Return to Article Details The Anthropology of the Fallible Human: Evil’s Radicalism, Banality and Symbolism

انثروبولوجيا الإنسان الخطاء: الشر جذريا والشر تافها والشر مؤولا.

The Anthropology of the Fallible Human

إبراهيم مجيديلة

Brahim Mjidila

الملخّص

تتجه هذه الدراسة إلى التفكير في مفهوم الشر من منظور فلسفي. وحتى إن تعددت المرجعيات واختلفت التأويلات لهذا المفهوم، فإن الغاية المنشودة هي التفكير في الإنسان أو بناء انثروبولوجيا للإنسان منظورا إليه من زاوية الفعل والحرية والمسؤولية. فالإنسان كائن خطاء وهش وضعيف ولامعصوم، يقترف الشر بإرادته أو باستعماله لحريته. وهو بذلك يحدد طبيعة وجوده في العالم وعلاقته بالآخرين. وإن الحديث عن الشر يستبطن دعوة إلى فعل الخير، ونشر السلم، والإيمان بالاختلاف، والاعتراف بالتعدد، ونبذ العنف والارهاب.

Abstract

Abstract: In this study, the concept of evil is addressed from a philosophical perspective. Despite the numerous references and varied interpretations of this concept, the ultimate goal here is to focus on what is human, or build an anthropological reading of humans from the perspective of action, freedom and responsibility. Human beings are sinful, fragile, fallible and commit evil out of their free will or their misuse of freedom. Evil thus determines the nature of their existence in the world and their relationship to others. In addition, a discourse about evil implies a call for good, dissemination of peace, tolerance, acknowledgement of pluralism, and renunciation of violence and terrorism.

الكلمات المفتاحية:
  • الشر
  • إنسان
  • حرية
  • الأنثروبولوجيا
  • الخير
Keywords:
  • Evil
  • Anthropology
  • Human
  • Freedom

الشر جذريًا والشر تافهًا والشر مؤولا

Evil’s Radicalism, Banality and Symbolism

كائن خطّاء *** وهشّ وضعيف وغير معصوم، يقترف الشر بإرادته أو باستعماله لحريته. وهو بذلك يحدد طبيعة وجوده في العالم وع قااته بالآخرين. وإنّ الحديث عن الشر يستبطن دعوةً إلى فعل الخير، ونشر السلم، والإيمان بالاخت ف، والاعتراف بالتعدد، ونبذ العنف والإرهاب.

مقدمة

يشهد العالم المعاصر موجات من العنف والعدوانية والكراهية، تكاد تكون غير مسبوقة

في التاريخ الإنساني الطويل، وهي تتخذ صورًا متعددةً تشترك كلّها في التدمير والتخريب،

وتتمظهر في الحروب التطهيرية، والإبادات العرقية والقتل المستمر، تحت عناوين مختلفة، دينية وسياسية واقتصادية، ينخرط فيها الأفراد والجماعات والدول. ففي عالمنا المعاصر، تعلو على السطح صورة قاتمة وسوداوية تُلقي بظلالها على مستقبل البشرية، بل تتعداه إلى مستقبل الكون. وفي خضم هذا العالم المضطرب، تقع على عاتق الكائن الإنساني مسؤوليةٌ كبرى تجاه ما يحدث؛ ذلك أنّه الفاعل والجاني، كما أنه المفعول به والضحية، فهو من يقترف الشر، ومن يتأذى به، إنّه يدمر ذاته ووجوده وعالمه. تفرض هذه الحالة العامة التي يمرّ بها العالم المعاصر إعادة النظر في هوية الإنسان، فربما فقدت كل

التعريفات التي قُدمت له بداهتها ووضوحها، فالإنسان العاقل والكائن الأخ قااي تصدر عنه أفعال وممارسات تشهد بغياب العقل وانتفاء الأخ ق، ومن ثمّ يكون الكائن البشري أقرب إلى الحيوان

المتوحش منه إلى «الإنسان المتحضر»، ولهذا يصير من المشروع العودة إلى السؤال: «ما الإنسان؟». يحمل هذا السؤال مضمونًا أنثروبولوجيًا *، ويبحث في دلالة الإنسان أو حضور الإنساني في الكائن

البشري. وتبعًا لإيمانويل كانط، ومن وجهة نظر براغماتية، فإنّ هذا السؤال لا يدخل في إطار «معرفة

العالم»، بل في إطار «استعمال العالم»؛ إذ إنّه يرتبط بما هو عمليّ وليس بما هو نظريّ، ويكشف

عن الكيفية التي يستعمل بها الإنسان نفسه. فالإنسان فاعل، وتصدر عنه أفعال أضداد ترتبط بكيفية استعماله لذاته. إنه يفعل الخير كما يقترف الشر، ومن هنا، فإنّ كيفية استعمال الإنسان لنفسه، كما صاغها كانط، ترتبط بأنطولوجيا حضور الإنسان في العالم وتأثيره فيه بما تصدر عنه من أفعال،

فالخير والشر فعلان إنسانيان. وإن كانَا يصدران عن المصدر نفسه، فإنّهما يختلفان تأثيرًا ومفعولً.

وإنّ حضور الشر في العالم على نحوٍ يكاد يفوق حضور الخير، يفرض التفكير في مفهومه ومصدره

في أفق فهمه ومواجهته، أو البحث عن عناصر رؤية فلسفية تمكّن من فكّ رموزه، وتمنح إمكانية التغلب عليه والتحكم فيه. يشهد الواقع بكل مفرداته أنّ الشر يطرح على الفكر البشري تحديات كبرى، وينسج شبكةً ملتبسةً ومعقدةً من الأسئلة والإشكاليات. فهو من طينة المواضيع التي يتداخل فيها الثيولوجي مع الفلسفي،

براغماتية (عام 798 1)، وقد تناول فيه السؤال المركزي «ما الإنسان؟»، وتناوله في ما بعد في كتابه دروس في المنطق (عام 1). 800

فالأنثروبولوجيا تتناول السؤال الرابع (ما الإنسان؟)، استئنافًا لأسئلة عالجها كانط من قبيل: سؤال الميتافيزيقا «ماذا يمكنني أن أعرف؟»، وسؤال الأخ قاا «ماذا يجب عليّ أن أفعل؟»، وسؤال الدين «ماذا يحق لي أن آمل؟». وهي بوجه عامّ تشرع القانون

العقلي الذي يحدد ل نإإسان ما يجب أن يفعله ليصبح ما يريد أن يكون عليه. للتوسع في هذه الفكرة، انظر: فتحي المسكيني «انزياحات الهوية الحديثة أو تأويلية الإنسان الأخير (كانط، نيتشه، هيدجر)»، مؤمنون ب حدود، 016/4/162، شوهد في 016/12/25:2، في

http://bit.ly/2hVDN43

(((فتحي المسكيني، «كانط ما بعد هايدجر الإنسان (ما هو؟) أم (من هو؟)»، في: أحمد عبد الحليم عطية (محرر)،

كانط وأنطولوجيا الحاضر (بيروت: دار الفارابي، 0102)، ص.196

والميتافيزيقي مع الأخلاقي، والنظري مع العملي، كما أنه يمسّ الإنسان في وجوده وماهيته، ويشرط

إيقاع حياته، ويؤثّر في كينونته، ويحدد علاقاته بذاته والآخر والعالم. ومن ثمّ، يمكن أن نفهم ما ذهب

إليه بول ريكور، حين عدّ الشر تحدّيًا لا مثيل له تواجهه الفلسفة والثيولوجيا معًا. فهو تحدّ للفلسفة؛

لأنه يفرض عليها إعادة البحث في مسألة عقلنة العالم، وتحدّ للثيولوجيا؛ لأنّه يشكّل مدخلً لإعادة

النظر في مسألتَي العدل الإلهي والحرية الإنسانية. وفي كلتا الحالتين، فهو لا ينفصل عن إشكاليات

الوجود والفكر، وإنّ النظر فيه يستدعي مفاهيم أخرى، كالحرية والإرادة والخطيئة والذنب والصفح واللاعصمة والألم والعقاب. فالشر تحدٍّ كبير أمام الإنسان؛ لأنه ما كان يجب أن يوجد، ولكنه موجود،

ويصادفه الإنسان في كل العوالم التي يقيم فيها. ويظهر الشر ككتلة سديمية وعماءٍ ضبابي، لا شكل له ولا صورة محددة، فهو يلقي بظلاله على الوجود الإنساني، ينسج عليه خيوطه، ويحفر فيه أخاديده، وتتشعب دروبه في شكل متاهات تمتص النفس، وتشلّ العقل، وتنخر الجسد. إنّه لا يترك للبشر خيارًا

سوى مصارعته ومواجهته. وتقع البداية في التفكير فيه بغية حلّ شفراته، والحفر في طبقاته وترسباته، من أجل الإمساك بمعناه وتحديد مصدره وطبيعته. وإذا كان الشر يشكّل واقعةً تاريخيةً صاحبت الإنسان منذ وجوده، فإنّ تاريخيته تبرز من خلال حضوره وتأثيره في مسار الأحداث والوقائع الفاعلة في سيرورة الزمن الإنساني، كما تدل على أنّ له تاريخًا خاصًا يشهد بتطور تمظهرات حضوره في الواقع الإنساني الملتبس التباسَ الشر نفسه. وسواء كان

الشر فيزيائيًا أو أخلاقيًا، جذريًا أو تافهًا، واقعيًا أو رمزيًا، مباشرًا أو مُؤولً، فإنّ السؤال الذي يفرض

ذاته هو: ما الشر؟ ثمّ هل يشكّل حدثًا عرضيًا في درب الوجود الإنساني؟ أم يمثل واقعًا جوهريًا

لا يرتفع؟ وهل يحمل معنى في ذاته؟ وهل يمكن معرفته؟ وما مصدره؟ أو من أوجده؟ أخُلق الإنسان

شريرًا أم أنّه يصير كذلك بإرادته وحريته؟ وهل يمكن فهم حقيقة الشر الواقعية والسياسية من دون

الإمساك بحقيقته الميتافيزيقية، إن كانت له حقيقة؟ وهل الشر شيء أو عنصر في العالم له جوهر وطبيعة؟ أم أنه مجرد تصور عقلي ومقولة أخلاقية؟ أيملك الإنسان القدرة على التخلص منه أم أنه يقف عند حدود القبول به والتعايش معه؟ وهل يفعل الإنسان الشر بمحض إراداته الحرة؟ أم تُوجد قوّة متعالية تفرض عليه اقترافه؟ وبلغة علماء الكلام، هل الإنسان مخيّر على فعل الشر؟ أم أنه مجبر

عليه؟ يظهر هنا أنّ الشر يرتبط بإشكالية الأفعال الإنسانية وطبيعتها ومصدرها. فإذا كان الإنسان فاعلً، فهل هو مصدر أفعاله ومنبع انبثاقها؟ أم أنّ أفعاله صدى لإرادة إلهية تتجاوزه أو إرادة عمياء تفعل فعلها من خلاله؟ تُشتق مجمل هذه الأسئلة من مسألة كبرى تتعلق بالكيفية التي عالج بها التقليد الفلسفي والتقليد الثيولوجي إشكالية الشر في العالم، ونزعم أنّ هذه الكيفية منها تتخذ، في جزء كبير، صيغة فينومينولوجيا تأويلية، تسعى في بعدها الأول لوصف الشر كما هو موجود وقائم في العالم، وتروم في بعدها الثاني تأويل الشر والإمساك بمعناه وعقلنته. وارتباطًا بشبكة الأسئلة والإشكاليات السابقة، نشير إلى أنّ مقولة الشر عرفت تحولات مختلفةً عبر تاريخ الفكر واللاهوت والفلسفة، في حين أنّه كان في البدء يتمّ تصوّر الشر كوسمولوجيا ضمن إطار

(2) Paul Ricoeur, Le mal: défi à la philosophie et à la théologie (Genève: Éditions Labor et Fides, 1986), p. 13.

المانوية، أو يتمّ تصوره من خلال التقابل بين الخير والشر، فأصبحت له طبيعة أخلاقية، وأصبح يرتبط

ارتباطًا مباشرًا بالحرية، واتخذ طابعًا قانونيًا بظهور المسؤولية الجنائية الفردية كما كان عليه الأمر في

القانون الروماني، وهذا التصور يرجع في جذوره إلى القديس أوغسطين. وممّا تجدر الإشارة إليه،

أنّ العديد من الإجابات الثيولوجية والفلسفية قدّمت لسؤال أصل الشر منذ القديم؛ كتلك التي عرضها

أفلاطون والقديس أوغسطين، إضافةً إلى بعض المفكرين، كالرواقيين على سبيل المثال، كما قدمت إجابات سياسيةً واقتصاديةً وعلميةً له في الوقت الحاضر. فالشر حقيقة أنطولوجية، يكشف التاريخ البشري عن مساراته المتعرجة والمعقدة. ولعل هذا ما أتاح بروز كثير من التأوي ت بغية الإمساك بدلالته، وفهم منطق اشتغاله. ومن أبرز هذه التأويلات التأويل الكانطي «الشر جذريًا»، وهو ما سنخصص له هذه الدراسة مع الانفتاح على

تأويلين معاصرين لكل من حنّة أرندت «الشر تافهًا» وبول ريكور «الشر مؤولً»، ونقدّر أنّ التفكير في

مفهوم الشر عبر هذه المسارات المتعددة يندرج في إطار مشروع أوسع، يخص تأسيس أنثروبولوجيا

فلسفية تحاول أن تمسك بالإنسان في كلّيته، أي بالنظر إليه عارفًا وفاعً ومنفعً، أو الكشف عن حقيقة الوجود الإنساني من خ لاا دوائر متداخلة تخص المعرفة والفعل والاعتقاد، ومن خلال تجلياتها في مجالات الأخلاق والسياسة.

كانط والشر الجذري

1  - كانط أو الدين في حدود العقل

يُعدّ كانط أوّل من قدّم نظريةً علمانيةً بحتةً حول الشر في كتابه الدين في حدود مجرد العقل؛ فهو

يُرجعه إلى كائنات إلهية أو قوى خارقة، بل ربطه بالإنسان ذاته أو بالطبيعة الإنسانية والإرادة الحرة.

والمثير في الأمر أنّ كانط عالج إشكالية الشر في إطار تفكيره في موضوع الدين، وكأنه يوحي إلينا

أنّ الموقع الأصلي للتفكير في الشر يندرج في إطار فلسفة الدين. فعندما فكّر في الدين جاعلً منه موضوعًا للتفلسف، اتجه تفكيره إلى تقديم نظرية فلسفية في الدين، أو تشييد رؤية تبحث في معنى

الدين في حدود مجرد العقل من أجل تأكيد الحرية، ورفض كل أشكال الوصاية التي يمكن أن تفرض على العقل. وبالنسبة إليه، فإنّ بناء معنى الدين يحتاج إلى تعريته وتجريده من كل الطقوس والشعائر والتفسيرات التاريخية التي علقت به عبر الزمن، وما لحقه من تحولات بفعل توظيفه من المؤسسات الدينية والسلطوية. فالأفق المنتظر من الفلسفة حين تفكر في الدين هو أن تمنحه بعدًا كونيًا بالبحث

في نواته العقلية. ولعل أبرز ما يمكن تسجيله على نحو جليّ، هو أنّ كانط عالج موضوع الشر

في إطار فلسفته الدينية، متسلحًا بفلسفته النقدية، جاعلً منه إشكالً لا ينفكّ من إشكاليات العقل

والحرية والإرادة، مؤكدًا أنّ الشر الجذري لا ينفصل عن الدين، وأنّه يشكّل دافعًا للتفكير فيه.

(((عز العرب لحكيم بناني، «الحرية والمسؤولية والخطيئة في فلسفة الدين الكانطية»، في: التأصيل النقدي للحداثة وما بعدها:

قراءة في الفلسفة الكانطية، تنسيق محمد المصباحي، سلسلة ندوات ومناظرات 812 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 0052)، ص.50

(4) Paul Ricoeur, Le conflit des interprétations: Essais d’herméneutique (Paris: Seuil, 1969), p 10.

وممّا راهن عليه كانط في كتابه الدين في حدود مجرد العقلهو بناء نظرية فلسفية في الدين تتيح

له التفكير في العلاقة بين العقل والدين من جهة، وبين الأخ ق والدين من جهة أخرى. وتتيح له، كما أشار في مقدمة الطبعة الأولى (عام 9731)، بيان صلة الدين بالطبيعة الإنسانية التي هي مشوبة باستعدادات خيّرة في جزء منها، وباستعدادات شريرة في جزئها الآخر. ويتنزل العقل في هذا

الكتاب، كما هو الشأن في باقي كتب كانط، منزلة المشرع؛ فهو الذي يشرع الأخ ق والدين معًا،

والذي يقيم الصلة بينهما. وفي الطبعة الثانية من كتابه، يضيف كانط ملاحظةً على غاية من الأهمية، في سياق الرد على الشكوك التي أثيرت حوله وحول كتابه. وتخص هذه الملاحظة طبيعة العلاقة بين العقل والدين؛ إذ يشير إلى أنّ الوحي «يمكن على الأقل أن يتضمن في ذاته دينًا عقليًا محضًا، لكنّه

لا يمكن أن يحتوي العنصر التاريخي للوحي». إنّ للدين بعدين: بُعد عقلي وبُعد تاريخي، وإنّ ما

يهمّ الفلسفة هو البعد العقلي منه الذي يتجرد من كل تجربة تاريخية للوحي ويفكر في الدين انطلاقًا

من مبادئه القبلية. ونسجل بأنّ القول الفلسفي لكانط في الدين يتجاوز الاشتغال بالمنظومة التاريخية للوحي إلى التفكير في المنظومة العقلية له. وحتى إن تمّ الجمع بين هاتين المنظومتين في لحظة ما،

فإنهما ستنفص ن؛ لأنّ الع قااة بينهما لن تعدو أن تكون شبيهةً بالع قااة بين الماء والزيت. وتقود ملاحظة كانط السابقة إلى تصور الدين والعقل بمنزلة دائرتين للإيمان، إحداها أوسع من الأخرى. ويذهب بعض الباحثين إلى أن كتاب كانط الدين في حدود مجرد العقل، يندرج في سياق الفلسفة العملية أو ما يتمّ الاصط ح عليه ببراديغم فلسفة الحق، وهو مبحث متأخر في فلسفة كانط، ولكنه

يسير على خطى الفلسفة النقدية التي تُعنى بإبراز حدود المعرفة الإنسانية ونقد العقل لذاته. كما أنّ بعضهم الآخر يعدّه تتمّةً منطقيةً لكتاب نقد العقل العملي، بالنظر إلى أنّ الكتاب تقعيد أخلاقي للدين

العقلي الخالص. وفي هذا الكتاب يعرض كانط نوعين من الحدود: يرسم حدود الدين بواسطة العقل. وبالنسبة إليه، فإنّ الدين الذي يتجلى في التاريخ يمكن فهمه

. أ وتأويله من وجهة نظر العقل العملي وحده، وإلا أنّه سيسقط في الوهم الديني، وإنّ الدلالة التاريخية والرسمية للدين توجد في الدين الخالص المحدود بالعقل، وإنّ الدين يتطلب، على نحوٍ خاص، تأويً من وجهة نظر العقل الكوني. فهذا المنحى العملي المرتبط بوضع حدود للدين هو ما جلبته الروح النقدية للعالم في عصر الأنوار. إنّ عنوان الكتاب يفترض حدودًا للعقل ذاته، وهي الحدود التي تمنح السبب الموضوعي لظهور

.ب الدين التاريخي الذي يتخذ شكل تمثلات ومعتقدات دوغمائية، ويكون ضروريًا للناس بفعل

الحدود الواضحة لعقلهم. فالإنسان لا يعرف من أين يأتي الشر؛ ليستوطن القلب الإنساني،

(((إيمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني (لبنان: جداول للنشر والتوزيع، 0122)، ص.55 (((المرجع نفسه، ص.56 (((بناني، ص.45

(8) Myung Su Yang, «la représentation religieuse chez Kant et la philosophie Kérygmatique de la religion de Ricoeur,» Études Ricoeuriennes , vol. 3, no. 2 (2012), p. 52.

ولا من أين تأتي فكرة الإنسان المثالي، ولا من أين تأتي فكرة العالم الأخ قااي. فكل هذه

الأفكار تُوجد على نحوٍ قبلي ولا مشروط، بوصفها مسلماتٍ ترتبط بالأساس الذاتي لاستعمال الحرية. فالحدود التي رسمها كانط للدين والعقل معًا تعني إمكانية إنشاء دين عقلاني محض؛

أي دين يستنبط من العقل بوصفه مصدرًا للتشريع، وهو يريد إضافةً إلى ذلك تحديد ما يمكن

أن يُعرف من الدين بواسطة العقل فحسب. وعندما يُعنى كانط بترسيم الحدود لكل من الدين

والعقل، فهو لا يقصد من ذلك أن يفصل بينهما، أو أن ينفي أحدهما ويثبت الآخر، بل إنّه يفتح الدين على العقل كما يفتح العقل على الدين. ومن هذا المنظور، عمل كانط في كتابه الدين في حدود مجرد العقلعلى تقديم تصور عقلاني خالص للدين على صورة التصور النظري الذي صاغه في كتابه نقد العقل الخالص.

2  - التجاور بين الخير والشر

في بحثه حول الشر الجذري في الطبيعة الإنسانية، أو التجاور بين مبدأ الشر ومبدأ الخير، ينطلق كانط من نقده لتصورين متعارضين، أحدهما تشاؤمي والآخر تفاؤلي: يتجلى الأول في الشكوى القديمة القائلة إنّ «العالم خبيث ولا يُطمأن له»، ويتجلى الثاني في الموقف البطولي القائل إنّ

العالم يجري، من دون انقطاع في وجهة معاكسة؛ نعني من السيّئ إلى الحسن. وتضمر تلك الشكوى

السائدة بين رجال الدين أو المؤمنين عمومًا، على نحو ما بيّن كانط، القول إنّ العالم يسير من الحسن

إلى السيّئ، بل من سيّئ إلى أسوأ. فالعالم بدأ بالخير أو كانت البداية عصرًا ذهبيًا وحياةً سعيدةً في

الفردوس، ولكن كل ذلك الحلم الجميل تبدّد وسقط العالم في الشر، ما جعله مُقبلً على الدمار.

إنّ الشر يسود العالم منذ أن تخلى حافظ العالم «فيشو» على القيام بمهمّاته، تاركًا المجال مفتوحًا

أمام «سيبا» مدمر العالم. وخ فااًا لذلك، فإنّ التصور البطولي الذي تبناه الفلاسفة الأخ قاايون، من الفيلسوف والخطيب الروماني سينكا إلى جون جاك روسو، ينطلق من افتراض طيب متفائل، يجعل

من الخير مبدأً طبيعيًا في الإنسان. فما دام الإنسان يُولد - عادة - سليمًا في جسمه، فإنه لا يُوجد أيّ

«سبب يمنع من أن نقبل به أيضًا من حيث النفس، بوصفه في طبيعته سليمًا وخيّرًا بالقدر نفسه». إنّ

هذين التصورين يعبّران عن أطروحتين متناقضتين؛ تنسب الأطروحة الأولى إلى الإنسان الشر وتصور

العالم على أنه يسير من الحسن إلى السيّئ. في حين تنسب إليه الثانية الخير وتصور العالم على أنه

يسير في اتجاه تفاؤلي من السيّئ إلى الحسن. يقدر كانط أنّ الخطأ كان حليفًا للتصورين السابقين، ويعارضهما معًا، ويعبّر عن ذلك في صيغة

تساؤلية يغلب عليها الطابع الاستنكاري: ألا يمكن القول إنّ الإنسان في طبيعته لا هو بالخيّر ولا هو

بالشرير؟ ألا يمكن عَدّه خيّرًا في شطر منه وشريرًا في شطره الآخر؟ فهل الإنسان أحادي الطبيعة؟

أم يتقاسمه الخير والشر؟ ومتى يكون الإنسان خيّرًا؟ ومتى يكون شريرًا؟

(9) Ibid., p. 53.

(1((كانط، ص.65 (((1 المرجع نفسه، ص.66

إذا أردنا أن ننطلق من السؤالين الأخيرين، فإنّ ما يجعل الإنسان كائنًا شريرًا بحسب كانط، ليس هو اقترافه

لأفعال قبيحة ومنافية للقانون، بل إنّ ما يجعله كذلك هو أنّ الأفعال التي يقترفها تقوم على مسلمات قبيحة. فالأفعال القبيحة والشريرة تستند إلى مسلمات قبيحة، كما أنّ الأفعال الحسنة تستند إلى مسلمات حسنة. وإنّ أساس الخير أو الشر يقوم على القاعدة التي شرعتها الإرادة لنفسها في ممارسة حريتها. وبهذا المعنى، فإنّ الشر الجذري عند كانط يقوم على الحرية، ما يجعله لصيقًا بالإنسان. القول إنّ الإنسان هو بالطبيعة خيّر، أو هو بالطبيعة شرير، لا يعدو أن يعني، بالنسبة إلى كانط، أنّ

الإنسان ينطوي على أساس أوّل للقبول بمسلمات حسنة أو بمسلمات سيئة، بالنظر إلى أنّ ما ينبغي

فهمه من عبارة «طبيعة الإنسان»، هو الأساس الذاتي لاستعمال حريته بعامة، ف تعني الطبيعة هنا الغريزة، ولا تدل على الحتمية، وإنما هي مجرد أساس ذاتي يتميز بكونه قبْليّ، وسابق للحواس

ومستقل عن التجربة، ويرتبط بالمشيئة الحرة التي لا يمكن الحكم عليها بأنها خيّرة، أو شريرة إلا من

خلال مسلماتها فحسب. وممّا يجب تأكيده حتى يتضح التصور الكانطي، هو أنّ الأساس الذاتي لاستعمال الحرية ليس منزعًا

طبيعيًا ولا ميلً غريزيًا، وإنما هو مسلّمة خُلقية غير مكشوفة؛ بمعنى أنّ هذا الأساس غير معروف

ولا يمكن إدراكه. وحتى عندما يَعُدّ كانط أنّ هذا الأساس يُوجد في الإنسان بالفطرة، فإنه لا يتجاوز

أن يكون متمثّلً بوصفه حاضرًا في الإنسان في الوقت نفسه مع الولادة، من دون أن تكون الولادة هي

السبب الأصلي في ذلك. وإنّ هذه المسلّمة تتميز بطابع مزدوج، ذاتي وكوني. فهي ذاتية؛ لأنها تجد أساسها في الحرية، وهي كونية؛ لأنها تقدّم نفسها قاعدةً يكون سلوك الجميع تبعًا لها. ويمكن

أن نفهم من ذلك أنّ هذه المسلمة (أو الأساس الذاتي للحرية) لا تنفصل عن القانون الأخلاقي الذي يشرعه العقل. بحسب كانط، يقود التصوران السابقان معًا، شكوى الكُهان والقساوسة، ثمّ موقف بعض الفلاسفة

الأخلاقيين، إلى خلاف نظري وعملي يتأسس على الفصل أو على القضية الشرطية المنفصلة التالية: «إنّ الإنسان هو بالطبع إمّا خيّر أخلاقيًا أو شرير أخلاقيًا». ولتجاوز هذا الخلاف الحادّ، يشير كانط

إلى إمكانية وجود افتراض آخر يكون بحسبه الإنسان خيّرًا في بعض أجزائه، وشريرًا في بعضها الآخر.

ويستند هذا الافتراض إلى الوصل بدلً من الفصل، ويعتمد حدًّا أوسط بين الطرفين الأقصيين. فالإنسان يحتوي في ذاته على مبدأ الخير متجاورًا مع مبدأ الشر.

(((1 المرجع نفسه، ص.67

(13) Claude Piche, «Le Mal radical chez Fichte et Kant et Schelling, Symposium ,» vol. 111, no. 2 (1999), p. 211.

(((1 كانط، ص.67 (1((المرجع نفسه، ص.68 (1((المرجع نفسه، ص.67 (1((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه، ص.69

3  - الطبيعة الإنسانية: استعداد ونزوع

يرتبط فعل الخير في الطبيعة الإنسانية، على غرار فعل الشر، بعدة استعدادات تمثل الأجزاء المُقومة

لوجود الكائن وال زاامة له. ويخص كانط بالذكر هنا الاستعدادات التي تتعلق مباشرةً بملكة الرغبة واستعمال المشيئة. وحتى تتضح هذه الفكرة، نشير إلى أنّ كانط يرجع الاستعدادات التي تتقاسم

الطبيعة الإنسانية إلى ث ثااة أنواع. أولً: الاستعداد للحيوانية في الإنسان من حيث هو كائن حيّ،

ويندرج تحت العنوان العامّ لحبّ الذات الفيزيائيّ والميكانيكيّ الذي تحكمه الغريزة. ثانيًا: الاستعداد

للإنسانية في الإنسان بالنظر إليه، في الوقت ذاته، ككائن حيّ وكائن عاقل، ويخضع هذا الاستعداد

للعقل العملي غير أنه يكون مشروطًا أو في خدمة دوافع أخرى. ثالثًا: الاستعداد للشخصية في الإنسان، بوصفه كائنًا عاقً، قادرًا في الوقت نفسه على تحمّل المسؤولية، ويتخذ هذا الاستعداد

من العقل المشرع جذرًا له على نحو غير مشروط، وتُفهم منه فكرة الإنسانية مُعتبرةً على نحو

عقلي. ويمكن ل نإإسان أن يستعمل الاستعدادين الأولين على نحو مضاد للغاية منهما، لكنه لا يستطيع أن يُبطل مفعولهما لأنهما أصليان في الطبيعة الإنسانية، بينما يرتبط الاستعداد الثالث

بالقانون الأخلاقي أو الشعور الخلقي. وبهذا المعنى، فإنّ كانط يرى أنّ فكرة القانون الأخلاقي هي ما يتناسب مع استعداد الإنسان للشخصية، وهو ما يشكّل أساسًا ذاتيًا للفعل الأخلاقي، أو الاستعداد

الأصلي للخير في الطبيعة الإنسانية. وإلى جانب هذا الاستعداد الأصلي للخير، يوجد في الطبيعة الإنسانية نزوع إلى الشر، ويقصد كانط بالنزوع الأساس الذاتي لإمكانية ميلٍ ما، ويتميز بطابع عرضي، وهو يُفكّر فيه بوصفه مكتسبًا، تعرض

له الإنسان ذاته من ذاته نفسها. إنّ الشر لا يكون ممكنًا إلا بالنظر إليه كإمكانية لانحراف للمسلمات عن القانون الخلقي. فالإنسان بامتلاكه للحرية، وهي إحدى المسلمات والأساس الذاتي للاختيار والفعل، قادر على استعمال مشيئته المنبثقة من نزوعه الطبيعي في اتجاه قبول، أو عدم قبول القانون الأخ قااي. ويميز كانط بين ث ث درجات من النزوع إلى الشر؛ يتخذ الأول شكل وهن وضعف للطبيعة الإنسانية في اتباع المسلمات بوجه عامّ، ومثال ذلك «أمّ ا عن الإرادة فأنا أريد، وأمّ ا عن

الإنجاز فغير موجود». ويتجلى النزوع الثاني في عدم الصفاء الحاصل في القلب بفعل خلط الدوافع غير الأخلاقية بالدوافع الأخلاقية، وينشأ الخلط عندما تكون المسلّمة من جهة القانون خيرةً،

وقويةً على نحوٍ كافٍ، ولكنها ليست بصافية من الناحية الأخلاقية، ومن مظاهر ذلك أنّ الإنسان قد تصدر عنه أفعال شرعية موافقة للقانون، ولكنها غير مشروعة أخ قاايًا، وإنّ التعارض بين القانوني

(1((المرجع نفسه، ص.77 (2((المرجع نفسه. (((2 من أمثلة ذلك أنّ الحب، كاستعداد للحيوانية في الإنسان، له ثلاثة أنحاء، هي: الحفاظ على الذات، والتوالد، والاجتماع مع أناس آخرين. فعلى الرغم من طبيعته الحيوانية، فإنّ الإنسان يرقى به من المستوى الغريزي إلى المستوى الأخلاقي عندما ينظمه تبعًا

للقوانين التي يشرعها العقل، وعندما ينسلخ من الأخلاق والقوانين، فإنه ينتج رذائل بهيميةً. المرجع نفسه، ص.75 (((2 المرجع نفسه، ص.78 (((2 المرجع نفسه، ص.79

والأخلاقي هو ما يفسر هذا الخلط. وأمّا النزوع الثالث، فهو يرتبط بتأخير الدوافع المنبثقة من النظام

الأخلاقي، أو تعطيلها، لمصلحة الدوافع اللاأخلاقية. ونشير هنا إلى أنّ كل نزوع إلى الشر، إمّا أن يكون فيزيائيًا أو خُلقيًا. ويعود النزوع الفيزيائي إلى مشيئة

الإنسان من حيث هو كائن طبيعي. وفي هذه الحالة، لا يُوجد نزوع إلى الشر الأخلاقي؛ لأنه يتأسس

على بواعث حسية ويفتقر إلى الحرية. ويبدو أنّ وجود الحرية، أو غيابها، يمثّل عند كانط سندًا للحكم على الأفعال الإنسانية بالخير أو الشر. فالفعل الشرير هو ما يقترفه الإنسان بمشيئته ويتحمل مسؤوليته. وبناءً عليه، فإنّ النزوع الخلقي يُنسب إلى مشيئة الإنسان، من حيث هو كائن أخلاقي؛ أي

ذات لعقل أخ قااي عملي. فالنزوع المرتبط بما هو فيزيائي هو فعلٌ حسّي مُعطى في الزمان، وغير

قابل للاستئصال؛ لأنه فطري. وأمّا النزوع الخُلقي، فهو فعلٌ عقلي؛ بمعنى أنّه قابل للمعرفة بواسطة

العقل، من دون أي شرط متعلق بالزمان. وعندما ينزع الإنسان إلى الشر، فهو يمارس فع مخالفًا للقانون الأخلاقي، وإنّ الفعل الخيّر هو الذي يقوم به الإنسان احترامًا للقانون الأخلاقي الذي يلزمنا

بفعل الواجب في حدّ ذاته، من دون ارتباطه بنتائج خارجية. وحين يقوم الإنسان بالواجب من أجل

مصلحة خارجية، فهو يقوم بعمل شرير، فالواجب ضمن الفلسفة الأخلاقية لكانط، هو فعل عملي أو يتضمن إكراهًا عمليًا، وهو يلهم الاحترام ويقصي التأثير المباشر للمَيل في الإرادة. فليس الواجب

ما نرغب فيه الآن أو مستقبلً، بل هو ما يجب فعله احترامًا للقانون الأخلاقي الذي يشرعه العقل. والسؤال الذي ينبعث ويلوح في الأفق، هو: هل في الإمكان إثبات كونية النزوع إلى الشر بين الناس؟ يجيب كانط إنّ «النزوع إلى الشر مطروح هنا على طراز الإنسان، حتى الأفضل من نوعه، وهو ما ينبغي أن يحدث متى كان يجب إثبات كونية النزوع إلى الشر بين الناس أو أنه مرتبط بالطبيعة الإنسانية».

4  - جذرية الشر

إنّ قضيةً مثل قضية «الإنسان شرير»، لا تعني بحسب كانط إلا أنّ الإنسان واعٍ بالقانون الأخ قااي.

وعلى الرغم من ذلك، ينحرف عن مسلماته مؤقتًا. ويفضي مثل هذا القول إلى أنّ الشر ضروري من

الناحية الذاتية في كل واحد من الناس، حتى في أفضل إنسان. وكنتيجة لهذه القضية، يخلص كانط إلى إقرار يتضح من خ لاا القول: «سوف يمكننا أن نسمّي هذا النزوع نزوعا طبيعيًا للشر. وبما أنه

ينبغي أن يكون على الدوام مذنبًا بذاته، فنحن نستطيع أن نسميه هو ذاته شرًا جذريًا، فطريًا، في الطبيعة

الإنسانية». فهذا النزوع المنحرف عن مسلمات القانون الأخ قااي، متجذر في الإنسان ومتأصل في طبيعته. وإنّ أساس هذا الشر لا يمكن أن يوضع في ملكة الحسّ من الإنسان، والميول الطبيعية

المؤقتة، ولا أن يوضع في فسادٍ ما للعقل الأخلاقي المُشرع للقوانين، بل هو نزوع جذري أو أنّ الشر

شرٌّ جذري؛ لأنه نابع من حرية الإنسان التي تشكّل ماهيته وتميز وجوده. وتقتضي جذرية الشر عند كانط أنّ الحرية هي أصل الشر، كما هي أصل الخير في الإنسان بمعناه الأنثروبولوجي الذي يشمل كل النوع البشري، ولا وجود للشر إلا بوجود الحرية. فالشر جذري في

(((2 المرجع نفسه، ص.80 (2((المرجع نفسه، ص.84

الإنسان؛ لأنه يُفسد الأساس الذي تقوم عليه جميع المسلمات الخيرة، وهو في الوقت نفسه - من

حيث هو نزوع طبيعي - لا يمكن تدميره بالقوى الإنسانية؛ إذ إنّ ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بواسطة مسلمات خيّرة. فالإنسان من حيث هو كائنٌ فاعل حرّ، متصف بحرية الإرادة والقدرة على الاختيار،

مطالبٌ باختبار حريته التي هي الأساس الذاتي لكل أفعاله؛ الخيّرة أو الشريرة. والفضائل، على غرار

الرذائل، مصدرها إرادة الإنسان الحرة. وإن كان وجود الشر يتجاوز إرادة الإنسان - ربما كان مصدره

الله أو الشيطان - فإنّ اقترافه أو ارتكابه متعلّق بالإنسان. إنّ القول بالشر الجذري يستبطن نقدًا لبعض التصورات الفلسفية، من قبيل تلك التي تذهب إلى أنّ الطبيعة الإنسانية تتجه إلى الاكتمال في حالة التمدن، أو تلك التي تأخذ طابعًا مهدويًّا وتأمل

حالةً من السلم الأبدية. وتكشف الوقائع الإنسانية أنّ الرذائل تختفي وراء الفضائل، فخلف الصداقة يقيم الكره والحقد بين الأصدقاء. وخلف الدعوة للسلم، تكون الشعوب في حالة التهيؤ المستمر للحرب، كما تكشف تجربة التعارض الفعلي في الزمان بين المشيئة الإنسانية الحرة، والقانون الخلقي عن النزوع إلى الشر في الطبيعة الإنسانية. يحمل الإنسان طبيعةً تتصارع فيها الأضداد، فهو منشطر بين الله والشيطان، وحتى تنتصر إرادته الطيبة والخيّرة على الإرادة السيئة والشريرة، وجب على الإنسان أن يواظب على القيام بالأعمال الصالحة،

وأن يتبع القواعد الأخ قااية التي يشرعها العقل. وفي المقابل، عندما يتحرر من القانون الأخ قااي فإنه يقوم بتحويل ذاته إلى «كائن شيطاني». فهذا الصراع بين مبدأ الخير ومبدأ الشر في الإنسان، كما عرضه كانط، يوجد في التصور المسيحي البروتستانتي، وهو صراع يتحكم في تاريخ الإنسانية منذ الخطيئة الأولى، ولا ينتهي إلا بنزول المسيح المخلص الذي سيتصارع مع الشيطان في نهاية الزمان. غير أنّ ما يميز كانط هو أنه يربط الشر بالحرية، لا بالخطيئة الأصلية. فالأصل في الإنسان هو البراءة، لا الخطيئة. إنّ التعالق بين الشر والنزوع في الطبيعة الإنسانية من جهة، وبين الشر والحرية من جهة ثانية، يجعل الموقف الكانطي أمام مفارقة يصعب الحسم فيها. فهل الشر فطري متأصل في الطبيعة الإنسانية؟ أم مكتسب تبعًا للأفعال التي يقترفها الإنسان ويتحمل فيها المسؤولية؟ وبنوع من التركيب يصرح كانط

قائً: «هكذا يمكننا أن نقول في الوقت نفسه إنّ الشر جذري فينا؛ لأنه جزء من الطبيعة البشرية،

إلا أنّنا بوجهٍ ما نحن الذين جنيناه على أنفسنا؛ لأنه لا وجود لشرٍّ أخلاقي من دون حرية»، وربما

كان الجذري في الإنسان هو الحرية التي تمثل جوهرًا في الطبيعة الإنسانية، في حين أنّ الشر تابع لها

وناتج منها، وهو ينشأ عن الانحراف الجذري في القلب الإنساني ويعبّر عن هشاشة الطبيعة الإنسانية.

(2((المرجع نفسه، ص.90 (2((المرجع نفسه، ص.85 (2 ((تشير المهدوية إلى مذهب ديني توحيدي، يعتقد أتباعه أنّ المسيح أو المهدي سوف يطرد الدجال، ويحكم العالم قبل قيام القيامة. (2((كانط، ص.86 (3((المرجع نفسه، ص.84

يستند كانط في حجاجه المتعلّق بأنّ الشر جذري إلى قضيتين؛ تتعلق الأولى بالذنب الفطري، وتتعلق الثانية بكونية الشر. فعلى الرغم من وجود وقائع تجريبية كثيرة توحي بالنزوع الطبيعي إلى

الشر، فإنّ ذلك لا يمنع من التساؤل إن كان مفهوم «الشر الطبيعي» متماسكًا. ومن منظور تأويلي، يرى بول ريكور أنّ الشر مهما كان جذريًا، فإنه ليس أصليًا، وهو بذلك يميز

بين «الجذري» و«الأصلي». فالجذري في الإنسان هو نزوعه إلى الشر، ولكن الميل إلى الخير أصلي

فيه. ويضاعف ريكور توضيحه للشر الجذري، استنادًا إلى التحليل النفسي؛ عادًّا إياه مجموعةً من

الوجوه؛ إذ يستعيد كل وجهٍالوجهَ السابق، بغية عدم الاعتراف به وتجاوزه، كما يقول فرويد عن العمل

الفني. ويضيف أنّ تعبير الشر الجذري الكانطي يدل على محدودية الإنسان، بمعنى ضعفه في فعل الخير وفي معرفة الحقيقة. وربما جاز القول، استنادًا إلى تأويل ريكور، إنّ ماهية الإنسان تكمن

في محدوديته، وإنّ الشر الجذري مظهر من مظاهر هذه الماهية المركّبة التي لا يمكن اختزالها في

بُعدٍ واحد. لهذا السبب، يطرح الشر الجذري إشكاليات متعددةً تمسّ كل جوانب الحياة الإنسانية،

وتترتب عليه نتائج ترتبط بالاعتقاد والفعل، ويتخذ صورًا دينيةً وأخلاقيةً وسياسيةً، تخص الشخص في

علاقته بذاته وفي علاقته بالغير. ونؤكد هنا أنّ الحرية تشكّل خيطًا ناظمًا لكل إشكاليات الشر الجذري

وصوره ونتائجه؛ فهي كما أشار ريكور، في أحد فصول كتابه صراع التأوي ت، الأمل لفهم معضلة الشر الجذري. إنّ الشر اختيار إرادي وحر، أو يفعله الإنسان بكل حرية، ويتحمل مسؤولية اختياره.

حنّة أرندت وتفاهة الشر

1  - الأزمة كإطار للتفكير

تظهر فلسفة حنّة أرندت، كتعبير عن تجربة شخصية، وتاريخية كبرى. فهي تجربة مفكرة من أصول

يهودية وطالبة للفلسفة في ألمانيا في سنوات الث ثااينيات. عانت معاداة السامية ثمّ عانت النازية،

وأُجبرت على الهجرة التي قادتها إلى فرنسا في الفترة 940-19331، ثمّ بعد ذلك إلى أميركا خلال الفترة

975-19431؛ أي حتى وفاتها. وبحسب جوليا كريستيفا، تتخذ حياة أرندت شكل سرد مسكون بهواجس القلق الفكري والوجودي المرتبط بسؤال الذات والهوية والحضور في العالم. فهي ذلك الكائن الإنساني الذي تعرّض لمحاولة التجريد من إنسانيته، وسلب هويته، وطمس معالم خصوصيته؛

لكونها مغايرةً جنسيًا (امرأة) وعرقيًا (ساميّة) ودينيًا (يهودية) للأيديولوجيا التي فرضها النظام النازي.

(31) Stephen R. Grimm, «Kant’s argument for radical evil,» European Journal of Philosophy , vol. 10, no. 2 (2002), p.161. (32) Ibid., p. 163.

(((3 بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.710 (((3 بول ريكور، في التفسير: محاولة في فرويد، ترجمة وجيه أسعد (دمشق: أطلس للنشر والتوزيع، 0032)، ص.454

(35) Paul Ricoeur, «la liberté selon l’espérance,» in: Ricoeur, le conflit des interprétations , pp. 393-415. (36) Françoise Colin, L’Homme est-il devenu superflu? (Paris: Edition Odile Jacob, 1999), p. 9. (37) Julia Kristeva, Le génie féminin, la vie, la folie, les mots, Hannah Arendt , vol. 1 (Paris: Gallimard, 1999), p. 27.

وشكّلت هذه الأزمة التجربة الشخصية والتاريخية، بالنسبة إلى أرندت، الإطار النظري العامّ لفلسفتها.

فهي موضوع تجربة معيشة وموضوع تفكير في الآن نفسه، كما ساهمت في تحديد معالم منهج تفلسفها الذي يتحدد في صورة فينومينولوجيا أنثروبولوجية وسياسية، ويتخذ طبيعةً نقديةً. وتُعنى هذه الفينومينولوجيا بالإنسان في تعدده وتنوعه كموضوع لها، وليس الإنسان بمعناه «الكلّي»؛ ذلك الكائن الذي يسكن الأرض. من السمات البارزة لفلسفة أرندت أنها فكر أزمة وتفكير في الأزمة. فهي تنظر إلى الأزمة كواقع إقليمي وكضعف تاريخي في المؤسسات السياسية، والثقافية والأنظمة التعليمية، وتنعتها بالهيمنة الشاملة. فالأزمة هي العلامة الأساسية لشرطنا الإنساني؛ إذ تقع في قلب أنشطتنا وعلاقاتنا بأنفسنا والآخرين والعالم، ومن ثمّ، فهي ما يؤسس وجودنا في العالم وحياتنا المشتركة. ولئن كانت الأزمة

تمسّ كل مجالات الأزمنة الحديثة، فإنّ أرندت تخمن أنّ أزمة العالم الحالي هي أزمة سياسية قبل

كل شيء. يتميز الفكر الفلسفي لأرندت بكونه فكرًا محايثًا للواقع الإنساني، وقائمًا فيه، وملتصقًا به، ومرتبطًا

بتجاربه المعيشة. فهو لا ينطلق من العدم ولا يقوم على التخمين. فقد تفلسفت وفكرت في ما عاشته، وعايشته من أزمات كاندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتصاعد موجات معاداة السامية، وبدء الاستعمار، وانتشار معتقلات الإبادة الجماعية. فكل هذه الوقائع والأحداث جعلت أرندت تنعطف من التفكير في الحب الذي كان موضوع رسالتها لنيل الدكتوراه، إلى التفكير في الشر؛ ذلك أنّ الشر صار قضيةً مركزيةً شغلت كل فكرها إلى حدّ أنها توقعت أنه سيصبح السؤال المركزي في الحياة الأوروبية ما بعد الحرب. وحتى إنْ مثّل مفهوم الشر الخيط الناظم الذي يمتد عبر دروب فكر أرندت، والأساس البارز لبنية فلسفتها، فإنه يمثل كذلك حقيقة أزمنة الحداثة التي يتعذر رفضها، ولعل هذا ما كتبته في إحدى رسائلها التي أرسلتها إلى الفيلسوف كارل ياسبرز؛ إذ إنّها أشارت إلى أنّ الشر أصبح أكثر جذريةً ممّا كان عليه، وأنّ الفلسفة تتحمل جزءًا من المسؤولية بخصوص هذه القضية.

ومن منظور تأويلي، يمكن رصد مسؤولية الفلسفة بخصوص انتشار الشر من خلال أطروحتين؛ تشير

الأولى إلى وجود خطابات فلسفية غذّت الذهنية الكُليانية، أو التوتاليتارية، ويمكن أن نشير هنا إلى الفيلسوف كارل شميت الذي ساند النظام النازي بعد وصوله إلى سدة الحكم في عام 933.1 وتشير الأطروحة الثانية إلى صمت الفلسفة في وجه من يريد محو الفكر، أو إلى صمت الفيلسوف وتخليه عن دوره في مساءلة السائد ونقده، بل تعدى ذلك إلى التواطؤ معه في لحظة تاريخية، كما هي حال الفيلسوف مارتن هايدجر، ومن مظاهر مسؤولية الفلسفة، بالنسبة إلى أرندت، أنّ الفلسفة الغربية لم تقدّم مفهومًا واضحًا للسياسة، ولم تعالج الإنسان في فرديته وتفرده واستقلاليته، وإنما بالنظر إليه

(38) Céline Ehrwein Nihan, Hannah Arendt: une pensée de la crise: la politique aux prises avec la morale et la religion (Genève: éditions Labor et Fides, 2011), p. 18. (39) Dario De Facendis, «Hannah Arendt et le mal,» in: Hannah Arendt, le totalitarisme et le monde contemporain (Canada: Presses de l’Université Laval, 2003), p. 53. (40) Ehrwein Nihan, p. 16.

في انصهاره في الجماعة وذوبانه في الآخرين، وقد ساهمت مثل هذه الذهنية في خلق بنية معرفية وسياسية مهدت للنازية والستالينية، ولكل الأنظمة الشمولية. وحتى إنْ كانت أرندت لا تنتظر من الفلسفة تغيير العالم، فإنها كانت تعدّها مسؤولةً على تجسيد إرادة الفهم.

2  - مفهوم الإنسان

يحتل السؤال «ما الإنسان؟» موقعًا مركزيًا في فكر حنّة أرندت؛ ذلك أنّ تفكيرها فيه لا ينفصل عمّا

كان يميز عصرها الذي كان يئنّ تحت وطأة مصادر الشر الث ثااة: التوتاليتارية والاستعمار ومعاداة

السامية. فتحت تأثير مفعولها ال إاانساني، وقع تحوّل عميق في وضع الإنسان الذي أصبح مجرد

عضو في مجموعة تتجاوزه وتتعالى عنه، وتمارس عليه هيمنتها، ولا يملك القدرة على التخلص منها. وفي عالم تتحكم فيه التقنية، وتسوده السلطوية السياسية، وتهيمن فيه أنظمة شمولية، أصبح الإنسان كائنًا مستلبًا، ووجودًا عاريًا من الإرادة، وفاقدًا للحرية، وأصبح لا يحظى بأي حقوق، يرزح تحت

وطأة استلاب حديث غير مسبوق. فالإنسان الحديث يحيا غربةً قاتلةً، إذ إنّه غريب عن ذاته وعالمه، ومتقوقع، ومنغلق عن وجوده الخاص، ومنسحب من فضاء الفعل، وربما نلمس هنا تقاسيم نظرة مأساوية للوضع البشري، وهي النظرة ذاتها التي توجد عند الجيل الأول من فلاسفة النظرية النقدية ل «مدرسة فرانكفورت» الذين كانوا يتقاسمون مع أرندت الحقبة الزمنية نفسها والوضع نفسه؛ عرقيًا

وسياسيًا. وفي ظل هذه الأوضاع التي تعاند كل ما هو إنساني، فإنّ انشغال أرندت بسؤال الإنسان

والتفكير في وضعه كان بهدف الدفاع عنه، والدفاع عن حريته، ولعل هذا ما يتيح بناء المعنى الأصلي والأصيل لمفهوم الإنسان. وبالنظر إلى القيمة التي يحتلها الإنسان في فكر أرندت، فقد خصصت له كتابًا بعنوان الوضع

البشريالذي يمكن عدّه بيانًا فلسفيًّا في نقد الحداثة وتعرية أزماتها. وإن كانت أرندت اهتمت في

هذا الكتاب، في أغلبه، بمظاهر متنوعة للفاعلية الإنسانية، فإنّها تساءلت فيه كذلك عن الوسائل التي يمكن للمجتمع، بواسطتها، أن يحمي نفسه من فتنة الكليانية والدكتاتورية والاستبداد، وقصدها هو إرادة تحقيق الشروط الواقعية لإمكانية الوجود الإنساني، وبخاصة الشرط السياسي الذي يحمي الإنسان من الذوبان، ويضمن وجوده وفاعليته في الفضاء العمومي بوصفه عالمًا إنسانيًا مشتركًا

ومجالً للفعل والحرية، من دون إلغاءٍ للمجال الخاص الذي هو مجال الملكية. لم تقصد أرندت من كتابها الوضع البشريتحديد ماهية الإنسان أو البحث عن طبيعة له، بقدر ما كانت مُشغلةً بشروط

وجوده، أو بما يشرط وجوده في هذا العالم، فالإنسان كائن اجتماعي وسياسي، أو الفعل السياسي أهمّ شرط لوجوده. ويمكن أن نشير هنا، انط قااًا من م حظة أوردها بول ريكور في مقدمة ترجمة كتاب حنّة أرندت

الوضع البشري، إلى أنّ الخيط الناظم بين هذا الكتاب وكتابها العمدة أسس التوتاليتارية هو التماس

(41) Hannah Arendt, La philosophie de l’existence et autres essais (Paris: Payot, 2015), p. 281.

(((4 حنّة أرندت، الوضع البشري، ترجمة هادية العراقي (بيروت/ الرباط: جداول/ مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 0152)، ص.22

طريقة جذرية لمقاومة الجرائم التي تنتج من النظام التوتاليتاري. ومن موقع فيلسوفة السياسة، ترى أرندت أنّ نقطة ارتكاز مقاومة النظام التوتاليتاري تقع في تأسيس أنثروبولوجيا سياسية جديدة، في إطارها يتحدد الإنسان كحيوان سياسي، يعيش في مجتمع سياسي منظم بالقوانين والمؤسسات. فإنسان الشرط الإنساني أو الوضع البشري، ليس كائنًا منعزلً ولا وحيدًا، إنه يُوجد بمعية الآخرين

ويشاركهم الوجود في العالم. كأنّ مفهوم الإنسان يتحقق بشرط العيش المشترك، وضمن المشترك الإنساني تعلو الحرية كقيمة وشرط يمنحان المعنى للإنسان وعالمه، وللسياسة والمجال العمومي. وحتى يتسنى لحنّة أرندت أن تؤسس أنثروبولوجيا سياسيةً جديدةً، فإنّها ستعود إلى إحياء كثير من

المفاهيم السياسية من التراث الفلسفي، لأرسطو ومكيافيلّي ومونتسكيو، إلى جانب استحضار التجربة التاريخية الرومانية التي عرفت إبّان تدهورها وسقوطها أزمةً تتشابه في كثير من معالمها مع الأزمة

التي عاشتها المجتمعات الأوروبية الحديثة، وهدفت من هذه الأنثروبولوجيا السياسية إلى رفض كل استلاب يمسّ الإنسان، ومعارضة الأنظمة الاستبدادية والتوتاليتارية. وإنّ السمة البارزة التي تميّز هذه

الأنظمة، والتي وجهت إليها أرندت سهام النقد، هي الرعب الشامل. وبلغة واضحة، ترى أرندت أنّ الرعب الشامل متأصل في الأنظمة الشمولية، وأنّه دخل بدخولها إلى العالم الإنساني؛ فهو يمثّل أحد الأوجه القبيحة لأزمة الحداثة السياسية، وقد أدى إلى نتائج مدمرة، وأحدث قطيعةً مع كل التقاليد التي تنظم حرفيًا «كل مقولاتنا السياسية ومعاييرنا للحكم الأخلاقي». وقد يبدو أنّ الأنثروبولوجيا

السياسية لأرندت تعبّر، نوعًا ما، عن نوستالجيا تعكس حنينًا إلى الماضي. في هذه الأنثروبولوجيا السياسية الجديدة ستُعنى أرندت، بإعادة النظر في مفهوم الإنسان من خلال

استحضارها لمفهوم جديد كان مهملً بين الفلاسفة، يتجلى في الشرط السياسي من وجهة نظرها. فالإنسان لا يملك طبيعةً إنسانيةً قبْيلةً، ولا يمكن تعريفه بماهية سابقة. وربما يعكس هذا المفهوم

جانبًا من جوانب تأثرها بأنطولوجيا مارتن هيدجر، وهي بذلك تكون أقرب إلى الفلسفات الوجودية

منها إلى الفلسفات الماهوية التي تحدد الإنسان من خلال ماهية قبلية وثابتة وكونية. وحتى لا تقع في تصور ميتافيزيقي للإنسان، ستركّز في مظاهر فاعليته (الشغل، والفعل، والحرفة)، أو حياته النشيطة؛ فهو كائن فاعل، والسياسة من بين المجالات التي تظهر فيها هذه الفاعلية وذاك النشاط. وتبعًا لمفهوم

الشرط الإنساني، وتحت تأثير الفكر السياسي لأرسطو، فإنّ أرندت تعرّف الإنسان بأنّه حيوان سياسي

Zôon politikon، يعيش في مجتمع سياسي، وإن لم يكن كذلك عُدّ أسمى من البشر «إلهًا»، أو عُدّ

كائنًا سافلً «حيوانًا». فالسياسة هي المجال الأبرز الذي يظهر أنّ الإنسان يحقق فيه وجوده، ويختبر فيه حريته. فالفعل السياسي هو ما يعبّر عن حرية الإنسان، وكأنّ السياسة هي مسكن الوجود الإنساني

وفضاء انبثاق حريته، أو المجال الذي يتيح ل نإإسان الخروج من فتنة نسيان الوجود والانغماس في الحشود؛ كمجرد بهيمة من دون هوية أو وطن. إنّ السياسة بمعنى الحرية هي التي تفكك أزمة الحداثة وتكشف أعطابها وتشخّص أمراضها. وينبغي الإشارة إلى أنّ تعريف أرندت للإنسان

(43) Paul Ricoeur, Préface à La condition de l’homme moderne (Paris: Pocket Agora, 1994), p. 9. (44) Hannah Arendt, «Compréhension et politique,» Esprit (juin 1980), p. 68.

بالحيوان السياسي، ربما هو أقرب إلى هوبز ومكيافيلّي منه إلى أرسطو؛ ذلك أنّ إنسان هوبز كائن قاتل وعنيف، ومنجذب إلى القوة والحرب «حرب الكل ضد الكل»، فهو كائن يسعى لصيانة وجوده

البيولوجي، ويتصرف وفق رغباته، وإنسان مكيافيلّي يتخذ صورة الأمير الذي يجب عليه أن يتصرف كالحيوان، وأن يقلد الأسد والثعلب معًا. إنّ تعريف الإنسان بالحيوان السياسي يعني كذلك أنّ السياسة قيمة مطلقة، وأنّ الإنسان موجود من أجل السياسة، وأنه ينظم وجوده بالقوانين بكيفية عادلة ما أمكن ذلك، كما أنّ السياسة عند أرندت، تعني الحرية، وتتعارض مع كل أشكال الهيمنة والعنف التي تعبّر عن الشر الذي سيحتل الفضاء

العمومي ويُفرغه من إنسانيته. إنّ الشر يشكّل مظهرًا للأزمة التي مسّت النظام السياسي دولً وأفرادًا. تتحدد ماهية الإنسان عند أرندت من خ لاا قدرته على الفعل الحر، فهو كائن فاعل، والحرية شرط لإنجاز ذلك الفعل الذي يتخذ طابعًا سياسيًا؛ فالفعل السياسي هو ما يمنح الإنسان الفرادة والتميز.

بيد أنّ حرية الإنسان ليست معطى قبليًّا، أو فكرةً مجانيةً وعفويةً، بل هي فعل واعٍ وقصدي ومسؤول،

وبكلمة واحدة: إنّها تحرّر. كما أنّها ليست ع قااةً باطنيةً مع الذات، وإنّما هي علاقة بالآخر، وفعلٌ

وممارسة يتمّان في المجال العمومي. وبما أنّ الإنسان، كما ترى أرندت، مخلوق وُهب موهبة العمل،

فإنّ العمل والسياسية هما الوحيدان بين مجموع القدرات والإمكانات التي لا يمكن تصور وجودها من افتراض وجود الحرية. وإذا تصورنا الحرية وسيلةً وغايةً للفعل السياسي، فإنّ الإنسان في سعيه لتملك الحرية، أو للتحرر، يواجه متاهات ودروبًا شائكةً من الشر والعنف تهدده في وجوده وكينونته،

وتضع إنسانيته في دائرة الخطر.

3  - التوتاليتارية أو الشر السياسي

عملت أرندت في كتابها أسس التوتاليتارية (الصادر سنة 9511)، على فهم أسباب تحوّل ألمانيا إلى

نظام للهيمنة المطلقة. فالتوتاليتارية كتجسيد للشر المحض، حدثٌ غير مسبوق في التاريخ السياسي، تأتي بذورها من الحداثة، ومن عجزها عن تدبير مشكلة العيش المشترك. فالشر، قبل كل شيء، فعل عنيف وسلوك عدواني يتمّ في المجال السياسي، ويسعى لتدمير الغير وإخضاعه والتحكم

فيه. وتتمظهر صوره القصوى بالنسبة إلى أرندت في معاداة السامية والتوتاليتارية والاستعمار. فقد عرضت في كتابها معالجةً نوعيةً، بخاصة للتوتاليتارية، ساهمت في كشف نقاط الاشتراك ما بين «النازية» و«الستالينية»، وكل الأنظمة الشمولية التي تجسد تجربة الخراب. فهذه التجربة، على حدّ تعبيرها، تُبرز أنّ الجحيم ليس هو الآخرين، وإنما هو غياب الروابط مع الآخرين، ومع الذات. فقد أفسدت التوتاليتارية العلاقة بين السياسة والحرية، وذلك عند ادعائها أنها جميع مجالات الحياة لمتطلبات السياسة. وفي هذه الحالة، انتفى التطابق بينهما، وظهرت معادلة جديدة مفادها أنّه كلما

4(((حنّة أرندت، بين الماضي والمستقبل: ستة بحوث في الفكر السياسي، ترجمة عبد الرحمان بشناق، مراجعة زكريا إبراهيم

(بيروت: جداول، 0142)، ص.204

(46) Christian Delmas, Hannah Arendt, une pensée trinitaire: une nouvelle approche de son ouvre (Germany: Harmattan, 2006), p. 10.

زادت السياسة، نقصت الحرية. ومن هنا نفهم حرص أرندت على الانسجام بين السياسة والحرية،

فهما لا تنسجمان إلا بقدر ما تضمنه الحرية من تحررٍ من السياسة، كما فرضتها ومارستها الأنظمة التوتاليتارية. فالحرية السياسية هي إمكانية التحرر من السياسة، كتصور وممارسة تحوّل الإنسان

إلى مجرد فردٍ داخل حشود من الأجساد، أو الجثث التي لا روح فيها. ويُفهم من التوتاليتارية أنّها ذلك النظام السياسي الذي يجعل الأفراد خاضعين لسلطوية هيئات سياسية

واجتماعية. بمعنى آخر، إنّه يتأسس على وجود نظام وحيد تنصهر فيه كل السلط: التشريعية والقضائية

والتنفيذية؛ لتكوين سلطة قاهرة تمارس سيطرةً شاملةً على الأشخاص وأنشطتهم، وتتدخل في كل تفاصيل حياتهم، وبلغة جوليا كريستيفا، تحولهم إلى جثث حيّة، ويصيرون غرباء عن ذواتهم

ويفقدون الإيمان بأنفسهم. لقد تفوقت التوتاليتارية على كل الأيديولوجيات التي كانت معاصرةً لها، وجعلت من نفسها سلطةً

عليا ومقدسةً تصدر عنها كل الأحداث، وتتحكم في مجريات الوقائع، واستندت في ترسيخ سلطتها إلى عصمة القائد «الفوهرر» والحملات الدعائية، واستعملت التصفية الجسدية في حقّ المخالفين

لسياساتها والمشككين في قدسية سلطتها، والرافضين لجبروتها. وبفعل آليات الحملة الدعائية،

حولت النازية العداء للمخالفين والمشككين، إلى مبدأ ذاتي وسندٍ بنيوي في تكوينها الأيديولوجي،

ما شكّل مُسوّغًا لممارسة العنف من دون حدود؛ استجابةً لغريزة السيطرة. والعنف الممارس هنا

لا يمكن تبريره بيولوجيًا، من خلال ربطه بميكانيزمات دفاعية لحفظ النوع، ولا تفسيره نفسيًا بردّه إلى

الغضب، بل هو فعلٌ أداتي مقصود يترجم غريزة التوسع والهيمنة والتسلط التي هي من طبيعة الأنظمة التوتاليتارية، ومن البيّن أنّ أشكال التنظيم التوتاليتاري (الدولة والجمعيات السرية... إلخ) شكلت

أدواتٍ لتفيد الأيديولوجيا العنيفة التي يرسمها القائد المعصوم، والدائرة الحميمية المحيطة به، تُروّجها

الحملات الدعائية القائمة على التوهم النفسي للجماهير. وتمثّل التوتاليتارية، بكل مكوناتها، الوجه القبيح والأبرز للشر المطلق في القرن العشرين، ومنعطفًا

خطِرًا في التاريخ الإنساني؛ لهذا جعلت منها أرندت عنوانًا بارزًا للتعبير عن الأزمة الشاملة للحضارة

الغربية، وعلامةً دالةً على ثغرة عميقة وخرقٍفي التاريخ عمومًا، وفي التاريخ السياسي خصوصًا؛ إذ

أسّست قطيعةً جذريةً مع كل الأنظمة السياسية التي وُجدت من قبلُ؛ كالأنظمة المستبدة والديكتاتورية.

وإنّ تحليل أرندت للتوتاليتارية قادها إلى اكتشاف التجسيد المتطرف وغير المعلن للمقولة الكانطية «الشر الجذري» التي تطرح تحديًا أمام الفكر، بمعنى أننا لا نملك ما يحيل على فهم هذه الظاهرة التي

هي بمنزلة الواقع المرهق الذي يمتنع عن استجوابه واستنطاقه، ويكسر كل المعايير المعروفة لدينا. ومن مظاهر الشر الذي تكوّن في مشاتل التوتاليتارية، من خلال أنظمتها ومؤسساتها وأجهزتها السرية،

عملها على «تحويل الشخصية البشرية إلى محض شيء، إلى أيّ شيء لا تقوى الحيوانات على أن

تكونه». ومن خلال سيطرتها المطلقة، صنعت نوعًا بشريًا يشبه الأنواع الحيوانية التي يكون هدفها

4(((أرندت، بين الماضي والمستقبل، ص.208

(48) Kristeva, le génie féminin , vol. 2, p. 229.

4(((حنّة أرندت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط 2 (بيروت: دار الساقي، 0162)، ص.207

الوحيد الحفاظ على نوعها. ففي معسكرات الاعتقال والمعتقلات السرية مورست فظائع وجرائم ضد الإنسانية تعكس دلالة الشر الجذري، بوصفه انتصارًا للنسق التدميري لكل قيمة إنسانية نبيلة. وحتى

تظهر فظاعة الشر الجذري بكل صوره ومظاهره، شبهته أرندت باستخدام القنبلة الهيدروجينية ضد الجنس البشري برمّته. يكشف البناء السردي ل حأأداث، والتوثيق التاريخي للوقائع في كتاب أسس التوتاليتارية، عن رؤية

تأملية تُسند إلى نقدٍ متعدد الجوانب، سياسي وفلسفي وأخ قااي، يعرّي فظائع الأنظمة الشمولية

والكليانية وجرائمها، ويؤكد أنّ أرندت، قاربت سؤال مشكلة الشر من منظور سياسي بعيدًا عن كل التفسيرات اللاهوتية والقيمية. فهذا السؤال، بالنسبة إليها، لا يرتبط بأيّ مَيل ميتافيزيقي، ولا يستند إلى

أيّ مبادئ مطلقة تُحيل على ما هو مقدس أو ديني، بل هو إنسانيّ، ولا يمكن أن يُفهم إلا في علاقته

بما هو إنسانيّ. وعبر اقترافه، فإنّ الناس يخرجون من إنسانيتهم، وهو كما وصفته: ثقب أسود، وهاوية

جليدية، والمكان الأعمق في جهنم بلغة الشاعر الإيطالي دانتي، فهذا الثقب الأسود يلتهم كل شيء ولا يترك سوى رعب المطلق اللاإنساني، ويؤسس مملكة الخراب أو «مملكة الأموات المغلقة »، حيث إنّ البشر أموات في صورة أحياء، وأجساد، من دون روح، وهياكل عظمية منخورة.

4  - حالة أيخمان

في سنة 961 1 ستعيش أرندت، حدثًا مزعجًا ومثيرًا؛ عندما أ رسلت لتغطية محاكمة الموظف النازي

كارل أدولف أيخمان. وانطلاقًا من هذا الحدث ستبدع مفهومًا جديدًا هو «تفاهة الشر»، استنادًا إلى

المفهوم الكانطي «الشر الجذري» الذي كانت تستعمله من قبلُ، ومن ثمّ تضعنا أمام مفهومين حاولت

من خلالهما التعرّف إلى طبيعة الشر، وهو ما يدعو إلى التساؤل: أتوجد قطيعة أم استمرارية بين هذين

المفهومين؟ وكيف يكون الشر تافهًا وهي في الوقت نفسه تتحدث عن الشر الجذري؟ وفي فصل بعنوان «من الشر الجذري إلى تفاهة الشر» ضمن كتاب أرندت والمسألة اليهودية، سيعمل

ريتشارد برينشتاين على تتبع مسار تشكّل دلالة الشر؛ ليؤكد أنّ الشر الجذري وتفاهة الشر ليسَا إلا

لحظتين لسيرورة واحدة يمكن تسميتها «ديالكتيك الشر»، وأثناء هذه السيرورة يصل الشر إلى مرحلته المطلقة التي تتساوق مع المرحلة النهائية للتوتاليتارية، فيصير شرًا محضًا. فهو محض؛ لأنه

لا تتمّ إحالته على دوافع إنسانية، ومن دون هذه التوتاليتارية لم يكن في الإمكان إطلاقًا التعرّف إلى

الطبيعة الجوهرية للشر. يمكن أن يُفهم من «حالة أيخمان» معنيان متداخ ن. فمن جهة، يمكن النظر إليها كمشكلة

أو كشيء شبيه بالأحجية. فكيف أمكن لإنسان لم يكن متعصبًا ومقتنعًا أيديولوجيًا، ولا معاديًا للسامية

((5(المرجع نفسه، ص.215

(51) De Facendis, p. 54.

(5((أرندت، أسس التوتاليتارية، ص.217

(53) Ibid., p. 52. (54) Ibid.

أن ينخرط في عملية «الحل النهائي»؛ بمعنى إبادة الملايين من الأشخاص؟ وكيف لإنسان لم يكن منحرفًا، ولم يكن له نزوعٌ إلى القتل، وكان عاجزًا عن اغتيال رئيسه في العمل ليحل مكانه، أن يقترف جرائم شنيعة؟ وكيف يمكن أن نفهم إنسانًا لا يستشعر الشر الذي ارتكبه؟ ومن جهة ثانية، تُعدّ هذه

الحالة مثالً متميزًا. فأيخمان هو النموذج الأكثر دلالة على تفاهة الشر. وينبغي لهذا المفهوم ألّ يضللنا، فهو لا يقصد أن يجد لأيخمان ظروف التخفيف، أو التقليل، من الشر الذي ارتكبه، بل إنّه - على العكس من ذلك - يجسد في التاريخ، نوعًا جديدًا من الجريمة أو شرًا جديدًا متطرفًا،

ولكن لا يمكن ربطه بأيّ دافع ولا بأيّ إرادة لفعل الشر من أجل الشر، ولا بأيّ تعصب. إنّ الشر

المرتكب من طرف أيخمان ليس جذريًا؛ لأنه ليست له جذور في داخله ولا يتضمن أيّ إرادة لفعل

الشر من أجل الرغبة في الشر. فالشر دائمًا متطرف وليس جذريًا أبدًا، في حين أنّ الخير دائمًا

عميق وجذري. وتحمل عبارة «تفاهة الشر» جانبًا آخر، هو التفاهة وليس الشر. فالوصف الأساسي لأيخمان، بحسب

أرندت، سطحي بكل المقاييس. لهذا، لا يمكن تفسير مَيله إلى الشر إلا ككليشيهات أو لقطات كلّها

حقيقية، ما يدل على غياب الفكر لديه، وربما تظهر عبارة «غياب الفكر» في الوهلة الأولى كأحجية. فأيخمان، على غرار كلّ الأشخاص، يعي وجوده، وهو كما أكدت أرندت لم يكن غبيًا ولا بليدًا. فقد

كان يملك القدرة على التمييز بين العدل والظلم، وبين الخير والشر، بيد أنّه لم يكن قادرًا على

التفكير. فخلال أطوار المحاكمة، كان أيخمان، كما لاحظت أرندت، يتكلم بلغة نمطية وسطحية ذات طابع رسمي وإداري، فهي اللغة الوحيدة التي صار يعرفها، لأنه كان فعلً عاجزًا عن أن يتفوّه بكلمة إلا

كًانت مبتذلة. وقد كان يتكلم كموظف بيروقراطي ينفّذ أوامر أسياده، من دون أن يملك الجرأة على التفكير. وتُمثّل عبارة «غياب الفكر» من جهة عُمق تحليل حنّة أرندت للشر، ومن جهة ثانية لحظةً

لفهم طبيعة النازية وباقي الأنظمة التوتاليتارية. إنّ عجزه عن التعبير مرتبط جدًا بقصوره في التفكير، وبالخصوص انطلاقًا من وجهة نظر غيره. وهكذا، فإنّ وضعية أيخمان تجعلنا أمام الكيفية التي يتحول من خلالها أناسٌ عاديون، ويمارسون

الإبادة والتطرف والعنف كأوجه للشر. ويمكن أن نشير هنا إلى أنّ مفهوم «تفاهة الشر» يحمل دلالةً سياسيةً يمتد مفعولها إلى حدود نقد الحركة الصهيونية التي تعدّ حنّة أرندت مسؤولةً عن المعاناة التي عاشها يهود أوروبا، وإلى أنّ شخصية أيخمان هي التعبير الأكثر وضوحًا عن تفاهة الشر الذي جلبته

الأنظمة التوتاليتارية للعالم الإنساني الذي تحوّل إلى عالم لاإنساني، أو مضاد - إنساني.

(55) Catherine Valleé, Histoire et Justice, peut-on juger l’histoire? (Lyon: Éditions de l’Emmanuel/ Le Collège Supérieur, 2002), p. 123. (56) Ibid., p.129. (57) Ibid., p. 133.

(5((حنّة أرندت، أيخمان في القدس تقرير حول تفاهة الشر، ترجمة نادرة السنوسي، تقديم علي عبود المحمداوي

(وهران: ابن النديم للنشر والتوزيع، 0142)، ص.86 ((5(المرجع نفسه، ص.87

تجسد شخصية أيخمان المعنى الحقيقي لتفاهة الشر، حيث يستقيل العقل، ويتعطل الضمير، وتغيب المسؤولية، وترتفع الأخ ق، ويعلَّق القانون، وتُرتكب أفظع الجرائم والمجازر التي أدّت إلى ضياع

إنسانية الإنسان، وإلى تحويله إلى «لا شيء». وتُعدّ محاكمة أيخمان محاكمةً للشر ومصادره وأسبابه. ومن أجل رسم صورة عامة، جاز القول إنّ الشر بالنسبة إلى حنّة أرندت هو فعل إنساني، لا يخرج عن العالم الإنساني، فهو يصدر عن الإنسان، ويقع على الإنسان. فليس فيه شيء من الشيطان، وليس له أيّ مظهر ميتافيزيقي، وهو لا يرتبط بأيّ مبدأ من المبادئ الخالدة للعقل الإلهي؛ فالشر كلّه إنساني.

وإنّ الشر بكل تمظهراته، الجذري والتافه والمطلق، المعنوي والمادي، يتمثل بالنسبة إلى أرندت، واقعيًا وتاريخيًا وسياسيًا، في «الخطيئة الأصلية للصهيونية».

الشر المؤول عند بول ريكور

يتيح تفكير بول ريكور في مفهوم الشر، الولوج في دائرة من «صراع التأوي ت»، كما يفرض علينا الانتقال «من النص إلى الفعل»، ويجعلنا أمام وجودنا الهشّ الموسوم بصفة «الإنسان الخطاء»، ذلك الكائن المُعرّف بحرية الإرادة، والمتلبس بالخطيئة، والواقع في الشر، والملتمس للغفران من خلال

الاعتراف بالذنب. وضمن هذه الدائرة التأويلية التي تتزاحم فيها الرموز الأسطورية، والرموز العقلانية يفيض المعنى محطمًا قوقعة الفهم الواحد، أو التفسير النموذجي الذي تردّ إليه كل الدلالات أو

تُفهم في إطاره. فبمجرد النظر إلى الشر كرمز، فإنّ بنيته الدلالية ستكون منطويةً على معنى مزدوج «حرفي ومجازي»، بل إنّ هذه البنية قد تستدعي معاني ودلالات متعددةً إلى حدّ التناقض والصراع. ونشير هنا، إلى أنّ هذا التعدد الدلالي ينتج من كيفية عمل اللغة التي تحاول أن تجعل من نفسها مسكن الوجود، وكأنّه لا يوجد شيء خارجها. فليس الشر مجرد قضية لغوية، بل هو قضية أنطولوجية تخص الإنسان والله والعالم، وحتى إن كانت اللغة تحاول التعبير عنه، وتقديم تأوي ت بشأنه، والإمساك بمعناه المتعدد، أو بالأحرى بمعانيه المتعددة، فإنّه يتجاوزها وينفلت من كل تحديداتها. ومما

لا شك فيه أنّ الشر يُشكّل خيطًا ناظمًا لفكر ريكور، وبخاصة تأملاته حول اللغة والرمز والاستعارة

والسرد. وفي إطار هذه الرؤية العامة، تكمن المرآة الفلسفية التي تنعكس فيها رمزية الشر التي خصص لها ريكور كثيرًا من أعماله، والتي مارس فيها قراءةً فينومينولوجيةً هيرومينوطيقيةً من خلال

حواره المتشعب المسالك مع الثيولوجيا والفلسفة معًا، من دون الوقوع في الخلط بين الخطابين

الديني والفلسفي.

1  - هيرمينوطيقا الشر

لن نجانب الصواب إذا وصفنا تفكير ريكور في الشر بكونه «هيرمينوطيقا الشر»، كنمط من التفكير الفلسفي لا يسعى لتفسير ما، ولكن يروم الوصف. فليس غرض هذه الهيرمينوطيقا أن تبحث عن أصل

الشر بإرجاعه إلى أسبابه، أو النظر في وظيفته، بل قصدها النظر إليه كمعطى في العالم، أو كظاهرة

(60) Abel Olivier, «Le vocabulaire de Paul Ricoeur,» Ellipses (2007), p. 51.

قائمة في الوجود الإنساني. إنّ الشر موضوعُ فهمٍ، وليس تفسيرًا، وتبدو هيرمينوطيقا الشر، بالنسبة إلى

ريكور، كأنّها لحظة ولادة خاصة في قلب التأويل العامّ للرمزية الدينية، بمعنى أنّ «رمزية الشر هي

الوجه الآخر للرمزية الدينية». وستعمل هذه الهيرمينوطيقا، من خلال التفكير النقدي، ومن خلال

الفكر انط قااًا من الرمز، على القيام بعدة مهمّات. وإنّ أوّلَ مهمّة تتوخي تحقيقها، وهي من طبيعة

مباشرةً، إزالةُ طبقات الأسطرة التي تُغلّف مفهوم الشر، وتحجب رمزيته من التجلي والانكشاف. أمّا

ثاني مهمّة تسعى هيرمينوطيقا الشر لبلوغها، وهي غير مباشرةً، فهي «إعادة الاعتبار» للمقدس، أو نقد

الحداثة بوصفها نسيانًا للمقدس. يبدو أنّ تحدي الشر، كما وصفه ريكور، يُعيد الهيرمينوطيقا إلى أصلها وطبيعتها الأولى؛ فهي قبل أن

تكون هيرمينوطيقا فلسفيةً، أو تصير كذلك، كانت هيرمينوطيقا دينيةً، أو بدأت كذلك. فالنص الديني هو الحاضن الأول لها. وفي إطاره تشكّلت وتطورت. وعندما تعود إلى منطلق نشأتها وتشكّلها، فإنّها لا تروم تحقيق أغراض دعوية أو تبشيرية، وإنما غرضها المحوري من طبيعة تأويلية نقدية. ونضيف أنّ الشر يحمل بعدًا أنطولوجيًا؛ لأنه يتيح، أو يحتم، إعادة التفكير في الوجود الذي أصبح

«طي النسيان»، وكأنّ الشر يقع في صميم كل نظرية تعالج «نسيان الكائن»، وتدعي فهم «الكل الإنساني» وتأويله. فمن خلال رموز الشر «نقرأ فشل وجودنا»، ومن خلالها نتموضع أمام نمط من الوعي الشقي، أو اللوغوس الكاذب للشر، ويرغمنا الشر على بناء موقف من الوجود كلّه، وعلى بناء

إتيقا، ولكنها من صنف الإتيقا التي يجب عليها أن تنفلت من كل تصنيفٍ، وهي تشبه إتيقا نيتشه في ما وراء الخير وما وراء الشر، وتبحث عن «شر جذري خلف القواعد الذاتية السيئة». كما سيصل صداها إلى العلوم الإنسانية، والتحليل النفسي، وعلم الجريمة، والقانون الجنائي، والمعالجات النفسية والاجتماعية لإشكالية العنف. فعندما يوضع الشر موضع نظر وفكر وتأمل، فإنه يعني، بحسب بول ريكور، الاعتراف بوجوده وحضوره في العالم، كما يُفهم أنّ مكان ظهور الشر هو الإنسانية، أو أنّ الإنسان هو فاعله، وأنّ الشر ما كان

ليُوجد، ولكنه موجود، وأنّه دخل إلى العالم مع الإنسان. وتبعًا لهذا المعنى، ينبثق سؤال مركزي:

ما معنى أن يكون الإنسان خطَّاءً؟ وكيف تحقق دخول الشر مع الإنسان إلى العالم؟ ثمّ هل أنّ الإنسان

هو الذي أدخل الشر إلى العالم؟ أم أنه صادفه في هذا العالم واستأنفه؟ إنّ هذا السؤال يحيل، ضمنيًا،

على وجوب استحضار قضية مركزية في فلسفة بول ريكور تتعلق بما يصطلح عليه «رمزية الشر»؛ لأنّ مشكلة الشر هي ما يشكّل مدخلً لهيرمينوطيقا الرموز التي أتاحت لريكور، التحاور مع كبار أقطاب الهيرمينوطيقا من أمثال غيرهارد فون راد، وردولف بولتمان، وهانز غادمير، وفيلهليم دلتاي. وإنّ الشر

(6((بول ريكور، صراع التأويلات دراسات هيرومينوطيقية، ترجمة منذر عياشي، مراجعة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 0052)، ص.372 ((6(المرجع نفسه، ص.351 ((6(المرجع نفسه، ص.388 ((6(المرجع نفسه، ص.403

بالنسبة إلى ريكور، رمزٌ يفيض بالمعاني والدلالات، وكلّ محاولة إجابة عن الأسئلة المرتبطة به، أو فهم مشكلة حضوره في العالم، تفرض التماسّ بين حدود الميثولوجيا والثيولوجيا والفلسفة. بيد أنّ

أُفق هذه الممارسة التأويلية لريكور، هو إزالة الأسطرة عن الشر، وتعقيل الإيمان أو الدين، وهو بذلك يسعى للانتقال من فلسفة الشر إلى فلسفة المفارقة، والانتقال من النظري إلى العملي، أو الانتقال من «أنا أفكر» إلى «أنا أريد». فرمزية الشر، إذن، تطرح إشكالية العلاقة بين مجموعة من الثنائيات: الإرادي واللإرادي، المتناهي واللامتناهي، الإرادة الطيبة والإرادة الشريرة، الخطيئة والغفران، الذاكرة والنسيان. وقبل استئناف القول للوقوف على الخطوط الكبرى لرمزية الشر المؤول عند بول ريكور، نشير إلى أنّه سيعمل على استعادة العديد من التصورات الفلسفية لكانط وتضمينها في فلسفته. وعلى غرار الفلسفة النقدية التي اهتمت بحدود العقل وشرائط إمكان المعرفة، ستهتمّ هيرمينوطيقا ريكور، بحدود

المعرفة والقدرة الإنسانية. فكأنّ حدود العقل الإنساني تعطي أملً بشأن إمكانية فهم أصول الشر، أو أنّ في كتاب حدود العقل الخالص، حيث صاغ كانط العديد من المسلمات، وجد ريكور سندًا معرفيًا

وأخ قاايًا للجواب عن إشكالية الشر، وعندما يستعيد ريكور التصور الفلسفي الكانطي لتحدي

الشر، فإنّه يستعيد معه العديد من المفارقات التي نجد في مقدمتها المفارقة المترتبة على الربط بين

الشر والحرية. فإذا كان الإنسان محدودًا ومتناهيًا، فكيف يكون مسؤولً عن الشر؟ وبلغة كانطية،

تضمر مفارقةً، فإنّ الإنسان هو في الآن نفسه «الضحية المذنبة والضحية البريئة». فعلى الرغم من أنّه يقترف الشر، فهو «يشعر بكونه ضحيةً مع أنّه مذنب».

2  - الشر والخطيئة الأصلية

تقع بداية تأويل الشر عند ريكور في ما اصطلح عليه «فكّ مفهوم» الخطيئة، وهي تمثّل المحور الذي يدور حوله التأويل الثيولوجي. وبحسب هذا التأويل، فإنّ الشر لا ينفصل عن الخطيئة الأصلية، وكأنّ الإنسان خطّاء بالطبع، أو أنّ الشر نزعة موروثة، وأنّ إرادة الإنسان أسيرة للخطيئة؛ ذلك أنّ الجنس البشري، منذ الإنسان الأول أبي كل البشر، محكومٌ عليه بالخطيئة. وإنّ الفائدة الفلسفية من دراسة الشر الجذري، وفق ما يعتقد ريكور، تتمثل ب «نقد الخطيئة الأصلية بما هي معرفة مغلوطة». وتمثّل الخطيئة في نظر ريكور «معرفة كاذبة ويجب تهميشها بوصفها معرفةً»، إنّها معرفة شبه قانونية لخطيئة المواليد الجدد، ومعرفة شبه بيولوجية لنقل العاهة الموروثة، كما أنّها «معرفة كاذبة تحجز مقولةً قانونيةً للديْن، ومقولةً بيولوجيةً للوراثة في مفهوم غير منطقي». فالخطيئة

عقيدة أصلية في التصور اللاهوتي. وبفعل تأثيره، تتخذ طابعًا بيولوجيًا وقانونيًا يجعل كل أفراد الجنس

(65) Ouédraogo Paul, la problématique du sujet personnel et la logique de réciprocité chez Paul Ricoeur, Étude analytico-critique et contribution théologie morale (Madrid: Universidad sam Dàmaso, 2015), p. 69.

(6((بول ريكور، فلسفة الإرادة: الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0082)، ص.223 (6((ريكور، صراع التأويلات، ص.361 ((6(المرجع نفسه، ص.318

البشري مرتهنين لهذه الخطيئة. ونسجل هنا أنّ فكّ مفهوم الخطيئة، أو عملية تأويل عقيدة الخطيئة

الأصلية، شكّلت بالنسبة إلى ريكور، مدخلً لنقد اللغة الثيولوجية على مستوى الرموز الأسطورية، وعلى مستوى الرموز العقلانية. وقد تجلّى هذا المنحى التفكيكي والتأويلي لديه في نقده للتصور

الغنوصي الذي مارس ضغطًا على الإيمان الكنسي. تبعًا للتصور الغنوصي، فإنّ الشر يأتي ل نإإسان من الخارج أو «ينبثّ في الإنسان من الخارج »،

وقد وقعت النفس البشرية فيه. فالشر لا يتعلق بالحرية الإنسانية، ولا ينبثق منها. إنّه ينبثق من قوى خارج الإنسان، وتفرض خارجية الشر تبعًا للتصور الغنوصي عَدّه شيئًا وعالمًا وجوهرًا قائمًا بذاته

أو «يكون قائمًا بذاته». ويقود هذا التصور إلى اعتقاد مفاده أنّ الشر يتجاوز حرية الإنسان ويبطل

مفعولها. فالإنسان لا يختار اقتراف الشر، بل يجب عليه فعله وكأنّه قدره، وهو في تعارض تامٍّ مع

ذلك. إنّ التصور الثيولوجي، يرى أنّ الشر لا يكون في ذاته، ولا يأتي من خارج الإنسان، بل ينبثق من الإنسان نفسه. فليس للشر وجود خارج الإنسان، وإنما هو فعلٌ صادر عنه. ولتجذير النقد المُوجّه إلى

الغنوصية، استدعى ريكور القديس أغسطين، وهو يعدّه مَن «صاغ رؤية أخلاقية محضة للشر حيث

يكون الإنسان مسؤولً مسؤوليةً كاملة»ً. وتقود هذه الرؤية إلى أنّ الشر نابع من حرية الإنسان، ومن إرادته السيئة. وينفي أغسطين أن يكون الشر جوهرًا قائمًا بذاته في العالم، فهو بالنسبة إليه حدثٌ

عرضي، أو حدثٌ محض غير عقلاني، ويبقى الشر وفق التأويل الثيولوجي إنسانيًا على نحوٍ تامٍّ في

أصله وقصده، ومضادًا للمعرفة الغنوصية. وخ فااًا للتصور الغنوصي، تبلورت رؤية أخ قااية للشر، من أهمّ رموزها أغسطين وكانط. ويحدد

ريكور، الرؤية الأخ قااية للعالم بالنظر إليها «كجهد من أجل فهمٍ دائمٍ وحصري للحرية والشر

أحدهما بالآخر». وعندما تربط هذه الرؤية بين الشر والحرية، فإنّها تفترض أولً، وقبل كل شيء، أنّ «الشر هو إنساني - جد إنساني»، كما تفترض ثانيًا أنّ الإنسانيّ هو مكان ظهور الشر أو فضاء

تمظهره، وتفترض ثالثًا أنّ الإنسان هو فاعل هذا الشر، وتفترض أخيرًا أنّ أصل الشر الجذري يكمن

في الحرية ذاتها، أو هو اختراع من اختراعات الحرية. ويخلص بول ريكور، تبعًا لهذه الافتراضات،

إلى صَوغ علاقة تبادلية بين الشر والحرية، تكون الحرية بموجبها أصل الشر، ويكون الاعتراف بالشر

هو شرط الوعي بالحرية. تمارس الرؤية الأخ قااية شرحًا متبادلً بين الحرية والشر، فهي تشرح أحدهما بالآخر، وتهدف في

الوقت ذاته، إلى التفكير ضد جوهرانية الشر أو الشر - الجوهر. فهي تنفي أن تكون للشر طبيعة، أو أن يكون الشر شيئًا من الأشياء. وحتى إنْ كان للشر طبيعة، فهي ليست من طبيعة الأشياء، بل هي من طبيعة أصلية في الإنسان؛ وهي طبيعة الحرية نفسها.

((6(المرجع نفسه، ص.321 ((7(المرجع نفسه، ص.323 (7((ريكور، فلسفة الإرادة، ص.20 ((7(المرجع نفسه.

تنتهي الرؤية الأخلاقية إلى دعوى مركزية تُوجد عند كانط على نحوٍ صريح؛ كما تُوجد عند ريكور مبثوثةً بين تأويلاته، يُفهم الشر بموجبها كحدث يتحقق في كل مرة، من خلال ارتباطه بحرية الإرادة.

فالشر الحالي حدثٌ يتكرر بوصفه تسلسلً تاريخيًا، وتقليدًا للشر الأول. وتحت تأثير هذه الرؤية،

يشير ريكور، إلى أنّ الشر انبثق في العالم بواسطة الإنسان. فالشر المنبثق بفعل الإنسان الإرادي والحر، لا ينفصل عن الشر المتألم به. وهذه الع قااة بين الشر المرتكب والشر المتألم به، تفيد أنّ الإنسان هو الفاعل والضحية، وتعني أنّ الفعل الإنساني هو موضوع للاتهام والتأنيب، وأنّ الخطيئة لا تنفكّ من الألم، وهو ما يستوجب الغفران والاعتراف. بيد أنّ معرفة الشر كواقع يسبق في وجوده وجود الإنسان، تحتاج إلى وسائط وتأوي ت؛ لأنّه يوجد فراغ ما بين إمكانية وجود الشر وبين واقعيته، أو هوة لا يمكن عبورها إلا من خ لاا مسالك ملتوية وغير مباشرة، تنطلق من تأويل الاعتراف الذي يقوم به الوعي الديني في اللغة الرمزية والأسطورية. فلغة الاعتراف لغة رمزية؛ إذ تتكلم على الخطيئة والذنب والغفران بمصطلحات مجازية ووسائط غير مباشرة، ويستدعي فهمها فكّ الرموز وتأويلها؛ لأنّ الرموز هي ما يبعث على التفكير.

3  - الشر وسقوط الإنسان الأول

حتى يتمكن التفكير الفلسفي من الولوج في رمزية الشر وتحليل عناصرها، فإنّ ريكور جعل من عالم

الأساطير مدخلً للقيام بهذه المهمّة. وفي مركز ثقل هذا العالم، تقع أسطورة السقوط كإطار مرجعي؛

أي سقوط الإنسان الأول أبي كل البشر. إنّ الإنسان الخطاء كائن ساقط، وتحمل صفة «ساقط»، أو

فعل «السقوط»، عدّة معانٍ، إذ يدلّ السقوط على معنى النزول؛ فهو ساقط من مكان أعلى كان يُوجد

فيه من قبلُ إلى مكان أدنى، أو أقلّ شأنًا، يُقيم فيه الآن، كما يدل السقوط على معنى الرذيلة والإثم؛

فهو ساقط مقترف للشرور ومرتكب للمعاصي. وممّا يشدد عليه ريكور أنّ التفكير في الشر كشرّ

لا يكون ممكنًا إلا انطلاقًا من السقوط، أو ممّا ينتج من هذا السقوط. وتدل رمزية السقوط على أن

اللاعصمة هي شرط الشر. يدفع ريكور بهذا التأويل إلى أقصى مداه، عندما يربط أسطورة السقوط بأسطورة الخلق والبراءة؛ لأنّ الأسطورة الأولى لا تكون ممكنةً إلا في الأسطورة الثانية. وانطلاقًا من التعالق بين هاتين الأسطورتين، يمكن التساؤل: أخُلق الإنسان شريرًا أم أنه يصير كذلك؟

وما الأصل في الإنسان؛ البراءة أم الخطأ؟ ربما تشير أسطورة الخلق والبراءة إلى أنّ الشر طارئ على الإنسان الذي هو في الأصل كائنٌ طيب، وتشير أسطورة السقوط إلى الانحراف عن البراءة إلى الشر.

فداخل هذا العالم الأسطوري، يبدو أنّ الانحراف عن البراءة والوقوع في الخطيئة الأصلية يرتبطان بفعل الإغواء الذي ترمز إليه صورة المرأة «حواء»، وكأنّ الشر من خ لاا الإغواء يعمل على جذب

الإنسان وفِتنته.

((7(المرجع نفسه، ص.215-214 ((7(المرجع نفسه، ص.216

بالنظر إلى ما سبق ذكره، يمكن إعادة تأويل المقولة الكانطية «الشر الجذري»، وذلك من خلال تعريف الإنسان أنثروبولوجيًا ككائن ساقط وخطّاء ولامعصوم؛ لأنه وجود حرّ. فالحرية تعبّر عن السقوط،

وتعني ضمنيًا اللاعصمة واللاتناسب والضعف والهشاشة، وهو ما يميز الوجود الإنساني. وتبعًا لهذا

المعنى، فإنّ السقوط الناتج من الإغواء هو إمكانية الشر الأولى. وفي تأويله لأسطورة الإنسان الأول، أسطورة السقوط، وقف بول ريكور عند العديد من الرموز، عاملً على إزالة ما علق بها من صور أسطورية، صابغًا إيّاها بطابع عقلاني. فعلى سبيل المثال، وقف عند

رمزية الأفعى التي تمثّل في قلب أسطورة آدم «الوجه الآخر للشر»، كما تعني الأفعى أنّ الإنسان لا يبدأ الشر، بل يجده. فالأفعى هي ما يمثل «الموجود دائمًا هنا»، الخاص بالشر الذي يُعدّ بدايةً

وفعلً وتحديًا للحرية نفسها. عندما عمل ريكور على العودة إلى الأسطورة للبحث عن العلاقة بين الشر والخطيئة الأصلية، فكأنه أراد - بلغة التحليل النفسي - أن يكشف عن وجود ال وااعي التاريخي للإنسان الذي يعاود الظهور في كل مرة عبر التجارب الإنسانية المتعددة، وخلف أقنعة متعددة؛ دينية وأخلاقية وسياسية. فالإنسان يستبطن الشر، ويمارسه، وهو يتمظهر في الأفعال والسلوك، مع اختلاف درجات هذا التمظهر وكيفياته.

4  - الإنسان الخطاء فاعلا للشر

في الجزء الأول من كتاب فلسفة الإرادة الإنسان الخطاء، وفي إطار الحوار مع الموروث الديني من أجل تعقّله وتأويله، يتناول ريكور، مفهوم «اللاعصمة»، جاعلً منه مدخلً للنظر في العلاقة بين الشر والخطيئة الأصلية، ونقطة انطلاق لتأسيس أنثروبولوجيا فلسفية حول الإنسان الخطاء. ويمكن التعبير عن مفهوم اللاعصمة واستشكاله من خلال السؤالين: كيف يجد الإنسان نفسه عرضةً للخطأ؟ أينبع الشر من البراءة أم من البؤس؟ يعني تعريف الإنسان بالخطاء أنّ إمكانية اقتراف الشر المعنوي «منقوشة في تكوين الإنسان»، ويقتضي هذا التعريف، بحسب ريكور، إيراد توضحين؛ يتعلق الأول بالتكوين البدئي الذي تكمن فيه إمكانية الخطأ، في حين يتعلق الثاني بإمكانية الخطأ نفسها، وهما معًا يتجهان إلى الجواب عن السؤال:

لماذا يخطئ الإنسان؟ ولماذا يقترف الأخطاء؟ وحتى يقدّم بول ريكور إجابةً ممكنةً عن السؤال، يعود إلى التقليد الفلسفي، من خلال الإحالة على الفيلسوف ليبنتز الذي يُرجع الشر المعنوي إلى محدودية

المخلوقات. بيد أنّ بول ريكور لا يفهم المحدودية بمعنى إمكانية الخطأ، بل يحددها بعدم تطابق الذات الإنسانية مع ذاتها. فليس المقصود هنا المحدودية الصورية، وإنما محدودية الإنسان. وتحقيقًا لإيضاح المقصود بالمحدودية الإنسانية، ينطلق بول ريكور من فرضية عملٍ مفادها أنّ «الإنسان ضعيف بتكوينه، ويمكن أن يخطئ». وتتفرع من هذه الفرضية فرضية ثانية تنص على

(7((ريكور، صراع التأويلات، ص.348 ((7(المرجع نفسه، ص.199

«عدم تطابق الإنسان مع نفسه، فهذا ال تااناسب بين الذات وذاتها هو نسبة ال عااصمة»، ويشير التركيب المنهجي بين هاتين الفرضيتين، إلى أنّ ريكور سيبحث عن ال عااصمة في ال تااناسب، ومن ثمّ يغدو من المشروع التساؤل، أين يُوجد هذا اللاتناسب؟ إنّه يكمن في الإنسان نفسه بوصفه

كائنًا محدودًا لا يتطابق مع ذاته. ويمكن التعبير عن هذا اللاتناسب بالمفارقة الديكارتية للإنسان

المتناهي -مااتناهي؛ وهي لا تعني، بحسب تأويل ريكور، التعارض بين المتناهي واللامتناهي، ال

بقدر ما تعني النظر إلى الإنسان كلّه. وفي هذا الكل يقع اللاتناسب واللاتطابق بين الذات وذاتها، أو اللاتناسب بين العقل والإحساس، أو بين العمل والشعور، أو العمل والمنظور. فبموجب الأنثروبولوجيا الفلسفية المتمركزة حول اللاعصمة، يتحدد الإنسان ككائن خطّاء، وإنّ القول

إنّ الإنسان خطّاء يعني أنّ المحدودية الخاصة بالكائن الذي لا يتطابق مع نفسه، هي الضعف الأصلي الذي يجعل الشر ممكنًا، ومع ذلك فإنّ الشر لا ينبثق من هذا الضعف. وهذه المفارقة الأخيرة تقع

في قلب رمزية الشر. فالضعف إنْ كان يجعل الشر ممكنًا، فهو ليس مصدرًا له. وبحسب ريكور،

فإنّ الضعف يجعل الشر ممكنًا بعدة معانٍ، وأوّل هذه المعاني أنّ الضعف هو الذي يجعل الشر

يدخل إلى الإنسان، ومن خلاله يدخل إلى العالم، ويدل على «المحدودية النوعية التي تجعل الشر ممكنًا». وبهذا المعنى، ليست اللاعصمة سوى إمكانية للشر، وثاني هذه المعاني يفيد أنّ اللاتناسب

هو ما يجعل الشر ممكنًا، ويُقصد باللاتناسب قدرة الإنسان على الخطأ مع نكران ذلك، بمعنى أنّ

الإنسان يخطئ ويرفض الاعتراف بأخطائه، وبحسب وصف ريكور «من الشر أن يكون الإنسان حافلً بالأخطاء، ولكنّ الشر الأكبر أن يكون عنده كل هذه الأخطاء ولا يريد الاعتراف بها». فالضعف،

بمعنى اللاعصمة أو اللاتناسب، يشكّل سمةً محددةً للتكوين الأنطولوجي للإنسان. فهو كائن ضعيف ومحدود، وإنّ الشر دخل معه إلى العالم. يعالج ريكور الإشكاليات المرتبطة بالميتافيزيقا التقليدية التي تشكّلت حول رسائل التيوديسة، أو ما يصطلح عليها ب «العدل الإلهي». والمفارقة الضمنية في هذه الرسائل هي العلاقة بين حضور الشر في العالم في مواجهة صفات الإله المطلق، وتصدر عن هذه المفارقة مفارقة ثانية تخص العلاقة بين الخطيئة الأصلية وحرية الإنسان، وفي الإمكان التعبير عن هاتين المفارقتين بواسطة السؤالين التاليين: كيف يمكن تبرير حضور الشر أمام الخير ال نااهائي والقوة المطلقة ل لإإه؟ وإذا كان الإنسان أسيرًا

لخطيئة الشر، فكيف يمكن تبرير حريته؟ كحلٍّ لهاتين المفارقتين، تؤكد رسائل التيوديسة (رسالة ليبنتز

مثلً) أنّ الإله هو مطلق القدرة، والله هو الخير المطلق، ومع ذلك فإنّ الشر موجود. في دراسته التي تحمل عنوان «الشر: تحدّ للفلسفة واللاهوت»، يستعرض ريكور عدّة مستويات من تحليل الخطاب الساعي لفهم تحدي الشر وتأويله: مستوى الأسطورة، ومستوى الحكمة، ومستوى

(77)  Paul Ricoeur, «De la moral à l’éthique et aux éthiques,» in: Un siècle de philosophie (1900-2000) , (Paris: Gallimard, 2000), p. 113.

(7((ريكور، فلسفة الإرادة، ص.217 ((7(المرجع نفسه، ص.21 ((8(المرجع نفسه، ص.42

الغنوصية، ومستوى التيوديسة، ومستوى الديالكتيك المحطم. وعبر هذه المستويات، يسعى ريكور للكشف عن محدودية التيوديسة في حلّ لغز الشر وفهْم واقعيته. وبالنسبة إليه، فإنّ كل رسائل التيوديسة

تبقى غير قادرة على تفسيرٍ أو حلٍّ للتناقض القائم بين واقعية الشر وحضوره في العالم، والاعتقاد بالصفات المطلقة للإله، كما أنّ برهانها يتسم بالمحدودية والنسبية. وكبديل من هذه التيوديسات، يرى بول ريكور، فينومينولوجيًّا، أنّ تجربة الشر هي الكفيلة بفهم الشر كحضور في الواقع. وعبر هذه المستويات المتعددة للخطاب، يكشف ريكور أنّ الشر يشكّل تحديًا للميثولوجيا والفلسفة

معًا. فمهما عملت التفسيرات الميثولوجية والخطابات الفلسفية على عقلنته وإضفاء المعنى عليه،

فإنّها تبقى غير مقنعة. فالشر ينفلت من المعنى، بل هو ما يقاوم المعنى، ويهدمه. إنّه سديم وعماء ضبابي، ولكنّه يغلّف الوجود الأنطولوجي ل نإإسان، ويفرض نفسه كموضوع للتفكير والتأويل من

خلال الأسطورة والرمز، وانطلاقًا من الواقع. وهو بذلك لا يترك للإنسان خيارًا غير مواجهته ومصارعته.

خاتمة

عندما يواجه الإنسان تجربة الشر في العالم، تفكيرًا فيها أو مشاهدةً ومعاشيةً لها، فإنّ ذلك يفرض عليه

النظر في ذاته والرجوع إلى كينونته وتأمّل وجوده، ووضع إنسانيته موضع سؤال؛ وبذلك تصبح كل

إمكانية لبناء خطاب فلسفي من أجل الإمساك بمعنى الشر محاولةً للتفكير في هوية الإنسان والنظر في أفعاله ومفعوله في العالم. فكأنّ حضور الشر في العالم لا ينفصل عن حضور الإنسان. وإنّ الشر ليس قضيةً نظريةً مجردةً ومتعاليةً تحلّق في سماء الأفكار والمعقولات فحسب، بل إنّ حضوره الواقعي يجعل منه قضيةً عمليةً تمسّ الإنسان في وجوده ومصيره. وتكشف الخطابات الفلسفية حول

الشر، منظورًا إليه من زاوية جذريته وتفاهته ورمزيته، تكاملها في بناء أطروحة عامة تفيد أنه فعلٌ

إنساني، أو أنّه يرتبط باستعمال الإنسان لحريته في الفضاء العمومي كمجال مسكونٍبصراع الإرادات.

وعندما يرتبط الشر بالصراع، فإنّه يزداد جذريةً وتفاهةً وابتذالً، وتتعقد رمزيته؛ لأنّه يزداد غموضًا والتباسًا. ويحصل ذلك في وقت يجد فيه خطابات سياسيةً ودينيةً تغذّيه، وتعمل على إضفاء الشرعية

والمشروعية عليه، وتلبسه لبوسًا قانونيًا وأخلاقيًا. ونؤكد هنا أنّ الشر يبقى، من خلال تمظهراته، فاقدًا

للمشروعية الأخلاقية والشرعية القانونية، ويكون مقترِفه، لأيّ سبب من الأسباب، مدانًا. وإنّ الإنسان

مدعوٌّ اليوم، أكثر من أي وقت آخر، إلى مواجهة الشر، من خ لاا حُسن استعمال ذاته أو حُسن

استعمال حريته؛ حتى يحافظ على إنسانيته. إنّ الشر من صنف الأفعال الحرة التي تصدر عن الإنسان، بوصفه كائنًا ناقصًا خطّاءً ولامعصومًا.

وتُشكّل إرادته الحرة منبع أفعاله الخيرة، كما تمثّل مصدر أفعاله الشريرة. فالإنسان يصنع وجوده ويبدع

ماهيته من خ لاا ما يختاره ويفعله، ويحدد طبيعته وطبيعة أفعاله؛ ذلك أنّ وجوده ملكٌ له، وأفعاله مظهر عملي يجسد حضوره في هذا العالم. وإنّ الشر والخير وجهان للفعل الإنسان الحر والإرادي، وكل واحد منهما يُعرف بالآخر. ثمّ إنّ حديثنا عن الشر يستبطن دعوتنا إلى فعل الخير. فالإرهاب

والتطرف والعنصرية والحروب والقتل كلّها شرور، أو طبقات من الشر، بعضها فوق بعض، وإنّ

والتعددية ونشر السلم والاعتراف بالمغاير دينيًا وثقافيًا وعرقيًا.

المراجع

العربية

المحمداوي. وهران: ابن النديم للنشر والتوزيع،.2014

مراجعة زكريا إبراهيم. بيروت: جداول،.2014

سلسلة ندوات ومناظرات 8.12 الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2005

عطية (محرر). كانط وأنطولوجيا الحاضر. بيروت: دار الفارابي،.2010

بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2005

الثقافي العربي،.2008

الجديد المتحدة،.2009

الإنسانية قد ضجرت من ذلك، وهي تتوق إلى الخير من خلال نشر قيم التسامح والإيمان بالاختلاف

References

أرندت، حنّة. أيخمان في القدس تقرير حول تفاهة الشر. ترجمة نادرة السنوسي. تقديم علي عبود

________. بين الماضي والمستقبل: ستة بحوث في الفكر السياسي. ترجمة عبد الرحمان بشناق.

________. الوضع البشري. ترجمة هادية العرقي. بيروت/ الرباط: جداول/ مؤسسة مؤمنون بلا حدود،

________. أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد. ط.2 بيروت: دار الساقي،.2016 إيمانويل، كانط. الدين في حدود مجرد العقل. ترجمة فتحي المسكيني. لبنان: جداول للنشر والتوزيع،

التأصيل النقدي للحداثة وما بعدها: قراءة في الفلسفة الكانطية. تنسيق محمد المصباحي.

ريكور، بول. في التفسير: محاولة في فرويد. ترجمة وجيه أسعد. دمشق: أطلس للنشر والتوزيع،

المسكيني، فتحي. «كانط ما بعد هايدجر الإنسان (ما هو؟) أم (من هو؟)». في: أحمد عبد الحليم

________. صراع التأوي ت دراسات هيرومينوطيقية. ترجمة منذر عياشي. مراجعة جورج زيناتي.

________. فلسفة الإرادة: الإنسان الخطاء. ترجمة عدنان نجيب الدين. ط.2 الدار البيضاء: المركز

________. الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب

الأجنبية

Arendt, Hannah. «Compréhension et politique.» Esprit (juin 1980). ________. La philosophie de l’existence et autres essais. Paris: Payot, 2015. Colin, Françoise. L’Homme est-il devenu superflu? Paris: Edition Odile Jacob, 1999. De Facendis, Dario. «Hannah Arendt et le mal.» in: Hannah Arendt, le totalitarisme et le monde contemporain. Canada: Presses de l’Université Laval. Delmas, Christian. Hannah Arendt, une pensée trinitaire: une nouvelle approche de son ouvre. Germany: Harmattan, 2006. Ehrwein Nihan, Céline. Hannah Arendt: une pensée de la crise: la politique aux prises avec la morale et la religion. Genève: éditions Labor et Fides, 2011. Grimm, Stephen R. «Kant’s argument for radical evil.» European Journal of Philosophy. vol. 10, no. 2 (2002). Kristeva, Julia. Le génie féminin, la vie, la folie, les mots, Hannah Arendt. vol. 1 Paris: Gallimard, 1999. Olivier, Abel. «Le vocabulaire de Paul Ricoeur.» Ellipses (2007). Paul, Ouédraogo. la problématique du sujet personnel et la logique de réciprocité chez Paul Ricoeur, Étude analytico-critique et contribution théologie morale. Madrid: universidad sam Dàmaso, 2015. Piche, Claude. «Le Mal radical chez Fichte et Kant et Schelling.» Symposium. vol. 111, no. 2 (1999). Ricoeur, Paul. «De la moral à l’éthique et aux éthiques.» in: Un siècle de philosophie (1900-2000). Paris: Gallimard, 2000. ________. Préface à La condition de l’homme modern. Paris: Pocket Agora, 1994. ________. Le mal: défi à la philosophie et à la théologie. Genève: Labor et Fides, 1986. ________. Le conflit des interprétations: Essais d’herméneutique. Paris: Seuil, 1969. Su Yang, Myung. «la représentation religieuse chez Kant et la philosophie Kérygmatique de la religion de Ricoeur.» Études Ricoeuriennes. vol. 3, no. 2 (2012). Valleé, Catherine. Histoire et Justice, peut-on juger l’histoire? Lyon: Éditions de l’Emmanuel/ Le Collège Supérieur, 2002.