Return to Article Details The Islamic State and Jihad in the Age of Modernity: An Exploration of Contemporary Concepts and Experiences

الدولة الإسلامية والجهاد في زمن الحداثة قراءة في المفاهيم والتجارب المعاصرة

The Islamic State and Jihad in the Age of Modernity

حمزة المصطفى

Hamzeh al-Moustafa

الملخّص

تسعى هذه الورقة إلى تقديم مقاربة جديدة لنشأة الحركات الجهادية عموما وتنظيم داعش خصوصا تختلف عما هو سائد في الأدبيات العربية والغربية والتي عادة ما تربط دوافع نشأة هذه الحركات بالعودة إلى الماضي ونماذج الحكم التي كانت سائدة في القرون الوسطى. تفترض الدراسة أن مصطلح الدولة الإسلاميّة نشأ في إطار الاشتباك الإسلامي مع الحداثة والدولة الحديثة، وبأنه في تعريفه الإجرائي لا يغدو عن كونه محاولة لأسلمة الدولة الحديثة. وعليه، فإن الحركات الجهادية التي تلقفت هذه المصطلح وكأنه مقابل مضاد للدولة الحديثة أنتجت مشروعا في سياق الحداثة والدولة الحديثة يختلف جذريا عما تصبو إليه، وقد برز ذلك عيانا في تجارب نسميها مجازا "دولتية "كما هو الحال مع تجربة طالبان في أفغانستان، وتجربة داعش حاليا.

Abstract

Abstract: This paper presents a new approach to the emergence of jihadist movements in general and the Islamic State (ISIL) in particular, an approach which differs from those prevalent in Arab and Western literature that usually links the motives behind the emergence of these groups to the return to the past and medieval models of government. This study assumes that the term «Islamic State» emerged in the context of Islam’s clash with modernity and the modern state, and that in its procedural definition it is no more than an attempt to Islamize the modern state. Accordingly, jihadist movements that have seized on this term, as if it were the opposite to the modern state, have produced a project in the context of modernity and the modern state that is radically different from their intended one. This is clear in experiences which we term «state-like», as was the case for the Taliban in Afghanistan and is presently the case for ISIL.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة الحديثة
  • الجهاد
  • الدولة الإسلامية
  • الحداثة
Keywords:
  • Islamic State
  • Modernity
  • Jihad
  • Modern State

قراءة في المفاهيم والتجارب المعاصرة

An Exploration of Contemporary Concepts and Experiences

مقدمة

بعد سقوط الموصل وانهيار الجيش العراقي في عدد من المحافظات العراقية في 01 حزيران/ يونيو 0142، اعتلى أبو بكر البغدادي، أمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (دولة العراق الإس مااية سابقًا)، منبر المسجد الكبير في مدينة الموصل، وأعلن قيام «الدولة الإس مااية»، ونصب نفسه «خليفة» للمسلمين، داعيًا الناس إلى التجهز لتثبيت ركائز الدولة المبتغاة1، وما وصفه ب « الحلم» الذي طال انتظاره منذ سقوط الخلافة الإسلامية سنة 924.1 وأمام هول الصدمة لهذا الإعلان الذي كسر – حينها - رتابة النظام الدولي الحديث المؤسس على معاهدة وستفاليا 1648، لم يك لدى الحكومات الغربية المهووسة بحرب كونية ضد الإرهاب من خيارات لتفسير صعود تنظيم أصولي أشد عنفًا من سابقيه إلا العودة إلى القرون الوسطى، زمان ما قبل الحداثة والدولة الحديثة. وفي زمن التعميم المبتذل لنتائج برامج دراسات الشرق الأوسط في الغرب، والمعرفة التسطيحية السريعة أو (معرفة الماكدونالدز) على ما يسمّيها حميد دباشي في كتابه الربيع العربي ونهاية حقبة ما بعد الاستعمار2، بات من النادر في الأدبيات الغربية إيجاد تشريح دقيق للظاهرة الجهادية المعاصرة خارج المنظومة المعرفية الاستشراقية، بكل ما تنطوي عليه من حمولة أيديولوجية تبريرية. وعلى غير السائد غربيًا، نشر كيفن مكادونالد، وهو أستاذ علم الاجتماع في جامعة ميدلسكس في بريطانيا، مقالً قصيرًا في صحيفة الغارديانالبريطانية (9 أيلول/ سبتمبر 0142) بعنوان «جهاديو داعش ليسوا قروسطيين- لقد تشكلوا أو « ‹تأثروا› بفلسفة الحداثة الغربية»، نسف فيه الطروحات والمعالجات الرائجة غربيًا عن الحركات الجهادية عمومًا، وتنظيم «داعش» خصوصًا3. وما زاد الطين بلة في النقاش المحتدم حول المقال وصاحبه آنذاك، عبارة افتتاحية «استفزازية» دعا فيها ماكدونالد إلى فهم أيديولوجية «داعش» وعنفه انطلاقًا من الثورة الفرنسية وفق الآتي: France revolutionary to look should We «

if we want to understand the source of Islamic State ’ s ideology and violence »4.

لا تنبع أهمية طرح ماكدونالد من غرابته؛ فهو واحد من بعض أصوات كثيرة في الأكاديميا الغربية،

مثل جون غري (Gray. J)، صاحب كتاب Al Qaeda and What It Means to Be Modern

(القاعدة ومعنى أن تكون حداثية)، وأوليفيه روا (Roy. O) في كتابه Holy Ignorance: When Culture Part Ways Religion and (الجهل المقدس: زمن دين ب ثقافة)، وأنطونيو نيغري (A. Negri (ومايكل هاردت (Hardt. M) في كتابهما المشترك Empire (الإمبراطورية)، وزيغمونت باومان Bauman). Z) في كتابه Liquid-modernity (الحداثة السائلة)، قاربت المسألة الجهادية،

  1. انظر: «خطبة الجمعة في الجامع الكبير في الموصل لأبو بكر البغدادي»، يوتيوب (تاريخ التحميل 2014/7/5)، https://www.youtube.com/watch?v=dIRf0EJuPak في:
  2. Hamid Dabashi, The Arab Spring: The End of Postcolonialism (London; New York: Zed Books, 2012).
  3. Kevin McDonald, «Isis Jihadis Aren’t Medieval – They are Shaped by Modern Western Philosophy,» The Guardian , 9/9/2014: at: http://www.theguardian.com/commentisfree/2014/sep/09/isis-jihadi-shaped-by-modern-western- philosophy?CMP=fb_gu.
  4. Ibid.

ونشوء الحركات العنفية «الحركات الانفجارية» باعتبارها رد فعل متوقعًا وطبيعيًا على مشروع الحداثة الغربي وتوظيفاته الكولونيالية، خاصة في مرحلة العولمة والهيمنة الأميركية. لكن ما ميز طرح ماكدونالد هو اعتماده مقاربة شمولية تنطلق من مفهوم الحداثة وأفكارها ومرتكزاتها وصيرورتها وتجلياتها لإثبات أن الجهادية المعاصرة وتمثلّاتها الإجرائية الأخيرة، على رأسها «داعش»، لا تعد ظاهرة قديمة تعود إلى العصور الوسطى، كما أنها ليست رد فعل على الحداثة أو مفرزًا جانبيًا من مفرزاتها، وإنما هي ظاهرة حداثية بحتة، نشأت في كنفها واستلهمت مفاهيمها وتطبيقاتها، وتماهت مع صيرورتها، مع أنها، أي الحركات الجهادية، روّجت لنفسها باعتبارها مشروعًا مقاومًا للحداثة، وبديلً ماضويًا من مشروعها الدولتي الحديث. يحفزنا الطرح السابق على إعادة التفكير في الظاهرة الجهادية المعاصرة، وهو ما تشتغل عليه الدراسة، التي تناقش من ناحية أخرى علاقة الأخيرة بالحداثة، في إطار اشتباك مفاهيمي في جوانب مختلفة، وخاصة في الجزئية المتعلقة بمفهوم الدولة. وتسعى إلى استقراء نشأة الحركات الجهادية وطروحاتها في إطار تفاعلاتها مع الدولة الحديثة لتبرهن أن الخطاب الماضوي لهذه الحركات الداعي إلى إعادة الخلافة الإسلامية يمثّل أيديولوجيا خطابية لضرورات الحشد والتجنيد والتعبئة أكثر مما هو مشروع حقيقي تنشد الوصول إليه. تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن مصطلح الدولة الإسلامية مصطلح حداثي نشأ في سياق الاشتباك الإس مااي مع الحداثة، وأن النموذج المتخيل ل «الدولة الإسلامية» عند تيار الإس ماا السياسي «الحركي» والحركات الجهادية المنبثقة عنه هو نموذج جديد يختلف جذريًا عن أشكال أنظمة الحكم في السياق التاريخي الإسلامي، بحيث لا تعدو الطروحات بشأن الدولة الإسلامية كونها محاولات ل «أسلمة» الدولة الحديثة لا العودة إلى نظام الخلافة، أو ما شابه.

الحداثة وما بعدها: تعريفات وإشكالات

ينطوي مصطلح الحداثة على تعريفات عدة لا يمكن حصرها هنا، ولكنها في العموم تشير إلى ثلاثة مفاهيم: المفهوم الزمني والمفهوم العلمي والمفهوم الفلسفي. يرتبط المفهوم الزمني ب «ما هو جديد» في مقابل «ما هو قديم» أو « قبل جديد». ويرتبط المفهوم العلمي بمرادفات مثل «إبداع» و«تقنية» و«تطور». أما المفهوم الفلسفي، فهو إشكالي، يتباين باختلاف المفكرين والمنظّرين والمدارس، وهو ما يجعل الحداثة تنطوي على مفاهيم فلسفية متعددة لا على مفهوم واحد؛ فهي تغيير من أجل التغيير وثورة مستمرة لا تنتهي ونفي مستمر وتجديد من أجل التجديد، أو جديد من أجل الجديد5. وإذا ما تجاوزنا مأزق التعريفات والمفاهيم، يمكن القول إن الحداثة قامت وتأسس منهجها على ثلاثة أسس هي: محورية الإنسان (الذاتية)، والعقل الحسي باعتباره مصدر المعرفة (العقلانية)، والحركة وقانون التطور العام في الوجود.

  1. صدر الدين القبانجي، الأسس الفلسفية للحداثة دراسة نقدية مقارنة بين الحداثة والإس ماا، إعداد عادل الفت وااي (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، 0112)، ص.25-23

ثمة شبه إجماع على بداية الحداثة كحقبة تاريخية تأسست على أفكار التنوير الأوروبي في القرن السابع عشر، محْدثة قطيعة فكرية وتاريخية مع ال هااوت والكنيسة، لكن لا يوجد اتفاق على نهاية هذا الحقبة؛ فالحداثة عند نيتشه وآخرين انتهت كمرحلة تاريخية في أواخر القرن التاسع عشر، وبدأت بعدها مرحلة «ما بعد الحداثة»، وهي مرحلة إشكالية كونها لا تقدم مسمى واضحًا أو توصيفًا ساطعًا لماهيتها، بل تعرّف نفسها بنفي سابقتها. على الجانب المقابل، ثمة من يقول إنها حقبة تاريخية لم تزل قائمة ومستمرة6، كما إنها «مشروع لمّا يكتمل»، على ما يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في كتابه القول الفلسفي للحداثة7. نميل في هذه الدراسة إلى الرأي الثاني؛ فالدولة بمفهوم الحداثي لم تزل حتى وقتنا الراهن الإنجازَ الأهم الذي تعيشه البشرية في كنفه، ومن خلالها تعرف العلاقات الدولية المعاصرة. ضمن هذا السياق، لا بد من تمييز الحداثة من التحديث، فالحداثة تمثّل ظاهرة تاريخية إنسانية تعرف بعلاقاتها التناقضية بما يرتبط بالتقليد أو بالتراث أو بالماضي. أما التحديث، فهو شرط لازم ولكنه غير كاف للحداثة؛ إذ لا يمكن إط ق نعت «حداثي» على من يستعمل الأدوات والتكنولوجيات الحديثة ما لم يرافقه إحداث تغيير عقلي وذهني في النظرة إلى الإنسان والكون والعالم8. بناء عليه، لن تركز الدراسة على الاستخدام الأداتي للوسائل والاختراعات الحديثة أو للتكنولوجيا الحديثة في اختبار فرضيتها. إذا كانت الحداثة توصف بصفات الفردانية والتحرر والعلمانية، فإن مشروعها الأهم، كما أسلفنا، هو الدولة الحديثة، أو الدولة القومية (Nation - state)؛ إذ لا يمكن تأريخ الحداثة كحقبة تاريخية إلا بنشأة الدولة الحديثة «القومية» بعد معاهدة وستفاليا 1648، تلك التي قامت على أربعة أسس ومبادئ هي9: • شمولية العقل، ومرجعيته: يمثّل العقل، وفقًا لهذه المقولة، قاسمًا مشتركًا بين البشر؛ فهُم متساوون فيه، وهو المرجع الأوحد للتفكير والتصرف الإنساني. وقد مثّلت هذه المقولة تحديًا للكنيسة بعد أن كانت في العصور السالفة المرجع الوحيد في سائر الشؤون الدينية والدنيوية. • الحق الطبيعي: إنه فكرة لها أصول قديمة لكنها لم تنضج حتى القرن الثامن عشر، وهي ترى أن الإنسان يمتلك منذ ولادته الحرية بجوانبها المختلفة. • العقد الاجتماعي: مفهوم نشأ لتنظيم الحق الطبيعي في الحرية، ويقوم على فكرة مؤداها أن الإنسان الفرد لا يستطيع القيام بجميع ضرورياته، ويحتاج إلى سلطة تمنحه حقوقًا وتفرض عليه واجبات. وقد اختلفت طبيعة هذا العقد وشكله باختلاف المفكرين (هوبز ولوك وكانط وروسو... إلخ).

  1. Mariwan Nasradeen Hasan Barzinji, «Modernism, Modernity and Modernisation,» Research on Humanities and Social Sciences , vol. 3, no. 12 (2013), p. 44, at: http://www.iiste.org/Journals/index.php/RHSS/article/viewFile/7114/7346
  2. للتوسع انظر: يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 9951)، ص.7-5
  3. Barzinji, p. 45.
  4. رضوان السيد، أزمنة التغيير: الدين والدولة والإس ماا السياسي (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، 0142)، ص.23-20

• الحقوق الفردية: تعتمد على المبادئ الثلاثة السابقة، وتنص على حقوق الأفراد وحريتهم ومصالحهم في القوانين. يمكن القول إن الحداثة قامت، من خلال مشروعها الدولتي، بنقل البشرية إلى مرحلة غير مسبوقة من تنظيم حياة الأفراد وضمان حريتهم. لكن عند مناقشة العلاقة الجدلية بين أفكار الحداثة وتطبيقاتها العملية في الواقع الاجتماعي والسياسي، يظهر عجز الحداثة وأفكارها عن تحقيق غاياتها المنشودة. وبحسب نقاد الحداثة، فإن التفكير العقلاني «الأداتي» والتطور التكنولوجي أوجدا هيمنة شاملة على البشرية، وبرزت في عتمتهما أنظمة شمولية وتسلطية وفاشية قيدت حرية الإنسان، وساهمت في تدمير البشرية عبر الحروب والصراعات والفوضى10، وأنتجت في بلدانها مآزق هوياتية وحضارية ساهمت بدورها في بزوغ أصولية دينية جديدة. وبهذا المعنى، تطورت الحداثة ضد ذاتها، وأضحى كل مدافع عن مشروعها الراهن يواجه، بحسب وائل حلاق، ثلاث نقائص مهمة هي11؛ • مشكلات ناجمة عن مشروع التقدم والرأسمالية والنزعة التصنيعية التي خلّفت الفقر والجوع والمرض. • تفكك البنى العضوية الاجتماعية الأسرية في ظل رأسمالية الدولة، وهو ما كوّن فردًا مغتربًا ونرجسيًا. • الآثار الكارثية لمشروع التحديث على العالم الطبيعي الذي نعيش فيه، والذي انعكست تبعاته على الفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسية.

الاشتباك الإسلامي مع الحداثة والدولة الحديثة

الدولة الحديثة منتج غربي أوروبي، تأسس على أفكار التنوير الأوروبي وفي قلبها فكرة « السيادة»، وهي فكرة متخيَّلة تعبّر عن إرادة «تمثيل الأمة» ضمن كيانها الجغرافي (إقليم السيادة). يتساوى في هذه الدولة المواطنون أمام القانون، وتمتلك السلطة التشريعية فيها حق التشريع بما يتناسب وحياة أفرادها، بحيث تنهل من مصادر وضعية في غالبيتها، أو مصادر لا يغلب عليها البُعد الديني، وتحتكر فيها السلطة التنفيذية حق استخدام العنف. قامت الدولة الحديثة على قواعد عقلانية بحتة ميّزتها من نماذج حكم ثيوقراطية سابقة، وهي بهذا المعنى «لم تكن ممكنة إلا في الغرب»، على ما يقول الفيلسوف الألماني كارل شميت في مقالته الشهيرة » Political Theology » («اللاهوت السياسي)، حيث جرى «علمنة» جميع المفاهيم ال هااوتية في الدولة الحديثة12، فاستُبدلت « سيادة الله» ب «سيادة الشعب»، وحل « الدستور» مكان « الكتاب المقدس»، و «المواطنة» مكان «إخوة الدين»، وعوضت قداسة «الوطن» الكنيسة، وغيب العلم «الشعار الديني» أو احتضنه «الصليب» بصورة شكلية بعد تحويله إلى رمز إيماني ذاتي، ولم تعد التراتيل الكنسية تُدب الحماسة في نفوس المواطنين كما

  1. 1إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة (بيروت: دار الساقي، 0122)، ص.314
  2. وائل ب. ح قاا، الدولة المستحيلة: الإس ماا والسياسة ومأزق الحداثة الأخ قااي (بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 0142)، ص.35-33
  3. Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty , Translated by George Schwab; Foreword by Tracy B. Strong (Chicago: University of Chicago Press, 2005), pp. 36-37.

تفعل كلمات النشيد الوطني. وبتوصيف آخر مختصر، أعلنت الدولة الحديثة «ألوهيتها» في تدبير شؤون البشر وتسيير أمورهم. تأسيسًا على ما سبق، صاغ وائل ح ق أطروحته حول الدولة الإس مااية «المستحيلة»، إذ مايز بين الدولة الحديثة القائمة على قواعد عقلانية بحتة، وما سمّاه «نظام الحكم الإس مااي» ليس فقط في السياق التاريخي، وإنما في الأسس الأخلاقية والقانونية والسياسية والاجتماعية أيض ا؛ ففي الحكم الإس مااي، تحل الجماعة «الأمة» محل الشعب، ويسود القانون الأخ قااي «الشريعة» بدل القوانين الوضعية التي لا تعير اهتمامًا لهذا البُعد القيمي13. جبّت الدولة الحديثة كل ما قبلها، ولم تعد نماذج الحكم الدينية أو الإمبراطورية قادرة على الدفاع عن نفسها أمام طغيان «البراديغم» (النموذج)، وهذا ما دفع الإمبراطورية العثمانية إلى القيام بسلسلة من الإصلاحات المعروفة بالتنظيمات بين سنتي 83918761 و والتي كانت نقطة البداية في عملية فصل تدريجي للديني عن الدنيوي، ونزع المقدس (الشريعة) عن الحكم، مع الإبقاء على مبدأ الولاية الدينية «الخ فااة». كانت التنظيمات أول اشتباك إس مااي مع الحداثة، إذ اعتمدت السلطنة في سنة 1 840 قانون العقوبات العثمانية المؤسس على القانون الجنائي الفرنسي «الوضعي» الصادر سنة 8101، فأُلغيت، على سبيل المثال لا الحصر، عقوبة رجم من يزني، وقطع يد من يسرق. وفي سنة 8581، أضاف القانون الجنائي العثماني مادة ألغت الردة كجريمة، لأول مرة في تاريخ الإسلام. كما استُبدلت المحاكم الشرعية بالمحاكم النظامية أو العدلية، هذا عدا عن سحب كثير من صلاحيات شيخ الإسلام (السلطة الدينية)، واستحداث برلمان، وكتابة دستور... إلخ. وقد تكللت هذه الإص حات باعتماد قانون الجنسية العثماني سنة 1869 الذي عدّ، ولأول مرة، المسلم غير العثماني أجنبيًا14. وعلى الرغم من تراجع السلطنة قبل انهيارها عن كثير من هذا الإص حات، فإنها كانت البداية لتأسيس الدولة الحديثة على أنقاض نموذج الحكم الديني/ الإمبراطوري. وإذا كانت «تنظيمات» الخلافة قد بدأت الاشتباك الإسلامي مع الحداثة، فإن الاشتباك تعمّق بشكل أكبر بعد إلغاء الخلافة في سنة 9241، بكل ما تكتنفها من رمزية دينية ودنيوية عند المسلمين. ومع أن قيام الدولة الحديثة، بوصفها واقعًا موضوعيًا في العالم العربي والإسلامي، لم ينتظر سقوط الخلافة، فإن هذا الحدث أنشأ لاهوتًا جديدًا في الفكر الإس مااي هو «لاهوت الخ فااة». وبزغت في الفترة الممتدة بين عشرينيات القرن الماضي وخمسينياته نزعة دينية إحيائية تفاوتت في شكلها وطبيعتها، ولكنها تلاقت على فكرة «الجامعة الإسلامية» واستعادة الخلافة15. ويُعَدّ نشوء حركات الهوية الدينية، مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر سنة 9281، والحركات والجماعات والجمعيات ذات الطابع الدعوي التربوي، والتي تسيست بالتدريج لمواجهة الاستعمار والغزو السياسي والعسكري الثقافي

  1. حلاق، ص 68، -72.10575 و
  2. عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 0082)، ص.113-112
  3. عبد الرحمن الحاج، «مفهوم الدولة الحديثة وإشكالاتها في الفكر الإسلامي السياسي المعاصر»، في: أنور أبو طه [وآخرون]، مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين، حرره وقدم له معتز الخطيب (بيروت: جسور للترجمة والنشر، 2016)، ص.221-220

عبر نموذج الدولة الحديثة، مثالً شارحًا للمأزق الهوياتي الناجم عن غياب/ تغييب الخلافة16. ومع أن المخيال الجمعي كان رافضًا لهذا التكوين الحداثي المسمى «الدولة القومية»، فإن هذه الدولة رسخت وجودها باعتبارها واقعًا يصعب تغييره. وبناء عليه، تلاشت النزعة الإحيائية بالتزامن مع موجة الاستق لاا والتحرر من الاستعمار في خمسينيات القرن المنصرم وظهور ما سمّي تيار «الصحوة الإس مااية»، لتبدأ مرحلة جديدة نسمّيها «أسلمة الدولة الحديثة»، وهي مرحلة استندت إلى أفكار أبو الأعلى المودودي بشأن الحاكمية، والتي اعتمدها سيد قطب، وغدت من بعده العنوان الرئيسي لطروحات حركات الإس ماا السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين. ضمن هذا السياق، لا يمكن إغفال الأثر الكبير الذي خلّفه قيام الدولة السعودية كدولة حديثة تقترب مرتكزات نشأتها من مرتكزات الدولة الحديثة، وكانت في الوقت ذاته مستندة إلى أيديولوجيا دينية «وهابية»، ومثّلت نموذجًا تطبيقيًا للتشابك والتداخل والتوالد أيضًا بين ما هو «تقليدي» تحن الشعوب إلى بعض جزئياته، وما هو «حديث» تعيش فيه17. كما تجدر الإشارة أيضًا إلى التأثير الذي أحدثته الثورة الدستورية الإيرانية في الشاه مظفر الدين سنة 1906، والتي انتهت بكتابة أول دستور لإيران، وإجراء انتخابات نيابية، وتأسيس دولة حديثة لها دستور «وضعي» ومجلس نيابي (الشورى) يسن تشريعاتها وقوانينها، على أن يمتلك رجال الدين (آيات الله) حق الاعتراض على هذه القوانين18.

أسلمة الدولة الحديثة

لنا أن نقر بأن إحياء الخلافة واستعادتها وتحكيم الشريعة في أي بقعة جغرافية كانت أولوية في فكر جماعة الإخوان المسلمين؛ فالإسلام، على يقول مؤسسها حسن البنا في رسائله الشهيرة، هو «عبادة وقيادة، دين ودولة، روحانية وعمل، صلاة وجهاد، وطاعة وحكم، ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هذين عن الآخر»19. على الرغم من ذلك، كانت دعوة الجماعة في عهد البنا دعوة تركيبة مفاهيمية للتواؤم مع الطبيعة الجماهيرية لهذا الحركة، وانطوت على بُعد شمولي يمكن تلمسه في توصيف البنا لدعوة الحركة بأنها «دعوة سلفية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»20. ونتيجة لشمولية الدعوة وإطارها التراكمي، لم

  1. السيد، أزمنة التغيير، ص.97-96
  2. للتوسع في هذا الموضوع انظر: خالد الدخيل، الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 0142)، ص.31
  3. 1علي محافظة، إيران بين القومية الفارسية والثورة الإسلامية، سياسة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 0132)، ص.36-34
  4. 1انظر: رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، في الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين: http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D984%_%D8%A7%D9 84%%D8%A5%D985%%D8%A7%D985%_%D8%A7%D984%%D8%B4%D987%%D98%A%D8%AF_%D8%A D%D8%B3%D986%_%D8%A7%D984%%D8%A8%D986%%D8%A7 وكذلك: رفعت سيد أحمد، قرآن - وسيف: من الأفغان إلى بن لادن: من ملفات الإس ماا السياسي: دراسة موثقة (القاهرة: مكتبة مدبولي، 0022)، ص.42
  5. 2رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، في الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، وعبد الغني عماد، حاكمية الله وسلطان الفقيه: قراءة في خطاب الحركات الاسلامية المعاصرة، المفكر العربي، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 0052)، ص.26

يكن للبنا موقف جذري ضد الملك فاروق ومملكته المتماهية في بنيتها مع بنية الدولة الحديثة، ولم يعارض مؤسسات الحكم أو الدستور، بل كتب في مجلة النذير مؤيدًا للدستور، ودعا إلى احترامه، وحذر من أي محاولات الطعن فيه21. بناء عليه، يمكن القول إن النزعة الدينية الإحيائية ممثّلة بأفكار البنا حاولت التكيف عمليًا مع نموذج «الدولة الحديثة» من منظور العمل السياسي اليومي لا التنظير الفكري، أو التأصيل الشرعي. وفي رأينا، حاول البنا استنساخ تحالف الوهابية مع آل سعود في مصر لكن بأثر رجعي، بمعنى استعادة الخلافة وتنصيب فاروق خليفة للمسلمين. لكن نكبة فلسطين وتوقيع الملك فاروق اتفاق الهدنة أنهيا مرحلة الود بين الجانبين، وشرعا الأبواب لمرحلة جديدة بدأت مع اغتيال البنا في سنة 949 1، ومن ثم انق ب تموز/ يوليو 1 952 في مصر، وصدام عبد الناصر مع الجماعة، ودخول الأخيرة في ما تسميه «محنة الخمسينيات»، وما نجم عنه من تغيرات فكرية لجهة اعتماد «فكرة الحاكمية» التي صاغها أبو الأعلى المودودي وتلقفها سيد قطب. فسر المودودي في كتابه الخلافة والملكمصطلح «الحاكمية» من منظور قانوني كلي وجزئي؛ فالقرآن والسنّة يمث ن القانون العام الأعلى للدولة في سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية المختلفة، وفق الآتي: «إن حكم الله ورسوله في عين القرآن هو القانون الأعلى الذي لا يملك المؤمنون إزاءه سوى اختيار سبيل الطاعة والانصياع، فلا يحق لمسلم أن يصدر من نفسه حكمًا في أمر أصدر الله ورسوله حكمًا والانحراف عن حكم الله ورسوله نقيض الإيمان وضده»22. هذا التعريف للحاكمية بهذا «التعميم»، ومن دون تفصيل، يجعل من التقابل الندي بين الإرادة الشعبية والحاكمية الإلهية حاصً في الفهم للوهلة الأولى، وهو ما حاول المودودي إبرازه في أكثر من موضع في كتابه المذكور. لكننا لا نحتاج إلى كثير من الجهد لالتقاط إشارات فيه تختلف في تفسيراتها الإجرائية عن التفسير الفقهي التقليدي؛ ذلك أن حديث الدولة وتبيان نشأتها وخصائصها وصفاتها هو ما كان يؤرق المودودي الذي سعى عبر فكرة «الحاكمية» إلى إلباسها لبوسًا إسلاميًا بجعل الشريعة قانونها الأعلى. أما في ما يتعلق بقوانينها التفصيلية، فإنه ناط بالمؤسسات التمثيلة لأمة مسؤولية إصدارها لكن بما لا يخالف الشريعة. ربما يفسر ما سبق إصرار المودودي على استعارة نموذج «الدولة الديمقراطية» في توصيف الدولة الإس مااية المستندة إلى «حاكمية الله»؛ فالخ فااة الشرعية السلمية، عنده، لا تناط بفرد أو أسرة أو طبقة، كما أن الآية الكريمة «ليستخلفنهم في الأرض» تزيل عن الدولة الإس مااية، في رأيه، صفة « الكهنوتية» وتجعلها أقرب إلى الدولة الديمقراطية التي يشارك الشعب في حكمها، مع فارق أن هذه المشاركة يجب أن تكون محدودة بأحكام الشريعة23. بهذا المعنى، يكون المودودي قد تجاوز أدبيات التراث الإسلامي السائدة عن الإمامة والخلافة والاستخلاف، وخاصة تلك التي بيّنها

  1. عماد، ص.27
  2. أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، تعريب أحمد إدريس (الكويت: دار القلم، 9781)، ص.18
  3. المرجع نفسه، ص.23-21

أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية والولايات الدينية وعرّفها بأنها «موضوع لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»24، وأعطى من خ لااها الحاكم (الخليفة) ص حيات دينية ودنيوية شبه مطلقة، بحيث إن أي معارضة سياسية له كانت بمنزلة اعتراض على الدين والنبوة25. ضمن هذا الفهم أيضًا، ومن دون أي محاذير، يُضفي المودودي على مفهوم الشورى بُعدًا إجرائيًا مشابهًا للآليات الانتخابية في الديمقراطية الغربية قائً: «إن عمل الدولة كله، ابتداء بتأسيس وتشكيل أول لبنة فيها ثم انتخاب رئيس الدولة فأولي الأمر، وانتهاء بالأمور التشريعية والمسائل التنفيذية، يجب أن يتم على أساس تشاور المؤمنين فيما بينهم، بصرف النظر إذا تمت المشورة مباشرة أم عن طريق نواب منتخبين انتخابًا صحيحا»26. أكثر من ذلك، تجاوز المودودي في تفنيده وظائف الدولة الإسلامية أولوية حماية الدين، واعتبر «إقامة العدل في حياة البشر وإفناء الجور والظلم» بمنزلة الوظيفة الرئيسية للدولة، يأتي من بعدها ما وصفه بناء نظام «إقامة الصلاة»، و« إيتاء الزكاة» عن طريق ما تملكه الحكومة من طاقة ووسائل27. إن قراءة مقلوبة لفكرة الحاكمية عند المودودي خارج السياق الفقهي التقليدي ونقاشاته الجزئية التي شغلت نقاده من رجال الدين (تصغير قيمة الصحابة، قتل المرتد، وقطع يد السارق)، وتراعي سياق تبلورها سياسيًا واجتماعيًا (استقلال باكستان عن الهند)، تقودنا إلى نتيجة مؤداها أن فكرة الحاكمية لم تكن نظرية فقهية في أصول الحكم في الإسلام، بل محاولة نظرية/ سياسية لإيجاد مكان للشريعة الإسلامية في الدولة الحديثة القائمة على القواعد العقلانية باستبدال «سيادة الأمة» ب «سيادة الله»، مع إدراك صاحبها أن سيادة الله تتحقق في سيادة من استخلفهم على وجه العموم ومن دون تخصيص، الأمر الذي يعني الجمع بين سيادة الله وسيادة الأمة. وبمعنى آخر تحويل الانتماء الديني إلى انتماء مواطني في الدولة الإسلامية المبتغاة، وهو أمر كان في الإمكان أن يتحقق ضمن الحيز الجغرافي في ظروف ثورة «مسلمي الهند» على نظامهم وإع ن استقلال باكستان. كما انطوت هذه المحاولة النظرية في بعض صورها الإجرائية على تحويل الشريعة الإسلامية من إطار يحكم أو يُحكم بهديه إلى أيديولوجيا شمولية للحاكم والأفراد في الدولة الإسلامية المنشودة، وهذا ما يمكن معاينته في تفنيد المودودي خصائص الدولة الإسلامية، وحقوق الحكومة ورعاياها ومبادئ سياساتها الخارجية28. وعلى الرغم من إصرار المودودي على استحضار نموذج الدولة الديمقراطية، فإن مقاربته الشمولية لدور الشريعة في الدولة دفع بعض الباحثين، كما هي الحال مع عبد الوهاب الأفندي في كتابه من يحتاج دولة إسلامية، إلى اعتبار نموذج الدولة الإسلامية لدى المودودي أقرب إلى نموذج الدولة الشيوعية29؛

  1. أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، كتاب الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق أحمد مبارك البغدادي (الكويت: دار ابن قتيبة، 9891)، ص.3
  2. رضوان السيد، «الدولة في الفكر السياسي الإسلامي»، في: أبو طه [وآخرون]، ص.159-158
  3. المودودي، ص.22
  4. المرجع نفسه، ص.26
  5. المرجع نفسه، ص.36-28
  6. 2عبد الوهاب الأفندي، من يحتاج إلى دولة إسلامية؟، ط 2 (لندن: برنتوديمايد، 0092)، ص.68

دولة بأيديولوجيا شاملة ونمط حكم محدد لا يختلف في آلياته، وحتى مصطلحاته ومفاهيمه، عن تلك الموجودة في الدولة الحديثة. تأسيسًا على ما سبق، فإن مصطلح «حاكمية الله» مثّل في السياق العربي الإس مااي ما بعد سقوط الخلافة مجموعة جديدة من التحويرات لمفاهيم من ملازمات «الدولة الحديثة»30. وبهذا المعنى، كانت فكرة الحاكمية محاولة لأسلمة الدولة الحديثة، أو إعادة الإنتاج الإسلامي للدولة الحديثة بنمطها التوتاليتاري. ومن هذا المنظور، ماهى ماكدونالد في طرحه السابق بين الدولة الإسلامية المستندة إلى حاكمية الله المطلقة، وتشكُّل الدولة الحديثة في الغرب. وفي رأيه أن فهم المودودي للدولة الإسلامية يتشكّل من الأفكار والمفاهيم الغربية، كونه ينطلق من مفاهيم متداولة في الإسلام وغيره من الديانات عن أن «الله هو الحاكم المطلق لأفراد»، وله «السيادة المطلقة»، وأن القوانين التي تحكم العالم الطبيعي هي «إرادة الرب»، وهي مفاهيم كانت حاضرة في الثورة العلمية التي شهدها القرن السابع عشر التي أسست لنظام وستفاليا 1648، وليس في ثقافة القرون الوسطى31. لذلك، إذا أغفلنا السياق الذي تبلور فيه مصطلح «حاكمية الله»، فإنه يبدو كإعادة صوغ لمفهوم الدولة الحديثة، ولكن بلغة إس مااية. وتتطابق هذا الخ صة في بعض جزئياتها مع التصور الإجرائي لمفهوم الدولة الإس مااية عند امحمد جبرون في كتابه الدولة الإسلامية وحتمية الحداثة، حيث عدها، أي «الدولة الإسلامية»، مجرد تطبيق من التطبيقات التي تسود العالم للدولة الأمة (ليبرالية، اشتراكية، شيوعية)، لكن الفارق بينها وبين النماذج الأخرى هو أخذها بعين الاعتبار رسالة الإسلام الأخلاقية والإنسانية، الشيء الذي يضفي عليها معنى خاصًا، حيث تبدو من زاوية هذا الفارق كيانًا أخلاقيًا خاضعًا لقيم معيارية عليا، إنسانية ومثالية، تمنحها، كما يرى دعاتها، «تفوّقها الرمزي» على غيرها من تطبيقات الدولة - الأمة، وتنجيها من بعض الآفات البنيوية التي أصابت أبرز تطبيقات الدولة - الأمّة في الحقبة المعاصرة32.

الأسلمة في مقابل العلمنة

أفرز الفكر السياسي الإسلامي، في سياق اشتباكه مع مفهوم الدولة الحديثة، أربعة تصورات ونماذج رئيسية للدولة الإس مااية «المتخيلة»، اختلفت في ما بينها في الإجابة عن سؤال محوري: من هو المسؤول والمخول بمسألة تعريف الشريعة الإسلامية وتطبيقها؟33 وفق الآتي؛ • تصور الحاكمية (المودودي): حيث السيادة لله في شريعته الواضحة، وتنحصر مهمة الحاكم والأمة والعلماء في تطبيقها. • تصور سلطوي (الوهابية): يحصر المسؤولية في الإمام، ومن بعده طبقة العلماء، ويستثني الأمة (النموذج السعودي).

  1. الحاج، ص.222
  2. McDonald, «Isis Jihadis Aren’t Medieval».
  3. أمحمد جبرون، مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة: (مساهمة في تأصيل الحداثة السياسية (بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 0142)، ص.21-20
  4. محمد عفان، الوهابية والإخوان: الصراع حول مفهوم الدولة وشرعية السلطة (بيروت: جسور للترجمة والنشر، 0122)، ص.117

• تصور شبه ثيوقراطي يمنح العلماء الدور الرئيسي في تلك المسألة. وقد تبلور هذا التصور في الفكر السياسي الشيعي، وبالتحديد مع الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية. وكان هذا التصور ينظر إلى الدولة بعين الريبة، على اعتبار أن «الإمام المعصوم المغيب» هو المؤهل لقيادتها، وفي غيبته تُسحب الشرعية عن النظام السياسي والحاكم. ولإدارة الدولة في غياب الإمام، طرح الخميني فكرة «ولاية الفقيه» بحيث يتولى الفقهاء أو العلماء مسؤولية الحكم بشكل مباشر باعتبارهم نوابًا موقتين حتى عودة الإمام المغيب34. • تصور ديمقراطي برز في العقود الأخيرة مع كثير من المنظرين والمفكرين الإسلاميين يخول الأمة اجتراح التعريف والتطبيق اللازم عبر توكيل الحاكم المنتخب بذلك، بعد التشاور مع العلماء. مع أن بعض الطروحات عن الدولة الإسلامية يكاد يتطابق مع نموذج الدولة الحديثة في شكلها وبنيتها وكيفية إدارة السلطة فيها، كما هي الحال مع مصطلح « الدولة المدنية»، فإن تصور الدولة الإسلامية المستند إلى فكرة الحاكمية، والذي يشكل الإطار النظري المرجعي لإسلام السياسي الحركي بعمومه والحركات الجهادية على وجه الخصوص، يروج على أنه النقيض أو المقابل للدولة الحديثة. وإذا كان «براديغم» «الدولة الإسلامية» قد صيغ، كما أوضحنا في سياق الحداثة والدولة الحديثة، فما الذي دفع الحركات الإسلامية إلى الوقوف موقفًا مناهضًا للحداثة وتمثلّاتها الإجرائية؟ ولماذا انشغلت هذه الحركات بتصدير مشروعها الدولتي ضمن ثنائية إما/ أو باعتبار الإس ماا والحداثة ضدين لا يلتقيان، وكذلك الحال بالنسبة إلى الدولة الإس مااية والدولة الحديثة؟ ولماذا تفوقت أطروحات الجاهلية والتكفير على الأطروحات التوفيقية؟ هل يتعلق الأمر بحالة الحنين إلى التقليد والتراث التي عاشتها الحركات الإسلامية ويحياها الجهاديون اليوم، وبالتالي عدم قدرتهم على الدخول في كنف الحداثة، أم أن الأخيرة لم تسمح لهم دخول عالمها، ودفعتهم دفعًا إلى مناهضتها والانقلاب عليها، خاصة بعد أن أضحت المشروع الطاغي عالميًا؟ في محاولتنا الإجابة عن التساؤلات السابقة، لا يمكن تجاهل دور جماعة الإخوان المسلمين في تشكيل مذهبية سياسية دينية مناهضة للحداثة، حين حاولت تعويض غياب الخلافة بمشروع آخر معادٍ للدولة الحديثة هو «الدولة الإسلامية»، ومن ثم حاول الإخوان بناء نظام إسلامي شامل يقطع مع ما هو قائم بشكل مطلق35. ولم تلبث هذه «المذهبية» وما أحاط بها من متعلقات، وخاصة أفكار سيد قطب عن الجاهلية وتكفير المجتمعات، أن عمّت المجتمعات عبر حركات جهادية محلية نشأت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وحاولت فرض التغيير بأدوات وأساليب مناقضة لما أراده الإخوان ذاتهم، أي المدرسة الإخوانية التقليدية المؤسسة على أفكار حسن البنا36. ولعل أبرز التجارب الجهادية التي رفعت شعارات هدم الدولة القومية واستبدالها بالدولة الإسلامية هي:

  1. أمل حمادة، الخبرة الإيرانية: الانتقال من الثورة إلى الدولة (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 0082)، ص.91-90
  2. معتز الخطيب، «»تنظيم الدولة الإسلامية»: البنية الفكرية وتعقيدات الواقع»، مركز الجزيرة للدراسات، 014/11/232، في: http://studies.aljazeera.net/files/isil/2014/11/2014112355523312655.htm
  3. محمد جمال باروت، يثرب الجديدة: الحركات الإسلامية الراهنة (لندن: رياض الريس، 9941)، ص.39

• الجماعة الإسلامية في مصر: دخلت في مواجهة مسلحة مع النظام المصري استمرت حتى تسعينيات القرن المنصرم، قبل أن تُقْدِم الجماعة على إجراء مراجعات انتهت بالتخلي عن المنهج العنفي الانقلابي في إحداث التغيير37. • الطليعة المقاتلة: أسسها مروان حديد الذي تأثر بأفكار سيد قطب في أثناء دراسته في مصر، وسعى إلى نقلها إلى سورية. ولمّا لم ينجح في إقناع الإخوان السوريين بالدخول في مواجهة مع النظام، انشق عن الجماعة وأعلن تشكيل تنظيم جهادي تحت عنوان «الطليعة المقاتلة لحزب الله»38، وخاض صراعًا مسلحًا ضد السلطة انتهى بهزيمة التنظيم بعد مجزرة حماه 9821 واعتقال معظم قيادته39. لا شك أن هاتين الحركتين خرّجتا أبرز القيادات (أيمن الظواهري وأبو مصعب السوري...) التي نظّرت لاحقًا للجهاد العالمي باعتباره مشروعًا سياسيًا إسلاميًا عالميًا ضد الحداثة باعتبارها مشروعًا غربيًا «مسيحيًا» عالميًا. في المقابل، قام مشروع الدولة الحديث في العالم العربي خ لاا المرحلة الكولونيالية وما بعدها، والمتساوق مع الحداثة، بدفع هذه الحركات دفعًا لإنتاج مشروع سياسي وفكري خالت أنه المقابل الموضوعي للحداثة، أو نقيضها؛ مشروع يكتنفه الحنين إلى الماضي ويسير على هدي الأولين وتراثهم، لكنه في الواقع كان جديدًا، وإن لم يكن حداثيًا، فهو في سياق الحداثة؛ مشروع يختلف اخت فااًا جذريًا عن النموذج المتخيَّل للخ فااة المفقودة، يجمع في مخرجاته تشوهات الحداثة ونقائصها، ويعكس في بعض صوره واقعها على اعتبار أن مشروع الحداثة غدا يُعرف خ لاا القرن العشرين بتشوهاته ونقائصه لا بغايته وأهدافه. يسلط الباحث الفرنسي أوليفييه روا الضوء على هذه المسألة في تناوله ع قااة الديني بالحداثة، ويرى أن «عودة الديني» المتمثّلة في الإس ماا السياسي والحركات الجهادية الراهنة لا يمكن أن تكون احتجاجًا أو رد فعل على حداثة مستلبة أو وهمية، وإنما هي شكْل مختلف للدخول في الحداثة40؛ فالعلمنة التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالحداثة والدولة الحديثة أجبرت الأديان على الانفصال والاستقلال عن الثقافة السائدة، ومن ثم إعادة بناء ذاتها في فضاء مستقل لم يعد خاضعًا لهذه الثقافة إن لم يكن نقيضها سياسيًا. بناء عليه، فإن فشل الديني السياسي نابع من أنه أراد منافسة العلمنة في ميدانها الخاص: الفضاء السياسي (أمة، دولة، مواطن، دستور، نظام قانوني)41. وبهذا

  1. عبد اللطيف المناوي، شاهد على وقف العنف: تحولات الجماعة الإس مااية في مصر (القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، 0052)، ص.92-80
  2. 3للتوسع، انظر: عدنان سعد الدين، الاخوان المسلمون في سورية: مذكرات و ذكريات، مج 3: من عام 1963 وحتى عام 1977 (عمان: دار عمار للنشر، 2006)، ص.386-370
  3. 3سعود المولى، الجماعات الإسلامية والعنف: موسوعة الجهاد والجهاديين (دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2012)، ص.578
  4. 4أوليفييه روا، الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة، ترجمة صالح الأشمر (بيروت: دار الساقي، 0122)، ص.20
  5. المرجع نفسه، ص.20

المعنى، ثمة ع قااة طردية بين العلمنة كمشروع سياسي وفكري للحداثة وبروز الديني من دون أن يكون الأخير رد فعل على العلمنة، وإنما مجرد تقليد مضاد أو استعارة للنموذج من الخصم، الأمر الذي دفع روا إلى اعتبار أن مسعى الأسلمة في الراهن لا يمكن أن يكون إلا انط قااًا من تيارات إسلامية أو «أصولية» جديدة تحاول أن تقيم دينًا جديدًا ولا ترغب في العودة إلى ممارسات سلفية مهجورة، فغايتها الرئيسية إثبات الذات أمام الحداثة والعلمنة، ولكن بشروطها، وليس بالعودة إلى الماضي. يتطابق طرح روا السابق، وإذا ما انتشلناه من إطاره الفلسفي، مع النتيجة التي توصل إليها رضوان السيد والتي تقول إن الدولة الدينية «الإسلامية» مشروع حديث التكون ظهر نتيجة ثلاثة عوامل: التجريف الاستعماري للثقافة التقليدية وأعراف المجتمعات، وسوء حظ المجتمعات مع الدولة الوطنية في مرحلتها العسكرية والأمنية، وقدرة الإس ماايين على القيام بعمليات ضخمة في تحويل المفاهيم، بحيث صارت السلطة الدينية مختلفة في المفهوم والتطبيق42.

الجهادية المعاصرة: من الدولة إلى العالمية

فشلت التجارب الجهادية المحلية، التي انطلقت في سبعينيات القرن المنصرم، في تحقيق هدفها المتمثّل في إسقاط الأنظمة وهدم الدولة الحديثة وإح لاا الدولة الإسلامية مكانها. وكان عليها أن تدخل في دوامة من النقاشات عن أولويات المرحلة وضروريات البقاء والاستمرار. وفي سبيل ذلك، اجترحت الجهادية المعاصرة مفهوم «الجهاد التضامني» عنوانًا للتجربة الأفغانية إبان الغزو السوفياتي؛ إذ لم تكن الدولة أولوية لدى الجهاديين الموجودين في أفغانستان، وانصبّ اهتمامهم على تشكيل رابطة جهادية عالمية تحت عنوان مواجهة الغزو السوفياتي. كانت هذه الخطوة اللبنة الأولى في بناء مفهوم عالمي للجهاد يتجاوز مسألة هدف إقامة الدولة الإسلامية أو يتجاهله مرحليًا، وقد انعكس ذلك على ماهية الجهاد وطبيعته، فالتجربة الأفغانية زاوجت أول مرة بين الجهاديين القطبيين والجهاديين الوهابيين الذي عاشوا، كما أسلفنا، في نموذج دولتي تراثي وحداثي في آن معًا هو السعودية، ونجم عن هذا التزاوج ما نسمية اليوم «السلفية الجهادية» التي تدمج المنهج الحركي لسيد قطب والتراث الفقهي للدعوة الوهابية43. نجحت هذه التوليفة في طرد الاتحاد السوفياتي من أفغانستان، وإسقاط الحكومة الموالية له لاحقًا ليتوافر للحركات الجهادية، ولأول مرة، فرصة إقامة الدولة الإس مااية وفق نموذجهم المتخيل، فجاء إع ن إمارة طالبان الإس مااية سنة 1996. المفارقة أن هذه الإمارة عكست في بنيتها وتفاع تااها الاشتباك ووشائج الصلة بين نموذجي الدولة الحديثة والإس مااية، فكانت دولة لأفغان المسلمين وحدهم لا للمسلمين عامة كما هي حال نظام الخ فااة. وظل الجهاديون العرب ظاهرة غريبة معزولة عن تفاع ت هذه الدولة، ولم يستطيعوا الاندماج فيها بل عاشوا

  1. السيد، أزمنة التغيير، ص.131
  2. المولى، ص.586

على حوافها44. من جهة أخرى، كانت إمارة أفغانستان الإس مااية ذات حدود واضحة كما هي حال معظم الدول الحديثة، وتبادلت البعثات الدبلوماسية مع ث ثااة دول قبلت ذلك هي باكستان والإمارات والسعودية، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي الحديث. ولم تختلف النظم الإدارية والمؤسساتية في هذه الدولة عن مثي تااها في الدول الحديثة، إلّ بنقطة واحدة هي أنها لم تعترف بمبدأ سيادة الأمة، ولم تكتب دستورًا، وإنما اعتمدت الشريعة الإس مااية إطارًا قانونيًا كليًا، في حين تولت البنى التقليدية المحلية مهمة إنتاج القوانين الفرعية لتسيير حياة الأفراد. حفزت تجربة إمارة أفغانستان الإس مااية الجهاديين العرب على إعادة طرح فكرة الدولة الإس مااية داخل أوطانهم، فكان هذا الشعار مطلبًا رئيسيًا للتيار الصحوي في السعودية45. ولمّا رفضت الأسرة الحاكمة التجاوب مع مطالبه، أُعلن «تكفيرها»، داعيًا إلى إقامة دولة إس مااية في الجزيرة العربية. المفارقة أن هذا التيار توصل في تخارجه مع الجهادية العربية والأفغانية إلى اقتناع مؤداه أن إقامة الدولة الإسلامية تحصيل حاصل لمعركة أكبر وأوسع مع من يساهم في تثبت بقاء الأنظمة الاستبدادية، ويسعى إلى الهيمنة على العالم عبر العولمة بأشكالها المختلفة، ثقافية وسياسية واقتصادية. وبهذا الطرح، وضعت السلفية الجهادية نفسها في نقاشات مرحلة ما بعد الكولونيالية حول الذات والآخر، وهي نقاشات حداثية (أو ما بعد حداثية) محضة ترتكز بشكل رئيسي على البُعد الهوياتي أو سياسات الهوية. يشير باومان الآنف الذكر إلى دور الحداثة في تشكيل ما سمّاه الجماعات الانفجارية في عصر العولمة، ويرى أن الحروب في زمن الحداثة وما بعد الحداثة لم يعد غرضها غزو أراض جديدة بل تحطيم الجدران التي تعيق من قدرة العدو على وضع قواعد اللعبة، ويستحضر في هذا الصدد مقولة كلاوزفيتس الشهيرة «الدبلوماسية استمرار للحرب..» ليؤكد أن الدبلوماسية في ظل العولمة والهيمنة هي ترويج للتجارة العالمية الحرة عبر تفكيك الثقافات وتنميطها46، وإعادة إنتاج تقاليد جديدة داخل المجتمعات تحت عناوين التحرر، مع فارق بسيط يتمثّل في أن التحرر في زمن الحداثة وما بعدها يعني الاستسلام للنخبة العالمية المعاصرة47. وبانهيار المجتمع تحت وطأة هذا الاستس ماا، تُستحدث، على ما يقول إريك هوبزباوم، «هوية جديدة تمثل مشروع حياة يشبه نسخ العناصر البالية من القومية»48. ويقوم هذا المشروع على ثنائية نحن أو هم في الإطار الحضاري49،

  1. للتوسع، انظر: كميل الطويل، القاعدة وأخواتها: قصة الجهاديين العرب (بيروت: دار الساقي، 0072)، ص.35-11
  2. ستيفان لاكروا، زمن الصحوة: الحركات الإس مااية المعاصرة في السعودية، الترجمة بإشراف عبد الحق الزموري (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 0122)، ص.255-245
  3. زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر؛ تقديم هبة رءوف عزت، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2016)، ص.55
  4. المرجع نفسه، ص.64
  5. المرجع نفسه، ص.243
  6. المرجع نفسه، ص.248

وهو ما يولّد جماعات انفجارية تتسم بأنها شرسة وهائجة وسافكة للدماء وذات قدرة كبيرة كامنة على ارتكاب الإبادة. يمثّل طرح باومان إطارًا تحليً مهمًّا في تفسير بروز مصطلح الجهاد العالمي بعد إنشاء الجبهة العالمية لقتال الصليبيين واليهود سنة 9981، وتأسيس تنظيم القاعدة الذي بدأ هجمات عدة استهدفت المصالح الأميركية والغربية في عدد من الدول؛ فقد دأب التفكير الاستراتيجي الأميركي في مسعاه على الهيمنة على العالم على إيجاد عدو بديل عن الشيوعية، ووجد ضالته في الإس ماا كمنظومة حضارية وسياسية. ضمن هذا السياق، مثّل البُعد الهوياتي الديني الملجأ الوحيد لإعادة تعريف الذات الإسلامية المغيَّبة في الدولة العربية الحديثة، وهو بُعد وظفه تنظيم القاعدة لاستقطاب منتسبين كثر من ضحايا العولمة والاستبداد وتفكك الدولة، ليستغلهم ضمن نزعة انتقامية هائجة تجلت أبرز مظاهرها في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 0012، التي نجمت عنها حرب عالمية على الإرهاب لم تنته فصولها حتى الآن.

الدولة من جديد: النموذج الداعشي

من حيث النتائج، لم يكن الجهاد العالمي أفضل حالً من التجارب الجهادية المحلية التي سبقته؛ إذ مثّل الغزو الأميركي لأفغانستان سنة 0012 تحديًا كبيرًا بالنسبة إلى تنظيم القاعدة لأنّه حرمه الم ذااات الآمنة. وللتكيف مع هذه المستجدات، اجترح التنظيم استراتيجيا جديدة تقوم على إنشاء فروع إقليمية للتنظيم في بلدان إس مااية مختلفة50، معيدًا الجهاد إلى أولويات قتال العدو القريب (الأنظمة) من أجل إقامة الدولة الإس مااية، ولكن على أساس هوياتي فرعي لا على أساس ديني. فعلى سبيل المثال، أحدث تنظيم دولة العراق الإس مااية غداة تشكُّله قطيعة فكرية مع أدبيات الجهاد المعولم، وركز على البُعد الهوياتي (السني– الشيعي) في محاولة لإنتاج رابطة دينية يمكن توظيفها سياسيًا لإيجاد موطئ قدم في تفاع ت البيئتين الاجتماعية والسياسية داخل العراق. أدرك هذا التنظيم أن الدولة الإسلامية المتخيَّلة لا تُبنى على أساس شعارات كبرى، بل على عصبية فرعية توفر له حاضنة مجتمعية تحميه وقت الشدائد. وقد استحضر هذه الفكرة من كتاب إدارة التوحش: أخطر مرحلة تمر بها الأمة لأبو بكر ناجي، الذي استقى بدوره الأفكار عن نشوء الدول وكيفية الفناء الحضاري من أدبيات عدة، منها ما هو إسلامي (المودودي، ابن خلدون) ومنها ما هو غربي حداثي (الجماعة المؤلفة كبديل عن القومية)51.

  1. حسن أبو هنية، «القاعدة وثورات الربيع العربي»، ورقة مقدمة في: المؤتمر السنوي لمركز الأبحاث السياسية والاستراتيجية في الوطن العربي: تحولات جيوستراتيجية في سياق الثورات العربية، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،.2012
  2. للتوسع، انظر المبحث الأول، والفصل الرابع «اعتماد الشدة»، والفصل الخامس «تحقيق الشوكة» من: أبو بكر ناجي، إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة ([د. م.]: مركز الدراسات والبحوث الإس مااية، [د. ت.])، ص 7، 11، 31 و.34

نشأ «داعش» على أساس عصبية قبلية ما قبل دولتية بهدف إيجاد مكان له ضمن العصبيات القبلية المنتشرة في العراق بداية، ومن ثم بدأ عملية صهر جماعي لهذه العصبيات، وأنتج عصبية جديدة سياسية - طائفية (عراقية/ سنية) ليشبه في نشأته نماذج دولتية حداثية جمعت القبيلة مع الدين، أو العرق مع الطائفة. ربما يجادل بعضُهم أن «داعش» ركز في جميع نسخه (دولة العراق الإسلامية، الدولة الإسلامية في العراق والشام، الدولة الإسلامية) على الرابطة الدينية، بدليل طلب البغدادي من المسلمين الهجرة إلى «دولته»، وإنشاء ولايات خارجية في كل من سورية واليمن وليبيا، لا رابط بينها إلا رابطة الدين. لكن إذا ما أغفلنا الطبيعة التضامنية المحفزة للبيعات الخارجية والتي تكشف الأيام تدريجيًا وهن الرابط التنظيمي والفكري بين الفروع الجديدة والتنظيم الأصل في العراق، وقارنا كذلك بين إدارة الحكم والقوانين في دولة «داعش» الحالية مع نماذج حكم إسلامية سابقة يدعي الاقتداء بها (خلافة على منهاج النبوة)، نجد فارقًا شاسعًا بين النموذجين. صحيح أن نماذج الحكم الإسلامية السابقة كانت تُعلي من قيمة الرابطة الدينية باعتبارها الرابطة الجامعة، لكنها حرصت على استدامة التنوع والاختلاف، ولم تلجأ إلى عملية صهر جماعي للمخالفين. وعاش في كنف الحكم الإسلامي كثير من الأقوام (ترك، شركس، أكراد، أشوريون..)، والطوائف (شيعة اثنا عشرية، بهائية، علوية، إسماعلية، درزية،..). أما في دولة «داعش»، فلا يمكن المخالف أن يكون ذميًا يدفع الجزية أو يحتفظ بخصوصيته العرقية، بل يستباح ماله وعرضه وبدنه، على غرار ما جرى للمخالفين من أزيديين وأكراد وشيعة وسنّة ومسيحيين أشوريين. سعى «داعش» إلى إنتاج رابطة ولاء صلبة في المناطق الخاضعة لسلطته؛ رابطة تجعل المرء ذا انتماء «داعشي» دون أي انتماء مغاير. وبمعنى آخر، لم تكن دولة «داعش» إسلامية أو «دولة المسلمين»، وإنما «دولة الدواعش المسلمين»؛ دولة تقوم على رابطة ولاء سياسية شبيهة برابطة «المواطنة» الحداثية ولكن بتصور مجتزأ ومشوَّه52. وهذا ما جعل ماكدونالد لا يفرق بين عنف «داعش» وأيديولوجيته وعنف الثورة الفرنسية وأيديولوجيتها؛ إذ لا وجود لأي فرد خارج الدولة والرابطة التي تفرضها53. وبناء عليه، لا يمثّل الإسلام في دولة «داعش» رابطة جمعية بمقدار ما يشكل أيديولوجيا شمولية توفر التبرير والمظلومية والبُعد الخلاصي.

خاتمة

نشأ مصطلح الدولة الإسلامية في إطار الاشتباك الإس مااي مع الحداثة، وبدا صياغةً لمفهوم الدولة الحديثة ولكن بلغة إس مااية؛ إذ يكاد الباحثون في هذا المجال يُجمعون على أنه «لا يوجد مفهوم

  1. أحمد الدلال، «ال هااوت السياسي لتنظيم الدولة الإس مااية (داعش)»، ورقة مقدمة في: مؤتمر «خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديمقراطي ومآلاته»، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، -2123 كانون الثاني/ يناير.2016
  2. للتوسع في موضوع آليات التشابه والتقاطع بين العنف الجهادي وعنف الحداثة، انظر: أحمد عبد المجيد، «حول الإس ماا والعنف: خواطر على هامش حوادث باريس»، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 015/12/28:2، في http://www. dohainstitute.org/release/cc13fec7-837f-4400-b255-b00dbd3a7b06

واضح ومحدد لمفهوم ‹الدولة الإس مااية› في الفكر السياسي الإس مااي، وأن عشرات الكتب التي تتحدث عنه وتستمد مادتها من التراث إنما تتحدث عن الحكم أو السياسة أو عن أوجه التشابه والاختلاف في الجهاز البيروقراطي، وطرائق وأدوات تسيير شؤون العامة، وليس ‹عن الدولة بالمفهوم النوعي والمعنى المتكامل›؛ ذلك أن تصنيف الدولة في الفكر السياسي التقليدي هو تصنيف لضروب الصنعة السياسية وليس لأنواع الدولة»54. بناء على ما سبق، فإن محاولات تأسيس دولة إس مااية ضمن نموذج الدولة الحديثة يُعَ دّ خرافة ابتدعها المخيال الإس مااي المعاصر، بحسب هبة رؤوف عزت، لأن دعاتها تبنوا النموذج الغربي الحديث للدولة العلمانية، وحاولوا أسلمة مؤسساتها وبناها الاجتماعية55. وقد أوضحت التجارب الجهادية الراهنة في تمثّتااها الدولتية («طالبان» و«داعش») سعي هذه الحركات إلى تقليد الدولة الحديثة أكثر من سعيها إلى إعادة التراث، وهو ما يدفعنا إلى القول بأن هذه الحركات طرحت نفسها ومفاهيمها كمناقض للحداثة، وحاولت إنتاج بديل عن الدولة الحديثة، لكنها وجدت نفسها في سياق الحداثة، وأنتجت تجارب لا تختلف كثيرًا عن تجارب الحداثة المشوهة أو الحداثة الرثة. أخيرًا، إن مقاربة الجهاد المعاصر من منظور الحداثة تمثّل وجهة نظر غير تقليدية، ربما تكون غير صلبة وتحتاج إلى حجج وبراهين أكثر عمقًا وتفسيرًّا، لكنها تساعد على طرح أسئلة جديدة من شأنها أن تغير، ولو بشكل بسيط، التعميمات السائدة، وتوسع من دائرة الرؤية، وهذا هو هدف الدراسة الرئيسي. References

المصادر والمراجع

العربية

كتب

أبو طه، أنور [وآخرون]. مأزق الدولة بين الإس ماايين والعلمانيين. حرره وقدم له معتز الخطيب. بيروت: جسور للترجمة والنشر،.2016

أحمد، رفعت سيد. قرآن - وسيف: من الأفغان إلى بن لادن: من ملفات الإسلام السياسي: دراسة موثقة. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2002

الأفندي، عبد الوهاب. من يحتاج إلى دولة إسلامية؟. ط.2 لندن: برنتوديمايد،.2009

باروت، محمد جمال. يثرب الجديدة: الحركات الإسلامية الراهنة. لندن: رياض الريس،.1994

  1. أبو طه [وآخرون]، ص.33
  2. عفان، ص.116

باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر؛ تقديم هبة رءوف عزت. ط.2 بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2016

جبرون، أمحمد. مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة: (مساهمة في تأصيل الحداثة السياسية. بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2014

ح ق، وائل ب. الدولة المستحيلة: الإس ماا والسياسة ومأزق الحداثة الأخ قااي. بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2014

حمادة، أمل. الخبرة الإيرانية: الانتقال من الثورة إلى الدولة. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2008 الحيدري، إبراهيم. النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة. بيروت: دار الساقي،.2012

الدخيل، خالد. الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة. ط.2 بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، روا، أوليفييه. الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة. ترجمة صالح الأشمر. بيروت: دار الساقي،.2012 سعد الدين، عدنان. الاخوان المسلمون في سورية: مذكرات و ذكريات، مج 3 من عام: 1963 وحتى عام 1977. عمان: دار عمار للنشر،.2006

السيد، رضوان. أزمنة التغيير: الدين والدولة والإس ماا السياسي. أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية،.2014

الطويل، كميل. القاعدة وأخواتها: قصة الجهاديين العرب. بيروت: دار الساقي،.2007

العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. ط.3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008

عفان، محمد. الوهابية والإخوان: الصراع حول مفهوم الدولة وشرعية السلطة. بيروت: جسور للترجمة والنشر،.2012

عماد، عبد الغني. حاكمية الله وسلطان الفقيه: قراءة في خطاب الحركات الاسلامية المعاصرة. ط.2 بيروت: دار الطليعة، 005.2 (المفكر العربي)

القبانجي، صدر الدين. الأسس الفلسفية للحداثة دراسة نقدية مقارنة بين الحداثة والإس ماا. إعداد عادل الفتلاوي. بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي،.2011

لاكروا، ستيفان. زمن الصحوة: الحركات الإس مااية المعاصرة في السعودية. الترجمة بإشراف عبد الحق الزموري. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2012

الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. كتاب الأحكام السلطانية والولايات الدينية. تحقيق أحمد مبارك البغدادي. الكويت: دار ابن قتيبة،.1989

محافظة، علي. إيران بين القومية الفارسية والثورة الإس مااية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 013.2 (سياسة)

المناوي، عبد اللطيف. شاهد على وقف العنف: تحولات الجماعة الإس مااية في مصر. القاهرة: أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي،.2005

المودودي، أبو الأعلى. الخلافة والملك. تعريب أحمد إدريس. الكويت: دار القلم،.1978

المولى، سعود. الجماعات الإس مااية والعنف: موسوعة الجهاد والجهاديين. دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث،.2012

ناجي، أبو بكر. إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة. [د. م.]: مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، [د. ت.].

هابرماس، يورغن. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،

أوراق مقدمة خلال مؤتمرات

أبو هنية، حسن. «القاعدة وثورات الربيع العربي». ورقة مقدمة في: المؤتمر السنوي لمراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية في الوطن العربي: تحولات جيوستراتيجية في سياق الثورات العربية، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 012.2

الدلال، أحمد. «اللاهوت السياسي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)». ورقة مقدمة في: مؤتمر «خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديمقراطي ومآلاته»، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، -2123 كانون الثاني/ يناير.2016

مراجع على الإنترنت

«خطبة الجمعة في الجامع الكبير في الموصل لأبو بكر البغدادي». يوتيوب (تاريخ التحميل

014/7/52)، في: https://www.youtube.com/watch?v=dIRf0EJuPak

الخطيب، معتز. «»تنظيم الدولة الإسلامية»: البنية الفكرية وتعقيدات الواقع». مركز الجزيرة للدراسات،

014/11/23:2، في http://studies.aljazeera.net/files/isil/2014/11/2014112355523312655.htm

عبد المجيد، أحمد. «حول الإس ماا والعنف: خواطر على هامش حوادث باريس». المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 015/12/28 في 2،: http://www.dohainstitute.org/release/

cc13fec7-837f-4400-b255-b00dbd3a7b06.

الإنكليزية

Schmitt, Carl. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty.

Translated by George Schwab; Foreword by Tracy B. Strong. Chicago: University of

Dabashi, Hamid. The Arab Spring: The End of Postcolonialism. London; New York:

Barzinji, Mariwan Nasradeen Hasan. «Modernism, Modernity and Modernisation.»

Research on Humanities and Social Sciences. vol. 3, no. 12 (2013), pp. 43-52.

Books

Chicago Press, 2005.

Zed Books, 2012.

Periodical