Return to Article Details The Assabiyyat: Predators of Political Freedoms

العصبيات آكلة الحريات السياسية

The Assabiyyat: Predators of Political Freedoms

فريدريك معتوق

Frédéric Maatouk

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى سبر غور حقيقة مفهوم الحرية في العالم العربي المعاصر في ضوء مفهوم آخر، يؤدي دور الكاشف الكيميائي، وهو مفهوم العصبية، إذ نغدو أمام إشكالية معرفية تربط جدليًا بين الحرية السياسية والعصبية. فأيهما يتحكّم بالآخر ويُملي عليه قانونه عندنا؟ ،فيبدو لنا ظاهريًا أن مفهوم الحرية قائم بذاته ويفسّر نفسه بنفسه إلى حد بعيد، لكن الأبحاث السوسيولوجية بيّنت على الدوام مسألتين في العالم العربي: الأولى هي الارتباط المصيري لبنياتنا المعرفية بالعصبية مع تنوّعاتها المختلفة (الدينية والقبلية والمذهبية والإثنية والعائلية)؛ أما الثانية فطغيان الخيار العصباني على مجالات حياتنا اليومية والعملية كلها (في المجال السياسي والاقتصادي والتربوي والإعلامي). وكنتيجة لهذا الواقع، يتبيّن بوضوح أن لا مجال لتكامل طرائق التفكير العصباني الخاصة، مع مطلب الحرية، العمومي، إذ إن التربية العصبية والتنشئة الاجتماعية العصبية سرعان ما تخنق في المهد بذور الحرية. من هنا تبدو استحالة الحرية بمعناها العام في المجتمعات العصبانية.

Abstract

* عميد سابق لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. ** Former Dean of the Social Sciences Institute in the Lebanese University.

الكلمات المفتاحية:
  • عصبية
  • ذهنية
  • تكامل
  • تنشئة اجتماعية
Keywords:
  • Political Freedoms
  • Family
  • Sectarianism
  • Ethnicity
  • Religion
  • Partisanship

تصفية المجتمعات العربية حساب علاقتها بالعصبيّات التي ورثتها عن الأجيال السابقة، حيث

إن صيَغ التجانس التي تؤدي إليها عمليات التقريب السياسي تعجز عن بلوغ مستويات التكامل

الحقيقي، فنبقى في صيَغ ما نسمّيه الاندماج التي هي دومًا دون مستوى الحرية السياسية

المنجزة. وتسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن أسباب هذا الاخفاق ونتائجه في الحياة العامة.

مقدمة

عندما نشبت حرب العصبيات المذهبية، منذ أقل من خمس سنوات، في العراق وسورية واليمن،

بدا أن الناس متفاجئون بما يحصل. غير أن هذا التفاجؤ لم يترافق مع استنكارٍ لما يحصل ورفض مطلق له، بل تزامن مع انخراط (مفاجئ هو أيضًا) لأبناء وبنات المجتمعات العربية في هذا الانقسام البنيوي، والتحاقهم بأحد معسكري مجمل هذه الحروب الأهلية المحلية التي غدت اليوم بمنزلة حرب أهلية إقليمية كبرى، الأمر الذي يعني أن الانقسام العصباني عميق في البُنى المعرفية العربية إلى درجة أنه

قادر على هضم أي فعل أو ردة فعل يحصلان على مستوى الحياة الاجتماعية – السياسية العامة. لذلك، يغدو تفاجؤ المتفاجئين مجرد ردة فعل سطحية وأولية في وجه مَشاه د وحشية سرعان ما

عمّقت عند المجتمعات العربية كلها التزامها بعصبياتها – الأم.

لم تغادر المجتمعات العربية يومًا عصبياتها التأسيسية، بل استخدمتها في الالتفاف على صدمة

الحداثة حين دقت أبوابها غداة الحرب العالمية الأولى، فكانت مهمة العصبية الدينية إذ ذاك مَنْع

تسلل الدولة الغربية الحديثة، القائمة على مفهوم المواطَنة، إلى داخل دساتير الدول الناشئة الجديدة. فعارض أعيان الشام أي تركيبة للدستور لا يدخل فيها عنصر العصبية الدينية، وسدوا الطريق أمام المواطَنة العلمانية. وكذلك فعل آباء الميثاق الوطني اللبناني سنة 1943، وهو الميثاق الذي لم يعد كونه ميثاقًا طائفيًا، وتقوقعت الدول الأخرى كلها على عصبياتها الدينية – السياسية، حيث غدت

جميع الدساتير العربية (أو الأنظمة التأسيسية حيث لا دساتير) دساتير هجينة، طائفية ومدنية، أو دينية ومدنية، أو ملكية وجمهورية على حد سواء. نجحت هذه العمليات الجراحية السياسية في قيام ربط ثابت ودائم بعد ذاك بين المدني والمواطني،

والجمهوري والديني، والطائفي والملكي، حيث وُض عَ حد للمشروع النهضوي المنادي باستنهاض

المجتمعات العربية، فانتقلنا من دول العصبية الخلدونية المعال م، إبان الحُكم العثماني وقبله، إلىِ

دول نيو - عصبية، عربية وأصيلة. أمّا اليوم، فنحن أمام طور جديد من حياة العصبية، حيث جرى الاستفادة من هذا النسيج العصباني

القائم منذ عقود، بشكل دفين، في عمق البُنى المعرفية العربية المعاصرة، لتدميرها من الداخل.

فالعصبيات الدينية التي تصدت للاستعمار بشكل موحد سياسيًا ودينيًا كانت تحمل في أحشائها بذور

العصبيات المذهبية. وعند الانتهاء من تفعيل الأولى، انتُقل إلى تفعيل الثانية، بشكل طبيعي، فنجحت العملية الثانية أيضًا. لكن، بات هدف العصبية السياسية في صيغتها الثانية، اليوم، تدمير المجتمعات العربية من خلال شرذمتها وتقطيع أوصالها وأوصال دول العصبية التي قامت عليها، لا مناهضة الاستعمار، الأمر الذي

أعاد هذا الأخير إلينا من النافذة، بعدما أُخرج من الباب. هنا لا بد من التساؤل: على مَن تقع مسؤولية الطور الثاني من حياة العصبية عندنا؟ إنها تقع على عاتق مَن كان في أساس ظهور طورها السياسي الأول، أي المجتمعات العربية

نفسها التي منعت التغيير النوعي عندما كان متاحًا. والعصبيات السياسية الثانية، آكلة المجتمعات

العربية المعاصرة، هي وليدة العصبيات السياسية الأولى، آكلة الحريات العربية. ولا يفيد البتة هنا إلقاء المسؤولية على الخارج الذي لا ينجح في عمليات التأجيج العصباني إن لم تتوافر له كوكبة م ئاامة من التناقضات المحلية القائمة على بنية وعي عصبانية ثابتة، وكما يقول المثَل الفرنسي:

مَن يزرَع الريح يحصد العاصفة! علمًا أن أول ضحايا العصبيات كان ولمّا يزل التكامل مع الآخر،

كما سنرى.

(((انظر: صقر أبو فخر، أعيان الشام وإعاقة العلمانية في سورية، تاريخ سياسة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2013

علَامَ تقوم العصبية؟

حتى يومنا هذا، لا يزال ابن خلدون أفضل مَن فهم العصبية وشرحَها؛ هذا المفهوم العربي الأصيل

المستعصي على الترجمة. فالعصبية شكل من أشكال المعرفة الإنسانية يقوم على ربط الأفراد

نفس – اجتماعيًا بوحدات اجتماعية كبرى ومُغلقَة، مثل القبيلة والعائلة السياسية والحزب السياسي

العصباني التقليدي. ويشير صاحب المقدمة إلى أن سماتها الأساسية هي «النعرة والتذامر واستماتة كل واحد»، الأمر الذي يعني أن الرابط العصباني قابل للاستنفار الفوري (النعرة) والتعبئة الشاملة (التذامر) والتضحية بالدم (الاستماتة.) على هذا المثلث المعرفي، بنَت المجتمعات العربية نفسها منذ الق دم، ولمّا تزل تأتمر بإيعازاته الأحادية

الاتجاه حتى اليوم؛ إذ تربط العصبية الأفراد بوحدات تفاعلٍ كبرى، رأسيًا، ومن فوق إلى تحت، حيث

تصدر الإشارة الحمراء من القيم إلى البنية وتنتشر بسرعة البرق بين الأفراد المنضوين تحت لواء هذه العصبية، فيستميتون في الدفاع عنها. النعرة موجودة بشكل كامن، على نحو دائم، في وعي الأفراد، غير أن أمر تحريكها لا يعود إلى الأفراد، بل إلى رئاسة القبيلة أو العائلة السياسية أو الطائفة أو الحزب السياسي التقليدي الذي يدعو الجميع إلى التذامر، من خلال الالتفاف حول قضية مطلبية واحدة تخص العصبية والقيمين عليها، فتطفو على سطح المواقف دعوات مباشرة للاستماتة، خدمةً للقضايا العصبانية المطروحة التي يدافع عنها الأفراد بالدفاع، لمصلحة أربابها، لكن بدمهم هم. هكذا ينشأ المجتمع العصباني على استنفار دائم ضد الخارج وضد الآخر، حيث يتألف هذا المجتمع من أناس معزولين عن محيطهم السياسي العام، يتفاعلون مع ذوي القُربى العصبية فحسب. لذلك، لا يصح اعتبار العصبية أيديولوجيا؛ فهي ليست زائفة، بل حقيقية ومن صلب البنيان المعرفي العام لأصحابها، كما أنها ليست من طبيعة سياسية محضة، بل وجدانية ومعيشية التكوين. المجتمع العصباني مجتمع يذوب فيه الفردي في الجماعي، الأمر الذي لا يسمح بظهور أي نوع من أنواع الفردانية السياسية أو الاجتماعية؛ فالشخصي متاح في إطار هذا المجتمع، شرط ألا يستقل في فردانية (Individualism) تتعارض مع نسَق العلاقات والولاءات العامة القائم في المجتمع العصباني.

والمجتمع العصباني مجتمع صغير نسبيًا، بيد أنه يملك جميع عناصر المجتمع الأكبر، ويعيش على

وقع هذه العناصر في دائرة مغلقة تُذكّرنا بما كتبه توماس كوهن عن التفكير الدائري الذي يأبى طرح أسئلة غير تلك المسموح بها ضمن النموذج الإرشادي المُغلق، يكتفي بالأجوبة المعتمَدة التي لا

تُعكر صفو الانتظام المعرفي العام. لذلك، يتولد من العيش في المجتمع العصباني عزل صامت ل فأأراد عن حرية التفكير والتعبير؛ إذ

يعبّر الفرد عمّا هو مقبول ويكبح ما ليس مقبولً، أو يعبّر عنه سرًا في مجالس خاصة، وأي مخالفة،

(((أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار إحياء التراث العربي، [د. ت.])، ص.154

ينتظرها العقاب. كما أن حرية التفكير، خصوصًا عندما تخرج عن الثوابت الفكرية العامة المرتبطة بأهل العصبية، غير مسموح بها تحت طائلة المسؤولية. بإمكان أبناء المجتمع العصباني، ذكورًا وإناثًا، إحاطة أنفسهم بشتى منتوجات التحديث الغربي أو

الآسيوي، والإفراط فيها أيضًا، شرط عدم تجاوز أعراف المجتمع التقليدي ودائرة المفاهيم والولاءات الأساسية التي ورثوها عن أسلافهم. أمّا عمليات الخرق لهذه القواعد العامة، فمصيرها القمع، إمّا بالعنف المباشر وإمّا بالعنف الرمزي.

غير إن لا مفر من العقاب، حيث لا تخفي رابطة الدم والوعي التي تقوم عليها العصبية دَين الدم الذي يولد مع ولادة كل فرد من أفراد المجتمع العصباني، على شكل بصمة معرفية عميقة، تستقر في الهابيتوس الذي يعتمده.

علَامَ تقوم الحرية؟

الحرية مفهوم وافد، استوحاه واستقدمه مفكرو النهضة العربية من تجربة الثورة الفرنسية الظافرة التي أطاحت النظام الملكي في سنة 1789 ورفعته شعارًا أول على علَمها، إلى جانب المساواة والأخوّة

في المواطَنة. ميزة مفهوم الحرية أنه مفهوم سياسي في المقام الأول، يشير، في التجربة التأسيسية الفرنسية، إلى ولوج عصر جديد انتقل إبانه مصدر القرار من النخبة الملكية إلى عموم الشعب؛ فالحرية تعني هنا تحرر الشعب وعموم الناس من قيود السلطة المطلقة والفئوية؛ ذلك «أن الثورة الفرنسية أسست للغة جديدة ومجتمع جديد على حد سواء». أمّا لماذا يتقدم هذا الشعار على سواه من الشعارات في عَ لَم الثورة الفرنسية، ف نأأه يؤسس

للشعار الثاني الذي هو المساواة، ويُقصد به العدالة الاجتماعية؛ فبالحرية والقدرة على ممارستها

تتحقق العدالة الاجتماعية والمساواة. عند ذاك تأتي المواط نة تتويجًا لهذين الحقين العامين

ضمن إطار الدولة الديمقراطية والأخوّة الثورية، أي إن مفهوم الحرية يغرس جذوره في التحرر

الفردي والاجتماعي من قيود سلطة تقليدية مطلقة الص حيات وكلية الامتيازات، الأمر الذي يضعه، منذ البداية، على ضفة مختلفة لتلك التي تقف عليها العصبية غير المعترفة بالحريات السياسية أصلً. المجتمع العصباني، في تكوينه الأساسي، غير مستعد ل عااتراف بالحرية باعتبارها خيارًا سياسيًا

ل فأأراد الذين يمثّلون، تحت لوائه، رعية، لا مجتمعًا، حيث يرتبط الأفراد بقطب أوحد، ويتجاورون

مجرد تجاور مع الآخرين، المنتمين إلى عصبيات أخرى.

(3) Liberté, Egalité, Fraternité. (4) François Furet, Penser la Révolution française , folio. Histoire; 3 (Paris: Gallimard, 1985), 51.

يتجلى هذا الأمر بوضوح في الانتخابات والترشيحات السياسية على امتداد العالم العربي المعاصر، حيث النتائج معروفة مسبقًا على نحو عام، لارتباطها ببنيان المجتمعات العصبانية؛ فالمرشح ليس مرشحًا حرًا، بل يدفعه قرار مجموعة عصبانية ما إلى الترشح، ثم تقوم مجموعة ضغط عصبانية

أيضًا بدعمه للوصول إلى المنصب المستَهدَف. لذلك، لا لزوم لبرامج سياسية عند المرشحين،

إذ إن ظهور شخصهم يكفي، لكونه يُطل ق، رمزيًا، النَعرة، فينشأ عنها التذامر وتعلو فورًا معه

شعارات الاستماتة. نظرًا إلى هذا الاستنفار العصباني، تتراجع حرية الأفراد السياسية ولا تعود الدولة الحديثة، بمفهومها

الغربي والمواطني، قادرة على التحقق. وهنا نعود إلى ملاحظة ابن خلدون الذي أشار بنباهته المعهودة إلى «أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب، قل أن تستحكم فيها دولة». صحيح أن الدولة موجودة في البلدان العربية المعاصرة، غير أنها مبنية على خلفية مجتمعات عصبانية مقيدة، لا على أساس مجتمعات سياسية حرة؛ فالحياة السياسية مبنية على دساتير ملغومة، يتحول الطعن فيها، عندما يحصل، إلى حروب أهلية مباشرة. لماذا يا تُرى؟ لأن العصبية، بكل بساطة، لا تقبل بمبدأ التكامل (Integration) مع الآخر. لذا، لنتوقف عند هذا المفهوم الاجتماعي والسياسي، الغربي المنشأ أيضًا، الذي لا استعداد لدينا للتعامل معه موضوعيًا

نظرًا إلى مخاطره الاستراتيجية على بُنانا المعرفية الموروثة، ضمن مقاربة منهجية نقدية مقارنة.

محدودية الاندماج السياسي واستحالة التكامل الحر

لكل مجتمع مفاهيمه المرتبطة ببُناه المعرفية العامة. لذلك، يختلف معنى المفاهيم بين ثقافة وأخرى؛

فحقوق الإنسان، على سبيل المثال، لا تعني الشيء نفسه عند جميع شعوب الأرض، وكذلك الدولة. من هنا يجيء أحيانًا نقل مصطلح من لغة إلى لغة، أي من ثقافة إلى ثقافة، معبّرًا جدًا عمّا يكتنف

هذه اللغة وهذه الثقافة من معان. فمفهوم الاندماج هو الترجمة الشائعة لمفهوم Integration الذي تستخدمه السوسيولوجيا الغربية منذ قرن ونيف. عندما نؤصّل هذا المفهوم تأصيلً لغويًا في اللغات الغربية المعتمدة اليوم، نرى أنه مبني على فعل

Integrare الذي يعني، باللاتينية، استَكْملَ، أي إن مصطلحIntegration يعني، في الأصل، التكامل،

وإعادة الجزء إلى الكل باعتباره جزءًا لا يتجزأ منه. واستخدم إميل دوركهايم هذا المفهوم في كتابه

Suicide Le (الانتحار)، الصادر سنة 1897، لدراسة الحركة الخاصة ضمن المسار الاجتماعي العام. فالحالة الاجتماعية الخاصة خاصة وعامة في آن، بمعنى أنها جزء من الكل الاجتماعي، حتى في تعارضها معه.

(((ابن خلدون، ص.164

أشار دوركهايم أيضًا، في هذا الصدد، إلى «أن الانتحار يختلف، عكسيًا، بنسبة اخت ف تكامل

الجماعات التي ينتمي إليها الفرد»، واضعًا ظاهرة الانتحار ضمن منطق الجماعة لا خارجه. أما في اللغة العربية، فتُرج مَ هذا المصطلح بالاندماج، من فِعل دمجَ الذي يعني أُدخِلَ في الشيء

واستحك.َم لماذا يا تُرى هذا الخطأ غير المقصود، لكن المعبّر، في الترجمة؟ لأن مَن نقل المعنى إلى العربية انطلق من معطيات الفضاء المعرفي العربي الذي يفضّ، ل

ضمنًا، عدم اعتبار الكل وحدةً قابلة للتجزئة، فيأتي الاندماج هنا كدخول خارجي في الشيء، لا كجزء أصيل منه، كما في المفهوم الغربي. يأتي كعنصر براني ودخيل، حيث تغدو عملية الدمج عملية مصطنعة. في طويّة إدراكنا لا نرغب في التكامل، ولا نحبه، ذلك أن الأصالة ونماذجها العصبانية الموروثة

القائمة بذاتها ولذاتها، والموزعة إلى وحدات مستقلة ومغلقة، تبدوان لنا كافيتين ولا تحتاجان إلى إضافات. فما هو سواها نحاول أن ندمجه دمجًا برانيًا فيها، من دون المساس بجوهرها،

الكلي والمغلق. لذلك، سنستعين بلغة الرياضيات للتعبير عمّا هو مقصود بالاندماج السياسي في العالم العربي

المعاصر، مقارنةً بما يقصده الغربيون بالتكامل في عوالمهم غير العصبانية. فلو اعتبرنا أن مكونات الاخت ف السياسي والاجتماعي هي عمومًا اثنتان: (ab() و)، فسيتبين لنا أن تعارضها يتجلى على

النحو الخُماسي الآتي: 1 رفض الاندماج والقطيعة b ≠ a + b = a

a + b = a ≠ bرفض الاندماج والقطيعة1
a + b = a
a + b = b
االإدماج القَسري2اإ
a + b = a + bالاندماج السلمي
a + b = abاألتكامل المواطني4
a + b = cالتكامل الأممي5

رفض الاندماج (a + b = a ≠ b)

هذه المعادلة هي معادلة الحرب الأهلية، حيث يتخاصم طرفان بقوة الس ح، حتى يظفر أحدهما بالآخر، أو حتى يُعاد ترتيب ميزان القوى على نحو جديد. وخبِرنا هذا النموذج في العالم العربي

خلال صراعين داميين وحربين داخليتين في لبنان والصومال، وهو حاليًا ساري المفعول في سورية.

(6) Emile Durkheim, Le Suicide: Etude de sociologie , 5ème éd (Paris: Presses universitaires de France, 1976), 223.

كانت الحرب اللبنانية (1975 – 1989) حربًا أهلية تنابذ خلالها الطرفان اللذان تتشكل منهما البلاد

تنابذًا سياسيًا كليًا وتخاصما تخاصمًا نضاليًا؛ فبعد توزع الب داا بين كتلتين سياسيتين واجتماعيتين

متعارضتين، شهر كل فريق تصورًا للبلاد مختلفًا عن تصور الطرف الآخر، ورسم لنفسه مصيرًا خاصًا

به لا يأخذ في الحسبان العنصر الآخر في المعادلة. رفضُ الاندماج بالآخر، لا بل الإصرار على القطيعة المتعددة الأشكال معه، خصوصًا خ لاا مرحلة

حرب السنتين (1975 - 1976)، شكّلا السمة الغالبة على علاقة المكونات الاجتماعية للوطن الواحد.

واعتمد هذا التنابذ المسلح على شعارات سياسية كثيرة، لكنه ع يش، على مستوى الحياة اليومية والعملية، على أساس صدام عصبيات اجتماعية – دينية، كانت تقاطع وترفض الحوار مع الطرف الآخر بلغة غير لغة السلاح. أمّا الحرب الأهلية الصومالية، فتلَت فرار محمد سياد بري من العاصمة مقديشو في 27 أيار/مايو 1991

ودخول مقاتلي حركة مؤتمر الصومال الموحد إليها والاستي ءاا على السلطة. وبعد ذلك التاريخ، توقفت نهائيًا الخدمات العامة في البلاد، وتداعت تدريجيًا الدولة، وتفتتت السلطة، وسيطرت الحركة

القومية على شمال البلاد والجيش الوطني الصومالي على وسطها وحركة مؤتمر الصومال الموحد على الجنوب والعاصمة. في الواقع، وعلى الرغم من التغليف الأيديولوجي للخطاب السياسي، كانت العشائر الصومالية الكبرى تصفّي حسابها آنذاك مع عشيرة الماريجان، عشيرة سياد بري الذي كان يعتلي سدة الحكم على نحو دكتاتوري. وعاد بعد ذاك كل عنصر إلى عشيرته، وزالت الدولة ومؤسساتها من حياة الناس؛ فالموظف عاد بطاولته وأغراضه إلى موطن عشيرته، والجندي والضابط عاد بسلاحه إلى أهله، فغدت بعدها البلاد مسلحة كلها وموزعة بين ثماني عشائر أساسية، أبرزها الأسحق في الشمال والأوغادين في الجنوب والهوية في الوسط. العصبية القبلية هي التي أذكت رفض الاندماج في الصومال، الأمر الذي أعاد الأفراد إلى وحداتهم الأم (العشائر)، بينما أدت العصبية الدينية في الحالة اللبنانية دور كاسر اللُّحمة الوطنية. هاتان العصبيتان جديرتان في كل لحظة حتى اليوم بتعطيل حالات الاندماج على امتداد العالم العربي المعاصر، علمًا أن قاسمهما المشترك هو الانقضاض على الدولة والاستئثار بصلاحياتها. الإدماج القسري (a + b = a ; a + b = b) هو شكل الاندماج الذي لا يتحارب فيه مكون أساسي من مكونات الب داا مع المكون الآخر، بلغة السلاح، بل يكتفي بالسيطرة عليه، على قاعدة الغُلب الخلدونية، من منطلق التفوق العددي. فيلجأ الطرف الأقوى في المعادلة إلى احتواء الطرف الأضعف فيها قسريًا، حيث يتحول هذا الأخير إلى

مواطن من الدرجة الثانية.

الأمثلة على اعتماد هذا الشكل من الدمج في الشرق الأوسط كثيرة جدًا؛ ففي العربية السعودية، يخضع الشيعة لمتوجبات هذه المعادلة التي تبتلع حقهم في السلطة كونهم أقلية، كما يخضع السنّة في إيران لمعادلة مشابهة تجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، ولا يُقام لهم وزن في القرار السياسي

العام، فيغدو حضور كل مكون تابع هامشيًا في حياة الب داا السياسية. وبما أن السياسي هو منبع

الجاه الأول، بحسب ما حدده ابن خلدون، يصبح بعدها حضور هذه الأقلية هامشيًا على المستوى

الاقتصادي والثقافي والإعلامي العام. كذلك هي الحال بالنسبة إلى الأقباط في مصر الذين تحويهم قسريًا الكتلة المسلمة الأكبر، فيغدون

مواطنين من درجة ثانية تُمنَع عنهم ما يُمنَح امتيازًا لأفراد المكون الاجتماعي الآخر في المعادلة

الوطنية العامة، حيث لا يكون المواطنون متساوين فعلً. والأمر مشابه أيضًا في معادلة سورية الأسد، حيث العلويون المكون الأقلي المهيمن على مكون سنّي أكثري. في أحيان أخرى، تمارَس في بلدان شمال أفريقيا هذه المعادلة على أساس إثني، فيتميّز العربي الأصل

في حقوقه عن القبلي الأصل.)Kabyle(ميزة هذا الشكل من الاندماج أن طرفًا يفرضه على طرف آخر، من دون وجه قانوني سوى وجه العصبية الأقوى القادرة على تدمير العنصر الأضعف في المعادلة إن تجرأ على التمرد. الدولة موجودة في هذا النموذج، لكن دورها يقتصر على تطويب قاعدة الغُلب العصبية المعتمدة على مستوى البلاد، الأمر الذي يُبقي الجو الداخلي مشدودًا على الدوام والجمر متوهجًا تحت الرماد. كما

أن لا تضامن فعليًا بين أفراد البلاد الذين يشعر فيهم طرف من الطرفين أن البلاد وطنه، في حين يشعر

الطرف الثاني أن وطنه الحقيقي يقع في مكان آخر، وهو ما يجعل التكامل أمرًا مستحيلً. في المعادلة السابقة (رفض الاندماج)، يعتبر كل مكون من مكونات الب داا نفسه أنه الكل، ويرفض الدخول في شراكة مع الآخر، وهو ما يستجر القطيعة. أمّ ا في هذه المعادلة (الاحتواء القسري)،

فإن أحد المكونين يمحو الآخر ويصادر قراره ومصيره، معتبرًا أنه الكل الأوحد ولا حاجة له بأجزاء،

فهو يحوي ويبتلع ولا يتكامل.

الاندماج السلمي: (a + b = a + b)

هو اندماج اجتماعي وثقافي تمخض عن ارتقاء نسبي في سلم الدمج السياسي. وهو لا يفترض لا رفض الآخر ولا افتراسه، بل يقوم على إيجاد قاعدة توافقية يعيش كل طرف فيها حياته وعمله على قاعدة تنظيماته الخاصة وقواعد ثقافته. وقد بُني النظام اللبناني إلى حد ما على هذه القاعدة

في سنة 1943، ثم أعيد تثبيته غداة الحرب اللبنانية في سنة 1989، في اتفاقية الطائف على القاعدة نفسها، أي إن المجتمع اللبناني الذي فقدَ صوابه خ لاا الحرب الأهلية، بانيًا حياته على قاعدة

رفض الكتلة الأخرى في الب داا، عاد إليه بعدما دفع فاتورة باهظة الثمن على المستويات كافة، فعاد الاندماج المتكافئ إلى لغة الاجتماع والسياسة. إلا أن الجميع يدرك أن هذا النموذج البناء ما زال

هشًا لأنه، في الأساس، حالة وسيطة وانتقالية بين الاندماج بالمعنى العربي للمصطلح ورفض الاندماج المدفونة غرائزه العصبانية تحت الرماد. لذلك، ترتدي التجربة اللبنانية المضطربة طابعًا

اختباريًا، بمعنى أنها تسبر حالات مختلفة من الاندماج، تارةً سلمية وتارةً أخرى درامية، بشكل

تفاعلي وحي. يتفاعل اللبنانيون من دون أي شك، لكن تفاعلهم ينقصه الوعي المشترك، وتنقصهم – بصورة خاصة - الأهداف المشتركة، حيث يتضح أن التكافؤ السلمي اللبناني لا يعدو كونه صيغة دفاعية يلجأ إليها حاليًا جميع الأطراف، على أساس الاكتفاء بالحد الأدنى من الاندماج، ألا وهو العيش السلمي

الساكن؛ فهذه الصيغة الاندماجية لا يمكنها الارتقاء إلى النموذج الأمثل، ذلك إنها مبنية على سلبية في التفاعل وغياب ملحوظ للإبداع. الصيغة اللبنانية الحالية، على تقدمها النسبي، غير خ قة وغير مكتملة الاندماج، حيث إنها قابلة للاهتزاز في أي لحظة؛ ذلك أن عناصرها المكونة فعليًا لا تسعى لولوج مستوى يتجاوز مجرد التجاور

والتعايش العصبيين.

التكامل المواطني: (a + b = ab)

هي معادلة التكامل المتكافئ والشامل الذي يفترض عدم التحفظ عن اعتبار الآخر مساويًا للذات من

ناحية، والدخول معه من ناحية ثانية في شراكة فعلية على المستويات كافة. وميزة هذه المعادلة أنها لا تكتفي بالتعايش السلمي، بل إنها تتخطاه باتجاه العيش المشترك في معانيه وأبعاده كلها. وهي الصيغة التي تبنّتها معظم بلدان أوروبا الغربية منذ أكثر من قرن ونصف قرن، حيث استطاعت أن تستبدل الولاء الديني أو المذهبي الذي كان سائدًا قبل ذاك (والذي كلف مجتمعاتها حروبًا طويلة ومكلفة جدًا، نذكر

منها حرب المئة سنة وحرب الثلاثين سنة) والولاء للملك، بالولاء للوطن والدستور. جاءت هنا المواطنَة باعتبارها أساسًا لتكامل اجتماعي وسياسي جديد ساوى بين جميع عناصر

المعادلة، وأدخلهم شراكة في العيش والعمل والحُكم على حد سواء. إن معادلة التكامل الشامل (Integration Comprehensive) معادلة إرادية ومتقدمة، عملت بجهد على تخطي تجاور العصبيات، كما في المعادلة السابقة، حيث بدا التكافؤ السلمي ساكنًا ومرحليًا

وواهنًا، ذلك أن معادلة التكامل المواطني تتجاوز التعايش، باتجاه العيش الواحد، بكل مندرجاته، أي العيش معًا والعمل معًا والحكم معًا. في صيغة العيش هذه ارتقاء إرادي يخالف سُنّة العصبيات، حيث يصبح القانون أقوى من العصبية،

والولاء للوطن لا لزعيم العصبية، والدولة الدستورية بديل من دولة العصبية، فينتقل المجتمع هنا من طور الاجتماع العصباني إلى طور الاجتماع الوطني. ولا شك في أن العالم العربي المعاصر لا يزال

يشكو عدم تمكّنه من الانتقال من صيَغ الاندماج العصباني الثلاث التي أتينا إلى ذكرها إلى الصيغة

الرابعة المعتمّدة في الغرب منذ أمد طويل نسبيًا، حيث يلاحظ وجيه كوثراني في هذا الصدد أن «غياب

أو تغييب فكرة المواطنة، على مستوى الانتماء إلى دولة ووطن ومجتمع، يؤدي إلى غياب الاندماج الوطني، وبالتالي إلى غياب أو تغييب الثقافة المدنية واستحالة تكون مجتمع مدني». يذهب التضامن الذي تفترضه معادلة التكامل عكس اتجاه العصبيات؛ ذلك أن العصبية رابط نفسي يشد أفراد الجماعة بعضهم إلى بعض، ويعزلهم عن المنتمين إلى عصبية أخرى. لذلك، فالعصبيات تحاربية بالطبيعة ورافضة مبدأ الاندماج مع الآخر، حيث إن كل واحدة منها تقوم بذاتها ولذاتها. بناء عليه، فإن المجتمعات المبنية على الاجتماع العصباني عاجزة موضوعيًا عن تشكيل أوطان نهائية

ودول مستقرة ودائمة، كما هي الحال بالنسبة إلى بعض البلدان العربية الحالية. كما أن هذه الأوطان وهذه الدول غير المتكاملة على المستوى الداخلي، عاجزة أيضًا عن التكامل على المستوى الخارجي. وهنا تكمن تحديدًا معضلة التضامن العربي، المستحيل موضوعيًا في ظل

سيادة العصبيات؛ فالوحدة العربية، على قاعدة معادلات الاندماج الاجتماعي القائمة حاليًا في البلدان

العربية كلها لا تصلح لأن توفر التُربة المواتية للوحدة.

التكامل الأممي: (a + b = c)

هي المعادلة الجديدة والبديلة التي يشتغل عليها بعض الغرب حاليًا، وخصوصًا في البلدان

الاسكندينافية في شمال أوروبا. في هذه الصيغة، يحاول النظام الاجتماعي والسياسي المتكامل

الانتقال من مستوى المواطَنة المحصورة في بلد واحد إلى مستوى المواطَنة الإنسانية والأممية إذا صح التعبير، فالتركيز كل التركيز، يكون على حقوق الإنسان. الواقع أن هذه الصيغة التي ما زالت طوباوية في الوقت الحاضر – تمامًا كما كانت معادلة

التكامل الشامل إبان عصور الملكية والإمبراطورية والقيصرية والبابوية – هي في طور بناء نموذج مثالي نشعر بأننا بعيدون جدًا عنه على المستوى العربي، إلا أنه موجود ويستحق الاحترام والذكر لكونه محاولة إرادية جديدة، نبتت في الغرب، وتحاول أن تتخطى ليس أشكال الاندماج العصبي فحسب، بل أيضًا شكل التكامل الوطني الذي، على شموليته، يبقى محصورًا ضمن جُدر

البلد الواحد.

البديل

يحتاج العالم العربي إلى بنية مفاهيمية جديدة للتمكن من الدخول إلى رحاب الحرية السياسية التي لا تزال خارج دائرة بنيته المعرفية العامة وتطلعاته الاستراتيجية؛ فالذهن العربي لا يفكر في البدائل، بل يكتفي باجترار ماضيه، علمًا أن حال فقدان علاقته بالحريات السياسية، الناجمة عن غياب اعتماده

دولة المواطَنة الحديثة، ليس قدرًا محتومًا؛ فها هي دول آسيا، التقليدية هي أيضًا في الأساس، والقائمة

(((وجيه كوثراني، هويات فائضة، مواطنة منقوصة: في تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيًا (بيروت: دار الطليعة،

2004)، ص.11

على مجتمعات لطالما كانت عصبانية، في الصين واليابان وكوريا وسنغافورة، استيقظت شعوبها وخلعت عنها ما كان يكبّل تفكيرها، فدخلت المعادلة العالمية من الباب الواسع، بعدما كانت، قبل

نصف قرن، من أكثر البلدان تأخرًا على الأرض. البديل مُتاح، ويتمثل في اعتماد دولة المواط نَة الغربية الحديثة، غير أنه يفترض اعتماد شروط مسبقة

pre-requisite() لهذا الخيار الاستراتيجي الأكبر، أبرزها، على المستوى المعرفي، أن تطلَّق العصبية، آكلة الحريات وكابحة التكامل المواطني، طلاقًا بائنًا. فمَن مِن الأشخاص والمجموعات سيجرؤون على اعتماد هذه العملية المكلفة جدًا على غير مستوى؟

ذلك أن دون إع ن الط ق هنا عقبات لا تُعد ولا تُحصى على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، إذ إنه سيشكل زلزالً معرفيًا بكل معنى الكلمة. - أولً، لأن العصبيات في العالم العربي تقوم على بنية ذهنية قبلية وعائلية تضرب جذورها في عمق التاريخ الاجتماعي للمجتمعات العربية؛ فالبنية البطركية، كما أشار إليها هشام شرابي، قديمة جدًا على امتداد شبه الجزيرة العربية. وقد ترافق نموها وانتشارها مع نمو عصبيات جعلت من القبائل والعشائر وحدات قائمة بذاتها ولا رغبة لديها ل عااتراف بدولة سوى دولة المُلك العصبانية، حيث

توزع السلطة بين المكونات القبلية البطركية على نحو لا يزعزعها. لذلك، أقصى ما سمحت العصبيات له بالظهور على امتداد بلدان الشرق الأوسط، ماضيًا وحاضرًا،

هو دول للعصبية، أو دول للمُلك كما يسمّيها ابن خلدون، سقفها ديمومة القبيلة وعصبيتها بأي ثمن.

ولا ضير في أن تكون هذه الديمومة في المُلك على قاعدة الغُلب، ما دام منطق العصبية سيسود سلوك

القبيلة أو العشيرة أو العائلة أو المجموعة الحزبية الظافرة بالسلطة. يمتد الماضي المعرفي إلى الحاضر ويساهم في تشكيله، على نحو ما يشير بيار بورديو الذي أشار إلى «أن الماضي يبقى حاضرًا وفاعلً في الاستعدادات التي سبق له أن أنتجها ». إن الهابيتوس العربي مسكون بالعصبية وآليات تفكيرها وتخطيطها وتنفيذها. وهو يشك ل بالتالي سدًا منيعًا في عمق المسالك وطرائق التفكير، بالنسبة إلى حرية التفكير والتعبير عند الأفراد. وليس من

السهل مغادرة هذا الفضاء الذهني المتجذر في انتماءاته العصبانية بغية الدخول في فضاء الخيارات الحرة لإرادات فردية تأتمر بمنطقها العقلاني، لا بمنطق عصبيات الجماعة، بل إن عملية جراحية كهذه ستعتمد على برامج تربوية نوعية جديدة تتسم بالطابع الاستراتيجي، الطويل الأمد والنفس، بقيادة رجال دولة بالمعنى الحديث للكلمة، يحترمون الثقافة والتراث من دون أن يساوموا على التغيير، على نحو ما قام به لي كوان يو في سنغافورة الحديثة، أي إن ولادة إنسان عربي جديد، في طرائق تفكيره هي التي ستفضي إليه عملية كهذه، عندما تحصل، علمًا أن صعوبة هذا البنيان الجديد تكمن في

(8) Pierre Bourdieu, Méditations pascaliennes , points. Essais, éd. rev. et corr. (Paris: Seuil, 2003), 94.

صعوبة تفكيك البنيان القائم، الشرس في انتمائه العصباني والمستعد للاستماتة قبل تسليم أمره لزمن الحريات الحديث. - أمّا العائق الثانيالمفترض تخطيه قبل بلوغ شواطئ الحرية والتكامل الاجتماعي والسياسي، فيتمثل

في الانتماءات الدينية الموروثة. نقول، بدايةً، إن المشكلة في هذا المضمار لا تكمن في الدين بحد ذاته؛ فالإيمان يرتقي بالإنسان إلى الأعلى، أمّا ما يشد الإنسان إلى الأسفل فهو الغرائز العصبية التي يضيفها المرء إلى إيمانه الديني،

بحيث إن هناك فرقًا كبيرًا بين الدين كإيمان روحاني والدين كعصبية سياسية، علمًا أن المجتمعات

العصبانية هي التي حولت الأديان، شرقًا وغربًا، عن رسائلها الروحانية، واستبدلت الموقف الإيماني

بالانتماء العصباني. ومن المفيد في هذا الموضوع أن نعود مرة جديدة إلى ابن خلدون الذي كتب «أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم». العصبية التي نشأت في رحم القرابة القبلية أضيف إليها، بعد حين، مكون ديني جعلها رابطة دم ودين، بعدما كانت رابطة دم فقط. وبفعل ذلك، اقترن الإيمان باللُحمة القبلية بالإيمان باللُحمة الدينية. وعيشت بعد ذاك العصبية على أنها مزيج من الاثنين، وهو ما قوّاها، لكنه أضعف المكون الروحاني

في الإيمان الذي غدا مستتبعًا للمكون السياسي. وبعد انقسام الأديان، الهندوسي والمسيحي والإس مااي، إلى مذاهب، نشأت عصبية من نوع جديد تقوم على رابطة الدم والدين والمذهب، فقويت نعرتها أكثر بدل أن تضعف، بحيث يمكننا أن نقدم المعادلة الآتية: العصبية = رابطة دم < رابطة دم ودين < رابطة دم ودين ومذهب فكلما صَغُر النطاق الاجتماعي للعصبية، ازدادت هذه الأخيرة حدة وقوة؛ ذلك أن التعبئة العصبية تكبر

على نحو معكوس نسبةً إلى صغر جمهورها، حيث يزداد التماسك والشعور بالخوف من الآخر عند أفراد هذا المجتمع. أمّا كيف نتخلص من هذه العصبيات المركّبة التي تحكمنا؟ وكيف ندخل بعدها

إلى كنف الدولة الحديثة، ومنها إلى رحاب الحرية والتكامل المواطني، فأمر مرهون بما نريده فعلً لمستقبلنا ومستقبل أولادنا. كل ذلك يؤدي بنا إلى نتيجة مفادها استحالة الحريّة في مجتمع العصبيّات؛ فنبتة الحرية، التي هي نبتة

ابتدعها الإنسان، تحتاج إلى تربة مناسبة لها، وتربتها هي جمهورها. هل تَساءَلنا يومًا لماذا أدّى إشهار سقراط مبدأ الحرية إلى محاكمته ومقتله على يد أهله وشعبه،

باسم الديمقراطية؟

(((ابن خلدون، ص.158

الواقع هو أن الحريات الديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مقتنع تمام الاقتناع بمبدأ الديمقراطية كأساس للحياة العامة في الميادين كلها، غير أن المجتمع الذي اعتمد الديمقراطية شعارًا سياسيًا عامًا من دون

أن يتخلّى عن عصبيّاته ليس بمجتمع ديمقراطي حقيقي. وهنا تحديدًا تكمن خصوصية الديمقراطية

في أثينا القديمة، إذ إنها كانت تقوم على قاعدة طبقية من ناحية وقبلية من ناحية أخرى. كانت صالة (Cavea) المسرح الرسمي والأساسي في أثينا الإغريقية، الذي يقع على أحد سفوح تلة الأكروبوليس، مقسمة عشرة أضلع، خمسة إلى اليمين وخمسة إلى اليسار، تمتدّ عموديًا من تحت إلى فوق. ويخصَّص كل ضلع منها (Cuneus) إلى قبيلة من قبائل أثينا العشر، علمًا أن حضور

المسرحيّات كان يُعتبر في حينه واجبًا دينيًا وأخ قاايًا، إضافة إلى أنه كان يضمّ جميع أبناء المدينة،

مداورةً، على مدى عشرة أيام، إبّان الاحتفالات التي كانت تُقام في حرَم معبد ديونيزوس إكرامًا لإله

المدينة، الأمر الذي يعني أن حفظ الحقّ القبلي كان جزءًا من الحياة الثقافية والسياسية والدينية على حدّ سواء. وبالتالي، فإن العصبيّة القبليّة كانت فاعلة في الحياة العامة كما في نظام الحكم... كما في

الديمقراطية الأثينية. من هنا كان مجتمع أثينا مجتمعًا تحكمه العصبيات، في عمق التفكير السياسي، وما كانت الديمقراطية فيه طليقة وكاملة، بل كانت مكبّلة ومشروطة. لذلك، عندما استنفر أعداء سقراط العصبية الأثينية

في مقابل العصبية الإسبارطية اشتعل الشعب في عمق غرائزه ودعا مع قضاته إلى محاكمة سقراط،

فأُلزِم هذا الأخير بشرب السمّ، وأُعدم انطلاقًا من محكمة ديمقراطية وباسم الشعب الأثيني، كما هو

معروف. الدرس المستخلَص من هذا الحدث هو أن الديمقراطية عندما تكون ملغومة وقائمة على تفكير عصباني سرعان ما تفقد ارتباطها بالعقلانية وتغرق فورًا في تجييش الغرائر والاستنفار العصباني،

فتستعدي الخصم وتهدر دمه، فيلسوفًا أكان أم نفرًا عاديًّا من المجتمع الأهلي، في سياق عملية تخوين

شعبي ومُبرم. لماذا يا تُرى؟ ببساطة، لأن المبدأ الديمقراطي مبدأ مبني على التفكير العقلاني الذي ربما يرى أمورًا لا تتناسب مع

مصالح العصبة القبلية، تمامًا كما حصل مع سقراط الذي دعا إلى ملاقاة أهل إسبارطة والكفّ عن محاربتهم، وذلك على قاعدة أن أصل إسبارطة مردّه إلى الشعب اليوناني الواحد، شأنه شأن أصل أثينا. غير أن هذا الكلام العقلاني لم يعجب أصحاب الطروحات المغلقة والعصبانية وغير العقلانية، الذين حرَّضوا الخلفية العصبية في تفكير أهل أثينا ونالوا بعد ذاك من خصمهم سقراط، داعية التفكير

الحرّ الأشهر في التاريخ.

(10) Octave Navarre, Le Théâtre grec: L’Edifice, l’organisation matérielle, les représentations (Paris: Payot, 1925), 248.

يعيدنا هذا إلى أن الحرية، في تجلّياتها كلها، بحاجة إلى تربة مناسبة، وهذه التربة هي التفكير العقلاني. ففي التفكير العقلاني تزدهر الديمقراطية، في حين أن التفكير العصباني يقضي على الحرية ويخنقها في مهدها. وأقصى ما يمكن أن تتيحه العصبية لأهلها هو الحرية الذاتية، في بعض العادات الط رَفية

وغير المضرّة بالعصبة العامة، خصوصًا بحصرية القرار في يد رئاسة القبيلة أو الطائفة أو الإثنية. أمّا ما

لا تتيحه العصبية، فهو الحرية الشخصية التي تختلف ببُعدها الخارجي والسياسي عن الحرية الذاتية. إن الحرية الشخصية هي حرية التفكير والممارسة، وهي المبدأ الذي تقوم عليه ما يُعرف في القانون

الوضعي الغربي بالحريات الخاصة، علمًا أن هذا النمط من الحرية، المفتوح على الخارج، يفتح

الباب أمام القرار العقلاني، نقيض القرار العصباني. ولذلك، فهو ممنوع ومنبوذ من طرائق التفكير والممارسة عند المجتمعات المبنية على قاعدة العصبية. في ظل هذه المعادلة، يستحيل على الحريات العامة والخاصة أن تتحقَّق وأن تتبلور في تربة العصبيات في العالم العربي كما في سواه من العوالم. وأخطر ما توصّلنا إليه حتى اليوم في العالم

العربي المعاصر، كما في الشرق الأوسط ككل، هو هذا الدمج القسري لأفكار الديمقراطية في تربة العصبيات. إن الأنظمة الهجينة كلها لا تسمح بتفتّق الحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية لا مشرقًا ولا مغربًا،

حيث إن جميع الأنظمة السياسية في فضائنا الجيو - سياسي تعتمد العصبيات، مع عصبية غالبة، كقاعدة لنظام الحكم، الأمر الذي يؤدي عمليًا إلى إخضاع الأفكار الوافرة (كالحريات العامة والخاصة

مثلً) والمبنية على مبدأ الديمقراطية، إلى قانون العصبيات، الأقدم والأقوى والأكثر تجذّرًا في طرائق

التفكير والتخطيط والممارسة. إننا واهمون جميعًا منذ أكثر من نصف قرن؛ فنحن لا نسائل صلب الموضوع بل نكتفي بمعالجة

أطرافه. نعيش في أنظمة هجينة نسرع إلى اعتبارها أنظمة توافقية، في حين أنها أنظمة توفيقية ليس إلا، جلّ ما تقوم به هو الالتفاف على الديمقراطية ودمجها رغمًا عنها في وسائل عصباني يؤدي إلى

تذويبها، ف نعود في صدد عيش الحرية الشخصية على قاعدة سياسية مفتوحة، بل عيش حريات ذاتية مجتزئة لا تُقدّم ولا تؤخر، فنبقى في نماذجنا الموروثة، المبنية على قاعدة التفكير العصباني،

ونحرم أنفسنا طوعًا التكاملَ الذي كثيرًا ما تلعثمنا بترجمة مصطلحه عن اللغات الغربية التي تعني به

ما تقول، في حين أننا نعني به ما لا نريد قوله. العصبيات تشرذم المجتمعات العربية، وأقصى ما تبلغه صراعاتنا المستدامة عمليات توافقية وتفاهمات وهدن تطول أو تقصر حتى موعد نشوب استنفار عصباني جديد، حيث إنه يمكننا القول إننا اليوم أحرار في اختيار أشكال صراعاتنا العصبيّة فحسب، وبالتالي غير أحرار في

بناء مستقبل ل جأأيال الطالعة التي، ويا للصدفة الغريبة، تسافر دومًا نحو الغرب هربًا من

ديمقراطيتنا الأثينية.

المصادر والمراجع

العربية

[د. ت.]. 2013. (تاريخ سياسة) بيروت: دار الطليعة،.2004

الأجنبية

References

ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد. مقدمة ابن خلدون. بيروت: دار إحياء التراث العربي، أبو فخر، صقر. أعيان الشام وإعاقة العلمانية في سورية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، كوثراني، وجيه. هويات فائضة، مواطنة منقوصة: في تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيًا.

Bourdieu, Pierre. Méditations pascaliennes. Ed. rev. et corr. Paris: Seuil, 2003. (Points. Essais) Durkheim, Emile. Le Suicide: Etude de sociologie. 5ème éd. Paris: Presses universitaires de France, 1976. Furet, François. Penser la Révolution française. Paris: Gallimard, 1985. (Folio. Histoire; 3) Navarre, Octave. Le Théâtre grec: L’Edifice, l’organisation matérielle, les représentations. Paris: Payot, 1925.