Return to Article Details Market Triumphalism: The Threat of Market Values on Social Values

عنجهية السوق، أو تهديد قيم السوق لقيم المجتمع

Market Triumphalism

طاهر حمدي كنعان

Taher Hamdi Kanaan

الملخّص

تبيّن هذه الورقة جانباً من النتائج الثقافية – الاجتماعية التي ترتبت على ما شهدته العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولا سيما في التسعينات، مما اعتبر الانتصار النهائي للأفكار الاقتصادية الليبرالية المتطرفة التي تؤمن إيماناً عقائدياً بالقدرة الكلية لقوى السوق، وباعتبار تغليب هذه القوى على السياسات والمؤسسات الحاكمة للنشاط الاقتصادي هو منشأ الازدهار والبحبوحة الاقتصادية في الدول المتقدمة اقتصادياً، وهو مفتاح النموّ الاقتصادي السريع في الدول النامية والناشئة، وهو الكفيل بحلّ معظم إن لم يكن جميع المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلدان المأزومة بالمديونية وعجز الموارد. وهذه النزعة القريبة من "الوثنية" في تقديس السوق لم تكتف بالترويج لدور السوق في علاقات إنتاج السلع والخدمات باعتبارها معطيات مستقلة، وإنما جعلت من "السوق" وما يتصل بها من حوافز الكسب المادي عاملاً يتدخل في صميم النشاط الانساني مما لا علاقة له أصلاً بإنتاج السلع والخدمات، وذلك بالهبوط بنشاطات إنسانية اجتماعية في جوهرها من خلال "تسليعها"، أي تحويلها إلى سلع خاضعة لحوافز الكسب المادي، الأمر الذي يخلّ بالطبيعة الأصلية لهذه النشاطات ويحيدها عن مقاصدها الاجتماعية الرفيعة بجعلها موضوعاً لمقايضات تجارية مبتذلة، متعدياً بذلك "الحدود الأخلاقية" لوظيفة السوق. في مقدمة من تصدوا لهذه الظاهرة أستاذ فلسفة الحكم وعلم الاجتماع في جامعة هارفرد: مايكل ساندل Michael Sandel ، مثيراً في كتاباته مسألة "الحدود الأخلاقية" لوظيفة "السوق"، وما يسببه "الطمع في الربح" من عدوان على هذه الحدود، خالصاً إلى أن من الواجب ضبط دور السوق في المجتمع بحيث لا يتاح "لممارسات السوق" أن تنفذ من الحدود الأخلاقية للسوق إلى الفضاءات الاجتماعية خارج هذه الحدود، بما في ذلك الاتجار والكسب الخاص من السلع العامة والمغالاة في وضع حوافز الربح في غير موضعها من النشاط الاجتماعي.

Abstract

consequences of market «triumphalism» associated with neo-liberal ideas that idolize the virtues of market forces and invoke them to intrude into human and social activities in ways that distort and debase the original nature and purposes of such activities by commoditizing and commercializing them,thus transgressing on the moral values that should limit the functions of markets.

الكلمات المفتاحية:
  • المشاكل الاقتصادية
  • الربح
  • النمو الاقتصادي
  • السلع
  • قيم المجتمع
  • سوق
Keywords:
  • Economic Growth
  • Profit
  • Goods
  • Social Values
  • Market

أو تهديد قيمِ السوق قيمَ المجتمع

The Threat of Market Values on Social Values

الانتصار النهائي للأفكار الاقتصادية لليبرالية المتطرفة التي تؤمن إيمانًا عقائديًا بالقدرة الكلية

لقوى السوق، وباعتبار أن تغليب هذه القوى على السياسات والمؤسسات الحاكمة للنشاط الاقتصادي هو منشأ الازدهار والبحبوحة الاقتصادية في الدول المتقدمة اقتصاديًا، وهو أيضًا

مفتاح النمو الاقتصادي السريع في الدول النامية والناشئة، وهو أخيرًا، لا آخرًا، الكفيل بحل

معظم، إن لم يكن جميع المشكلات الاقتصادية التي تعانيها البلدان المأزومة بالمديونية وعجز الموارد. هذه  النزعة القريبة من «الوثنية» في تقديس السوق لم تكتف بالترويج لدور السوق في ع قااات إنتاج السلع والخدمات باعتبارها معطيات مستقلة، وإنما جعلت من «السوق »

أيضا وما يتصل بها من حوافز الكسب المادي عامً يتدخل في صميم النشاط الانساني

ممّا لا علاقة له أصلً بإنتاج السلع والخدمات،  وذلك بالهبوط بأنشطة إنسانية اجتماعية في

جوهرها من خ لاا «تسليعها»، أي تحويلها إلى سلع خاضعة لحوافز الكسب  المادي، إلى مستويات تخلّ بالطبيعة الأصلية لهذه النشاطات وتحيّدها عن مقاصدها الاجتماعية الرفيعة

بجعلها موضوعًا لمقايضات تجارية مبتذلة، متعدية بذلك «الحدود الأخلاقية» لوظيفة السوق.

على مستوى مؤسسات التنمية الدولية، الإقليمية، والوطنية.

Kingdom of Jordan, Kanaan has previously held a number of leading academic and executive positions in Jordan, regional Arab and global institutions.

في مقدمة من تصدوا لهذه الظاهرة أستاذ فلسفة الحكم وعلم الاجتماع في جامعة هارفرد مايكل ساندل (Sandel M.)، الذي أثار في كتاباته مسألة «الحدود الأخ قااية» لوظيفة «السوق»، وما يسببه «الطمع في الربح» من عدوان على هذه الحدود، وخلص إلى أن من الواجب ضبط دور السوق في المجتمع بحيث لا يتاح ل«ممارسات السوق» أن تنفذ من الحدود الأخ قااية للسوق إلى الفضاءات الاجتماعية خارج هذه الحدود، بما في ذلك الاتجار والكسب الخاص من السلع العامة، والمغالاة في وضع حوافز الربح في غير موضعها من النشاط الاجتماعي. يعرض ساندل في كتابه What Money Can’t Buy (ما الذي لا يمكن شراؤه بالمال) ما شهده العالم منذ الثمانينيات وحتى حلول الأزمة المالية العالمية سنة 2008 من طغيان غير مسبوق لقيم السوق في صورة «تسليع» Commoditification)) أو «تتجير» Commercialization)) أشياء وأمور كثيرة خارج صفاتها الأصلية، وذلك بإحالتها إلى سلع خاضعة لآليات السوق من بيع وشراء. يلاحظ ساندل أن حقبة التسعينيات، وخصوصًا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره وانتهاء الحرب الباردة، شهدت

علوّ شأن الفكر المتأثر بقوى السوق إلى مرتبة غير مسبوقة، بسبب نجاح هذه القوى في تنظيم إنتاج

السلع وتوزيعها وتنمية الثروات والرفاه المادي في هذه الحقبة. ونجم عن هذا التطور احت لاا قيم السوق حيزًا أكبر في الحياة الاجتماعية، وحلول الشأن الاقتصادي في مكانة متفوقة على شؤون المجتمع الأخرى. ولم يعد منطق البيع والشراء مقتصرًا على السلع المادية، بل تجاوزها لينفذ إلى

مناح أخرى من الحياة. وفي السنوات السابقة على الأزمة المالية العالمية سنة 2008، بلغ الإيمان بالسوق وبضرورة إزالة الضوابط التنظيمية للنشاط السوقي الذروة التي يمكن أن يطلق عليها صفة «عنجهية السوق» triumphalism) Market). وتعود بواكير هذه الظاهرة إلى سنوات الثمانينيات، حين أعلن كل من دونالد ريغان في الولايات المتحدة ومارغريت ثاتشر في بريطانيا أن الأسواق لا الحكومات هي من يملك مفاتيح الازدهار الاقتصادي والحرية. واستمر تصاعد هذا التوجه في البلدين مع السياسات الليبرالية لكلٍّ من بيل كلينتون وتوني بلير، واعتبار هذه السياسات الوسائل الأولية لتحقيق الخير العام. لكن الأزمة المالية العالمية في سنة 2008 وضعت حدًا لهذه الحقبة من «عنجهية السوق» بأن زرعت الشك في قدرة الأسواق على توزيع المخاطر بكفاءة، وأظهرت أن الانفصام بين سلوكيات السوق من جهة والاعتبارات الاخ قااية من جهة أخرى قد يصل إلى درجة تؤدي إلى نتائج مدمرة. وفْق اجتهاد بعض المحللين، اعتُبر «الجشع» الباعثَ المحوري لعنجهية السوق، وهو الذي يقودها إلى المغامرات غير المسؤولة التي تتسبب في أزمات مالية مماثلة لأزمة سنة 2008. والعلاج هو في ضبط الجشع، والإصرار على إعلاء قيم المسؤولية والأمانة ومتانة الأخلاق والإنصاف في المعاملات،

(((قدم ساندل أفكاره في هذا الموضوع ضمن مشاركته في دورة 2009 ل «محاضرات ريذ» (Lectures Reith) التي تنظمها سنويًا

Michael Sandel, «BBC Reith Lectures 2009, Lecture 1: Markets and Morals.» هيئة الإذاعة البريطانية:

Michael J. Sandel, What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets:ثم عالج الموضوع بالتفصيل في كتابه (London; New York: Allen Lane, 2012).

والعمل على ترجيح الفضائل الشخصية على قيم السوق، ولا سيما في سلوك مديري البنوك وقادة المؤسسات المالية، وعلى تشريع الأنظمة والضوابط التي تمنع نشوء مثل تلك الأزمات. ووفْق رأي آخر، اعتُبر أن حصر أسباب الأزمة بعامل الجشع غير كاف لتفسير الأزمة؛ فما ميز الحقبة التي شهدت الأزمة لم يكن زيادة الجشع بل توسع دور السوق وانتشار القيم السوقية إلى مدى بات يُحْدث في جوانب من الحياة تأثيرات سلبية لا يجوز التغاضي عنها. ولمكافحة هذه التأثيرات، لم

يكن كافيًا أن ننتقد الجشع، بل كان من الضروري إعادة التفكير في دور السوق في المجتمع والحدود

التي يتعين أن يلتزم بها هذا الدور من حيث الاعتبارات الأخ قااية، خصوصًا ما يتعلق منها بالأمور

والأشياء التي لا يجوز أن «تسلّع»، أي أن تحوّل إلى سلع خاضعة للمتاجرة. إن موضوع النقد والاعتراض ليس الدور الإيجابي لدوافع المصلحة الشخصية التي هي في أساس حركة السوق، وإنما ما يُنتقد ويُعترض عليه هو توسّع مفهوم السوق وقيمها إلى مدى يتعدى فضاءات

الحياة الاجتماعية التي تتحكم فيها معايير أخلاقية مختلفة عن قيم السوق، وهذا من أخطر ما حدث في حياتنا المعاصرة، حيث أصبحت آليات السوق تطاول جوانب من هذه الحياة كانت تخضع لقواعد وآليات تقليدية مختلفة كليًا. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها رواج إنشاء المدارس والمستشفيات

والسجون على أسس تجارية ربحية، ومنها خوض الحروب من خ لاا شراء خدمات متعهدين يحترفون تجنيد المقاتلين المرتزقة، ومنها تحويل إجراءات الأمن العام أو بعضها من مسؤوليات أجهزة الدولة إلى خدمات تشتريها الدولة من منشآت القطاع الخاص؛ ففي الولايات المتحدة وبريطانيا مثلً، يبلغ عدد أفراد الحراسات الخاصة أكثر من ضعفي عدد قوات الشرطة. ومن الأمثلة كذلك حملات الدعاية التسويقية التي تقوم بها شركات الأدوية في البلدان الغنية، فإذا كنتَ من مشاهدي الدعايات التجارية التي يعرضها التلفزيون في الولايات المتحدة مثلً، فربما يدخل في روعك نتيجة مشاهدتها أن أخطر مشكلة صحية في العالم ليست الملاريا أو الأوبئة التي تفتك بسكان البلدان الفقيرة، بل هو العجز الجنسي! ومن الأمثلة الحديثة أيضًا على «تسليع» أمور لم يسبق المسّ بحرمتها، استئجار أرحام نساء فقيرات

لإحداث حمل مصطنع لأطفال الأغنياء، ومنها شراء شركات صناعية إعفاءات تتيح لها الاستمرار في تلويث البيئة، ومنها تنظيم الحملات الانتخابية لقاء المال السياسي... إلخ. ولكن، ما الذي يدعو إلى القلق في هذا التوجه نحو مجتمع يُعتبر فيه كل شيء قابل للبيع والشراء؟

هناك سببان: الأولهو أن هذا التوجه هو عامل من عوامل ترسيخ اللامساواة في المجتمع، والثاني هو أنه عامل من عوامل الفساد في المجتمع؛ فالسلع بطبيعتها سلع عامة ويتساوى المواطنون في استحقاقها، كخدمات الأمن والتعليم والصحة ونظافة البيئة، وحين يصبح توفيرها خاضعًا للبيع

والشراء في السوق، تصبح فرص الحصول على الكفاية منها متحيزة للأغنياء دون الفقراء، وهو ما يناقض مبدأ المساواة بين المواطنين.

ولكي تبقى امتيازات الأغنياء محدودة الضرر، يتعين أن تبقى مقتصرة على تمتعهم باقتناء اليخوت والسيارات الفارهة والاستمتاع بالسياحة المترفة. ضمن هذه الحدود يبقى ضرر تلك الامتيازات محدودًا، ولكن حين تتخذ المقدرة المالية وسيلة للاستئثار بالنفوذ السياسي، أو بالخدمات الصحية الجيدة، أو بالسكن في أحياء آمنة غير معرضة لعبث المجرمين، أو بالدراسة في مدارس راقية، يصبح التفاوت في توزيع الدخل والثروة حاسمًا في تحديد كرامة المواطن ودرجة المساواة في

حقوق المواط. نة إن سيادة قيم السوق على غيرها من القيم التي أنتجتها الحضارة الانسانية تقود إلى السماح بالسلوكيات السلبية التي تقدم ذكرها، وتفسّر الضائقة التي عانتها الطبقتان الفقيرة والمتوسطة في العقود الأخيرة.

هذه الضائقة لم تقتصر في أسبابها على توسّع الفروق بين الأغنياء والفقراء، بل زاد في حدتها ازدياد

أهمية حيازة المال مع اشتداد عملية « التسليع» وإخضاع الأشياء والخدمات التي لم تكن من قبل سلعًا

خاصة لآلية البيع والشراء. هذا، ويجيز السببُ الثاني، إلى جانب تعميق اللامساواة الذي يدعو إلى القلق من توجّه المجتمع إلى

توسيع نطاق السوق ليشمل تسليعًا لأمور وأشياء لم تكن تقليديًا ضمن نطاقه، الاتجار بها وإخضاعها

لعملية البيع والشراء، فهو الأثر المفسِد للأشياء الجميلة في الحياة. فقوى السوق، ومن خ لاا عملية البيع والشراء، لا تقوم فقط بإنجاز تبادل للسلع، لكنها مع إنجاز هذا التبادل تكون أيضًا مبعث مؤثرات معنوية في أخ ق المعنيين بالسلع المتبادلة. يتبين ذلك، على سبيل المثال، من ممارسة لجأت إليها بعض المدارس في الولايات المتحدة، وهي دفع مكافآت مالية للت ماايذ لقاء إنجازهم قراءة كتب معيّنة كوسيلة لحثّهم على القراءة.

إن مثل هذه الممارسة لا بد أن تنتج تأثيرًا معنويًا ضارًا، وهو تحويل عملية القراءة من مصدر

رضى ومتعة للقارىء إلى عبء يتقاضى القائم به أجرًا على تحمّله. كذلك نرى أن استئجار

مقاتلين مرتزقة لخوض حروب الوطن قد يحقن دماء المواطنين، ولكنه بالتأكيد يفسد

معنى المواط. نة من الخطأ الجسيم الافتراض أن عملية البيع والشراء في السوق عملية محايدة أخ قاايًا؛ فالواقع

هو أن هذه العملية ذات تأثير قيمي على السلع المتبادلة من خ لااها، إذ إنها ترسّخ قيم السوق

على حساب قيم أخ قااية أخرى قد تكون الأكثر جدارة بالرعاية. صحيح أن ثمة خ فااات بين الناس بشأن ماهية الأمور والأشياء التي يجوز أخ قاايًا أن تشترى بالمال وتلك التي تفسد حين

تكون موضوعًا للمتاجرة، لكن ما يحسم هذه الخ فااات هو التوافق على الإجابة الصحيحة عن سؤال: ما هي القيم الجديرة بأن تسود حياتنا الاجتماعية والمدنية؟ وحين نكون بصدد تقرير أن

شيئًا أو أمرًا معينًا يجوز أن يكون موضوعًا للمتاجرة (البيع أو الشراء) في السوق، فعلينا أول بت

ما إذا كان هذا الشيء أو الأمر يبقى صالحًا حين يجري التعامل معه كسلعة ينشأ عن التعامل بها

كسب أو ربح.

والمثال الصارخ على حالة لا يجوز التعامل معها ضمن آليات السوق هو أفراد الجنس البشري؛ فالتعامل مع الفرد كسلعة تُستخدم ويُتاجَر بها هو حالة العبودية التي بات استنكارها مطلقًا على مستوى العالم. فالفرد كيان يتعين احترامه وصون كرامته بالمطلق، وهو كعضو في مجتمع من المواطنين الأحرار يتمتع بحقوق أساسية أقرتها الحضارة المعاصرة. ومن هذه الحقوق حق المواط نة وحق المشاركة السياسية الذي يعبّر عنه بانتخاب ممثليه. وكما لا يجوز أن يكون المواطن موضوعًا للمتاجرة، كذلك لا يجوز أن

يكون صوته الانتخابي موضوعًا للمتاجرة، حتى لو كان ثمة مرشحون مستعدين لشراء الأصوات بالمال؛ فصوت المواطن كناخب ليس سلعة يملكها ويحق له بيعها لقاء المال، بل هو مسؤولية مدنية وواجب يؤديه لقاء عضويته في المجتمع وكيانه السياسي. وتحويل صوته الانتخابي إلى سلعة هو حط من قدر المواط. نة ويعطي ساندل أمثلة أخرى كثيرة على الممارسات التي يشتبه في تخطيها الحدود الأخلاقية لوظيفة «السوق»، وما يسببه «الطمع في الربح» من عدوان على هذه الحدود، منها الأمثلة التالية:

- الحاجة الطبية لنقل الدم

في كثير من الدول، ومنها بريطانيا، تُلبّى هذه الحاجة عن طريق تبرّع المانحين المدفوعين بالحوافز

الإنسانية، بينما لجأت دول أخرى، ومنها أميركا، إلى «تسليع» الدم البشري، أي التعامل معه كسلعة خاصة

يتم الحصول عليها من خلال الحوافز المالية. ولقد قام عال م الاجتماع ريتشارد تيتموس بدراسة التجربتينِ الأميركية والبريطانية في هذا الشأن، فوجد أن الحالة التي جرى فيها تسليع الدم البشري والسماح بالاتجار به لم تؤدّ إلى الحصول على هذا الدم بكمية أكبر أو نوعية أفضل، بل أدت إلى تعرض إمداداته للنقص وتواتر حوادث الدم الملوث. واستنتج تيتموس أن السبب في ذلك هو بالذات تحويل الدم البشري إلى سلعة تباع وتشترى بدل أن تكون موضوعًا للتبرع الخيري، الأمر الذي دمّر القيم الإنسانية التي يحملها

فعل التبرّع، وأضعف الحوافز الأخلاقية لدى المتبرعين المحتملين، وقلل الاعتماد عليهم في توفير دم

عالي الجودة. من الجدير بالملاحظة في دلالات تجربة تيتموس أنها تُبرز ظاهرة عكسية للظاهرة الاقتصادية، وهي أن تسليع ممارسة التبرع الخيري بالدم والسماح بالاتجار به يقودان إلى تقليص المتاح منه بدل تعظيمه، كون تبنّي التسليع والاتجار بدل التبرع الخيري يشكل طاردًا للاهتمام الأخلاقي والقيم الإنسانية التي يحملها فعل التبرع. ومن أوائل من حلل هذه الظاهرة الاقتصادي البريطاني فرد هيرش الذي دحض فرضية أن قيمة السلعة تبقى هي ذاتها، سواء أتت بواسطة السوق أو بواسطة أخرى كالتبرع الخيري مثً. ويرى هيرش أن علم الاقتصاد في مجراه الرئيسي أهمل «تأثير التسليع» أو «تأثير الاتجار »

(2) Richard M. Titmuss, The Gift Relationship; from Human Blood to Social Policy (New York: Pantheon Books, 1971), 231-232, Cited in: Michael J. Sandel, What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets (New York: Macmillan, 2012).

(Commercialization effect)، بمعنى التأثير الذي يقع على السلعة نتيجة إتاحتها من خلال السوق

التجارية في مقابل إتاحتها بواسطة أخرى كالتبرع الخيري مثلً.

- المحافظة على البيئة

من الأمثلة الصارخة على النتائج السلبية التي تترتب على تسليع أنشطة تقع في صميم الواجبات الأخلاقية التي يتعين الالتزام بها في المجتمعات الوطنية والمجتمع الدولي على السواء، هو ما ينتج من إصرار الولايات المتحدة على تضمين اتفاقية كيوتو للحفاظ على البيئة ترتيبات تجارية تبيح الدول

المتاجرة ب«حقوق التلويث»، فتستطيع الولايات المتحدة مثل أن تنفّذ واجباتها تجاه البيئة العالمية إمّا

بأن تعمل على خفض انبعاث الغازات الملوثة من مصانعها وسياراتها، وإمّا بأن تشتري من دول أخرى

«حقوق التلويث» بإقناع هذه الدول بأن تلتزم مستويات من التلويث تقل عمّا تسمح به المعاهدة؛ «ففي

مقابل إطلاق العنان لسيارات ‹هامر› بإحراق ما شاءت من البنزين، تدفع الولايات المتحدة مقابل ماليًا

لبلد آخر لكي يعمد إلى تحديث مصانعه وجعلها أقل تلويثًا». ويلاحظ ساندل أن هذا التسليع لجهود

المحافظة على البيئة يبخس القيمة الأخلاقية للمحافظة على البيئة بدلً من أن يقوّيها.

- تخصيص بطاقات المشاركة في العروض الثقافية العامة

من الأمثلة كذلك التي توضح التأثير المختلف الذي تتعرض له السلعة، ولا سيما «السلعة العامة»، حين يجري تخصيصها بواسطة آلية السوق في مقابل تخصيصها بواسطة آليات أخرى غير السوق، هو مثال «المسرح العام» أو الحفلات الموسيقية العامة حين يلجأ بعض البلدان إلى إقامة أنشطة في مراكز

ثقافية عامة أو في المنتزهات العامة، تعرض من خلالها أعمال ثقافية كبرى من مسرح وموسيقى، وتباع لحضورها البطاقات بأسعار رخيصة في متناول الجمهور ممّن لديهم الاستعداد للانتظار في صفوف

الدور الطويلة أمام شبابيك بيع البطاقات. يعترض أنصار السوق على هذه الطريقة في تخصيص بطاقات المشاركة في هذه المناسبات، محاججين بأن من الأصح أن يكون لهذه البطاقات أثمان توازن بين العرض والطلب، ويحصل عليها بسهولة ومن دون أن يُنتظر في صفوف أمام الشبابيك من

يملك المال الكافي لدفع أثمانها مهما بلغت. في المقابل، يحاجج المعترضون على استعمال آلية السوق لتقنين المشاركة في مثل هذه المناسبات بأن هذه الآلية تفسد طبيعة المناسبة، كونها مناسبة ذات طابع اجتماعي ثقافي يعتمد نجاحها على كون الجمهور المشارك هو من يتمتع بالرغبة الحقيقية والقابلية على تذوّق الأعمال المعروضة، بغضّ النظر عن إمكاناته المالية أو فقر أو غنى الطبقة التي

ينتمي إليها. وبذلك يصبح الاصطفاف في انتظار الدور وسيلة التخصيص لا آلية السوق. وهناك وسائل أخرى للتخصيص غير آلية السوق وغير الاصطفاف في انتظار الدور، مثل تخصيص مقاعد الجامعات وفق المواهب والمؤهلات، وتخصيص أسرّة المستشفيات وفق إلحاح المرض وخطورته،

وتخصيص واجبات خدمة العلم وفق السن والحالة الاجتماعية، وتخصيص مقاعد المحلّفين في المحاكم بالقرعة... إلخ.، وكلها وسائل للتخصيص وفق مقتضى الموضوع، ولا يجوز أن تستبدلها آلية السوق لمصلحة من يملك المال.

(3) Fred Hirsch, Social Limits to Growth (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1976), 87, 92-93, Cited in: Sandel, What Money Can’t Buy.

- تسويق مباريات «كأس العالم»

لفت النظرَ إلى هذا المثال كاتب هذه السطور في مقال له سنة 2010، حين وجّه الانتقاد الحاد إلى

ربط فرصة مشاهدة مباريات «كأس العالم» التي تجري كل أربع سنوات برسوم مالية باهظة، الأمر الذي اضطر بعض الدول إلى شراء حقوق بث المباريات لإتاحتها لمواطنيها بالمجان، بينما اقتصرت مشاهدة المباريات في دول أخرى على المواطنين المقتدرين ماليًا. ولاحظ المقال أن مباريات كرة القدم بقيت عبر السنين مصدرًا غنيًا للمتعة الشعبية البريئة للأغنياء

والفقراء على السواء، ولذلك احتلت مباريات «كأس العالم» الذروة في بواعث تلك المتعة البريئة. ويضاف إلى متعة المشاهدة المردود الاجتماعي لممارسة النشاط الرياضي الجمعي وما تؤديه من وظيفة تربوية واجتماعية بالغة الفائدة، وهي تعميم قيم وثقافات وترسيخها، منها ثقافة التنافس الإيجابي بين الشبيبة، ومنها ثقافة العمل «بروح الفريق» المتمثّلة في التعاون وتقسيم المهمات بين أعضاء الفريق الواحد الهادف إلى التفوق في أداء معيّن. لهذه الأسباب، يحمل النشاط الرياضي، كما تحمل المشاركة

فيه والإع ماا عنه، كامل صفات «السلع العامة» التي يتم إنتاجها بطلب من المجتمع ككل، ولمنفعة المجتمع ككل، والتي لا يجوز لذلك تقنين إنتاجها وحصر الانتفاع بها في الأفراد أو في الفئات القادرة على دفع مقابل مالي لقاء ذلك الانتفاع، كما لا يجوز لأي مجتمع أن يسمح بجعلها مصدر ارتزاق من خلال احتكار وسائل مشاهدتها والإعلام عنها. على الرغم من ذلك، نجد إدارة مباريات «كأس العالم» («الفيفا»)، تتجاهل تلك الاعتبارات كلها، وتدير مبارياتها العالمية بممارسة احتكارية معيبة تؤدي إلى الإقصاء الشامل للجماهير الفقيرة في العالم، ولا سيما في دول العالم الثالث، عن حقها في ذلك المرفق الدولي العام، وحرمانها من المشاهدة المجانية لمباريات كأس العالم. المدهش أن الحكومات والأفراد يستسلمون لذلك «القضاء» من دون احتجاج، فنجد دولة مثل الدولة

اللبنانية تدفع مبلغًا باهظًا بالنيابة عن شعبها لكي يتاح لجميع مواطنيها الفرصة المتكافئة لمشاهدة المباريات، ونجد دولة مثل كوريا الشمالية تسجل المباراة التي خاضها فريقها لكي تذيعها لاحقًا تعويضًا للشعب الكوري عن مشاهدتها في حينها، ونجد إحدى الفضائيات العربية تتواطأ مع احتكار «الفيفا» فتشتري منها الامتياز الحصري لإذاعة المباريات للمشاهدين العرب، وتبيع الرخصة الفردية

لرؤية المباريات في الأردن مثلً بمئة دولار، أي بما يقارب متوسط الدخل القومي لشهر المباريات

كاملً، وبما يفوق دخل الأسر الأردنية الفقيرة في أشهر عدةُ. حفلت وسائل الإعلام خلال السنة المنصرمة بالأخبار التي تحدثت عن الفساد المالي الرهيب الذي وصم قمة المسؤولين في إدارة «الفيفا»، إلا أن الفساد القيمي الناتج من جعل «كأس العالم» سلعة يرتبط الاستمتاع بها بالمقدرة المالية ما زال لا يحظى بما يستحقه من اهتمام. تقدم الأمثلة التي سبق الاستشهادُ بها أدلة قوية على احتمالات التردّي الأخ قااي والفساد القيمي

اللذين قد تقود إليهما عنجهية السوق واللذين يُختصران في النزوع إلى تحويل «اقتصاد السوق» إلى

(((طاهر حمدي كنعان، «مباريات كأس العالم سلعة عامة لا يجوز احتكارها،» الشروق،.2010/6/30

«مجتمع السوق»، وفي الحثّ على الانشغال السطحي باعتبارات «الكفاءة» بدل التفكير الأعمق في كيفية تقييم الأنشطة الاقتصادية المختلفة؛ فتقييم خدمات الصحة والتعليم والدفاع الوطني والعدالة الجنائية وحماية البيئة، وغيرها، يثير مسائل في السياسة والأخلاق تتعدى التقييم الاقتصادي. ويقتضي بحث هذه المسائل استدعاء الاعتبارات الأخلاقية والثقافية وحتى الروحية لهذه الغاية، وبتّها بالحوار

الديمقراطي القائم على الدراسة القيمية لكل حالة على حدة. يرى ساندل أن من الضرورة بمكان ممارسة الحرص الشديد على المكوّنات التي تسم الحياة بالجمال

وتصونها من التشويه الذي يهدد هذا الجمال من خلال التسليع والعبث بالحدود التي يتعين أن تقيد مجال تأثير آليات السوق. ويشمل هذا الحرص معرفة سبل التقييم الصحيح لكل من الصحة والتعليم والحياة الأسرية ونظافة البيئة والآداب والفنون والواجبات المدنية... إلخ. وهذه المعرفة لسبل التقييم الصحيح لهذه الأمور لا تمتّ إلى علم الاقتصاد بصلة بقدر ما تمتّ إلى علوم الاجتماع والسياسة

والأخ ق. ولم تكن هذه المعرفة متاحة بسهولة خ لاا حقبة «عنجهية السوق»، وهي الحقبة التي سادت فيها نزعة الانزلاق من «اقتصاد السوق» إلى «مجتمع السوق.» ويعرّف ساندل الفرق بين «اقتصاد السوق» و«مجتمع السوق» كالتالي: «اقتصاد السوق» «أداة»، وهي

أداة فعالة ونافعة لأغراض تنظيم النشاط الإنتاجي. و«مجتمع السوق» هو في المقابل طريقة في الحياة تنفذ من خلالها «قيم السوق» إلى جميع مناحي النشاط البشري حتى تصبح الع قااات الاجتماعية

مرآة عاكسة لعلاقات السوق وقيمه. والسؤال هنا هو: هل نريد لقيم المجتمع الانساني أن تنحط إلى مستوى قيم السوق، فتصبح موضوعات يتحكم فيها المال وتخضع لآليات المتاجرة؟