للتعبير عن نفسه وبقوة في الفلسفة السياسية الغربية في الفترة الحديثة فقط، فهو من ثمّ، ومن منظور معين، أمر مستجد، حتى في الغرب نفسه. تحت تأثير الغرب، وفي سياق حداثة عربية فرضت علينا أو تطورت عندنا، تتوافر (أو توافرت منذ عصر النهضة العربية) فرصة لكي يعبّر هذا التصور الميتافيزيقي للحرّيّة عن نفسه في الفلسفة السياسية العربية الحديثة والمعاصرة.

Abstract

Abstract: This paper explores, and ultimately finds no justification for, the idea that it is not possible to root the liberal concept of freedom in the Arab-Islamic cultural context. It examines this supposition from two main angles: First, that the liberal understanding of freedom has a metaphysical basis, which itself has various implications in a range of areas. The paper shows that this basis is also present in ancient philosophical thought—both Greek and Arab-Islamic. In the context of an imposed Arab modernity, there is now (or has been since the period of the Nahda) a chance for this metaphysical conception of freedom to express itself within modern and contemporary Arab political philosophy.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية
  • معوقات الفعل
  • الأساس الميتافيزيقي
  • الغرب
  • الفكر العربي
Keywords:
  • the West
  • Metaphysical Basis
  • Obstacles to Action
  • Arab Thought
  • Freedom

التأسيس لمفهوم ليبرالي للحرية في الفكر العربي

Foundations for a Liberal Concept of Freedom in the Arab Thought

مفادها ألّ مبرر للاعتقاد بعدم إمكانية تأصيل المفهوم الليبرالي للحريّة في سياق الثقافة العربية

الإسلامية. بالإمكان تلخيص هذه الأفكار كما يلي: للمفهوم الليبرالي للحريّة أساس ميتافيريقي

و لهذا الأساس الميتافيزيقي تجليات مختلفة في شتى المجالات، كما أن له حضوره على صعيد الفكر الفلسفي القديم، سواء اليوناني منه أو العربي - الإسلامي. كما وجدنا بأن وجد هذا الأساس الميتافيزيقي فرصته للتعبير عن نفسه وبقوة في الفلسفة السياسية الغربية وتحت تأثير الغرب، وفي سياق حداثة عربية فرضت علينا أو تطورت عندنا، تتوافر (أو توافرت منذ عصر النهضة العربية) فرصة لكي يعبّر هذا التصور الميتافيزيقي للحريّة عن نفسه في الفلسفة

السياسية العربية الحديثة والمعاصرة.

مقدمة

تقدم هذه الورقة البحثية سلسلة من الأطروحات المترابطة حول مفهومٍ أثار، ولا يزال يثير اهتمام المفكرين العرب النهضويين وآخرين من بعدهم. نطلق على هذا المفهوم تسمية «المفهوم الليبرالي للحرية»، ونستخدم مصطلح «الليبرالية» بالطريقة المعهودة، للإشارة إلى مجمل التصورات التي ترتكز على هذا المفهوم للحرية في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها. بوسعنا التعبير عن الأطروحات التي نرمي إلى تبيانها ومناقشتها على الشكل التالي: 1) للمفهوم الليبرالي للحرية أساس ميتافيريقي يتم بموجبه تصور الحرية على أنها تكمن في غياب العوائق من أمام الفعل و (بالتالي) تحدد الفعل على أساس من الرغبة أو المشيئة؛ 2) لهذا الأساس الميتافيزيقي تجليات مختلفة في مجالات السياسة والاقتصاد ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية، حيث يمكننا الحديث عن «حريات ليبرالية»؛ 3) لهذا الأساس الميتافيزيقي وجود على صعيد الفكر الفلسفي القديم، سواء اليوناني منه أو العربي -  الإس مااي؛ 4) وجد هذا الأساس الميتافيزيقي فرصته للتعبير عن نفسه، وبقوة، في الفلسفة السياسية الغربية في الفترة الحديثة فقط، فهو بالتالي، ومن منظور معيّن، أمر مستجد حتى في الغرب نفسه؛ 5) تحت تأثير الغرب، وفي سياق حداثة عربية فُرضت

علينا أو تطورت عندنا، تتوافر لهذا المفهوم الميتافيزيقي للحرية فرصة للتعبير عن نفسه في الفلسفة السياسية العربية الحديثة والمعاصرة، بداية من عصر النهضة وما بعد. بالتالي، وبالنظر إلى هذه المسارات المتوازية (إلى درجة ما)، ليس هناك مبرر للقول بعدم إمكانية تأصيل المفهوم الليبرالي للحرية في سياق ثقافتنا العربية الإس مااية؛ فليس هذا الأمر بأسهل أو بأصعب ممّا هي عليه الحال

في الثقافة الغربية. تشكّل هذه الأفكار بمجموعها مرتكزًا لهدفين آخرين يتجاوزان هدفي الرصد التاريخي وتحليل المفاهيم. يتلخص الهدف الأول في محاولة تأسيس التوجّه الليبرالي في الفكر العربي الإس مااي،

بحيث لا نعود ننظر إلى هذا الأخير كمستودع لأفكار ومعتقدات لا تتباين إلا في درجة دوغماطيقيتها والتصاقها بالماضي. ولهذا الهدف قيمة وأهمية كبرى في السجال الدائر بين الداعين إلى تبنّي المفاهيم السياسية المعاصرة، كمفاهيم الحرية والمساواة والحقوق، وأولئك الذي يرون في مثل هذا الانفتاح اغترابًا وسلبًا للذات وفقدانًا للهوية. أمّا الهدف الآخر، الذي لا يتسع المجال للبحث فيه

هنا، فيتمثّل في إرساء بعض الأسس ال زاامة لتقييم النقاش الدائر عربيًا (وغربيًا) ومنذ فترة غير

وجيزة، حول معنى ومغزى المناداة بمفهوم ليبرالي للحرية: فهل المفهوم الليبرالي للحرية غاية يجدر بنا إدراكها لما يحمله هذا المفهوم من جوانب تقدمية وتحررية، أم إنه شيء ينبغي تجاوزه إلى ما هو أفضل منه؟ وما عساه أن يكون؟

(((قمت، منذ نيف وعشرين سنة، بمعالجة هذه المسألة بعض الشيء في «المفهوم الليبرالي للحرية في الفكر العربي الحديث»، حيث نظرت إلى تجليات وصعوبات تمثّل هذا المفهوم في الفكر العربي الحديث، ولكن دونما تركيز على مسألة الأصول

Raja Bahlool, «The Liberal Concept of Freedom in Contemporary Arab Thought,» Journal of Arabic and والتأسيس: Islamic Studie s 10 (1993): 22-66.

في القسم الثانيمن البحث، نشرع في مناقشة سؤال التأصيل، ونعرض لمقولة مشهورة لقيت وتلقى الكثير من التأييد، حتى عند أولئك الذين ينعون صدقها. تفيد هذه المقولة المشهورة بأن مفهوم الحرية بالمعنى الليبرالي في المجمل غريب عن ثقافتنا العربية الإسلامية، التي لم تعرف شيئًا من هذا القبيل حتى بدأت عملية تلاقح فكري بيننا وبين الغرب الحديث في أواسط القرن التاسع عشر، وأن جل ما أدركه التراث العربي الإسلامي من معاني الحرية المختلفة كان يدور في فلك ميتافيزيقي أخلاقي لا يمت إلى حقول السياسة والاجتماع بصلة وثيقة. في القسم الثالثنستعرض (أولً) أهم عناصر المفهوم الليبرالي للحرية كما تجلت هذه في عصر النهضة عند مفكرين عرب مختلفين، ونقارنها بما يماثلها في الفكر الغربي، الذي يُفترض أنه أصل

لها. لا نقوم بهذا من باب التعريف بما قاله النهضويون العرب وأقرانهم في الغرب عن الحرية بتفسيرها الليبرالي، فهذا غني عن البيان، ولكن مناقشاتنا المختلفة في الأقسام ال حقة من هذا البحث تستدعي الإلمام بنطاق السياقات الفكرية والعملية التي تستدعي استعمال مفردة «حرية» ومشتقاتها بأشكالها الصرفية المختلفة، وهو ما لا يتحصل من دون التمعن في ما قاله هؤلاء وأولئك عن الحرية. ونسعى في هذا القسم أيضًا للتمييز بين الحرية «بحد ذاتها» من جهة، والحريات كما تتجلى في ميادين مختلفة من جهة أخرى، ونطرح السؤال: هل الحرية شيء، والحرية الاقتصادية والحرية السياسية وحرية الفكر والتعبير أشياء أخرى؟ نحاجّ في هذا القسم بأن المذهب الليبرالي في الحرية، أو ما أسماه أحمد

لطفي السيد «مذهب الحريين»، دأب منذ فترة طويلة على استيعاب مفهوم الحرية من خلال عائلة مفاهيمية تشتمل على مفاهيم الرغبة والإرادة، وتحدد الفعل سببيًا على أساس الإرادة وغياب العوائق من

أمام الفعل. إذا كان هذا ما ترتد إليه الحرية في نهاية الأمر، بحسب الفهم الليبرالي، فهو تصور ميتافيزيقي أنطولوجي بحت، تتحدد بموجبه الع قااة بين الحرية والحريات بوصفها ع قااة بين المفهوم العام والحالات الخاصة. نعود لنطرح مسألة الأصل والتأسيس في القسم الرابعمن البحث. يتبين لنا في هذا القسم أن الطريقة التي يسير عليها الفكر الليبرالي في تصوره للحرية ليست شيئًا جديدًا البتة، وأن لها سوابق كثيرة، ليس فقط في الفلسفة اليونانية، وإنما في الفلسفة العربية الإس مااية أيضًا. جُل ما يقوم به الفكر

الليبرالي (وهو ليس أمرًا قليل الأهمية) لا يتعدى إلباس هذا التصور الميتافيزيقي للحرية لباسًا

اجتماعيًا بألوان سياسية واقتصادية ومدنية وغيرها، بحسب السياقات المختلفة للحياة الاجتماعية.

لهذا السبب، لا يمكن القول إن المفهوم الليبرالي للحرية كان اختراعًا جديدًا أتى به الغرب الليبرالي الحديث من العدم؛ فللمفهوم الليبرالي الحديث للحرية أصول، حتى في الفكر الغربي الحديث نفسه.

(((انظر الهامش رقم 18 أدناه.

في القسم الخامسوالأخير من البحث، نستكمل نقاشنا التأسيسي بالقول إن الظروف التي أوجدتها الحداثة الغربية في موطنها في الاقتصاد ثم في السياسة والاجتماع استدعت بعث الحياة في تصور

ميتافيزيقي معيّن للحرية. ثم إن هذا التصور توسع وانتشر، متخذ ا أشكالً مختلفة في المجالات

الحياتية المختلفة. ولا شيء من هذا بمانع من أن تستدعي مستجدات حداثة عربية (نشأت

عندنا بحكم تغيرات تاريخية، أو فرضتها علينا الدول المستعم رة) بعث الحياة في هذا المفهوم الميتافيزيقي نفسه الذي هو بمثابة إرث مشترك بين العرب والغرب الحديث. بعبارة أخرى، نقول إن الفرق بين ثقافة الغرب الحديث والثقافة العربية الإس مااية (قديمها وحديثها) لا يكمن على الصعيد المفاهيمي البحت، بمعنى وجود أفكار أو مفاهيم غربية لم يكن من الممكن إدراكها أو التعبير عنها في الثقافة العربية الإس مااية، بل إن المسألة كانت ولا تزال محض ظروف تاريخية واجتماعية وسياسية ربما تجعل أو لا تجعل من ال زاام تفعيل ما هو كامن في التراث الفكري لهذه الأمة أو تلك.

الأصالة والمعاصرة وسؤال التأصيل

يقوم كثير من المفكرين بالتمييز بين المناقشات (والنظريات) المتعلقة بمفهوم الحرية في سياق البحث الميتافيزيقي أو الأنطولوجي، وتلك التي تدور حول مفهوم الحرية في سياق المباحث السياسية والاجتماعية عمومًا، بما قد يشتمل عليه ذلك من مباحث في

مجالات الاقتصاد والنظم القانونية وحقوق الإنسان والحياة المدنية. ومن أبرز الأمثلة

على ذلك، المفكر الليبرالي جون ستيوارت م (Mill J.S.) الذي يقول في بداية مقالته ل المشهورة في الحرية:

لا يتناول موضوع هذه الرسالة ما يسمّى بحرية الإرادة التي يفترض أنها تتعارض مع ما يسمّى

(خطأ) بمبدأ الضرورة الفلسفية، ولكنه يتناول الحرية المدنية أو الاجتماعية، ويبحث في طبيعة السلطة التي يجوز للمجتمع شرعًا أن يمارسها في حق الفرد، وحدود تلك السلطة، وهذه مسألة قلما تعرض لها الكتّاب أو تناولوها بالدراسة بوجه عام.

مثل هذا التمييز، بما له وما عليه ممّا سوف نناقشة بالتفصيل في هذا البحث، يعنينا كثيرًا نحن

المهتمين بالفكر العربي السياسي والاجتماعي، قديمه وحديثه؛ ذلك أن كثيرًا من الباحثين دأبوا،

ومنذ أمد طويل، على القول بأن الفكر العربي الإس مااي، باستثناء الحديث منه، يحفل بالنقاشات الميتافيزيقة لمسألة الحرية، ولكن مناقشاته المطولة لمسألة الحرية لا تبدي أي اهتمام يذكر بمسائل السياسة والاجتماع. يعود قصب السبق في مجال استخدام هذا التمييز من أجل تحديد وتحليل مفهوم (أو مفاهيم) الحرية في الفكر العربي الإس مااي إلى المستشرق فرانز روزنتال الذي قام برصد

(((جون ستيوارت م، ل حول الحرية (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2012)، ص.5

معان مختلفة للحرية في التاريخ الفكري العربي الإس مااي. تتراوح المعاني التي قام روزنتال برصدها ما بين الحرية المنافية للعبودية (بالمعنى القانوني) والحرية المرادفة للكرم والنبل، والحرية النفسانية للمتصوف (التي تترجم كعبودية مطلقة للخالق)، وحرية المتكلمين الذين جهدوا في تحديد درجة أو نوع من الحرية ل نإإسان قبالة إله مقدّر ل قأأدار وكلي القدرة. ولكن روزنتال لا يعثر على أي مفهوم للحرية ذي مغزى سياسي أو اجتماعي. لذا يخلص إلى نتيجة مفادها أن:

على الرغم من وجود نقاشات مطولة للحرية (في الفكر العربي الإسلامي)، فإن فكرة الحرية لم تبلغ مرتبة المفهوم السياسي الأساسي الذي بوسعه أن يلم الشعث حول القضايا الكبرى... كان متوقعًا من الفرد المسلم أن يعتبر أن السلوك القويم يتمثّل في مواءمة حريته الشخصية لمعتقدات وأخ ق وأعراف الجماعة التي ينتمي إليها. ومع أنه كان يثمّن حريته الشخصية

ويفتخر بها، فإنه لم يكن من المفترض له أن ينظر إليها كما لو كانت خيرًا مطلقًا يتوجب الذود

عنه قبالة مطالب الجماعة، وبأي ثمن. ومن الناحية السياسية، لم يكن يتوقع أن للفرد أي خيار حر في ما يخص نظام الحكم الذي يعيش تحت ظله.

تبع هذا الرأيَ في المجمل، وإن لم يكن في التفصيلات، عدد كبير من المفكرين والكتّاب العرب. نذكر منهم، على سبيل المثال، المفكر المغربي عبد الله العروي الذي ينتهي به الفحص اللغوي إلى التمييز بين أربعة معان للحرية: المعنى الخلقي (الحر بمعنى الكريم)، والمعنى القانوني (الحر على خلاف العبد)، والمعنى «الاجتماعي»، ومن الأفضل القول: «المعنى الاقتصادي» (الحر هو المعفى من الضريبة)، والمعنى الصوفي (الحرية بمعنى الخروج من رق الكائنات إلى عبودية الله). لكن، وعلى الرغم من أن العروي يقرّع المستشرقين على اقتصارهم على ميادين الدولة والفقه عند البحث عن مواطن وجود الحرية،

إلا أن هذا لا يمنعه من التمييز بين الحرية بالمعنى النفساني الميتافيزيقي والحرية بالمعنى السياسي الاجتماعي، فيقول:

يمكن إذن أن نفرّق بين حرية نفسانية ميتافيزية، يتناولها الفكر الإسلامي بالتحليل، وبين حرية

سياسية اجتماعية ينكب عليها الفكر الليبرالي ويحصر فيها كل تساؤلاته ومناقشاته. وينتج بالطبع عن اختلاف الاهتمام والنظرة اختلاف في المفاهيم.

يمكننا الإشارة هنا أيضًا إلى كتّاب آخرين يقترحون تمييزًا بين الحرية التي يجري الحديث عنها في سياق الميتافيزيقا والأنطولوجيا، والحرية التي يجري الحديث عنها في السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المألوفة، من دون أن يكونوا معنيين، في سياقات معيّنة على الأقل، بنفي الثانية وإثبات

(4) F. Rosenthal and B. Lewis, «Hurriyya,» in Encylopedia of Islam , vol. 3, New Ed. (Leiden: E.J. Brill, 1971), 589.

قارن أيضًا ب: فرانتز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام: دراسة في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة وتقديم معن زيادة ورضوان السيد، ط 2 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص.179 (((عبد الله العروي، مفهوم الحرية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص.17

الأولى كصفة لازمة في التاريخ الفكري للعرب والمسلمين. هذا مع أن ليس من الصعب (بل ربما من المحتم) أن تلتقي آراؤهم مع وصف كلٍّ من العروي وروزنتال لوضعية التراث العربي الإسلامي في هذا الخصوص، ومن هؤلاء فهمي جدعان الذي يزيد على ما قلناه سابقًا بذكره بعض الفروق بين الحرية بمفهومها الميتافيزيقي (الذي يشير إليه بمصطلح «أنطولوجي») والحرية بمفهومها السياسي الاجتماعي:

إن الحرية الأنطولوجية غير خاضعة للتغيير، فهي إمّا أنها كائنة وإمّا أنها غير كائنة. أمّا الحرية الثانية - المجتمعية – فكسب يولده جهد وكفاح. والحرية الأنطولوجية موقف وجودي مطلق يرتبط بميتافيزيقا الحرية وباللاحتمية، والثانية نسبية تندرج تحتها جملة من الحريات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشخصية. والحرية الأنطولوجية سالبة تتضمن انتفاء الحتمية بينما الثانية موجبة تنضوي فيها ثلة الحريات.

كما يمكن الإشارة إلى ناصيف نصار الذي يختلف عن غيره بإعادته إنتاج هذا التمييز بين الميتافيزيقي الأنطولوجي والسياسي الاجتماعي من خ لاا استخدام تفريق غير مألوف بين مفهوم الليبرالية كأيديولوجيا برجوازية «تمحورت حول شعار الحرية وسعت إلى تجسيد هذا الشعار في الممارسة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والإعلامية»، ومفهوم الليبرالية كتفكير فلسفي. فهذه الأخيرة:

تمحورت حول مبدأ الحرية بإط ق، وسعت... إلى الكشف عن مضامين مبدأ الحرية ومستلزماته في الوجود البشري، أحيانًا من وجهة نظر ميتافيريقية، وأحيانًا أخرى من وجهة نظر أخلاقية، واندمجت لهذا السبب في الأنظمة الفلسفية التي حددت معناها، مثل الكانطية أو البرغسونية أو السارترية.

يمكن تلخيص هذا كله بالإشارة إلى ما يقوله المفكر المغربي محمد المصباحي بشأن عبثية البحث عن مفهوم ل «الحرية بالمعنى الحديث» في ثنايا الفلسفات القديمة، اليونانية منها والإسلامية:

من البيّن بنفسه أن مفهوم الحرية مفهوم حديث، يعبّر عن حساسية وأفق فكري

ما كان ليوجد في الفكر الفلسفي للحقبتين اليونانية والعربية الإس مااية. فما كان يُعتبر حريةً في الأزمنة السابقة عن الحداثة، وهو الوعي بالضرورة العقلية والسببية

الطبيعية والجبر الديني، صار يُنظ ر إليه اليوم من قبيل العبودية؛ وما كان يُعتبَر

(((فهمي جدعان، «الحرية في الثقافة العربية الحديثة،» في فهمي جدعان، المقدس والحرية وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف

الحداثة ومقاصد التحديث (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009)، ص 82؛ أي إمّا أن الإنسان، بطبيعته، حر وإمّا أنه

غير حر، أو فلنقُل، وبلغة الأقدمين من العرب والمسلمين، إمّا أنه مسيَّر وإمّا أنه مخيَّر، من دون تحديد مجالات الفعل والتصرف.

(((ناصيف نصار، باب الحرية: إنبثاق الوجود بالفعل (بيروت: دار الطليعة، 2003)، ص.46

عبودية إزاء الأهواء والشهوات والنزوات الفكرية والجسدية، أضحى حريةً بالمعنى الحديث للكلمة.

لا مفر إذًا من الاعتراف بذلك التمييز الذي يصوغه مِل ويجد روزنتال والعروي وكثير غيرهم شقه الأول متمثًّ في مسيرة الفكر العربي الإس مااي، بينما يتمثّل الثاني في الفكر الغربي الحديث. ولكن، ما أهمية ذلك بالنسبة إلينا؟ تكمن الأهمية في أحد الاستنتاجات المترتبة على شروع العرب والمسلمين منذ أواسط القرن التاسع عشر في الحديث عن الحرية ولكن بمعنى الحرية المدنية،

كما يسمّيها مِل. هناك افتراض صريح في بعص الأحيان ومضمر في أحيان أخرى مفاده أن هذا

يشكّل نقلة نوعية في التفكير العربي المتعلق بالحرية، من منطلق أن الحرية المدنية، وما يشاكلها من حريات شرع العرب والمسلمون في الحديث عنها في القرن التاسع، ليست أمرًا متصل بالحرية

التي قد ينشدها العبد أو المتصوف أو المتكلم، والتي طالما كانت موضوعًا للنقاش في العصور

العربية الإسلامية الغابرة. عندئذ تُستخل ص نتيجة مفادها أن الحرية بهذا المعنى المستجد محض تأثر بالغرب الذي شرع العرب والمسلمون في التعرف إلى قيمه ومعارفه ونظمه منذ ذلك الوقت، في ما غدا يُعرف بعصر النهضة العربية الحديثة. وفي هذا الاستنتاج تظهر بوادر مشْكل التراث والمعاصرة،

حيث يجد العرب والمسلمون أنفسهم بين خيارين يظن البعض أن كلاهما مر: فإمّا التمسك بتراث

لم تعد قيمه وأصوله الفكرية قادرة على الإمساك بت باايب التقدم والحضارة المعاصرة (كما يظهر من غياب أي مفهوم للحرية بالمعنى المدني أو السياسي)، وإمّا الالتحاق بمعاصرة تستجلب

مفاهيم (على شاكلة مفهوم الحرية المدنية) ليس لها في التراث جذور، وهو ما يؤدي إلى الاغتراب عن النفس. تتمثّل إحدى الغايات التي يسعى هذا البحث لتحقيقها في البرهنة على أن سؤال الحرية ليس بهذه البساطة، سواء في ما يتعلق بشقه العربي الإس مااي، والذي يبدو مضطرًا إلى الاختيار بين

أمرين ك هااما مر، أو ما يتعلق بشقه الغربي الذي لا يبدو مضطرًا (لسبب لا بد لنا من الاستفسار

عن كنهه) إلى الاختيار. سوف نلقي في البداية نظرة خاطفة على الطريقة التي تمثّل بها المفكرون العرب والمسلمون في عصر النهضة (ومن قبلهم المفكرون الغربيون في الحقبة الحديثة) الحرية بالمفهوم الليبرالي.

الفكر الليبرالي في عصر النهضة العربية

ما قاله المفكرون العرب والمسلمون النهضويون عن الحرية وما يتعلق بها من موضوعات لصيقة ليس سرًا خافيًا؛ فقد كُتب ولا يزال يُكتب الكثير عن هذه الحقبة الفريدة من نوعها في

التاريخ العربي الإس مااي. لذا، فإننا لسنا في سياق البحث الحالي بحاجة إلى استرجاع المفاهيم والإدراكات النهضوية المتعلقة بالحرية بقصد التعلم أو الإع ماا، وإنما بقصد تحديد المفاهيم

(((محمد عزيز المصباحي، مع ابن رشد (الدار البيضاء: دار توبقال، 2006)، ص.41

وج ئااها بصورة لا لبس فيها. فمفهوم الحرية ليس مهمًّا أو شائكًا فقط، بل يعتوره أيضًا كثير من

الالتباس الذي يجعله مرتعًا خصبًا ل قااوال المتناقضة، أو تلك التي يشوبها الغموض المطبق

أحيانًا. كما أنه أفسح ولا يزال يُفسح المجال لكثير من الإنشاءات الشاعرية التي لا دخْل

للفلسفة فيها. تكلم المفكرون النهضويون على الحرية وامتدحوا فضائلها في مجالات مختلفة، منها الاقتصاد، ومنها حرية التعبير ومجال الحياة الشخصية والاجتماعية، وغيرها ممّا يمكننا إدراكه بالإشارة إلى بعض

أقوالهم ذات الأهمية البالغة. يصف مصطفى الغ ياايني في عظة الناشئين الحرية الاقتصادية بأنها «حياة الأمة المادية»، قائل إن الأمة «إن لم تُطلَق لها حرية التجارة والزراعة وإنشاء المصانع واستغلال المعادن... كانت حياتها كامرئ شُد وثاقه»، وإن «أوروبه لم تقبض على ناصية الثروة إلا بعد أن أطلقت الحرية الاقتصادية من قيودها». وفي مجال الحرية الاقتصادية أيضًا، يبدي أحمد لطفي السيد معارضة شديدة لتدخّل الحكومة قائلً:

إن الحس قد أثبت بالأمثلة اليومية أن الحكومة في كل أمة، ما وليت عم خارج الولايات الث ث التي ذكرناها، إلا أساءت فيه تصرفًا، وفشلت نتيجته. وعندنا في مصر نصبت الحكومة نفسها مزارعًا كبيرًا، وجاءت لنا بالبذور والماشية وآلات الزراعة لنزرع على

حسابها مرابعين، ففشلت في مقصدها وساءت زراعتها ولم تؤتها الأرض من أ كلها شيئًا مذكورًا.

وفي المجالات المتعلقة بحرية التفكير والتعبير على نحو ما اشتُهر عن الليبرالية، يقرر المؤلف نفسه أن «خير ما تفعله الحكومات لنفسها وللأمة التي تحكمها أن تكون مع الصحافة على غاية التسامح، فلا تقف في طريق رقيّها لأن ذلك وقوف في طريق الرأي العام ومصادرة لاعتقاده»، وهذا أيضًا ما

يطلبه خير الدين التونسي الذي يفهم «حرية المطبعة» «أن لا يمنع أحد من الأفراد أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب والجرنالات التي تطلع عليها العامة، أو يعرض ذلك على الدولة والمجالس، ولو تضمن الاعتراض على سيرتها». كما أن الحريات الشخصية المتعلقة بالمسلك وأسلوب الحياة وجدت من يدافع عنها في شخص أديب إسحق الذي وقف موقفًا مخالفًا من أولئك الذين يعرّفون الحرية «تعريفًا زائفًا»

بأنها الطاعة للتقاليد، والذين لا يتحملون مخالفة العادات - «فلقد رأينا الأقوام يربّون الأولاد

(((مصطفى الغلاييني، عظة الناشئين: كتاب أخلاق وآداب واجتماع (بيروت: المطبعة الوطنية، 1936)، ص.92 (((1 أحمد لطفي السيد، المنتخبات، ج 2 (القاهرة: مطبعة المقتطف، 1945)، ص 65. الولايات الثلاث المذكورة في النص هي الأمن والقضاء والدفاع عن الوطن. (((1 المصدر نفسه، ص 83 -.84 (((1 خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تقديم محمد الحداد، في الفكر النهضوي الإسلامي (القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2012)، ص.117

كما يضربون الدراهم». كما يمكننا أن نرى ما يؤيد هذا في تعريف خير الدين التونسي للحرية الشخصية التي تعني «إط ق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه، مع أمنه على نفسه وعرضه وماله»، وفي معارضة أحمد لطفي السيد لتدخّل الحكومة في أمور التعليم، قائ إنها «معلم غير نافع». بصورة عامة، يمكن القول إن المفكرين النهضويين كانوا على وعي بحقيقة أن للحرية المنشودة مجالات عدة تتجلى فيها، ولذلك لم يجدوا ضيرًا في التمييز بين أنواع مختلفة من

الحرية، كما يفعل الغ ياايني في تمييزه بين «حرية الفرد وحرية الجماعة، والحرية السياسية والحرية الاقتصادية»، أو كما يفعل التونسي في تمييزه بين الحرية الشخصية وحرية المطبعة والحرية السياسية. ولا بد أن نخص بالذكر أحمد لطفي السيد، الذي جهد في سبيل التوصل إلى مصطلح عربي يقابل مصطلح الليبرالية، فما كان منه إلا أن توصل إلى مصطلح «مذهب الحريين»، ثم قدم له تعريفًا يدل على رؤية نافذه ل مأأور؛ ذلك أن تعريفه لليبرالية يدلل على مفهوم عام من شأنه أن يطرح أمامنا صورًا مختلفة عن الحرية في مجالاتها المتعددة.

يقول الكاتب:

مذهب الحرية، أو مذهب الحريين، يقضي في أصله بأنه لا يسمح للمجموع في البلاد الحرة أو للحكومة في أن تضحّي بحرية الأفراد ومنافعهم لحرية المجموع أو الحكومة... هذا المذهب يقضي في أصل وضعه بأن لا يكون للحكومة سلطان إلا ما دلتها الضرورة عليه، وهو ثلاثة [ث ث] ولايات: ولاية البوليس، وولاية القضاء، وولاية الدفاع عن الوطن. وفيما عدا ذلك من المنافع، فالولاية فيه للأفراد والمجاميع الحرة.

من المتفق عليه أن مثل هذه الأفكار لم تكن شائعة أو حتى معروفة بالمطلق عند العرب والمسلمين في عصورهم الفكرية التي سبقت عصر النهضة، وأن جل ما قاله المفكرون النهضويون عن الحرية لا يتجاوز حدود وآفاق ما قاله الغربيون من قبلهم. بوسعنا التأكد من صدق هذا القول من خ لاا نظرة عابرة إلى بعض ما قاله المفكرون الغربيون أنفسهم في القرون السابقة على عصر النهضة العربية.

((1(أديب إسحاق، «حول الحرية والإستقلال،» في: أديب إسحاق، الدرر (بيروت: [المطبعة الأدبية]، 1909). أعيد طبعه في: في

قضية الحرية، حصاد الفكر العريي الحديث؛ 2 (بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة،.)1980 (((1 التونسي، ص.18 (((1 السيد، ص.77 (((1 الغلاييني، ص.90 (((1 التونسي، ص.117-116 (((1 السيد، ص 65. ربما لا يكون مضيعة للوقت التكهن بما كان يمكن أن يترتب من آثار على سريان مثل هذا المصطلح العربي،

«مذهب الحرية»، أو «مذهب الحريين»، لو قُدِّر له أن يحيا في اللغة العربية السياسية منذ بدايات هذا القرن. والآن، وبعد مضي قرن

أو أكثر، نجد فيلسوفًا مثل ناصيف نصار راغبًا في تجنّب مصطلح «الليبرالية» لسبب غير واضح، ولكنه غير قادر في الوقت نفسه

على أن يجد «لفظة تفي بالمراد كما هي حال ‹الليبرالية› في اللغات الغربية» (نصار، ص.)46-45

لو بدأنا بما أسماه الغ ياايني الحرية الاقتصادية، لقلنا إن الفلسفة الليبرالية ارتبطت، ومنذ فترة طويلة، بالدفاع عن مذهب اقتصادي معيّن هو مذهب «الليسيه فير» (fairelaissez)؛

ففي البداية، وعبر ما يُعرف أحيانًا بالفترة الكلاسيكية للموقف الليبرالي، أي تلك التي سبقت تأثر

الممارسة الليبرالية بأفكار جون مينارد كينز (1946 - 1883) Keynes) M. J.)، ناصر الليبراليون الموقف الاقتصادي القائل بعدم تدخّل الدولة في نظام السوق، حيث يلتقى العامل وصاحب رأس المال. ويظهر هذا الموقف بقسوة شديدة في فكر هربرت سبنسر (1820– 1903)، الذي ربما كان آخر الليبراليين الكلاسيكيين؛ فهو يشن حملة شعواء ضد تدخّل الحكومة من أجل مساعدة الفقراء، أو القيام بأي مهمات اجتماعية أخرى، مدعيًا أن السوق ساحة طبيعية للصراع،

حيث البقاء للأصلح، وحيث يكون تضور بعض الناس جوعًا شيئًا طبيعيًا، مثل موت حيوانات الغاب

الضعيفة التي لا تقوى على الدفاع عن نفسها. أمّا بالنسبة إلى الأمور غير الاقتصادية، فإننا نجد تعبيرًا جيدًا عنها عند مِل في كتاب في الحرية، حيث

يقول، محددًا دائرة الحرية الإنسانية:

تشتمل الحرية الإنسانية أولً على المجال الداخلي للشعور، متطلبة حرية الضمير بأوسع معاني الكلمة، وحرية الفكر والإحساس، والحرية المطلقة في الرأي والتعاطف في ما يتعلق بكل المواضيع، عملية كانت أم نظرية، علمية أم أخلاقية، دينية أم دنيوية. وقد يبدو أن حرية التعبير ونشر الآراء تقع تحت نطاق مبدأ آخر، حيث إنها تتعلق بسلوك الفرد الذي قد يؤثر على الآخرين. ولكن بما أن لها أهميه تكاد توازي أهميه حرية الفكر نفسها، وبما أنها ترتكز جزئيًا على نفس الأسس التي ترتكز عليها حرية الفكر، فإنه يستحيل عمليًا فصلها عن حرية الفكر. ثانيًا، هناك حرية الأذواق والمساعي الحياتية، بحيث يرسم الواحد منا خطة حياتية تناسب

شخصيته، متحمل كلّ ما يترتب على ذلك من نتائج، دون أي إعاقة من أقرانه، حتى لو بدا لهم سلوكه أحمق أو ضالً. ثالثًا، يتبع من هذا كله، وضمن نفس الحدود، حرية الاجتماع من أجل أي غرض لا يضر بالآخرين، بشرط أن يكون المجتمعون أشخاصًا بالغين، وغير مكرَهين أو مخدوعين.

نضيف، أخيرًا، في ما يخص الع قااة بين الدولة والأفراد، نصًا مهمًّا من جون لوك يتصل بعلاقات

الأفراد مع الدولة:

تكمن حرية أولئك الذين يعيشون في إطار دولة ما في وجود قانون دائم يعيشون بموجبه وينطبق عليهم جميعًا، ويكون مشرعًا من ق بل السلطة التشريعية في المجتمع، بحيث يتبع

(19) Herbert Spencer, «Social Statics,» in Great Political Thinkers: Plato to the Present , Edited by William Ebenstein, 4th ed. (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1969), 650.

(((2 ل، ص  مِ 27. (مع بعض التغييرات استنادًا إلى النص الإنكليزي في الأصل)

الواحد منهم رغباته في جميع الأمور التي لا يمنعها القانون، ولا يكون خاضعًا لإرادة الآخرين الاعتباطية.

لا ندّعي أن ما اقتبسناه من أقوال للمفكرين العرب والمسلمين ومن سبقوهم في الغرب يستنفد جل ما يمكن عرضه من أفكار ومقولات ترسم بمجملها صورة كاملة ومفصّلة عن المفهوم الليبرالي

في الحرية، ولكن ما قمنا بلفت النظر إليه من أفكار ومعتقدات يكفي لتحديد معنى واضح للحديث عن (وبعبارات العروي) «حرية سياسية اجتماعية ينكبّ عليها الفكر الليبرالي ويحصر

فيها كل تساؤلاته ومناقشاته»، كما أن فيه ما قد يفسح المجال في نظر البعض أمام تمييز حاد بين هذه وبين «حرية نفسانية ميتافيزيقية» انحصر في دائرتها اهتمام الفكر العربي والإس مااي حتى وقت قريب. ولكن، هل الانفصام بين السياسي والاجتماعي من جهة، والميتافيزيقي النفساني من جهة أخرى حاد

إلى هذه الدرجة؟ وهل من الصواب القول إنه لا توجد علاقة بين الحديث عن حرية الأفراد الاقتصادية أو حريتهم في اختيار تعليم مناسب لأولادهم (بناء على طرح لطفي السيد الذي يفيد بأن الحكومة معلّم فاشل)، والحديث عن استعباد الإنسان للإنسان، أو عبودية الإنسان لرغباته، أو قدرة الإنسان على الفعل في ظل القدرة الإلهية المطلقة؟ يمكننا طرح السؤال بطريقة أخرى تقودنا إلى نقاشات معاصرينا من العرب والغربيين سواء بسواء: لماذا نستخدم كلمة «حرية» نفسها في السياقات الميتافيزيقية والنفسانية الخالصة، كما نستخدمها في سياقات سياسية واجتماعية وحياتية؟ هل لكلمة «حرية» أكثر من معنى، ربما عشرة أو عشرين، بحسب السياقات المختلفة التي تُستخدم فيها، سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات؟ أعتقد أن الإجابة بنعم عن هذه الأسئلة تشكل موقفًا انهزاميًا لا يليق بالفلسفة، وهو ما

لا ننوي القيام به. ولنا في ما يقوله ناصيف نصار أسوة حسنة؛ فهو يميل، لأسباب خاصة به، إلى «تغليب النظر في الحرية في حد ذاتها على النظر فيها بحسب الميادين التي يمكن أن تمارس فيها». وهذا النوع من البحث في الحرية «ليس بحثًا خاصًا في الحرية السياسية ولا في الحرية

الاقتصادية ولا في الحرية الاعتقادية ولا في غيرها من الحريات الميدانية»، وإنما في الحرية بحد ذاتها. فلننظر إذًا إلى الحرية «بحد ذاتها». تكلم كثير من المفكرين على الحرية بحد ذاتها، ودونما تحديد، وقدّم كثير من المذاهب الفكرية نظريات في الحرية. وكان لا بد أن تعتمد نتيجة البحث في الحرية على هوية الباحث وتوجهاته الفكرية؛ فليس نظر هيغل في الحرية بحد ذاتها كنظر

هيوم أو مِل فيها. ولكن، بما أن موضوعنا هو المفهوم الليبرالي للحرية، ومحاولة تأسيسه في الفكر العربي الإس مااي، فمن الحري بنا أن نسأل المفكرين الليبراليين أنفسهم عن الحرية

(21) John Locke, «Two Treatises on Government,» in Great Political Thinkers , 406.

(((2 نصار، ص.8

بحد ذاتها؛ فماذا تعني الحرية بالنسبية إلى الليبراليين، بمعزل عن تجلياتها في هذا الميدان الحياتي أو ذاك؟ هناك ما يبرر القول بأن الحرية بالمفهوم الليبرالي تُختزل إلى غياب المعوقات من أمام فعل الفاعل، وهو ما يفسح المجال لتحدد الفعل بحسب الرغبة أو المشيئة أو الإرادة التي تسمّى حينذاك «إرادة

حرة» (للفعل أو الامتناع). بوسعنا أن ندرك هذا الأمر من خ لاا التمعن في ما يقوله الليبراليون (من العرب والغربيين) في معرض بيانهم للحريات الليبرالية؛ فعلى سبيل المثال، تتجلى «حرية المطبعة» عند خير الدين التونسي في «أن لا يُمنع أحد من الأفراد أن يكتب ما يظهر له من المصالح في

الكتب والجرنالات». وبالطبع، فإن المنع الذي يصدر من السلطة السياسية، مؤيَّدًا بقوة الدولة إن

اقتضى الأمر، ليس سوى معوق للفعل، وهو لا محالة حائل دون تحدد فعل الكتابة الصحافية بحسب مشيئة الكاتب الصحافي ورغبته. أمّا الحرية الاقتصادية، فتتجلى في غياب السلطة الإكراهية للدولة

وللمجتمع في مجال النشاط الإقتصادي. عندها تتجلى حرية صاحب رأس المال في قدرته على استثمار أمواله في هذا المشروع الإنتاجي أو ذاك، بحسب ما يقوده إليه تفكيره التجاري، وبحسب ما تقرر إرادته في نهاية الأمر. أمّا حرية العامل، فتكمن في قدرته على رفض أو قبول عروض وفرص

العمل التي تطرحها السوق أمامه. وللناس حرية تعليم أولادهم، بحسب ما هو متضمن في ك ماا لطفي السيد. الحكومة معلّم فاشل، وينبغي لها ألا تفرض على الناس هذا أو ذاك في مجال التعليم. بل ينبغي أن يكون الناس أحرارًا في تعليم أولادهم: إن أرادوا تعليم أولادهم بهذه الطريقة أو تلك،

فلهم الحرية في ذلك، ولا يجوز وضع العوائق في طريقهم. وكما يرى م ل، تكمن حرية الأذواق والمساعي في أن يرسم الواحد منا خطة لحياته «كما يناسبه»، أي كما يشاء، «دون إعاقة من أقرانه البشر، حتى لو بدا لهم سلوكه أحمق». وما حديث التونسي عن «إط ق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه» ببعيد عن هذا، فليس إط ق تصرف الإنسان في ذاته سوى إفساح المجال أمامه (أي غياب المنع والإكراه، أي عدم التقييد) لكي يفعل ما في وده فعله. وأخيرًا، ليس هناك ما هو أوضح ممّا

يقوله لوك عن الحرية السياسية لمواطني الدولة: فهي توجد حيث «يتبع الواحد منهم رغباته في جميع الأمور التي لا يمنعها القانون، ولا يكون خاضعًا لإرادة الآخرين الاعتباطية». أي، بعبارة أخرى، إن ما

يشكل تحديدًا للحرية ليس سوى المنع القانوني (الذي لا محالة من أن يكون مسنودًا بالقوة القمعية الموجودة في متناول يد السلطة السياسية)، أو الخضوع لإرادة الآخرين، بحيث لا تغدو أفعال الإنسان محددة على أساس رغباته هو نفسه، بل على أساس رغبات الآخرين (وهذه بالضبط هي علاقة العبد بالسيد). بالتالي، بموجب ما يقوله لوك، يغدو الإنسان حرًا إلى الدرجة التي تنعدم فيها القيود على

الفعل، بحيث يغدو الفعل (أو الامتناع) محددًا بالإشارة إلى رغبة الإنسان ومشيئته في الأمور المختلفة التي يواجهها. القول بأن جوهر حرية الإنسان يكمن في غياب المعوقات من أمام الفعل، وبالتالي تحدد الفعل (قيامًا أو امتناعًا) بحسب الرغبة (المشيئة أو الإرادة) هو قول ميتافيزيقي بحت (أو أنطولوجي،

كما يقال أيضًا)؛ ذلك أن النظر إلى الحرية بصورة مجردة، وبما هي خاصية من خاصيات الفعل

الإنساني، هو من صميم النظر الميتافيزيقي الذي لا يعير اهتمامًا خاصًا بهذا المجال أو ذاك

من مجالات الفعل الإنساني، بل يشتمل على جميع المجالات، بما فيها تلك التي قد يكون ل رإإادة الإلهية يد فيها. كما أن النظر إلى الفعل باعتبار أسبابه وشروطه ومحدداته يضع الفعل في دائرة القوالب الأنطولوجية؛ فهو حدث يحدث في وقت معيّن، وفي سياق أحداث أخرى

تحدده أو تكون عله لحدوثه (الرغبات، أو الظروف الطبيعية، أو الإرادة الإلهية). ومن الطبيعي أن يقودنا البحث في هذه الأمور إلى مسألة الحتمية، والع قااة السببية، والفرق بين الأسباب التي تترتب في إطار السيرورات الطبيعية وتلك التي تتأتى في سياق الحياة الإنسانية المفعمة بالشعور والعقل. هذه وغيرها مباحث ميتافيزيقية - أنطولوجية، وهي تقفز إلى واجهة اهتماماتنا في اللحظة التي يتبين لنا فيها أن الحريات اللييرالية في الميادين المختلفة تلتقي في هذه النقطة المحددة: إن وجود عوائق أمام الفعل، وما يترتب على ذلك من تعطيل للقوة المؤثرة للرغبة والمشيئة، هو ما يشكل تهديدًا أو نفيًا للحرية. فلنقُل إذًا إن الحرية بالنسبة إلى الليبرالي تكمن في غياب العوائق وفعالية المشيئة. وربما يبدو أول وهلة أن هذا الاستنتاج غير محق؛ فالحرية بالنسبة إلى الليبرالي لا تكمن في قدرة الفرد على فعل ما يريد على الإط ق، وإنما هناك، وعلى الدوام تقريبًا، حديث عن حرية الفعل ضمن حدود

معيّنة. فحرية الاجتماع مشروطة عند م ل بكون المجتمعين أشخاصًا بالغين لا ينوون إلحاق الضرر

بالغير. ويصف رفاعة الطهطاوي الفرد من «الهيئة الاجتماعية المتمدنة» بأنه «حر يباح له أن ينتقل من دار إلى دار بدون مضايق، ولا إكراه مكره، وأن يتصرف في نفسه وفي وقته وشغله...»، ولكنه يُتبِع ذلك بالقول: «ف يمنعه من ذلك إلا المانع المحدود بالشرع ممّا تستدعيه أصول مملكته

العادلة». وعندما يكتب س مااة موسى حول حرية الفكر قائً إنه «لا يبرر تدخّل الحكومه ومنعها للناس من حرية التفكير سوى حقها في الدفاع عن النفس وحماية الجمهور من أذى مباشر»، فإن إط ق الحرية يستتبع في ذهنه تحديدها في الحال ضمن حدود الدفاع عن النفس وحماية الجمهور. يبنغي ألا أن يشكّل مثل هذا الاعتراض طعنًا بالمقترح الليبرالي لتفسير الحرية، كغياب للمعوقات

من أمام الفعل؛ ذلك أنه في واقع الأمر يمثّل خلط ا بين الاعتقاد بأن الحرية تكمن في قدرة الفرد على فعل ما يريد، من دون أي إعاقة من الآخرين، والاعتقاد بأن للفرد حقًا مشروعًا في الحرية من دون

حد. فالقول مثل إن حرية المساعي والأذواق تكمن في السماح للفرد بأن يحدد طريق حياته بحسب ما يريد «من دون إعاقة من أقرانه البشر» شيء، والقول إن من حق الفرد أن يفعل ما يشاء في المجال

(((2 نشير إلى ما قاله مل، وما قاله أيضا جدعان بخصوص الحتمية والحرية أعلاه. (((2 رفاعة رافع الطهطاوي، المرشد الأمين، أعيد طبعه في: في قضية الحرية، ص.17 (((2 سلامة موسى، حرية الفكر وأبطالها في التاريخ (القاهرة: سلامة موسى للنشر والتوزيع، 1935)، ص.220

السلوكي، شيء آخر. ولو نظرنا إلى هوبز لوجدناه نصيرًا للحكم المطلق، بما لا يدع للأفراد أي حرية

سياسية تُذكر، ولكنه رغم ذلك، لا يضمر مفهومًا مختلفًا عن معنى الحرية. يقول هوبز: «تنحصر

حرية الرعية في الأمور التي يسمح بها الحاكم الذي ينظّم أمورهم، مثل حرية الشراء والبيع، والتعاقد، واختيار مكان العيش، والأكل، والمهنة، وتربيه الأبناء، كما يرون ذلك مناسبًا»، أي إن الأفراد

يتاجرون، ويسكنون، ويأكلون، ويتخذون المهن، وينشئون أبناءهم كما يرون ذلك مناسبًا: أو قُل كما

يرغبون؛ فالحرية محصورة في هذه المجالات، ولكن طبيعتها، على الرغم من ضيق مجالها، تبقى كما هي، من اتباع الفرد لرغباته، من دون تدخّل من الآخرين. بعبارة أخرى الحرية شيء، وكونها مقيدة شيء آخر. هذا إذًا هو المعنى الذي يقرنه الليبراليون بكلمة «الحرية»، والذي يتوجب تمييزه في جميع الحالات من الحريات الليبرالية ذاتها. أمّا العلاقة بين الأمرين، فهي علاقة بسيطة نوعًا ما. وبوسعنا أن نقول إن الحريات

الليبرالية تتحدد بالنسبة إلى مفكر ما بالمجالات التي يعتقد المفكر أن للفرد الحق في أن تطلق حريته فيها، فإذا كان يعتقد أن للأفراد الحق في التعبير عن آرائهم، كان مجال التعبير عن الرأي حرية ليبراليه بالنسبه إليه، وإذا كان يعتقد أن للأفراد الحق في تأليف الجمعيات والأحزاب السياسية، كانت حرية الاجتماع حرية ليبرالية بالنسبه إليه. وهكذا، يكون شأن المجالات الأخرى التي قد تختلف من مفكر إلى آخر.

أصول الأصول: ميتافيزيقا الحرية في الفكر اليوناني والفكر العربي الإسلامي

إذا صدق ما قلناه عن المفهوم الليبرالي في الحرية «بحد ذاتها»، كانت الحرية بالمفهوم الليبرالي بمثابة «أصل» للحريات الليبرالية في الميادين الحياتية المختلفة، أي «الحريات الميدانية» بعبارة ناصيف نصار المعبِّرة. وهي أصل بمعنى الجوهر، وليس بمعنى السبق الزماني أو المكاني أو حتى

السببي (بالمعنى المتداول في علوم الطبيعة)، وإنما هي أصل بمعنى يقارب مقولة أفلاطون في المثُل (الأفلاطونية) التي هي أصل الأشياء المحسوسة. على الرغم من أهمية هذه المسألة، فإن ما يعنينا بالدرجة الأولى في هذه المرحلة هو أن لهذا الأصل الليبرالي (الذي يستوعب الحرية من خ لاا غياب المعوقات) نفسه أصولً ضاربة في الماضي الفلسفي البعيد؛ فهو ليس مفهومًا ابتُكر في الغرب الحديث، غرب الحداثة.

وشأنه في ذلك شأن مفاهيم فلسفية أخرى كانت مدرَكة تمام الإدراك عند ف سفة اليونان

والعرب والمسلمين وف سفتهم ومتكلميهم. ولكن لم يسُد حينئذ ظن أو اعتقاد أن الحرية

(26) Thomas Hobbes, Leviathan , with an Introduction by Herbert W. Schneider (Indianapolis; New York: Bobbs-Merrill Company, 1958), 173.

(((2 نذكر من هذه مفهوم الدولة الديمقراطية، وهو ليس ببعيد عن موضوعات الفلسفة الليبرالية.

تُختزل إلى غياب للعوائق، أو أن لهذا التفسير للحرية أي معنى أو جدارة للتطبيق في حقول السياسة والاجتماع. لنبدأ أولً بذكر النصوص التي تحدّث فيها كلٌّ من أف طون وأرسطو عن الحرية. كثيرة هي تلك النصوص، ولكن أقربها إلى الذهن وأكثرها ألفة عند دارسي الفكر السياسي اليوناني هي تلك التي تقرن بين الحرية والديمقراطية في سياق واحد، وذلك من خ لاا زعم أن الدولة الديمقراطية هي تلك التي يكون أهلها أحرارًا، يفعل الواحد منهم ما يريد. يقول أف طون،

واصفًا حال الناس في مثل هذه الدولة: «يكون الناس قبل كل شيء أحرارًا، لهم حرية الك ماا

في كل مكان، ويفعل الواحد منهم ما يريد». أمّا أرسطو، فيدّعي أن «الأساس الذي تقوم

عليه الدولة الديمقراطية هو الحرية... وأحد مبادئ الحرية أن يَحكم الجميع وأن يُحكموا،

كل بدوره». مثل هذه الأفكار نجدها أيضًا عند الفارابي الذي يقول في السياسة المدنية:

وأمّ ا المدينة الجماعية، فهي المدينة التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى لنفسه يفعل ما

يشاء. وأهلها متساوون، سنتهم أن لا فضل لإنسان على إنسان في شيء أصل. ويكون أهلها أحرارًا يعملون ما شاءوا ولا يكون على أحد منهم ولا من غيرهم سلطان إلا أن يعمل ما تزول به حريتهم.

عبارة أفلاطون القائلة «أحرار، يفعل الواحد منهم ما يريد» ليست ببعيدة في معناها عن حديث لوك عن

أناس «يتبع الواحد منهم رغباته في جميع الأمور»، أو كلام م ل المتعلق برسم الإنسان خطة لحياته «من دون إعاقة من أقرانه البشر»، أو كلام لطفي السيد عن «عدم وقوف» الحكومة في طريق الصحافة، أو كلام التونسي على كتابة الإنسان «ما يظهر له». من الواضح أن هذه حرية بمعنى التخلية والإط، ق أي بمعنى غياب العوائق الخارجية من أمام الفعل، وبالتالي يتحدد الفعل على أساس رغبة الإنسان ومعتقداته ومشيئة. يبان هذا المعنى للحرية بجلاء أكبر في بحث أرسطو المعمّق حول الأفعال الإرادية

وال رإإادية. فما عسى أن تكون أفعال الإنسان الإرادية سوى تلك الأفعال التي يقوم بها بحريته، وما

(28) Plato, The Republic of Plato (Oxford: Oxford University Press, 1941), 276. (29) Aristotle, Politics , in: The Basic Works of Aristotle , by Aristotle, Edited and with an Introduction by Richard McKeon (New York: Random House, 1941), 1265.

(((3 أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، كتاب السياسة المدنية: الملقب بمبادئ الموجودات، حققه وقدم له وعلق عليه فوزي متري نجار (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1964)، ص 99. ومثل هذا قول ابن رشد: «فأمّا [المدينة] الجماعية فهي التي يكون فيها كل واحد من

الناس مطلقًا [من كل قيد] ويفعل ما يرغب فيه، ويتحرك نحو كل شيء تهفو إليه نفسه من أمور الجماعية». انظر: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله عن العبرية إلى العربية أحمد شحلان؛ مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمحمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.174

عسى أن تكون الأفعال اللإرادية سوى تلك الأفعال التي يكون الإنسان مضطرًا إليها أو مجبورًا عليها،

فلا يفعلها بحريته؟ أنظر إلى ما يقوله أرسطو في معرض حديثه عن التفرقة بين الفعل الإرادي والفعل اللاإرادي. وسياق الحديث هنا ميتافيزيقي (وأخ قااي) صرف، يتصل بالع قااة السببية بين الفاعل وفعله، وبمسؤولية الإنسان عن أفعاله. وكما هي الحال في النقاشات الميتافيزيقية عامة، فإن النقاش يخلو من أي مضمون اجتماعي أو سياسي صريح. يقول أرسطو:

يمكن أن يعتبر لاإراديًا جميع الأشياء التي تقع بقوة قاهرة أو بجهل. الشيء الذي يقع بالقوة

القاهرة هو الذي تكون علّته خارجية ومن طبعٍ ما كان الكائن الذي يفعل أو الذي يقبل ليساعده في شيء. مثال ذلك إذا اجتذبتنا ريح لا قبل لنا بمقاومتها، أو أناس مستبدون بالسلطان على أشخاصنا.

أمّا الفعل الإرادي، فهو الفعل الذي ينبع من مبدأ محرك «داخلي». ويتضح هذا من خ لاا الأمثلة

القاسية التي يسوقها أرسطو بعد ذلك بقليل، من أجل توضيح ما يرمي إليه: مَثل البحّار الذي يلقي

بأمتعته في البحر في أثناء العاصفة طلبًا للنجاة، أو الإنسان الذي يفعل أمرًا مكروهًا تجنبًا لأمر أكثر

كراهية؛ فقد يُظن أن هذه الأفعال تقع قسرًا، ولكن أرسطو لا يرى ذلك، بالنظر إلى أن «المبدأ الذي

يحرك أعضاء جسم الفاعل، وهي بمثابة أدوات الفعل، موجود في داخله». يرغب البحّار في

النجاة من الغرق، ويعتقد أن حياته أثمن من ممتلكاته، وأن تقليل حمولة السفينة يؤدي إلى النجاة. وبالتالي، يتحدد فعل إلقاء المتاع في البحر على أساس الرغبات والمعتقدات والمشيئة التي تتبلور على أساسها. البحّار، إذ ا، حر في فعله، وقد كان يمكنه أن يفعل غير ذلك، كأن يلقي برفاقه في

البحر. إذا كان هذا فعْل البحّار في الوضع غير المعتاد، فكم بالحري أن نقول إن فعل الصحافي

الذي يكتب بحسب ما تحمله عليه قيمه وأفكاره ورغباته يفعل ما يفعله بحرّية؟ في كلتا الحالين،

تفارق الحرية ويحل محلها القسر في الفعل عندما يغدو «[المبدأ] المحرك خارجيًا»، كما هي

الحال عندما يُسجَن أو تُصادَر أق مااه ودفاتره، أو عندما ترتطم بشخص يقف أمامك لأن أحدهم

قام بدفعك من الوراء. ليس مفهوم الحرية بمعنى الإطلاق والتخلية بين الفاعل وفعله أمرًا غير مألوف، بل إنه المعنى المعتاد

للحرية، على خ ف الانطباع الذي ساهم في إحداثه كثير من الفلاسفة على مر العصور والأزمان. وربما كان أول من تفلسف على أساس مثل هذا المعتقد في الفكر العربي، ومن دون كثير تأثر بما قالته الأمم السابقة في فلسفاتها، بعض متكلمي الإسلام الذين جهدوا في تحديد معنى ومجال فلسفي للحرية البشرية في أوج انغماسهم في قضية القدرة الإلهية المطلقة، وعلاقتها بسؤال التخيير والتسيير.

(((3 أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة أحمد لطفي السيد (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1924)، ص.266 (((3 المصدر نفسه، ص.266

ينطبق هذا على أشعريتهم بقدر ما ينطبق على المعتزلة منهم، وإن بطرق مختلفة. وسوف نكتفي هنا بما ما طرحه الأشاعرة في هذا الصدد. ربما يبدو مستغربًا، بل غير منطقي، اختيار الأشاعرة، أصحاب نظرية الكسب، من أجل تأسيس

مفهوم للحرية، بأي معنى كان. أليس القول بالكسب هو «في نهاية الأمر تعليق لحرية الإنسان وإرادته بإرادة الآخر وجعلها مشروطة به؟». ليس هذا بالأمر الواضح أو المفروغ منه، ولا سيما إذا تذكرنا، وبمعزل عن أي أفكار مسبقة، أننا لسنا بصدد الحديث عن نظرية تقول إن ليس للإنسان من أمره أي شيء، ف قعوده ولا قيامه من مكانه، ولا صلاته أو صيامه، ولا كلامه أو سكوته، ولا شره أو خيره خاضع لإرادته أو مشيئته، فهذا كلام مرفوض. ولكي ينتهي الإنسان إلى قول مثل هذه الأمور، يلزمه أن يكون على درجة كبيرة من الغباء أو على الأقل عدم البصيرة، ما يجب ألا يُنسب إلى الأشاعرة ولا

إلى غيرهم بمنتهى السهولة. في واقع الأمر، لا يختلف موقف الأشاعرة عن موقف بعض الفلاسفة المحدثين، وما أكثرهم، ممن قالوا بجواز الجمع بين الحتمية في الكون وحرية الإنسان. وقد سبق

لنا ذكر واحد من هؤلاء في بداية هذا البحث؛ فقد أوردنا على لسان م ل ك مااًا يتضمن القول إن

حرية الإرادة الإنسانية لا تتعارض مع ما يسمّى خطأً مبدأَ الضرورة الفلسفية، ذلك المبدأ الذي

يصل إليه بعض الفلاسفة عن طريق الظن بأن السببية الكونية متطلب من متطلبات العلم لا تقوم له من دونها قائمة. نورد في البداية نصًا يقارن فيه الأشعري بين حركة أو فعل تحرك هو بمثابة ما نسمّيه فعً إراديًا

ل نإإسان، كأن يرفع أحدهم كأسًا من الماء إلى فمه بقصد الشرب، وفعل تحرك اضطراري

لاإرادي من النوع الذي قد يحدث نتيجة مرض، أو كأن يُحمل شخص ما إلى مكان ما

بواسطة الريح، أو بواسطه أناس أحكموا السيطرة عليه عنوة، كما يقول أرسطو. يظهر من ك ماا الأشعري أن التفريق بين الفعل «المكتسب» والفعل الاضطراري الجبري يتطابق مع التفريق بين الإرادي واللإرادي:

فإن قال قائل: فيجب إذا كانت إحدى الحركتين [حركة المرتعش من الفالج] ضرورة أن تكون الأخرى [نهوض المرء من مقعده، على سبيل المثال] كذلك، وإذا كانت إحداهما كسبًا أن

تكون الأخرى كذلك (أي أن لا مجال للتمييز بين الفعل المكتسب والفعل المجبور.) قيل له: لا يجب ذلك، لافتراقهما في معنى الضرورة والاكتساب، لأن الضرورة ما حُمل عليه

الشيء وأُكره وجُبر عليه ولو جهد في التخلص منه وأراد الخروج عنه واستفرغ في ذلك

مجهوده لم يجد عنه انفكاكًا ولا إلى الخروج عنه سبيً. فإذا كانت إحدى الحركتين بهذا

(((3 سوف نكتفي هنا بشرح موقف الأشاعرة. للمقارنة بالموقف المعتزلي، انظر: Raja Bahlool, «Al-Ash’ari’s Theological

Determinism and the Senses of ‹Can›,» Hamdard Islamicus 15, no. 1 (1992): 39-57.

(((3 حسن حنفي، «موقفنا الحضاري،» في الفلسفة في الوطن العربي المعاصر: بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي

نظمته الجامعة الأردنية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص.17

الوصف الذي هو وصف الضرورة، وهي حركة المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمى، كانت اضطرارًا، وإذا كانت الحركة الأخرى بخ ف ذلك الوصف لم تكن اضطرارًا، لأن الإنسان في مجيئة وذهابه وإقباله وإدباره بخ ف المرتعش من الفالج والمرتعد من الحمى. يعلم الإنسان التفرقة بين الحالين من نفسه وغيره علم اضطرار لا يجوز معه الشك.

أن يُحمَل الإنسان على الشيء ويُجبَر ويُكرَه، ويريد الخروج منه فلا يخرج، فهذا هو الاضطرار وهذه

هي الضرورة، تمامًا كما يرد في ك ماا أرسطو عن الإنسان الذي يُحمل إلى مكان ما بواسطة الريح

أو بواسطة أناس أحكموا عليه السيطرة. في هذه الحالات، لا يأتي الفعل موافقًا للرغبة (فالفاعل عند الأشعري يريد الخروج ممّا هو فيه ف يخرج). يدرك الإنسان، أي إنسان، الفرق بين فعل

الاختيار وفعل الجبر أو الاضطرار. ظاهر الأمر أنه إذا كان الاضطرار محض إلغاء لدور الإرادة أو المشيئة أو القيام بما يتخيره المرء لنفسه، فلا بد أن الحرية تكمن في الإط ق، أو التخلية بين المرء وفعله، أي إن الحرية هي غياب المعوقات من أمام الفعل، بما يترك المجال لتحقق الفعل الذي هو موافق للرغبة. في نص لاحق ينسب الأشعري إلى المرتعش من الفالج صفة العجز، وهي صفة يميزها تمييزًا حادًّا من صفة عدم الاستطاعة والتي هي – في نظره، كما هي في نظر بعض الف سفة المحدثين

الذين يؤمنون بالحتمية من منطلقات علمية تجريبية بحتة - لا تتعارض بتاتًا مع حرية الإرادة. نقول «في نظره»، ولا نقول «في نظره وفي صريح ك مااه»، لأن ك مااه قد لا يوحي بهذا بعد قرون حافلة بالجدال والمناكفة بين الأشاعرة وخصومهم. يعتقد الأشعري أن الكافر غير مستطيع أن يؤمن، ولكن ذلك لا يعني أنه غير مكلَّف بالإيمان؛ ذلك أن الكافر ليس عاجزًا عن الإيمان، وإن كان غير مستطيع له.

فإن قال قائل: أليس قد كلف الله تعالى الكافر الإيمان؟ قلنا له: بلى. فإن قال: أفيستطيع الإيمان؟ قيل له: لو استطاع لآمن. فإن قال: أفكلفه ما لا يستطيع؟ قلنا: هذا كلام على أمرين. إن أردت بقولك أنه لا يستطيع الإيمان لعجزه عنه، فلا. وإن أردت القول أنه لا يستطيعه لتركه واشتغاله بضده، فنعم.

(((3 أبو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري، كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، صححه وقدم له وعلق عليه حموده غرابه (القاهرة: مطبعة مصر، 1955)، ص 76-75. (التوكيد مضاف)

فإن قال: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى كلّف الكافر ما يعجز عنه لتركه له؟ قيل له: العجز عن الشيء أنه يخرج عنه وعن ضده. فلذلك استحال أن يعجز العاجز عن الشيء لتركه.

فإن قالوا: أفيجوز أن يكلف الله تعالى الشيء مع عدم الجارحة ووجود العجز؟ قيل لهم: «لا»، لأن المأمور إنما يؤمر ليقبل أو ليترك. ومع عدم الجارحة لا يوجد أخذ ولا ترك. وكذلك العجز لا يوجد معه أخذ ولا ترك، لأنه عجز عن الشيء وعن ضده.

مقصد الأشعري واضح غاية الوضوح، بصرف النظر عن قوّته الإقناعية؛ فالكافر المنشغل عن الإيمان

بالكفر هو إنسان اختار الكفر ورغب فيه. ربما تلقّى تربية من نوع معيّن، وربما استمع إلى أساتذة

معيّنين وقرأ كتبًا معيّنة، وبعد هذا كله انتهى به الأمر إلى الكفر. ليس الأشعري - ولا المؤمن بحتمية

الأسباب والمسببات من منطلقات علمية تجريبية، مثل مِل وغيره من المحدثين - ملزَمًا بالتنكر لأي

من هذه الحقائق أو الوقائع المألوفة التي تنتهي بذهاب الناس إلى هذا الاتجاه أو ذاك. كل ما يقوله

الأشعري ومِل هو التالي: عندما يقوم الإنسان بفعل ما، وهو مخلّى، أو مطلَق سبيله، ولا عائق يعترض طريقه، فيأتي فعله موافقًا لرغبته (إرادته، خياره، مشيئته، قُل ما شئت)، فهو يفعل بحرّيته. في مثل هذه

الحالات، يُعتبر الإنسان مسؤول عن الفعل. وإذا كان السياق يسمح بذلك، فقد يكون التكليف بالفعل

أو الامتناع ممكنًا أيضًا، كأن يأمر السلطان الفرد بهذا أو ذاك، أو كأن يأمر العلي القدير العبد بهذا أو

ذاك؛ فما دام الإنسان مخل ى ومطلق اليدين والرجلين والعقل والتدبير، ولا مانع يعترض طريقه، فهو مسؤول ومكلَّف. أمّا إن كان عاجزًا بسبب جنون أو غياب جارحة، أو بسبب رياح تحمله أنى تشاء،

أو بسبب لصوص قيدوه بس سل، ف هو مسؤول ولا هو مكلّف؛ فهو ليس حرًا ما دامت الحرية

تكمن في غياب المعوقات. سبق لنا القول إن للمفهوم الليبرالي بحرّياته الميدانية المختلفة أصً يعود إلى مفهوم ميتافريقي

عام يستوعب فكرة الحرية في حد ذاتها، كغياب للمعوقات من أمام الفعل، وإن هذا التصور الميتافيزيقي ليس بالأمر الجديد؛ ذلك أن لهذا الأصل أصولً تعود بنا إلى ماض فلسفي أبعد. والآن، بعد إذ ألقينا نظرة عابرة على هذا الماضي الأبعد، يمكننا في نهاية هذا القسم من البحث أن نقتفي الخطى، عائدين إلى الفلسفة الغربية الحديثة. لن نأتي هذه المرة إلى ذكر الحريات الليبرالية التي ينشغل بها الفكر الغربي (على خ ف الفكر الإس مااي)، بل إلى التصور الميتافيزيقي المرتبط بها.

(((3 المصدر نفسه، ص 99 - 100. (التوكيد مضاف) (((3 المصدر نفسه، ص.101

في مؤلف بعنوان الحرية والضرورة يقول هوبز، وقد سبق له القول إن حرية الأفراد تنحصر في الأمور التي يسمح لهم الحاكم بها، ما يلي:

تكمن الحرية في غياب العوائق التي تحول دون حصول الفعل - تلك العوائق غير المحتواة في طبيعة الفاعل، أي إنها ليست من صفاته الجوهرية.

هل الأشعري مضطر إلى رفض هذا الك ماا جملة وتفصيً؟ ربما تفصيً؛ فالك ماا على الجوهر أو الجواهر يثير حساسيات لا عد لها عند الأشاعرة، لكنه ربما لا يرفضه جملة. فالعاجز المُقعد، بحسب ما يقوله الأشعري، غير مكلف بالوقوف أو السجود، لأنه ليس مخل ى ولا

مطلق الحركة. هناك معوقات من النوع غير المحتوى في طبيعة الفاعل (بلغة هوبز). ربما حصل هذا بحكم العوامل الوراثية، أو ربما أن الله شاء - ولحكمة نجهلها - أن يخلق المخلوق معاقًا على هذه الصورة. لا مراء في القول إن النتيجة واحدة (عدم التكليف، غياب المسؤولية)، سواء كانت الأسباب من تقدير العلي القدير وفعله، بحسب ما يقوله جمهور المؤمنين،

أو كانت أسبابًا طبيعية تعود إلى الماضي السحيق، كما قد يقول داروين أو عال م من علماء الوراثة (وإذاِ

قلنا إن الله يفعل من خ لاا الأسباب الطبيعية، زالت الحاجة أصً للاختيار بين التوجهين [العلمي واللاهوتي] عند النظر إلى الأسباب.) بعد هوبز بأقل من مئة سنة، نجد هيوم يتساءل قائلً:

ماذا نعني بكلمة «الحرية» في سياق الحديث عن الأفعال الإرادية؟ من الثابت أننا لا نقصد القول إن ليس للأفعال ارتباط بالدوافع والميول والظروف، أو إن الواحد منها لا يتبع الآخر بدرجة معيّنة من الانتظام؛ فهذه حقائق واضحة ومعترف بها. ليس بوسعنا إذ ا أن نعني بالحرية

سوى القدرة على الفعل، أو عدم الفعل، وذلك بحسب تحدد إرادتنا، أي إذا اخترنا السكون سكنّا، وإذا اخترنا الحركة تحركْنا. هذه الحرية الفرضية (liberty hypothetical)، هي، كما يدرك الجميع، في متناول كل إنسان ليس سجينًا أو رازحًا تحت الأغلال.

هذه النظرة إلى الحرية، وهي ليست أقل من تراث طويل لم يفتقد يومًا من يدافع عنه، وجدت من

يناصرها في شخص أحد أشهر رواد الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، هو جورج إدوارد مور الذي يربط حرية هيوم الفرضية بتحليل فكرة «الإمكان» متسائلً:

ما معنى عبارة «كان يمكنني أن...»، التي قد ترد في سياق ك ماا على شاكلة «كان يمكنني القيام بذلك الفعل الذي لم أقم به فعلً»؟ ما معنى قولي كان بإمكاني أن أمشي ميلً واحدًا

(38) Thomas Hobbes, «Liberty and Necessity,» in Hobbes Selections , Edited by Frederick J. E. Woodbridge (New York; Chicago: Charles Scribner’s Sons, 1958), 207. (39) David Hume, «Of Liberty and Necessity,» in Determinism, Free Will, and Moral Responsibility , Edited by Gerald Dworkin, Central Issues in Philosophy Series (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1970), 136.

في عشرين دقيقة هذا الصباح، مع أني لم أفعل شيئًا من هذا في الواقع؟ إن ما أعنيه بالذات هو أنه «كان يمكنني لو أنني اخترت»، أو «كنت فعلت لو أنني اخترت».

أليست هذه الحرية الفرضية، الحرية بمعنى غياب العوائق من أمام الفعل، بما يترك المجال لتحقق الفعل موافقًا للرغبة (المشيئة أو الاختيار)، هي عينها ما يتباكى عليه الفلاسفة الذين يتأسون كثيرًا لغياب الحريات

السياسية والاجتماعية والشخصية في بلادنا؟ يريد الشعب أن يكون له دور مركزي في إدارة الشأن العام، ولكن يمنعه من ذلك قمعُ القامعين. ويريد الناس التعبير عن آرائهم ومذاهبهم، ولكن يمنعهم من ذلك

السجنُ أو مصادرة الأقلام والدفاتر. أو يريد صاحب المبادرة القيام بهذا النشاط الاقتصادي أو ذاك، لكن يمنعه من ذلك العوزُ الطبيعي أو المفروض بقوة الدولة أو المتنفذين. أو يريد الإنسان أن يحيا بهذه الطريقة أو تلك، ولكن يقف دون ذلك القمعُ أو المنع الصادر عن المجتمع، أو المجتمع ممثلً في الدولة،

أو هذه القوة أو تلك. الحرية بالمفهوم الليبرالي هي غياب العوائق من أمام الفعل، من دون أن يعني هذا أن الفعل المتأتي على هذا النحو أو ذاك سوف يكون جيدًا (فربما لا يكون)، ومن دون أن يعني هذا أن للإنسان حقًا مطلقًا غير محدود في التخلية والإط ق (فهذا ما لا تستقيم معه الحياة الاجتماعية بأي شكل من الأشكال). أمّا الحريات الليبرالية الميدانية المعهودة، فتنضوي إلى إطار المفهوم الميتافيزيقي كما

ينضوي الخاص والعيني إلى العام والمجرد. وهي تشخصات لما يسمّيه إيزايا برلين الحرية السلبية؛

ذلك أنها تتأسس على أساسالغياب (غياب المعوقات) والعدم (عدم المنع أو عدم التدخل). هي نفسها الحرية أو الحريات التي يصفها برلين بصورة تكاد تماهي تمامًا بين الميتافيزيقي والسياسي

والاجتماعي عندما يقول:

يكمن جوهر الحرية في قدرة الإنسان على الاختيار كما يشاء، وفي قدرته على أن يشاء ما يشاء، من دون إكراه أو تهديد، ومن دون أن يبتلعه نظام (سياسي - اجتماعي) كبير؛ تكمن الحرية في حق الإنسان في المقاومة، وعدم حتمية إرضائه للناس؛ تكمن الحرية في وقوفه للتعبير عن معتقداته فقط لأنه يؤمن بها. هذه هي الحرية الحقيقية، ومن دونها ليس حريات من أي نوع آخر، ولا حتى حرية موهومة.

لا يحتاج كلام برلين إلى شرح أو بيان: تكمن الحرية في غياب العوائق من أمام الفعل، وبالتالي تكمن في تحدد أفعال الواحد منا على أساس رغباته أو مشيئته أو اختياره. أمّا نوع الخيارات أو الرغبات أو

المشيئات التي تعْرِض للإنسان، فهذه مسألة أخرى. ولكن من الواضح أن أي محاولة لإلزام الإنسان

بها، ولو من منطلق أن خيره يكمن في هذا، أو لأن هذا ما يقوله العقل، لن تلاقي كثيرًا من الترحاب

(40) G. E. Moore, «Free Will,» in Determinism , 136.

(((4 إيزايا برلين، حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، الفكر الغربي الحديث (بيروت: دار الساقي،.)1992

(42) Isaiah Berlin, Freedom and its Betrayal (London: Chatto and Windus, 2002), 103-104.

من جانب الليبراليين؛ فالنسبة إليهم، لا شيء يبرر وضع المعوقات في طريق الفاعل سوى أن الفاعل نفسه يضع المعوقات في طريق غيره.

الحداثة الغربية والحداثة العربية

طبعًا، لا نجد في الفكر العربي الإسلامي السابق على حداثتنا تعبيرًا عن الحرية مثل هذا الذي اقتبسناه

من برلين. وإذا كان هناك كتاب مثل روزنتال (أو العروي) ممن هم على استعداد لنعي هذا الحقيقة، فإن هذا لا يعدو كونه محاولة للعثور على الحاضر القريب في الماضي البعيد، وليس له هناك ما يبرره. نرى في فكر الأقدمين إدراكًا لحقيقة أن الإنسان الذي تعترض طريقه عوائق لا تجعله قادرًا على

التوفيق بين رغباته (اختياره، مشيئته، أو تدبيره لما يريد) هو إنسان ليس حرًا في ما يُنسب إليه، أو يرتبط

بكيانه، من أفعال. لذلك، يُعفى العاجز من التكليف عند الأشعري، ولا يلوم أرسطو الإنسان الذي

تقذف به الرياح فتجعله يُلحق الأذى بمن يقف أمامه. ثم إن بعض الأقدمين أدرك وجود أفكار التخلية

والإط ق في إطار سياسي اجتماعي يتعدى نطاق الأفعال الشخصية، مثل قيام الإنسان وقعوده أو تناوله طعامه أو شرابه. رأينا هذا في وصف أفلاطون وأرسطو للمدينة الديمقراطية، ورأيناه أيضًا في وصف كل من الفارابي وابن رشد وتعليقاتهما على أفكار فلاسفة اليونان (على الرغم من أننا لم نره عند متكلّمي الإسلام.) ولكن، في المجمل، لم يكن في حسبان أيٍّ من الأقدمين القول بأن «الحرية الميدانية» في مجال السياسة أمر مرغوب فيه، أو بأن الحرية الميدانية في مجال التعبير، أو أسلوب الحياة أمر مسموح به. جرى فكر هؤلاء في سياقات فكرية ساد فيه الاعتقاد بأن الخير والشر، والعدل والواجب، والقيم عمومًا

أمور مطلقة، تُعرف إمّا من خلال معطيات العقل الموضوعي (ممثلً بالملك الفيلسوف عند أفلاطون)

أو معطيات الوحي الذي يبلغ رسالة رب العالمين إلى الناس. بالتالي، كان من المتوقع أن يسود اقتناع

مفاده أن السياسة فن لا يقوم به إلا العالم والعارف، وأن شرعية الحاكم السياسي تقوم على أساسِ معرفي (معرفة الحق والباطل، والخير والشر) وليس على إرادة الناس ورغباتهم ومعتقداتهم التي قد لا تقوم على أي أساس معرفي حق. وفي ظل أجواء سادت قرونًا عدة، لم يكن من الممكن القول، وبصورة جدية، إن للفرد حقًا في الحرية في مجال السياسة أو الشأن العام، في حين أنه كان بالإمكان القول إن للفرد حقًا في الحرية في مجال طعامه وشرابه، أو تلك المجالات التي لا يرى فيها المشرع العارف الحكيم ضيرًا في التخلية بين الفرد وأفعاله (وهي مجالات لم تكن حياة الإنسان في عدد كبير

منها لتبعد كثيرًا عن حياة المخلوقات الأدنى درجة.) نعم، كانت فكرة الحرية (بمعنى التخلية بين الفرد وما يشاء) موجودة، كما كان هناك إدراك بأن نطاقها يمكن أن يمتد ليشتمل على السياسة والشأن العام. ولكن ساد الظن بأن هذا شر مستطير، فلم يكن ممكنًا، نظرًا إلى ذلك، أخذ فكرة الحرية على محمل الجد إن تعدت نطاقها المحدود في الحياة.

كان هذا شأن الأقدمين في التراث الفكري في الغرب، سواء في الفترة اليونانية الرومانية أو في حقبة

القرون الوسطى، كما كان هذا شأنه في التراث الفكري العربي الإس مااي الذي تزامن ازدهاره مع عصور الغرب الوسيطة. بهذا المعنى يمكن القول إن المفهوم الليبرالي للحرية، وما يمكن أن يقترن به من حريات ليبرالية ميدانية - إن شاء الإنسان تخصيص العام والمجرد - كانا أمرًا معروفًا وغير

معروف، عندنا وعندهم على حد سواء: كان معروفًا في الغرب والشرق، بمعنى أن أسسه الميتافيزيقية

أُرسيت في سياقات ميتافيزيقية نفسانية أخ قااية بحتة ومتمحورة حول مشكلة حرية الإرادة، حيث جرى اكتناه الحرية من خ لاا مفهوم غياب المعوقات. وكان أمرًا غير معروف عندنا وعندهم على

السواء، بمعنى أن التبعات السياسية والاجتماعية لهذا المفهوم كانت مستهجَنة إلى الدرجة التي لم

تكن لتسمح للفكر السياسي أو الاجتماعي باستحضار مفهوم الحريات الليبرالية بالمعنى الحاضر. لذا، بقي المفهوم مطمورًا تحت طبقة كثيفة من المعتقدات السائدة بشأن العقل والوحي، وتمايز الناس

من حيث العقل والقدرة، في أنظمة اجتماعية تراتبية بدت في غاية البداهة لمعظم الناس، وعلى امتداد فترات طويلة. ثم وصلت هذه العصور إلى نهايتها في الغرب. أمّا كيف ولماذا قد مت الحداثة إلى ربوع الغرب، فهما

من المسائل التي لا تستأثر الفلسفة بالبحث فيها بقدر ما أنها مجالات للبحث التاريخي والاجتماعي والاقتصادي وعلوم أخرى إنسانية واجتماعية لا تعدو الفلسفة أن تكون واحدة منها. وبالقدر، وهو يسير، الذي يمكن فيه القول إن التطورات التاريخية الكبرى قابلة للتفسير العلمي، أو للتفسير بالمطلق (فلم يكن هناك يومًا إجماع بين الباحثين على تفسيرات للظواهر الكبرى)، يمكن الإشارة إلى إحياء

العلوم اليونانية، بل أيضًا إلى الروح اليونانية (التي عُرفت بعقلانيتها وتمركزها حول الإنسان في هذه الدنيا) في ما غدا يُعرف بعصر النهضة الأوروبية. كما يمكن الإشارة إلى تفكك النظام الإقطاعي

وبزوغ فجر نظام اقتصادي جديد بوسائل جديدة في الإنتاج، وع قااات إنتاجية جديدة بين طبقات اجتماعية لم تكن موجودة، أو مؤثرة، في الماضي. كما يمكن الإشارة إلى ثورة أو ثورات في مجالات العلم والفلسفة انتهت برسم خطوط معركة استمرت عقودًا طويلة بين الدين والكنيسة والنظم الفكرية القروسطية من جهة، ونوع آخر مختلف من التفكير، عبّر عن نفسه بأجلى الصور في ما غدا يُعرف

بعصر التنوير. بغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه أسبابًا أدت إلى الدخول في المجال الحداثي، أم كانت مجرد تجليات

أو تمظهرات للحداثة نفسها على صُعد حياتية مختلفة، فإن ممّا لا شك فيه هو أن الوضع الحداثي

كان مواتيًا لمؤازرة مفاهيم الحرية الفردية، والاستقلال الفردي والاجتماع على أساس التعاقد. بوسعنا

أن نوطئ لهذا الادعاء من خلال هذا الاقتباس المطوَّل الذي يعرض فيه هابرماس لانعكاسات الحداثة

في السياسة والقانون:

ما برح المعتقد الأرسطوطاليسي الكلاسيكي في القانون الطبيعي، والذي أعاد القديس توما الأكويني طرحه بصيغة مسيحية، يقدم نسقًا أخ قاايًا مجتمعيًا متكامًامتد ليشمل جميع

طبقات المجتمع، قابضًا مختلف الشرائح الاجتماعية برباط وثيق.... ولكن، وفي خضم

التطورات [الحداثية] التي تمخضت عن عقلنة العالم المعيش، انكسرت القبضة التي كان يحكمها النسق الأخ قااي المجتمعي المشار إليه. في المرحلة الأولى تعرضت الموروثات الثقافية وسيرورات الأنسنة الاجتماعية للضغط من قِبل العقل.... ومن ثم أدى الاختراق الفكري [التأمل العقلي] للتاريخ المعيش وللموروثات الثقافية إلى نمو روح الفردية في سياق المشاريع الحياتية الخاصة بالأفراد، كما أدى إلى تعددية في أشكال الحياة الجماعية.... شكل مفهوم حقوق الإنسان ومفهوم السيادة الشعبية الترسبات (الوحيدة) التي بقيت بعد أن تعرض المضمون المعياري المتضمن في النسق الأخلاقي المرتكز على التراث الديني والميتافيزيقي (السابق على الحداثة) إلى عملية «فلترة» إجبارية من خلال الخضوع للعقل ومناهج التسويغ ما- بعد الحداثي.

إذا كان حقًا ما يقوله هابرماس من أن مفهومَي حقوق الإنسان والسيادة الشعبية يمثّن الترسبات

(الوحيدة) التي بقيت بعد أن تعرض المضمون المعياري المتضمن في النظام الأخ قااي الما قبل - حداثي إلى عملية «فلترة» إجبارية من خلال العقل ومناهج التسويغ ما- بعد الحداثي، فماذا يعني هذا بالنسبة إلى المفهوم الليبرالي للحرية؟ إن أي مراجعة بسيطة لنصوص حقوق الإنسان في مراحلها التطورية عبر عمرها القصير نسبيًا تُظهر لنا أن قيمة الحرية، وبالتحديد حرية الفرد، تحتل مركز الصدارة

في لائحة حقوق الإنسان. وعادة ما يجري تفصيل هذه الحرية بالإشارة إلى الحريات الميدانية المعروفة، بما فيها حرية الفكر والتعبير في المعتقد الديني، إضافة إلى الحريات المدنية التي تكفل حماية الإنسان من خروقات وتعديات الآخرين، بما فيهم الدولة والمجتمع (ما دام أن الفرد ليس بصدد التعدي على حريات مماثلة يتمتع به الآخرون). أمّا الترسب الثاني المشار إليه في نص هابرماس،

ألا وهو مفهوم السيادية الشعبية، فهو ما أتى ليكرس تلك العقيدة التي طالما ناوأها أفلاطون وأرسطو وكل ما تبعهما بإيمان إلى يوم أن انتصرت الحداثة في أوروبا، نقصد بها المعتقد الديمقراطي الذي يربط الشرعية في السياسة بقبول الناس ورضاهم. ومبدأ السيادة الشعبية هذا ليس بمنفصل عن الحرية الفردية بتاتًا: فمبدأ السيادة الشعبية يقول (وإن بشكل ضمني) أنه لا يجوز أن يُحكم

الناس – الأفراد – رغمًا عن أنوفهم، أي إن لهم الحق في حرية سوف يحرمون منها إن هم عاشوا

تحت نظام سياسي لا يوافق إراداتهم (ولا نقول «إرادتهم»، فهم في النهاية يصوتون في الانتخابات الديمقراطية فردًا فردًا.) في جميع الحالات، سواء في مجال حقوق الإنسان أو السيادة الشعبية أو الديمقراطية، يدور حديث عن الحرية بمعنى التخلية والإط ق، في ما عدا حالات التعدي على التخلية والإط ق. ف نظام حقوق الإنسان ولا النظام الديمقراطي يقول ل نإإسان كيف يجب عليه أن يعيش، وليس هناك من تفسير متفَق عليه لحقوق الإنسان أو الديمقراطية يرسم للفرد خطة حياة أو قيمًا محددة إن مارسها كان

إنسانًا حقيقيًا، أو حرًا، أو عقلانيًا أو ما شئت. لا شيء متفقًا عليه سوى أن للإنسان حقًا أن يكون كما

(43) Jürgen Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy , Translated by William Rehg, Studies in Contemporary German Social Thought (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1996), 95-99.

يشاء، بشرط عدم الاعتداء على غيره. إن لم تكن هذه هي الحرية بمعنى التخلية والإطلاق، فلا أدري ما عساها أن تكون. تمامًا، وبشكل يحاكي قصة دخول الغرب في الأزمنة الحديثة، ليس هناك من شيء مخصوص يمكن

أن تقوله الفلسفة عن قصة دخول العرب والمسلمين في الأزمنة الحديثة، وبما يختلف عمّا يمكن

أن تمدنا به الدراسات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية حول آخر قرنين أو ثلاثة قرون من التاريخ العربي الإسلامي. تروي هذه العلوم، وإن بأشكال مختلفة، قصة اندماج الأصقاع العربية والإسلامية في نظام عالمي جديد كان المحرك الرئيسي فيه الغرب الحديث، بنظامه الرأسمالي، مسنودًا بنظمه الفكرية والقيمية والسياسية التي لم يكن بوسعها أن تترك العالم المحيط بها من دون أن تعيد رسم معالمه على صورتها وبما يناسبها. نرى بعض الملامح المهمة لهذه المسيرة الاندماجية في مؤل ف عزيز العظمة الذي يؤرخ فيه للعلمانية التي بدأت تطل برأسها علينا منذ فترة الإص حات العثمانية (التنظيمات) في القرن التاسع عشر. وإذا كان بعض التغييرات أو الإص حات قد جرى بدوافع داخلية تعكس تأثر الناظر العثماني بما ينظر إليه، تمامًا كما هي حال إله أرسطو الذي يحرك العالم

انطلاقًا من رغبة هذا الأخير فيه، فإن رؤية الغرب لما نحن عليه ولما يجب أن نكون عليه، كما يعرض لها إدوارد سعيد في الاستشراق، ما كان لها إلا أن تساهم في تقوية حركة تاريخية (ساهم فيها الغرب) باتجاه دفع العرب والمسلمين لكي يصيروا جزءًا من عالم حديث تجلت حداثته الاقتصادية

في الرأسمالية، بينما تجلت حداثته السياسية في الديمقراطية الليبرالية، وحداثته الفكرية في العلم وما يحيط به من فلسفة حديثة. في هذا السياق التاريخي، وجد المفهوم الليبرالي للحرية طريقه إلينا، كما وجدت أفكار وأساليب أخرى لتنظيم الحياة والمجتمع والسياسة طريقها إلينا. لم يجر استيعاب المفاهيم السياسية الاجتماعية الجديدة دومًا بطريقة سلسة؛ ففي حين قدّم نابليون نفسه إلى المصريين في سنة 1798 بصفته ممثلً

للجمهورية الفرنسية «القائمة على أساس الحرية والمساواة»، نجد الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي عاش في فرنسا بين سنتي 1826 و 1831 يقول إن «ما يسمّونه الحرية وما يرغبون فيه هو عين ما يُطل ق عليه

عندنا العدل والإنصاف؛ وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في القوانين والأحكام». ليس هناك من صلة واضحة بين العدل والإنصاف من جهة والحرية من جهة أخرى، سوى ما يمكن أن يتأتى بعد بيان ونقاش وخوض في التفصيلات، كأن يقال إن الظلم يخلق وضعًا يقيد الحرية، بمعنى

أنه يحد من حرية المظلوم. لكن، مع ذلك، لم يمض وقت طويل قبل أن يقْدم مفكرون من أمثال أحمد لطفي السيد وغيره على ترجمة المفهوم الليبرالي بلغة عربية لا لبس فيها، مقدمين أمثلة واضحة كل الوضوح عن تجليات الحرية في ميادين حياتية مختلفة، على النحو الذي رأيناه في بداية هذا البحث.

(((4 عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1992

(45) Edward W. Said, Orientalism (New York: Vintage Books, 1979).

(((4 رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز (القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر،.)2011

بسبب هذا السياق التاريخي تحديدًا، نجد أنفسنا اليوم، أو يجد بعض الكتّاب العرب، أننا بصدد التعامل مع مفهوم وارد مستورَد عندما نتحدث عن «الحريات الميدانية»، أي الحريات الليبرالية في المجالات

الحياتية المختلفة، وخصوصًا المجال السياسي. مع ذلك، لم يمنع هذا بعض الكتّاب العرب المنادين

بهذا الطرح من التنقيب في ثنايا الحياة العربية القديمة، وإن لم يكن بلغة العرب، بحثًا عن تجليات حياتية لمفهوم الحرية بمعنى يقترب من السياسي والاجتماعي. من هؤلاء العروي نفسه الذي يميز، كما أسلفنا، بين حرية ميتافزيقية نفسانية تناولهاالفكر العربي الإسلامي بالبحث، وحرية سياسية اجتماعية يحصر فيها الفكر الليبرالي جميع تساؤلاته ومناقشاته. يشير العروي إلى عادة الفرد للجوء إلى العشيرة التي وقفت دائمًا سياجًا يحمي الفرد من تغوّل السلطة السياسية. كما يشير إلى حياة البداوة كرمز لفض

القيود المبتدعة ومقاومة السلطان. ومن المثير للاهتمام حقًا أن بعض تلك الممارسات الحياتية الفعلية التي يشير إليها العروي تنضوي بكل سهولة ويسر إلى إطار اكتناه الحرية، كغياب للمعوقات من

أمام الفعل؛ فنحن مثل بصدد الحديث عن السلطان الذي يلاحق الأفراد بأوامر ونواهلا يجدها الأفراد

موافِقة لرغباتهم أو مشيئتهم أو خططهم الحياتيه، فليجأون إلى العشيرة التي تساند الفرد «في مشيئته لفعل ما يريد». وكذلك الأمر بالنسبة إلى حياة البداوة التي تتسم بالحرية، فأقل ما يقال فيها هو أنها تتسم بغياب العوائق «غير المحتواة في طبيعة الفاعل» (عبارة هوبز، وبالإشارة إلى العوامل الطبيعية التي تحكم حياة البداوة.) لكن ما سعينا لتبيانه في هذا البحث هو أن مفهوم الحرية، بمعنى غياب العوائق بما يدع مجالً لفعالية المشيئة (أي ذلك المفهوم الميتافيزيقي المجرد الذي يتشخص ويتعيّن لاحقًا في المجالات

الحياتية المختلفة، مكتسبًا الطابع السياسي الاجتماعي المألوف)، هو مفهوم سابق على الحداثتين،

الغربية والعربية، سواء بسواء؛ فقد كان هذا المفهوم الميتافيزيقي في حوزة التراث اليوناني كما كان في حوزة التراث الإس مااي. وفي ك التراثين، لم يكن ليؤخذ على محمل الجد كقيمة سياسية أو اجتماعية عليا؛ فتلك العصور القديمة تميزت بالتقسيمات الطبقية للمجتمع، كما أنها كانت مقتنعة بالتفاوتات في القيمة الإنسانية كما في القدرات والحقوق والواجبات. وعندما بدأت هذه المنظومات الاجتماعية والاقتصادية المنتمية إلى تلك العصور بالانهيار في الغرب، بُعثت الحياة في هذا المفهوم،

وبات يؤخذ على محمل الجد في مجالات غير تلك التي كان يرتبط بها في النقاشات الميتافيزيقية الأخ قااية التقليدية. وبالتالي، يمكن اعتبار بعث الحياة في هذا المفهوم أو إع ءاا مكانته ثمرة من ثمار الحداثة. ما يعنينا نحن المهتمين بالفكر العربي السياسي في أزمته الحالية، هو التاريخ الموازي للمفهوم الليبرالي عندنا؛ فقد شهد العرب والمسلمون في القرنين الأخيرين أيضًا تضعضعًا لا يستهان به في

المنظومات الاجتماعية والاقتصادية المكرسة للتفاوت والمحددة للحريات. وما تنامي نفوذ الدولة الحديثة في بلدان العرب والمسلمين، مع ما قاد إليه ذلك من إضعاف للبنى الوسيطة واختراق

(((4 العروي، ص.20-18

للحدود التي يمكن أن يختبئ وراءها الفرد هربًا من السلطة المركزية، إلا جانب من جوانب هذا

التغير التاريخي، يضاف إليه الاندماج شبه التام في المنظمومات السياسية والاقتصادية بشكل جعل - ولا يزال - الأفراد يدركون محدودية قدراتهم على الحراك من أجل حماية مصالحهم الحياتية. وبغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه التغيرات ناتجة من عوامل داخلية بحتة، أو كانت أمرًا مفروضًا من

الخارج، فالنتيجة واحدة، ألا وهي أن مجال الحرية لم يعد يقتصر على الأفعال الإرادية المتعلقة بالحياة الخاصة، كما كان يظن الصوفيون أو المتكلمون أو ف سفة الأخ ق. وفي واقع الأمر، لم يعد الإنسان يحتاج إلى كثير فلسفة حتى يدرك أن تحديد الحرية في مجال القول أو التعبير عن النفس لا يختلف عن تحديد الحرية في مجال الحركة أو الحصول على المعاش إلا في تحددها في مجال مختلف. إن الفرق بين ما حدث من انبعاث لمفهوم الحرية في الغرب، حيث ارتدى هذا المفهوم حلة سياسية اجتماعية باتت مألوفة في جميع أنحاء العالم، وما حدث ويحدث عندنا من صراع حول هذا المفهوم، ليس في واقع الأمر مسألة متعلقة أساسًا بوجود أو بعدم وجود أصل لهذا المفهوم

عندنا؛ فكل ما هو قابل للتفكير في لغة من اللغات موجود، ولو بالإمكان، في أذهان من يتكلمون تلك اللغة. وفي حالتنا العربية والإسلامية، يمكن القول إن الحرية، بمعنى غياب القيود، ذات وجود فعلي وأصيل، وقد قال بها كثيرون، وإن على صعيد فلسفي مجرد لا يمس السياسة والاجتماع عن قرب. يُختزل الفرق بيننا وبينهم إلى مسألة الموقف من المفهوم: هل الحرية بالمعنى الليبرالي أمر

جدير بالاهتمام؟ هل من قيمة أو نفع يرتجى في وضع يكون الفرد فيه حرًا في التعبير عن نفسه، ولا

يفرض عليه نظام اجتماعي أو سياسي رغمًا عنه أو من دون إرادته؟ هذا حكم قيمي متعلق بإضفاء

الأهمية على ممارسات حياتية أو اجتماعية، وليس حكمًا معرفيًا يفسح المجال للمعرفة أو الجهل أو

سوء الفهم. لا يحتاج المرء إلى شيء سوى أن يضفي على حرية القول والتعبير والاختيار السياسي أهمية تضاهي تلك الأهمية التي يضفيها على الاختيار في مجال تناول الطعام والشراب، أو الحركة أو السكون.

على سبيل الختم

يصل بنا النقاش في نهايته الآن إلى غاية كنت أشرت إليها في بداية هذا البحث، قائل إن المجال لا يتسع لمناقشتها، ألا وهي مسألة الأهمية التي يجب أن نوليها للمفهوم الليبرالي للحرية. أهو مفهوم يستحق أن نناضل من أجله؟ هل يحتوي على أي قيمة تحررية في وضعنا الراهن؟ أم هل يتوجب علينا المسارعة إلى تجاوزه إلى ما هو أفضل منه؟ وماذا عسى هذا أن يكون؟ لقد حدد الكثير منا موقفهم بالنسبة إلى هذه المسألة، فمنّا من يعارض ومنا من هو مقتنع، ومنا من يريد التوفيق بين مواقف مختلفة. ولعل هذه المساهمة المتواضعة في نقاش مسألة الحرية تغني النقاشات الدائرة من حولنا بعض الشيء.

References

المصادر والمراجع

العربية

ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد. الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون. نقله عن العبرية إلى العربية أحمد شح ن؛ مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح لمحمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998. (سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 4) أرسطوطاليس. علم الأخ ق إلى نيقوماخوس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: دار الكتب المصرية،.1924 إسحاق، أديب. «حول الحرية والاستق: لاا.» في في قضية الحرية. بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة، 1980. (حصاد الفكر العريي الحديث؛ 2) الأشعري، أبو الحسن علي بن اسماعيل. كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع. صححه وقدم له وعلق عليه حموده غرابه. القاهرة: مطبعة مصر،.1955 برلين، إيزايا. حدود الحرية. ترجمة جمانا طالب. بيروت: دار الساقي، 1992. (الفكر الغربي الحديث) التونسي، خير الدين.أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. تقديم محمد الحداد. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2012. (في الفكر النهضوي الإسلامي) جدعان، فهمي. «الحرية في الثقافة العربية الحديثة.» في فهمي جدعان، المقدس والحرية وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،

حنفي، حسن. «موقفنا الحضاري.» في الفلسفة في الوطن العربي المعاصر: بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأردنية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1985 روزنتال، فرانتز. مفهوم الحرية في الإس ماا: دراسة في مشك ت المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإس مااي. ترجمة وتقديم معن زيادة ورضوان السيد. ط 2. بيروت: دار المدار الإس مااي،

السيد، أحمد لطفي. المنتخبات. ج 2. القاهرة: مطبعة المقتطف،.1945 الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر،

______. المرشد الأمين. أعيد طبعه في: في قضية الحرية. بيروت: مؤسسة ناصر للثقافة،.1980

العروي، عبد الله. مفهوم الحرية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1987 العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 الغلاييني، مصطفى. عظة الناشئين: كتاب أخلاق وآداب واجتماع. بيروت: المطبعة الوطنية،.1936 الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد. كتاب السياسة المدنية: الملقب بمبادئ الموجودات. حققه وقدم له وعلق عليه فوزي متري نجار. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1964 المصباحي، محمد عزيز. مع ابن رشد. الدار البيضاء: دار توبقال،.2006 م،ِل جون ستيوارت. حول الحرية. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،.2012 موسى، سلامة. حرية الفكر وأبطالها في التاريخ. القاهرة: سلامة موسى للنشر والتوزيع،.1935 نصار، ناصيف. باب الحرية: إنبثاق الوجود بالفعل. بيروت: دار الطليعة،.2003

الأجنبية

Aristotle, Politics , in: The Basic Works of Aristotle , by Aristotle, Edited and with an Introduction by Richard McKeon. New York: Random House, 1941. Bahlool, Raja. «Al-Ash’ari’s Theological Determinism and the Senses of ‹Can›.» Hamdard Islamicus 15, no. 1 (1992): 39-57. ______. «The Liberal Concept of Freedom in Contemporary Arab Thought.» Journal of Arabic and Islamic Studie s 10 (1993): 22-66. Berlin, Isaiah. Freedom and its Betrayal. London: Chatto and Windus, 2002. Habermas, Jürgen. Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. Translated by William Rehg. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1996. (Studies in Contemporary German Social Thought) Hobbes, Thomas. Leviathan. With an Introduction by Herbert W. Schneider. Indianapolis; New York: Bobbs-Merrill Company, 1958. ______. «Liberty and Necessity.» in Hobbes Selections , Edited by Frederick J. E. Woodbridge. New York; Chicago: Charles Scribner’s Sons, 1958. Hume, David. «Of Liberty and Necessity.» in Determinism, Free Will, and Moral Responsibility , Edited by Gerald Dworkin. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1970. (Central Issues in Philosophy Series)

Locke , John. «Two Treatises on Government,» in Great political Thinkers: Plato to the present , Edited by William Ebenstein. 4 th ed. New York: Holt, Rinehart and Winston,

Moore, G. E. «Free Will,» in Determinism, Free Will, and Moral Responsibility , Edited by Gerald Dworkin. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1970. (Central Issues in Philosophy Series) Plato. The Republic of Plato. Oxford: Oxford University Press, 1941. Rosenthal, F., and B. Lewis, «Hurriyya,» in Encylopedia of Islam. vol. 3. New Ed. Leiden: E.J. Brill, 1971. Said, Edward W. Orientalism. New York: Vintage Books, 1979. Spencer, Herbert. «Social Statics,» in Great Political Thinkers: Plato to the Present , Edited by William Ebenstein. 4 th ed. New York: Holt, Rinehart and Winston, 1969.