Return to Article Details Intellectuals in Times of Historic Transformations: The Role Conflict and Obstacles Hindering Alternative Formulation

المثقفون في زمن التحولات التاريخية: تصادم الأدوار وعوائق بناء البدائل

Intellectuals in Times of Historic Transformations

زكرياء السرتي

Zakaria Esserti

الملخّص

تقدم هذه الورقة البحثية الإشكاليات المرتبطة بأدوار المثقفين في ثورات الربيع العربي والمراحل الانتقالية، ومدى مساهمتهم النقدية أو المحافظة أو الدعائية أو الوعظية في صوغ الموقف منها أو الانخراط فيها، وكذا تدبير نتائجها وإفرازاتها ومخاطرها.وفي سياق متابعة أدوار المثقفين المختلفة، تطرح الورقة مجموعة من الملاحظات والمقترحات بشأن عناوين التعدد والتصادم والالتباس، مع التمهيد لكيفية ترشيد الدور النقدي، سواء أكان محافظًا أم ثوريًا، عبر استحضار العوائق والتحديات التي تعترضه، ولا سيما في المراحل الانتقالية التي تعقب الثورات، واقتراح معالم ومداخل إجرائية تنقذ من التصادم العقيم وغير العقلاني بين الأدوار، منها تجاوز العنف نحو التفاهم والتعايش، وتوطيد الحوار المجتمعي، وإبرام الميثاق الثقافي .

Abstract

Abstract: This paper examines the role of intellectuals during and after the Arab Spring revolutions and transitional periods, and their critical, conservative, propagandist, or preachy contribution in forming the stance towards or engagement in it, as well as managing its consequences and dangers. Pursuing the different roles of intellectuals, the present paper offers some insights and propositions regarding tropes, like pluralism, clash and ambiguity, paving the way towards rationalizing the critical role, especially in post-revolutions transitional periods.

الكلمات المفتاحية:
  • المراحل الانتقالية
  • التحولات التاريخية
  • المثقف
Keywords:
  • Intellectual
  • Transitional Periods
  • Historical Transformations

تصادم الأدوار وعوائق بناء البدائل

Role Conflict and Obstacles Hindering Formation of Alternatives

مقدمة

أفرزت الثورات العربية التي اندرجت تحت اسم «الربيع العربي» جملة من المآزق الإبستيمولوجية والمنهجية التي فرضت على الباحثين والأكاديميين أن يعيدوا صوغ قضاياها وإشكالياتها في اتجاه فهم واستيعاب التغيرات التي طاولت صيغ الفعل الثقافي والاجتماعي والسياسي، ووسائل التأثير، وأنواع الفئات والشرائح المنخرطة في الحراك الثوري. وبعد مرور ما يفوق الأربع سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي، واتخاذها مسارات مختلفة إلى حد التناقض، تجدد النظر في فهم الوظائف والأدوار التي يؤديها المثقفون في مثل هذه المراحل الخطِرة التي تعقب الثورات؛ إذ تتصادم الإرادات السياسية وتتنوع مداخل تدبير الانتقال نحو النظام الديمقراطي التعددي الذي يلبي طموحات الثورة وتطلعات الشعب إيجابًا نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والتنمية والأمن والسيادة الشعبية، وسلبًا نحو التخلص من الاستبداد والفساد وأنواع السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية على المجتمع. كان من مخرجات تلك «الهزة» المعرفية أن أعيد طرح إشكال الوظائف والأدوار التي اضطلع – ويتعين أن يضطلع - بها المثقفون في ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية، ومدى مساهمتهم النقدية أو المحافظة أو الدعائية أو الوعظية في صوغ الموقف منها أو الانخراط فيها، وكذا تدبير نتائجها وإفرازاتها ومخاطرها، أو بعبارة أخرى معالجة إشكالات المرحلة الانتقالية واستشراف صيغ التعايش والتفاهم والاستقرار. والملاحظ أن تلك الوظائف والأدوار تتسم – كالمعتاد في المنعطفات التاريخية والأزمات السياسية التي اجتازتها الأمم والشعوب - بالتنوع الشديد إلى حد التناقض، فيقف المتتبع عند مواقف صنف من المثقفين «المحافظين» الذين اصطفوا إلى جانب الأنظمة السياسية وأجهزتها الأمنية في أثناء نشوب الثورات (كما في تونس ومصر)، والاحتجاجات العربية (التي لم ترق إلى مستوى الثورة كما هو شأن الاحتجاجات في المغرب والبحرين)، بدعوى المحافظة على «النظام» و«الاستقرار» و«الأمن». ويقف المتتبع أيضًا عند مواقف صنف آخر من المثقفين الذين تلكأوا في الالتحاق بأولى خطوات الثورة لكن سرعان ما انخرطوا في فعلها المتصاعد يومًا بعد يوم، على أن تباطؤهم لم يكن بالضرورة ناجمًا عن خوف من عنف السلطة السياسية وبطش أجهزتها الأمنية، أو عن احتمال فقد الامتيازات والمصالح المربوطة بها، وإنما كان ربما ناتجًا لدى بعضهم من خروج الثورات عن التمثلات والتصورات التي راودته طوال عقود، وكان هؤلاء هم أصحاب موقف نقدي من واقع مجتمعاتهم الاجتماعي والسياسي. إن سعي المثقفين لتأكيد وظائفهم التقليدية المتمثلة في تقديم تمثلاتهم إلى الجمهور والسلطة بشأن القيم الدينية والأخلاقية، وقضايا الوحدة والعلمانية والتنمية والحداثة والمواطنة، وفي «قيادة» الجماهير إلى الكيفيات العملية الفعالة لإصلاح أو الثورة... كل هذا لم يعد كافيًا بعد أن برز إلى السطح ما لم يكن في حسبانهم: ثورات فعلية – وليست متخيَّلة - يقودها شباب متعلم لا يستعمل الأدوات التقليدية في التعبئة والحشد والتأطير، بل يستعمل شبكات التواصل الاجتماعي، والتكنولوجيا الحديثة المتطورة جدًا، ويطيح في أسابيع أنظمةً مستبدة عمّرت طويلً في تاريخنا الحديث.

هكذا برزت مجددًا مساءلة حقيقية، خصوصية وعمومية، لأدوار المثقفين وقدراتهم وكفاءاتهم في مضمار مواكبة التحولات المتسارعة، أو لنقُل التطلع إلى استعادة زمام تدبير حركة الجماهير وقيادتها، ومغالبة الميول والنزعات الاستبدادية المتجددة من بين حطام معارك المرحلة الانتقالية. كان لزامًا علينا، ضمن هذه الورقة البحثية، أن نواجه جملة إشكاليات تتصل بالتصادم الملحوظ بين أدوار المثقفين في أتون المراحل الانتقالية التي تتلو الثورات والمنعطفات التاريخية الصعبة، مثلما هي حال بلدان الربيع العربي. وتتصل أيضًا بالآثار والمخرجات المترتبة على ذلك التنوع والتصادم والالتباس، إن على صعيد مسار تحقيق مبادئ وشعارات الثورة، أو على صعيد الهزات الارتدادية التي أصابت الاجتماع السياسي والمدني في بعض الأقطار - مصر واليمن وليبيا - فأدت إلى ميول واضحة نحو استرجاع السلطة المستبدة وهيبة العسكر وحمى الطائفة والقبيلة. كما انطوت تلك الإشكاليات على أسئلة مقلقة من قبيل: • ما هي الإمكانات التي كشف عنها المثقفون في بلدان الربيع العربي لترسيخ الدور النقدي في اتجاه بناء البدائل الممكنة وتجاوز عوائق المرحلة الانتقالية؟ • ما الذي نستطيع تصوره من معالم ومحددات: المثقف بين الدور المنوط به بوصفه «مثقفًا» والموقف المدني والسياسي بوصفه «مواطنًا»؟ في هذا السياق، اهتمت ورقتنا البحثية بالاستدلال على صدقية فرضيتنا القائلة إن تصادم أدوار المثقفين في زمن التحولات التاريخية، وما يحيط بها من التباس واضطراب، هو عنصر رئيسي في عملية إعاقة التحولات نفسها، وإضعاف حظوظ التدبير الأمثل للمراحل الانتقالية. وانطلقت فرضيتنا من طبيعة الدور المعرفي والعمومي الذي يميز المثقفين من غيرهم، فيمنحهم فضائل ومزايا كثيرة، من جملتها الاقتدار على خوض لجج الاستشراف والتوقع والتبرير والتسويغ. وكذا الاقتدار على «الاختراق المعرفي والمنهجي» للواقع ومعطياته باتجاه بناء البدائل المستقبلية الممكنة لتدبير مراحل الانتقال التي تتسم عادة بالاضطراب والغموض والمفاجآت. إن المنطلقات التي أسست فرضيتنا في هذا المسار البحثي لا يمكن تصنيفها بأي حال من الأحوال ضمن المسلّمات التي لا يستدل على صحتها، كما لا يمكن التخلي عن مسؤولية النظر في مدى مطابقتها لحقائق الواقع الثوري التي ألهمت المثقفين اجتراح مقاربات وتبرير مواقف ليس أقلها ممارسة النقد الذاتي بمرارة وقساوة بالغين. من هنا، وجدنا من المفيد إثارة جملة من القضايا والمواقف التي باتت تقليدية في الإنتاج الفكري والثقافي الذي راكمته مدارس واتجاهات متنوعة، ليس لكوننا نسعى إلى التذكير بها وإنما لأن معالجة أدوار المثقفين في زمن التحولات التاريخية تقتضي فحص المقولات والتصورات التي تداولها المثقفون والفلاسفة والباحثون والمنشغلون بأثر الإنتاج الفكري والنظري في حركية الأمم عامة، وشعوبنا العربية خاصة. بناء على ما سلف، كان لزامًا علينا أن نجترح مقاربة تحليلية نقدية لقضايا وتصورات مترابطة، مثل قضية المثقف بين التعريف والتصنيف، وقضية محددات العلاقة التي تجمع بين المثقف والسلطة،

ومسألة الدور العمومي للمثقف، وقضية العلاقة الملتبسة بين الثقافي والسياسي. كما اخترنا أن تقوم مقاربتنا البحثية لأدوار المثقفين على تصور منهجي يجمع بين مستويين متكاملين ضمن مسار البحث: أحدهما مستوى المنهج التحليلي الذي يرتكز على دراسة الإشكالات الرئيسية عبر اعتماد طرائق التفكيك والاستنباط والتقييم: تفكيك المقولات والتصورات، واستنباط أوجه التشابه، وتقييم الأدوار والوظائف، والآخر هو مستوى المنهج المقارن، لأنه منهج يفتح أمامنا إمكانات رصد الأدوار التي دافع عنها المثقفون، سواء في مرحلة «إنجاز» الثورة أو في المرحلة الانتقالية في دول الربيع العربي. كما أن المقارنة بين مواقف المثقفين لن تكون محصورة في تجارب دول الربيع العربي، بل ستمتد الدراسة – بحسب الحاجة - لتشمل وضعية المثقفين وأدوارهم في بلدان أخرى مرت بمراحل انتقالية. بناء عليه، اخترنا أن نجعل هذه الورقة البحثية مقسمة إلى مبحثين وخاتمة.

الثورة والمثقف.. تفكير متجدد

في الأبعاد الثقافية للثورات العربية

كانت الثورات العربية التي انطلقت من بلدان عربية مثل تونس ومصر وليبيا، بمثابة الضوء الكاشف للمفارقات المؤلمة الكامنة في المقارنة بين حيوية الشرائح الشابة المتعلمة واندفاعها نحو شوارع الثورة والاحتجاج على الاستبداد والفساد، وذهول المثقفين وعجزهم عن استيعاب المفاجأة، وهو ما أبرز إلى السطح عناوين الضعف والتهميش والتأكّل التي صارت ملازمة لمصطلح «مثقف» ولحقل «الثقافة». ولم تكن أهمية الثورات والاحتجاجات الشعبية متجلية في كشف تلك العناوين المعروفة من قبل، بل في وضعها موضع مساءلة حقيقية في أفق استثمار إمكانات منعطف تاريخي نادر؛ ذلك أن هذه الثورات شك - بحسب بعض الباحثين -ّلت منعطفًا تاريخيًا هائلً ومماثلً لمنعطف سنة 1967، حيث إن المنعطفين أنتجا معًا حركة نقد ذاتي وتفكير في الذات وفي الأحداث. وبين سنتي 1967 و 0112، أعطى المفكرون النقديون العرب تشخيصًا لأزمة والشقاء. ففي سنة 1967 تشخيص الهزيمة وتغييب الشعب، وفي سنة 011 2 يعود الشعب ويحتل الحيز العام1. لم تكن ثورات الربيع العربي سوى منعطف تاريخي جديد ومغاير؛ إذ بددت وقائع الثورتين التونسية والمصرية ونتائجهما في البلدين، وفي مجموع الوطن العربي، جملة واسعة من اليقينيات والفرضيات في الوعي السياسي العربي، سواء لدى النخب الثقافية والسياسية المرتبطة بأنظمة الحكم، أو لدى النخب المرتبطة بالمعارضات، بمقدار ما كشفت عن حدوده الاستكشافية المتواضعة في رؤية ما تحت سطح الواقع المرئي من قوى وعلاقات وإمكانات مضمرة لا تتبين إلا للتحليل الثاقب الرصين2. وكان من جملة النقاش الذي أثارته إفرازات الثورة في بلدان الربيع العربي، أن تجدد البحث في «معقولية» عجز المثقف عن التوقع والاستشراف، فاختلفت وجهات النظر بين القبول والرفض،

  1. إليزابيث ﺳﻮزان ﻛﺴﺎب، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي: تحليل أداء»، المستقبل العربي، السنة 36، العدد 415 (أيلول/ سبتمبر 0132)، ص.123
  2. عبد الإله بلقزيز، ثورات وخيبات: في التغيير الذي لم يكتمل، تقديم محمد الحبيب طالب (بيروت: منتدى المعارف، 0122)، ص.116

وبين الاعتذار والتبرير بالنظر إلى المفاجآت التي ظل الواقع الموضوعي يختزنها. هكذا ذهب بعض الباحثين إلى أنه «ليس يضيرنا في شيء أننا لم نتوقع حصول ثورة في تونس ومصر، وليس العجز عن ذلك مما يقدح في عقل النخب المثقفة والسياسية العربية؛ ذلك أن القدرة على الاستشراف والتوقع – وإن ارتفع معدلها بتدخل عوامل القياس العلمي – لا تطابق دائمًا احتمالات الواقع الموضوعي ومفاجآته غير القابلة، دائمًا، للقياس والتكميم»3. وفق هذه الرؤية، جرى تأكيد أن الذهول والمفاجأة والعجز الفادح في التوقع، كانت مساحة مشتركة بين النظم الحاكمة وأجهزتها الأمنية والاستخبارية من جهة، والأحزاب والنخب ومراكز الدراسات الأكاديمية من جهة أخرى، «لكن اللبيب يدرك حجم الفارق بين عجز المجتمع وعجز السلطة في توقع الأحداث. فبينما تملك السلطة المعلومات ومصادر المعلومات، ويفرض عليها موقعها السياسي تحري الدقة في كل شأن يتصل بالسياسة والشأن العام، لا يوجد في حوزة المجتمع المدني ومؤسساته ومثقفيه غير النزر اليسير من المعلومات، والكثير الكثير من الفرضيات التي قد تصدُق أو لا تصدُق»4. ولأن من غير الممكن – بحسب عزمي بشارة - توقع الثورات الشعبية العفوية بحكم تعريفها، فإن الباحث لم يبخس المثقفين العرب جهودهم؛ إذ إن عددًا منهم شخّص حالة الانسداد، كما شخّص سؤال المرحلة المقبلة على أنه سؤال طبيعة الأنظمة، وأن لا بد من طرح مسألة نظام الحكم، ويفضَّل بالإص ح، وإن استحال الإص ح فبالثورة. على أن موقف بشارة قائم على الانتباه إلى كون نزعة تقزيم دور المثقفين العرب قبل الثورات هي نزعة مغرضة وذات أهداف سياسية شعبوية تخدم حركات سياسية فاجأتها الثورات، لكنها سارعت إلى الانضمام إليها وحصد نتائجها، مقزمة دور المثقفين الذين انتقدوا الأوضاع السابقة، ويمكنهم أن ينتقدوا هذه الحركات أيضًا5. ورفضًا لتلك النزعة المغرضة أيضًا، أكد بشارة أنه «ليس صحيحًا أن الثورات العربية قامت من دون مثقفين. ولكن مشكلة المثقف الثوري أن لديه صورة مسبقة عن كيف يجب أن تبدو الثورة»6. إن مساهمة المثقفين في ثورات الربيع العربي ما عادت خافية، إن على مستوى شعاراتها ومبادئها7، أو على مستوى المشاركة الميدانية إلى جانب شباب الثورة. لكن يبدو أن عمق الإشكالات الأمنية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي برزت من رحم الثورات نفسها، لم يزد وضعية المثقفين إلا ارتباكًا واضطرابًا، ولم تتغير مظاهر أزمتهم الثقافية؛ فبالرجوع إلى مرحلة ما قبل الثورات، يشار سريعًا إلى علامتين فارقتين على تضخم تلك الأزمة الثقافية: أُولاهما أن الثقافة العربية باتت ساحة مفتوحة لحرب أهلية فكرية طاحنة بين تيارات تسربلت بجميع أنواع العتاد القتالي الأيديولوجي، على نحو

  1. المرجع نفسه، ص.64
  2. المرجع نفسه، ص.65
  3. عزمي بشارة، «عن المثقف والثورة»، تبين، السنة 1، العدد 4 (ربيع 0132)، ص.140
  4. المرجع نفسه، ص.139
  5. لا يمكن إنكار جهود المثقفين، عبر عقود، في بلورة مبادئ الحرية والكرامة والمساواة والعدالة وترسيخها في الوعي الجمعي للشعوب العربية.

أُهدرت فيه قيم الحوار والتسامح والإصغاء... وثانيتهما تنامي حالة عامة من القلق في أوساط المثقفين جراء الشعور بعجز منظوماتهم عن تقديم إجابات مقْنعة عن المسائل التي يطرحها تطور المجتمع والثقافة8. على أن طائفة من العوائق والتحديات واجهت المثقفين في المجتمعات العربية قبل فترة الحراك الشعبي، أُولاها سيطرة أجهزة الدولة على عملية الإرسال والاستقبال الثقافيين، وثانيتها انهيار الأحزاب السياسية التي شكلت، في فترات سابقة، أداة وصل بين المثقفين والمجتمع، وثالثتها غياب الحوار المجتمعي الذي يسمح بلقاء فئات اجتماعية مختلفة9. قبل فترة الحراك الشعبي، بسطت السلطة السياسية سيطرتها على المجال العمومي، واستعانت ب«مثقفين» لتحقيق الهيمنة الأيديولوجية الكاملة على وعي الجمهور وتطلعات الشعب، واستفادت من بروز فاعلين جدد في مجالات الإع ماا والاتصال شكّلوا أداة جذب مؤثرة في مضمار صناعة الوعي الزائف، ومنافسة للدور التقليدي الذي اعتاد المثقفون الاضطلاع به، فانقلب اطمئنانهم (أي المثقفين) إلى ذلك الدور شكًا وريبة، «غير أن الذي لا مراء فيه أن ذلك الشك (في اطمئنانهم إلى دورهم التقليدي) ينهل من تضافر فعل حقيقتين متلازمتين تضعان مكانة المثقف التقليدية في ميزان المراجعة. أُولاهما التداعي الذي أصاب مركزه في المراتبية الاجتماعية وفي سلم القيم، وثانيتهما تداعي قيمة بضاعته أمام منتجين جدد»10. وكان ذلك التداعي حافزًا مستمرًا على مواصلة نقد المثقف ودوره وأوهامه التي أصابت فاعليته بالشلل والجمود. هكذا وجدنا في صفوف المثقفين أنفسهم من جنّد قدراته الفكرية لكشف تلك الأوهام التي تستوطن الذهن وتعرقل عمل الفكر ونشاط الفهم، وهي: الوهم الثقافي الذي يرتبط بمفهوم النخبة، والوهم الأيديولوجي الذي يرتبط بمفهوم الحرية، والوهم الإناسي الذي يرتبط بمفهوم الهوية، والوهم الماورائي الذي يرتبط بمفهوم المطابقة، والوهم الحداثي الذي يرتبط بمفهوم التنوير11. كما وجدنا في صفوف المثقفين من أعاد «التأكيد على أن ظرفية الأزمة هذه هي أمثل مناسبة لإعادة وعي المثقفين لدورهم كفئة. والقلق المستبد بهم اليوم ليس لحظة ضائعة في سيرتهم الذاتية، بل هو الطاقة التي يحتاجونها لكي ينجزوا التمرين النقدي الضروري لعملهم. على أن الأهم في الموضوع كله، هو أن يتقنوا طرح الأسئلة الحقيقية على أنفسهم، وممارسة الاعتراف بأخطائهم، والقطع مع أوهامهم، توصُّلً إلى بناء دور جديد»12. اللافت أن انفجار الثورات العربية في مطلع سنة 0112 لم ينه أزمة المثقفين وحيرتهم واهتزاز دورهم التقليدي، بل أضاف إليها مجموعة جديدة من القضايا والإشكالات الاجتماعية والأمنية والسياسية،

  1. عبد الإله بلقزيز، نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 0102)، ص.114
  2. فيصل دراج، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.141
  3. 1بلقزيز، نهاية الداعية، ص.117
  4. علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ط 3 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 0042)، ص.27
  5. بلقزيز، نهاية الداعية، ص 11.9

ووضع بين أيديهم تحديات حضارية كبرى، فكان أن ازداد حضور البُعد الثقافي في السياق الثوري الجديد، وما تولد عنه من إفرازات ونتائج خطِرة. أضحى السياق الثوري فرصة سانحة لتجديد النظر في عدد من الأسئلة والإشكاليات المرتبطة بالوظائف والأدوار العاجلة إزاء تحديات تدبير مخاض التحولات التاريخية المرتقبة، وتجديد بناء المفاهيم والتصورات «الصحيحة» وفق الأفق التحرري الذي صاغته شعارات ومبادئ الثورة. وفي معترك المواجهة والتصحيح، ألفينا طائفة من التصورات الخاطئة التي روجها بعض المثقفين إبان اندلاع الثورات، بل حتى في تضاعيف التفاع ت السياسية والاجتماعية والأمنية التي ميزت «المرحلة الانتقالية». كان من جملة التصورات الخاطئة القول بالمقاربة السببية في مضمار فهم حدث الثورة، ذلك أن سقوط النظام السياسي واقتحام المجتمع التونسي مرحلة الانتقال الديمقراطي لم يكونا ناجمين عن جملة الأسباب الموضوعية التي ربما تكون قد أدت إلى ميلاد الثورة، لهذا تظل المقاربة السببية التي تحتفظ ضمنًا بحتميةٍ ما قاصرة عن فهم ما حدث13. كما كان من جملة تلك التصورات الخاطئة تصور الثورة ذاتها بأنها صراع بين الأخيار والأشرار، لأن «من يصنف طرفيها بهذا الشكل يرتكب عدة أخطاء قد تتحول إلى خطايا. فهو يحمّل المظلومين أكثر من طاقتهم، ولا يصبح قادرًا على فهم التجاوزات والأعمال المشينة، ولا حتى الجرائم التي ترتكب خ لاا الثورات، وهذا خطأ. كما أنه لا يصبح متجرئًا على نقدها وإدانتها حين يشخصها، وهذه خطيئة للمثقف العمومي»14. ولا يستطيع المثقف تجاوز ذلك الخطأ إذا لم يميز بين نوعين أو مفهومين للثورة: الثورة البناءة والثورة الهدامة. فالثورة البناءة تتوافق أكثر أو أقل مع التغييرات التي يمكننا أن ننظر إليها باستحسان: الحكومة النيابية والمساواة الاجتماعية والحريات الشخصية والفكرية، في حين أن الثورة الهدامة يمكن أن تكون مسؤولة عن جميع المفاسد: الإرهاب والحروب والدكتاتورية والطغيان15. إلى جانب ذلك الخطأ – الذي تحول فعً إلى خطيئة – برزت أوجه ل ستغ لاا الثقافي للثورات العربية المفاجئة للنخب الثقافية والسياسية، وكانت موضع نقد لاذع لدى بعض المثقفين والأكاديميين الذين أكدوا وجود أشكال معيبة من الاستغلال الثقافي لهذه الانتفاضات بدل الانخراط فيها وتصويب مسارها، والتدقيق في شعاراتها، والدخول في معركة الخروج من هذا الاستبداد السلطوي16. والناتج

  1. مهدي مبروك، «ثورة الكرامة والحرية: قراءة أولية في الخلفيات الاجتماعية والثقافية للثورة التونسية»، في: أمحمد مالكي [وآخرون]، ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات (بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 0122)، ص.179
  2. بشارة، ص.141
  3. Raymond Aron, The Opium of the Intellectuals , Translated by Terence Kilmartin, Norton Library; N106 (New York: W. W. Norton and Co., 1962), p. 7.
  4. أكد مسعود ضاهر وجهًا من الاستغلال الثقافي، لكن لأسف اقتصر نقده على موقف الإسلاميين دون غيرهم. انظر: مسعود ضاهر، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.121-120

هو محورية البُعد الثقافي في حدث الثورة وما نجم عنه من تحديات وإشكالات سياسية ودستورية وأمنية. وقد أبرز كمال عبد اللطيف أن الصور المختلفة التي اتخذتها المعارك الدستورية كشفت حدة المعارك السياسية المطروحة وارتباطها بالبُعد الثقافي. كما أظهرت هشاشة مشهدنا الثقافي، وعسر تمثُّل النخب لأوليات الأفق الحداثي ومقوماته النظرية والتاريخية17. ولعل الانخراط «الفعال والمبدئي» في مخاض المرحلة الانتقالية التالية للثورات، كان سيسهل مهمة المثقفين في المعالجة التشاركية والجماعية لأعراض الإقصاء والتهميش والتفتيت التي ظلت حاضرة في الحياة العامة، وهي أعراض لمرض ثقافي مزمن18. وقد حامت شكوك حول وجود ذلك «الانخراط الفعال والمبدئي» لدى المثقفين في بلدان الربيع العربي، وبالتحديد حول إمكانية الاتفاق على معايير وشروط واضحة ضابطة لتلك المشاركة المبدئية (أو الدور النقدي) في تدبير التحديات الخطِرة للمرحلة الانتقالية. وهذا ما يُلزمنا بالتوجه إلى دراسة وتحليل تعريف المثقف ومهمته ودوره إزاء قضايا المجتمع والتاريخ والسلطة والدولة.

المثقف وجدل التعريف والتصنيف

في هذا المبحث الثاني، نتصدى لبعض القضايا المرتبطة بالتحديدات المفهومية للمثقف كما ترد في ثنايا الجدل الفكري القائم في عصرنا الراهن؛ أُولاها تتمثل في تحدي بناء مرجعية لمفهوم المثقف وما ينطوي عليه من جهود ضرورية للتبيئة، وثانيتها هي محنة البحث عن الجسور الواصلة بين التعاريف المختلفة للمثقف، وثالثتها هي المعايير المعتمدة في تصنيف المثقفين.

التقريب التداولي لمفهوم المثقف أو بناء مرجعية للمفهوم

لا نشك في أن تفاعلات السياق الثوري العربي فرضت علينا مجددًا التصدي لبناء رؤية فكرية واضحة لمفهوم المثقف، الذي عده بعض الدارسين مفهومًا ضبابيًا19، على أساس ممارسة فعل الحفر المعرفي في تاريخ المفاهيم والتصورات التي رافقت نشأته، والتبست بها، فكان أن منحته مشروعية متجددة في كل منعطف تاريخي ضاغط. ولا نشك أيضًا في أن كثيرًا من معالم الارتباك والاضطراب والانقسام المهيمنة على الوضع السياسي والأمني والاجتماعي في البلدان التي عمتها ثورات الربيع العربي، إنما يرجع بشكل جوهري إلى الأبعاد الثقافية للثورة وع قااتها بتحقيق الانتقال نحو مراحل تاريخية أكثر استقرارًا. ومن جملة ما

  1. كمال عبد اللطيف، «ما بعد الثورات العربية: زمن المراجعات الكبرى»، ورقة مقدمة في السنوي الثالث للعلوم الاجتماعية والإنسانية، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، تونس، -2022 آذار/ مارس 0142، ص.19
  2. أشار مهدي مبروك إلى جملة من المحاذير، منها تصدع الوعي الاحتجاجي وانزياحه إلى أيديولوجيا جهوية وعشائرية، والخشية من إنتاج الإقصاء السياسي، والاتجاه باسم الشرعية الثورية إلى إعادة إنتاج منظومات شمولية باسم أيديولوجيا الخلاص.. انظر: مبروك، ص.179-178
  3. 1محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0002)، ص.14

تنطوي عليه تلك الأبعاد، التباين الواضح بين المفاهيم المسندة إلى لفظ «مثقف»، بل حتى استمرار الجدل بين طرفي القبول والرفض للمفهوم والدور. قسم محمد عابد الجابري من قبلُ طوائف مستعملي لفظ «مثقف» إلى ث ثااة أصناف؛ فهناك من يستعملونه عن «علم»، وهُم قلة، ينشدّون إلى مرجعيته الأوروبية ويعطونه معنى من «هناك» في خطابهم العربي. أما الذين يستعملونه عن غير علم، فالغالب أن ما يتصورونه من هذا المفهوم لا يتجاوز حروف ث. ق. ف.، أي الصورة الكتابية والصوتية ل«مثقف». وهناك من «المثقفين» العرب من لا يستعملون هذا المفهوم البتة لكونه لا يرتبط بمرجعيتهم الثقافية ولا يحيل إلى أي شيء منها، وهم أساتذة وخريجو معاهد الدراسات التراثية20. فرض هذا التعدد، في الدلالة والاستعمال، ضرورة الجمع بين مطلبين اثنين: أحدهما البحث في «تاريخية» مفهوم المثقف، والآخر البحث عن بناء مرجعية للمفهوم أو التبيئة الصحيحة للمفهوم بما يضمن له الاندماج في الحقل الثقافي العربي. هكذا أمكن القول إن دلالات المثقف السياسية والأيديولوجية في عصرنا مستمدة لدى كثير من المفكرين من الدور الذي يؤديه المثقفون في حياة المجتمع مثلما تجلى تاريخيًا في قضية درايفوس. كما أن التلازم بين المطلبين سيظل مناط الغوص في دلالات المفهوم الذي اكتسبه لفظ «المثقف» عبر مراحل ومقامات ثقافية وسياسية متنوعة؛ ذلك أن التبيئة تعني ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطًا عضويًا، وذلك ببناء مرجعية له فيه تمنحه المشروعية والسلطة، سلطة المفهوم، في آن واحد. ويتطلب بناء تلك المرجعية في الحقل المنقول إليه الاطلاع على مرجعيته الأصلية، أي على ظروف تشكّلها ومراحل تطورها، لإجراء نوع من «قياس الأشباه والنظائر»، مع الاحتفاظ دومًا ب«الفارق» بين المرجعيتين21. وليس إدراك الفارق بالأمر السهل، بل إنه يشكل مساحة الاخت ف والجدل داخل الساحة الفكرية والثقافية العربية منذ أمد طويل، من جهة تأكيد أو نفي أو تحجيم التباين بين المجتمعات والأمم من حيث سياقاتها التاريخية والثقافية. والأكيد أن التوصل إلى تلك «الفوارق» لا يؤشر على نهاية البحث والاستقصاء في الإشكاليات القائمة، وإنما يفتح باب التفكير في صيغ ومضامين استثمار المعطيات الحضارية والثقافية والمهنية التي واكبت حركية «المثقفين» في التاريخ الغربي نشأة وتطورًا وصيرورة22، وهذا ما أكد الواجبات المعرفية التي تساعد على تحقيق مقصدية إنجاح «التقريب التداولي» لمفهوم المثقف في مجالنا العربي المعاصر.

الأبعاد الزائفة لمفهوم المثقف

أما الواجب المعرفي الآخر، فهو اجتياز محنة البحث عن الجسور الواصلة بين التعاريف المختلفة للمثقف في اتجاه نزع «الأحادية» التي تميز كثيرًا من الأطروحات الفكرية المتداولة في المجال العربي

  1. المرجع نفسه، ص.14
  2. المرجع نفسه، ص.14
  3. المرجع نفسه، ص.32

المعاصر. وفي هذا المضمار، تنتصب أسئلة كثيرة، منها: هل المثقف فرد أم طبقة؟ هل المثقف مهنة كسائر المهن؟ ما هي المظاهر الزائفة لمفهوم المثقف التي يتعين تجاوزها؟ المثقف لدى بعض الدارسين كائن فردي يملك وعيًا فرديًا خاصًا ورؤية خاصة للعالم23؛ فهو لا يشكل مع غيره من المثقفين طبقة دون طبقات المجتمع24، وهو الذي – بحسب غرامشي- ينحاز إلى طبقة أو فئة اجتماعية، ويسعى إلى إظهار عيوب النظام القائم وهيمنته الأيديولوجية25. وعن المثقف والمعنى المهني، تتساءل نهوند القادري عيسى: هل المثقف مهنة/وظيفة أم صفة/حالة؟ وهل كل من يحمل شهادة جامعية مثقف، أم أن المثقف هو كل من يذهب أبعد في مجال عمله واختصاصه، متسائلً عن معنى عمله، ومعطيًا معنى لما يجري حوله من ظواهر وأحداث؟26. أما بعض الباحثين، فينصرف إلى التشديد على أن المثقف لا يتعين برسالة مفترضة، إنما يتحدد كمهنة إلى جانب مهن اجتماعية متنوعة، تتضمن الصيرفي والنجار وبائع الخضار، وتلبي حاجات اجتماعية متباينة، وتتسم بضروب من النزوع أخ قااية أو غير أخ قااية. وبقدر ما يمثل الصيرفي في مهنة لا تستدعي معنى الرسالة، فإن المتعلم قائم في مهنته المحددة أيضًا27. لكننا نرى أن من غير المجدي التمسك بالمفهوم المهني ولا بالمفهوم الطبقي، ما دام «التحيز الثابت» للمثقف داخل المجال السياسي والاجتماعي أمرًا غير واقعي ولا تاريخي؛ فهو - أي المثقف - «موزع على هذه الانقسامات وهذه الاستقطابات. المثقف العربي ليس لديه قطبية يجري الاستقطاب على أساسها، بل هو مستقطب من جانب قطبيات أخرى، مثل السلطة والحزب والزعيم والأيديولوجيا والطبقة والطائفة والدين... وغيرها. لكن إلى أي حد هو مؤثر في قطبيته أو دائرته؟ هذا يتوقف على طبيعة علاقته بمحور تلك الدائرة»28. والجدير بالبيان والدراسة أن إفرازات الثورات العربية لم تزد عملية الاستقطاب إلا رسوخًا وحِدَّة، إذ تفجرت الخلافات السياسية والأيديولوجية (الطائفية والدينية والمناطقية) كما هو شأن الوضع في مصر وليبيا واليمن، وبرزت آثار السنوات العجاف التي سبقت الربيع العربي، وصار الاستقطاب أوضح تحت حماية شعارات الثورة، الحرية والعدالة والديمقراطية، بل شعارات الثورة المضادة، محاربة العنف والإرهاب و«الدولة الدينية»29.

  1. المرجع نفسه، ص.34-33
  2. أنطوان سيف، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.130
  3. Antonio Gramsci, «The Intellectuals,» in: Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci , Edited and Translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith (New York: International Publishers, 1971), pp. 3-23.
  4. نهوند القادري عيسى، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.121
  5. دراج، مداخلة، ص.139
  6. فارس أبي صعب، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.126
  7. 2لا يخفى وجود خصوصيات لكل حالة من بلدان الربيع العربي؛ ففي مصر مثل لم تبرز عملية الاستقطاب على أساس طائفي ولا جهوي، وإنما صار الاستقطاب على أساس أيديولوجي وسياسي يتمثل في الموقف من أحداث 03 حزيران/يونيو وانقلاب 3 تموز/ يوليو.2013

وربما ساهمت التحديدات المفهومية غير الدقيقة للمثقف ومهمته30 في إمداد بعض المنتسبين إلى الحقل الثقافي بمعينات على «المرونة ال زاامة» لتغيير المواقع في المجال العمومي تبعًا للمصالح والأيديولوجيات والانتماءات. فكيف سيتم، مثلً، تعريف «الحقيقة» أو «المصلحة» إذا سلّمنا بكون المثقف «هو من يهتم بتوجيه الرأي العام، أو من ينخرط في السجال العمومي، دفاعًا عن قول الحقيقة أو حرية المدينة أو مصلحة الأمة أو مستقبل البشرية؟»31، ويزداد الأمر التباسًا إذا سُلِّم بأن هذه المهمة والمشروعية والمسؤولية تؤهل المثقف ليصير «هو الوجه الآخر للسياسي، والمشروع البديل عنه»32. إن تجاوز تلك «الأحادية» في المعاني وهذا الالتباس في المهمات والأدوار، مطلب ذو أولوية بارزة، خصوصًا أن التطورات الخطِرة في أوضاعنا العربية كشفت هشاشة غير مسبوقة، فأضحى من الضروري البحث عن مداخل فكرية جديدة «غير مسبوقة» نحو استكشاف إمكانات الحد من الآثار السلبية والقاتلة ل ستقطاب السياسي والأيديولوجي الذي يجعل المثقفين مجرد حبات في رحى الدولة العميقة أو الآلة القبلية والطائفية... وكذا نحو تجاوز جميع الأوهام والأبعاد الزائفة التي اقترنت، في سياقنا الثقافي العربي، باستعمال مفهوم المثقف، والتي كانت من معوقات اضطلاع المثقفين بالدور النقدي الفاعل والمؤثر في سياق تفاعلات المرحلة الانتقالية. نذكر هنا ث ثااة أبعاد: أولها البُعد الذي يتجلى بالربط بين ما يدعى مثقفًا، وبعد رسولي يفترض أن هذا المثقف حامل، لزومًا، رسالة أخ قااية سامية تروم إص ح المجتمع والالتزام بالحقيقة؛ ثانيها البُعد الذي يتجلى في مجانسة «المثقفين» جميعًا، حيث المثقف هو المثقف، بمعزل عن تعيينه السياسي والأيديولوجي، كما لو كان جوهرًا غير قابل ل نااقسام؛ ثالثها البُعد القائم في «التذهين المحض» الذي يعتبر أن ثقافة المثقف المفترض تأتي من خياره الذاتي، أو من قراءاته ورسالته33.

تصنيف المثقفين...أي معيار؟

لم تكن تلك الأبعاد الزائفة هي الإرث الثقافي الوحيد الذي ورثته الثورات العربية من مرحلة الاستبداد المقيت، بل إن الثورات هذه ورثت أيضًا نقدًا مفصًّ لوضع المثقفين وارتباطاتهم وأدوارهم وفق جملة من المعايير التي لم تحظ بالإجماع، ولا يمكن أن تحظى به. وهو نقد لا يمكن إهماله إذا ما تطلعنا إلى تفعيل الدور النقدي المطلوب من المثقفين، ولا سيما في التحولات التاريخية الكبرى.

  1. مثالها تعريف المثقف بأنه من ينخرط في المجال العام عبر الدراسة النقدية، والفكر، والتفكير حول واقع المجتمع، ويقترح الحلول لمشكلاته الكبرى، وبمثل هذا الخطاب في المجال العام يكسب تفويضًا من الرأي العام. انظر: and Jennings y Jerem Anthon y Kemp - Welch (eds.), Intellectuals in Politics: From the Dreyfus Affair to the Rushdie Affair (London ; New Y ork: Routledge , 1997), p. 1.
  2. حرب، أوهام النخبة، ص.38
  3. المرجع نفسه، ص.38
  4. دراج، مداخلة، ص.139

تنوعت تلك المعايير بين موضوعية المعرفة ونوعية العلاقة مع السلطة والعقلانية، وتضمن الجدل والتناظر إجراء التفاضل بين معيار وآخر. وهكذا ذهب أحد الباحثين34 إلى أن مفهوم «موضوعية المعرفة» يساهم في الفصل بين مثقف وآخر، بمعزل عن معيار الموقف من السلطة الذي هو المرجع الأساسي في تحديد مفهوم «المثقف». وبناء عليه، يقع التمييز بين المثقف بالمعنى النظري، الذي يستأنف الخطاب النهضوي ويرهنه ويتخذ من السلطة السياسية مرجعًا أساسيًا لقراءة الظواهر الاجتماعية جميعها، والمثقف السلطوي الذي يعيد كتابةً إنتاج الخطاب السلطوي في التاريخ والثقافة والسياسات الداخلية والخارجية35. ولتصنيف المثقفين العرب على مستوى فاعليتهم الفكرية، وتقييمًا لمضامينها، قدّم عبد الإله بلقزيز مدخ إجرائيًا36، خلص فيه إلى نوعين من المثقفين: أولهما المثقف العقائدي الذي يستند وعيه الأشياءَ إلى نزعة إيمانية حادة، تدفعه – في المطاف الأخير- إلى بناء يقينيات، وإلى الاستمساك والاعتصام بها، بوصفها إدراكات صحيحة للعالم وللذات37، ومثال هذا النوع الأول المثقف القومي والإس مااي والماركسي والليبرالي. وثانيهما المثقف النقدي، وهو المثقف النَّزَّاع إلى الشك في المنطلقات والبداهات التي تعرض نفسها أمام وعيه، والذي تدفعه نزعة الشك – أكان شكًا مذهبيًا أم شكًا منهجيًا – إلى التزام الحذر والتحوط في بناء أحكام نهائية عن الأشياء، أو في التعاطي مع الأفكار والحقائق الجاهزة38، ومثال هذا النوع الثاني المثقف الأكاديمي والليبرالي. قريبًا من المثقف النقدي، وفي سياق التنبيه، تحدّث علي حرب عن المثقف العق نااي والتنويري والتحرري الذي يقيم ع قااة نقدية مع ذاته وفكره، على نحو يتيح له أن يتحول عمّا هو عليه، بإغناء مفاهيمه عن الحرية والعق نااية والاستنارة. لذا، فإن الذي يصنف نفسه في ملكوت العقل والحرية، لكي يطرد سواه إلى خارج هذا الملكوت، لا يحصد سوى الخرافة والظ ماا والاستبداد، على ما آلت إليه التجارب لدى الدعاة، في العالم العربي بنوع خاص39. إن الاستعمال العمومي الواسع للعقل وإمكاناته يذكّ رنا بمواقف ميشال فوكو الذي وإن كان يوافق على المطلب الكانطي في الاهتمام بالراهن والدعوة إلى استخدام «العقل الخاص» استخدامًا عموميًا وفي جميع الميادين حتى نصل إلى الاستق لااية والنضج، فإنه لا يوافق على الحلول التي يقترحها كانط والمتمثلة في رعاية الدولة للعقل، ترعاه وتؤمّن تقدمه، لأن هذا التآزر

  1. دراج، مداخلة، ص.140
  2. المرجع نفسه، ص.140
  3. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.157
  4. المرجع نفسه، ص.158
  5. المرجع نفسه، ص.159
  6. 3حرب، أوهام النخبة، ص.13

بين العقل والدولة - وقد تم فع - سيجعل الجانب التنظيمي والأداتي للعقل يطغى على جانبه النقدي، فينساق إلى القسمة والتقييم والضبط، في نظام تأديبي متعدد الشبكات؛ إنه يحدد الخارج لينظم الداخل40. في سياق اعتماد مصطلح «المثقف العمومي» (Public)، اختار عزمي بشارة أن يضيف إلى معيار العقلانية معايير أخرى، أبرزها طبيعة الإنتاج الفكري والموقف الأخ قااي؛ فمن المفترض أن تقتصر صفة المثقف على من ينتج إنتاجًا فكريًا كونيًا وأصيلً فعلً، ويساهم في مناقشة الشأن العام بأدوات عقلانية، ومن منطلق المواقف الأخلاقية. المثقف العمومي هو ذلك القادر على الجمع بين الثقافة الواسعة (معارفه الشاملة والعابرة للتخصصات) والفكر العقلاني واتخاذ الموقف41، على أن إثبات المثقفين جدارتهم في ميدان الإنتاج المعرفي شرط يؤهلهم – في نظر بلقزيز - لاستحقاق دور الدفاع عن القيم، وعن الأمة والوطن42. ومهما يمكن أن يقال عن أهمية «التصنيف الدقيق والموضوعي» للمثقفين، وعن إمكانية صوغه النظري وحدود تطبيقه في تحليل الأدوار، فإن استمرار الجدل والاختلاف بشأن المعايير ينطوي على ثلاثة عناصر، على الأقل، وجب الحذر منها: أولها الترسيم النظري للاستقطاب والتفتيت، ومعناه انتقال الاستقطاب المذكور أع هاا من مستوى «الواقع» إلى مستوى النظر؛ ثانيها الطابع التجزيئي في المقاربة أو الرؤية الفكرية، ومعناه استناد التصنيف إلى معيار واحد أو زاوية نظر واحدة؛ ثالثها عجز النخب الفكرية عن الانتقال من «فهم» واقع المثقفين إلى بناء استراتيجيا جماعية مضبوطة تسمح بتطويق الخلاف وتوسيع دائرة الاتفاق بين المكونات السياسية والثقافية، على اعتبار أن جوهر المأزق الحضاري العربي - لدى السيد ياسين - لا يكمن أساسًا في الفجوة المعرفية التي تفصلنا عن جميع الدول المتقدمة، بقدر ما يرد إلى غياب الرؤية الاستراتيجية، وهي الصورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمع ما في السنوات العشرين المقبلة43.

الثقافة والسياسة.. من الاحتواء إلى العلاقة المنتجة

قبل تفجر ثورات الربيع العربي، وفي سياق نقد المثقف، ساهمت قراءات فكرية متنوعة في فض الاشتباك بين الثقافة والسياسة، وذلك عبر تأكيد أنه «يمكن للسياسيين أن يناضلوا – بل هذا

  1. 4عبد العزيز العيادي، ميشال فوكو: المعرفة والسلطة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 9941)، ص.11
  2. بشارة، ص.131
  3. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.157
  4. إبتسام الكتبي [وآخرون]، إلى أين يذهب العرب؟: رؤية 30 مفكرا في مستقبل الثورات العربية، فكرة وتقديم سليمان عبد المنعم؛ مراجعة وتدقيق حسن جواد قبيسي ورفيف رضا صيداوي؛ إعداد الرسوم البيانية والجداول رفيف رضا صيداوي ورنا غوش؛ منسقة المشروع ع ماجد، معارف (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ مؤسسة الفكر العربي، 0122)، ص.326

واجبهم – من أجل توسعة مجال المشاركة السياسية، ومن أجل انتزاع الحقوق الديمقراطية في التعبير والتمثيل والمشاركة، ولكن المثقفين هم من تؤول إليهم – بقوة الأمر الواقع – مهمة إنجاز الأهداف التحتية لذلك النضال السياسي الديمقراطي، وليست هذه الأهداف سوى نقد التأليه السلطوي، وتعرية خلفيته الاستبدادية، لتسهيل تجريده من الهالة القداسية التي يؤسس بها شرعيته المطعون فيها»44. وربما اكتسب مثل هذا التمييز فاعلية معرفية في السياق الإصلاحي الديمقراطي، حيث ترتكز مهمة المثقف على كشف خطايا الاستبداد الوراثي أو العسكري أو الحزبي أو الطائفي. لكنْ تقليديًا، وبفعل المعارك الشديدة التي خاضتها الأنظمة الشمولية العربية طوال عقود ضد المثقفين عمومًا، والمثقفين النقديين المعارضين خصوصًا، جرى التمييز في موضوع الع قااة بين الثقافة والسياسة بين أنماط مختلفة من وضعيات المثقفين: • انكماش المثقف على ذاته رغبة في الاستقلال والابتعاد عن السياسة، وهو ما كان يعني حتمًا قبول التهميش، والاكتفاء بدور محدود في ترشيد خيارات المجتمع والدولة. وترجع الأصول النظرية لهذه الوضعية إلى رؤى فكرية أبرزها تصور إدوار سعيد للمثقف بكونه الشخص القادر على قول الحقيقة، الشجاع الغاضب لمصلحة من لا يملك قوة كبيرة.. وبكون المثقف الحقيقي هو من يعيش على الدوام في منفى اختياري، وعلى هامش المجتمع45. • مباشرة المثقف متطلبات المواجهة السياسية مع السلطة المستبدة، وهو ما كان يعني التباس دور المثقف بدور السياسي، أو لنقُل افتقاد المثقف دوره في التوجيه والاقتراح وحماية القيم، في مقابل مباشرة الخطابة السياسية وملاحقة الأهداف العملية. والجدير بالذكر في هذا السياق موافقة الفكرة القائلة إن التباس الأدوار بين المثقف النقدي والمؤرخ والسياسي المعارض هو جزء من ثالوث التحديات الذي يواجهه المثقف، والذي يضم أيضًا انهيار الجامعة بوصفها الإطار التقليدي للمثقف للتعبير عن الأفكار، والاحتواء السياسي بتقديم قراءات ملائمة للمرحلة46. • اندماج المثقف في خيارات المؤسسة الرسمية، السلطوية والحزبية، السياسية والثقافية. وهذا ما كان يعني قبولً بقواعد اللعبة النظامية، وتحقيقًا لمفهوم الهيمنة الأيديولوجية على المجتمع. مع تفجر الثورات العربية في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، وضمن مسار استكشاف الأدوار المفترضة للمثقفين في تدبير إفرازات الثورة والمرحلة الانتقالية، لم يعد مقبولً حصر الإشكاليات والتحديات المستجدة في ثنائية السلطة والجمهور، لأن عمليات الانقسام والاستقطاب في مجتمعات الربيع العربي ازدادت تشابكًا وتعقيدًا، بل امتدت آثارها وهزاتها الارتدادية إلى الأقطار العربية الأخرى.

  1. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.124
  2. Jennings and Kemp-Welch, Intellectuals in Politics , pp. 1-2.
  3. محمد نور الدين أفاية، «ورقة العمل ﺣﻮل أداء اﻟﻤﺜﻘﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﻌﻤﻌﺔ اﻷﺣﺪاث: ﻼﻣﺣﻈﺎت وﺗﺴﺎؤﻻت»، في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.109

وبهذا الصدد، لا يمكن أن ننكر مثً كون الانقسام السياسي والأيديولوجي الحاد في المجتمع المصري، بسبب أحداث 03 حزيران/يونيو وانقلاب 3 تموز/يوليو 0132، أفضى إلى انقسام عمودي في صفوف المثقفين في البلدان العربية الأخرى من منطلق تأييد أو رفض الانقلاب العسكري على أول رئيس منتخب. ليس غريبًا الإقرار بأن مصادر الاستقطاب تتعدد وتتشابك في أزمنة التحولات التاريخية الكبرى، مثلما هو الأمر في حالتنا العربية الراهنة، حيث يكون المثقفون متأرجحين بين حدَّي التأثير أو الخضوع لمراكز الاستقطاب السلطوي أو الحزبي أو الطائفي أو الإع مااي أو الجهوي العشائري أو حتى الاستقطاب الخارجي (الخليجي والأوروبي والأميركي والتركي..) مثلما يجري حاليًا في بلدان الثورات. وحيث يكون مطلوبًا منهم التفكير مليًّا في تبعات الاختيار بين الأدوار على أساس مقاربة دقيقة وشاملة لمسألة الحدود بين الثقافة والسياسة، بين الفكر والخطابة، بين حماية القيم وتثبيت المنجزات العملية، بين ترسيخ الهوية وملاحقة الأهداف الميدانية. «ومع ذلك، لا وجود لتسوية مستديمة بين الثقافة والسياسة. لم يحصل ذلك في الماضي، ولا يتوقع حصوله في المستقبل؛ لكلٍّ منطلقاته وحساباته وأدواته ومقاصده. يرنو المثقف، من حيث المبدأ، إلى تحصيل المعرفة وإشهار الحقيقة، وتعمل السلطة على ترتيب شؤون النظام وتوفير شروط التوازن»47. والظاهر أن الاختلافات البارزة في شأن السياسة، من حيث القاموس والمرجعيات وأنماط التبادل، تبين إلى أي حد تبدو البلدان العربية بحاجة إلى الإع ءاا من شأن المشترك الوطني، وإلى إط ق مشروع ثقافي عصري حقًّا يعضد ويقوي المنحى التاريخي الذي يشهده الوطن العربي، وتعزيز مؤسسات التعبير ووسائله الحديثة، وإنتاج مقومات الثقافة العصرية ونشرها. لكن هل هذا الأفق يمتلك ما يلزم من شروط الصدقية؟ ذلك ما تشك فيه مجموعة من المثقفين48. ربما مبعث الشك لدى قطاع عريض من المثقفين هو الانتكاسة الكبرى في مسار الثورات، متجلية في أمارات العودة القوية للقبضة الأمنية كما في الحالة المصرية، وعودة الانقسام الطائفي والقبلي كما في الحالتين اليمنية والليبية. وفي هذا المنعطف الخطِر، لا يصح تجاهل التباس الأدوار لدى بعض المثقفين في مصر الذين اغتروا بما قدموه من خدمات «معرفية وثقافية» في مواقف متعددة، أبرزها معركتهم مع وزير الثقافة علاء عبد العزيز في عهد الرئيس السابق محمد مرسي؛ و«من النافل القول إن خدمات المثقف للسياسة والسياسيين ليست معرفية أو ثقافية في طبيعتها، حتى وإن خالها - هو - كذلك، بل هي - بالتعريف - خدمات سياسية ب زيادة ولا نقصان. إنه يؤديها بوصفه مناضً، في المقام الأول، وليس بوصفه مثقفًا أو مالكًا للرأسمال المعرفي»49.

  1. المرجع نفسه، ص.113
  2. المرجع نفسه، ص.116
  3. 4بلقزيز، نهاية الداعية، ص.166

بينما كان مطلوبًا بالفعل أن يقدم المثقفون إسنادًا ثقافيًا ومعرفيًا لشباب الثورة وللمناضلين من الأحزاب والتنظيمات السياسية والحقوقية الذين فوجئوا بانهيار أنظمة الاستبداد سريعًا، فإن معارفهم وخبراتهم لم تسعفهم في التصدي لإشكالات المرحلة الانتقالية التي تتميز عادة بقدر وافر من الصعوبة والتعقيد والتشابك. ومن أهل الفكر والنظر من يوافقنا في الإقرار بأن الأسباب العميقة لمختلف ما يجري تعود إلى غياب الإسناد الثقافي للمعركة من أجل الديمقراطية والانتقال الديمقراطي في هذه البلدان، وذلك على الرغم مما يمكن أن يقال عن الأنظمة السابقة، وثقافة الإص ح والتعددية الحزبية، في هذه المجتمعات50. ولهذا وجدنا أن من الضروري، من الناحية التاريخية، تأكيد أهمية تفعيل الدور النقدي للمثقف بما يطور حضوره في القضايا الكبرى، وأحيانًا في التفصيلات، خاصة في المنعطفات التاريخية الكبرى مثل الثورات العربية وما أعقبها من إفرازات أمنية وسياسية واجتماعية خطِرة. وسيكون لذلك الدور النقدي أثر فعال إذا تجاوزنا أسطورة الفصل الحاسم أو الاستبعاد المتبادل بين الثقافة والسياسة، وسعينا لخلق مجال تداولي يتيح للع قااة بين الثقافة والسياسة أن تكون منتجة وفعالة، بمعنى أن يؤدي انفتاح المفكر على المجال السياسي إلى تغيير سياسته الفكرية، وبشكل يتيح له ابتكار إمكانات جديدة للتأمل والتفكير، كما يؤدي انفتاح رجل السياسة على منتجات الفكر إلى تغيير فكره السياسي، وبصورة تتيح له اشتقاق إمكانات جديدة للعمل والتدبير51.

للمثقفين أدوار.. نحو رفع الالتباس والتصادم

لم تفلح الثورات في بلدان الربيع العربي، ولا الانتكاسات والهزات العنيفة التي تلتها، في ترشيد النقاش السياسي والجدل الفكري بشأن وضعيات المثقفين وأدوارهم في مجتمعاتنا العربية، بل ارتفعت حدة اللوم واشتد النقد تجاه مواقفهم من الثورة وما صاحبها من تحولات وإشكالات أمنية واجتماعية وسياسية واقتصادية، إلى درجة التشكيك في استمرار وجود دور للمثقف، خصوصًا مع تعاظم وطغيان أدوار المتدخلين الآخرين في المجالات الاقتصادية والمالية والإعلامية والاتصالية، وفقدان الفاعل السياسي نفسه هوامش التأثير في مسار هذه الدينامية الجديدة الجارفة، فكيف بالأحرى يمكن المثقف، الحامل رأس ماله الرمزي، وحقائقه المثالية، أن يكون له تأثير في الواقع، أو يساهم، مؤسسيًا وعمليًا، في الحد من الانهيار، أو في الإصلاح أو المساهمة في «الانتقال الديمقراطي»؟52. بيد أن اشتداد ذلك النقد، الذي كان إيجابيًا وضروريًا، لم ينته إلى بروز بوادر تجاوز إشكالية التباس الأدوار وتصادمها، أو على الأقل، بلورة قواعد وضوابط موجهة لكيفية النهوض بالدور التاريخي المنتج في معمعة الاضطراب الكلي الذي يكاد يعصف بأسس العمران العربي المعاصر.

  1. عبد اللطيف، «ما بعد الثورات العربية»، ص.14
  2. حرب، أوهام النخبة، ص.16
  3. أفاية، ص.109

بناء عليه، نرنو في سياق متابعة الأدوار المرصودة، إلى تسجيل بعض الملاحظات بشأن عناوين التعدد والتصادم والالتباس، والتمهيد لكيفية ترشيد الدور النقدي، أكان محافظًا أم ثوريًا.

المثقفون وتعدد الأدوار

ننطلق من مسلّمة مفادها أن تعدد تعاريف المثقف ومعايير تصنيفهم هو سبب موصل إلى تعدد الأدوار والمهمات المسندة إليهم، وأن تجاوز هذا التعدد أو إلغاءه أمر غير ممكن لا اليوم ولا غدًا. وإنما الممكن والمتاح هو إبطال مفاعيله السلبية والمدمرة الناتجة من الالتباس والتصادم اللذين شهدناهما قبل الثورات وبعدها. كان من جملة الأدوار التي توجه إليها النقد الشديد، قبل انطلاق الثورات وحتى بعد اشتعالها، الدور النخبوي والدور الشعبوي، وكلاهما يتضمن أخطارًا ونتائج وخيمة.

بين الدور النخبوي والدور الشعبوي

ظل كثير من المثقفين، بفعل تهميش السلطة المستبدة في ظل الدولة الوطنية القومية، يشكو العجزَ عن المساهمة الفعلية في تعبئة الشعوب العربية وتوجيهها نحو تحقيق الأهداف والمبادئ المعرفية والاجتماعية والسياسية (التنوير والحرية والعدالة..)، وهذا ما يبرر لدينا اهتمام الأطروحات النقدية بإدانة الدور النخبوي الذي اطمأن إليه المثقفون أمدًا طويً، وبإع ن نهاية هذا الدور «الذي وصل إلى مأزقه، بعد كل هذا الفشل النضالي والعقم الفكري. ومعنى القول، أن الممكن الآن، المجدي والمثمر، هو أن يعمل المثقف على تغيير صورته عن نفسه، بحيث يعيد ابتكاره لدوره»53. إن الواقع السياسي والاجتماعي، في العقدين الأخيرين، كما في الاحتجاجات الجارية، كشف عددًا من أوهام النخبة عن ذاتها، وأخضع أساطيرها لامتحان عسير جعلها، عن وعي صادق أو على الرغم منها، تتساءل عن صدقية تأليفها وقيمة كتابتها، وفاعلية أدائها، في سياق لا يمتلك تقاليد الاعتراف أو آداب الإنصات، وأحرى أن يمنح لمنتجي رأس المال الرمزي الأهمية الاجتماعية المميزة التي يحوزها في أوطان أخرى. ومن ثم، فإن الحديث عن المثقف، اليوم، يندرج ضمن مناخ عام لم يعد يحتمل تبرير نعت المثقف بوصفه «مرشدًا» أو حاملً رسالة أو مبشرًا بحقيقة استثنائية أو داعية لمشروع شمولي54. إن محاصرة الداعية في تعريف المثقف لمهمته هي معركة علمية55 تنبه إلى ضرورة تفعيل الدور المعرفي أو تفعيل وظيفة إنتاج المعرفة، التي يختص بها المثقفون، وهي ليست انعزالً أو انسحابًا من التاريخ، أو إضرابًا أكاديميًا عن الالتزام، بل هي نفسها التزام: التزام بخط العقل والإنتاج والإبداع،

  1. حرب، أوهام النخبة، ص.14
  2. أفاية، ص.108
  3. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.161

والتزام بالنضال ضد الجهل والخرافة والأمية، والتزام بالنضال ضد الاستبداد والكبت وقمع حرية التعبير والبحث العلمي، والتزام بإسداء الخدمة للوطن والشعب من خ لاا تحقيق تراكم للمعارف هو - اليوم - الشرط التحتي الذي لا شرط سواه لكسب معركة التقدم56. خ صة القول هنا أن المسألة تقتضي معالجة طرفين لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ يتجلى الطرف الأولفي الاضط عاا بالدور المعرفي الذي يعني إنتاج المعرفة، وترسيخ خط الإبداع والتميز، ونفي معاني التقليد والتنميط. وهذا كله يوجب التوظيف الأمثل للتفاوت والتمايز القائم، إذ «لا قيمة لأي حديث عن المثقفين بصيغة الجمع. هناك حاجة واقعية ومنهجية لبناء قدر أكبر من التمييز بينهم، ومن التصنيف لنوعياتهم، حتى يستقيم التفكير في أدوارهم ووظائفهم»57. ويتجلى الطرف الثانيمن المسألة في مقاومة إغراء الدور النخبوي الذي يعني التعالي على الجمهور، والتعايش مع وهم الرسالية والتبشير. وهذا سبب جوهري في إفقاد المثقفين صلتهم بالجمهور؛ بواقعيته وبساطة مقارباته وممكنات تفكيره. وربما كان سببًا أيضًا في انحصار فاعليتهم، قبل ثورات الربيع العربي، ضمن دائرة «تسجيل ورصد الوقائع الاجتماعية الباهظة التي تراكمت طويلً وانفجرت في شكل ثورة شاملة»58. من المفارقات الجديرة بالتأمل أن النخب المثقفة تغرق في أوهامها وتستبد بها نرجسيتها، فيكون مآل ذلك جهل المثقفين بأن مجتمعهم الصغير يشكل جمهورًا لا يعقل، وعزلتهم عن الناس الذين يريدون تحريرهم أو تنويرهم، فضلً عن ممارساتهم الاستبدادية داخل قطاعهم الخاص، حيث تسود علاقات الاستبعاد المتبادل وأشكال النفي الرمزي59. ومن ال فاات أن الدور النخبوي ينطوي أحيانًا على تقديس الأيديولوجيا، وهو ما يدخل صنفًا من المثقفين في ما يمكن أن ندعوه «الدور الأيديولوجي»، الذي يمنعهم غالبًا من الإنصات إلى هدير الوقائع وأزيز التحولات. بيد أن «نقد هذا الدور، لا يعني موت الإيديولوجيا، كما يستخلص أصحاب العقل الإيديولوجي المشغولون دومًا بحراسة هوياتهم وأفكارهم من غضب الوقائع. فالأفكار تواجه إشكالياتها ليس في العالم العربي وحسب، بل أيضًا في العالم الغربي حيث تضعف الديمقراطية ويتراجع التنوير وتتشظى العق نااية »60، وإنما يعني بالأولى أن نسعى إلى إبطال مفاعيله السلبية، أو على الأقل محاصرتها لتجنب الإضرار بالدور المعرفي والنقدي الذي يتعين أن يضطلع به المثقفون بشكل دائم مهما تكن خطورة التحولات والإشكالات التاريخية والسياسية.

  1. المرجع نفسه، ص.168
  2. المرجع نفسه، ص.133
  3. 5فيصل دراج، «ثورة مصر لم تنتظر المثقفين»، الحياة، 014/3/10:2، في http://alhayat.com/
  4. 5علي حرب، «فكر النهضة بين الإحياء والتنوير: محمد حسين هيكل مثالً»، عالم الفكر، السنة 92، العدد 3 (كانون الثاني يناير - آذار/ مارس 0012)، ص.120
  5. حرب، أوهام النخبة، ص 2.9

في المقابل، وُجه النقد الشديد إلى المثقفين المندفعين نحو ممارسة دور الشعبوية، لما ينطوي عليه من مخاطر أكيدة تتهدد الاجتماع الثقافي والسياسي العربي في مراحل تاريخية حساسة؛ «إن الشعبوية إذ تتحاشى السقوط في النخبوية، محاولة - بذلك - تحويل السياسة إلى ملكية عمومية، تسقط في ما هو أفظع من السياسة: في فك التحالف بين النخبة والجماهير، وفي تجريد الممارسة السياسية من عقلها»!61. ينطوي مثل هذا القول على التحذير من تأكّل الدور المعرفي الذي تحتاج إليه شعوبنا الرازحة تحت كلكل الأمية والجهل والتهميش. لكننا نستبعد التوافق إذا ما تعلق الأمر بمصداق الشعبوية في واقعنا الثوري والانتقالي الحالي، نظرًا إلى وجود خيط رفيع بين الشعبوية والابتذال من جهة، والمشاركة القريبة من هموم وتطلعات الجماهير من جهة أخرى. فنحن نواجه، مثً، ال مااعنى في الانتقاد الهجومي الذي وجّهه بلقزيز إلى المثقفين المساندين للحراك الثوري في سورية، متهمًا إياهم بالسعي إلى «إعادة إنتاج خطاب شعبوي مبتذل في لحظة حريق يلتهم عمران اجتماع بلدانهم من دون أن يرف لهم جفن، أو يردعهم رادع أخلاقي من أنفسهم وضمائرهم»62. وهل ثمة شعبوية أعظم وأخطر من التلبيس على الناس بتزييف وعيهم، وتحريف مسار المنازلة التاريخية الحاسمة مع الأنظمة المستبدة باسم مبادئ وشعارات الممانعة والمقاومة؟

بالتباس وتصادم الأدوار... مقترحات للترشيد

نتساءل هل كانت أدوار المثقفين محصورة في الدور النخبوي والدور الشعبوي؟ طبعًا، لا، فهذا التقسيم إنما يستند إلى معيار ضمني هو معيار العلاقة مع الجمهور، وما ينتج منه من تفريعات متعددة لا يمكن حصرها بالمعنى الواقعي، وإن كان يسهل ضبطها بالمعنى النظري التجريدي. ثمة أدوار كثيرة يمكن استقصاؤها انط قااًا من أداء المثقفين أنفسهم، ومن النقد الغني الذي تراكم طوال سنوات الاستبداد الكريه الذي انكمش على نفسه مع زلزال الثورات العربية، ثم عاد لينقلب على بعضها. وهي أدوار تتحدد بمعايير معرفية وسياسية، منها ما يتعلق بمفعول الدور المعرفي وحدوده، ومنها ما يتصل بالعلاقة مع السلطة، ومنها ما ينبني على الحدود بين الثقافة والسياسة. ولأننا نعيش مرحلة تاريخية حبلى بالتطلعات المشروعة نحو قيم الحرية والكرامة والعدالة والسيادة، وانطلاقًا من المعطى الأخلاقي، فإننا نتخذ الموقف من الثورات العربية الحالية – بتفاعلاتها وإفرازاتها - معيارًا حاسمًا في تمييز المثقفين بعضهم من بعض، وفي تصنيف أدوارهم وتقييمها. وفي الوقت ذاته، نغتنم فرصة البحث والدراسة لكشف أسباب ودواعي تصادم الأدوار والتباسها على الجمهور، مجتهدين في شحذ القوة الاقتراحية لترشيد التعامل معها. من جملة تلك الأسباب، ضعف الموقف النفسي والأخ قااي لدى بعض المثقفين أمام إغراء المال والشهرة، وهو ما أدى إلى تغيرات مذهلة في مواقعهم عبر الانتقال من معسكر إلى معسكر، وكشف

  1. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.126
  2. عبد الإله بلقزيز، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.123

حجم الانقلاب الفجائعي الحاصل في المنظومات القيمية للمثقفين العرب، عقب غزوة الغاز والنفط للاجتماع الثقافي العربي في السنوات الأخيرة63. ومن الأسباب أيضًا انكفاء المثقفين على ذواتهم، وابتعادهم عن العمل الثقافي الجماعي، وهو ما يقلص فرص التنسيق والتكامل في الأداء والموقف. وربما نفاجأ أحيانًا بتبلور موقف جماعي للمثقفين مثلما حدث في اعتصام وزارة الثقافة المصرية للمطالبة برحيل الوزير ع ءاا عبد العزيز في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، ومثلما حدث عقب اغتيال السياسي التونسي شكري بلعيد. وتقديرنا لهذا الاستثناء هو لجوء بعض المثقفين إلى تغليب الدور الأيديولوجي بدل تعميق فعالية الدور المعرفي النقدي، أو مباشرتهم مقتضيات النضال السياسي اليومي. ومن الأسباب كذلك، سوء تقدير المثقف خطورة الوضع الثوري وإفرازاته، وربما يكون هذا نابعًا من طبيعة التخصص العلمي الذي يصدر عنه في بناء مواقفه وآرائه بشأن الثورة والتغيير. ومعنى هذا أن التفاوت في الدور المعرفي – الذي يرجع في الأصل إلى درجة وعمق الإنتاج العلمي والأدبي والفني – يعد سببًا مهمًا في اختلاف تلك المواقف التي توقع شعوبنا في مزيد من التيه والحيرة، وهي التي تتطلع إلى الاستنجاد بمن يملكون قدرات معرفية ومواقف أخلاقية داعمة لقيم الحرية والعدل والكرامة وحقوق الإنسان. وتحت عنوان «سوء تقدير المثقف للوضع الثوري»، نصنف إطراء بعض المثقفين أداء المؤسسة العسكرية في كلٍّ من تونس ومصر، على ما بينهما من فوارق في التاريخ والدور والأداء. ومثال ذلك ما أقره بلقزيز من كون المؤسسة العسكرية قد تصرفت في البلدين، خلال الثورتين، كما ينبغي لأي مؤسسة عسكرية متحضرة في العالم المعاصر، تحترم رسالتها الوطنية، أن تتصرف. احترمت تكليفها الدستوري، ولم تحد عن منطوقه ومعناه، وتحملت مسؤوليتها في حماية المجتمع والدولة معًا من الانهيار64. ويتمادى هذا الموقف الداعم وغير المشروط، الذي نراه ثمرة للانفعال العاطفي مع المنجز الثوري، ليؤكد أن المؤسسة العسكرية العربية، بما فعلته في أثناء الثورة، تخرج من منطقة الالتباس هذه، المفروضة عليها من قبل عصابات سياسية حاكمة وفاسدة، لتصحح صورتها في الوعي الجمعي، وتنظفها مما علق بها من تشويه وإساءات، ولكي تعيد تعريف نفسها بما هي المؤسسة الوطنية الضامنة للسيادة والاستق لاا والشرعية الشعبية65. ولئن كان مثل هذا التقدير صحيحًا في الحالة التونسية، فإن الأمر مختلف جدًا في الحالة المصرية التي لم يثبت فيها قادة الجيش أنهم حماة للمجتمع والدولة والشرعية الشعبية. ومع اعتبار الاختلافات البارزة على مستوى الأوضاع الثورية في كلٍّ من سورية واليمن وليبيا ومصر وتونس، وعلى مستوى المؤسسات والأجهزة الأمنية والسياسية والقضائية والإعلامية المضادة للثورة،

  1. المرجع نفسه، ص.123
  2. بلقزيز، ثورات وخيبات، ص.68-67
  3. المرجع نفسه، ص.70

فإن من أعظم الأسباب التي ساهمت في التباس الموقف على الجماهير في النظر إلى دور المثقف، استثمار الممارسة النقدية في الهجوم على الثورة وقادتها من الشباب، وفي تشويه صورة مسانديها من الأحزاب والنقابات والمنظمات. وقد «تبين في المواقف النقدية للحدث، وهي في الأغلب الأعم معدّة لمواجهة الحدث وإبراز حدوده، أنها تعتمد سجلً واحدًا في ما ترسله من مواقف بهدف التشكيك في خلفياته وأبعاده»66. إن الدور النقدي للمثقف، المستند إلى عمق الإنتاج العلمي وأصالته، والمصحوب بالموقف الأخ قااي النبيل67، لهو العاصم من التباس الأدوار وتقلّبها وتصادمها العقيم وغير العقلاني. ومن هنا، «يكمن دور المثقف العمومي في نقد الثقافة والقيم السائدة والناتجة من هيمنة ثقافة الاستبداد، وفي التثقيف على قيم الثورة كتحرر من الاستبداد»68. بهذا المعنى التحرري، ندرك هدف المثقف من وراء نقده للواقع؛ إنه البحث الدائم عن كيفية تغيير الواقع – بحسب تعبير محمد عابد الجابري – لا أن نسكت عنه، مكتفين بمحاربة «انعكاسه الأيديولوجي»، لا أن نستنجد بالفكر الليبرالي وحده، لكونه هو الفكر الذي صارع، في أوروبا، الفكر السابق له، أي الفكر الإقطاعي. إن ما صلح هناك لا يصلح هنا بالضرورة، وإلا كان صحيحًا أنه «لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». كلا، هناك في الحالتين معًا معطيات موضوعية حسية مختلفة جدًا69. وليس تغيير الواقع هو ذلك السعي الدؤوب إلى التغيير المباشر للبنى والمؤسسات السياسية، فهذه مهمة المناضل السياسي بالأساس. أما المثقف فهو يلتفت إلى نقد الأسس الفكرية والثقافية لتلك المؤسسات، وإلى صرف المواطنين عن المعتقدات والتصورات المنافية للتحرر والإبداع، والمعاكسة لقيم العمل والتنمية والحداثة. هكذا يكون الدور النقدي للمثقفين، بالشروط والمقومات المذكورة أعلاه، المنقذَ من التصادم والتقلب في الأدوار، والجسرَ الذي يسمح للوعي الجماعي بالعبور من مناطق الاشتباك والالتباس والحيرة إلى بر التنوع الفكري والسياسي الذي يضمن الغنى الثقافي ويبعد الفقر والجدب. ذلك العبور هو أحد المداخل المساعِدة على تجنب تصادم الأدوار، وبعبارة أخرى، هو الانتقال من «التصادم المفلس» إلى «التنوع المنتج». وثاني المداخل هو ترسيخ العمل الثقافي الجماعي

  1. كمال عبد اللطيف، «الحدث التونسي وأسئلة الإصلاح السياسي العربي: أولويات وسياقات وآفاق»، في: مالكي [وآخرون]، ص.374
  2. نستحضر هنا قول جان بول سارتر «المثقف هو الشخص الذي يتدخل في ما لا يعنيه»، أي في ما يعني المجتمع كله. انظر: Annie Cohen - Solal , Sartre: 1905-1980 , collection Folio. Essais ; 116 (Paris: Gallimard , 1989), pp. 588-589.
  3. بشارة، ص.141
  4. محمد عابد الجابري، المؤتمر الاستثنائي: الجزء الأول، مرحلة الإعداد التنظيمي والفكري، مواقف إضاءات وشهادات؛ 8 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 0022)، ص.63

الذي يمكّن المثقفين من تنسيق الجهود واستثمار التخصصات العلمية في تطوير الدور المعرفي، والنهوض بأعباء التحديات والمعارك الكبرى والمصيرية. أما ثالث المداخل، فهو تفعيل الموقف الأخ قااي بوصفه ركنًا من أركان مفهوم المثقف، وشرطًا لازمًا لأداء الدور النقدي بشكل ناجع في التحولات التاريخية التي تجتازها مجتمعاتنا ضمن سياق محلي وإقليمي وعالمي متوتر.

في الدور النقدي، الماهية وتداعيات التنميط

- في ماهية الدور النقدي

نبحث في هذه الفقرة عن معالم لمقاربة ماهية الدور النقدي كما وصفناه منذ قليل بناء على كونه مستندًا إلى عمق الإنتاج العلمي وأصالته، ومصحوبًا بالموقف الأخلاقي النبيل - المنقذ من التصادم العقيم وغير العقلاني بين الأدوار، والجسر الذي يسمح للوعي الجماعي بالعبور من مناطق الاشتباك والالتباس والحيرة إلى بر التنوع الفكري والسياسي الذي يضمن الغنى الثقافي ويبعد الفقر والجدب. ذلك أن الثورات العربية بمسارها المثمر والفواجعي في آن، وبنتائجها المختلفة داخليًا وخارجيًا، أرغمت العقل العربي على معاودة النظر والتفكير في ماهية الدور النقدي الذي على المثقفين أن يضطلعوا به، مهما اشتدت الأزمات وكيفما كانت العوائق. كما أرغمته على استثمار مفردات التراث النقدي العربي (قبل الحراك الثوري) والعالمي (في التحولات التاريخية)، سواء ما كان منه منصبًّا على نقد السلطة السياسية، أو ما كان منصبًّا على تقييم سلوك الجمهور ومواقفه، أو حتى نقد العولمة وتداعياتها السياسية والثقافية. ولأن المثقف ليس معصومًا من الزلل والتوهم، فإن الدور النقدي اقتضى توسيع مجال النقد والمساءلة ليشمل النقد الذاتي للمثقفين، بالإضافة إلى نقد الجمهور والسلطة. وجوهر نقد المثقف «هو سعي لاستعادة المثقف سلطته بممارسته لفاعليته الفكرية، وذلك عبر إعادة صوغه لمفهومه عن السلطة، أو عبر إعادة ابتكاره لدوره»70. وهنا ينبغي الحذر الشديد من إعادة إنتاج «سلطة قهرية جديدة» باسم الدور النقدي، ولا سيما أن السلطة تتميز بطابع الالتباس من جهة، وبالقدرة على الانتشار والاستمرار والتجدد من جهة أخرى، «فمن يصرخ: لا، لسلطة الدولة، هو ذاته من يهمس: نعم، لحزبه»71. وسبيل المثقف نحو ابتكار هذا الدور يبتدئ من «صوغ الأفكار من جديد في ضوء الحدث وفي أتون التجربة وعلى ساحة المراهنة، بصرف الأسئلة وزحزحة الإشكالات، أو بخلق المفهومات وابتداع الممارسات. وذلك هو الإمكان لاكتساب المصداقية الفكرية وممارسة الفاعلية المجتمعية»72.

  1. 7حرب، أوهام النخبة، ص.22
  2. Jean-Toussaint Desanti, Le Philosophe et les pouvoirs: Entretiens avec Pascal Lainé et Blandine Barret-Kriegel , l’ordre des choses (Paris: Calmann-Lévy, 1976), p. 471.
  3. حرب، أوهام النخبة، ص.22

معنى هذا أن على الفكر النقدي أن يتجدد باستمرار، في ظل تسارع الأحداث وتضارب المواقف، لا في استراحة الصومعة أو محراب التأمل المجرد. ويتأكد ذلك المنحى التجديدي في المضمون النقدي، خاصة بعد ملاحظة فشل التصورات والمشاريع الأيديولوجية للتغيير، والتي استمعت إلى أنساقها ومفاهيمها أكثر من إنصاتها لدلالات الواقع الاجتماعي والسياسي المتحول. ومعنى المعنى أن تكون الممارسة النقدية للمثقفين في صلب التحولات التاريخية التي تجري على أسماع السياسيين والإعلاميين وأبصارهم بشكل خاص، مع العلم أن هؤلاء يقعون في أسر المعطيات الواقعية اليومية، بينما يستطيع المثقفون أن يشغلوا قدراتهم المعرفية لبناء رؤى وتصورات تعلو على «اليومي والمباشر». ومن ثم، تلتزم الممارسة النقدية بتجاوز مظاهر العقم والفشل والتزييف في معارك الدفاع عن العدالة والحرية والحقيقة، وفي معايشة هموم شعوبنا من فوق الانتماءات الطائفية والقبلية والأيديولوجية. إن ماهية الدور النقدي تكمن، في اعتقادنا، في تجاوز الانكفاء على الذات وتقوية الصلة بين الثقافة والسياسة، خلافًا لما جرى التنظير له طوال عقود من الزمن، وما جرى تفعيله في أزمنة الثورة73. و«لا يعني عمل كل قطاع بخصوصيته الفصل الحاسم أو الاستبعاد المتبادل، بقدر ما يعني خلق مجال تداولي يتيح للعلاقة بين الثقافة والسياسة أن تكون منتجة وفعالة»74. لا يمكن أن نقبل إسناد صفة المثقفين إلا إلى من يجعلون من تخصصاتهم العلمية منطلقًا للانفتاح على هموم أمتهم ومشك تااها، عبر تطوير المقترحات والمشاريع الكفيلة بتحقيق الطموحات الكبرى، وعبر ممانعة العوائق والتحديات السياسية والاجتماعية والثقافية. إنهم – بحسب تعبير تشومسكي - «مؤهلون لفضح أكاذيب الحكومات، وتحليل التصرفات في ارتباط مع أسبابها وبواعثها ومقاصدها الخفية في كثير من الأحيان»75. ولن نستغرب حينئذ أن يؤدي المثقفون ثمن جرأتهم ونقدهم كما هو شائع في جميع مراحل التاريخ الإنساني؛ ففي زمبابوي مثًاتُّهم المثقفون الذين عارضوا التاريخ الوطني بالاستفادة المالية من موقفهم76، بينما لقي آخرون حتفهم، أو ألقي بهم في السجون والمنافي. إننا ندرك كون تفعيل المجال التداولي بين الثقافة والسياسة لا يعني بالضرورة الدخول في ممارسة نقدية منتجة، بل يحتمل أيضًا الدخول في منعرجات خطِرة، ليس أقلها تزوير المثقف معنى الثقافة ووظيفتها في المجتمع، وإعادة تعريف فعاليته خارج نطاقها، وتحويلها إلى سلعة تدر عليه ربحًا

  1. عاد المثقفون في مصر، بعد انق 013 ب 3 تموز/يوليو 2، إلى الاهتمام ب «الشأن الثقافي» متمث في إعادة هيكلة وزارة الثقافة، وكيفية إصلاح القطاع الثقافي بمحاوره ومجالاته، بينما تحتضن السجون آلاف المعتقلين السياسيين، وتوزع «محاكم العدالة العسكرية» أحكام الإعدام والمؤبد على شركاء ثورة 25 يناير.
  2. حرب، أوهام النخبة، ص.16
  3. Noam Chomsky, «The Responsibility of Intellectuals,» The New York Review of Books (23 February 1967), at: www.chomsky.info/articles/19670223.htm
  4. Blessing-Miles Tendi, How Intellectuals Made History in Zimbabwe (London: Africa Research Institute, 2010), p. 8.

ماديًا أو رمزيًا. وفي هذه الحالة، يعطل حاسته النقدية، فيخون دوره، ويسقط في التبريرية77. وليس أقلها أيضًا الاستسلام للمفاعيل السلبية، المدمرة أو المحرفة، الناجمة عن جملة العوائق المتعددة، أبرزها «النظام السياسي المسيطر، والنظام الإعلامي العالمي المهيمن. وفي هذه الحال، يجد المثقف المستبعد وغير المرغوب فيه نفسه أمام ضرورة البحث عن حلفاء جدد ليخرق جدار الأجندة الإعلامية، وليفتح اللعبة السياسية المقفلة على نفسها»78. ومن الجدير بالذكر في هذا المضمار كون العوائق تزداد صلابة وتشعبًا في السياقات الثورية، فيتعين أن تتضاعف الجهود المطلوبة رغم قلة الإمكانات وكثرة التقاطعات الاجتماعية والسياسية بين الفاعلين المحليين والدوليين، ورغم الاضطراب الأمني البيّن. ولئن كان المثقفون في العالم الغربي يستمدون قوّتهم من الحرية السياسية، ومن الوصول إلى المعلومة، وحرية التعبير79، فإن المثقفين في أوطاننا يستمدون رصيدهم ومكانتهم من جهودهم في ساحات المقاومة الفكرية والنضال الثقافي لتحقيق تلك الحريات الضرورية للنهضة والتنمية والديمقراطية. ينبغي أن تتوجه تلك الجهود النقدية المطلوبة - في تقديرنا - إلى أكثر من الوجهتين المعهودتين؛ وجهة تفكيك مطلقات السلطة وأوهامها وأفعالها القهرية، ووجهة تعرية القاع المتخلف للنظام الاجتماعي80. فثمة وجهات أخرى لا تقل اعتبارًا وأهمية وأولوية، منها تعرية الدعاية المسمومة التي يبثها الإع ماا العالمي والعربي المعادي للطموحات المشروعة التي عبّرت عنها شعارات الثوار في ميادين وشوارع عربية كثيرة، ومنها مقاومة آثار التحالفات الدولية والإقليمية و«الداخلية» (الدولة العميقة بالتعبير المصري) الصانعة والمساندة للثورة المضادة، استشرافًا لأفق عظيم هو استعادة الحضارة العربية ألقها وزهوتها. إن الرهان الحقيقي على هذا الهدف - وفق رأي سليمان العسكري - لن يكون إلا باستمساك المثقفين بمواقفهم، وبالإصرار على إنتاج ثقافي جديد ومختلف، يحاول أن يحلل الظواهر ويرصدها بعيدًا عن الشعارات والإغراق في تقدير النفس، كرد فعل على الإحساس بالهزيمة، أو الدونية81.

-في معنى «الالتزام»... خوفًا من التنميط

عبّرنا من قبل عن كوننا نعيش مرحلة تاريخية حبلى بالتطلعات الشعبية المشروعة نحو قيم الحرية والكرامة والعدالة والسيادة، وهو ما يفرض علينا أخ قاايًا أن نجند إمكاناتنا المعرفية لخدمة تلك التطلعات، ومواكبة التحولات التي تتولد من رحم الثورات، لأن مهمة المثقف الثوري «لا تنتهي

  1. بلقزيز، مداخلة، ص.122
  2. القادري عيسى، ص.121
  3. Chomsky, «The Responsibility of Intellectuals,» 18/10/2014 at: www.chomsky.info/articles/19670223.htm
  4. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.122
  5. الكتبي [وآخرون]، ص.326-325

مع تفجر الثورة، بل تصبح أكثر تعقيدًا، وأكثر أهمية في الوقت ذاته. إن الطريق الوحيد لنقد الثورة والاضطلاع بدور المثقف العمومي تجاهها، هو اتخاذ موقف حازم إلى جانبها»82، الأمر الذي يعني حتمًا أن نتخذ الموقف من الثورات العربية الحالية – بتفاعلاتها وإفرازاتها - معيارًا حاسمًا في تمييز المثقفين بعضهم من بعض، وفي تصنيف أدوارهم وتقييمها. لكن، هل يؤدي تبنّي هذا المعيار إلى تضييق دلالة الموقف النقدي؟ وهل من الضروري أن يكون المثقف مساندًا للثورات كيفما كانت أهدافها ومساراتها الحالية والمستقبلية؟ ألا يحتمل هذا المسار الوقوع في عملية تنميط غير مقصود للدور النقدي؟ يجدر بنا أن نؤكد بداية أن حقل الثقافة هو في الأساس حقل التعدد والتنوع. وإذا كان السياسي يتخذ قراراته ومبادراته ضمن مجال مقيد بالاشتراطات والاحتمالات المعدودة، فإن المثقف يخوض معارك ذات طبيعة فكرية مفتوحة باستمرار على ممكنات معرفية وتداولية متعددة. وهنا يكمن الدور الخلّق للمثقفين القادرين، بحكم رسوخهم في تخصصاتهم المعرفية وأخلاقيتهم العالية، على القيام بالمسؤولية النقدية ضمن شروط تاريخية صعبة. بناء عليه، وحرصًا على اتساع دلالة الموقف النقدي، نعتقد في حرية المثقف في أن يكون مع الثورة أو ضدها، «ولا يحق لنا القول إن المثقف هو ذلك الذي لا بد أن يقف إلى جانب الثورة أو ذلك الذي يتخذ نقده صيغًا ثورية، مع أن فئة المثقفين عمومًا تميل إلى رفع قيم مثل الحرية والعدالة الاجتماعية فوق قيم مثل النظام والتقاليد وإرث الآباء والأجداد»83. معنى هذا أن ضمان فعالية أداء المثقف يوقفنا على الشرط المشروط، وهو أن تكون ممارسته النقدية في إطار الدفاع عن تقاليد الدولة الديمقراطية، العادلة الحامية للمواطنين على اخت ف انتماءاتهم العقدية والأيديولوجية والطائفية والقبلية والجهوية، بمعنى أن تكون الممارسة النقدية في خدمة دولة المؤسسات لا في خدمة الأنظمة السياسية القائمة على تقديس حكم الفرد أو العشيرة أو الطائفة. ومن التشوهات التي لحقت بمسمى الموقف النقدي، وبعيدًا عن التقيد بالموقف الأخ قااي وبالشرط المشروط، مساهمة مجموعة من المثقفين في مصر، مثً، في تقويض المؤسسات الديمقراطية الناتجة من ثورة 25 يناير تحت تأثير الخصومة الأيديولوجية مع التيار الإس مااي، فكانت النتيجة نسف المسار الثوري بكليته، وتسهيل عودة المؤسسة العسكرية إلى السيطرة على الدولة المصرية، بل تسهيل عودة «تأليه الحاكم» المنقذ لأمة والضامن لمستقبلها. و«في هذه الخيانة التي يقترفها المثقف تجاه دوره النقدي ووظيفته التنويرية، يحكم على نفسه بأن يتحول إلى لسان ناطق بالمنزع العصبوي، إلى كائن يرتضي النهوض بدور تفيه: الدفاع عن القبيلة كائنًا ما كان أمرها»84.

  1. بشارة، ص.142
  2. المرجع نفسه، ص.137
  3. بلقزيز، نهاية الداعية، ص.130

وكشفت الثورات أيضًا عن موقف فريق آخر من المثقفين، يريد أن يكون محايدًا وثوريًا معًا، ويقدم قراءاته للمرحلة على أساس محاباة السلطة حينًا ومشايعة الثوار أو المعارضين حينًا آخر. وكان من مخرجات هذا المسار المتناقض هو الإضرار بدور المثقف، والتلبيس على الشعوب، والتراجع النسبي للنقد. إن من الأولويات الملحة العناية الكبرى بمهمة نقد المثقف ودوره قبل الحديث عن الدور النقدي العمومي داخل المجتمع، وبإزاء مؤسسات الدولة وخططها ومشاريعها. بل تلك المهمة هي جوهر هذا الدور النقدي الذي على المثقف أن يضطلع به باقتدار وكفاءة. وحينئذ يكتشف المثقفون خطيئتهم المميتة التي لا تكمن في صوغ الأفكار، مهما كانت مضللة، ولكن في الميل إلى فرضها على الآخرين85؛ فهم يكتشفون تسلطهم على من يريدون تحريرهم، وجهلهم بموضوع التغيير، ومفعول الحجب والإقصاء في خطاباتهم، ومنطقهم الأصولي التراجعي في التعامل مع الأحداث والأفكار والأشخاص86. ولتفادي هذا المنطق، والابتعاد عن مفاعيل السلطوية والحجب والإقصاء، يتعين السعي إلى بلورة تصور واضح، وغير نمطي، للالتزام النقدي للمثقف أو للدور المعرفي النقدي الذي تحتاج إليه شعوبنا في مثل هذه المراحل والمنعطفات التاريخية الخطِرة، إذ تتعاظم أخطار الهيمنة الاستعمارية الجديدة للقوى الكبرى في العالم تحت عناوين جديدة مثل محاربة التنظيمات الإرهابية. بالمقابل تتقهقر في سلم أولوياتهم المبادرات الإيجابية الداعمة للتحول الديمقراطي في بلداننا، لفائدة تطوير التواصل والتنسيق مع الحكومات المستبدة في المنطقة العربية دونما خجل ولا شعور بالذنب. إن مطلب الالتزام الذي يمتلك راهنية إجرائية يصعب استبعادها، يفترض الانتباه إلى توافر ث ث مهمات: - أُولاها المهمة العلمية المعرفية وهي التنوير، وثانيتها المهمة الاجتماعية المرتبطة بمفهوم الحرية وهي الاستقلال الذاتي، وثالثتها المهمة الوطنية وهي حماية السيادة الثقافية87. على أن هذه المهمات ليست على جهة الحصر، كما أنها بحاجة إلى نقاش مجتمعي، غير نخبوي، يقفز على ما يمكن أن ندعوه «ممارسة دور القاضي على الدولة والمجتمع»، وذلك لتحقيق أمرين على الأقل: تحديد الدلالات المقصودة والعملية (القابلة للتحويل إلى إجراءات عامة) ومن ثم جعل الالتزام النقدي نوعًا من الالتزام المجتمعي المتوافق عليه. وهي أيضًا بحاجة إلى تجديد المعنى من بين تضاعيف الممارسة والتجربة، لأن «من الأمور الجوهرية جدًا، في أي فهم للثورات في العصر الحديث، أن تتزامن فكرة الحرية مع التجربة لبداية جديدة. وبما إن الفكرة الحاضرة للعالم الحر هي أن الحرية، وليست العدالة والعظمة، تمثل المعيار الأعلى للحكم على الهيئات السياسية، فإنه ليس فهمنا للثورة وحده، بل مفهومنا كذلك للحرية الذي هو ثوري الأصل، هما اللذان عليهما يتوقف قبولنا ورفضنا لذلك التزامن»88.

  1. Paul Johnson, «The Heartless Lovers of Humankind,» The Wall Street Journal , 5/1/1987.
  2. حرب، أوهام النخبة، ص.30
  3. أفاية، ص.112
  4. حنة أرندت، في الثورة، ترجمة عطا عبد الوهاب ومراجعة رامز بورسلان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0082)، ص.39

خاتمة: في بناء البدائل

من المثقف الفرد إلى المؤسسات الثقافية

استحضرنا في الفقرات السابقة جانبًا من العوائق والتحديات التي تعترض الدور النقدي للمثقف، خاصة في المراحل الانتقالية التي تعقب الثورات، وهو ما يفرض على أهل الفكر والنظر أن يسعوا لاجتراح البدائل والمقاربات النسقية على أساس فكرة تنوع المداخل الوصفية والتفسيرية، وفكرة تكامل المخرجات الإجرائية في الواقع السياسي والثقافي معًا. وبناء عليه، يكون مجديًا تقديم توصيفات دقيقة وجامعة للطور الانتقالي العربي لأجل فهم واستيعاب مآزقه وحاجاته، ومنها – بحسب كمال عبد اللطيف - الارتباك والمفارقة والمراجعات الكبرى89. تتجلى أبعاد الارتباك والمفارقة في جميع تفصيلات المشهد السياسي الثوري، بل حتى في البلدان التي لم تشملها هزات الربيع العربي واجتياحاته. ولا تنكشف خطوات الأطراف المتصارعة ومواقفها إلا عن تدهور متفاقم وارتباك مستمر. وتتجلى تلك الأبعاد أيضًا في مفردات الوضع الاجتماعي والثقافي العربي، إذ يعاني الوسط الثقافي، كما المجتمع العربي برمّته، على ما يبدو، غياب آلية إنتاجية وتبادلية مبدعة تتمثل في مسألة الاعتراف90. كما «أن المثقف أو المهتم بالمسألة الثقافية يشعر، أو يعي بشقاء نسبي ومتفاوت، أن مجال إنتاج وتداول الأفكار والرموز والقيم يسود فيه قلق بارز، وحيرة تستوطن ذاتية من يجد نفسه داخل هذا المجال أو قريبًا منه»91. إن تجاوز مفردات الارتباك والقلق في وضعنا السياسي والثقافي يفرض القيام بالمراجعات الفكرية الكبرى التي لا يمكن أن يتخلف عنها المثقفون الملتزمون بدورهم العمومي النقدي، الذي يقتضي منح الأولوية للعمل الثقافي الجماعي، وذلك ضمن منظور استراتيجي يستحضر مقولة محمد عابد الجابري: «نعم، نحن لا نقول بضرورة أسبقية الثورة الاجتماعية الاقتصادية السياسية، على الثورة الثقافية.. ولكن هل يمكن القيام بثورة ثقافية بواسطة ‹التبعية الثقافية للغير›؟»92. فالمراجعات الكبرى المطلوبة في المراحل الانتقالية تحتم علينا أن نؤسس على «أن ترتيب برنامج الطور الانتقالي لا يمكن أن يكون إلا جماعيًا. إنه برنامج يخص المجتمع في لحظة سعيه لتخطي آثار ما بعد الانفجارات، وبناء جسور العبور التي تهيئ للانتقال الديمقراطي. كما نفترض أن أزمنة ما بعد الثورات، تعد بامتياز أزمنة للتوافقات المرحلية الموقتة»93. وتكمن أهمية تنسيق الأدوار النقدية وتكاملها بين المثقفين - في نظرنا - في كونها لا تنحصر في دعم وترشيد عملية التحول الديمقراطي

  1. عبد اللطيف، «ما بعد الثورات العربية»، ص.26
  2. أفاية، ص.109
  3. المرجع نفسه، ص.108
  4. الجابري، المؤتمر الاستثنائي، ص.64
  5. عبد اللطيف، «ما بعد الثورات العربية»، ص.11

الذي تتطلع إليه شعوبنا، بل تكمن أيضًا في تأهيلها لمواكبة مجمل التحولات التاريخية التي تحيط بنا إقليميًا وعالميًا. ضمن هذا الأفق التاريخي الواسع، يتعين قبول التنوع الفكري والسياسي بما يسمح باحتمالات وممكنات، منها الاتجاه إلى استحضار سؤال مركزي هو: ما هي المؤسسات الثقافية العربية القادرة على التغيير؟ و«لأننا اليوم نعيش في عصر مؤسسات، وليس عصر الفرد، يكون المطلوب، إذًا، مؤسسات ثقافية عربية قادرة على جمع مثقفي التغيير ضمن برنامج تحدد نقاطه بأشكال مختلفة»94، ومنها الاتجاه إلى تطوير المؤسسات الثقافية الموجودة نحو استيعاب متطلبات المرحلة الانتقالية التي تتهددها أخطار الانق ب على مبادئ الثورة كما يجري التحضير له في بلدان أخرى غير مصر وفق سيناريوهات مختلفة (اليمن وليبيا). إن الاعتماد على مبدأ تفعيل العمل المؤسسي الثقافي لا يلغي الدور النقدي للمثقف الفرد، بل لا يمكن إنجاح الأول في غياب فعالية الثاني، خصوصًا إذا استحضرنا معطيات جوهرية مثل تفاوت الدور المعرفي، وتنوع الاتجاهات النقدية والمشاريع الفكرية في أوساط المثقفين، وهو ما لا يمكن تجاهله وإغفاله. كما يساهم العمل الجماعي، عبر قنوات الحوار والتعاون والتنسيق، في تقليص أخطار التباس الأدوار وتصادمها، ودعم صمود الجماهير الثائرة في وجه الثورة المضادة والتحالفات المحلية والإقليمية والدولية الداعمة لها.

مداخل إجرائية

بين أيدي النتائج والتداعيات المزدوجة، الإيجابية والخطِرة، التي أسفرت عنها الثورات العربية، يبدو لزامًا تفعيل الدور النقدي العمومي للمثقفين، أفرادًا ومؤسسات، في اتجاه بلورة مشروع نهضوي مفتوح على التحديات الأمنية والسياسية والثقافية التي باتت تهدد الروح الثورية في شعوبنا، وتتطلع إلى سحق جميع التطلعات نحو قيم العدالة والحرية والكرامة والمواطنة الكاملة. وعلى اعتبار أن «الديمقراطية التي بدأت في بلدان الربيع العربي تحتاج إلى زمن إضافي، ليكتمل نصابها، وقد تتعثر مرارًا»95، يتعين التمهيد لذلك المشروع النهضوي العربي باعتماد مداخل إجرائية لمعالجة جملة الاخت لااات والمآزق التي تشوه المشهد السياسي الانتقالي في كلٍّ من مصر وليبيا وسورية واليمن. إنها مآزق العنف القبلي والأيديولوجي والسياسي (الحالة الليبية)، والاستبداد العسكري والأمني (الحالة المصرية)، والتقويض الطائفي للدولة (الحالة اليمنية)، والتلاعب الإقليمي والدولي بمسار الثورة (الحالة السورية)، علاوة على استمرار مظاهر الجمود والتقليد ومسبباتهما في جوف المجتمعات العربية كافة. وهدفنا في هذه الفقرة أن نبسط القول في مضامين تلك المداخل الإجرائية، باتجاه فتح نقاش عمومي مثمر يهدف إلى تطوير المقترحات والآليات المبدعة بشكل عاجل وفعال.

  1. ضاهر، ص.120
  2. نصري الصايغ، مداخلة في: «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي»، ص.136

من العنف إلى التفاهم والتعايش

لا نبالغ إذا قلنا إن العقود العجاف التي أحكم فيها الاستبداد السياسي قبضته على مؤسسات الدولة، ساهمت على نحو وافر في ترسيخ ثقافة العنف بوصفها النتيجة الطبيعية لثقافة إقصاء وتجاهل مزدوجة مع استفحال آفة الأمية والجهل. ولعل الانهيار المفاجئ لأنظمة السياسية في بلدان الثورات، وغياب مشاريع سياسية وثقافية واضحة وم ئاامة لأطوار الانتقالية، وضعف فعالية الدور النقدي للمثقفين الثوريين، ومشاغبة مثقفي الأنظمة، واستئناف أجهزة ورموز «الدولة العميقة» للثورة المضادة مع دعم إقليمي ودولي... كلها عوامل ساعدت على تجدد أعمال العنف والقتل والتدمير بشكل راعب في الساحات والميادين العربية. يغدو من المحتم في سياق الدور النقدي للمثقفين أن يكون الخروج الآمن من دوائر العنف إلى دائرة التفاهم والتعايش، البند الأول في أي مشروع نهضوي مرصود لمعالجة مآزق الطور الانتقالي واخت لاااته، واستشراف إمكانات التحول الديمقراطي وصيغه. ولا يتأتى تفعيل ذلك الدور بغير الشروع في إجراءات متكاملة، علمية وعملية، نخبوية وجماهيرية، مباشرة وإع مااية، وباستخدام التقنيات والطرائق الحديثة في مجال التواصل الاجتماعي. يقتضي دور المثقفين المعرفي والنقدي أن يستثمروا الأحداث التاريخية الحية في الذاكرة الجماعية لشعوبنا من أجل التخويف من آثار العنف وترسيخ ثقافة الحوار، مثلما فعل المثقفون الإسبان الذين استندوا إلى استمرار حضور أهوال الحرب الأهلية الإسبانية في الذاكرة الجماعية، وهو ما دفع جميع الأطراف إلى تبنّي سلوك إيجابي وتوافقي خلال محطات الانتقال.

توطيد ثقافة الحوار المجتمعي الدائم

كشفت الوقائع المتسارعة والمواقف المتضاربة في السنوات الثلاث التي أعقبت انهيار أنظمة مستبدة في تونس ومصر وليبيا واليمن، استمرار أخطر الأمراض الاجتماعية والثقافية الفتاكة والمهددة لحاضر المجتمعات ومستقبلها، وهو غياب الحوار المجتمعي بوصفه آلية مبدعة ومنتجة لأفكار والمقترحات والحلول، وبوصفه الجسر الرابط بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. تجلت ثقافة الإقصاء والتجاهل والإبعاد في الطور الانتقالي، بكل مشاهده الأليمة، ولم تفلح الآليات والمسارات الديمقراطية (الانتخابات التشريعية والرئاسية - صوغ بنود الدستور...) في إخفاء ذلك التشوه الثقافي المزمن الذي سرعان ما عاد بصيغة أكثر همجية وعنفًا مع انق ب 3 تموز/ يوليو 0132 في مصر، ومع الصراع المسلح في اليمن وسعي الحوثيين لتقويض الدولة. ليس الحوار المجتمعي الدائم وظيفة السياسيين فحسب، وإنما هو أيضًا بند مهم في المشروع النقدي للمثقفين من أجل معالجة أزمات التحولات التاريخية الكبرى، فضً عن تدبير قضايا

الواقع السياسي والاجتماعي المعتاد. هكذا يكون من جملة الأولويات، بل في مقدمتها، مباشرة الحوار أولً بين جماعات المثقفين ومؤسساتهم وأنديتهم، دعمًا وترشيدًا لمسار الحوار والتفاوض السياسي. كما يقتضي التمهيد للحوار المجتمعي حضور المثقفين الدائم في قلب الحراك المجتمعي، مساندين تطلعاته ومشاركين في معالجة أزماته وإشكالاته. ولنتدبر تجربة المثقفين الإسبان96 الذين تميزوا خ لاا عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بالتزامهم السياسي ومشاركتهم العملية، إذ ارتبطوا عضويًا بباقي مكونات الحراك المجتمعي: الحركة الط بااية في الجامعات والنقابات والأحزاب السياسية. وتقتضي الإفادة من تجارب الأمم والشعوب أن يتجنب المثقفون المآلات الخطِرة الناجمة عن تحويل نتائج الجدل الفكري والتناظر المعرفي إلى فرصة للتفتيت والشقاق الاجتماعي، مثلما أشار عالم اللاهوت إدوارد زبارك متحدثًا عن أدوار المثقفين في المجتمع الأميركي: «نحن نظلم عقولنا عندما نلاحق الصعوبات العلمية لننتهي إلى ساحة للفتنة والشقاق وسط الشعب»97.

الميثاق الثقافي

ينبغي ألا يجري الحوار الثقافي المجتمعي المطلوب إلى وجهة مجهولة، تمامًا مثل الحوار والتفاوض السياسي. وإنما المتوقع أن تكون لذلك الحوار مخرجات محددة مضمونًا ومنهجًا وآليات، تتفاعل مع المستجدات المتسارعة في هذه المرحلة التاريخية الخطِرة التي تجتازها شعوبنا تحت ضغوط العنف الطائفي والقبلي والاغتيال المعنوي والولاء لأجنبي. وسيكون من المفيد جدًا لأمتنا أن تصاغ تلك المخرجات عبر مبادئ وبنود واضحة، يمكن تبويبها تحت مسمى «الميثاق الثقافي» الضامن لتوحيد الوجهة والمقاصد والأولويات، والقابل لأن يصير أرضية لبرامج مضبوطة توقيتًا وتنفيذًا. ذلك الميثاق هو ثمرة الحوار الشامل بين المثقفين أفرادًا وأندية ومؤسسات ومنظمات، وهو نتيجة توافقات ضرورية تاريخيًا ومصيريًا لحماية الهوية الجامعة، ولخوض معركة التأهيل النوعي لمقدرات الأمة ورأس مالها الرمزي. نعم، ستكون ثمة عقبات مختلفة (سياسية بالدرجة الأولى) تقف في سبيل المثقفين نحو إنجاز ذلك الميثاق، وهذا مفهوم ومتوقع في سياق التحولات الإقليمية والعالمية الراهنة. لكن نقطة الارتكاز لدينا هي أن اتخاذ الموقف المنحاز إلى مصالح الشعوب لا الأنظمة هو جزء أصيل في تعريف المثقف ودوره المعرفي والنقدي.

  1. (نذكر من بين هؤلاء: خوسيه ماريا بالبيردي (Pacheco Valverde a í Mar é Jos)، وإنريكي تييرنو (n á TiernoGalv Enrique)، وأنطونيو توبار (Tovar Antonio)، وأغوستين غارثيا كالبو (Calvo a í Garc n í Agust) وخوسيه لويس لوبيث أرانغورين). Jos é Luis L ó pez Aranguren(
  2. Thomas Bender, Intellect and Public Life: Essays on the Social History of Academic Intellectuals in the United States (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1993), p. 12.

المصادر والمراجع

العربية

كتب

للترجمة،.2008

منتدى المعارف،.2012

لأبحاث والنشر،.2010

مركز دراسات الوحدة العربية،.2000

وشهادات؛ 8. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.2002

و التوزيع،.1994

المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ مؤسسة الفكر العربي،.2012

لأبحاث ودراسة السياسات، 012.2

دوريات

بشارة، عزمي. «عن المثقف والثورة». تبين. السنة 1، العدد 4 (ربيع 2).013

العدد 3 (كانون الثاني يناير-آذار/ مارس.)2001

References أرندت، حنة. في الثورة. ترجمة عطا عبد الوهاب ومراجعة رامز بورس ن. بيروت: المنظمة العربية بلقزيز، عبد الإله. ثورات وخيبات: في التغيير الذي لم يكتمل. تقديم محمد الحبيب طالب. بيروت: ________. نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين. ط.2 بيروت: الشبكة العربية الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. ط.2 بيروت: ________. المؤتمر الاستثنائي: الجزء الأول، مرحلة الإعداد التنظيمي والفكري. مواقف إضاءات حرب، علي. أوهام النخبة أو نقد المثقف. ط.3 الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2004 العيادي، عبد العزيز. ميشال فوكو: المعرفة والسلطة. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر الكتبي، إبتسام [وآخرون]. إلى أين يذهب العرب؟: رؤية 30 مفكرا في مستقبل الثورات العربية. فكرة وتقديم سليمان عبد المنعم؛ مراجعة وتدقيق حسن جواد قبيسي ورفيف رضا صيداوي؛ إعداد الرسوم البيانية والجداول رفيف رضا صيداوي ورنا غوش؛ منسقة المشروع ع ماجد. معارف. بيروت: مالكي، أمحمد [وآخرون]. ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات. بيروت: المركز العربي حرب، علي. «فكر النهضة بين الإحياء والتنوير: محمد حسين هيكل مثالً». عالم الفكر. السنة 92، «حلقة نقاشية: المثقفون العرب والربيع العربي: تحليل أداء». المستقبل العربي. السنة 36، العدد 415 (أيلول/ سبتمبر.)2013

ورقة مقدمة خلال مؤتمر

عبد اللطيف، كمال. «ما بعد الثورات العربية: زمن المراجعات الكبرى». ورقة مقدمة في السنوي الثالث للعلوم الاجتماعية والانسانية، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، تونس، -2022 آذار/ مارس 014.2

الأجنبية

Aron, Raymond. The Opium of the Intellectuals. Translated by Terence Kilmartin.

Norton Library; N106. New York: W. W. Norton and Co., 1962.

Bender, Thomas. Intellect and Public Life: Essays on the Social History of Academic

Intellectuals in the United States. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1993.

Cohen-Solal, Annie. Sartre: 1905-1980. Collection Folio. Essais; 116. Paris: Gallimard,

Desanti, Jean-Toussaint. Le Philosophe et les pouvoirs: Entretiens avec Pascal Lain é et

Blandine Barret - Kriegel. L’Ordre des choses. Paris: Calmann-Lévy, 1976.

Gramsci, Antonio. Selections from the Prison notebooks of Antonio Gramsci. Edited

and Translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith. New York: International

Publishers, 1971.

Jennings, Jeremy and Anthony Kemp-Welch (eds.). Intellectuals in Politics: From the

Dreyfus Affair to the Rushdie Affair. London; New York: Routledge, 1997.

Tendi, Blessing-Miles. How Intellectuals Made History in Zimbabwe. London: Africa

Research Institute, 2010.